← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ أخْبرَ آدمَ وحواءَ وإبليسَ والحيةَ إذ أهبطَهم (١) إلى الأرض أنهم عدوٌّ بعضُهم لبعضٍ، وأن لهم (٢) مستقرًّا يَسْتَقِرُّون فيه، ولم يَخْصُصْها بأن لهم فيها مستقرًّا في حالِ حياتِهم دونَ حالِ موتِهم، بل عمَّ الخبرَ عنها بأن لهم فيها مستقرًّا، فذلك على عمومِه، كما عمَّ خبرُ اللَّهِ، ولهم فيها مستقرٌّ في حياتِهم على ظهرِها، وبعدَ وفاتِهم في بطنِها، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]. وأما قولُه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. فإنه يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولكم فيها متاعٌ تَسْتَمْتِعون به إلى انقطاعِ الدنيا، وذلك هو الحينُ الذي ذكَرَه. كما حُدِّثْتُ عن عبيدِ اللَّهِ بن موسى، قال: أخْبرَنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: إلى يومِ القيامةِ، وإلى انقطاعِ الدنيا. والحينُ نفسُه الوقتُ، غيرَ أنه مجهولُ القَدْرِ، يَدُلُّ على ذلك قولُ الشاعرِ (٣): [وما مِراحُك] (٤) بعدَ الحِلْمِ والدِّينِ … وقد عَلاك مَشِيبٌ حينَ لا حينِ أي: وقتَ لا وقتَ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾.

стр. 6827

يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللَّهُ للذين أهْبَطَهم مِن سماواتِه إلى أرضِه: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾. يقولُ: في الأرضِ تَحْيَوْن. يقولُ: تَكونُون فيها أيامَ حياتِكم، ﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾. يقولُ: وفى الأرضِ تكونُ وفاتُكم، ﴿وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾. يقولُ: ومِن الأرضِ يُخْرِجُكم ربُّكم ويَحْشُرُكم إليه لبعثِ القيامةِ أحياءً. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزّ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه للجَهَلةِ مِن العربِ الذين كانوا يَتَعَرَّوْن للطوافِ بالبيتِ (١)، اتِّباعًا منهم أمرَ الشيطان، وتركًا منهم طاعةَ اللَّهِ، مُعرِّفَهم (٢) انْخداعَهم للشيطانِ (١) بغُرورِه لهم، حتى تمكَّن منهم فسلَبَهم من سِتْرِ اللَّهِ الذي أنْعَم به عليهم، حتى أبْدَى سوءاتِهم وأظْهَرَها مِن بعضِهم لبعضٍ، مع تفَضُّلِ اللَّهِ عليهم بتَمْكينِهم مما يَسْتُرونها به، وأنهم قد سار بهم (٣) سِيرتَه في أبوَيْهم آدمَ وحوَّاءَ اللذين دلَّاهما بغُرورٍ حتى سلَبَهما سترَ اللَّهِ الذي كان أنْعَم به عليهما حتى أبْدَى لهما سوءاتِهما فعرَّاهما منه -: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾. يعنى بإنزالِه عليهم ذلك: خلقَه لهم، ورزقَه إياهم. واللباسُ ما يَلْبَسون مِن الثيابِ. ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. يقولُ: يَسْتُرُ عَوراتِكم عن أعينِكم. وكنَى بالسوءاتِ عن العوراتِ، واحدتُها سَوْءَةٌ، وهي فَعْلَةٌ مِن السَّوْءِ، وإنما سُمِّيَت سَوْءَةً لأنه يَسُوءُ صاحبَها انكشافُها مِن جسدِه، كما قال الشاعرُ (٤):

стр. 6828

خرَقوا جَيْبَ (١) فَتاتِهم … لم يُبالُوا سَوْءَةَ (٢) الرَّجُلَهْ وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: كان ناسٌ مِن العربِ يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، ولا يَلْبَسُ أحدُهم ثوبًا طاف فيه (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المَدَنيُّ (٤)، قال: سمِعْتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾. قال: أربعُ آياتٍ نزَلَت في قريشٍ، كانوا في الجاهليةِ لا يَطوفون بالبيتِ إلا عُراةً. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، قال: سمِعْتُ مَعْبَدًا الجُهَنيَّ (٥) يقولُ في قولِه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: اللباسُ الذي يَلْبَسون.

стр. 6829

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: كانت قريشٌ تَطوفُ عُراةً، لا يَلْبَسُ أحدُهم ثوبًا طاف فيه، وقد كان ناسٌ مِن العربِ يَطوفون بالبيتِ عُراةً. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ [وسهلُ بنُ يوسُفَ] (١)، عن عوفٍ، عن مَعْبَدٍ الجُهَنيِّ (٢): ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. فاللباسُ الذي يُوارِى سوءاتِكم هو لَبُوسُكم هذه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: هي الثيابُ (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: ثنى مَن سمِع عُروةَ بنَ الزبيرِ يقولُ: اللباسُ الثيابُ (٥). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: يعني ثيابَ الرجلِ التي يَلْبَسُها (٦).

стр. 6830

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَرِيشًا﴾. اخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَرِيشًا﴾. بغيرِ ألفٍ. وذُكِر عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ والحسنِ البصريِّ: أنهما كانا يَقْرأانه: (ورِياشًا). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، عن أبانٍ العَطَّارِ، قال: حدَّثنا عاصمٌ، أن زِرَّ بنَ حبيشٍ قرَأها: (ورِياشًا) (١). والصوابُ من القراءةِ في ذلك قراءة من قرَأة (٢): ﴿وَرِيشًا﴾. بغيرِ ألفٍ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليها. وقد رُوِى عن النبيِّ ﷺ خبرٌ في إسنادِه نظرٌ، أنه قرَأه: (ورِياشًا) (٣). فمَن قرَأ ذلك: (ورِياشًا) فإنه مُحْتَمِلٌ أن يَكونَ أراد به جمعَ الريشِ، كما يُجْمَعُ الذئبُ ذِئابًا، والبئرُ بِئارًا. ويَحْتَمِلُ أن يَكونَ أراد به مَصْدرًا مِن قولِ القائلِ: راشَه اللَّهُ يَرِيشُه رِياشًا [ورَيْشًا] (٤) ورِيشًا. كما يقالُ: لبِسه يَلْبَسُه لِباسًا ولِبْسًا. وقد أَنْشَد بعضُهم (٥): فلمَّا كشَفْنَ اللِّبْسَ عنه مسَحْنَه … بأطرافِ طَفْلٍ (٦) زانَ غَيْلًا (٧) مُوَشَّمَا

стр. 6831

بكسرِ اللامِ مِن اللِّبْسِ. والرِّياشُ في كلامِ العربِ الأثاثُ وما ظهَر مِن الثيابِ و (١) المتَاعِ، مما يُلْبَسُ أو يُحْشَى مِن فراشٍ أو دِثارٍ. والريشُ أيضًا (٢) هو المتاعُ والأموالُ عندَهم، وربما اسْتَعْمَلوه في الثيابِ والكِسْوةِ دونَ سائرِ المالِ، يقولون: أعْطاه سَرْجًا بريشِه، ورَحْلًا بريشِه. أي: بكِسوتِه وجَهازِه. ويقولون: إنه لحَسَنُ ريشِ الثيابِ. وقد يُسْتَعْمَلُ الرِّياشُ في الخَصْبِ ورَفاهةِ العيشِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال: الرِّياشُ المالُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (ورِياشًا (٣)). يقولُ: مالًا (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (ورِياشًا). قال: المالُ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:

стр. 6832

(ورياشًا). قال: أما (رِياشًا)، فرِياشُ المالِ (١). حدَّثني الحارثُ قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المَدَنيُّ، قال: ثنى مَن سمِع عروةَ بنَ الزبيرِ يقولُ: الرياشُ المالُ (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدٌ، عن الضحاكِ في قولِه: (ورِياشًا): يعنى المالَ (٢). ذكرُ مَن قال: هو اللباسُ ورَفاهةُ العيشِ حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: (ورِياشًا) (٣). قال: الرِّياشُ اللباسُ والعيشُ والنَّعيمُ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وسهلُ بنُ يوسُفَ، عن عوفٍ، عن مَعْبَدٍ الجُهَنيِّ: (ورِياشًا). قال: الرِّياشُ المعاشُ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخْبَرَنا عوفٌ، قال: قال مَعْبَدٌ الجُهَنيُّ: (ورِياشًا). قال: هو المعاشُ. وقال آخرون: الريشُ الجمالُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:

стр. 6833

﴿وَرِيشًا﴾ (١). قال: الريشُ الجمالُ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: لباسُ التقوَى هو الإيمانُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾: هو الإيمانُ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الإيمانُ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الإيمانُ (٥). وقال آخرون: هو الحياءُ. ذكرُ منَ قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وسهلُ بنُ يوسُفَ، عن عوفٍ، [عن مَعْبَدٍ] (٦) الجُهَنيِّ في قولِه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الذي ذكَره اللَّهُ في

стр. 6834

القرآن هو الحياءُ (١). حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرنا عوفٌ، قال: قال مَعْبدٌ الجُهَنيُّ، فذكَر مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن مَعْبَدٍ بنحوِه. وقال آخرون: هو العملُ الصالحُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. قال: لباسُ التقوى العملُ الصالحُ (٢). وقال آخرون: بل ذلك هو السَّمْتُ الحسنُ. [ذكرُ من قال ذلك] (٣) حدَّثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ، عن محمدِ بن موسى، عن زيادِ (٤) بن عمرٍو، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾. قال: السمتُ

стр. 6835

الحسنُ في الوجهِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، عن سليمانَ بن أرْقمَ، عن الحسنِ، قال: رأيْتُ عثمانَ بنَ عفانَ على منبرِ رسولِ اللهِ ﷺ عليه قميصٌ قُوهِيٌّ (٢) محلولُ الزِّرِّ، وسمعْتُه يَأْمُرُ بقتلِ الكلابِ، ويَنْهَى عن اللعبِ بالحمامِ، ثم قال: يا أيُّها الناسُ اتَّقوا الله في هذه السَّرائرِ، فإني سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "والذي نفسِ محمدٍ بيدِه، ما عمل أحدٌ قطُّ سرًّا إِلا أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ (٣) عَلانيةٍ، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا". ثم تلا هذه الآيةَ: (وريِاشًا). ولم يَقْرَأها: ﴿وَرِيشًا﴾ - ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. قال: "السَّمْتُ الحسنُ" (٤). وقال آخرون: هو خشيةُ اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المَدَنيُّ، قال: ثنى مَن سِمع عروةَ بنَ الزبيرِ يقولُ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: خشيةُ اللهِ (٥). وقال آخرون: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ في هذه المواضعِ سترُ العورةِ.

стр. 6836

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: يَتَّقِى اللَّهَ فيُوارِى عورتَه (١)، ذلك لباسُ التقوَى (٢). واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المكِّيين والكوفيِّين والبصريِّين: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. برفع "اللباسِ" (٣). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ: (ولباسَ التَّقْوَى). بنصبِ "اللباسِ"، وهى قراءةُ بعضِ قرأةِ الكوفيِّين (٤). فمَن نصَب: (وَلباسَ). فإنه نصَبه عطفًا به (٥) على "الريشِ"، بمعنى: قد أنْزَلْنا عليكم لباسًا يُوارى سوءاتِكم وريشًا، وأنْزَلنا لباسَ التقوى. وأما الرفعُ، فإن أهلِ العربيةِ مختلفون في المعنى الذي به ارْتَفَع "اللباسُ"، فكان بعضُ نحويى البصرة يقولُ: هو مرفوعٌ على الابتداءِ، وخبره في قولِه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. وقد اسْتَخطَأه بعضُ أهلِ العربيةِ في ذلك، وقال: هذا غلَطٌ؛ لأنه لم يَعُدْ على "اللباس" (٦) في الجملةِ عائدٌ، فيَكونَ "اللباسُ" إذا رُفع على الابتداء وجُعِل ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ خبرًا.

стр. 6837

وقال بعضُ نحويى الكوفةِ (١): ﴿وَلِبَاسُ﴾ يُرْفَعُ بقولِه: ولباسُ التقوى خيرٌ. ويُجْعَلُ ﴿ذَلِكَ﴾ مِن نعتِه. وهذا القولُ عندى أولى بالصوابِ في رفعِ (٢) "اللباس"؛ لأنه لا وجهَ للرفعِ فيه (٣) إلا أن يَكونَ مرفوعًا بـ ﴿خَيْرٌ﴾، وإذا رُفِع بـ ﴿خَيْرٌ﴾ لم يكنْ في ﴿ذَلِكَ﴾ وجهٌ إلا أن يُجْعَلَ ﴿وَلِبَاسُ﴾ (٤) نعتًا؛ [لأنه لا] (٥) عائدَ على "اللباسِ" مِن ذكرِه في قولِه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فيكونَ ﴿خَيْرٌ﴾ مرفوعا بـ ﴿ذَلِكَ﴾، و هو ﴿ذَلِكَ﴾ به. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ إذا (٦) رُفع ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: ولباسُ التقوى ذلك الذي قد علِمْتُموه خيرٌ لكم يا بنى آدمَ مِن لباسِ الثياب التي تُوارِى سوءاتِكم، ومِن الرِّياشِ التي أنْزَلْناها إليكم، فالبَسُوه. وأما تأويلُ مَن قرَأه نصبًا فإنه: يا بني آدمَ قد أنْزَلْنا عليكم لباسًا يُوارى سوءاتِكم وريشًا ولباسَ التقوى، هذا الذي أنْزَلْناه عليكم مِن اللباسِ الذي يُوارِى سوءاتِكم والريشِ ولباسِ التقوى - خيرٌ لكم من التعرِّي والتجرُّدِ مِن الثيابِ في طوافِكم بالبيتِ، فاتَّقوا الله والْبَسوا ما رزَقكم اللهُ مِن الرِّياش، ولا تُطِيعوا الشيطانَ بالتجرُّدِ والتعرِّى مِن الثيابِ، فإن ذلك سخريةٌ منه بكم وخُدْعةٌ، كما فعَل بأبويكم (٧) آدمَ وحواءَ، فخدَعَهما حتى جرَّدهما مِن لباسِ اللهِ الذي كان ألْبَسَهما، بطاعتِهما له في أكلِ ما كان اللهُ نهاهما عن أكلِه من ثمرِ الشجرةِ التي عصَياه بأكلِها.

стр. 6838

وهذه القراءةُ أولى القراءتين في ذلك عندى بالصوابِ (١)، أغنى نصبَ قولِه: (ولباسَ التقوى). لصحةِ معناه في التأويلِ على ما بيَّنْتُ، وأن اللَّهَ إنما ابْتَدَأَ الخبرَ عن إنزالِه اللباسَ الذي يُوارِي سوءاتِنا والرِّياشَ؛ توبيخًا للمشركين الذين كانوا يَتَجَرَّدون في حالِ طَوافِهم بالبيتِ، ويَأْمُرُهم بأخْذِ ثيابهم والاستتارِ بها في كلِّ حالٍ، مع الإيمانِ به واتباعِ طاعتِه، ويُعْلِمُهم أن كلَّ ذلك خيرٌ مِن كلِّ ما هم عليه مُقِيمون، مِن كفرِهم باللهِ وتَعَرِّيهم، [لا أنه] (٢) أعْلَمَهم أن بعضَ ما أنْزَل إليهم (٣) خيرٌ مِن بعضٍ. ومما يَدُلُّ على صحة ما قلْنا في ذلك، الآياتُ التي بعد هذه الآيةِ، وذلك قولُه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾. وما بعدَ ذلك من الآياتِ إلى قولِه: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فإنه جلَّ ثناؤُه في كلِّ ذلك يَأْمُرُ بِأَخْذِ الزينةِ مِن الثيابِ واسْتِعمالِ اللباسِ، وتركِ التجرُّدِ والتعرِّى، وبالإيمانِ به واتباعِ أمرِه والعملِ بطاعتِه، ويَنْهَى عن الشركِ به واتباعِ أمرِ الشيطانِ، مُؤكِّدًا في كلِّ ذلك ما قد أجْمَله في قولِه: (يا بنى آدَمَ قد أَنْزَلْنا عليكم لباسًا يُوارِى سَوْءاتِكم وريشًا ولباسَ التقْوَى ذلك خيرٌ). وأولى الأقوال بالصحة في تأويلِ قولِه: (ولباسَ التقْوَى). استِشْعارُ النفوسِ تقْوَى اللَّهِ، في الانتهاءِ عما نهَى اللهُ عنه مِن مَعاصِيه، والعملِ بما أمَر به مِن طاعتِه، وذلك يَجْمَعُ الإيمانَ به (٤)، والعملَ الصالحَ، والحياءَ، وخشيتَه (٥)، والسَّمْتَ

стр. 6839

الحسنَ؛ لأن مَن اتَّقَى الله كان به مؤمنًا، وبما أمَرَه به عاملًا، ومنه خائفًا، وله مراقبًا، ومن أن يُرَى عندَ ما يَكْرَهُه من عبادِه مُسْتَحْيِيًا (١)، ومَن كان كذلك ظهَرَت آثارُ الخيرِ فيه، فحسُن سَمْتُه وهَدْيُه، ورُئِيت عليه بَهْجَةُ الإيمانِ ونورُه. وإنما قلْنا: عنى بـ (لباسَ التقوَى). استشعارَ النفسِ والقلبِ ذلك؛ لأن اللباسَ إنما هو ادِّراعُ ما يُلْبَسُ، واجتيابُ (٢) ما يُكْتَسَى، أو تغطيةُ بدنِه أو بعضِه به، فكلُّ مَن ادَّرَع شيئًا [واجتابه] (٣) حتى يُرَى عينُه (٤) أو أثرُه عليه، فهو له لابسٌ، ولذلك جعَل جلَّ ثناؤُه الرجالَ للنساءِ لباسًا، وهن لهم لباسًا، وجعَل الليلَ لعبادِه لباسًا. ذكرُ مَن تأوَّل ذلك بالمعنى الذي ذكَرْنا مِن تأويله إذا قُرِئ قولُه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ رفعًا. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الإيمانُ، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. يقولُ: ذلك خيرٌ من الرِّياشِ واللباسِ، يُوارى سوءاتِكم (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾. قال: ولباسُ (٦) خيرٍ، وهو الإيمانُ (٧).

стр. 6840

القول في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ذلك الذي ذكَرْتُ لكم أني أنْزَلْتُه إليكم أيُّها الناسُ، من اللباسِ والرِّياشِ، مِن حجج اللهِ وأدلتِه التي يَعْلَمُ بها مَن كفرَ صحةَ توحيدِ اللهِ، وخطأَ ما هم عليه مُقِيمون مِن الضَّلالَةِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. يقولُ: جعَلْتُ ذلك لهم دليلًا على ما وصَفْتُ ليَذَّكَّروا فيَعْتَبِروا ويُنِيبوا إلى الحقِّ وتركِ الباطلِ؛ رحمةً منى بعبادى. القول في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يا بني آدمَ لا يَخْدَعَنَّكم الشيطانُ فيُبْدِيَ سوءاتِكم للناسِ بطاعتِكم إياه عندَ اختبارِه لكم، كما فعَل بأبويكم آدمَ وحوَّاءَ عندَ اختبارِه إياهما، فأطاعاه وعصيا ربَّهما، فأَخْرَجهما بما سبَّب لهما مِن مَكْرِهِ وخَدْعِه مِن الجنةِ، ونزَع عنهما ما كان اللهُ الْبَسَهما مِن اللباسِ؛ ليُرِيَهما سوءاتِهما بكشفِ عورتِهما، وإظْهارِها لأعينِهما بعد أن كانت مستترةً. وقد بيَّنا فيما مضَى أن معنى الفتنة الاختبارُ والابتلاء بما أغْنَى عن إعادتِه (١). وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ اللباسِ الذي أخْبَر [جلَّ ثناؤُه عن الشيطانِ] (٢) أنه نزَعه عن أبوينا، وما كان؛ فقال بعضُهم: كان ذلك أظفارًا.

стр. 6841

ذكْرُ قولِ (١) من لم نَذْكُرْ قولَه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا في ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شريكٍ، [عن سماكٍ (٢)، عن عكرمةَ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: لباسُ كلِّ دابةٍ منها، ولباسُ الإنسانِ الظُّفُرُ، فَأَدْرَكَت آدمَ التوبةُ عندَ ظُفُرِه. أو قال: أظْفارِه (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن [نضرٍ أبي] (٤) عمرَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: تُركَت أظفارُه عليه زينةً ومَنافعَ. في قولِه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ (٥). حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ القُرشيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أبي الوَزيرِ، قال: أخْبَرنا مَخْلَدُ بنُ الحسينِ، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجَوْزاءِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: كان لباسُهما الظُّفُرَ، فلمَّا أصابا الخطيئةَ (٦) نُزِع عنهما (٧)، وتُرِكَت الأظفارُ تَذْكِرةً وزينةً. حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: كان لباسه الظُّفُرَ، فانْتَهَت توبتُه إلى أظفارِه.

стр. 6842

وقال آخرون: كان لباسُهما نورًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن عمرٍو، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: النورَ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيينةَ، قال: ثنا عمرٌو، قال سمِعْتُ وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ في قولِه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾. قال: كان لباسُ آدمَ وحواء نورًا على فُروجِهما، لا يَرَى هذا عورةَ هذه، ولا هذه عورةَ هذا (٢). وقال آخرون: إنما عنَى اللهِ بقولِه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾: يَسْلُبُهما تقوَى اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مُطَّلِبُ بن زيادٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: التُّقَى (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شريكٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: التقوى (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ

стр. 6843

مثلَه. والصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك عندى أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه حذَّر عبادَه أن يَفْتِنَهم الشيطانُ كما فتَن أبويهم آدمَ وحواءَ، وأن يُجَرِّدَهم مِن لباسِ اللهِ الذي أنْزَله إليهم، كما نزَع عن أبويهم لباسَهما. واللباسُ المطلقُ مِن الكلام بغيرِ إضافةٍ إلى شيءٍ في مُتعَارَفِ الناسِ هو ما اجتابَ (١) فيه اللابسُ مِن أنواع الكُسَى (٢)، أو غطَّى بدنه أو بعضَه به (٣). وإذ كان ذلك كذلك، فالحقُّ أن يقال: إن الذي أَخْبَرَ اللَّهُ عن آدمَ وحواءَ مِن لباسِهما الذي نزَعه عنهما الشيطانُ هو بعضُ ما كانا يُوارِيان به أبدانَهما وعورتَهما. وقد يَجوزُ أن يكون ذلك كان [ظُفُرًا، ويَجوزُ أن يكونَ ذلك كان] (٤) نورًا، ويَجوزُ أن يكونَ كان (٥) غيرَ ذلك، ولا خبر عندَنا بأيِّ ذلك كان (٥) تَنْبُتُ به الحَجَّةُ فلا قولَ في ذلك أصوبُ مِن أن يقالَ كما قال اللهُ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. وأضاف جلَّ ثناؤُه إلى إبليسَ إخراجَ آدمَ وحواءَ مِن الجنةِ، ونْزَع ما كان عليهما مِن اللباسِ، عنهما، وإن كان اللهُ جلَّ ثناؤُه هو الفاعلَ ذلك بهما عقوبةً على معصِيتِهما إياه، إذ كان الذي كان منهما من (٥) ذلك كان (٦) عن تسبيبِه (٧) ذلك لهما

стр. 6844

بمكْرِهِ وخِداعِه، فأُضِيف إليه أحيانًا بذلك المعنى، وإلى اللهِ ﵎ أحيانًا بفعلِه ذلك بهما. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: إن الشيطانَ يَرَاكم هو. والهاء في ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ عائدةٌ على الشيطانِ. و ﴿قَبِيلُهُ﴾ يعنى: وصنفُه وجيلُه (١) الذي هو منه، منه، [وهو] (٢) واحدٌ [يُجْمَعُ قُبلًا] (٣)، وهم الجنُّ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾. قال: الجنُّ (٤) والشياطينُ. [حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾. قال: الجنُّ والشياطينُ] (٥). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنى ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾. قال: قَبِيلُه نَسْلُه (٦). وقولُه: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. يقولُ: مِن حيث لا تَرَوْن أنتم أيُّها الناسُ الشيطانَ وقبيلَه. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ:

стр. 6845

جعَلْنا الشياطينَ نُصَراءَ الكفارِ الذين لا يُوَحِّدون اللَّهَ ولا يُصَدِّقون رسلَه. القولِ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾. ذُكِر أن معنى الفاحشةِ في هذا الموضعِ ما حدَّثني به (١) عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا أبو مُحَيَّاةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. قال: كانوا يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، يقولون: نَطُوفُ كما ولَدَتْنا أمَّهاتُنا. فَتَضَعُ المرأةُ على قُبُلِها النِّسْعة (٢) أو الشيءِ، فتقولُ: اليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلُّه … فما بَدَا منه فلا أُحِلُّه (٣) حدَّثنا ابن وكيعٍ [وابنُ حُمَيدٍ، قالا] (٤): ثنا جريرٌ، عن منصورٍ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾: فاحشتُهم أنهم كانوا يَطُوفون بالبيتِ عُراةً (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مُفَضَّلٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ عُيينةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ والشعبيِّ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾. قال: كانوا يَطوفون بالبيتِ عُراةً.

стр. 6846

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. قال: كان قبيلةٌ مِن العرب مِن أهل اليمن يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، فإذا قيل لهم (١): لم تَفْعَلُون ذلك؟ قالوا: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾. قال: طوافُهم بالبيت عُراةً (٣). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾. قال: في طوافِ الحُمْسِ (٤) في الثيابِ وغيرِهم عُراةً. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾. قال: كان نساؤُهم يَطُفْنَ بالبيتِ عُراةً، فتلك الفاحشةُ التي وجَدوا عليها آباءَهم، ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ الآية. فتأويلُ الكلامِ إذن: وإذا فعَل الذين لا يُؤْمِنون باللهِ، الذين جعَل اللهُ لهم الشياطينَ أولياءَ، قبيحًا مِن الفعلِ، وهو الفاحشةُ، وذلك تعرِّيهم للطوافِ بالبيتِ، وتَجَرُّدُهم له، فعُذلِوا على ما أتَوْا مِن قبيحِ فعلِهم، وعُوتِبوا عليه، قالوا: وجْدَنا على مثلِ ما نَفْعَلُ آبَاءَنا، فنحن نَفْعَلُ مثلَ ما كانوا يَفْعَلون، ونَقْتَدِى بِهَدْيِهِم، ونَسْتَنُّ

стр. 6847

بسُنَّتِهم، واللهُ أمرَنَا به، فنحن نَتَّبِعُ أمره فيه. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾. يقولُ: لا يأمرُ خلقَه بقبائحِ الأفعالِ ومَساويها، ﴿أَتَقُولُونَ﴾ أَيُّهَا الناسُ ﴿عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: أَتَرْوُون على اللَّهِ أَنه أَمَرَكم بالتعرِّى والتجرُّدِ مِن الثياب واللباسِ للطوافِ، وأنتم لا تَعْلَمون أنه أمَرَكم بذلك؟ القولِ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين يَزْعمون أن اللَّهَ أَمَرَهم بالفَحْشاءِ كذبًا على اللهِ: ما أَمَرَ ربى بما تَقُولون، بل أمَر (١) بالقِسْطِ. يعنى: بالعدلِ. كما حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾: والقسطُ العدلُ (٣). وأما قوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. فإن أهل التأويلِ اخْتَلَفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه وجِّهوا وجوهَكم حيث كنتم في الصلاِة

стр. 6848

إلى الكعبة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ. عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: إلى الكعبةِ حيثما صلَّيْتُم في الكَنيسةِ وغيرِها (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾: إلى الكعبة حيث صلَّيتُم في كنيسةٍ أو غيرِها. حدَّثني الحارثُ، قال ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سَمِعْتُ مجاهدًا] (٢)، في قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: إذا صلَّيتُم فاسْتَقْبلوا الكعبةَ في كَنائسِكم وغيرِها. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: هو المسجدُ الكعبةُ. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عمرَ بَنِ ذَرٍّ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: إلى (٣) الكعبةِ حيثما كنتَ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه:

стр. 6849

﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: أقِيموها للِقبْلةِ، هذه القبلِة التي أمرَكم اللهُ بها. وقال آخرون: [معنى ذلك] (١): واجْعَلوا سجودَكم للهِ خالصًا دونَ ما سواه مِن الآلهةِ والأندادِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: في الإخلاصِ، ألا تَدْعُوا غيرَه، وأن تُخْلِصوا له الدينَ (٢). وأولى هذين التأويلين بتأويلِ الآيةِ ما قاله الربيعُ، وهو أن القومَ أُمروا أن يَتَوَجَّهوا بصلاتِهم إلى ربِّهم لا إلى ما سِواه مِن الأوثانِ والأصنامِ، وأن يَجْعَلوا دعاءَهم للهِ خالصًا، لا مُكاءً و (٣) تَصْديةً. وإنما قلْنا: ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه إنما خاطَب بهذه الآيةِ قومًا مِن مشركي العربِ لم يكونوا أهلَ كَنائس وبيَع، وإنما كانت الكنائسُ والبيَعُ لأهلِ الكتابَيْن، فغيرُ معقولٍ أن يُقالَ لمن لا يُصَلَّى في كَنيسةٍ ولا بِيعةٍ: وجِّهْ وجْهَك إلى الكعبةِ في كنيسةٍ كنتَ (٤) أو بيعةٍ. وأما قولُه: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. فإنه يقولُ: واعْمَلُوا لرَّبِّكم مُخْلَصًا (٥) له الدينُ والطاعةُ، لا تَخْلِطوا ذلك بشركٍ، ولا تَجْعَلوا في شيءِ مما

стр. 6850

تَعْمَلُون له (١) شريكًا. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. قال: أن تُخْلِصوا له الدينَ والدَّعْوةَ والعملَ، ثم تُوَجِّهون إلى البيتِ الحرامِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: كما بدَأَكم أشْقِياءَ وسُعَداءَ، كذلك تَبْعَثون يومَ القيامةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. قال: إن الله سبحانَه بَدأ خلْقَ ابن آدمَ مؤمنًا وكافرًا، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]. ثم يُعِيدُهم يوم القيامة كما بدَأ خلقَهم، مؤمنًا وكافرًا (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، قال: ثنا أصحابُنا، عن ابن عباسٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: يُبْعَثُ المؤمنُ مؤمنًا، والكافرُ كافرًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَحْيَى بن الضُّرَيْسِ، عن أبي جعفرٍ،

стр. 6851

عن الربيعِ، عن رجلٍ، عن جابرٍ، قال: يُبْعَثون على ما كانوا (١) عليه، المؤمنُ على إيمانِه، والمنافقُ على نفاقِه (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: عادوا إلى علمِه فيهم، ألم تَسْمَعْ إلى قولِ اللَّهِ فيهم: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾؟ ألم تَسْمَعْ إلى (٣) قوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (٤) ? حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: رُدُّوا إلى علمِه فيهم (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو هَمَّامٍ الأهوازيُّ، قال: ثنا موسى بن عُبَيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ في قولِه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: مَنِ ابْتَدَأ اللهُ خلقَه على الشِّقْوةِ صار إلى ما ابْتَدَأ [عليه خلْقَه] (٦)، وإن عمِل بأعمالِ أهلِ السَّعادةِ، كما أن إبليسَ عمِل بأعمالِ أهلِ السعادةِ ثم صار (٧) إلى ما ابْتُدِئَ عليه خلقُه، ومَن ابْتُدِئَ خلقُه على السعادةِ صار إلى ما ابْتُدِئَ عليه خلقُه، وإن عمِل بأعمالِ أهلِ الشَّقاءِ، كما أن السَّحَرةَ عمِلَت بأعمالِ أهلِ الشقاءِ، ثم صاروا إلى ما ابْتُدِئَ عليه خلقُهم (٨).

стр. 6852

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن وِقَاءِ (١) بن إياسٍ أبي يزيَد، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: يُبْعَثُ المسلمُ مسلمًا، والكافرُ كافرًا (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو [نُعيم الفضلُ بنُ] (٣) دُكَيْنٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي يزيدَ، عن مُجاهدٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: يُبْعَثُ المسلمُ مسلمًا، والكافرُ كافرًا (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوَضَّاحِ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: كما كُتِب عليكم تكونون (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. يقولُ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، كما خلَقْناكم؛ فريقٌ مُهْتَدون، وفريقٌ ضالٌّ، كذلك تعودون وتُخْرَجون مِن بطون أمهاتِكم (٦). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي (٧) سفيانَ، عن جابرٍ، أن النبيَّ ﷺ ، قال: "تُبْعَثُ كلُّ نفسٍ على ما كانت

стр. 6853

عليه" (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفريُّ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: كما كُتِب عليكم تكونون (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: يُبْعَثُ المؤمنُ مؤمنًا، والكافرُ كافرًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: شقيا وسعيدًا (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك قراءةً، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخرون: معنى ذلك: كما خلَقَكم ولم تكونوا شيئًا، تعودون بعدَ الفَناءِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: كما بدَأَكم ولم تكونوا شيئًا فأحْياكم، كذلك (٤) يُمَينتُكم ثم يُحْيِيكم يومَ القيامةِ (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿كَمَا

стр. 6854

بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: كما بدَأَكم في الدنيا، كذلك تَعوُدون يومَ القيامةِ أحياءً. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: بدَأ خلْقَهم ولم يكونوا شيئًا، ثم ذهَبوا، ثم يُعِيدُهم (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى﴾. يقولُ: كما خلَقْناكم أولَ مرةٍ كذلك تَعُودون (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: يُحْيِيكم بعدَ موتِكم (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: كما خلَقَهم أولا، كذلك يُعِيدُهم آخِرًا (٤). قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ القولُ الذي قاله مَن قال: معناه: كما بدَأَكم الله خلقًا بعدَ أن لم تَكُونوا شيئًا، تَعُودون بعدَ فَنائِكم خلقًا مثلَه، يَحْشُرُكم إلى يومَ القيامةِ؛ لأن الله تعالى أمر نبيَّه ﷺ أَن يُعْلِمَ بما في هذه الآيةِ قومًا مشركين أهلَ جاهليةٍ، لا يُؤْمِنون بالمَعادِ، ولا يُصَدِّقون بالقيامةِ، فأمَرَه أن يَدْعُوَهم إلى الإقرارِ بأن الله باعثُهم يومَ القيامة، ومُثِيبُ مَن أطاعه، ومُعاقِبُ مَن عصاه، فقال له: قلْ لهم: أمر ربى بالقِسْطِ، وأن أَقِيموا وُجوهَكم عندَ كلِّ

стр. 6855

مسجدٍ، وأنِ ادْعُوه مُخْلِصين له الدين، وأن أَقِرُّوا بِأَنْ كما بدَأَكُم تَعُودون. فترَك ذُكِر: "وأن أقِرُّوا بأن". كما ترَك ذكرَ "أن" مع "أقِيموا"، إذ كان فيما ذُكِر دلالةٌ على ما حُذِف منه. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجهَ لأن يُؤْمَرَ بدعاءِ مَن كان جاحدًا النُّورَ بعدَ المَماتِ، إلى الإقرارِ بالصفةِ التي عليها يُنْشَرُ مَن نُشِر، وإنما يُؤْمَرُ بالدعاءِ إلى ذلك مَن كان بالبعثِ مُصَدِّقًا، فأما مِن كان له جاحدًا، فإنما يُدْعَى إلى الإقرار به، به، ثم يُعَرَّفُ كيف شَرائطُ البعثِ. على أن في الخبرِ الذي رُوِى عن رسول اللهِ ﷺ الذي حدَّثناه محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثني المغيرةُ بنُ النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ قال: "يُحْشَرُ النَّاسُ عُراةٌ غُرْلًا (١)، وأولُ مَن يُكْسَى إبراهيمُ". ثم قرَأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قام فينا رسولَ اللهِ ﷺ بموعِظةٍ، فقال: "يا أيُّها الناسُ، إنكم تُحْشَرون إلى اللَّهِ حُفاةً غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٤).

стр. 6856

ما (١) يُبَيِّنُ صحةَ القولِ الذي قلْنا في ذلك مِن أن معناه: أن الخلقَ يعودون إلى اللَّهِ يومَ القيامةِ خلقًا أحْياءً، كما بدَأَهم في الدنيا خلقًا أحْياءً. يقالُ منه: بدَأ اللَّهُ الخلقَ يَبْدَؤُهم، وأَبْدَأَهم يُبْدِئُهم إبْداءً. بمعنى: خَلَقَهم. لُغتان فَصِيحتان. ثم ابْتَدَأَ الخبر جلَّ ثناؤُه عما سَبق مِن علمِه في خلقِه، وجرَى به فيهم قضاؤُه، فقال: هدَى الله منهم فريقًا، فوفَّقَهم لصالحِ الأعمالِ فهم مُهْتَدون، وحقَّ على فريقٍ منهم الضَّلالةُ عن الهُدَى والرَّشادِ، باتخاذِهم الشيطانَ مِن دونِ اللهِ وليًّا. وإذا كان التأويلَ هذا، كان "الفريقُ" الأولُ منصوبًا بإعمالِ ﴿هَدَى﴾، فيه، و "الفريقُ" الثاني بوقوعِ قولِه: ﴿حَقَّ﴾. على عائدِ ذكْرِه في ﴿عَلَيْهِمُ﴾، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١]. ومَن وجَّه تأويلَ ذلك إلى أنه: كما بدَأَكم في الدنيا صِنْفَيْن؛ كافرًا ومؤمنًا، كذلك تَعُودون في الآخرةِ فريقَيْن؛ فريقًا هَدَى، وفريقًا حقَّ عليهم الضَّلالة. نصب "فريقًا" الأولَ بقولَه: ﴿تَعُودُونَ﴾، وجعَل الثانيَ عطفًا عليه. وقد بيَّنا الصوابَ عندَنا مِن القولِ فيه. القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الفريق الذي حقَّ عليهم الضَّلالةُ، إنما ضلُّوا عن سبيلِ

стр. 6857

اللهِ، وجارُوا عن قصدِ المَحَجَّةِ، باتخاذِهم الشياطينَ نُصَرَاءَ مِن دونِ اللَّهِ وظُهَرَاءَ، جهلًا منهم بخطأَ ما هم عليه مِن ذلك، بل فعلوا ذلك وهم يَظُنُّون أنهم على هُدًى وحقٍّ، وأن الصوابَ ما أَتَوْه وركِبوا. وهذا مِن أبيَنِ الدلالةِ على خطأ قولِ مَن زعَم أن الله لا يُعَذِّبُ أحدًا على معصيةٍ ركِبها، أو ضلالةٍ اعْتَقَدَها، إلا أن يَأْتِيها بعدَ علمٍ منه بصوابِ وجهها، فيَرْكَبَها عِنادًا منه لربِّه فيها؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لم يَكُنْ بينَ فريقِ الضلالةِ الذي ضلَّ وهو يَحْسَبُ أنه هادٍ، وفريقِ الهدى - فَرْقٌ، وقد فرَّق اللهُ بينَ أسمائِهما وأحكامِهما في هذه الآيةِ. القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء الذين يَتَعَرَّوْن عندَ طوافِهم ببيتِه الحرامِ، ويُبْدُون عوراتِهم هنالك مِن مشركي العربِ، والمُحَرِّمين منهم أكلَ ما لم يُحَرِّمه اللهُ عليهم مِن حلالِ رزقِه، تَبَرُّرًا عندَ نفسِه لربِّه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ مِن الكِساءِ واللِّباسِ، ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا﴾ مِن طيباتِ ما رزَقْتُكم، وحلَّلْتُه لكم، ﴿وَاشْرَبُوا﴾ مِن حلالِ الأشْربة، ولا تُحَرِّموا إلا ما حرَّمْتُ عليكم في كتابي، أو على لسانِ رسولي محمدٍ ﷺ . وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يحيَى بنُ [حَبيبِ بن] (١) عَربيٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سلمةَ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: إن النساءَ كُنَّ يَطْفْنَ

стр. 6858

بالبيتِ (١) عُراةً - وقال في موضعٍ آخر: بغيرِ ثيابٍ - إلا أن تَجْعَلَ المرأة على فرجِها خِرْقةً، فيما وُصِف إن شاء الله، وتقولُ: اليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلُّه … فما بدا منه فلا أُحِلُّه قال: فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن مُسْلمٍ البَطِين، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا يَطُوفون عُراةً؛ الرجالُ بالنهارِ، والنساءُ بالليلِ، وكانت المرأةُ تقول: اليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلُّه … فما بَدَا منه فلا أُحِلُّه فقال الله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن عمرو، عن ابن عباسٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: الثيابُ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ ووهبُ بنُ جَريرٍ، عن شعبةَ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، قال: سمِعْتُ مسلمًا البَطِينَ يُحَدِّثُ عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت المرأةُ تَطُوفُ بالبيتِ عُرْيانةً. قال غُنْدَرٌ: وهى عُرْيانةٌ. قال وهبٌ:

стр. 6859

كانت المرأةُ تَطُوفُ بالبيتِ وقد أخْرَجَت صدرَها وما هنالك. قال غُنْدَرٌ: وتقولُ: مَن يُعِيرُني تِطْوافًا (١)؟ تَجْعَلُه على فرجِها، وتقولُ: اليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلُّه … وما بَدَا منه فلا أُحِلُّه فأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: كانوا يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، فأمَرَهم اللهُ أن يَلْبَسوا ثيابَهم ولا يَتَعَرَّوا (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية. قال: كان رجالٌ يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، فأمَرَهم اللهُ بالزينةِ، والزينةُ اللِّباسُ، وهو ما يُوارِي السَّوْءَةَ، وما سوى ذلك مِن جيِّدِ البَزِّ والمتاعِ، فأُمِروا أن يَأْخُذوا زينتَهم عندَ كلِّ مسجدٍ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ وابنُ فُضَيْلٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾. قال: كانوا يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، فأُمِروا أن يَلْبَسوا ثيابَهم (٥).

стр. 6860

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ بنحوِه. حدَّثني عمرٌو، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، في قولِه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: الْبَسوا ثيابَكم. حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: قال: كان ناسٌ يَطُوفون بالبيت عُراةً، فنُهُوا عن ذلك. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: كانوا يَطُوفون بالبيت عُراةً، فأُمروا أن يَلْبَسوا الثيابَ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: ما وارَى العورةَ ولو عَباءةً (٢). حدَّثنا عمرٌو قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، وأبو عاصمٍ، وعبدُ الله بنُ داودَ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: ما يُوارِى عورتَك ولو عباءةً. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: في قريشٍ؛ لتركِهم الثيابِ في الطوافِ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن

стр. 6861

جبيرٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: الثيابُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن إبراهيمَ، عن نافعٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: الشَّمْلةُ (١) مِن الزينةِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن طاوسٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: الثيابُ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سُوَيْدٌ وأبو أسامةَ، عن حمادِ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كانوا يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، فطافَت امرأةٌ بالبيتِ وهى عُريانةٌ، فقالت: اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه … فما بَدَا منه فلا أُحلُّه (٤) حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: كان حيٌّ مِن أهلِ اليمنِ، كان أحدُهم إذا قدِم حاجًّا أو معتمرًا يقولُ: لا يَنْبَغِى أن أَطُوفَ في ثوبٍ قد دَنِسْتُ فيه. فيقولُ: مَن يُعِيرُني مِئْزرًا؟ فإن قدِر على ذلك، وإلا طاف عُرْيانًا، فأَنْزَل الله فيه ما تَسْمَعون: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: قال اللهُ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. يقولُ: ما يُوارِى

стр. 6862

العورةَ عندَ كلِّ مسجدٍ. حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ أن العربَ كانت تَطوفُ بالبيتِ عُراةً إلا الحُمْسَ؛ قريشٌ وأحْلافُهم، فمَن جاء مِن غيرِهم وضَع ثيابَه وطاف في ثيابِ أَحْمَسَ، فإنه لا يَحِلُّ له أَن يَلْبَسَ ثيابَه، فإن لم يَجِدْ مَن يُعِيرُه مِن الحُمْسِ، فإنه يُلْقِى ثيابَه ويَطوفُ عُرْيانًا، وإن طاف في ثيابِ نفسِه، ألْقاها إذا قضَى طوافه، يُحَرِّمُها فيَجْعَلُها حرامًا عليه، فلذلك قال: ﴿آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١). وبه عن معمرٍ قال: قال ابن طاوس، عن أبيه: الشَّمْلةُ مِن الزينةِ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية: كان ناسٌ مِن أهلِ اليمنِ والأعرابِ إذا حجُّوا البيتَ يَطُوفون به عُرَاةً ليلًا، فأَمَرَهم اللهُ أن يَلْبَسوا ثيابَهم ولا يَتَعَرَّوْا في المسجدِ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾. قال: زينتُهم ثيابُهم التي كانوا يَطْرَحونها عندَ البيتِ ويَتَعَرَّوْن. وحدَّثني به مرةً أُخرى بإسنادِه، عن ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. قال: كانوا إذا جاءوا البيتَ فطافوا به، حَرُمَت عليهم ثيابُهم التي طافوا فيها، فإن وَجدوا مَن يُعِيرُهم ثيابًا، وإلا طافوا بالبيتِ عُراةً، فقال: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ﴾ قال: ثيابَ اللهِ التي

стр. 6863

أخْرَج لعبادِه الآية. وكالذي قلْنا أيضًا قالوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: أحَلَّ اللهُ الأكلَ والشربَ ما لم يكنْ سَرَفًا أو مَخِيلةً (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: في الطعامِ والشرابِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: كان الذين يَطُوفون بالبيتِ عُراةٌ يُحَرِّمون عليهم الوَدَكَ (٣) ما أقاموا بالموسِمِ، فقال اللهُ لهم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. يقولُ: لا تُسْرِفوا في التحريمِ (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعْتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. قال: أَمَرَهم أن يَأْكُلوا

стр. 6864

ويَشْرَبوا مما رزَقَهم الله (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ قال: لا تأكُلوا حرامًا، ذلك الإسرافُ (٢). وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. يقول: إن الله لا يُحِبُّ المتعدِّين (٣) حدَّه في حلالٍ أو حرامٍ، الغالين فيما أحَلَّ اللهُ أو حرَّم، بإحلال (٤) الحرام، وبتحريم (٥) الحلال، ولكنه يُحِبُّ أن يُحَلَّلَ ما أَحَلَّ، ويُحَرَّم ما حرَّم، وذلك العدلُ الذي أمر به. القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء الجَهَلةِ مِن العرب الذين يَتَعَرَّوْن عندَ طوافهم بالبيت، ويُحَرِّمون على أنفسهم ما أحْلَلْتُ لهم من طيباتِ الرزقِ: مَن حرَّم أيُّها القومُ عليكم زينةَ اللَّهِ التي خلقها لعباده أن تتزيَّنوا بها وتَتَجَمَّلوا بلباسها، والحلال مِن رزقِ اللَّهِ الذي رزق خلْقَه لمطاعمهم ومَشارِبهم. واخْتَلَف أهل التأويل في المعنيِّ بالطيباتِ من الرزق، بعد إجماعهم على أن الزينة ما قلنا؛ فقال بعضُهم: الطيبات من الرزق في هذا الموضع اللحُم؛ وذلك أنهم كانوا لا يَأْكُلونه في حال إحرامهم. ذكرُ مَن قال ذلك منهم حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباط، عن

стр. 6865

السديِّ في قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: وهو الوَدَكُ (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: الذي (٢) حرَّموا على أنفسهم. قال: كانوا إذا حجُّوا أو اعْتَمَروا حرَّموا الشاةَ عليهم وما يَخْرُجُ منها. وحدَّثنى به يونُسُ مرةً أخرى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية. قال: كان قومٌ يُحَرِّمون ما يَخْرُجُ من الشاة؛ لبنها وسمنها ولحمها، فقال الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. قال: والزينةُ مِن (٣) الثيابِ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا حِبَّانُ بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، قال: لما بعث الله محمدًا فقال: هذا نبييِّ، هذا خيارى، اسْتَنُّوا به، خُذُوا في سنته (٥) وسبيله، لم تُغلق دونَه الأبواب، ولم تَقُمْ دونَه الحَجَبَةُ (٦)، ولم يُغْدَ عليه بالجفانِ (٧)، ولم يُرْجَعْ عليه بها، وكان يَجْلِسُ بالأرض، ويَأْكُلُ طعامه بالأرضِ، ويَلْعَقُ يدَه، ويَلْبَسُ الغَليظ، ويَرْكَبُ الحمار، ويُرْدِفُ بعده (٨)، وكان يقولُ: "مَن رغب عن سُنَّتى فليس منى". قال الحسن: فما أكثر الراغبين عن سنته،
следующие страницы →