← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

سألتُك مِن الرؤيةِ، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بك من قومى أن لا يراكَ في الدنيا أحدٌ إلا هلَك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ (١) اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الرَّبيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: قد (٢) كان قبلَه مؤمنون، ولكن يقولُ: أنا أوّلُ مَن آمن أنَّه (٣) لا يراكَ أحدٌ مِن خلقِك إلى يومِ القيامةِ (٤). حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: لما رأى موسى ذلك وأفاق، عرَف أنه قد سأل أمرًا لا ينبغى له، فقال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين﴾. قال الربيعُ: قال أبو العاليةِ: عَنَى: إنِّي أوّلُ مَن آمن بكَ أنه لن يراك أحدٌ قبلَ يومِ القيامةِ. حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: قال سفيانُ: قال أبو سعدٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾: فمرّت به الملائكةُ وقد صَعِق، فقالت: يا بنَ النساءِ الحُيَّضِ، لقد سألتَ ربَّكَ أمرًا عظيمًا. فلما أفاق قال: سبحانَك لا إلهَ إلا أنتَ، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أنا أوّلُ مَن آمن أنه لا يراك أحدٌ مِن خلقِك. يعني: في الدنيا.

стр. 7142

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: أنا أولُ مَن يُؤمن أنه لا يراك شيءٌ مِن خلقِك (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾. قال: مِن مسألتى الرؤيةَ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعيدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أن أسألَك الرؤيةَ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، عن سفيانَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أن أسألَك الرؤيةَ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (٤): أن أسألَك الرؤيةَ (٥). وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنا أولُ مَن آمَن (٦) بك من بنى إسرائيلَ.

стр. 7143

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسينُ (١) بنُ عمرِو بن محمدٍ العنقزِيُّ، قال: حدثني أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أوّلُ مَن آمَن بك مِن بنى إسرائيلَ (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعنى: أوّلُ المؤمنين مِن بنى إسرائيلَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللَّهِ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أنا أوّلُ قومى إيمانًا (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا أبو نعيمٍ، عن سفيانَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: أَوّلُ قومى إيمانًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال (٤): أوّلُ قومى إيمانًا. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أوّلُ قومى آمَن.

стр. 7144

وإنما اخْترنا القولَ الذي اخْترنا (١) في قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. على قولِ مَن قال: معناه: أنا أوّلُ المؤمنين مِن بنى إسرائيلَ. لأنَّه قد كان قبلَه في بنى إسرائيلَ مؤمنون وأنبياءُ، منهم ولدُ إسرائيلَ لصلبِه، كانوا (٢) مؤمنين وأنبياءَ؛ فلذلك اخترنا القولَ الذي قلناه قبلُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي (٣) وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللَّهُ لموسى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: اختَرتُك على الناسِ، ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ (٤): إلى خلقى، أرسلْتك بها إليهم، ﴿وَبِكَلَامِي﴾: كلَّمتُك وناجيتُك به (٥) دونَ غيرِك مِن خلقى، ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾. يقولُ: فخُذْ ما أعطيتُك مِن أمرى ونهيى، وتَمسَّكْ به واعمَلْ به بيدَنِك (٦)، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ للَّهِ على ما آتاك مِن رسالتِه، وخصَّك (٧) به (٨) مِن النجْوى بطاعتِه في أمرِه ونهيِه، والمسارعةِ إلى مرضاتِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزَ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.

стр. 7145

يقولُ جلَّ ثناؤه: وكتبْنا لموسى في ألواحِه. وأدخلت الألفُ واللامُ في ﴿الْأَلْوَاحِ﴾ بدلًا مِن الإضافةِ، كما قال الشاعرُ (١): * والأحْلامُ غيرُ عَوَازِبٍ* وكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. يعنى: هي مأْواه. وقولُه: هو ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: مِن التذكير والتنبيهِ على عظمةِ اللَّهِ وعزِّ سلطانِه، ﴿مَوْعِظَةً﴾ لقومِه، ومَن أُمِر بالعملِ بما كُتِب في الألواح، ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وتَبْيِينًا لكلِّ شيءٍ مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، أو سعيدِ بن جبيرٍ - قال أبو جعفرٍ (٢): وهو في أصلِ كتابى: عن سعيدِ بن جبيرٍ - في قولِ اللَّهِ: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: ما أُمروا به ونُهوا عنه (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:

стр. 7146

﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: من الحلالِ والحرامِ (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: ما أُمِروا به ونُهوا عنه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال عطيةُ: أخبَرنى ابن عباسٍ أن موسى الطَّيِّبَ ﷺ لمّا كرَبه الموتُ قال: هذا مِن أجلِ آدمَ، قد كان اللَّهُ جعلنا في دارِ مثوًى لا نموتُ، فخطأُ آدمَ أنزَلنا ههنا. فقال اللَّهُ لموسى: أبعَثُ إليك آدمَ فتخاصِمَه؟ قال: نعم. فلما بعَث اللَّهُ آدمَ سأله موسى، فقال أبونا آدمُ: يا موسى سألتَ اللَّهَ أن يبعثَني لك؟ قال موسى: لولا أنتَ لم نكن ههنا. قال له: آدمُ: أليسَ قد آتاك اللَّهُ مِن كلِّ شيءٍ موعظةً وتفصيلًا؟ أفلستَ تعلمُ أنه ما أصاب في الأرضِ مِن مُصيبةٍ ولا في أنفسِكم إلا في كتابٍ مَن قبلِ أن نبرَأها؟ قال موسى: بلى. فخصَمه آدمُ صلى الله عليهما (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا (٣) عبدُ الصمدِ بن معقلٍ، أنه سمِع وَهْبًا يقولُ في قولِه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: كُتب له (٤): لا تُشركْ بى شيئًا مِن أهلِ السماءِ ولا مِن أهلِ الأرضِ، فإن كلَّ ذلك خَلْقِى، ولا تحلِفْ باسمى كاذِبًا، فإن مَن

стр. 7147

حلَف باسمى كاذبًا فلا أُزكِّيه، ووقِّرْ والِدَيْكَ (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: وقلنا لموسى إذ كتبنا له في الألواحِ مِن كلِّ شيءٍ موعظةً وتفصيلًا لكلِّ شيءٍ: خذِ الألواحَ بقوَّةٍ. فأخرَج الخبرَ عن "الألواح". والمرادُ ما فيها. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "القوَّةِ" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: بجِدٍّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، قال: قال أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. قال: بجِدٍّ (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. يعنى: بجدٍّ واجتهادٍ (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: فخُذْها بالطاعةِ للَّهِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال:

стр. 7148

أخبَرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. قال: بالطاعةِ (١). وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهدِه، واختلافَ أهلِ التأويلِ فيه في سورةِ "البقرةِ" عندَ قولِه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]. فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قلنا لموسى: وأمُرْ قومَك مِن بنى إسرائيلَ ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. يقولُ: يعمَلوا بأحسنِ ما يجِدُون فيها. كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. يقولُ: يعمَلوا (٣) بأحسنِ ما يجدون فيها (٤). حدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا سفيانُ، ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. قال: أمَر موسى أن يأخُذَها بأشدَّ مما أمَر به قومَه (٥). فإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. أكان [مرخَّصًا لهم في تَرْكِ] (٦) بعضِ ما فيها مِن الحُسنِ؟ قيل: لا، ولكن كان فيها أمرٌ ونهىٌ، فأمَرهم اللَّهُ أن يعملوا بما أمرَهم بعملِه، ويترُكوا ما نهاهم عنه، فالعملُ

стр. 7149

بالمأمورِ به أحسنُ مِن العملِ بالمَنْهيِّ عنه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: قلنا لموسى إذ كتَبْنا له في الألواحِ مِن كلِّ شيءٍ: خذْها بجِدٍّ في العملِ بما فيها واجتهادٍ، وأمُرْ قومَك يعمَلوا (١) بأحسنِ ما فيها، وانهَهم عن تضيِيعِها وتضيِيعِ العملِ بما فيها والشركِ بى، فإن مَن أشرَك بى منهم ومِن غيرِهم، فإنى سأُريه في الآخرةِ عندَ مصيرِه إليَّ دارَ الفاسقين، وهى نارُ اللَّهِ التي أعدَّها لأعدائه. وإنما قال: ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ كما يقولُ القائلُ لمن يخاطبُه: سأريكَ غدًا إلى ما يصيرُ إليه حالُ مَن خالَف أمرى. على وجهِ التهدُّدِ والوعيدِ لمن عصاه وخالَف أمْرَه. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ ما قلنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي، نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال: مصيرَهم في الآخرة (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمٌ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال: جَهَنَّمَ (٣).

стр. 7150

وقال آخرون: معنى ذلك: سأُدخِلُكم أرضَ الشامِ، فأُريكم منازلَ الكافرين الذين هم سكَّانُها من الجبابرةِ والعمالقةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾: منازلَهم. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال: منازلَهم (١). وقال آخرون: معنى ذلك: سأُريكم دارَ قومِ فرعونَ، وهى مصرُ (٢). وإنما اختَرنا القولَ الذي اخترناه في تأويلِ ذلك؛ لأن الذي قبلَ قولِه: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أمرٌ مِن اللَّهِ لموسى وقومِه بالعملِ بما في التوراةِ، فأولَى الأُمورِ بحكمةِ اللَّهِ أن يختِمَ ذلك بالوعيدِ على مَن ضيَّعَه، وفرَّط في العملِ به، وحادَ عن سبيلِه، دونَ الخبرِ عما قد انقطع الخبرُ عنه، أو عما لم يجرِ له ذكرٌ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: سأنزِعُ

стр. 7151

عنهم فَهْمَ الكتابِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بكرٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عيينةَ يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال: يقولُ: أنزِعُ عنهم فهمَ القرآنِ، فأصرِفُهم عن آياتى (١). وتأويلُ ابن عيينةَ هذا يدلُّ على أن هذا الكلامَ كان عنده مِن اللَّهِ وعِيدًا لأهلِ الكفرِ باللَّهِ ممن بُعثِ إليه نبيُّنا محمدٌ ﷺ دونَ قومِ موسى؛ لأن القرآنَ إنما أُنزل على نبيِّنا محمدٍ ﷺ دونَ موسى ﵇. وقال آخرون في ذلك: معناه: سأصرِفُهم عن الاعتبارِ بالحُجَجِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾: عن خلقِ السماواتِ والأرضِ والآياتِ فيها، سأصرِفُهم عن أن يتفكَّروا فيها ويعتبِروا (٢). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر أنه سيصرِفُ عن آياتهِ، وهى أدلَّتُه وأعلامُه على حقيقةِ ما أمَر به عبادَه، وفرَض عليهم مِن طاعتِه في توحيدِه وعدلِه وغيرِ ذلك مِن فرائضِه، والسماواتُ والأرضُ وكلُّ موجودٍ من خلقِه فمن آياتهِ، والقرآنُ أيضًا مِن آياتهِ. وقد عمَّ بالخبرِ

стр. 7152

أنه يصرفُ عن آياتِه المتكبرين في الأرضِ بغيرِ الحقِّ، وهم الذين حقَّت عليهم كلمةُ اللَّهِ أنَّهم لا يُؤمنون، فهم عن فَهْمِ جميعِ آياتِه والاعتبارِ والادِّكارِ بها مصروفون؛ لأنهم لو وفِّقوا لفَهْمِ بعضِ ذلك، وهُدوا للاعتبارِ به؛ لاتَّعظوا وأنابوا إلى الحقِّ، وذلك غيرُ كائنٍ منهم؛ لأنَّه جلَّ ثناؤه قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾. ولا تبديلَ لكلماتِ اللَّهِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: وإن يرَ هؤلاءِ الذين يتكبَّرون في الأرضِ بغيرِ الحقِّ - وتَكَبُّرُهم فيها بغيرِ الحقِّ: تجبُّرُهم فيها واستكبارُهم عن الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه والإذعانِ لأمرِه ونهيِه، وهم للَّهِ عبيدٌ يَغُذُوهم بنعَمِه، ويريحُ عليهم رِزْقَه بُكْرَةً وعشيًّا - ﴿كُلَّ آيَةٍ﴾. يقولُ: كلَّ حُجَّةٍ للَّهِ على وَحْدانِيَّتِه وربوبيَّتِه، وكلّ دَلالةٍ على أنه لا تنبغى العبادةُ إلا له خالصةً دونَ غيرِه، ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقوا بتلك الآيةِ أنها دالةٌ على ما هي فيه حُجَّةٌ، ولكنَّهم يقولون: هي سحرٌ وكذبٌ. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾. يقولُ: وإن يرَ هؤلاء الذين وصَف صفتَهم طريقَ الهُدى والسدادِ الذي إن سلكوه نجَوا مِن الهَلَكَةِ والعَطَبِ، وصاروا إلى نعيمِ الأبدِ، لا يسلكوه ولا يتخذوه لأنفسِهم طريقًا؛ جهلًا منهم وحيرةً. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾. يقولُ: وإن يروا طريقَ الهلاكِ الذي إن سلكوه ضلُّوا وهلَكوا - وقد بيَّنَّا معنى الغيِّ فيما مضَى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه (١) - ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾. يقولُ: يسلُكوه ويجعلوه لأنفسِهم طريقًا، لصرفِ اللَّهِ إياهم

стр. 7153

عن آياتِه وطبعِه على قلوبِهم، فلا يُفْلِحون ولا يُنجِحون. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ جل ثناؤه: صرَفناهم عن آياتِنا أن يعقِلوها ويفهموها، فيعتبروا بها ويذَّكَّروا فيُنِيبوا، عقوبةً منا لهم على تكذيبِهم بآياتِنا، ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾. يقولُ: وكانوا عن آياتنا وأدلَّتِنا الشاهدةِ على حقيقةِ ما أمرناهم به ونهيناهم عنه، غافلين لا يتفكَّرون فيها، لاهين عنها لا يعتبِرون بها، فحقَّ عليهم حينئذٍ قولُ ربِّنا، فعَطبوا. واختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿الرُّشْدِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ المكيين وبعضُ البصريِّين: ﴿الرُّشْدِ﴾ بضمِّ الراءِ وتسكين الشينِ (١). وقرَأ ذلك عامة قرأةِ أهلِ الكوفةِ وبعضُ المكيِّين: (الرَّشَدِ) بفتحِ الراءِ والشينِ (٢). ثم اختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى ذلك إذا ضُمَّت راؤُه وسُكِّنت شينُه، وفيه إذا فُتِحَتَا جميعًا؛ فذُكِرَ عن أبي عمرِو بن العلاءِ أنه كان يقولُ: معناه: إذا ضُمَّت راؤه وسكِّنت شينُه: الصلاحُ، كما قال اللَّهُ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] بمعنى: صلاحًا. وكذلك كان يقرؤُه هو. ومعناه إذا فُتحت راؤُه وشينُه: الرَّشَد في الدينِ، كما قال جلَّ ثناؤه: (تعلَّمَنِ مما عُلَّمتَ رَشَدًا) (٣). بمعنى: الاستقامةِ والصوابِ في الدينِ. وكان الكسائيُّ يقولُ: هما لغتان بمعنًى واحدٍ، مثلُ: السُّقْمِ والسَّقَمِ، والحُزْنِ والحَزَنِ، وكذلك الرُّشْدُ والرَّشَدُ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إنهما قراءتان مستفيضةٌ القراءةُ

стр. 7154

بهما في قَرَأةِ الأمصارِ، متفِقتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ بها. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: هؤلاء المستكبرون في الأرضِ بغيرِ الحقِّ، وكلُّ مُكذِّبٍ لحُجَجِ اللَّهِ ورسلِه وآياتِه، وجاحدٍ أنه يومَ القيامةِ مبعوثٌ بعدَ مماتِه، ومنكرٍ لقاءَ اللَّهِ في آخِرتِه، ذهَبت أعمالُهم فبطَلَت، وحصَلت لهم أوزارُها فثبَتت؛ لأنهم عمِلوا لغيرِ اللَّهِ، وأتعبوا أنفسَهم في غيرِ ما يُرضى اللَّهَ، فصارت أعمالُهم عليهم وبالًا، يقولُ جل ثناؤه: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: هل ينالون (١) إِلَّا ثوابَ ما كانوا يعمَلون، فصارَ ثوابُ أعمالِهم الخلودَ في نارٍ أحاط بهم سُرادقُها؛ إذ كانت أعمالُهم في طاعةِ الشيطانِ دونَ طاعةِ الرحمنِ. نعوذُ باللَّهِ مِن غضبِه. وقد بيَّنا معنى "الحُبوطِ" و "الجزاءِ" و "الآخرةِ" فيما مضى بما أغنى عن إعادتِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واتَّخذ بنو إسرائيلَ - وهم قومُ موسى - مِن بعدِ ما فارقهم موسى ماضيًا إلى ربِّه لمناجاتِه ووفاءً للوعدِ الذي كان ربُّه وعدَه، ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾. وهو ولدُ البقرةِ، فعبَدوه. ثم بيَّن تعالى ذكرُه ما ذلك العجلُ فقال:

стр. 7155

﴿جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. والخوارُ صوتُ البقرِ. يخبرُ جلّ ذكرُه عنهم أنهم ضلُّوا بما لا يُضَلُّ بمثلِه أهلُ العقلِ، وذلك أن الربَّ ﷻ الذي له مَلكوتُ السماواتِ والأرضِ ومدبرُ ذلك، لا يجوزُ أن يكونَ جسدًا له خوارٌ، لا يكلِّمُ أحدًا، ولا يرشُدُ إلى خيرٍ، وقال هؤلاءِ الذين قصَّ اللَّهُ قَصَصَهم لذلك: هو إلهنُا وإلهُ موسى. وعكَفوا عليه يعبُدونه جهلًا منهم وذَهَابًا عن اللَّهِ وضلالًا. وقد بيَّنا سببَ عبادتِهم إياه، وكيف كان اتخاذُ مَن اتخذَ منهم العجلَ فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه (١). وفى الحُليِّ لغتان: ضمُّ الحاءِ، وهو الأصلُ، وكسرُها، وكذلك ذلك في كلِّ ما شاكلَه مِن مثلِ "صليٍّ" و "جثيٍّ" و "عتيٍّ". وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ؛ لاستفاضَةِ القراءةِ بهما في القَرَأةِ، واتفاقِ (٢) معنييهما (٣). وقولُه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾. يقولُ: ألم يرَ الذين عكفوا على العجلِ الذي اتخذوه مِن حُليِّهم يعبدونه، أن العجلَ لا يُكلمُهم ﴿وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾. يقولُ: ولا يرشدُهم إلى طريقٍ، وليس ذلك مِن صفةِ ربِّهم الذي له العبادةُ حقًّا، بل صفتُه أنه يكلمُ أنبياءَه ورسلَه، ويُرشدُ خلقَه إلى سبيلِ الخيرِ، وينهاهم عن سبيلِ المهالكِ والردَى. يقولُ اللَّهُ جلّ ثناؤه: ﴿اتَّخَذُوهُ﴾. أي: اتخذوا العجلَ إلهًا، ﴿وَكَانُوا﴾ باتخاذِهم إياه ربًّا معبودًا ﴿ظَالِمِينَ﴾ لأنفسِهم، بعبادتِهم (٤) غيرَ مَن له العبادةُ، وإضافتِهم الألوهةَ إلى غيرِ الذي له الألوهةُ. وقد بيَّنا معنى "الظلمِ" فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه (٥).

стр. 7156

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾: ولما نَدِم الذين عبَدوا العجلَ الذي وصَف اللَّهُ جلّ ثناؤه صفتَه عندَ رُجوعِ موسى إليهم، واستسَلموا لموسى وحُكمِه فيهم. وكذلك تقولُ العربُ لكلِّ نادمٍ على أمرٍ فات منه أوسلَف، وعاجزٍ عن شيءٍ: قد سقِط في يديه وأُسْقِط. لغتان فصيحتان، وأصلُه مِن الاستئسارِ، وذلك أن يضربَ الرجلُ الرجلَ أو يصرعَه فيرمىَ به من يديه إلى الأرضِ ليأسِرَه فيَكْتِفَه. فالمرميُّ به مسقوطٌ في يدى الساقطِ به، فقيلَ لكلِّ عاجزٍ عن شيءٍ وضارعٍ (١) العجزِه متندِّمٍ على ما فاته: سُقط في يديه وأُسقِط. وعنى بقولِه: ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾: ورأَوا أنهم قد حادُوا (٢) عن قصدِ السبيلِ وذهَبوا عن دينِ اللَّهِ، وكفَروا بربِّهم، قالوا تائبين إلى اللَّهِ مُنيبين إليه مِن كفِرهم به: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾. ثم اختلَفت القرَأةً في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ بالرفعِ على وجهِ الخبرِ (٣). وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا) بالتاءِ (٤) (رَبَّنا) بالنصبِ (٥)، بتأويلِ: لئن لم ترحمْنا يا ربَّنا. على وجهِ الخطابِ منهم لربِّهم. واعتلَّ

стр. 7157

قارئو ذلك كذلك بأنه في إحدى القراءتين: (قالوا رَبَّنَا (١) لَئِنْ لم تَرْحَمْنَا (٢) وتَغْفِرْ لَنا). فذلك دليلٌ على الخطابِ. والذي هو أولى بالصوابِ مِن القراءة فى ذلك (٣) القراءةُ على وجهِ الخبرِ بالياءِ في ﴿يَرْحَمْنَا﴾، وبالرفعِ في قولِه: ﴿رَبُّنَا﴾؛ لأنه لم يتقدّمْ ذلك ما يوجبُ أن يكونَ موجهًا إلى الخطابِ. والقراءةُ التي حَكَيتُ على ما ذكرنا مِن قراءتِها: [قالوا ربَّنَا (٤) لَئِنْ لم تَرْحَمْنَا (٥)] (٦) لا تُعرَفُ صِحَّتُها مِن الوجهِ الذي يجبُ التسليمُ له (٧). ومعنى قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾: لئن لم يتعطفْ علينا ربُّنا بالتوبةِ برحمتِه، ويتغمَّد (٨) ذنوبَنا لنكوننَّ مِن الهالكين الذين حبِطت أعمالُهم. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولما رجَع موسى إلى قومِه مِن بنى إسرائيلَ، رجَع غضبانَ أسِفًا؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤه كان قد أخبره أنه قد فتَن قومَه، وأن السامريَّ قد أضلَّهم، فكان رجوعُه غضبانَ أسِفًا لذلك. والأسَفُ شدّةُ الغضبِ والتغيُّظ فيه (٩) على مَن أغضبَه.

стр. 7158

كما حدَّثني عمرانُ بنُ بكارٍ الكلاعيُّ، قال: حدَّثني عبدُ السلامِ بنُ محمدٍ الحضرميُّ، قال: ثنى شريحُ بنُ يزيدَ، قال: سمِعتُ نصرَ بنَ عَلقمةَ يقولُ: قال أبو الدرداءِ في قولِ اللَّهِ: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. قال: الأسَفُ منزلةٌ وراءَ (١) الغضبِ أشدُّ من ذلك، وتفسيرُ ذلك في كتابِ اللَّهِ: ذهَب إلى قومِه غضبانَ، وذهَب أَسِفًا (٢). وقال آخرون في ذلك ما حدثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ (٣): ﴿أَسِفًا﴾ قال: حزينًا (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. يقولُ: أَسِفًا حزينًا. وقال في "الزخرفِ": ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] يقولُ: أغضَبونا. والأسفُ على وجهين؛ الغضبُ والحزنُ (٥). حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ قال: غضبانَ حزينًا (٦). وقولُه: ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾. يقولُ: بئس الفعلُ فعلتم بعدَ فراقى إيَّاكم وأوليتمونى في من خَلَفْتُ ورائى من قومِى فيكم ودِينى الذي أمَركم به

стр. 7159

ربُّكم، يقالُ منه: خلَفه بخيرٍ وخلَفه بشرٍّ. إذا أولاه في أهلِه أو قومِه، أو (١) مَن كان منه بسبيلٍ مِن بعدِ شخوصِه عنهم خيرًا أو شرًّا. وقولُه: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: أَسَبَقْتُم أمرَ رَبِّكم في أنفسِكم، وذهَبتم عنه. يقالُ منه: عجِل فلانٌ هذا الأمرَ، إذا سبَقَه. وعجِل فلانٌ فلانًا، إذا سبَقه. ولا تُعْجِلْنى يا فلانُ، لا تذهَبْ عنى وتَدَعَنى. وأعجلتُه: استحثَثْتُه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وألقى موسى الألواحَ. ثم اختلف أهلُ العلمِ في سببِ إلقائِه إياها؛ فقال بعضُهم: ألقاها غضَبًا على قومِه الذين عبدوا العجلَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدًّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبى أيوبَ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: لمَّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أسِفًا فأخَذ برأسِ أخيه يجرُّه إليه، وألقى الألواحَ مِن الغضبِ (٣). حدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، قال: قال أبو سعدٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه، وكان قريبًا منهم،

стр. 7160

سمِع أصواتَهم، فقال: إني لأسمعُ أصواتَ قومٍ لاهِين، فلما عاينهم وقد عكَفوا على العجلِ ألقى الألواحَ فكسَرَها، وأخذَ برأسِ أخيه يجُرُّه إليه. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أخَذ موسى الألواحَ ثم رجَع إلى قومِه غضبانَ أَسِفًا، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ إلى قولِه: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾ [طه: ٨٧] فأَلْقَى مُوسَى الأَلْوَاحَ وأَخَذَ برأسِ أخيهِ يَجُرُّه إليه، ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما انتهى موسى إلى قومِه فرأى ما هم عليه مِن عبادةِ العجلِ، ألقى الألواحَ مِن يده، ثم أخذ برأسِ أخيه ولحيتِه ويقولُ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: ٩٢، ٩٣]. وقال آخرون: إنما ألقى موسى الألواحَ لفضائلَ أصابَها فيها لغيرِ قومِه، فاشتدَّ ذلك عليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾. قال: رَبِّ إنى أجدُ في الألواح أُمةً خيرَ أمةٍ أُخرِجت للناسِ، يأمرُون بالمعروفِ وينهَون عن المنكرِ، اجعلْهم أمّتى. قال: تلكَ أمةُ أحمدَ، قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً هم الآخِرون في الخَلْقِ، السابقون في دخولِ الجنةِ، ربِّ اجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً أناجيلُهم

стр. 7161

في صدورِهم يقرءُونها - وكان مَن قبلَكم (١) يقرءُون كتابَهم نظرًا حتى إذا رفَعوها لم يحفَظوا شيئًا ولم يعرِفوه (٢)، وإن اللَّهَ أعطاكم أيَّتها الأمةُ مِن الحفظِ شيئًا لم يُعْطِه أحدًا مِن الأممِ - قال: ربِّ اجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إني أجدُ في الألواحِ أمةً يؤمنون بالكتابِ الأوّلِ وبالكتابِ الآخرِ، ويقاتلون فضولَ (٣) الضلالةِ حتى يُقاتِلوا الأعورَ الكذابَ، فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً صدقاتُهم يأكُلونها في بطونِهم ثم يؤجَرون عليها - وكان مَن قبلَكم مِن الأممِ إذا تصدَّقَ بصدقةٍ فقُبِلت منه، بعَث اللَّهُ عليها نارًا فأكَلَتها، وإن رُدَّتْ عليه تُرِكت فأكلَتها السَّباعُ والطيرُ، وإن اللَّهَ أخَذ صدقاتِكم مِن غنيِّكم لفقيرِكم - قال: ربِّ فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمَّةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً إذا همَّ أحدُهم بحسنةٍ ثم لم يعمَلْها كُتِبت له حسنةً، فإن عمِلها كُتِبت له عَشْرَ أمثالِها إلى سبعِمائةٍ، ربِّ اجعلْهم أمّتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمًة إذا همَّ أحدُهم بسيئةٍ لم تكتبْ عليه حتى يعملَها، فإذا عمِلها كُتِبت عليه سيئةً واحدةً، فاجعَلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً هم المستجيبون والمستجابُ لهم، ربِّ اجعلْهم أمّتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً هم المشفَّعون والمشفوعُ لهم، فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: وذُكر لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ موسى ﵇ نبَذ الألواحَ وقال: اللهمَّ اجعلْنى (٤) مِن أمةِ أحمدَ. قال: فأُعطِى نبيُّ اللَّهِ موسى ﵇ ثنتين لم يُعطَهما نبيٌّ، قال اللَّهُ: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي (٥)

стр. 7162

وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]. قال: فرضِي نبيُّ اللَّهِ، ثم أُعطِيَ الثانيةَ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: ١٥٩]. قال: فرضِي نبيُّ اللَّهِ كلَّ الرِّضَا. حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ قال: لما أخذَ موسى الألواحَ، قال: يا ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً هم خيرُ الأممِ، يأمرون بالمعروفِ، وينهَون عن المنكرِ، فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: يا ربِّ إنى أجِدُ في الألواحِ أمةً هم الآخِرون السابقون يومَ القيامة، فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ بشرِ بن معاذٍ، إلّا أنَّه قال في حديثِه: فألقى موسى الألواحَ، وقال: ربِّ اجعلنى مِن أمةِ محمدٍ (١). والذي هو أولى بالصوابِ من القولِ في ذلك أن يكونَ سببَ إلقاءِ موسى الألواحَ كان من أجل غضبِه على قومِه لعبادتِهم العجلَ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه بذلك أخبَر في كتابِه، فقال: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾. وذُكِر (٢) أن اللَّهَ لما كتَب لموسى في الألواحِ التوراةَ، أدناه منه حتى سمع صريفَ القلمِ.

стр. 7163

ذكرُ بعضِ (١) مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي عمارةَ، عن عليٍّ ﵁، قال (٢): كتَب اللَّهُ الألواحَ لموسى ﵇ وهو يسمعُ صريفَ (٣) الأقلامِ في الألواحِ (٤). [حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ] (٥)، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أدناه حتى سمِع صريفَ القلمِ. وقيل: إن التوراةَ كانت سبعةَ أسباعٍ، فلما ألقى موسى الألواحَ تكسَّرت، فرُفِع منها ستةُ أسباعِها، وكان فيما رُفِع تفصيلُ كلِّ شيءٍ الذي قال اللَّهُ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. وبقِى الهُدى والرحمةُ في السُّبُعِ الباقي، وهو الذي قال اللَّهُ: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. وكانت التوراةُ فيما ذُكِر سبعين وِقْرَ بعيرٍ يُقرأُ الجزءُ منها في سنةٍ. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ خالدٍ المكفوفُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: أُنزِلت التوراةُ وهى سبعون وِقْرَ بعيرٍ، يُقرأُ منها الجزءُ في سنةٍ، لم يقرأْها إلَّا أربعةُ نفرٍ؛ موسى بنُ عمرانَ، وعيسى، وعُزيرٌ، ويوشَعُ بنُ نونٍ.

стр. 7164

واختلفوا في الألواحِ؛ فقال بعضُهم: كانت مِن زمرُّدٍ أخضرَ. وقال بعضُهم: كانت مِن ياقوتٍ. وقال بعضُهم: كانت مِن بَرَدٍ. ذكرُ الروايةِ بما ذكرنا مِن ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّورقيُّ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني يعلى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ألْقَى موسى الألواحَ فتكسَّرت، فرُفِعت إلَّا سُدُسُها (١). قال ابن جريجٍ: وأخبرنى أن الألواحَ من زبرجدٍ وزُمُرُّدٍ مِن الجنةِ (٢). حدَّثني موسى بنُ سهلٍ الرَّمليُّ وعليُّ بنُ داودَ وعبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بن شَبُّويَه وأحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قالوا: أخبَرنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: أخبرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: كانت ألواحُ موسى مِن بَرَدٍ (٣) حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي الجُنَيدِ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن الألواحِ مِن أي شيءٍ كانت؟ قال: كانت مِن ياقوتةٍ، كتابُهُ الذهبُ، كتَبه (٤) الرحمنُ بيدِه، فسمِع أهلُ السماواتِ صريفَ القلمِ وهو يكتُبها (٥). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، عن محمدِ بن أبى الوضّاحِ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ، أو سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كانت الألواحُ

стр. 7165

من زُمُرُّدٍ، فلما ألقَى موسى الألواحَ بقِى الهُدَى والرَّحمةُ، وذهَب التفصيلُ (١). [حدَّثني الحارثُ] (٢)، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن محمدِ بن مسلمٍ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ، قال: كانت الألواحُ مِن زُمُرُدٍ أخضرَ (٣). وزعَم بعضُهم أن الألواحَ كانت لوحين. فإن كان الذي قال كما قال، فإنه قيل: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِ﴾؛ وهما لوحان، كما قيل: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]. وهما أَخَوان. وأما قولُه: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾. فإن ذلك من فعلِ نبيِّ اللَّهِ ﵇ كان المَوجِدَتِه على أخيه هارونَ في تركِه اتباعَه، وإقامتِه مع بنى إسرائيلَ في الموضعِ الذي ترَكهم فيه، كما قال جلّ ثناؤُه مخبرًا عن قيلِ موسى له: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: ٩٢، ٩٣]. حتى (٤) أخبره هارونُ بعذرِه، فقبِل عذرَه، وذلك قيلُه لموسى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]. وقال يا ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. واختلفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: يا ﴿ابْنَ أُمَّ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: يا ﴿ابْنَ أُمَّ﴾. يفتحِ الميمِ مِن "الأمِّ" (٥).

стр. 7166

وقرأ ذلك عامَّةُ قرأة أهلِ الكوفةِ: يا (ابْنَ أُمِّ) بكسرِ الميمِ مِن "الأمِّ" (١). واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ فتحِ ذلك وكسرِه، مع إجماعِ جميعِهم على أنهما لغتان مستعملتان في العربِ؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرةِ: قيل ذلك بالفتحِ على أنهما اسمان جُعِلا اسمًا واحدًا، كما قيل: يا ابنَ عمَّ. وقال: هذا شاذٌّ لا يُقاسُ عليه. قال: ومَن قال في ذلك: يا (ابنَ أُمِّ)، فهو على لغةِ الذين يقولون: هذا غلامِ قد جاء. وجعَله اسمًا واحدًا آخرُه مكسورٌ، مثلَ قولِه: خازِ بازِ (٢). وقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ (٣): قيل: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: ٩٤]، ويا ابنَ عمَّ، فنُصِب كما يُنصبُ المعربُ في بعضِ الحالاتِ، فيقال: يا حسرتا، ويا ويلتا. قال: فكأَنَّهم قالوا: يا أماه، ويا عماه. ولم يقولوا ذلك في أخٍ، ولو قيل ذلك لكان صوابًا. قال: والذين خفَضوا ذلك فإنه كثُر في كلامِهم حتى حذفوا الياءَ. قال: ولا تكادُ العربُ تحذفُ الياءَ إِلَّا مِن الاسمِ المنادَى يضيفُه المنادِى إلى نفسِه، إلا قولُهم: يا بنَ أمِّ (٤)، ويا بنَ عمِّ. وذلك أنهما يكثُرُ استعمالُهما في كلامِهم، فإذا جاء ما لا يُستعملُ أثبتوا الياءَ، فقالوا: يا بنَ أبى، ويا بنَ أخى وأختى، ويا بنَ خالتي، ويا بنَ خالى. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إذا فُتِحت الميمُ مِن ﴿ابْنَ أُمَّ﴾، فمرادٌ به الندبةُ: يا بنَ أماه، وكذلك مِن "ابن عمَّ"، وإذا كُسِرت، فمرادٌ به الإضافةُ، ثم

стр. 7167

حذِفت الياءُ التي هي كنايةُ اسمِ المخبِرِ عن نفسِه. وكأن بعضَ مَن أنكرَ تَشْبيه (١) كسرِ ذلك إذا كُسِر، بكسرِه الزاىَ مِن "خاز بازِ"، يقولُ: ليس ذلك نظيرَ "خازِ بازِ"؛ لأنَّ "خازِ بازِ" لا يُعرفُ الثاني إلا بالأولِ، ولا الأوَّلُ إلا بالثانى، فصار كالأصواتِ. وحُكى عن يونسَ النحويِّ (٢) عن "يا بنتَ أمِّ"، و "يا بنتَ عمِّ"، فقال: لا يُجعلُ اسمًا واحدًا إلا مع "ابن" المذكرِ. قالوا: وأما اللغةُ الجيدةُ والقياسُ الصحيحُ فلغةُ مَن قال: يابنَ أمى. بإثباتِ الياءِ، كما قال أبو زُبيدٍ (٣). يا بْنَ أُمِّي وياشْقَيِّقَ نَفْسِى … أَنْتَ خَلَّفْتَنِى لِدَهْرٍ شَدِيدِ وكما قال الآخرُ (٤): يا بْنَ أُمِّي وَلَوْ شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ … عُو تَميمًا وأنْتَ غيرُ مُجَابٍ وإنما أثبَت هؤلاء الياءَ في "الأمِّ" لأنَّها غيرُ مناداةٍ، وإنما المنادَى هو الابنُ دونَها، وإنما تُسقِطُ العربُ الياءَ مِن المنادَى إذا أضافته إلى [أنفسِها (٥)، لا إذا أضافته إلى] (٦) غيرِ أنفسِها (٧)، كما قد بَيَّنَّا. وقيل: إن هارونَ إنما قال لموسى: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: ٩٤] ولم يقلْ له: يا بنَ

стр. 7168

أبى. وهما لأبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدةٍ، استعطافًا له على نفسِه برحِمِ الأمِّ. وقولُه: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾. يعنى بـ" القومِ": الذين عكَفوا على عبادةِ العجلِ، وقالوا: هذا إلهُنا وإلهُ موسى. وخالفوا أمرَ هارونَ. وكان استضعافُهم إياه تركَهم طاعتَه واتباعَ أمرِه، ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾. يقولُ: قارَبوا ولم يفعَلوا. واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَلَا تُشْمِتْ﴾. فقرَأ قرَأةُ الأمصارِ ذلك: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ بِضَمِّ التاءِ مِن ﴿تُشْمِتْ﴾ وكسرِ الميمِ منها، مِن قولِهم: أشمَتَ فلانٌ فلانًا بفلانٍ، إذا سرَّه فيه بما يكرهُه المُشْمَتُ به. ورُوى عن مجاهدٍ أنه قرَأ ذلك: (فلا تَشْمِتْ (١) بِىَ الأعْدَاءُ). حدَّثني بذلك عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال حميدُ بنُ قيسٍ: قرَأ مجاهدٌ: (فَلَا تَشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءُ). وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عيينةَ، عن حميدٍ، قال: قرَأ مجاهدٌ: (فَلا تَشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءُ). وحُدِّثت عن يحيى بن زيادٍ الفراءِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن رجلٍ (٢)، عن مجاهدٍ أنه قرَأ (٣): (لا تَشْمِتْ) (٤). وقال الفراءُ: قال الكسائيُّ: ما أدرى، فلعلهم أرادوا: (فَلا تَشْمَتْ بىَ الأعْدَاءُ). فإن تكنْ صحيحةً فلها نظائرُ؛ العربُ تقولُ: فرِغْتُ وَفَرَغْتُ. فمَن قال: فَرِغْتُ. قال: أنا أفْرَعُ. ومن قال: فَرَغْتَ. قال: أنا أُفْرُغُ. وكذلك: رَكَنْتُ وَرَكِنْتُ، وشمِلهم أمرٌ (٥) وشمَلهم. في كثيرٍ مِن الكلامِ. قال: و (الأعداءُ) رفعٌ؛ لأنَّ

стр. 7169

الفعلَ لهم، لمن قال: (تَشمَت) أو (١) (تَشمِت) (٢). والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ إلا بها قراءةُ مَن قرَأ: ﴿فَلَا تُشْمِتْ﴾ بضمِ التاءِ الأولى وكسرِ الميمِ - مِن: أشمتُّ به عدوَّه أُشْمِته به - ونَصْبِ "الأعداءِ"؛ لإجماعِ الحُجةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليها، وشذوذِ ما خالفها مِن القراءةِ، وكفى بذلك شاهدًا على فسادِ (٣) ما خالَفها، هذا مع إنكارِ معرفةِ عامةِ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ: شمَّت فلانٌ فلانًا بفلانٍ. وشمَت فلانٌ بفلانٍ يشمِتُ (٤). وإنما المعروفُ من كلامِهم إذا أخبروا عن شماتَةِ الرجلِ بعدوِّه: شمِت بهِ - بكسرِ الميمِ - يشمَتُ به. بفتحِها في الاستقبالِ. وأما قولُه: ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه قولُ هارونَ لأخيه موسى، يقولُ: لا تجعلنى في مَوْجِدتِك عليَّ وعقوبتِك لى، ولم أُخالِفْ أمرَك، محلَّ مَن عصاك فخالَف أمرَك وعبَد العجلَ بعدَك، فظلَم نفسَه، وعبدَ غيرَ مَن له العبادةُ، ولم أشايعْهم على شيءٍ مِن ذلك. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: أصحابِ العجلِ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 7170

مجاهدٍ مثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لما تبيَّن له عذرُ أخيه، وعلِم أنه لم يفرِّطْ في الواجبِ الذي كان عليه مِن أمرِ اللَّهِ في إنكارِ (١) ما فعَله الجَهَلَةُ مِن عَبَدةِ العجلِ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. مستغفرًا مِن فعلِه بأخيه ولأخيه مِن سالفٍ سلَف (٢) له بينَه وبينَ اللَّهِ؛ تغمَّدْ ذنوبَنا بسترٍ منك تسترُها به، ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾. يقولُ: وارحمْنا برحمتِك الواسعةِ عبادَك المؤمنين، فإنك أنت أرحمُ بعبادِكَ مِن كلِّ مَن رحِم شيئًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلهًا ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بتعجيلِ اللَّهِ لهم ذلك، ﴿وَذِلَّةٌ﴾. وهى الهوانُ؛ لعقوبةِ اللَّهِ إيَّاهم على كفرِهم بربِّهم، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: في عاجلِ الدنيا قبلَ آجلِ الآخرةِ. وكان ابن جُريجٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال: هذا لَمْن مات ممن اتَّخَذ العجلَ قبلَ أن يرجِعَ موسى، ومَن فرَّ منهم حينَ أمرَهم موسى أن يقتُلَ بعضُهم بعضًا.

стр. 7171

وهذا الذي قاله ابن جُريجٍ، وإن كان قولًا له وجهٌ، فإن ظاهرَ كتابِ اللَّهِ مع تأويلِ أكثرِ أهلِ التأويلِ بخلافِه؛ وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه عمَّ بالخبرِ عمَّنِ اتَّخذَ العجلَ أنه سينالُه غضبٌ مِن ربِّه وذِلَّةٌ في الحياةِ الدنيا، وتظاهرت الأخبارُ عن أهلِ التأويلِ مِن الصحابةِ والتابعين بأن اللَّهَ - إذ رجَع إلى بنى إسرائيلَ موسى - تاب على عَبَدةِ العجلِ مِن فعلِهم، بما أخبَر به عن قيل موسى لهم في كتابِه، وذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. ففعَلوا ما أمَرهم به نبيُّهم ﵇، فكان أمرُ اللَّهِ إيَّاهم بما أمرَهم به مِن قتلِ بعضِهم أنفسَ بعضٍ، عن غضبٍ منه عليهم لعبادتِهم (١) العجلَ، فكان قتلُ بعضِهم بعضًا هَوانًا لهم، وذلةً أَذلَّهم اللَّهُ بها في الحياةِ الدنيا، وتوبةً منهم إلى اللَّهِ قَبِلها، وليس لأحدٍ أن يجعلَ خبرًا جاء الكتابُ بعمومِه في خاصٍّ مما عمَّه الظاهرُ بغيرِ بُرهانٍ مِن حُجَّةِ خبرٍ أو عقلٍ، ولا نعلمُ خبرًا جاء يوجِبُ نقلَ ظاهرِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. إلى باطِنٍ خاصٍّ، ولا مِن العقلِ عليه دليل، فيجبَ إحالةُ ظاهرِه إلى باطِنِه. ويعنى بقولِه ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾: وكما جزَيتُ هؤلاءِ الذين اتخَذُوا العجلَ إلهًا مِن إحلالِ الغضبِ بهم، والإذلالِ في الحياةِ على كفرِهم بربِّهم ورِدَّتهم عن دينِهم بعدَ إيمانِهم باللَّهِ - كذلك نجزِى كلَّ مَن افترَى على اللَّهِ فكذَب عليه، وأقرَّ بأُلُوهةِ غيرِه، وعبَد شيئًا سواه مِن الأوثانِ بعدَ إقرارِه بوحدانيةِ اللَّهِ، وبعدَ إيمانِه به وبأنبيائِه ورُسُلِه، وقيل (٢): ذلك إذا لم يَتُبْ مِن كفرِه

стр. 7172

قبل قتلِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، قال: تلا أبو قِلابةَ: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال: فهو جزاءُ كلِّ مفترٍ يكونُ إلى يومِ القيامةِ، أن يُذِلَّه اللَّهُ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارِمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: قرَأ أبو قِلابةَ يومًا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال: هي واللَّهِ لكلِّ مفترٍ إلى يومِ القيامةِ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ و (٣) حميدٍ، أنّ (٤) قيسَ بن عُبَادٍ وجاريةَ (٥) بنَ قُدامةَ دخلا على عليِّ بن أبى طالبٍ ﵁، فقالا: أرأيتَ هذا الأمرَ الذي أنت فيه وتدعُو إليه، أَعَهْدٌ عَهِدَه إليك رسولُ اللَّهِ ﷺ ، أم رأىٌ رأيتَه؟ قال: ما لكما ولهذا؟ أَعْرِضَا عن هذا. فقالا: واللَّهِ لا نُعْرِضُ عنه حتى

стр. 7173

تُخبرَنا. فقال: ما عَهِد إليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلا كتابًا في قِرابِ سَيْفى هذا. فاستلَّه، فاستَخْرج الكتابَ مِن قِرابِ سيفِه، وإذا فيه: "إنه لم يكنْ نبيٌّ إلَّا له حَرَمٌ، وإنى حرَّمتُ المدينةَ كما حرَّم إبراهيمُ ﵇ مكَّةَ؛ لا يُحمَلُ فيها السلاحُ لقِتالٍ. مَن أحدثَ حدَثًا، أو آوَى مُحْدِثًا، فعليه لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والناسِ أجْمَعين، لا يُقبلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ". فلمَّا خرَجا قال أحدُهما لصاحبِه: أما ترى هذا الكتابَ؟ فرجَعا وترَكاه، وقالا: إنا سمِعنا اللَّهَ يقولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. وإن القومَ قد افترَوا فِريَةً، ولا أرى (١) إلا ستنزِلُ بهم ذِلَّةٌ (٢). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عيينةَ، في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال: كلُّ صاحبِ بدعةٍ ذليلٌ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه أنه قابلٌ مِن كلِّ تائبٍ إليه مِن ذَنْبٍ أتاه، صغيرةً كانت معصيتُه أو كبيرةً، كفرًا كانت أو غيرَ كفرٍ، كما قَبِل مِن عبَدَةِ العجلِ توبَتَهم بعدَ كفرِهم به بعبادتِهم العجلَ وارْتِدادِهم عن دينِهم. يقولُ جلَّ ثناؤُه: والذين عمِلوا الأعمالَ السيئةَ ثم رجَعوا إلى طلبِ رضا اللَّهِ بإنابتِهم إلى ما يُحبُّ مما يَكرهُ، وإلى ما يرضَى مما يَسخَطُ، مِن بعدِ سيِّئ أعمالِهم،

стр. 7174

وصدَّقوا بأن اللَّهَ قابلٌ توبةَ المذْنبين، وتائبٌ على المُنيبين، بإخلاصٍ مِن (١) قلوبِهم، ويقينٍ منهم بذلك، [﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمدُ، ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾. يعنى: من بعدِ توبتِهم من أعمالِهم السيِّئةِ] (٢) ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم. يقولُ: لساترٌ عليهم أعمالَهم السيئةَ، وغيرُ فاضِحِهم بها، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم وبكلِّ مَن كان مثلَهم مِن التائبين. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾: ولما [سكَن عن موسى غضبُه] (٣). وكذلك كلُّ كافٍّ عن شيءٍ ساكتٌ عنه. وإنما قيل للساكتِ عن الكلامِ: ساكتٌ. لكفِّه عنه (٤). وقد ذكِر عن يونسَ النحويِّ (٥) أنه قال: يقالُ: سكَت عنه الحزنُ. وكلُّ شيءٍ فيما زعَم. ومنه قولُ أبى النَّجمِ العجليِّ (٦): وهَمَّت الأفْعَى بأنْ تَسِيحا (٧) وسَكَتَ المُكَّاءُ (٨) أَنْ يَصِيحَا - ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾. يقولُ: أَخَذها بعدَما ألقاها، وقد ذهَب منها ما

стр. 7175

ذهَب. ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. يقولُ: وفيما نُسِخَ فيها؛ أي كُتِبَ فيها (١) ﴿هُدًى﴾: بيانٌ للحقِّ، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾. يقولُ: للذين يخافون اللَّهَ، ويخشَون عقابَه على معاصِيه. واختلَف أهلُ العربيِة في وجهِ دخولِ اللامِ (٢) في قولِه: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ مع اسْتِقْبَاحِ العربِ أن يقالَ في الكلامِ: رَهِبتُ لك. بمعنى: رَهِبتُك، وأَكرمتُ لك. بمعنى: أكرمتُك؛ فقال بعضُهم: ذلك كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]. أوصَلَ الفعلَ باللامِ. وقال بعضُهم: مِن أجلِ ربِّهم يرهَبون. وقال بعضُهم: إنما أُدخِلَت عقيبَ الإضافةِ: الذين هم راهبون لربِّهم، وراهبو ربِّهم. ثم أُدخِلت اللامُ على هذا المعنى؛ لأنَّها عقيبَ الإضافةِ لا على التكلُّفِ (٣). وقال بعضُهم: إنما فُعِل ذلك لأنَّ الاسمَ تقدَّم الفعلَ، فحَسُنَ إدخالُ اللامِ. [قال: و] (٤) قد جاء مثلُه في تأخيرِ الاسمِ في قولِه: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)﴾ [النمل: ٧٢]. وذُكِر عن عيسى بن عمرَ أنه قال: سمِعتُ الفرزدقَ يقولُ: نقَدتُ له مائةَ دِرْهمٍ. يريدُ: نقَدْتُه مائةَ درهمٍ (٥). قال: والكلامُ واسعٌ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾.

стр. 7176

يقولُ تعالى ذكرُه: واختَار موسى مِن قومِه سبعين رجلًا للوقتِ والأجلِ الذي كان اللَّهُ وعَده أن يلقاه فيه بهم؛ للتوبةِ إليه مما كان مِن فعلِ سُفَهائِهم في أمرِ العجلِ. كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: إن اللَّهَ أمَر موسى أن يأتِيَه في ناسٍ مِن بنى إسرائيلَ يعتذِرون إليه مِن عبادةِ العجلِ، ووعَدهم موعِدًا، فاختار موسى قومَه سبعين رجلًا على عينِه، ثم ذهَب بهم ليعتذِرُوا، فلما أَتَوا ذلك المكانَ، قالوا: لن نؤمنَ لك يا موسى حتى نرى اللَّهَ جهرةً، فإنك قد كلَّمتَه فأَرِناه. فأخَذَتْهم الصاعقةُ فماتوا، فقام موسى يبكى ويدعو اللَّهَ ويقولُ: ربِّ ماذا أقولُ لبنى إسرائيلَ إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارَهم؟ ربِّ (١) لو شئتَ أهلكتَهم مِن قبلُ وإيَّاى (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: اختار موسى مِن بنى إسرائيلَ سبعين رجلًا؛ الخيِّرَ فالخيِّرَ، وقال: انطلِقوا إلى اللَّهِ فتوبوا إليه مما صنَعْتم، وسَلُوه التوبةَ على مَن تَرَكْتُم وراءَكم مِن قومِكم، صوموا وتطَهَّروا، وطهِّروا ثيابَكم. فخرَج بهم إلى طورِ سَيْناءَ لميقاتٍ وقَّتَه له ربُّه، وكان لا يأتيه إلا بإذنٍ منه وعِلْمٍ، فقال له السبعون - فيما ذُكِر لى - حينَ صنَعوا ما أمَرهم به، وخرَجوا معه للقاءِ ربِّه: يا موسى اطلُبْ لنا نسمعْ كلامَ ربِّنا. فقال: أفعلُ. فلما دنا موسى مِن الجبلِ، وقَع عليه عمودُ الغَمامِ حتى تغشَّى الجبلَ كلَّه، ودنا موسى فدخَل فيه، وقال للقومِ: ادنوا - وكان موسى إذا كلَّمَه اللَّهُ وقَع على جبهتِه نورٌ ساطعٌ، لا يستطيعُ أحدٌ مِن بنى آدمَ أن ينظُرَ إليه - فضُرِب دونَه بالحجابِ، ودنا القومُ حتى إذا دخَلوا في

стр. 7177

الغمامِ وقعُوا سُجودًا، فسمِعوه وهو يكلِّمُ موسى؛ يأمُرُه وينهاه: افعلْ، ولا تفعلْ. فلما فرَغ إليه (١) مِن أمرِه، [انكَشَف عن موسى الغمامُ فأقبَل] (٢) إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]. فأَخَذتْهُم الرَّجْفَةُ، وهى الصاعقةُ، فانفَلَتَتْ (٣) أرواحُهم فماتوا جميعًا، وقام موسى يناشدُ ربَّه ويدعُوه ويَرْغَبُ إليه، ويقولُ: ربِّ لو شئتَ أَهْلَكْتَهم مِن قبلُ وإِيَّاى، قد سفِهُوا، أفتُهلِكُ (٤) مَن ورائى مِن بني إسرائيلَ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: كان اللَّهُ أمَره أن يختارَ مِن قومِه سبعين رجلًا، فاختارَ سبعين رجلًا، فبرَّزهم (٦) ليدعُوا ربَّهم، فكان فيما دعَوُا اللَّهَ أَن قالوا: اللهمَّ أَعْطنا ما لم [تعطِه أحدًا قبلَنا ولم تعطِه] (٧) أحدًا بعدَنا. فكرِه اللَّهُ ذلك مِن دعائِهم، فأخَذَتْهم الرجفةُ، قال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ الآية (٨). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حيانَ، عن جعفرِ بن بُرْقَانَ، عن ميمونَ

стр. 7178

يعنى ابنَ مهرانَ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: لموعدِهم الذي وعَدهم. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: اختارهم لتمامِ الموعدِ (١). وقال آخرون: إنما أخَذَتْهم الرجفةُ مِن أجلِ دعواهم على موسى قتلَ هارونَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى أبو إسحاقَ، عن عُمارةَ بن عبدٍ السلوليِّ، عن عليٍّ ﵁، قال: انطلَق موسى وهارونُ، [وشَبَّرٌ وشَبِيرٌ] (٢)، فانطلَقوا إلى سفحِ جبلٍ، فنام (٣) هارونُ على سريرٍ، فتوفاه اللَّهُ، فلما رجَع موسى إلى بني إسرائيلَ قالوا له: أينَ هارونُ؟ قال: توفاه اللَّهُ. قالوا: أنتَ قتَلتَه، حسَدتَنا على خُلُقِه ولينِه - أو كلمةً نحوَها - قال: فاختاروا مَن شِئْتم. قال: فاختاروا سبعين رجلًا. قال: فذلك قولُه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾. قال: فلما انتَهَوا إليه قالوا: يا هارونُ مَن قتَلك؟ قال: ما قتَلنى أحدٌ، ولكنْ توفَّانى اللَّهُ. قالوا: يا موسى لن نَعْصِىَ بعدَ اليومِ. قال: فأَخَذَتْهم الرجفةُ. قال: فجعَل موسى يرجعُ يمينًا وشَمالًا، وقال: يا ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: فأحْياهم اللَّهُ وجعَلهم أنبياءَ كلَّهم (٤).

стр. 7179

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ من بنى سلولَ، أنه سمِع عليًّا ﵁ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: كان هارونُ حَسَنَ الخُلُقِ محبَّبًا في بنى إسرائيلَ. قال: فلمَّا مات دفنَه موسى. قال: فلمَّا أتَى بنى إسرائيلَ، قالوا له: أينَ هارونُ؟ قال: مات. قال: فقالوا: قتَلتَه. قال: فاختار منهم سبعين رجلًا. قال: فلما أتوا القبر قال موسى: أقتِلْتَ أو مِتَ؟ قال: مِتُّ. قال: فأُصْعِقُوا. قال: فقال موسى: يا ربِّ ما أقولُ لبنى إسرائيلَ إذا رجَعتُ؟ يقولون: أنتَ قتلتَهم. قال: فأُحيُوا وجُعِلوا أنبياءَ. حدَّثني عبيدُ (١) اللَّهِ بنُ الحجاجِ بن المنهالِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا الربيعُ بنُ حبيبٍ، قال: سَمعتُ أبا سعيدٍ، يعنى الرَّقاشيَّ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. فقال: كانوا أبناءَ ما عدا عشرين، ولم يَتَجاوزوا الأربعين؛ وذلك أن ابنَ عشرين قد ذهَب جهلُه وصباه، وأن مَن لم يتجاوزِ الأربعيَن لم يفقِدْ مِن عقلِه شيئًا (٢). وقال آخرون: إنما أخَذتِ القومَ الرجْفةُ لتركِهم فراقَ عبدةِ العجلِ، لا لأنهم كانوا مِن عبَدتِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾، فقرَأ حتى بلَغ: ﴿السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إنما تناولتْهم الرجْفةُ لأنهم لم يزايلوا القومَ حيَن نصبُوا العجلَ،

стр. 7180

وقد كرِهوا أن يجامِعوهم عليه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريحٍ قولَه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: ممن لم يكنْ قال ذلك القولَ، على أنهم لم يُجامعوهم عليه، فأخذتْهم الرجْفةُ من أجلِ أنهم لم يكونُوا باينوا قومَهم حينَ اتخذُوا العجل. قال: فلما خرجُوا ودعَوا، أماتهم الله ثم أحياهم، ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: والميقاتُ الموعدُ، فلما أخَذتْهم الرجفةُ بعد أن خرَج موسى بالسبعين مِن قومِه يدعون اللَّهَ ويسألونه أن يكشِفَ عنهم البلاءَ، فلم يَستجبْ لهم، عَلِمَ موسى أنهم قد أصابوا مِن المعصيةِ ما أصاب قومُهم. قال أبو (٣) سعدٍ: فحدَّثني محمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ، قال: لم يُسْتَجَبْ لهم مِن أجلِ أنهم لم ينهَوهم عن المنكرِ، ويأمروهم بالمعروفِ. قال: فأخذتْهم الرجفةُ فماتوا، ثم أحياهم اللَّهُ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن سعيدِ بن حيانَ، عن ابن عباسٍ: إن السبعين الذين اختارهم موسى مِن قومِه، إنما أخَذتْهم الرجفةُ أنهم لم يرضَوا ولم ينهَوا عن العجلِ (٥).
следующие страницы →