← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

يقولُ تعالى ذكرُه: واختَار موسى مِن قومِه سبعين رجلًا للوقتِ والأجلِ الذي كان اللَّهُ وعَده أن يلقاه فيه بهم؛ للتوبةِ إليه مما كان مِن فعلِ سُفَهائِهم في أمرِ العجلِ. كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: إن اللَّهَ أمَر موسى أن يأتِيَه في ناسٍ مِن بنى إسرائيلَ يعتذِرون إليه مِن عبادةِ العجلِ، ووعَدهم موعِدًا، فاختار موسى قومَه سبعين رجلًا على عينِه، ثم ذهَب بهم ليعتذِرُوا، فلما أَتَوا ذلك المكانَ، قالوا: لن نؤمنَ لك يا موسى حتى نرى اللَّهَ جهرةً، فإنك قد كلَّمتَه فأَرِناه. فأخَذَتْهم الصاعقةُ فماتوا، فقام موسى يبكى ويدعو اللَّهَ ويقولُ: ربِّ ماذا أقولُ لبنى إسرائيلَ إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارَهم؟ ربِّ (١) لو شئتَ أهلكتَهم مِن قبلُ وإيَّاى (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: اختار موسى مِن بنى إسرائيلَ سبعين رجلًا؛ الخيِّرَ فالخيِّرَ، وقال: انطلِقوا إلى اللَّهِ فتوبوا إليه مما صنَعْتم، وسَلُوه التوبةَ على مَن تَرَكْتُم وراءَكم مِن قومِكم، صوموا وتطَهَّروا، وطهِّروا ثيابَكم. فخرَج بهم إلى طورِ سَيْناءَ لميقاتٍ وقَّتَه له ربُّه، وكان لا يأتيه إلا بإذنٍ منه وعِلْمٍ، فقال له السبعون - فيما ذُكِر لى - حينَ صنَعوا ما أمَرهم به، وخرَجوا معه للقاءِ ربِّه: يا موسى اطلُبْ لنا نسمعْ كلامَ ربِّنا. فقال: أفعلُ. فلما دنا موسى مِن الجبلِ، وقَع عليه عمودُ الغَمامِ حتى تغشَّى الجبلَ كلَّه، ودنا موسى فدخَل فيه، وقال للقومِ: ادنوا - وكان موسى إذا كلَّمَه اللَّهُ وقَع على جبهتِه نورٌ ساطعٌ، لا يستطيعُ أحدٌ مِن بنى آدمَ أن ينظُرَ إليه - فضُرِب دونَه بالحجابِ، ودنا القومُ حتى إذا دخَلوا في

стр. 7177

الغمامِ وقعُوا سُجودًا، فسمِعوه وهو يكلِّمُ موسى؛ يأمُرُه وينهاه: افعلْ، ولا تفعلْ. فلما فرَغ إليه (١) مِن أمرِه، [انكَشَف عن موسى الغمامُ فأقبَل] (٢) إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]. فأَخَذتْهُم الرَّجْفَةُ، وهى الصاعقةُ، فانفَلَتَتْ (٣) أرواحُهم فماتوا جميعًا، وقام موسى يناشدُ ربَّه ويدعُوه ويَرْغَبُ إليه، ويقولُ: ربِّ لو شئتَ أَهْلَكْتَهم مِن قبلُ وإِيَّاى، قد سفِهُوا، أفتُهلِكُ (٤) مَن ورائى مِن بني إسرائيلَ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: كان اللَّهُ أمَره أن يختارَ مِن قومِه سبعين رجلًا، فاختارَ سبعين رجلًا، فبرَّزهم (٦) ليدعُوا ربَّهم، فكان فيما دعَوُا اللَّهَ أَن قالوا: اللهمَّ أَعْطنا ما لم [تعطِه أحدًا قبلَنا ولم تعطِه] (٧) أحدًا بعدَنا. فكرِه اللَّهُ ذلك مِن دعائِهم، فأخَذَتْهم الرجفةُ، قال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ الآية (٨). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حيانَ، عن جعفرِ بن بُرْقَانَ، عن ميمونَ

стр. 7178

يعنى ابنَ مهرانَ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: لموعدِهم الذي وعَدهم. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: اختارهم لتمامِ الموعدِ (١). وقال آخرون: إنما أخَذَتْهم الرجفةُ مِن أجلِ دعواهم على موسى قتلَ هارونَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى أبو إسحاقَ، عن عُمارةَ بن عبدٍ السلوليِّ، عن عليٍّ ﵁، قال: انطلَق موسى وهارونُ، [وشَبَّرٌ وشَبِيرٌ] (٢)، فانطلَقوا إلى سفحِ جبلٍ، فنام (٣) هارونُ على سريرٍ، فتوفاه اللَّهُ، فلما رجَع موسى إلى بني إسرائيلَ قالوا له: أينَ هارونُ؟ قال: توفاه اللَّهُ. قالوا: أنتَ قتَلتَه، حسَدتَنا على خُلُقِه ولينِه - أو كلمةً نحوَها - قال: فاختاروا مَن شِئْتم. قال: فاختاروا سبعين رجلًا. قال: فذلك قولُه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾. قال: فلما انتَهَوا إليه قالوا: يا هارونُ مَن قتَلك؟ قال: ما قتَلنى أحدٌ، ولكنْ توفَّانى اللَّهُ. قالوا: يا موسى لن نَعْصِىَ بعدَ اليومِ. قال: فأَخَذَتْهم الرجفةُ. قال: فجعَل موسى يرجعُ يمينًا وشَمالًا، وقال: يا ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: فأحْياهم اللَّهُ وجعَلهم أنبياءَ كلَّهم (٤).

стр. 7179

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ من بنى سلولَ، أنه سمِع عليًّا ﵁ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: كان هارونُ حَسَنَ الخُلُقِ محبَّبًا في بنى إسرائيلَ. قال: فلمَّا مات دفنَه موسى. قال: فلمَّا أتَى بنى إسرائيلَ، قالوا له: أينَ هارونُ؟ قال: مات. قال: فقالوا: قتَلتَه. قال: فاختار منهم سبعين رجلًا. قال: فلما أتوا القبر قال موسى: أقتِلْتَ أو مِتَ؟ قال: مِتُّ. قال: فأُصْعِقُوا. قال: فقال موسى: يا ربِّ ما أقولُ لبنى إسرائيلَ إذا رجَعتُ؟ يقولون: أنتَ قتلتَهم. قال: فأُحيُوا وجُعِلوا أنبياءَ. حدَّثني عبيدُ (١) اللَّهِ بنُ الحجاجِ بن المنهالِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا الربيعُ بنُ حبيبٍ، قال: سَمعتُ أبا سعيدٍ، يعنى الرَّقاشيَّ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. فقال: كانوا أبناءَ ما عدا عشرين، ولم يَتَجاوزوا الأربعين؛ وذلك أن ابنَ عشرين قد ذهَب جهلُه وصباه، وأن مَن لم يتجاوزِ الأربعيَن لم يفقِدْ مِن عقلِه شيئًا (٢). وقال آخرون: إنما أخَذتِ القومَ الرجْفةُ لتركِهم فراقَ عبدةِ العجلِ، لا لأنهم كانوا مِن عبَدتِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾، فقرَأ حتى بلَغ: ﴿السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إنما تناولتْهم الرجْفةُ لأنهم لم يزايلوا القومَ حيَن نصبُوا العجلَ،

стр. 7180

وقد كرِهوا أن يجامِعوهم عليه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريحٍ قولَه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: ممن لم يكنْ قال ذلك القولَ، على أنهم لم يُجامعوهم عليه، فأخذتْهم الرجْفةُ من أجلِ أنهم لم يكونُوا باينوا قومَهم حينَ اتخذُوا العجل. قال: فلما خرجُوا ودعَوا، أماتهم الله ثم أحياهم، ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: والميقاتُ الموعدُ، فلما أخَذتْهم الرجفةُ بعد أن خرَج موسى بالسبعين مِن قومِه يدعون اللَّهَ ويسألونه أن يكشِفَ عنهم البلاءَ، فلم يَستجبْ لهم، عَلِمَ موسى أنهم قد أصابوا مِن المعصيةِ ما أصاب قومُهم. قال أبو (٣) سعدٍ: فحدَّثني محمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ، قال: لم يُسْتَجَبْ لهم مِن أجلِ أنهم لم ينهَوهم عن المنكرِ، ويأمروهم بالمعروفِ. قال: فأخذتْهم الرجفةُ فماتوا، ثم أحياهم اللَّهُ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن سعيدِ بن حيانَ، عن ابن عباسٍ: إن السبعين الذين اختارهم موسى مِن قومِه، إنما أخَذتْهم الرجفةُ أنهم لم يرضَوا ولم ينهَوا عن العجلِ (٥).

стр. 7181

حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، قال: ثنا سعيدُ بنُ حيانَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه. واختَلف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولهِ: ﴿قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرةِ: معناه: واختار موسى مِن قومِه سبعين رجلًا. فلما نُزِعَ "مِن" أُعْمِل الفعلُ، كما قال الفرزدقُ (١). ومنا الذي اخْتِيرَ الرجالَ سماحةً … وجودًا (٢) إذا هبَّ الرياحُ الزعازِعُ وكما قال الآخرُ (٣): أمَرْتُك الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ به … فقد تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ (٤) وقال الراعي (٥): اخْتَرْتُكَ النَّاسَ إِذ غَثَّتْ (٦) خَلائِقُهم … واعْتَلَّ مَن كان يُرْجَى عنده السُّولُ وقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ (٧): إنما استُجِيز وقوعُ الفعلِ عليهم إذا طُرِحت "من"؛ لأنه مأخوذٌ مِن قولِك: هؤلاء خيرُ القومِ. وخيرٌ من القومِ.

стр. 7182

فلما (١) جازتِ الإضافةُ مكانَ "مِن" ولم يتغيَّرِ المعنى، استجازوا أن يقولوا: اخترتُكم رجلًا. و: اخترتُ منكم رجلًا. وقد قال الشاعرُ (٢) * [فقُلْتُ له اخترْها قَلُوصًا سَمِينَةً* وقال الراجز (٣):] (٤) تحتَ التي اختارَ (٥) له اللَّهُ الشَّجَرُ بمعنى: اختارها اللَّهُ له مِن الشجرِ. وهذا القولُ الثاني أولى عندى في ذلك بالصوابِ؛ لدلالةِ الاختيارِ على طلبِ "من" التي بمعنى التبعيضِ، ومِن شأنِ العربِ أن تحذفَ الشيءَ مِن حشوِ الكلامِ إذا عُرِف موضعُه، وكان فيما أظهَرتْ دلالةٌ على ما حذَفتْ، فهذا مِن ذلك إن شاء اللَّهُ. وقد بيَّنا معنى "الرجفةِ" فيما مضى بشواهدِها (٦)، وأنها ما رجَف بالقومِ وزعزَعَهُم (٧) وحرَّكهم؛ أهلَكَهم (٨) بعدُ فأماتهم، أو أصْعَقهم فسلَب أفهامَهم. وقد ذكرْنا الروايةَ في (٩) هذا الموضعِ، وقولَ مَن قال: إنها كانت صاعقةً أماتَتْهم (١٠).

стр. 7183

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: ماتوا ثم أحياهم (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: اختارَهم موسى لتمامِ الموعدِ، ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: ماتوا ثم أحياهم اللَّهُ. حدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. قال: رُجِف بهم. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أفتُهلِكُ هؤلاء الذين أهلكتَهم بما فعل السفهاءُ منا؟ أي: بعبادةِ مَن عبَد العجلَ؟ قالوا: وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه إنما أهلَكهم لأنهم كانوا ممَّن عبَد العجلَ، وقال موسى ما قال ولا عِلْمَ عندَه بما كان منهم في (٢) ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. فأوحى اللَّهُ إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخَذَ العجلَ. فذلك حينَ يقولُ موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا

стр. 7184

مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (١). وقال آخرون: معنى ذلك: إن إهلاكَك هؤلاء الذين أهلكتَهم هلاكٌ لمَن وراءَهم من بنى إسرائيلَ إذا انصرفتُ إليهم، وليسوا معى، و "السفهاءُ" على هذا القولِ كانوا المُهْلَكين الذين سألوا موسى أن يريَهم اللَّهَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما أخذَت الرجفةُ السبعين فماتوا جميعًا، قام موسى يناشدُ ربَّه ويدعُوه، ويرغبُ إليه، يقولُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾. قد سفِهوا، أفتُهْلِكُ مَن ورائى مِن بنى إسرائيلَ بما فعَل السفهاءُ منا؟ أي: إن هذا لهم هلاكٌ، قد اخترت منهم سبعين رجلًا الخيِّرَ فالخيِّرَ، أَرْجِعُ إليهم وليس معى رجلٌ واحدٌ؟ فما الذي يصدِّقونني به، أو يأْمَنونني عليه بعدَ هذا (١)؟ وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾: أتواخذُنا وليس مِنّا رجلٌ واحدٌ ترَك عبادتَك؟ ولا استبدَل بك غيرَك؟ وأولى الأقوالِ (٢) بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: إن موسى إنما حزِن على هلاكِ السبعين بقولِه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. وأنه إنما عنَى بالسفهاءِ عبدةَ العجلِ، [وأنَّ موسى حين قال ما قال مِن ذلك لم يكنْ عندَه السبعون من عبدةِ العجلِ] (٣). وذلك أنه محالٌ أن يكونَ موسى كان تخيَّر مِن قومِه لمسألةِ ربِّه جلَّ ثناؤُه

стр. 7185

ما أراد (١) أن يسألَ لهم إلا الأفضلَ فالأفضلَ منه، ومحالٌ أن يكونَ الأفضلُ كان عندَه مَن شَرِك (٢) في عبادة العجل واتخذه دونَ اللَّهِ إلهًا. قال: فإن قال قائلٌ: فجائزٌ أن يكونَ موسى كان معتقِدًا أن اللَّهَ يعاقبُ قومًا بذنوبِ غيرِهم، فيقولُ: أتهلكُنا بذنوبِ مَن عبَد العجلَ، ونحن مِن ذلك برآءُ؟ قيل: جائزٌ أن يكونَ معنى [ذلك الهلاكِ] (٣) قبضَ الأرواحِ على غيرِ وجهِ العقوبةِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: مات، فيقول: أتميتُنا بما فعَل السفهاءُ منا؟ وأما قولُه: هو ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. فإنه يقولُ: ما هذه الفَعْلةُ التي فعَلها قومِى، من عبادتهم ما عبدوا دونَك، إلا فتنةٌ منك أصابتهم. ويعنى بـ "الفتنةِ" الابتلاء والاختبار. يقولُ: ابتليتَهم بها ليتبينَ الذي يَضِلُّ عن الحقِّ بعبادتِه إياه، والذي يهتدى بتركِ عبادته. وأضاف إضلالَهم وهدايتَهم إلى اللَّهِ، إذ كان ما كان منهم مِن ذلك عن سببٍ منه جلَّ ثناؤُه. وبنحو ما قلنا في "الفتنةِ"، قال جماعةٌ مِن أهل التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. قال: بَلِيَّتُكَ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حبُّويَه الرازيُّ، عن يعقوبِ، عن جعفرِ بن أبى

стр. 7186

المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾: إلا بَلِيَّتُكَ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرنا أبو (٢) جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. قال: بليَّتُكَ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾: إن هو إلا عذابُك تصيبُ به مَن تشاءُ، وتصرِفُه عمن تشاءُ (٤). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾: أنت فتنتَهم (٥). وقولُه: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾. يقولُ: أنت ناصِرُنا، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾. يقولُ: فاستُرْ علينا ذنوبَنا بتركِك عقابَنا عليها، ﴿وَارْحَمْنَا﴾: تعطَّفْ علينا برحمتِك، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ يقولُ: وأنت خيرُ مَن صفَح عن جُرْمٍ، وستَر على ذنبٍ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن دعاءِ نبيِّه موسى ﵇ أنه قال فيه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾: اجعلنا ممَّن كَتبتَ له ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: وهى الصالحاتُ مِن الأعمالِ، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ممن كتبتَ له المغفرةَ لذنوبِه.

стр. 7187

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: مغفرةً (١). وقولُه: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: إنا تُبْنا إليك. وبنحوِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ وابنُ فضيلٍ وعمرانُ بنُ عيينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ (٢) - قال عمرانُ: عن ابن عباسٍ - ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: إنا تُبْنا إليك (٣). [حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٤)، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، [عن ابن عباسٍ] (٤)، قال: تُبْنَا إليكَ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ قال: تُبْنا إليك. [حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٤)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بكرٍ، عن حاتمِ بن أبى صَغِيرةَ (٥) عن سِماكٍ، أن ابنَ عباسٍ قال في هذه الآيةِ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: تُبْنا إليك.

стр. 7188

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أحسَبُه عن ابن عباسٍ قال: ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: تُبْنا إليك. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: تُبْنا إليك. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ (١)، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ الأصبهانيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: تُبنا إليك. حدَّثنا ابن بشارٍ (١)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ووكيعُ بنُ الجراحِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الرحمنِ بن الأصبهانيِّ، عن سعيد بن جبيرٍ بمثلِه (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابن الأصبهانيِّ، عن سعيدِ بن جبير مثلَه. [حدَّثنا ابن وكيعٍ] (١)، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: تُبْنا إليك. [حدَّثنا ابن وكيعٍ] (١)، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن العوامِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، قال: تُبْنا إليك (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن العوّامِ، عن

стр. 7189

إبراهيمَ التيميِّ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: أي: إِنَّا تُبْنا إليك. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: تبنا (١). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ يقولُ: تُبْنا إليك (٢). حدَّثني (٣) محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: تُبْنا إليك (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبى العاليةِ، قال: تُبْنا إليك. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي حُجَيْرٍ (٥)، عن الضحاكِ، قال: تُبْنا إليك (٦).

стр. 7190

قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: تُبْنا إليك. وحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ. فذكَر مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبى وعبيدُ اللَّهِ، عن شريكٍ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: تُبْنا إليك. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حبُّويَه أبو يزيدَ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبى، عن شريكٍ، عن جابرٍ، عن (١) عبدِ اللَّهِ بن نُجَيٍّ (٢) عن عليٍّ، قال: إنما سُمِّيت اليهودُ لأنهم قالوا: ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. يعنى: تبْنا إليك. حدَّثنا ابن البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبى سَلَمةَ، قال: سمِعتُ رجلًا يسألُ سعيدًا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: إنا تُبْنا إليك. وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهدِه فيما مضى بما أغنى عن إعادتِه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي

стр. 7191

وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال اللَّهُ لموسى: هذا الذي أصبتُ به قومَكَ مِن الرجفةِ ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ مِن خَلْقِى، كما أصبتُ (١) به هؤلاءِ الذين أصبتُهم به مِن قومِك ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: ورحمتى عمَّت خلقى كلَّهم. وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: مخرجُه عامٌّ ومعناه خاصٌّ، والمرادُ به ورحمتى وسِعت المؤمنين بى مِن أمةِ محمدٍ ﷺ . واستَشْهَد بالذي بعدَه مِن الكلامِ، وهو قولُه: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الآية كلها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو سلَمةَ المِنْقَريُّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبَرنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: جَعَلها اللَّهُ لهذه الأُمةِ (٢). حدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: قال سفيانُ: قال أبو بكرٍ

стр. 7192

الهذليُّ: لما (١) نزَلت: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قال إبليسُ: أنا مِن الشئِ. فنزَعها اللَّهُ مِن إبليسَ، قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. فقالت اليهودُ: نحن نتَّقِى ونؤتِى الزكاةَ ونؤمنُ بآياتِ ربِّنا. فنزَعها اللَّهُ مِن اليهودِ، وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآيات كلها. قال: فنزَعها اللَّهُ مِن إبليسَ ومِن اليهودِ، وجعَلها لهذه الأمةِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: لما نزَلت ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قال إبليسُ: أنا مِن ذلك، من "كلِّ شيءٍ" قال اللَّهُ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ الآية. فقالت اليهودُ: نحن نتَّقى ونؤتى الزكاةَ. فأَنزَل اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾. قال: فعزَلها (٣) اللَّهُ عن إبليسَ وعن اليهودِ، وجعَلها لأُمةِ محمدٍ، فسأكتُبها للذين يتَّقون مِن قومِك (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. فقال إبليسُ: أنا مِن ذلك الشئِ. فأنزَل اللَّهُ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ معاصىَ اللَّهِ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. فتَمْنَّتْها اليهودُ والنَّصارى، فأنزَل اللَّهُ شرطًا وثيقًا بيِّنًا، فقال: ﴿الَّذِينَ

стр. 7193

يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾: وهو نبيُّكم كان أُمِّيًا لا يكتُبُ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبرنا خالدٌ الحذّاءُ، عن أُنَيسٍ (٢) أبى العُريانِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: فلم يُعْطَها، فقال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ وعبدُ الأعلى، عن خالدٍ، عن أُنَيسٍ (٤) أبى العُريانِ (٥) - قال عبدُ الأعلى: عن أَنَسٍ أبى (٦) العُريانِ - قال (٧): قال ابن عباسٍ: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: فلم يُعْطَها موسى، ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: كان اللَّهُ كتَب في الألواحِ ذِكْرَ محمدٍ وذِكْرَ أمتِه، وما ذَخَر (٨) لهم عندَه، وما يسَّر عليهم في دينِهم، وما وسَّع عليهم فيما أحلَّ لهم، فقال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ

стр. 7194

أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يعنى الشركَ، الآية (١). وقال آخرون: بل ذلك على العمومِ في الدنيا، وعلى الخصوص في الآخرةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسنِ وقتادة في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قالا: وسعتْ في الدنيا البرَّ والفاجرَ، وهى يومَ القيامة للذين اتقَوا خاصَّةً (٢). وقال آخرون: هي على العموم، وهي التوبة. ذكر من قال ذلك حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَنتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: سأل موسى هذا، فقال الله: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾. للعذابِ (٣) الذي ذكر، ﴿وَرَحْمَتِي﴾ التوبة (٤). ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: فرحمته التوبة التي سأل موسى، كتبها الله لنا (٥).

стр. 7195

وأما قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، فإنه يقولُ: فسأكتُبُ رحمتي التي وسعت كل شيءٍ. ومعنى "أكتبُ" في هذا الموضع: أكتب في اللوح الذي كُتب فيه التوراة، ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يقول: للقوم الذين يخافون الله، ويخشونَ عقابَه على الكفر به، والمعصية له في أمره ونهيه، فيؤدُّونَ فرائضَه ويَجْتَنِبونَ معاصيه. وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصَف الله هؤلاء القوم بأنهم يتقُونَه؛ فقال بعضُهم: هو الشرك. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يعنى الشرك (١). وقال آخرون: بل هو المعاصى كلها. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ معاصى اللهِ (٢). وأمَّا الزكاة وإيتاؤُها، فقد بينا صفتها فيما مضى بما أغنى عن إعادته (٣). وقد ذكر عن ابن عباس في هذا الموضع أنه قال في ذلك ما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿وَيُؤْتُونَ

стр. 7196

الزَّكَاةَ﴾. قال: يُطيعونَ اللَّهَ ورسوله (١). فكأنَّ ابن عباس تأوَّلَ ذلك بمعنى أنه العمل بما يزكَّى النفس ويُطَهِّرُها من صالحات الأعمال. وأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. فإنه يقول (٢): وللقوم الذين هم بأعلامنا وأدلَّتِنا يُصدِّقون ويُقرُّون. القول في تأويل قوله جل وعزّ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. وهذا القولُ إبانةٌ من الله جل ثناؤه عن أن الذين وعد موسى نبيه ﵇ أن يكتب لهم الرحمة التي وصفها جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. هم أمة محمد ﷺ ؛ لأنَّه لا يعلم الله رسولٌ وُصِفَ بهذه الصفة - أعنى الأميَّ - غير نبينا محمد. وبذلك جاءت الروايات عن أهل التأويل. ذكرُ [الرواية عنهم بذلك] (٣) حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمران بن عُيَيْنَةَ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: أمة محمد ﷺ . [حدثنا ابن وكيع] (٤)، قال: ثنا زيدُ بنُ حُباب، عن حماد بن سلمةَ، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: أمة محمد ﷺ (٥).

стр. 7197

حدثنا أبو كريبٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيد في قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: أمة محمد، فقال موسى: ليتنى خُلِقتُ مِن (١) أمةٍ محمد (٢). حدثنا ابن حميد وابن وكيعٍ، قالا: ثنا جابر (٣)، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: الذين يتَّبِعون محمدا [ ﷺ . حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عَن نَوْفٍ الحميريِّ، قال: لما اختار موسى قومَه سبعين رجلا لميقات ربِّه فقال الله لموسى: أجعل لكم الأرضَ مسجدًا وطَهُورًا، وأجعل السكينة معكم في بيوتكم، وأجعلكم تقرءونَ التوراة عن ظهر (٤) قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم والمرأة والحرُّ والعبد والصغير والكبير. فقال موسى لقومه: إن الله قد جعل (٥) لكم الأرضَ طَهُورًا ومسجدًا. قالوا: لا نريد أن نُصلِّىَ إلا في الكنائس. قال: ويجعلُ السكينة معكم في بيتكم. قالوا: لا نريد إلا أن تكونَ كما كانت في التابوت. قال: ويجعلكم تقرءونَ التوراة عن ظهر] (٤) قلوبِكم، ويقرؤها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبيرُ. قالوا: لا نريد أن نقرأها إلَّا نَظَرًا. فقال الله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦). حدثنا محمد بن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمد بن ثُورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن يحيى

стр. 7198

ابن أبي كثير، عن نوف البكالى، قال: لما انطلق موسى بوفد بنى إسرائيل كلَّمه الله، فقال: إنى قد بسطتُ لهم الأرضَ طَهورًا ومساجدَ يُصلون فيها حيث أدركتهم الصلاة، إلا عند مرحاضٍ أو قبر أو حمَّامٍ، وجعلت السكينة في قلوبهم، وجعَلتهم يقرءون التوراة عن ظهرِ ألسنتهم. قال: فذكر ذلك موسى لبنى إسرائيل، فقالوا: لا نستطيعُ حَمْلَ السكينة في قلوبنا، فاجعلها لنا في تابوت، ولا نقرأُ التوراة إلا نظرا، ولا نُصلِّي إلا في الكنيسة. فقال الله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ حتى بلغ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. قال: فقال موسى: يا رب اجعلنى نبيهم. قال: نبيُّهم منهم. قال: ربّ اجعلني منهم، قال: لن تُدركهم. قال: يا رب أتيتُك بوفد بنى إسرائيل، فجعلت وفادَتَنا لغيرنا. فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. قال نوف البِكاليُّ: فاحْمدوا الله الذي حفظ غيبتكم (١)، وأَخَذَ لكم سهمكُم، وجَعَلَ وفادة بنى إسرائيل لكم (٢). حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا مُعاذ بن هشام، قال: ثنى أبي، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن نوفٍ البِكاليِّ بنحوه، إلا أنه قال: وإنى أُنزِلُ عليكم التوراة تقرءُونها عن ظهر ألسنتكم، رجالكم ونساؤكم وصبيانكم. قالوا: لا نصلى إلا في كنيسة. ثم ذكر سائر الحديثِ نحوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: أمةُ محمد.

стр. 7199

حدثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: هؤلاء أمة محمد ﷺ . حدثنا بشر بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما قيل: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. تَمَنَّتْها اليهود والنصارى، فأنزلَ اللَّهُ شَرْطًا بَيِّنًا وثيقًا، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾: وهو نبيُّكم، كان أميا لا يكتب (١). وقد بيَّنا معنى "الأميِّ" فيما مضى قبل مما أغنى عن إعادتِه (٢). وأما قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَالإنجيل﴾. فإن الهاء في قوله: ﴿يَجِدُونَهُ﴾ عائدة على "الرسول"، وهو محمد ﷺ . كذلك حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾: هذا محمد ﷺ . حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمرَ، قال: ثنا فليحٌ، عن هلال بن عليٍّ، عن عطاء بن يسارٍ، قال: لَقِيتُ عبدَ اللَّهِ بن عمرو، فقلتُ: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: أجَلْ، والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن: ياأيها النبيُّ إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرا. وحِرْزًا للأميين، أنت عبدى ورسولي، [أسميتك اسمَك] (٣) المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا صخَّابٍ (٤) في الأسواق، ولا يَجْزِى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفحُ، ولن نقبضه حتى نقيم

стр. 7200

به المِلَّةَ العوجاءَ، بأن يقولوا: لا إله إلا الله. فنُقِيمَ (١) به قلوبًا غُلْفًا، وآذانا صُمًّا، وأعينًا عُمْيًا. قال عطاءٌ: ثم لقيتُ كعبا فسألته عن ذلك، فما اختلفا (٢) حرفًا، إلا أن كعبا قال بلُغَتِه: قلوبًا غُلوفيا، وآذانًا صُمُومِيا (٣)، وأعينا عُموميا (٤). [قال أبو جعفر: وهذه لغةٌ حِمْيريَّةٌ] (٥). حدثني أبو كريب، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن عليٍّ، قال: ثنى عطاء، قال: لقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص. فذكر نحوَه، إلا أنه قال في كلام كعبٍ: أعينا عموما، وآذانا صمومًا، وقلوبًا غُلوفًا (٦). حدثنا أبو كريب، قال: ثنا موسى، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي (٧) سَلَمَةَ، عن هلال بن عليٍّ، عن عطاء بن يسار، عن عبدِ اللهِ بن عمرو بنحوه، وليس فيه كلام كعب. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قال الله : ﴿الَّذِي يَجدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ﴾. يقولُ: يجدون نعته وأمره ونبوتَه مكتوبا عندهم (٨) (٩). القول في تأويل قوله جلّ وعزّ: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ

стр. 7201

وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. يقول تعالى ذكره: يأمرُ هذا النبيُّ الأُمِّيُّ تُبَّاعَه (١) بالمعروف، وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته فيما أمر ونهى، فذلك المعروفُ الذي يأمرهم به، ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. وهو الشرك بالله، والانتهاء عما نهاهم الله عنه. وقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾. وذلك ما كانت الجاهلية تحرمه من البحائر (٢) والسَّوائب والوصائل والحوامِي، ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾. وذلك لحمُ الخنزير والربا وما كانوا يستحلُّونَه من المطاعم والمشارب التي حرمها الله. كما حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾: وهو لحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلُّونه من المحرَّماتِ من المآكل التي حرَّمها اللَّهُ (٣). وأما قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، فَإِن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: يعنى بـ "الإصْرِ" العهد والميثاق الذي كان أُخِذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بن نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباس: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. قال:

стр. 7202

عهدهم (١). [حدثنا ابن وكيع] (٢)، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: [عهدهم] (٣). حدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ على، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاك مثله. حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسن: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. قال: العهود التي أعطوها من [أنفُسِهم] (٣). حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن نمير، عن موسى بن قيسٍ، [عن مجاهد] (٤): ﴿وَيَضَعُ (٥) عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. قال: عهدَهُم (٦). حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: يضعُ عنهم عهودهم ومواثيقهم التي أُخِذَتْ منهم (٧) في التوراة والإنجيل (٣). حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾: ما كان اللَّهُ أَخَذَ عليهم

стр. 7203

من الميثاق فيما حرَّم عليهم، أنْ (١) يضعَ ذلك عنهم (٢). وقال بعضُهم: يعنى بذلك أنه يضعُ عمَّن اتبع نبى الله التشديد الذي كان على بني إسرائيل في دينهم. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ﴾: [تشديدٌ كان] (٣) عليهم، فجاء محمد بإقالةٍ منه وتجاوزٍ عنه (٤). حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. قال: البول ونحوه مما غُلِّظَ على بنى إسرائيل (٥). حدَّثني (٦) المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: شدة العمل (٧). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال

стр. 7204

مجاهد قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. قال: مَن اتَّبع محمدا ﷺ ودينَه من أهل الكتاب، وضَع عنهم ما كان عليهم من التشديد في دينهم (١). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن أشعثَ، عن ابن سيرين، قال: قال أبو هريرة لابن عباسٍ: ما علينا في الدين من حرجٍ، أن نزني ونسرق؟ قال: بلى، ولكنَّ الإصْرَ الذي كان على بنى إسرائيل وُضعَ عنكم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. قال: إِصْرَهُمْ﴾ الدِّينَ (٢) الذي جعله الله عليهم (٣). وأوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقالَ: إِنَّ الإِصْر هو العهد - وقد بينا ذلك بشواهده في موضعٍ غير هذا بما فيه الكفاية (٤) - وأنَّ معنى الكلام: ويضع النبيُّ الأميُّ العهد الذي كان اللَّهُ أَخَذَه على بنى إسرائيلَ مِن إقامة التوراةِ، والعمل بما فيها من الأعمالِ الشَّديدةِ؛ كقطع الجلْدِ مِن البولِ، وتحريم الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضةً، فنسخها حكم القرآن. وأما الأغلال التي كانت عليهم، فكان ابن زيد يقولُ فيما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب عنه في قوله: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. قال: الأغلال [التي جعلها عليهم] (٥). وقرأ: [غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]. قال: تلك

стр. 7205

الأغلالُ. قال: ودعاهُم إلى أن يؤمنوا بالنبيِّ ﵇ فيضع ذلك عنهم (١). القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾. يقول تعالى ذكره: فالذين صدَّقوا بالنبي الأميِّ، وأقروا بنبوته، ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾. يقولُ: وقَّروه وعظَّموه وحَمَوْه من الناسِ. كما حدثني المثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾. يقولُ: حَمَوْه ووقَرُوهُ (٢). حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنى موسى بن قيس، عن مجاهد: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾. قال: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾: شدَّدُوا (٣) أَمْرَه، وأعانُوا رسوله ﷺ ونصروه. وقوله: ﴿وَنَصَرُوهُ﴾. يقول: وأعانُوه على أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب لهم، ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ﴾: يعني القرآن والإسلامَ، ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصَفَ بها جلَّ ثناؤه أتباع محمد ﷺ هم المُنْجحون المدركون ما طلبوا ورجوا بفعلهم ذلك. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: فما نَقَمُوا - يعنى اليهود - إلا أنْ حسَدوا نبيَّ اللَّهِ، فقال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾؛ فأَمَّا نَصْرُه وتعزيزه فقد سُبِقتُم به، ولكن خياركم من آمنَ

стр. 7206

بالله، واتبعَ النور الذي أُنزِلَ معه (١). يريد قتادة بقوله: فما نقموا إلا أنْ حَسَدوا نبيَّ اللَّهِ. أن اليهود كان مجيء (٢) محمدٍ بما جاء به من عند الله رحمةً عليهم لو اتَّبعوه؛ لأنَّه جاء بوضع الإصْرِ والأغلال عنهم فحملهم الحسد على الكفر به، وترك قبول التخفيف، لغلبة خِذْلانِ الله عليهم. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد للناس كلِّهم: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قَبلى مِن الرسل يُرسَلُ إلى بعض الناس دونَ بعض، فمَن كان منهم (٣) أُرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دونَ بعض، ولكنها إلى جميعكم. وقوله: ﴿الَّذِي لَهُ﴾ من نعتِ اسم [اللَّهِ﴾. وإنما معنى الكلام: قل ياأيها الناسُ إلى رسولُ الله الذي له ملك السماواتِ والأرض إليكم. ويعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الذي له سلطان السماوات والأرض وما فيهما، وتدبير ذلك وتصريفه، ﴿لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقول: لا ينبغى أن تكونَ الألوهة والعبادة إلا له جلَّ ثناؤه، دونَ

стр. 7207

سائر الأشياء غيره من الأنْدادِ والأوثان [وغيرها، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكره أنّ الألوهة والعبادة لا تنبغى] (١) إلا لمن له سلطان كلَّ شيءٍ، والقادر على إنشاءِ خلْقٍ كل ما شاءَ، وإحيائه وإفنائه إذا شاءَ [وإماتَتِه] (٢)، ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ: قل لهم: فصدِّقوا باللهِ (٣) الذي هذه صفته، وأَقِروا بوحدانيته، وأنَّه هو الذي له الأُلوهةُ والعبادةُ، وصدِّقوا برسوله محمد ﷺ أنه [للَّهِ نبيٌّ] (٤) مبعوثٌ إلى خلقه؛ داعيا إلى توحيده وطاعته. القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾. وأما قوله: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيِّ﴾. فإنه من نعتِ "رسولِ اللهِ". وقد بينت معنى [قول القائل] (٥): النبيّ. فيما مضى بما أغنَى عن إعادته. وكذلك (٦) معنى قولِه: ﴿الأُمِّيِّ﴾ (٧). ﴿الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾. يقولُ: الذي يصدِّقُ بالله وبكلماته. ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وآياته.

стр. 7208

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتْهِ﴾. يقولُ: آياتِه (١). وقال آخرون: بل عنى بذلك عيسى ابن مريمَ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهد قوله: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾. قال: عيسى ابن مريم (٢). حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾: فهو عيسى ابن مريمَ (٣). والصوابُ من القول في ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره أمر عباده أن يُصَدِّقوا بنبوة النبيِّ الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، ولم يخصص الخبر جل ثناؤه عن إيمانه من كلماتِ اللهِ ببعض دونَ بعض، بل [أخْبر فعمَّ الخبرَ] (٤) عن جميعِ الكلماتِ، فالحق في ذلك أن يُعمَّ القولُ، فإن رسول الله ﷺ كان يؤمن بكلمات الله كلها على ما جاء به ظاهرُ كتابِ اللهِ. وأما قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. [فإن معناه: فاقتدوا] (٥) به أيها

стр. 7209

الناسُ، واعْملوا بما أمَرَكُم أن تعملوا به من طاعةِ اللهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: لكى تهتدُوا فَتَرشُدوا وتصيبوا الحقَّ في اتباعكم إيَّاه. القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾. يقول (١) تعالى ذكره: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى﴾. يعني: من بني إسرائيل، ﴿أُمَّةٌ﴾. يقولُ: جماعة، ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: يهتدونَ بالحقِّ، أي: يستقيمون عليه ويعملون به، ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أي: وبالحقِّ يُعطون ويَأخُذُون، وينصفون من أَنفُسِهم فلا يَجورُونَ. وقد قال في صفة هذه الأمة التي ذكرها الله في هذه الآية جماعةٌ أقوالا نحنُ ذاكرون ما حضَرَنا منها. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينةَ، عن صدقة أبى الهذيل، عن السدى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. قال: قومٌ بينكم وبينَهم نهرٌ مِن شَهْدِ (٢). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. قال: بلغني أن بنى إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم [وكفروا] (٣)، وكانوا اثنى عشَرَ سِبطًا، تبرَّأ سبط منهم مِمّا صنعوا، واعتذَروا، وسألوا اللَّهَ أَنْ يفرِّقَ بينَهم وبينهم، ففتح الله لهم نَفَقًا في الأرضِ

стр. 7210

فساروا فيه حتى خرجوا من وراءِ الصِّينِ، فهم هنالك حنفاء مسلمون، يستقبلون قبلَتَنا. قال ابن جُريج: قال ابن عباسٍ: فذلك قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَاءِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤]. ووعد الآخرة عيسى ابن مريم يخرجون معه. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السَّرَبِ سنةً ونصفًا (١). القول في تأويل قوله جلّ وعزّ: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾. يقول تعالى ذكره: فرَّقْناهُم (٢)، يعني قوم موسى من بنى إسرائيل، فرَّقهم (٣) الله فجعلهم قبائل شتَّى، اثنتَى عَشْرَةَ قبيلةً. وقد بيَّنا معنى "الأسباطِ" فيما مضى ومَن هُم (٤). واختلف أهل العربية في وجْهِ تأنيثِ "الاثنتىْ عَشْرَةَ"، و"الأسباطُ" جمع مذكر؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرة: أراد اثنتى عَشْرَة فرقةً. ثم أخبر أن الفِرَقَ أسباط، ولم يجعل العدد على "أسباط". وكان بعضُهم يَسْتَخْطِيءُ (٥) هذا التأويل ويقولُ: لا يخرُجُ العددُ على غير (٦) الثاني، ولكنَّ الفِرَقَ قبلَ "الاثنتى العَشْرَةَ" حتى تكونَ "الاثنتا العشرةَ" مؤنثةً على ما قبلها، ويكون الكلامُ: وقطعناهُم فِرَقًا اثنتى عشرَةَ أسباطًا. فيصح التأنيثُ لما تقدّم.

стр. 7211

وقال بعض نحويِّى الكوفة: إنما قال: ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ﴾ بالتأنيث، و"السِّبطُ" مذكرٌ؛ لأن الكلام ذهب إلى الأممِ، فغَلَّب التأنيثَ وإن كان "السِّبط" ذكرًا، وهو مثل قول الشاعرِ (١): وَإِنَّ كِلابًا هذه عَشْرُ أبْطُنٍ … وأنتَ بَرِيءٌ مِن قبائلها العَشْرِ ذهب بـ "البطنِ" إلى القبيلة والفصيلةِ، فلذلك جمع "البطن" بالتأنيث. وكان آخَرُ (٢) من نحويي الكوفة يقولُ (٣): إنما أُنِّثَت "الاثنتا عَشْرَةَ"، و"السبط" ذَكَرٌ؛ لذكرِ "الأممِ". والصواب من القول في ذلك عندى أنّ "الاثنتى العَشْرَةَ" أُنثت لتأنيثِ "القطعةِ". ومعنى الكلام: وقطَّعناهم قطعًا اثنتى عشْرَةَ. ثم ترجم عن القِطَعِ بـ "الأسباطِ"، وغيرُ جائز أنْ تكونَ "الأسباطُ" مُفسَّرَةً عن "الاثنتى العشْرَةَ"، وهى جمعٌ؛ لأن التفسير (٤) فيما فوق العشرِ إلى العشرين بالتوحيد لا بالجمعِ، و "الأسباطُ" جمعٌ لا واحدٌ، وذلك كقولهم: عندى اثنَتا عَشْرَةَ امرأةً. ولا يقالُ: عندى اثنتا عَشْرَةَ نسوةً. ففي ذلك بيان (٥) أن "الأسباط" ليست بتفسيرٍ لـ "الاثنتى العشْرَةَ". وأن القول في ذلك على ما قلنا. وأما "الأمم"، فالجماعات، و "السِّبطُ"، في بني إسرائيلَ نحو القرنِ. وقيل: إنما فُرِّقوا أسباطًا لاختلافهم في دينهم.

стр. 7212

القول في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾ يقولُ جلَّ ثناؤه: وأوحينا إلى موسى إذ فرَّقنا بني إسرائيل قومه اثنتى عشْرَةَ فرقةً، وتَيَّهناهم في التِّيهِ فاستسْقَوا موسى من العطش وعَوَزِ (١) الماءِ - ﴿أَنِ اضْرِب بُعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾. وقد بيَّنا السبب الذي كان قومه استسقوه (٢)، وبيَّنا معنى "الوحيِ" بشواهده (٣). ﴿فَأَنْبَجَسَتْ مِنْهُ﴾: فانصبَّتْ وانفجرَتْ من الحجرِ، ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ من الماء، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أَنَاسٍ﴾. يعنى: كل أناس من الأسباط الاثنتى عَشْرَةَ، ﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾ لا يدخُلُ سبطٌ على غيره في شِرْبه، ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ يُكِنُّهم من حر الشمس وأذاها. وقد بينا معنى "الغمامِ" فيما مضى قبلُ، وكذلك "المنّ" و "السَّلْوى" (٤). ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ طعامًا لهم، ﴿كُلُوا مِن طَيَّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. يقولُ: وقلنا لهم: كُلوا من حلال ما رزقناكُم أيها الناسُ فطيَّبناه لكم، ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وفى الكلامِ

стр. 7213

محذوفٌ تُرِكَ ذِكرُه استغناءً بما ظهر عما تُرِكَ، وهو: فأجِمُوا (١) ذلك وقالوا: لن نصبرَ على طعام واحدٍ، فاستبدلوا الذي هو أدْنَى بالذي هو خيرٌ، ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾. يقولُ: وما أدخلوا علينا نقصًا في مُلكنا وسُلْطانِنا بمسألتهم ما سألوا، وفعلهم ما فعلوا، ﴿وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. أي: يَنقُصُونها حظوظَها باستبدالهم الأدنى بالخير، والأرْذلَ بالأفضلِ. القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : واذكر أيضًا يا محمد مِن خَطَأ فعلِ هؤلاء القومِ، وخلافهم على ربهم، وعصيانهم نبيَّهم موسى، وتبديلهم القول الذي أُمِرُوا أنْ يقولُوه حين قال الله لهم: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: وهى قرية بيت المقدس، ﴿وَكُلُوا مِنْهَا﴾. يقولُ: مِن ثمارها وحبوبها ونَباتِها، ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ (٢). يقولُ: أين (٣) شئتُم منها، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. يقولُ: وقولوا: هذه الفَعْلةُ حِطةٌ تحطُّ ذنوبَنا - ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾. يقولُ: يَتغمد لكمْ ربُّكم ذنوبَكم التي سلَفتْ منكم، فيعفُو لكم عنها فلا يؤاخذكم بها، ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ منكم - وهم المطيعون لله - على ما وعدتكم من غفران الخطايا. وقد ذكرنا الروايات في كلِّ ذلك باختلافِ المختلفين، والصحيح من القولِ لدَيْنا فيه (٤) فيما مضى بما أغنى عن إعادَتِه (٥).

стр. 7214

القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾. يقول تعالى ذكره: فغَيَّر الذين كفروا بالله منهم ما أمرهم الله به من القول، فقالوا - وقد قيل لهم: قولوا: هذه حِطةٌ -: حِنْطةٌ في شَعيرةٍ. وقولهم ذلك كذلك هو غير القول الذي قيل لهم: قُولُوه. يقول الله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِن السَّمَاءِ﴾. يقولُ: بعثنا عليهم عذابًا أهلكهم (١) بما كانوا يغيِّرون ما يُؤمرون به، فيفعلون خلاف ما أمَرهُم الله بفعله، ويقولون غير الذي أمرهم بقيله. وقد بينا معنى "الرِّجْزِ" فيما مضى (٢). القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾. يقول جل ثناؤه: واسألْ يا محمدُ هؤلاء اليهود الذين (٣) هم مجاورُوكَ عن أمرِ ﴿الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. يقولُ: كانت بحضرة البحر. أيْ: بقرب البحرِ وعلى شاطئه. واختلف أهل التأويل فيها؛ فقال بعضهم: هي أَيْلةُ.

стр. 7215

ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ابن إدريسَ، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حُصينٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْرِ﴾. قال: هي قريةٌ يقال لها: أيْلَةُ، بينَ مَدْينَ والطور (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عبدِ الله بن كثير في قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. قال: سمعنا أنها أيلَة. حدثنا سلام بن سالم الخُزاعي، قال: ثنا يحيى بن سليم الطائفى، قال: ثنا ابن جريج، عن عكرمة، قال: دخلتُ على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكِي، فقلتُ: ما يُبكيكَ، جعلني الله فداءك؟ فقال: ويلك، تعرفُ القرية التي كانت حاضرة البحرِ؟ فقلتُ: تلك أيْلَةُ (٢). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن أبي بكر الهذليِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. قال: هي أيْلة (٣). حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس، قال: هي قريةٌ على شاطئ البحرِ بين مصر والمدينةِ يُقال لها: أيْلةُ (٤).
следующие страницы →