← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

حتى بلغ الصفراء (١)، فبلغ النبيَّ ﷺ فركب في أثَرِه، فسبقه كُرْزُ بنُ جَابِرٍ، فرجع النبيُّ ﷺ ، فأقام سنتَه، ثم إن أبا سفيانَ أقبَل من الشام في عِيرٍ لقريشٍ، حتى إذا كان قريبا من بدر، نزل جبريل على النبي ﷺ ، فأوحى إليه: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، فَنَفَر النبيُّ ﷺ بجميعِ المسلمين، وهم يومئذ ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر رجلًا، منهم سبعون ومائتان من الأنصارِ، وسائرُهم من المهاجرين، وبلغ أبا سفيان الخبر وهو بالبطمِ (٢)، فبعث إلى جميع قريشٍ وهم بمكةَ، فنفرت قريشٌ وغضبت. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال: كان جبريل ﵇ قد نزل، فأخبره بمسيرِ قريشٍ، وهى تريدُ عِيرَها، ووعده: إمَّا العير، وإما قريشًا، وذلك كان ببدر، وأخذوا السُّقاةَ وسألوها، فأخبروهم، فذلك قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. هم أهل مكة. حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية: خرج النبيُّ ﷺ إلى بدرٍ وهم يريدون يعترضون [عِيرًا لقريش] (٣)، قال: وخرج الشيطان في صورة سُراقةَ بن جُعشُمٍ، حتى أتَى أهل مكةَ، فاستغواهم وقال: إن محمدًا

стр. 7422

وأصحابَه قد عرضوا (١) لعِيرِكم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناسِ، مَن مثلُكم؟! وإنى جارٌ لكم أن تكونوا على ما يكره الله. فخرجوا ونادوا أن لا يتخلَّفَ منا أحد إلا هدَمنا داره واستبحْناه. وأخذ رسول الله ﷺ وأصحابه بالرَّوحاء (٢) عينًا للقوم، فأخبره بهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله قد وَعَدكُمُ العِير أو القومَ". فكانت العيرُ أحبَّ إلى القوم [من القوم] (٣)؛ كان القتالُ في الشوكةِ، والعيرُ ليس فيها قتال، وذلك قول الله : ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال: الشوكةُ: القتالُ، وغيرُ الشوكة: العِيرُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يعقوب بن محمد الزهرى، قال: ثنا عبد الله بن وهبٍ، عن ابن لَهِيعَةَ، عن ابن أبي حبيب، عن أبي عمران، عن أبي أيوبَ، قال: أنزل الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾. فلمّا وعدنا إحدى الطائفتين أنها لنا طابتْ أنفُسُنا، والطائفتان: عِيرُ أبي سفيان، أو قريش (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لَهِيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن أسلم أبى عمران الأنصاريِّ، أحسبه قال: قال أبو أيوبَ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ

стр. 7423

الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قالوا: الشوكةُ: القوم، وغيرُ الشوكة: العِيرُ، فلمَّا وعدنا الله إحدى الطائفتين؛ إما العِيرَ، وإما القومَ، طابَت أنفسنا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى يعقوب بن محمدٍ، قال: ثنى غيرُ واحدٍ في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾: أن الشوكةَ قريش. حُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لكُمْ﴾: هي عِيرُ أبي سفيان، ودّ أصحاب رسول الله ﷺ أن العِيرَ كانت لهم، وأن القتالَ صُرف عنهم (١). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. أي: الغنيمةَ دونَ الحربِ (٢). وأما قوله: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ففُتحت على تكرير "يَعِدُ"، وذلك أن قولَه: ﴿يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ قد عمل في ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾. فتأويل الكلام ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾: يعدكم أن إحدى الطائفتين لكم، كما قال: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨]. قال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. فأنَّثَ "ذات" لأنَّه مرادٌ بها الطائفة.

стр. 7424

ومعنى الكلام: وتودُّون أن الطائفة التى هى غيرُ ذاتِ الشوكة تكون لكم، دون الطائفةِ ذاتِ الشوكة. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ويريدُ الله أن يُحقَّ الإسلام ويُعليَه (١): ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾. يقولُ: بأمره إيَّاكم أيها المؤمنون بقتال الكفار، وأنتم تريدون الغنيمة والمال. وقوله: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: ويريد أن يَجُبَّ (٢) أصلَ الجاحدين توحيدَ الله. وقد بيَّنا فيما مضَى معنى "دابر"، وأنَّه المتأخرُ، وأن معنى قطعه: الإتيان على الجميع منهم (٣). وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: أن يقتل هؤلاء الذين أراد أن يقطعَ دَابِرَهم، هذا خيرٌ لكم من العِيرِ. حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاق ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ

стр. 7425

بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾. أي: الوقعة التي أوقعَ بصناديد قريش وقادتهم (١) يوم بدرٍ (٢). القول في تأويل قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ويريد الله أن يقطَعَ دابر الكافرين كيما يُحقُّ الحق، كيما يُعبد الله وحده دونَ الآلهة والأصنام، ويُعَزَّ الإسلام، وذلك هو تحقيق الحقِّ: ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾. يقولُ: ويبطل عبادة الآلهة والأوثان والكفر (٣)، ولو كره ذلك الذين أجرَموا، فاكتسبوا المآثم والأوزار من الكفار. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: هم المشركون. وقيل: إن الحقَّ في هذا الموضعِ اللهُ . القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾. يقول تعالى ذكره: ويُبطل الباطل حين تستغيثونَ ربَّكم، فـ ﴿إذْ﴾ مِن صلة (٤) ﴿يُبْطِلَ﴾. ومعنى قوله: ﴿تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾: تستجِيرون به من عدوِّكُم، وتدعُونَه للنصرِ عليهم، ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. يقولُ: فأجاب دعاءَكُم بأَنِّي مُمِدُّكم بألفٍ

стр. 7426

من الملائكةِ يُردِفُ بعضُهم بعضًا، ويتلو بعضهم بعضًا. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ، وجاءت الرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ . ذكرُ الأخبار بذلك حدَّثني محمد بن عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن عكرمة بن عمار، قال: ثنى سماك الحنفيُّ، قال: سمعتُ ابن عباس يقولُ: ثني عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ قال: لما كان يوم بدر ونظَر رسول الله ﷺ إلى المشركين وعِدَّتِهم، ونظر إلى أصحابه نيِّفًا على ثلاثمائة، فاستقبل القبلة، فجعل يدعو ويقولُ: "اللهمَّ أنجِز لي ما وَعدتَنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تُعبَدْ في الأرض". فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤُه، وأخذه أبو بكرٍ الصديقُ ﵁، فوضع رداءَه عليه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: كذاك (١) يا نبيَّ الله، بأبي وأمِّى مناشدتَك ربَّكَ، فإنه سيُنجِزُ لك ما وعدك، فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُردِفِينَ﴾ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس، قال: لما اصطفَّ القومُ، قال أبو جهل: اللهمَّ، أولانا بالحقِّ فانصره. ورفع

стр. 7427

رسول الله ﷺ يدَه، فقال: "يا ربِّ، إن تَهلِك هذه العصابة فلن تُعبَدَ في الأرضِ أبدًا" (١). حدَّثني محمد بن سعد، [قال: ثني أبي] (٢)، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قام النبي ﷺ ، فقال: "اللهمَّ ربنا أنزلتَ علىَّ الكتاب، وأمَرتَنى بالقتال، ووعدتَنى بالنَّصرِ، ولا تُخلِفُ الميعادَ". فأتاه جبريل ﵇، فأنزل اللَّهُ ﴿أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَورِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤، ١٢٥]. حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي (٣) إسحاق، عن زيد بن نُفيعٍ (٤)، قال: كان أبو بكرٍ الصدِّيق ﵁ مع رسول الله ﷺ على (٥) العريش، فجعل النبيُّ ﷺ يدعو، يقول: "اللهمَّ انصُرْ هذه العِصابَةَ، فإِنَّكَ إن لم تفعل لم (٦) تُعبَد في الأرضِ". قال: فقال أبو بكرٍ: بعض مناشدَتِك، مُنجِزَكَ ما وعدَك (٧). حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن

стр. 7428

السُّدىِّ، قال: أقبل النبي ﷺ يدعو الله ويستغيثه ويستنصِرُه، فأنزل الله عليه الملائكة (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾. قال: دعا النبيُّ ﷺ ] (١). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾. أي: بدعائكم. حين (٢) نظروا إلى كثرة عدوِّهم وقلة عددهم، ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ بدعاءِ رسول الله ﷺ ودعائكم معه (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن أبي حصينٍ، عن أبي صالح، قال: لما كان يومُ بدرٍ، جعل النبي ﷺ يناشِد ربَّه أَشدَّ النِّشدةِ يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسولَ اللهِ، بعض نشدَتِك؛ فواللهِ لَيَفِينَّ الله لكَ بما وعدَك (٤). وأمَّا قولُه: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. فقد بينا معناهُ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْف مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. يقولُ: المزيد،

стр. 7429

كما تقولُ: ائتِ الرجل فزِدْه كذا وكذا (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أحمد بن بشيرٍ، عن هارون بن عنترةَ، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. قال: متتَابِعين (٢). قال: ثني أبي، عن سفيان، عن هارون بن عنترة (٣)، عن ابن عباسٍ مثله (٢). حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينَةَ، عن قابوسَ، عن أبيه عن ابن عباسٍ: ﴿مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. قال: وراء كلِّ ملَكٍ ملَكٌ (٤). حدَّثني ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي كُدينة يحيى بن المهلبِ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مُردِفِينَ﴾. قال: متتابعين (٥). قال: ثنا هانئُ بن سعيدٍ، عن حجاج بن أرطاة، عن قابوسَ، قال: سمعت أبا ظبيان يقولُ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. قال: الملائكةُ بعضُهم على إثرِ بعضٍ (٥). قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبر، عن الضحاك، قال: ﴿مُردِفِينَ﴾. قال: بعضُهم على إثرِ بعضٍ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاءَ، عن ابن أبي

стр. 7430

نجيحٍ، عن مجاهد مثلَه (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. قال: مُمدِّين. قال ابنُ جُرَيج: عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ قال: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. الإرْدافُ: الإمداد بهم (٢). حدَّثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. أي متتابعين (٣). حدَّثنا محمدُ بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ [. . . . . . .] (٤). [قال: حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى] (٥)، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُردِفِينَ﴾. يتبع بعضُهم بعضًا (٦). حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. قال: المرْدِفِين: بعضُهم على إثْرِ بعضٍ، يتبَعُ بعضُهم بعضًا (٧).

стр. 7431

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيد بن سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. يقولُ: متتابعين يوم بدرٍ (١). واختلفتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأتْه عامة قرأة أهل المدينة: (مردَفين) بنصب الدال (٢). وقرأه بعضُ المكيِّين وعامَّةُ قرأةِ الكوفيين والبصريين: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ (٣) وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك، ويقولُ فيما ذُكِر عنه: هو من أردف بعضهم بعضًا"، وأنكر هذا القول من قول أبي عمرٍو بعضُ أهل العلم بكلام العرب، وقال: إنما الإرْدافُ: أَن يَحمِلَ الرجلُ صاحبَه خلْفه، قال: ولم يُسْمَعْ هذا في نَعْتِ الملائكة يومَ بدرٍ. واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى ذلك إذا قُرِئ بفتح الدال أو بكسرها. فقال بعضُ البصريين والكوفيين: معنى ذلك إذا قُرِئ بالكسرِ: أن الملائكة جاءت يتبَعُ بعضها بعضًا، على لُغةِ مَن قال: أرْدفْتُه. وقالوا: العربُ تقول: أرْدفْتُه وردِفْتُه، بمعنى: تبِعْتُه وأتْبَعْتُه، واستُشهِد لصحةِ قولهم ذلك بما قال الشاعر (٤): إذا الجَوْزَاءُ أرْدِفَتِ الثُّريَّا … ظنَنْتُ بَآلِ فاطِمةَ الظُّنُونا

стр. 7432

قالوا: فقال الشاعرُ: أردفَتْ. وإنما أراد: رَدِفتْ؛ جاءت بعدها؛ لأن الجوزاءَ تجيءُ بعد الثُّريا. وقالوا: معناه: إذا قُرِئ (مُرْدَفِينَ) أنه مفعولٌ بهم، كأن معناه: بألفٍ من الملائكةِ يُردِفُ اللَّهُ بعضهم بعضًا. وقال آخرون: معنى ذلك إذا كُسِرَت الدالُ: أردفَت الملائكةُ بعضها بعضًا، وإذا قُرِئَ بفتحها: أردف الله المسلمين بهم. والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأَ: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ بكسرِ الدَّالِ (١)؛ لإجماعِ أهل التأويل على ما ذَكَرتُ من تأويلهم، أن معناه: يتبَعُ بعضُهم بعضًا ومتتابِعِين، ففى إجماعهم على ذلك من التأويل الدليلُ الواضح على أنّ الصحيحَ من القراءة ما اخْتَرْنا في ذلك من كسر الدال، بمعنى: أردف بعض الملائكة بعضًا، ومسموعٌ من العربِ: جئتُ مُرْدِفًا لفُلانٍ: أَى جِئْتُ بعده. وأما قولُ من قال: معنى ذلك إذا قرئِ (مردَفين) بفتح الدال، أن الله أردَف المسلمين بهم، فقولٌ لا معنى له؛ إذ الذكر الذي في (مردَفين) من الملائكة دون المؤمنين. وإنما معنى الكلام: أن يُمدَّكم بألفٍ من الملائكةِ يُردَفُ بعضُهم ببعض، ثم حذَف ذكر الفاعلِ، وأخرج الخبر غير مسمًّى فاعله، فقيل: (مردفين) بمعنى: مردفٌ بعضُ الملائكة ببعضٍ. ولو كان الأمر على ما قاله من ذكَرنا قوله، وجب أن يكون في (المردَفين) ذكر المسلمين لا ذكر الملائكة، وذلك خلافُ ما دلَّ عليه ظاهرُ القرآن. وقد ذُكر في ذلك قراءةٌ أخرى، وهى ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: قال عبد الله بن يزيدَ (مُردِّفين)، و (مُرِدِّفينَ)، و (مُرُدِّفين)، مثقَّلٌ على

стр. 7433

معنى: مُرْتَدِفين (١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب بن محمد الزهرى، قال: ثني عبد العزيز بن عمران عن الزَّمْعِي (٢)، عن أبي الحُويرث، عن محمدِ بنِ جُبيرٍ، عن عليٍّ ﵁، قال: نزل جبريلُ في ألف من الملائكة عن ميمنةِ النبي ﷺ ، وفيها أبو بكر ﵁، ونزل ميكائيل ﵇ في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي ﷺ ، وأنا فيها (٣). القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. يقول تعالى ذكرُه: لم يجعَلِ اللَّهُ إرداف الملائكة بعضها بعضًا، وتتابعها بالمصير إليكم أيها المؤمنون مددًا لكم، ﴿إلَّا بُشْرَى﴾ لكم. أي: بشارةً لكم، تُبشِّرُكم بنصر الله إياكم على أعدائكم، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾. يقولُ: ولتسكُن قلوبكم بمجيئها (٤) إليكم، وتُوقِنَ بنصرِ (٥) اللهِ لكم، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وما تُنصرون على عدوّكم أيها المؤمنون إلا أنْ ينصرَكم الله عليهم، لا بشدة بأسكم وقواكُم، بل بنصر الله لكم؛ لأن ذلك بيده وإليه، ينْصُرُ من يشاءُ من خلقِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقول: إن الله الذى ينصركم وبيده نصرُ من يشاءُ من خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يقهرُه شيءٌ، ولا يغْلِبُه غالبٌ،

стр. 7434

بل يَقْهَرُ (١) كلَّ شيءٍ ويَغْلِبُه؛ لأنه خَلْقُهُ: ﴿حَكِيمٌ﴾. يقولُ: حكيمٌ في تدبيرِه ونصرِه من نصَر، وخذْلانِه من خَذَل مِن خلقِه، لا يدخُلُ تدبيرَه وهنٌ ولا خلَلٌ. ورُوى عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرنى ابنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ما مُدَّ النبيُّ ﷺ مما ذكَر الله غيرَ ألفٍ من الملائكةِ مُرْدِفينَ، وذكرَ "الثلاثةَ" و "الخمسةَ" بشرَى، ما مُدُّوا بأكثرَ من هذه الألفِ الذي ذكَر اللهُ فى الأنفالِ. وأما "الثلاثةُ" و "الخمسة"، فكانت بُشرَى (٢). وقد أتينا على ذلك في سورةِ "آل عمرانَ" بما فيه الكفايةُ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولتطمئنَّ به قلوبُكم إذْ يُغَشِّيكم (٤) النعاسَ، ويعنى بقولِه: ﴿يُغَشِّيكُمُ (٤) النُّعَاسَ﴾: يُلقِى عليكم النعاسَ، ﴿أَمَنَةً﴾. يقولُ: أمانًا من اللهِ لكم من عدوِّكم أن يغلِبَكم، وكذلك النعاسُ في الحربِ أمنةٌ من اللهِ . حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ،

стр. 7435

عن عبدِ اللهِ، قال: النعاسُ فى القتالِ أمنةٌ مِن الله ، وفى الصلاةِ من الشيطانِ (١). حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، في قولِه: (يغشاكم النعاسُ أمنةً منه)، عن عاصمٍ، عن أبى رَزِينٍ (٢)، قال: قال عبدُ اللهِ. فذكَر مثلَه (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه. والأمنةُ مصدرٌ من قولِ القائلِ: أمِنتُ من كذا أَمَنَةً وأمانًا وأمْنًا. وكلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ. وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾: أمانًا من اللهِ (٤). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمَنَةً﴾. قال: أَمْنًا من اللهِ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:

стр. 7436

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾. قال: أنزَل اللهُ النعاسَ أمنةً من الخوفِ الذى أصابَهم يومَ أُحدٍ. فقرأ: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]. واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾؛ فقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (يُغْشِيكُمُ النُّعاسَ) بضمِّ الياءِ وتخفيفِ الشينِ ونصبِ النعاسِ، من أغشاهمُ اللهُ النعاسَ، فهو يُغشِيهم (١). وقرأتْه عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بضم الياءِ وتشديدِ الشينِ من غشَّاهمُ اللهُ النعاسَ، فهو يُغشِّيهم (٢). وقرأ ذلك بعضُ المكيِّين والبصريِّين (يَغْشاكُم النُّعاسُ) بفتحِ الياءِ ورفعِ النعاسِ، بمعنى غَشِيهم النعاسُ، فهو يَغْشاهُم (٣)، واسْتشْهدَ هؤلاء لصحةِ قراءتِهم كذلك بقولِه فى آلِ عمرانَ: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وأوْلَى ذلك بالصوابِ: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾ (٤). على ما ذكرتُ من قراءةِ الكوفيين لإجماعِ جميعِ القرأةِ على قراءةِ قولِه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ بتوجِيه ذلك إلى أنه من فعلِ اللهِ ، فكذلك الواجبُ أن يكون كذلك: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾، إذْ كان قولُه: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ عطفًا على يُغَشِّى؛ ليكون الكلامُ متَّسِقًا على نحوٍ واحدٍ. وأما قولُه : ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، فإن

стр. 7437

ذلك مطرٌ أنزله اللهُ من السماءِ يومَ بدرٍ؛ ليُطهِّرَ به المؤمنين (١) لصلاتِهم؛ لأنهم كانوا أصبحوا يومَئِذٍ مُجْنِبين على غيرِ ماءٍ؛ فلما أنزَل اللهُ عليهم الماءَ، اغتسلوا وتطهَّرُوا، وكان الشيطانُ [قد وسْوس إليهم] (٢) بما حزَنهم به، من إصْباحِهم مُجنِبين على غيرِ ماءٍ، فأذْهب اللهُ ذلك من قلوبِهم (٣) بالمطرِ، فذلكَ ربْطُه على قلوبِهم وتقويتُه أسبابَهم وتَثْبيتُه بذلك المطرِ [أقدامَهم؛ لأنهم كانوا التَقَوْا مع عدوِّهم على رَمْلةٍ ميثاءَ (٤)، فلبَّدَها المطرُ] (٥) حتى صارت الأقدامُ عليها ثابتةً لا تسوخُ فيها؛ توطئةً من اللهِ لنبيِّه ﵊ وأوليائِه - أسبابَ التمكُّنِ من عدوِّهم والظفَرِ بهم. وبمثلِ الذي قلنا، تتابعت الأخبارُ عن [رسولِ اللهِ ﷺ وغيرِه] (٦) من أهلِ العلمِ. ذكرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك حدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا مُصعبُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ، عن عليٍّ ﵁، قال: أصابَنا من الليلِ طشٌّ (٧) من المطرِ، يعنى الليلةَ التي كانت في صبيحتِها وقعةُ بدرٍ، فانطلَقنا تحتَ

стр. 7438

الشجَرِ (١) والحجَفِ (٢)، نَسْتظلُّ تحتَها من المطرِ، وباتَ رسولُ اللهِ ﷺ يدعو ربَّه: "اللَّهُمَّ إنْ تهلِكْ هذه العِصابَةُ لا تُعْبَدْ فى الأرضِ". فلما أن طلَع الفجرُ نادى: "الصَّلاةَ عِبادَ اللهِ". فجاء الناسُ من تحتِ الشجرِ والحجَفِ، فصلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ ، وحرَّض على القتالِ (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ وأبو خالدٍ، عن داودَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. قال: طشٌّ يومَ بدرٍ (٤). حدَّثنى الحسنُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا حفصٌ، عن داودَ، عن سعيدٍ، بنحوِه (٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن داودَ، عن الشعبيِّ وسعيدِ بن المسيّبِ، قالا: طشٌّ يومَ بدرٍ (٤). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ وسعيدِ بنِ المسيّبِ فى هذه الآيةِ: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾. قالا: طَشٌّ كان يومَ بدرٍ، فثبَّت اللهُ به الأقدامَ (٥). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) الآية، ذُكِر لنا أنهم مُطِرُوا يومَئذٍ حتى سالَ الوادى ماءً،

стр. 7439

واقتتلوا على كَثيبٍ أعْفَرَ، فلبَّده اللهُ بالماءِ، وشرِبَ المسلمون وتوضَّئوا وسقَوْا، وأذهبَ اللهُ عنهم وَسْواسَ الشيطانِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزل النبيُّ ﷺ ، يعنى حينَ سارَ إلى بدرٍ، والمسلمون بينَهم وبين الماءِ رملةٌ دعْصَةٌ (٢)، فأصابَ المسلمين (٣) ضعفٌ شديدٌ، وألقى الشيطانُ في قلوبِهُم الغيظَ، فوسوَس بينهم: تزعمون أنكم أولياءُ اللهِ وفيكمْ رسولُه، وقد غلبكم المشركون على الماءِ وأنتم تُصلُّون مُجْنِبينَ! فأمطَر اللهُ عليهم مطرًا شديدًا، فشرِب المسلمون وتطهَّروا، وأذهَب اللهُ عنهم رِجْزَ الشيطانِ، وثَبَتَ الرملُ حين أصابه المطرُ، ومشى الناسُ عليه والدوابُّ، فسارُوا إلى القومِ، وأمدَّ الله نبيَّه ﷺ بألفٍ من الملائكةِ، فكان جبريلُ ﵇ في خمسِمائةٍ من الملائكةِ مُجنِّبةً، وميكائيلُ في خمسِمائةٍ مجنِّبةً (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) إلى قولِه: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾. وذلك أن المشركين من قريشٍ لما خرَجوا لينصُروا العِيرَ ويقاتلوا عنها، نزَلوا على الماءِ يومَ بدرٍ، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصابَ المؤمنين الظمأُ، فجعلوا يُصَلُّون مجنِبينَ مُحدِثينَ، حتى تعاظم ذلك في صدورِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأنزَل اللهُ

стр. 7440

من السماءِ ماءً حتى سال الوادِى، فشرِب المسلمون وملئُوا الأَسْقِيةَ، وسقَوُا الرِّكابَ واغتسلوا من الجنابةِ، فجعَل الله فى ذلك طُهورًا، وثبَّتَ الأقدامَ، وذلك أنه كانت بينَهم وبينَ القومِ رمْلةٌ فبعَث اللهُ عليها المطرَ، فضربَها حتى اشْتدتْ، وثبتَتْ عليها الأقدامُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: بينَا رسولُ اللهِ ﷺ والمسلمون، فسبقهم المشركون إلى ماءِ بدرٍ، فنزَلُوا عليه، وانصرَف أبو سفيانَ وأصحابُه تلقاءَ البحرِ، فانطلقُوا. قال: فنزلُوا على أعلَى الوادِى، ونزَل محمدٌ ﷺ في أسفلِه، فكان الرجلُ من أصحابِ محمدٍ ﵊ يُجنِبُ فلا يقدرُ على الماءِ، فيصلِّى جُنُبًا، فألقَى الشيطانُ في قلوبِهم، فقال: كيف ترجُون أن تظْهَروا عليهم، وأحدُكم يقومُ إلى الصلاةِ جُنُبًا على غيرِ وضوءٍ؟! قال: فأرسَل اللهُ عليهم المطرَ، فاغتسَلوا وتوضئُوا وشرِبوا، واشتدَّتْ لهم الأرضُ، وكانت بطحاءَ تدخلُ فيها أرجلُهم، فاشْتدَّت لهم من المطرِ واشْتدُّوا عليها (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال: ابنُ عباسٍ: غلَب المشركون المسلمين فى أوَّلِ أمرِهم على الماءِ فظمِئَ المسلمون، وصلَّوا مُجْنبين، محدِثينَ، وكانت بينَهم رمالٌ، فألقى الشيطانُ في قلوبِ المسلمين (٣) الحزَنَ، فقال: تزعمون أن فيكم نبيًّا، وأنكم أولياءُ اللهِ، وقد غُلِبْتُم على الماءِ، وتصلُّون مُجنِبين محدِثين! قال: فأنزَل اللهُ ماءً من السماءِ، فسال كلُّ وادٍ،

стр. 7441

فشِرب المسلمون وتطهَّروا، وثبتتْ أقدامُهم، وذهبتْ وسْوسةُ الشيطانِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. قال: المطرُ أنزَله عليهم قبلَ النعاسِ، ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾. قال: وسْوستَه، قال: فأطفَأ بالمطرِ الغبارَ، والتَبدتْ به الأرضُ، وطابت به أَنفُسُهم، وثبَتتْ به أَقدامُهم (٢). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾: أنزلَه عليهم قبلَ النُّعاسِ، طَبَّق بالمطرِ الغبارَ، ولبَّدَ به الأرضَ، وطابتْ به أنفُسُهم، وثبَّت به أقدامَهم (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. قال: القَطْرُ، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾: وساوِسَه، أطفأَ بالمطرِ الغُبارَ، ولبَّد به الأرضَ، وطابتْ به أنفُسُهم، وثبتَتْ به أقدامُهم (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾: وسْوسَتَه (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. قال: هذا يومَ بدرٍ أنزَل عليهم القطرَ، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾: الذى ألقَى في قلوبِكم (٤) ليس لكم بهؤلاء

стр. 7442

طاقةٌ، ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾. حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) إلى قولِه: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾. أن المشركين نزلوا بالماءِ يومَ بدرٍ، وغلَبوا المسلمين عليه، فأصابَ المسلمين الظمأُ، وصلَّوْا محدِثين مُجْنِبين، فألقَى الشيطانُ في قلوبِ المؤمنين الحزَنَ، ووسْوَس فيها: إنكم تزعمون أنكم أولياءُ اللهِ، وأن محمدًا نبيُّ اللهِ وقد غُلِبْتُم على الماءِ، وأنتم تُصلُّون محدِثين مجْنِبين. فأمطَر اللهُ السماءَ حتى سالَ كلُّ وادٍ، فشرِبَ المسلمون وملئُوا أسقِيتَهم، وسقَوْا دوابَّهم، واغتسَلوا من الجنابةِ، وثبَّت اللهُ به الأقدامَ، وذلك أنهم كان بينهم وبينَ عدوِّهم رملةٌ لا تجوزُها الدوابُّ، ولا يمشى فيها الماشى إلا (١) بجَهدٍ، فضربَها اللهُ بالمطرِ حتى اشتَدَّتْ وثبتتْ فيها الأقدامُ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه). أى أَنزَلتُ عليكم الأمنةَ حتى نِمْتُمْ لا تخافون، [ونزَّلتُ (٣) عليكم من السماءِ المطرَ؛ الذي أصابَهم تلك الليلةَ] (٤)، فحُبِسَ المشركون أن [يسبقُوا إلى] (٥) الماءِ، وخُلِّى سبيلُ المؤمنين إليه، ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾: ليُذهبَ عنهم شكَّ الشيطانِ بتخويفِه إيَّاهُم

стр. 7443

عدوَّهم، واستجلادِ (١) الأرضِ لهم، حتى انتهَوْا إلى منزِلِهم الذى سبَقوا (٢) إليه عدوَّهم (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ثم ذكر ما ألقى الشيطانُ في قلوبِهم من شأنِ الجنابةِ، وقيامِهم يُصلُّون بغيرِ وضوءٍ، فقال: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه وينزلُ عليكم من السماءِ ماءً ليطهرَكم به ويذهبَ عنكم رجزَ الشيطانِ وليربطَ على قلوبِكم ويُثبِّتَ به الأقدامَ) حتى (٤) تشتدُّون على الرملِ، وهو كهيئةِ الأرضِ (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا داودُ بن أبي هندٍ، قال: قال رجلٌ عندَ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، وقال مرَّةً: قرأ ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (٦)﴾. فقال سعيدٌ: إنما هى (ويُنْزِلُ عليكُمْ مِن السَّمَاءِ مَاءً لِيُطْهِرَكم بِهِ) (٧). قال: وقال الشعبيُّ: كان ذلك طشًّا يومَ بدرٍ (٨). وقد زعَم بعضُ أهلِ العلمِ بالغريبِ مِن أهلِ البصرةِ، أنَّ مجازَ قولِه: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾: ويُفْرِغَ عليهم الصبرَ وينزِّلَه عليهم، فيثبتون لعدوِّهم (٩). وذلك قولٌ

стр. 7444

خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ من الصحابةِ والتابعين، وحسْبُ قولٍ خطأً أن يكونَ خلافًا لقولِ مَن ذَكَرْنا. وقد بيَّنا أقوالَهم فيه، وأن معناه: ويُثبِّتُ أقدامَ المؤمنين بتلبيدِ المطرِ الرملَ حتى لا تسوخَ فيه أقدامُهم وحوافِرُ دوابِّهم. وأما قولُه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾: أَنصرُكُم، ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: قَوُّوا عزمَهم، وصحِّحُوا نيّاتِهم في قتالِ عدوِّهم من المشركين. وقد قيلَ: إنَّ تثبيتَ الملائكةِ المؤمنين كان حضورَهم حربَهم معهم. وقيل: كان ذلك معونتَهم إيَّاهم بقتالِ أعدائِهم. وقيل: كان ذلك بأن الملَكَ يأتى الرجلَ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ويقولُ: سمِعتُ هؤلاءِ القومَ -يعنى المشركين- يقولون: واللهِ لئن حمَلُوا عليْنا لنَنْكشِفنَّ. فيحدِّثُ المسلمون بعضُهم بعضًا بذلك، فتقوَى أنفُسُهم. قالوا: وذلك كان وحيَ الله إلى ملائكتِه. وأما ابنُ إسحاقَ، فإنه قال بما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. أى فآزِرُوا الذين آمنوا (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سأُرعِبُ قلوبَ الذين كفروا بي، أيها المؤمنون، منكم، وأملؤُها فَرَقًا حتى ينهزِموا عنكم، ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. واختلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾؛ فقال بعضُهم:

стр. 7445

معناه: فاضربوا الأعناقَ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. قال: اضربِوا الأعناقَ (١). قال: ثنا أبي، عن المسعودِيِّ، عن القاسمِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّى لمْ أُبْعَثْ لأُعَذِّبَ بعذابِ اللهِ، إِنَّمَا بُعِثْتُ لِضَرْبِ الأَعْناقِ، وشدِّ الوَثَاقِ" (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. يقولُ: اضرِبوا الرقابَ (٣). واحتجَّ قائلو هذه المقالةِ بأن العربَ تقولُ: رأيتُ نفْسَ فلانٍ. بمعنى رأيتُه، قالوا: فكذلك (٤) قولُه: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. إنما معناه: فاضربوا الأعناقَ. وقال آخرون: بل (٥) معنى ذلك: فاضرِبوا الرؤوس. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: وحدثنا الحسينُ، عن يزيدَ،

стр. 7446

عن عكرمةَ: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. قال: الرءوسَ (١). واعتلَّ قائلو هذه المقالةِ بأن الذى فوقَ الأعناقِ [الرءوسُ. قالوا: وغيرُ جائزٍ أن تقولَ: فوقَ الأعناقِ] (٢). فيكونَ معناه: الأعناقَ. قالوا: ولو جازَ ذلك كان أن يُقالَ: تحتَ الأعناقِ. فيكون معناه: الأعناق. قالوا: وذلك خلافُ المعقولِ من الخطابِ، وقلبُ معانى الكلامِ. وقال آخرون: معنى ذلك: فاضرِبوا على الأعناقِ. وقالوا: "على" و "فوقَ" معناهما مُتقارِبان، فجاز أن يُوضَعَ أحدُهُما مكانَ الآخرِ. والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إن اللهَ أمَر المؤمنينَ مُعلِّمَهم كيفيةَ قتلِ المشركين وضرِبهم بالسيفِ، أن يضرِبوا فوقَ الأعناقِ منهم والأيديَ والأرجلَ. وقولُه: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. مُحتملٌ أن يكونَ مرادًا به الرءوسُ، ومحتملٌ أن يكونَ مرادًا به: مِن (٣) فوقِ جلدةِ الأعناقِ، فيكونَ معناه: على الأعناقِ، وإذا احتَمل ذلك صحَّ قولُ من قال: معناه: الأعناقُ. وإذا كان الأمرُ محتمِلًا ما ذكرنا من التأويلِ، لم يكنْ لنا أن نوجِّهَه إلى بعضِ معانيه دونَ بعضٍ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، ولا حجةَ تدلُّ على خصوصِه، فالواجبُ أن يُقالَ: إن اللهَ أمر بضربِ رءوسِ المشركينِ وأعناقِهم وأيدِيهم وأرجلِهم، أصحابَ نبيِّه ﷺ الذين شهِدوا معه بدرًا. وأما قولُه: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. فإن معناه: واضرِبوا، أيها المؤمنون، من عدوِّكم كلَّ طَرَفٍ ومَفْصِلٍ من أطرافِ أيدِيهم وأرجلِهم.

стр. 7447

والبنانُ: جمعُ بنَانَةٍ، وهى أطرافُ أصابعِ اليدَيْن والرجليْن، ومن ذلك قولُ الشاعرِ (١): ألا ليْتنِي قطَّعْتُ منِّى (٢) بنانةً … ولاقيْتُهُ في البَيْتِ يقْظانَ حاذِرا يعنى بالبنانةِ: واحدةَ البنانِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. قال: كلَّ مَفْصِلٍ (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. قال: المفاصِلَ (٣). قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. قال: كلَّ مَفْصلٍ (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسنُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. قال: الأطرافَ. ويقالُ: كلَّ مَفصِلٍ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ

стр. 7448

عباسٍ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. يعنى بالبنانِ الأطرافَ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. قال: الأطرافَ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. يعنى الأطرافَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ هذا الفعلُ مِن ضرْبِ هؤلاء الكفرةِ فوقَ الأعناقِ، وضربِ كلِّ بنانٍ منهم (٣) - جزاءٌ لهم بشقاقِهم اللهَ ورسولَه، وعقابٌ لهم عليه. ومعنى قولِه: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: فارَقوا أمرَ اللهِ ورسولِه وعصوْهُما، وأطاعوا أمرَ الشيطانِ. ومعنى قولِه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ومَن يخالفْ أمرَ اللهِ وأمرَ رسولِه، وفارقَ طاعتَهما، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ له، وشدَّةُ عقابِه له فى الدنيا: إحلالُه به ما كان يُحِلُّ بأعدائِه من النِّقمِ، وفي الآخرةِ الخلودُ في نارِ جهنمَ، وحذفَ (له) من الكلامِ لدلالةِ الكلامِ عليها.

стр. 7449

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: هذا العقابُ الذى عجَّلْتُه لكم أيها الكافرون، المشاقُّون للهِ ورسولِه في الدنيا، من الضربِ فوقَ الأعناقِ منكم، وضربِ كلِّ بنانٍ بأيدى أوليائى المؤمنين، فذوقوه عاجلًا، واعلَموا أن لكم فى الآجلِ والمعادِ عذابَ النارِ. ولفتحِ "أنّ" من قولِه: ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ من الإعرابِ وجهان: أحدُهما الرفعُ، والآخرُ النصبُ. فأما الرفعُ فبمعنى: ذلكم فذُوقوه ذلكُم وأن للكافرين عذابَ النارِ، بنيَّةِ تكريرِ "ذلكُم"، كأنه قيل: ذلكُم الأمرُ وهذا. وأما النصبُ فمن وجهَيْن: أحدُهما: ذلكم فذوقوه واعلموا -أو وأيقِنوا- أن للكافرين، فيكونُ نصبُه بنيةِ فعلٍ مضمرٍ، قال الشاعرُ (١): ورأيْتِ زَوْجَكِ في الوغى … مُتقَلِّدًا سَيفًا وَرُمْحا بمعنى: وحاملًا رُمْحًا. والآخرُ بمعنى: ذلكم فذوقوه، وبأن للكافرين عذابَ النارِ. ثم حُذفتِ الباءُ فنُصِبتْ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾.

стр. 7450

يعني تعالى ذكرُه: يا أيها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في القتال، ﴿زَحْفًا﴾. يقولُ: متزاحفًا بعضُكم إلى بعضٍ، والتزاحُفُ: التدانِي والتقاربُ، ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. يقولُ: فلا تولُّوهم ظهورَكُم فتنهزمُوا عنهم، ولكن اثْبُتوا لهم، فإنّ اللهَ معكُم عليهم، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. يقولُ: ومن يولِّهم منكم ظهرَه، ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾. يقولُ: إلا مُسْتطرِدًا لقتالِ عدوِّه بطلبِ عَوْرةٍ له يمكنُه إصابتُها، فيكُرُّ عليه، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. أو إلَّا أن يولِّيَهم ظهرَه، ﴿مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. يقولُ: صائرًا إلى حيزِ المؤمنين الذين يفيئون (١) به معهم إليهم لقتالِهم، ويَرْجِعون به إليهم معهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. قال: المتحرِّفُ: المتقدِّمُ من أصحابِه؛ ليرى عورةً (٢) من العدوِّ فيُصيبَها. قال: والمتحيِّزُ: الفارُّ إلى النبيِّ ﷺ وأصحابِه، وكذلك من فرَّ اليومَ إلى أميرِه وأصحابِه. قال الضحَّاكُ: وإنما هذا وعيدٌ من اللهِ لأصحابِ محمدٍ ﷺ ، ألا يفروا، وإنما كان النبيُّ ﵊ وأصحابُه (٣) فئَتَهم (٤).

стр. 7451

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: أمَّا المتحرِّفُ، يقولُ: الاستطرادُ (١)، يريدُ العورةَ (٢)، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. قال: المتحيِّزُ إلى الإمامِ وجندِه (٣) إن هو كرَّ فلم يكنْ له بهم طاقةٌ، ولا يُعْذَرُ الناسُ وإن كثُروا أن يولُّوا عن الإمامِ (٤). واخْتَلف أهلُ العلمِ في حكمِ قولِ اللهِ : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾، هل هو خاصٌّ فى أهلِ بدرٍ، أم هو فى المؤمنين جميعًا؟ فقال قومٌ: هو لأهلِ بدرٍ خاصَّةً؛ لأنه لم يكنْ لهم أن يترُكوا رسولَ اللهِ ﷺ مع عدوِّه وينهزموا عنه، [فأَمَّا اليومَ فلهم] (٥) الانهزامُ؟ ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبي نَضْرةَ فى قولِ اللهِ : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذاك يومَ بدرٍ، لم يكنْ لهم أن ينحازوا، ولو انحاز أحدٌ لم ينحزْ إلَّا إلى. قال أبو موسى: يعنى إلى المشركين (٦).

стр. 7452

حدَّثنا إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبى سعيدٍ قولَه : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين ولم يكنْ يومَئذ مسلمٌ في الأرضِ غيرُهم (١). حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا داودُ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ، قال: نزَلت في يومِ بدرٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ المثنى وعليُّ بنُ مسلمٍ الطُّوسيُّ، قال ابنُ المثنى: ثنى عبدُ الصمدِ، وقال عليٌّ: ثنا عبُد الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن داودَ -يعني (٣) ابن أبي هندٍ- عن أبى نضرةَ، عن أبي سعيدٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: يومَ بدرٍ. قال أبو موسى: حُدِّثت أن فى كتابِ غُنْدَرٍ هذا الحديثَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن أبي سعيدٍ (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن أبى نضرةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: إنما كان ذلك يومَ بدرٍ، ولم يكنْ للمسلمين فئةٌ إلَّا رسولُ اللهِ ﷺ ، فأما بعدَ ذلك، فإن المسلمين بعضُهم

стр. 7453

فئةٌ لبعضٍ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى عن داودَ، عن أبي نضرةَ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: هذه نزلَت فى أهلِ بدرٍ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: كتبتُ إلى نافعٍ أسألُه عن قولِه: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾: أكان ذلك اليومَ أم هو بعدُ؟ قال: وكتبَ إليَّ: إنما كان ذلك يومَ بدرٍ (٣). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، عن سفيانَ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: إنما كان الفِرارُ يومَ بدرٍ (٤)، لم يكن لهم ملجأٌ يلجئون إليه، فأما اليومَ فليس فِرارٌ (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: كانت هذه يومَ بدرٍ خاصَّةً، ليس الفرارُ من الزحفِ من الكبائرِ (٦). قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: كانت هذه يومَ بدرٍ خاصَّةً (٧).

стр. 7454

قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن حبيبِ بنِ الشهيدِ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: نزَلت فى أهلِ بدرٍ (١). حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذلكم يومُ بدرٍ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن المباركِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذلك يومُ بدرٍ، فأما اليومَ فإنِ انحازَ إلى فئةٍ أو مِصرٍ، أحسَبُه قال: فلا بأسَ به (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عقبةَ، قال: قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ عونٍ، قال: كتبت إلى نافعٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: إنما هذا يومُ بدرٍ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ لَهِيعةَ قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، قال: أَوْجب اللهُ لمن فرَّ يومَ بدرٍ النارَ. قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. فلما كان يومُ أحدٍ بعدَ ذلك قال: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. ثم كان حُنينٌ بعدَ ذلك بسبعِ (٤) سنينَ، فقال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) [التوبة: ٢٥ - ٢٧].

стр. 7455

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن محمدٍ، [أن عمرَ] (١) ﵁ بلَغه قتلُ أبي عُبيدٍ، فقال: [لو انحاز إليَّ إن كنتُ له لفئةً] (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن جريرِ بنِ (٣) حازمٍ، قال: ثني قيسُ بنُ سعدٍ (٤)، قال: سألت عطاءَ بنَ أبي رباحٍ عن قولِه: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: هذه منسوخةٌ بالآية التي في الأنفالِ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]. قال: وليس لقومٍ أن يفرُّوا من مِثْلَيهم (٥). قال: [ونسِخَت تلك إلا] (٦) هذه العِدَّةَ (٧). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سليمانَ التَّيْميِّ. عن أبي عثمانَ، قال: لما قُتِل أبو عُبيدٍ جاء الخبرُ إلى عمرَ، فقال: يا أيُّها الناسُ أنا

стр. 7456

فئتُكم (١). قال ابنُ المباركِ، عن معمرٍ وسفيانَ الثوريِّ وابنِ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال عمرُ ﵁: أنا فئةُ كلِّ مسلمٍ (٢). وقال آخرون: بل هذه الآيةُ حكمُها عامٌّ فى كلِّ من ولَّى الدُّبُرَ عن العدوِّ منهزمًا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ: الإشراكُ باللهِ، والفرارُ يومَ الزحفِ؛ لأن اللهَ يقولُ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣). وأولى التأويلين فى هذه الآيةِ بالصوابِ عندى: قولُ من قال: حكمُها مُحْكَمٌ، وأنها نزَلت فى أهلِ بدرٍ، وحكمُهما ثابتٌ في جميعِ المؤمنين، وأن اللهَ حرَّم على المؤمنين إذا لَقُوا العدوَّ أن يُولُّوهم الدُّبُرَ منهزمين، إلَّا لتحرُّفٍ لقتالٍ، أو لتحيُّزٍ إلى فئةٍ من المؤمنين حيثُ كانت من أرضِ الإسلامِ، وأن من ولَّاهم الدُّبُرَ بعدَ

стр. 7457

الزحفِ لقتالٍ، منهزمًا بغيرِ نيةِ إحدى الخَلَّتين اللتين أباح اللهُ التوليةَ بهما (١)، فقد اسْتَوجَب من اللهِ وعيدَه، إلَّا أن يتفضَّلَ عليه بعفوِه. وإنما قلنا: هي مُحْكَمةٌ غير منسوخةٍ؛ لما قد بيَّنا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا وغيرِه، أنَّه لا يجوزُ أن يُحْكَمَ لحكمِ آيةٍ بنسخٍ، وله في غيرِ النسخِ وجهٌ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، من خبرٍ يقطعُ العذرَ، أو حُجَّةِ عقلٍ، ولا حجةَ من هذين المعنيين تدلُّ على نسخِ حكمِ قولِ اللهِ : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. وأما قولُه: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: فقد رجَع بغضبٍ من اللهِ، ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: ومصيرُه الذي يصيرُ إليه في مَعادِه يومَ القيامةِ جهنمُ ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس الموضعُ الذى يصيرُ إليه ذلك المصيرُ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه -للمؤمنين به وبرسولِه ممن شهِد بدرًا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فقاتَل أعداءَ دينِه معه من كفارِ قريشٍ- فلم تقتُلوا المشركين أيُّها المؤمنون أنتم، ولكنَّ اللهَ قتَلهم. وأضاف جلَّ ثناؤُه قتلَهم إلى نفسِه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتَلوا المشركين؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه هو مسبِّبَ قتلِهم، وعن أمرِه كان قتالُ المؤمنين إيَّاهم، ففى ذلك أدلُّ الدليلِ على فسادِ قول المنكِرين أن يكونَ للهِ فى أفعالِ خلقِه

стр. 7458

صُنعٌ (١) به وصلوا إليها، وكذلك قولُه لنبيِّه ﵊: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فأضاف الرميَ إلى نبيِّ اللهِ، ثم نفاه عنه، وأَخْبَر عن نفسِه أنه هو الرامى؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه هو المُوصِلَ المرميَّ به إلى الذين رُموا [به من] (٢) المشركين، والمسبِّبَ الرميةَ لرسولِه، فيقالُ للمنكرين (٣) ما ذكَرنا: قد علمتم إضافةَ اللهِ رميَ نبيِّه ﷺ المشركين إلى نفسه، بعدَ وصفِه نبيَّه به، وإضافتُه إليه ذلك فعلٌ واحدٌ كان من اللهِ بتسبيبِه وتسديدِه، ومن رسولِ اللهِ ﷺ الحذفُ والإرسالُ، فما تُنْكِرون أن يكونَ كذلك سائرُ أفعالِ الخلقِ المكتسبةِ من اللهِ؛ الإنشاءُ والإنجازُ بالتسبيبِ، ومن الخلقِ الاكتسابُ بالقُوَى، فلن يقولوا في أحدِهما قولًا إلَّا أُلْزِموا في الآخَرِ مثلَه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدٌ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ لأصحابِ محمدٍ ﷺ ، حين قال هذا: قتَلتُ. وهذا: قتَلتُ. ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾. قال لمحمدٍ حينَ حصَب الكفارَ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

стр. 7459

مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. قال: رماهم رسولُ اللهِ ﷺ بالحَصْباءِ يومَ بدرٍ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، قال: ما وقَع منها شيءٌ إلا في عينِ رجلٍ (٢). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبانٌ العطَّارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، قال: لما ورَد رسولُ اللهِ ﷺ بدرًا قال: "هذه مصارِعُهم". ووجَد المشركون النبيَّ ﷺ . قد سبَقهم إليه ونزَل عليه، فلما طلَعوا عليه زعَموا أن النبيَّ ﷺ قال: "هذه قريشٌ قد جاءت بجَلْبَتِها (٣) وفخرِها، تُحادُّك وتُكذِّبُ رسولَك، اللهمَّ إنى أسألُك ما وعَدتنى". فلما أَقْبَلوا استقبلهم، فحثَا في وجوهِهم، فهزَمهم اللهُ (٤). حدَّثنا (٥) أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عِمْرانَ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ زَمْعَةَ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبي بكرِ بنِ سليمانَ بنِ أبي حَثْمةَ (٦)، عن حَكيمِ بنِ حزامٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ،

стр. 7460

سمِعنا صوتًا وقَع من السماءِ كأنه صوتُ حَصاةٍ وقَعت في طَسْتٍ، ورمَى رسولُ اللهِ ﷺ تلك الرَّمْيةَ، فانهزمنا (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ ومحمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قالا: لما دنا القومُ بعضُهم من بعضٍ، أخَذ رسولُ اللهِ ﷺ قَبضْةً من ترابٍ، فرمَى بها في وجوهِ القومِ، وقال: "شاهتِ (٢) الوجوهُ". فدخَلت في أعينِهم كلِّهم، وأقْبَل أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ [يقتلونهم ويأسِرونهم] (٣)، وكانت هزيمتُهم في رميةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأَنْزل اللهُ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ الآية إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ الآية. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ أخَذ يومَ بدرٍ ثلاثةَ أحجارٍ، ورمَى بها (٥) وجوهَ الكفارِ، فهُزِموا عندَ الحجرِ الثالثِ (٦). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ التقى الجمعانِ يومَ بدرٍ لعليٍّ: "أَعْطِنى
следующие страницы →