← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

أبى جُودُه لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ به … نَعَمْ مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ (١) قاتِلُهْ وقال: فَسَّرته العربُ: أَبَى جُودُه البخلَ. وجعلوا "لا" زائدةً حشوًا ههنا، وَصَلوا بها الكلامَ. قال: وزَعَم يونسُ أن أبا عمرٍو كان يَجُرُّ البخلَ، ويجعلُ "لا" مضافةً إليه، أراد: أبى جودُه "لا" التي هي للبخلِ. ويجعلُ "لا" مضافةً؛ لأن "لا" قد تكونُ للجودِ والبخلِ؛ لأنه لو قال له: امنعِ الحقَّ ولا تُعْطِ المساكينَ. فقال: "لا". كان هذا جودًا منه. وقال بعضُ نحويى الكوفةِ (٢) نحوَ القولِ الذي ذكرْناه عن البصريِّ (٣) في معناه وتأويلِه، غيرَ أنه زَعَم أن العلةَ في دخولِ "لا" في قولِه: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾. أن في أولِ الكلامِ جحدًا، يعنى قولَه: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾. وأن العربَ ربما أعادوا في الكلامِ الذي فيه جحدٌ، جحدًا، كالاستيثاقِ (٤) والتوكيدِ له، قال: وذلك كقولِهم (٥): ما إِنْ رَأَيْنا مِثْلَهُنَّ لمعشرٍ … سُودِ الرءوسِ فَوالجٌ (٦) وفُيُولُ فأعادَ على الجحدِ الذي هو "ما" جحدًا، وهو قولُه: "إنْ". فجَمَعَهما للتوكيدِ.

стр. 6792

وقال آخرُ منهم: ليست "لا"، بحشوٍ في هذا الموضعِ ولا صلةٍ (١)، ولكن المنعَ ههنا (٢) بمعنى القولِ. قال: وإنما تأويلُ الكلامِ: من قال لك: لا تسجُدْ إذ أمرتُك بالسجودِ؟ ولكن دَخَل في الكلامِ "أنْ"، إذ كان المنعُ بمعنى القولِ لا في لفظِه، كما يُفْعَلُ ذلك في سائرِ الكلام الذي يضارعُ القولَ وهو له في اللفظِ مخالفٌ، كقولِهم: ناديتُ ألَّا تَقُمْ. و: حلَفتُ ألَّا تجلسْ. وما أشبهَ ذلك من الكلامِ. وقال: [خفَض البخلَ] (٣) مَن رَوَى: أبى جودُه لا البخلِ. بمعنى: كلمةَ البخلِ؛ لأن "لا" هي كلمةُ البخلِ، فكأنه قال: كلمةَ البخلِ. وقال بعضُهم: معنى المنعِ الحولُ بينَ المرءِ وما يريدُه. قال: والممنوعُ مضطرٌّ (٤) إلى خلافِ ما مُنِعَ منه، كالممنوعِ مِن القيامِ وهو يريدُه، فهو مضطرٌّ مِن الفعلِ إلى ما كان خلافًا للقيامِ، إذ كان المختارُ للفعلِ هو الذي له السبيلُ إليه وإلى خلافِه، فيُؤثِرُ أحدَهما على الآخرِ فيفعلُه. قال: فلما كانت صفةُ المنعِ ذلك، فخوطِب إبليسُ بالمنعِ، فقيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. كان معناه: كأنه قيل له: أيُّ شيءٍ اضطرَّك إلى ألا تسجدَ؟ والصوابُ عندى مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إِنَّ في الكلامِ محذوفًا قد كَفَى دليلُ الظاهرِ منه، وهو أن معناه: ما مَنَعك من السجودِ فأحْوجَك ألا تسجدَ؟ فتَرَك ذكرَ "أحْوجك" استغناءً بمعرفةِ السامعين قولَه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ

стр. 6793

السَّاجِدِينَ﴾. أن ذلك معنى الكلامِ، من ذكره، ثم عَمِلَ قولُه: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾. في "أنْ" ما كان عاملًا فيه قبلَ "أحْوجَك" لو ظَهَر، إذ كان قد نابَ عنه. وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ؛ لِما قد مَضَى مِن دلالتِنا قبلُ على أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ في كتابِ اللهِ شيءٌ لا معنَى له، وأن لكلِّ كلمةٍ معنًى صحيحًا، فبَيِّنٌ (١) بذلك فسادُ قولِ مَن قال: "لا" في الكلامِ حشوٌ لا معنَى لها. وأما قولُ مَن قال: معنى المنعِ ههنا القولُ، فلذلك دخلَت "لا" مع "أن". فإن المنعَ وإن كان قد يكونُ قولًا وفعلًا، فليس المعروفَ في الناسِ استعمالُ المنعِ في الأمرِ بتركِ شيءٍ؛ لأن المأمورَ بتركِ الفعلِ إذا كان قادرًا على فعلِه وتركِه، ففعَلَه، لا يقالُ: فَعَله وهو ممنوعٌ مِن فعلِه. إلا على اسْتكراهٍ للكلامِ. وذلك أن المنعَ من الفعلِ حَوْلٌ بينَه وبينَه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ وهو مَحُولٌ بينَه وبينه فاعلًا له؛ لأنه إن جازَ ذلك وَجَب أن يكونَ محولًا بينَه وبينَه، لا مَحولًا، وممنوعًا لا ممنوعًا. وبعدُ، فإن إبليسَ لم يأتمِرْ لأمرِ اللهِ بالسجودِ لآدمَ كِبْرًا، فكيف كان يأتمرُ لغيرِه في تركِ أمرِ اللهِ وطاعتِه بتركِه السجودَ لآدمَ، فيجوزَ أن يقالَ له: أيُّ شيءٍ قال لك: لا تسجُدْ لآدمَ إذ أمرتُك بالسجودِ له (٢)؟ ولكن معناه إن شاء اللهُ ما قلتُ: ما منَعَك من السجودِ له فأحْوجَك، أو: فأخْرجك، أو: فاضْطرَّك إلى ألا تسجُدَ له. على ما بَيَّنتُ. [وأمّا قولُه] (٣): ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. فإنه (٤) خبرٌ مِن

стр. 6794

اللهِ جلّ ثناؤه عن جوابِ إبليسَ إياه إذ سأله ما الذي منَعه من السجودِ لآدمَ فأحْوجَه إلى ألا يسجدَ له، واضْطرَّه إلى خلافِه [أمرَ ربِّه] (١)، وتركه طاعتَه، أن المانعَ كان له من السجودِ، والداعيَ له إلى خلافِ أمرِ ربِّه في ذلك، أنه أشدُّ منه أيْدًا (٢)، وأقوى منه قوةً، وأفضلُ منه فضلًا؛ لفضلِ الجنسِ الذي منه خُلِقَ، وهو النارُ، على (٣) الذي منه خُلِق آدمُ، وهو الطينُ، فجَهِلَ عدوُّ اللهِ وجهَ الحقِّ، وأخْطأ سبيلَ الصوابِ، إذ كان معلومًا أن مِن جوهرِ النارِ الخِفَّةَ والطيشَ والاضْطرابَ والارتفاعَ علوًّا، والذي في جوهرِها مِن ذلك هو الذي حَمَل الخبيثَ بعد الشقاءِ الذي كان (٤) سَبَق له مِن اللهِ في الكتابِ السابقِ، على الاستكبارِ عن السجودِ لآدمَ، والاسْتخْفافِ بأمرِ ربِّه، فأورَثَه العَطَبَ والهلاكَ، وكان معلومًا أن مِن جوهرِ الطينِ الرَّزانةَ والأناةَ والحلمَ والحياءَ والتثبُّتَ، وذلك الذي [هو مِن] (٥) جوهرِه من ذلك، كان الداعيَ لآدمَ، بعدَ السعادةِ التي كانت سَبَقَت له مِن ربِّه في الكتابِ السابقِ، إلى التوبةِ مِن خطيئتِه، ومسألتِه ربَّه العفوَ عنه والمغفرةَ. ولذلك كان الحسنُ وابنُ سيرينَ يقولان: أولُ مَن قاسَ إبليسُ. يعنيان بذلك القياس الخطأَ. وهو هذا الذي ذكرنا من خطإِ قولِه، وبُعْدِه مِن إصابةِ الحقِّ، في الفضلِ الذي خَصَّ اللهُ به آدمَ على سائرِ خلقِه، من خلقِه إياه بيدِه، ونفخِه فيه مِن روحه، وإسجادِه له ملائكتَه، وتعليمِه أسماءَ كلِّ شيءٍ، مع سائرِ ما خَصَّه اللهُ به مِن كرامتِه، فضَرَبَ عن ذلك كلِّه الجاهلُ صفحًا، وقَصَدَ إلى الاحتجاجِ بأنه خُلِقَ مِن نارٍ وخُلِقَ آدمُ من طينٍ، وهو في ذلك أيضًا له غيرُ كُفْءٍ، لو لم يكنْ لآدمَ مِن اللهِ تَكْرِمةٌ بشيءٍ غيرِه، فكيف والذي خُصَّ

стр. 6795

به مِن كرامتِه يكثرُ تعدادُه، ويُمَلُّ إحصاؤُه. حدَّثني عمرُو بنُ مالكٍ (١)، قال: ثنا يحيى بنُ سُلَيْمٍ الطائفيُّ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، قال: أَوَّلُ مَن قاسَ إبليسُ، وما عُبِدَت الشمسُ والقمرُ إلا بالمقاييسِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن ابن شَوْذَبٍ، عن مطرٍ الورَّاقِ، عن الحسنِ قولَه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. قال: قاسَ إبليسُ، وهو أولُ من قاسَ (٣). وبنحوِ ما (٤) قلنا في تأويلِ (٥) ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكر من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عمارةَ، عن أبي روقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا خَلَقَ الله آدمَ قال للملائكةِ الذين كانوا مع إبليسَ خاصةً دونَ الملائكةِ الذين في السماواتِ: اسْجُدُوا لآدمَ. فسَجَدوا كلُّهم أجمعون، إلا إبليسَ [أبَى و] (٦) استكبَر، لما كان [حدَّثَتْه به] (٧) نفسُه مِن كبرِه واعتزازِه (٨). فقال: لا أسجدُ له، وأنا خيرٌ منه، وأكبرُ سِنًّا، وأقوى خَلْقًا؛ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ

стр. 6796

نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. يقولُ: إن النارَ أقوى مِن الطينِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾. قال: ثم جَعَل ذرِّيتَه مِن ماءٍ. وهذا الذي قاله عدوُّ اللهِ ليس لِما سألَه عنه بجوابٍ، وذلك أن الله تعالى ذكرُه قال له: ما مَنَعك من السجودِ؟ فلم يُجِبْ بأن الذي منعه من السجودِ أنه خُلِقَ مِن نارٍ وخُلِقَ آدمُ من طينٍ، ولكنه ابتدَأ خبرًا عن نفسِه، فيه دليلٌ على موضعِ الجواب، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. القول في تأويلِ قوله : ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قال اللهُ لإبليسَ عندَ ذلك: فاهْبِطْ منها. وقد بَيَّنا معنى الهبوطِ فيما مَضَى قبلُ بما أغنَى عن إعادتِه (١). ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقال اللهُ له: اهبِطْ منها. يعنى من الجنةِ، ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾. يقولُ: فليس لك أن تستكبرَ في الجنةِ عن أمرى وطاعتى. فإن قال قائلٌ: وهل لأحدٍ أن يَتَكَبَّرَ [عن أمرِ اللهِ وطاعتِه في غيرِ الجنةِ فيقالَ: ليس لك أن تتكبَّرَ] (٢) في الجنةِ؟ قيل: إن معنى ذلك بخلافِ ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك: فاهبِطْ مِن الجنةِ؛ فإنه لا يسكُنُ الجنةَ مُتَكَبِّرٌ عن أمرِ اللهِ، فأما غيرُها، فإنه قد يَسْكُنُها المستكبرُ

стр. 6797

عن أمرِ اللهِ والمستكينُ لطاعتِه. وقولُه: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾. يقولُ: فاخرُجْ مِن الجنةِ، إنك من الذين قد نالَهم مِن اللهِ الصَّغَارُ، وذلك (١) الذلُّ والمَهانةُ. يقالُ منه: صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَرًا وصَغَارًا وصُغْرانًا. وقد قيل: صَغُرَ يَصْغُرُ صَغَارًا وصَغَارَةً. وبنحوِ ذلك (٢) قال السديُّ. حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: والصَّغَارُ هو الذلُّ. القولُ في تأويل قولِه : ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾. وهذه (٣) جَهْلةٌ أُخرى من جَهَلاتِه الخبيثِ (٤)، سأل ربَّه ما قد علِم أنه لا سبيلَ لأحدٍ من خلقِ اللهِ إليه، وذلك أنه سأل النَّظِرةَ إلى قيامِ الساعةِ، وذلك هو يومُ يَبْعَثُ اللهُ فيه الخلقَ، ولو أُعطِى ما سأل مِن النَّظرةِ، كان قد أُعطِي الخلودَ، وبقاءً لا فناءَ معه، وذلك أنه لا موتَ بعد البعثِ. فقال جلّ ثناؤُه له: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧، ٣٨، ص: ٨٠، ٨١]. وذلك إلى اليومِ الذي قد كَتَبَ اللهُ عليه فيه الهلاكَ والموتَ والفناءَ؛ لأنه لا شيءَ يَبْقَى فَلا يَفْنَى، غيرُ رَبِّنَا الحَيِّ الذي لا يموتُ. يقولُ اللهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧]. والإنظارُ في كلام العرب التأخيرُ، يقالُ منه: أنظرتُه بحقِّى عليه، أُنْظِرُه به إنْظارًا.

стр. 6798

فإن قال قائلٌ: فإن الله ﵎ قد قال له إذ سأله الإنظارَ إلى يومِ يُبْعَثون: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. في هذا الموضعِ، فقد أجابه إلى ما سأل؟ قيل (١): ليس الأمرُ كذلك، وإنما كان يكونُ (٢) مُجِيبًا له إلى ما سأل لو كان قال له: إنك مِن المُنْظَرِين إلى الوقتِ الذي سألتَ، أو إلى يومِ البعثِ، أو إلى يومِ يُبْعَثون. أو ما أشبهَ ذلك مما يدلُّ على إجابتِه إلى ما سأل مِن النَّظِرةِ. فأما قولُه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. فلا دليلَ فيه لولا الآيةُ الأخرى التي قد بَيَّن فيها مدةَ إنظارِه إياه إليها، وذلك قولُه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾. كم (٣) المدةُ التي أنْظَره إليها؛ لأنه إذا أَنْظَرَه يومًا واحدًا أو أقلَّ منه أو أكثرَ، فقد دَخَلَ في عِدادِ المُنْظَرين، وتَمَّ فيه وعدُ اللهِ الصادقُ، ولكنه بَيَّنَ قدرَ مدةِ ذلك بالذي ذكرنا، فعُلِمَ بذلك الوقتُ الذي أُنْظِر إليه. وبنحوِ ذلك كان السديُّ يقولُ. حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨، ص: ٧٩ - ٨١]. فلم يُنْظِرْه إلى يوم البعثِ، ولكن أنظَرَه إلى يومِ الوقتِ المعلومِ، وهو يومُ يُنفخُ في الصورِ النفخةُ الأولى، فصَعِقَ مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ فماتَ (٤). فتأويلُ الكلامِ: قال إبليسُ لربِّه: ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾. أي: أَخِّرْنى وأَجِّلْنى:

стр. 6799

وأنْسِئْ في أَجَلى، فلا تُمِتْنى ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ: إلى يومِ يُبْعَثُ الخَلقُ. فقال تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾: إلى يوم يُنْفَخُ في الصورِ فَيَصْعَقُ مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ إلا مَن شاء اللهُ. فإن قال قائلٌ: وهل أحدٌ مُنْظَرٌ إلى ذلك اليومِ سوى إبليسَ فيقالَ له: إنك منهم؟ قيل: نعم، مَن لم يقبضِ اللهُ روحَه من خلقِه إلى ذلك اليومِ ممن تقومُ عليه الساعةُ، فهو (١) مِن المُنْظَرين بآجالِهم إليه، ولذلك قيل لإبليسَ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. بمعنى: إنك ممن لا يُمِيتُه اللهُ إلا ذلك اليومَ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: قال إبليسُ لربِّه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. يقولُ: [فبأَيِّ شيءٍ] (٢) أضْلَلْتَني. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. يقولُ: أَضْلَلْتَنى (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. قال: فبما أضْللتني. وكان بعضُهم يتأوَّلُ قولَه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: بما أَهْلَكْتَنى. مِن قولِهم:

стр. 6800

غَوِيَ الفَصيلُ يَغْوَى غَوًى. وذلك إذا فَقَدَ اللبنَ فماتَ، من قولِ الشاعرِ (١): مُعَطَّفَةُ الأَثْنَاءِ (٢) ليس فَصِيلُها … بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوَى (٣) وأصلُ الإغواءِ في كلامِ العربِ تَزْيِينُ الرجلِ للرجلِ الشيءَ حتى يُحَسِّنَه عندَه، غارًّا له به (٤). وقد حُكِى عن بعضِ قبائلِ طيِّئ أنها تقولُ: أصبح فلانٌ غاوِيًا. أي: أصبَح مريضًا. وكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك أنه بمعنى القَسَمِ، كأن معناه عندَه: فبإغْوائِك إياى لأقعدنَّ لهم صراطَك المستقيمَ. كما يقالُ: باللهِ لأفعلنَّ كذا. وكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك أنه بمعنى المُجازاةِ، كأن معناه عندَه: فلأَنك أغويتَنى، أو: فبأنك أغويتَنى، لأقعدنَّ لهم صراطَك المستقيمَ. وفى هذا بيانٌ واضحٌ على فساد ما يقولُ القَدريَّةُ، مِن أن كلَّ مَن كَفَر أو آمَن فبتفويضِ اللهِ أسبابَ ذلك إليه، وأن السببَ الذي به يصِلُ المؤمنُ إلى الإيمانِ هو السببُ الذي به (٥) يصل الكافرُ إلى الكفرِ. وذلك أن ذلك لو كان كما قالوا: لكان الخبيثُ قد قال بقولِه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: فبما أصْلَحتَنى. إذ كان سببُ الإغواء هو سببَ الإصلاحِ، وكان في إخبارِه عن الإغواءِ إخبارٌ عن

стр. 6801

الإصلاحِ، ولكن لما كان سبباهما مختلفَين، وكان السببُ الذي به غَوَى وهَلَكَ مِن عندِ اللهِ، أضافَ ذلك إليه فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. ولذلك (١) قال محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظِيُّ ما (٢) حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: قال (٣) أبو مودودٍ: سمعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ: قاتَلَ اللهُ القَدَريةَ، لإبليسُ أعلمُ باللهِ منهم. وأما قولُه: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فإنه يقولُ: لأَجْلِسنَّ لبنى آدمَ صراطَك المستقيمَ. يعنى: طريقَك القويمَ، وذلك دينُ الله الحقُّ، وهو الإسلامُ وشرائعُه. وإنما معنى الكلام: لأَصُدَّنَّ بني آدمَ عن عبادتك وطاعتِك، ولأُغْوينَّهم كما أَغْويتَنِي، ولأُضِلَّنَّهم كما أضْلَلْتَني. وذلك كما رُوِى عن [سَبْرةَ بن أبى] (٤) الفاكهِ أنه سمِع النبيَّ ﷺ يقولُ: "إن الشيطانَ قَعَدَ لابنِ آدمَ بأَطْرُقِه (٥)، فَقَعَدَ له بطريقِ الإسلامِ، فقال: أَتُسْلِمُ وتَذَرُ دينَك ودينَ آبائِك؟ فَعَصاه فأسْلمَ، ثم قَعَدَ له بطريقِ الهجرةِ، فقال: أتهاجرُ وتذرُ أرضَك وسماءَك، وإنما مَثَلُ المهاجرِ كالفرسِ في الطِّوَلِ (٦)؟ فعصاه وهاجَرَ، ثم قَعَدَ له بطريقِ الجهادِ، وهو جَهْدُ النفسِ والمالِ، فقال: أتقاتلُ (٧) فَتُقْتَلُ،

стр. 6802

فَتَنْكَحُ المرأةُ، ويُقْسَمُ (١) المالُ؟ قال: فَعَصاه فجاهَدَ" (٢). ورُوِيَ عن عونِ بن عبدِ اللهِ في ذلك ما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويه (٣) أبو يزيدَ، عن عبدِ اللهِ بن بكيرٍ، عن محمدِ بن سُوقةَ، عن عونِ بن عبدِ اللهِ: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: طريقَ مكةَ (٤). والذي [قال عونٌ من ذلك] (٥)، وإن كان من صراطِ اللهِ المستقيمِ، فليس هو الصراطَ كلَّه. وإنما أخبرَ عدوُّ اللهِ أنه يقعُدُ لهم صراطَ اللهِ المستقيمَ، ولم يَخْصُصْ منه شيئًا دونَ شيءٍ. فالذى رُوِىَ في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ، وأوْلى بالتأويلِ؛ لأن الخبيثَ لا يَأْلو عبادَ اللهِ الصَّدَّ عن كلِّ ما كان لهم قُرْبةً إلى اللهِ . وبنحوِ ما قلنا (٦) قال أهلُ التأويلِ في معنى "المستقيمِ" في هذا الموضعِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الحقَّ (٧).

стр. 6803

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المدنيُّ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: سبيلَ الحقِّ، فَلأُضلَّنهم إلا قليلًا. واختلف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معناه: لأقعُدنَّ لهم على صراطِك المستقيمِ. كما يقالُ: تَوجَّه مكةَ. أي: إلى مكةَ، كما قال الشاعرُ (١): كأَنِّي إِذْ أَسْعَى لأَظْفَرَ طائرًا … مع النَّجْمِ في (٢) جَوِّ السماءِ يَصُوبُ بمعنى: لأظفَرَ بطائرٍ. فألقَى الباءَ. وكما قال جل ثناؤُه: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. بمعنى: أَعَجِلتُم عن أمرِ ربِّكم. وقال بعضُ نحويِّي الكوفيين (٣): المعنى واللهُ أعلمُ: لأقعُدنَّ لهم على طريقِهم. وفي طريقِهم. قال: وإلقاءُ الصفةِ من هذا جائزٌ، كما تقولُ: قعَدتُ لك وجهَ الطريقِ، وعلى وجهِ الطريقِ؛ لأن الطريقَ صفةٌ (٤) في المعنى، فاحْتمَل ما يحتمِلُه اليومُ والليلةُ والعامُ، إذ قيل: آتِيك غدًا، وآتيك في غدٍ. وهذا القولُ هو أَولى القولين في ذلك (٥) بالصوابِ؛ لأن القعودَ مُقْتَضٍ مكانًا

стр. 6804

يُقْعَدُ فيه، فكما يقالُ: [قعدتُ مكانَك. كذلك يقالُ: قعَدتُ صراطَك. وكما يقالُ: قعَدتُ في مكانِك. يقالُ: قعَدتُ على صراطِك] (١)، وفي صراطِك. كما قال الشاعرُ (٢): لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفُّ يَعْسِلُ مَنْتُهُ … فيه (٣) كما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ (٤) ولا تكادُ العربُ تقولُ ذلك في أسماءِ البلدانِ، لا يكادون يقولون: جلستُ مكةَ، [أو: قعَدتُ] (٥) بغدادَ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾. اخْتلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الآخرةِ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الدنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الحقِّ، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الباطلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: أُشَكِّكُهم في آخرتِهم، ﴿وَمِنْ

стр. 6805

خَلْفِهِمْ﴾: [أُرَغِّبُهم في دنياهم] (١)، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: أُشَبِّهُ عليهم أمرَ دينِهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: أُشَهِّى لهم المعاصىَ (٢). وقد رُوِى عن ابن عباس بهذا الإسنادِ في تأويلِ ذلك خلافُ هذا التأويلِ. وذلك ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: يعنى مِن الدنيا، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن الآخرةِ، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ حسناتِهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ سيئاتِهم (٣). وتُحَقِّقُ [بهذه الروايةِ] (٤) الروايةُ الأخرى التي حدَّثني بها محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾. قال: أما ﴿مِنْ (٥) بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: فمِن [قِبَلِ دنياهم] (٦)، وأما ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: فأمرُ آخرتِهم، وأما ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: فمِن قِبَلِ حسناتِهم، وأما ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: فمِن قِبَلِ سيئاتِهم (٧). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية: أتاهم مِن بين أيديهم فأخْبَرَهم أنه لا بعثَ ولا جنةَ ولا نارَ،

стр. 6806

﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن أمرِ الدنيا، فزيَّنها لهم، ودعاهم إليها، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ حسناتِهم؛ بطَّأهم عنها، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: زيَّن لهم السيئاتِ والمعاصيَ، ودعاهم إليها، وأمَرَهم بها، أتاك يا بنَ آدمَ مِن كلِّ وجهٍ، غيرَ أنه لم يَأْتِك مِن فوقِك، [لم يَسْتَطِعْ] (١) أن يَحُولَ بينَك وبينَ رحمةِ اللَّهِ (٢). وقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن قِبَلِ دنياهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ آخرتِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾. قال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن قِبَلِ دنياهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ آخرتِهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ حسناتِهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ سيئاتِهم (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن الحكمِ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾. قال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن دنياهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن آخرتِهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: عن (٤) حسناتِهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ سيئاتِهم (٥).

стр. 6807

حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾. قال: مِن قِبَلِ الدنيا يُزَيِّنُها لهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الآخرةِ، يُثَبِّطُهم (١) عنها، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الحقِّ، يَصُدُّهم عنه، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الباطلِ، يُرَغِّبُهم فيه، ويُزَيِّنُه لهم. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: أما ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: فالدنيا أَدْعُوهم إليها، وأُرَغِّبُهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: فمِن الآخرةِ، أُشَكِّكُهم فيها، وأُباعِدُها (٢) عليهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: يعنى الحقَّ، فأُشَكِّكُهم فيه، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: يعنى الباطلَ، أُخَفِّفُه عليهم، وأُرَغِّبْهم فيه (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن دُنْياهم، أُرَغِّبُهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: آخرتِهم، أُكَفِّرُهم بها، وأُزَهِّدُهم فيها، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: حسناتِهم، أُزَهِّدُهم فيها، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مَساوِى أعمالِهم، أُحَبِّبُها (٤) إليهم. وقال آخرون: بل (٥) معنى ذلك: لآتِيَنَّهم (٥) مِن حيث يُبْصِرون ومن حيث لا يُبْصِرون.

стр. 6808

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرِو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ - ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾. قال: حيث يُبْصِرون، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ - ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: حيث لا يُبْصِرون (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المَدَنيُّ، قال: قال مجاهدٌ. فذكَر نحوَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: تَذاكَرْنا عندَ مجاهدٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾. [فقال مجاهدٌ: هو كما قال: يَأْتِيهم مِن بين أيديهم ومِن خلفِهم وعن أيمانِهم وعن شمائِلهم] (٢)، زاد ابن حميدٍ، قال: يَأْتِيهم مِن ثَمَّ. وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: ثم لآتِيَنَّهم مِن جميعِ وجوهِ الحقِّ والباطلِ، فأَصُدُّهم عن الحقِّ، وأُحَسِّنُ لهم الباطلَ. وذلك أن ذلك عَقِيبُ قولِه: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فأخْبَر أَنه يَقْعُدُ لبنى آدمَ على الطريقِ الذي أمَرَهم اللَّهُ أن يَسْلُكوه، وهو ما وصَفْنا مِن دينِ اللَّهِ دينِ (٣) الحقِّ، فيَأْتِيهم في ذلك مِن كلِّ وُجوهِه، مِن الوجهِ الذي أمَرَهم اللَّهُ به، فيَصُدُّهم عنه، وذلك ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ - ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾، ومِن الوجهِ الذي نهاهم اللَّهُ عنه، فيُزَيِّنُه لهم، ويَدْعُوهم إليه، وذلك ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ - ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾.

стр. 6809

وقيل: ولم يَقُلْ: مِن فوقِهم؛ لأن رحمةَ اللَّهِ تَنْزِلُ على عبادِه مِن فوقِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾. ولم يَقُلْ: مِن فوقِهم؛ لأن الرحمةَ تَنْزِلُ مِن فوقِهم (١). وأما قولُه: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾. فإنه يقولُ: ولا تَجِدُ يا (٢) ربِّ أكثرَ بني آدمَ شاكرين لك نعمتَك التي أنْعَمْتَ عليهم، بتَكْرمتِك (٣) أباهم آدمَ بما أكْرَمْتَه به، مِن إسجادِك له ملائكتَك، وتفضيلِك إياه عليَّ. وشكرُهم إياه طاعتُهم له بالإقرارِ بتوحيدِه، واتِّباعِ أمرِه ونهيِه. وكان ابن عباسٍ يقولُ في ذلك بما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. يقولُ: مُوَحِّدِين (٤). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جل ثناؤُه عن إحلالِه بالخبيثِ عدوِّ اللَّهِ ما أحَلَّ به مِن نِقْمتِه ولعنتِه، وطردِه إياه عن جنتِه، إذ عصاه وخالَف أمرَه، وراجَعَه مِن الجوابِ بما لم تَكُنْ

стр. 6810

له مراجعتُه به (١). قال اللَّهُ ﵎ له (٢) عندَ ذلك: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا﴾. أي: مِن الجنةِ، ﴿مَذْءُومًا﴾. يقولُ: مَعِيبًا. والذَّأْمُ العيبُ، يقالُ منه: ذأَمَه يَذْأَمُه ذأْمًا، فهو مَذْءُومٌ، ويَتْرُكون الهمزَ، فيقولون: ذِمْتُه أَذِيُمه ذَيْمًا وذامًا. والذَّأْمُ، والذَّيْمُ أبلغُ في العيبِ مِن الدمِّ، وقد أنْشَد بعضُهم هذا البيتَ (٣): صحِبْتُك إذ عَيْنِي عليها غِشاوةٌ … فلمَّا انْجَلَت قطَّعْتُ نفسي أَذِيمُها وأكثرُ الرُّواةِ على إنشادِه (٤): أَلومُها. وأما المدحورُ فهو المُقْصَى، يقالُ: دحَرَه يَدْحَرُه دَحْرًا ودُحُورًا، إِذا أقْصَاه وأخْرَجَه. ومنه قولُهم: ادْحَرْ عنك الشيطانَ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. يقولُ: اخْرُجْ منها (٥) لَعِينًا منفيًّا (٦). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:

стр. 6811

﴿مَذْءُومًا﴾: مَمْقوتًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. يقولُ: صغيرًا مقيتًا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. أما ﴿مَذْءُومًا﴾ فمقيتًا (٣)، وأما ﴿مَدْحُورًا﴾ فمطرودًا (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَذْءُومًا﴾. قال: مَنْفيًّا (٥)، ﴿مَدْحُورًا﴾. قال: مطرودًا (٦). [حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٧). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن

стр. 6812

الربيعِ في قولِه: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا (١)﴾. قال: ﴿مَذْءُومًا﴾ (١): منفيًّا، والمدْحورُ (٢) المُصَغَّرُ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيينةَ، عن يونُسَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾. قال: مقيتًا (٤). حدَّثني أبو عمرٍو القَرْقَسانيُّ عثمانُ بنُ يحيى بن عثمانَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، سأَل ابنَ عباسٍ: ما ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾؟ قال: مَقِيتًا (٥). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. فقال: ما نَعْرِفُ (٦) المذءومَ والمذمومَ إلا واحدًا، ولكن تكونُ الحروفُ (٧) منتقصةً، و [قد قال الشاعرُ] (٨) لعامر: يا عامِ، ولحارثٍ: يا حارِ، وإنما أُنْزِل القرآنُ على كلامِ العربِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾.

стр. 6813

وهذا قَسَمٌ مِن اللَّهِ، أقْسَم أَن مَن تبِع (١) مِن بنى آدمَ عدوَّ اللَّهِ إبليسَ وأطاعه، وصدَّق ظنَّه عليه، أن يَمْلأَ مِن جميعِهم - يعنى مِن كفَرةِ بنى آدمَ و (٢) تُبَّاعِ إبليسَ، ومِن إبليسَ وذريتِه - جهنمَ، فرحِم اللَّهُ امرَأً كذَّب ظَنَّ عدوِّ اللَّهِ في نفسِه، وخيَّب فيها أملَه وأمنيتَه، ولم يُمَكِّنْ (٣) [مِن طمعٍ] (٤) فيها عدوَّه، واسْتَغَشَّه ولم يَسْتَنْصِحْه، فإن اللَّهَ جل ثناؤُه إنما نبَّه بهذه الآياتِ عبادَه على قِدَمِ عَداوةِ عدوِّهم وعدوِّه إبليسَ لهم، وسالفِ ما سلَف مِن حسَدِه لأبيهم، وبغْيِه عليه وعليهم، وعرَّفهم مواقعَ نِعَمِه عليهم قديمًا، في أنفسِهم ووالدِهم؛ ليَدَّبَّروا آياتِه، ولِيَتَذَكَّرَ أُولو الألبابِ، فيَنْزَجِروا عن طاعةِ عدوِّه وعدوِّهم إلى طاعتِه ويُنِيبوا إليها. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال اللَّهُ لآدمَ: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، منها (٥)، فأسْكَن جلَّ ثناؤُه آدمَ وزوجتَه الجنةَ بعدَ أن أهْبَط منها إبليسَ وأَخْرَجه منها، وأباح لهما أن يَأْكُلا مِن ثمارِها، من أيِّ مكانٍ شاءا منها، ونهاهما أن يَقْرَبا ثمرَ شجرةٍ بعينِها. وقد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في ذلك، وما نَرَى مِن القولِ فيه صوابًا، في غيرِ هذا الموضعِ، فكرِهْنا إعادتَه (٦).

стр. 6814

﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: فتكونا (١) ممَّن خالَف أمْرَ ربِّه، وفعَل ما ليس له فعلُه. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾: فوسْوَس إليهما. وتلك الوَسْوسةُ كانت قولَه لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. وإقسامَه لهما على ذلك. وقيل: وسوَس لهما، والمعنى ما ذكَرْتُ، كما قيل: غَرِضْتُ (٢) إليه (٣)، بمعنى: اشتقْتُ (٤) إليه. وإنما يعنى: غَرِضْتُ (٥) من هؤلاء إليه. فكذلك معنى ذلك: فوسْوَس مِن نفسِه إليهما الشيطانُ بالكذبِ مِن القيلِ؛ ليُبْدِيَ لهما ما وُورِى عنهما مِن سوءاتِهما. كما قال رُؤْبةُ (٦): وَسْوَس (٧) يَدْعُو مُخْلِصًا ربَّ الفَلَقْ ومعنى الكلامِ: فحدَّث (٨) إبليسُ إلى آدمَ و (٩) حوَّاءَ، وألْقَى إليهما: ما نهاكما

стр. 6815

ربُّكما عن أكلِ ثمرِ هذه الشجرةِ إلا أن تكونا مَلَكين أو تكونا مِن الخالدين؛ ليُبْدِيَ لهما ما واراه اللَّهُ عنهما مِن عوراتِهما فغطَّاه بسِتْرِه الذي ستَرَه عليهما. وكان وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ [فيما ذُكِر لنا عنه] (١) يقولُ في السترِ الذي كان اللَّهُ ستَرَهما به، ما حدَّثني به حَوْثَرةُ بنُ محمدٍ المِنْقَريُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرٍو، عن ابن مُنَبهٍ في قولِه: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١]. قال: كان عليهما (٢) نورٌ، لا تُرَى سوءاتُهما (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال الشيطانُ لآدمَ وزوجتِه حَوَّاءَ: ما نها كما ربُّكما عن هذه الشجرةِ أن تَأْكُلا ثمرَها، إلا لئلا تكونا ملَكَيْن. وأُسْقِطَت: "لا" مِن الكلامِ لدَلالةِ ما ظهَر عليها، كما أُسْقِطَت مِن قولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. والمعنى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لكم ألَّا تَضِلُّوا. وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أن معنى الكلامِ: ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشجرةِ إلا كراهيةَ أن تكونا ملَكين. كما يقالُ: إياك أن تَفْعَلَ: كراهيةَ أن تَفْعَلَ. ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. في الجنةِ، الماكِثِين فيها أبدًا، فلا تَمُوتا. والقرأةُ على فتحِ اللامِ من: ﴿مَلَكَيْنِ﴾. بمعنى: ملَكَين مِن الملائكةِ.

стр. 6816

ورُوِى عن ابن عباسٍ ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي حمادٍ، قال: ثنا عيسى الأعمى، عن السديِّ، قال: كان ابن عباسٍ يَقْرَأُ: (إلا أن تكونا مَلِكَيْن). بكسرِ اللامِ (١). وعن يحيى بن أبى كثيرٍ ما حدَّثني أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: ثنى يَعْلَى بنُ حَكيمٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ أنه قرَأَها: (مَلِكين). بكسرِ اللامِ (٢). وكأن يحيى وابنَ عباسٍ وجَّها تأويلَ الكلامِ إلى أن الشيطانَ قال لهما: ما نَها كما ربُّكما عن هذه الشجرةِ إلا أن تكونا مَلِكَين مِن الملوكِ. أُراهما (٣) تأوَّلا في ذلك قولَ اللَّهِ في موضعٍ آخرَ: ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. والقراءةُ التي لا أَسْتَجِيرُ القراءةَ في ذلك بغيرِها، القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمْصارِ، وهى فتحُ اللامِ مِن ﴿مَلَكَيْنِ﴾ بمعنى: ملَكين مِن الملائكةِ؛ لما قد تقدَّم مِن بيانِنا في أن (٤) ما كان مُسْتَفيضًا في قرأةِ الإسلامِ مِن القراءةِ، فهو الصوابُ الذي لا يَجوزُ خلافُه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾: وحلَف لهما، كما قال في موضعٍ آخرَ: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩]. بمعنى: تَحالَفوا باللَّهِ. وكما قال

стр. 6817

خالدُ بنُ زُهَيْرٍ ابن (١) عمِّ أبي ذُؤَيْبٍ (٢): وقاسَمَها باللَّهِ جَهْدًا لأنتُمُ … ألَدُّ مِن السَّلْوَى إذا ما نَشُورُها (٣) بمعنى: وحالَفَها باللَّهِ. وكما قال أعْشَى بنى ثَعْلَبَةَ (٤): رَضِيعَىْ لِبَانٍ ثَدْيَ أُمٍّ تَقاسَما (٥) … بأسْحَمَ (٦) داجِ عَوْضُ (٧) لا نَتَفَرَّقُ بمعنى: تَحالَفا. وقولُه: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾: [إني لكما] (٨) لممن يَنْصَحُ لكما في مَشورتِه لكما، وأمْرِه إياكما بأكلِ ثمرِ هذه (٩) الشجرةِ التي نُهِيتُما عن أكلِ ثمرِها، وفي خبرِه (١٠) إيا كما بما أَخْبَرَ كما به، مِن أنكما إن أكَلْتُماه كنتما مَلَكين أو كنتما مِن الخالدين. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾: فحلَف لهما (١١) باللَّهِ حتى خدَعَهما، وقد يُخْدَعُ المؤمنُ باللَّهِ، فقال: إنى خُلِقْتُ قبلَكما، وأنا أعْلَمُ منكما، فاتَّبِعاني

стр. 6818

أُرْشِدْكما. وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: مَن خادَعَنا بِاللَّهِ خُدِعْنا (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾: فخدَعَهما بغُرورٍ. يقالُ منه: ما زال فلانٌ يُدَلِّى فلانًا (٢) بغُرورٍ. بمعنى: ما زال يَخْدَعُه، بغُرورٍ، ويُكَلِّمُه بزُخْرفٍ مِن القولِ باطلٍ. ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾. يقولُ: فلما ذاق آدمُ وحوَّاءُ ثمَرَ الشجرةِ، يقولُ: طعِماه. ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾. يقولُ: انْكَشَفَت لهما سوءاتُهما؛ لأنَّ اللَّهَ ﵎ أعراهُما من الكِسوةِ التي كان كَساهما قبلَ الذنبِ والخطيئةِ، فسَلَبَهما ذلك بالخطيئةِ (٣) التي أخْطَأ و (٤) المعصيةِ التي ركِبا، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا (٥) مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. [يقولُ: أقْبَلا وجعَلا يَشُدَّان عليهما مِن ورقِ الجنةِ] (٦)؛ ليُوارِيا سوءاتِهما. كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، [قال: جعَلا يَأْخُذان مِن ورقِ الجنةِ] (٧)، فيَجْعَلان على سوءاتِهما.

стр. 6819

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "كان آدمُ كأَنه نَخْلَةٌ سَحُوقٌ (١)، كثيرُ شعَرِ الرأسِ، فلمَّا وقَع بالخَطيئةِ بدَت له عورتُه، وكان لا يَراها، فانْطَلَق فارًّا، فعرَضَت (٢) له شجرةٌ، فحبَسَتَه بشعرِه، فقال لها: أرْسِلِيني. قالت (٣): لسْتُ بمُرْسِلتِك. فناداه ربُّه: يا آدمُ، أمنِّي تَفِرُّ؟ قال: لا [يا ربِّ] (٤)، ولكنى أسْتَحْيِيك (٥) ". حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا سفيانُ بنُ عيينةَ وابنُ مباركٍ، عن الحسنِ بن (٦) عُمارةَ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت الشجرةُ التي نهَى اللَّهُ عنها آدمَ وزوجتَه السُّنْبُلةَ، فلمَّا أكَلا منها بدَت لهما سوءاتُهما، وكان الذي وارَى عنهما مِن سوءاتِهما أظفارُهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ورقِ التِّينِ، يُلْزِقان (٧) بعضَها إلى بعضٍ، فانْطَلَق آدمُ مُوَلِّيًا في الجنةِ، فأخَذَت برأسِه شجرةٌ مِن الجنةِ، فناداه [اللَّهُ: يا] (٨) آدمُ، أمنى تَفِرُّ؟ قال: لا، ولكنى أسْتَحْيِيك يا ربِّ، قال: أما

стр. 6820

كان لك فيما منَحْتُك مِن الجنةِ، وأبَحْتُك منها مندوحةٌ عما حرَّمْتُ عليك؟ قال: بلى يا ربِّ، ولكن وعزَّتِك، ما حسِبْتُ أن أحدًا يَحْلِفُ بك كاذبًا. قال: وهو قولُ اللَّهِ: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. قال: فبعزَّتي لأُهْبِطَنَّك إلى الأرضِ، ثم لا تَنالُ العيشَ إِلا كَدًّا. قال: فأُهْبِط مِن الجنةِ وكانا يَأْكُلان فيها رَغَدًا، فأُهْبِطا إلى (١) غيرِ رَغَدٍ مِن طعامٍ وشرابٍ، فعُلِّم صَنْعةَ الحديدِ، وأمِر بالحَرْثِ، فحرَث وزرَع، ثم سقَى، حتى إذا بلَغ حصَد (٢)، ثم داسَه، ثم ذرَّاه، ثم طحَنه، ثم عجَنه، ثم خبَزه، ثم أكَله، فلم يَبْلُغْه (٣) حتى بلَغ (٤) منه ما شاء اللَّهُ أن يَبْلُغَ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِ الله: ﴿يَخْصِفَانِ﴾. قال: يَرْقَعان كهيئةِ الثوب (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا [مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾: يَخْصِفانِ عليهما] (٧) مِن الورقِ كهيئةِ الثوبِ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا

стр. 6821

الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾: وكانا قبلَ ذلك لا يَرَيانِها، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ الآية. حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا الحسنُ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ، أن آدمَ ﵇ كان رجلًا طُوالًا، كأنه (١) نخلةٌ سَحُوقٌ، كثيرَ شعرِ الرأسِ، فلمَّا وقع بما وقَع به مِن الخطيئةِ، بدَت له عورتُه عندَ ذلك، وكان لا يرَاها، فانْطَلَق هاربًا في الجنةِ، فعِلقَت برأسِه شجرةٌ مِن شجرِ الجنةِ، فقال لها: أرْسِلِيني. قالت: إنى غيرُ مُرْسِلَتِكَ. [قال لها: أَرْسِلِيني. قالت: إنى غيرُ مُرْسِلَتِك] (٢)، فناداه ربُّه: يا آدمُ، أمنِّي تَفِرُّ؟ قال: ربَّ إنى أسْتَحْييك (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. قال: ورقِ التَّينِ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن حسامِ بن مِصَكٍّ (٥)، عن قتادةَ، وأبى بكرٍ، عن غيرِ قتادةَ، قال: كان لِباسُ آدمَ في الجنةِ ظُفُرًا

стр. 6822

كلُّه، فلما وقَع بالذنبِ كُشِط عنه، وبدَت سَوْءتُه. قال أبو بكرٍ: وقال غيرُ قتادةَ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. قال: ورقِ التينِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾. قال: كانا لا يَرَيان سوءاتِهما (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَينةَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: سمِعْتُ وهَبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ [في قولِه] (٢): ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: كان لباسُ آدمَ وحواءَ ﵉ نورًا على فروجِهما، لا يَرَى هذا عورةَ هذه، ولا هذه عورةَ هذا، فلما أصابا الخطيئةَ بدَت لهما سوءاتُهما (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ونادَى آدمَ وحواءَ ربُّهما: ألم أنْهَكما عن أكلِ ثمرةِ الشجرةِ التي أكَلْتُما ثمرَها، وأُعْلِمْكما أن إبليسَ لكما عدوٌّ مبينٌ؟! يقولُ: قد أبان عَداوتَه لكما بتركِ السجودِ لآدمَ؛ حسدًا وبغيًا. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ قولَه: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: لم أكَلْتَها وقد نهَيْتُك عنها (٤)؟ قال: يا ربِّ أَطْعَمَتْني

стр. 6823

حواءُ. قال لحواءَ: لمَ أطْعَمْتِه؟ قالت: أمَرَتْنى الحيةُ. قال للحيةِ: لمَ أمَرْتِها؟ قالت: أمَرَنى إبليسُ. قال: ملعونٌ مدحورٌ؛ أما أنت يا حواءُ، فكما أدميْتِ (١) الشجرةَ تَدْمَيْن كلَّ شهرٍ، وأما أنت يا حيةُ، فأَقْطَعُ قَوائمَك، فتَمْشِين جرًّا (٢) على وجهِك، وسيَشْدَخُ رأسَك مَن لقِيَك، اهْبِطوا بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا أكَل آدمُ مِن الشجرةِ قيل له: لمَ أكَلْتَ مِن الشجرةِ التي نهَيْتُك عنها؟ قال: حوَّاءُ أمَرَتْنى. قال: فإني قد أعْقَبْتُها ألا تَحْمِلَ إلا كَرْهًا، ولا تَضَعَ إلا كَرْهًا. قال: فرنَّت (٤) حوَّاءُ عندَ ذلك، فقيل لها: الرَّنَّةُ عليك وعلى ولدِك (٥). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ عن آدمَ وحواءَ فيما أجاباه به، واعترافِهما على أنفسِهما بالذنبِ، ومسألتِهما إياه المغفرةَ منه والرحمةَ، خلافَ جوابِ اللَّعينِ إبليسَ إياه. ومعنى قولِه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾. قال آدمُ وحوَّاءُ لربِّهما: يا ربَّنا فعَلْنا بأنفسِنا مِن الإساءةِ إليها بمعصيتِك وخلافِ أمرِك، وبطاعتِنا عدوَّنا وعدوَّك، فيما لم يكنْ لنا أن نُطِيعَه فيه مِن أكلِ الشجرةِ التي نهَيْتَنا عن أكلِها، ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾. يقولُ: وإن أنت لم تَسْتُرُ علينا ذنبَنا فتُغَطِّيَه علينا، وتَتْرُكَ فَضِيحتَنا به بعقوبتِك إيانا

стр. 6824

عليه، ﴿وَتَرْحَمْنَا﴾ بتعطُّفِك علينا، وتركِك أخْذَنا به، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. يعنى: لنكونَنَّ مِن الهالِكين. وقد بيَّنا معنى "الخاسرِ" فيما مضَى بشَواهدِه والروايةِ فيه، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال آدمُ: يا (٢) ربِّ، أرأيتَ إن تُبْتُ واسْتَغْفَرْتُك؟ قال: إذن أُدْخِلَك الجنةَ. وأما إبليسُ، فلم يَسْأَلْه التوبةَ، وسأَل النَّظِرةَ، فأعْطَى كلَّ واحدٍ منهما الذي (٣) سأل (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبرنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا [وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾] (٥). قال: هي الكلماتُ التي تلَقَّاها آدمُ مِن ربِّه. القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ عن فعلهِ بإبليسَ وذريتِه، وآدمَ وولدِه والحيةِ. يقولُ جل ثناؤُه: [قال اللَّهُ] (٦) لآدمَ وحواءَ وإبليسَ والحيةِ: اهْبِطوا مِن السماءِ إلى الأرضِ، بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ.

стр. 6825

كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي عَوانةَ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: آدمُ وحواءُ والحيةُ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ طلحةَ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قالَ: فلعنَ الحيةَ، وقطَع قوائمَها، وترَكها تمشِي على بطنِها، وجعَل رزقَها من الترابِ، وأُهبِطُوا إلى الأرضِ؛ آدمُ وحواءُ وإبليسُ والحيةُ (١). وقولُه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. يقولُ: ولكم يا آدمُ وحواءُ وإبليسُ والحيةُ، في الأرضِ قَرارٌ تَسْتَقِرُّونه، وفِراشٌ تمتهِدونه (٢). كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: هو قولُه (٣): ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ (٤) [البقرة: ٢٢]. ورُوِى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حُدِّثْتُ عن عبيدِ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: القبورُ (٥).

стр. 6826

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ أخْبرَ آدمَ وحواءَ وإبليسَ والحيةَ إذ أهبطَهم (١) إلى الأرض أنهم عدوٌّ بعضُهم لبعضٍ، وأن لهم (٢) مستقرًّا يَسْتَقِرُّون فيه، ولم يَخْصُصْها بأن لهم فيها مستقرًّا في حالِ حياتِهم دونَ حالِ موتِهم، بل عمَّ الخبرَ عنها بأن لهم فيها مستقرًّا، فذلك على عمومِه، كما عمَّ خبرُ اللَّهِ، ولهم فيها مستقرٌّ في حياتِهم على ظهرِها، وبعدَ وفاتِهم في بطنِها، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]. وأما قولُه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. فإنه يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولكم فيها متاعٌ تَسْتَمْتِعون به إلى انقطاعِ الدنيا، وذلك هو الحينُ الذي ذكَرَه. كما حُدِّثْتُ عن عبيدِ اللَّهِ بن موسى، قال: أخْبرَنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: إلى يومِ القيامةِ، وإلى انقطاعِ الدنيا. والحينُ نفسُه الوقتُ، غيرَ أنه مجهولُ القَدْرِ، يَدُلُّ على ذلك قولُ الشاعرِ (٣): [وما مِراحُك] (٤) بعدَ الحِلْمِ والدِّينِ … وقد عَلاك مَشِيبٌ حينَ لا حينِ أي: وقتَ لا وقتَ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾.

стр. 6827

يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللَّهُ للذين أهْبَطَهم مِن سماواتِه إلى أرضِه: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾. يقولُ: في الأرضِ تَحْيَوْن. يقولُ: تَكونُون فيها أيامَ حياتِكم، ﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾. يقولُ: وفى الأرضِ تكونُ وفاتُكم، ﴿وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾. يقولُ: ومِن الأرضِ يُخْرِجُكم ربُّكم ويَحْشُرُكم إليه لبعثِ القيامةِ أحياءً. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزّ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه للجَهَلةِ مِن العربِ الذين كانوا يَتَعَرَّوْن للطوافِ بالبيتِ (١)، اتِّباعًا منهم أمرَ الشيطان، وتركًا منهم طاعةَ اللَّهِ، مُعرِّفَهم (٢) انْخداعَهم للشيطانِ (١) بغُرورِه لهم، حتى تمكَّن منهم فسلَبَهم من سِتْرِ اللَّهِ الذي أنْعَم به عليهم، حتى أبْدَى سوءاتِهم وأظْهَرَها مِن بعضِهم لبعضٍ، مع تفَضُّلِ اللَّهِ عليهم بتَمْكينِهم مما يَسْتُرونها به، وأنهم قد سار بهم (٣) سِيرتَه في أبوَيْهم آدمَ وحوَّاءَ اللذين دلَّاهما بغُرورٍ حتى سلَبَهما سترَ اللَّهِ الذي كان أنْعَم به عليهما حتى أبْدَى لهما سوءاتِهما فعرَّاهما منه -: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾. يعنى بإنزالِه عليهم ذلك: خلقَه لهم، ورزقَه إياهم. واللباسُ ما يَلْبَسون مِن الثيابِ. ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. يقولُ: يَسْتُرُ عَوراتِكم عن أعينِكم. وكنَى بالسوءاتِ عن العوراتِ، واحدتُها سَوْءَةٌ، وهي فَعْلَةٌ مِن السَّوْءِ، وإنما سُمِّيَت سَوْءَةً لأنه يَسُوءُ صاحبَها انكشافُها مِن جسدِه، كما قال الشاعرُ (٤):

стр. 6828

خرَقوا جَيْبَ (١) فَتاتِهم … لم يُبالُوا سَوْءَةَ (٢) الرَّجُلَهْ وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: كان ناسٌ مِن العربِ يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، ولا يَلْبَسُ أحدُهم ثوبًا طاف فيه (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المَدَنيُّ (٤)، قال: سمِعْتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾. قال: أربعُ آياتٍ نزَلَت في قريشٍ، كانوا في الجاهليةِ لا يَطوفون بالبيتِ إلا عُراةً. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، قال: سمِعْتُ مَعْبَدًا الجُهَنيَّ (٥) يقولُ في قولِه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: اللباسُ الذي يَلْبَسون.

стр. 6829

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: كانت قريشٌ تَطوفُ عُراةً، لا يَلْبَسُ أحدُهم ثوبًا طاف فيه، وقد كان ناسٌ مِن العربِ يَطوفون بالبيتِ عُراةً. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ [وسهلُ بنُ يوسُفَ] (١)، عن عوفٍ، عن مَعْبَدٍ الجُهَنيِّ (٢): ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. فاللباسُ الذي يُوارِى سوءاتِكم هو لَبُوسُكم هذه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: هي الثيابُ (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: ثنى مَن سمِع عُروةَ بنَ الزبيرِ يقولُ: اللباسُ الثيابُ (٥). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: يعني ثيابَ الرجلِ التي يَلْبَسُها (٦).

стр. 6830

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَرِيشًا﴾. اخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَرِيشًا﴾. بغيرِ ألفٍ. وذُكِر عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ والحسنِ البصريِّ: أنهما كانا يَقْرأانه: (ورِياشًا). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، عن أبانٍ العَطَّارِ، قال: حدَّثنا عاصمٌ، أن زِرَّ بنَ حبيشٍ قرَأها: (ورِياشًا) (١). والصوابُ من القراءةِ في ذلك قراءة من قرَأة (٢): ﴿وَرِيشًا﴾. بغيرِ ألفٍ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليها. وقد رُوِى عن النبيِّ ﷺ خبرٌ في إسنادِه نظرٌ، أنه قرَأه: (ورِياشًا) (٣). فمَن قرَأ ذلك: (ورِياشًا) فإنه مُحْتَمِلٌ أن يَكونَ أراد به جمعَ الريشِ، كما يُجْمَعُ الذئبُ ذِئابًا، والبئرُ بِئارًا. ويَحْتَمِلُ أن يَكونَ أراد به مَصْدرًا مِن قولِ القائلِ: راشَه اللَّهُ يَرِيشُه رِياشًا [ورَيْشًا] (٤) ورِيشًا. كما يقالُ: لبِسه يَلْبَسُه لِباسًا ولِبْسًا. وقد أَنْشَد بعضُهم (٥): فلمَّا كشَفْنَ اللِّبْسَ عنه مسَحْنَه … بأطرافِ طَفْلٍ (٦) زانَ غَيْلًا (٧) مُوَشَّمَا
следующие страницы →