← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

والأنفالُ: جمعُ نَفَلٍ، ومنه قولُ لبيد بن ربيعةَ (١): إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ … وبإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ فإذ كان معناه ما ذكَرْنا، فكلُّ مَن زِيدَ مِن مُقَاتِلَةِ الجيش على سهمه من الغنيمة، إن كان ذلك لبلاءٍ أبلَاه أو لغَناءٍ كان منه عن المسلمين، بتنفيل الوالي ذلك إيَّاه، [أو بتصيير] (٢) حكم ذلك له، كالسَّلَبِ الذي يَسْلُبُه القاتِلُ - فهو مُنَفَّلٌ ما زيد مِنْ ذلك؛ لأنَّ الزيادةَ الفَضْلُ (٣)، وإن كان (٤) مُسْتَوجِبَه (٥) في بعض الأحوال لحقٍّ (٦)، [ليس هو] (٧) من الغنيمة التي تقعُ فيها القسمة. وكذلك كلُّ ما رُضِخَ (٨) لمن لا سهمَ له في الغنيمة فهو نَفَلٌ؛ لأنَّه وإن كان مغلوبًا عليه، فليس مما وقعت عليه القسمةُ. فالفصلُ - إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا - بين الغنيمة (٩) والنفَلِ، أن (١٠) الغنيمة هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبةٍ وقهرٍ، نُفِّل منه مُنَفَّلٌ أو لم يُنفَّلْ، والنَّفَلُ: هو ما أعطِيَه المرءُ (١١) على البلاء والغَنَاءِ عن الجيش على غيرِ قسمةٍ.

стр. 7387

وإذْ كان ذلك معنى النَّفَلِ، فتأويل الكلام: يسألُكَ أصحابك يا محمد عن الفضلِ من المال الذي تقعُ فيه القِسْمة من غنيمة كفار قريش الذين قتلوا ببدرٍ لمنْ هوَ؟ قل لهم يا محمد: هو لله ولرسوله دونَكم، يجعله (١) حيث شاءَ. واختُلِف في السببِ الذي من أجله نزلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلت في غنائم بدرٍ؛ لأنَّ النبي ﷺ كان نفَّل أقوامًا على بلاءٍ، فأبلى أقوام وتخلَّف آخرُون مع رسول الله ﷺ ، فاختلفوا فيها بعد انقضاء (٢) الحربِ، فأنزل الله هذه الآيةَ على رسولِه، يُعْلِمُهم أن ما فعل فيها رسول الله ﷺ فماضٍ جائزٌ. ذِكرُ من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمرُ بن سليمان، قال: سمعتُ داود بن أبي هند يحدِّثُ عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَتَى مَكانَ كَذَا وَكَذَا (٣)، أَوْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا". فتسارع إليه الشبَّانُ، وبقى الشيوخ عند الرايات، فلمَّا فتَح الله عليهم، جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي ﷺ فقال لهم الأشياخ: لا تذهَبوا به دونَنا. فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٤).

стр. 7388

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، وحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدرٍ، قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صَنَعَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا". قال: فتسارع في ذلك شبَّانُ الرجالِ، وبقيت الشيوخ تحت الراياتِ، فلما كانت (١) الغنائم، جاءوا يطلبون الذي جُعِل لهم، فقالت الشيوخ: لا تسْتأثِرُوا علينا؛ فإنا كنا رِدْءًا لكم، وكنا تحتَ الرايات، ولو انكشفتم انكشفتم (٢) إلينا. فتنازَعُوا، فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُل الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٣). حدثني إسحاق بن شاهينَ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا مِن النَّفَلِ". قال: فتقدّم الفتيانُ، ولزم المشيخة الرايات فلم يبرَحوا (٤)، فلما فُتِحَ عليهم قالت المشيخةُ: كنا ردءًا لكم، فلو انهزمتم انحزتُم إلينا، لا تذهَبوا بالمغنم دونَنا. فأبى الفتيانُ، وقالوا: جعله رسول الله ﷺ لنا. فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾. قال: فكان ذلك خيرًا لهم، وكذلك أيضًا أطيعوني فإني أعلمُ (٥) (٦).

стр. 7389

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عكرمة في هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: لما كان يوم بدر، قال النبي ﷺ : "مَنْ صَنَعَ كَذَا فَلَهُ مِن النَّفَل كَذَا". فخرج شبَّانُ (١) الرجال فجعَلوا يصنَعونَه، فلما كان عند القسمةِ، قال الشيوخ: نحن أصحابُ الراياتِ، وقد كنا رِدْءًا لكم. فأنزل الله في ذلك: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب الزهريُّ (٢)، قال: ثنى المغيرةُ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن سليمان بن موسى، عن مكحولٍ مولَى هُذَيلٍ، عن أبي سلَّامٍ (٣) الباهليِّ، عن أبي أمامة، عن عُبادةَ بن الصامتِ، قال: أَنزَلَ اللَّهُ حِينَ اختلَف القومُ في الغنائم يومَ بدرٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. إلى قوله: ﴿إن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾، فقسمه رسولُ اللَّهِ ﷺ بينهم عن بَوَاء (٤). حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن محمد، قال: ثنى عبد الرحمن بنُ الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى الأشدقِ، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهليِّ، قال: سألتُ عبادة بن الصامتِ عن الأنفال، فقال: فينا معشر أصحاب بدرٍ نزَلتْ، حين اختلفنا في النَّفَل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من

стр. 7390

أيدينا، فجعَله إلى رسول الله ﷺ ، وقسَمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بَوَاءٍ (١) - يقولُ: على السواءِ - فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله ﷺ ، وصلاح ذات البينِ (٢). وقال آخرون: بل (٣) إنما نزلت هذه الآيةُ؛ لأن بعض أصحاب رسول الله ﷺ سأله من المغنم شيئًا قبلَ قِسْمَتِها، فلم يُعْطِه إيَّاه، إذ كان شركًا بين الجيشِ، فجعَل الله جميعَ ذلك لرسول الله ﷺ . ذكر من قال ذلك حدثني إسماعيل بن موسى السُّديُّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: أتيت النبي ﷺ يومَ بدرٍ بسيفٍ، فقلت: يا رسولَ اللهِ، هذا السيفُ قد شفَى الله به من المشركين، فسألته إيَّاه، فقال: "ليسَ هذا لي ولا لك". قال: فلما ولَّيتُ، قلتُ: أخافُ أن يُعطيه من لم يُبل بلائي، فإذا رسول الله ﷺ خلْفِى. قال: فقلتُ: أخافُ أن يكونَ نزَل فيَّ شيءٌ. قال: "إن السيف قد صار لي". قال: فأعطانيه، ونزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عاصم، عن مصعب بن سعد، عن سعد سعد بن مالكٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ جئتُ بسيفٍ. قال: فقلتُ: يا

стр. 7391

رسولَ الله، إن الله قد شفَى صدرى من المشركين - أو نحو هذا - فهبْ لي هذا السيفَ، فقال لي: "هَذَا لَيْسَ لِي ولَا لَكَ". فرجعتُ فقلتُ: عسى أن يُعطَى هذا من لم يُبْل بلائِى، فجاءنى الرسولُ، فقلتُ: حدّث فيَّ حَدَثٌ! فلما انتهيتُ، قال: "يا سَعْدُ، إِنَّكَ سألْتَنى السَّيْفَ ولَيْسَ لي، وَإِنَّهُ قَدْ صَارَ لي فَهُوَ لَكَ". ونزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ " (١). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: أصبتُ سيفًا يومَ بدر فأعجبنى، فقلت: يا رسولَ الله، هبْه لي، فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ " (٢). حدثنا ابن المثنى وابن وكيعٍ، قال ابن المثنى: ثني (٣) [أبو معاويةُ، وقال ابن وكيعٍ: ثنا] (٤) أبو معاوية، قال: ثنا الشيباني، عن محمدِ بن عُبيدِ اللهِ، عن سعد بن أبى وقاصٍ، قال: فلما (٥) كان يومُ بدرٍ قُتِل أخى عُمَيْرٌ، وقتلتُ [سعيدَ بن العاص] (٦) وأخَذتُ سيفَه، وكان يُسمَّى (٧) ذا الكَتِيفةِ (٨)، فجئتُ به إلى النبي ﷺ ، فقال:

стр. 7392

"اذْهَبْ فَاطْرَحْهُ في القَبَض (١) ". فطرحْتُه ورجعتُ، وبي ما لا يعلمه إلا اللَّهُ مِن قتل أخى وأخْذِ سَلبى. قال: فما جاوزتُ إلا قريبا حتى نزلت عليه سورة الأنفال، فقال: "اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَك". ولفظ الحديث لابن المثنى (٢). حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بُكَيْرٍ، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، جميعًا عن محمد بن إسحاق، قال: ثنى عبد الله بن أبي بكرٍ، عن [بعضِ بني] (٣) ساعدة، قال: سمعت أبا أُسَيدٍ (٤) مالك بن ربيعة يقولُ: أصبتُ سيفَ ابن (٥) عائذ (٦) يوم بدرٍ، وكان السيفُ يُدعَى المَرْزُبانَ، فلما أمر رسول الله ﷺ أن يردُّوا ما في أيديهم من النَّفَل، أقبلتُ به فألقيتُه في النَّفَل، وكان رسولُ اللهِ ﷺ لا يمنع شيئًا يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزوميُّ، فسأله رسول الله ﷺ ، فأعطاه إياه (٧).

стр. 7393

حدَّثني يحيى بن جعفرٍ، قال: ثنا أحمد بن أبى بكر، عن يحيى بن عمرانَ، عن جَدِّه عثمان بن الأرقم، عن (١) عمِّه، عن جدِّه، قال: قال رسول الله ﷺ يومَ بدرٍ: "رُدُّوا ما كان مِن الأَنْفالِ". فوضع أبو أُسَيْدِ الساعدى سيفَ ابن عائذٍ (٢) المَرْزُبانَ، فعرفه الأرقمُ، فقال: هبْهُ لي يا رسول الله. قال: فأعطاه إيّاه. حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن سماك ابن حربٍ، عن مصعب بن سعدٍ، عن أبيه، قال: أصبتُ سيفا. قال: فأتى به النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ نَفِّلْنيه. فقال: "ضَعْهُ". ثم قام فقال: يا رسولَ اللهِ نفِّلنيه، قال: "ضَعْهُ". قال: ثم قام فقال: يا رسولَ اللهِ نفِّلنيه، أأُجعَلُ كمَن لا غَنَاء له؟! فقال النبيُّ ﷺ : "ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ". فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ (٣). حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: أخَذتُ سيفًا من المغنم، فقلتُ: يا رسول الله، هب لي هذا، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مُهاجرٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: قال سعد: كنتُ أخَذتُ سيف سعيد بن العاص بن أمية، فأتيتُ رسول الله ﷺ ، فقلتُ:

стр. 7394

أعطنِى هذا السيف يا رسول الله، فسكت فنزلتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ إلى قولِه: ﴿إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: فأعطانيه رسول الله ﷺ . وقال آخرون: بل نزَلَتْ لأنَّ أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ سألوا قسمةَ الغنيمة بينهم يومَ بدرٍ، فأعلَمَهم الله أن ذلك لله ولرسوله دونَهم، ليس لهم فيه شيءٌ. وقالوا: معنى "عن" في هذا الموضع "مِن"، وإنما معنى الكلام: يسألونك من الأنفال. وقالوا: قد كان ابن مسعودٍ يقرؤه: (يَسْأَلُونَكَ الأنْفالَ) (١) على هذا التأويلِ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، قال: كان أصحاب عبد الله يقرءونها: (يَسئلُونَكَ الأَنْفالَ) (٢). حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاك، قال: هي في قراءة ابن مسعودٍ (يَسْئلُونَكَ الأَنْفال) (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: الأنفال المغانمُ، كانت لرسولِ الله ﷺ خالصة (٤)، ليس لأحدٍ منها شيءٌ، ما أصاب سرايا المسلمين من شيءٍ أَتَوْه به، فمَنْ حبَس (٥) منه إبرة أو سِلْكًا فهو غُلولٌ، فسألوا

стр. 7395

رسول الله ﷺ أن يعطيهم منها، قال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ﴾ لِي جعلتها لرسولي، ليس لكم فيها شيءٌ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ثم أنزل الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]. ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله ﷺ ، ولمن سمَّى في الآية (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: نزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرًا. قال: واختلفوا فكانوا أثلاثا. قال: فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وملَّكه الله رسوله (٢)، يَقْسِمُه (٣) كما أراه الله (٤). حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عباد بن العوَّام، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن الناس سألوا النبي ﷺ الغنائم يوم بدر، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ (٥). قال: ثنا عبادُ بن العوامِ، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: يسألونك أن تُنَفِّلَهم (٦). حدَّثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا أيوب، عن عكرمة في

стр. 7396

قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾. قال: يسألونك الأنفال (١). قال أبو جعفر: وأوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصواب أن يُقالَ: إِن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبر في هذه الآية عن قوم سألوا رسول الله ﷺ الأنفال أن يُعطِيهُمُوها، فأخبرهم الله أنها لله، وأنَّه جعلها لرسوله. وإذا كان ذلك معناه، جاز أن يكونَ نزولها كان من أجل اختلاف أصحابِ رسول الله ﷺ فيها، وجائزٌ أن يكونَ كان من أجل مسألة من سأله السيفَ الذى ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه، وجائزٌ أن يكون من أجل مسألة من سأل (٢) قسْمَ ذلك بين الجيش. واختلفوا فيها، أمنسوخة [أم هي] (٣) غيرُ منسوخةٍ؟ فقال بعضُهم: هى منسوخةٌ، وقالوا: نسخها قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن جابر، عن مجاهدٍ وعكرمة، قالا: كانت الأنفال لله وللرسول، فنسختها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٤). حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن

стр. 7397

السديِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: أصاب سعد بن أبي وقاص يومَ بدرٍ سيفًا، فاختصم فيه وناسٌ معه، فسألوا النبي ﷺ ، فأخذه النبي ﷺ منهم، فقال اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، فكانت الغنائم يومئذ للنبي ﷺ خاصةً، فنسخها الله بالخُمُسِ (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: أخبَرني سليمٌ مولى أُمّ محمد (٢)، عن مجاهد في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: نسَختْها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٣). حدَّثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريكٌ، عن جابر، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، أو عكرمةَ وعامرٍ، قالا: نسخت الأنفالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. وقال آخرون: هى محكَمةٌ وليست منسوخةً، وإنما معنى ذلك: ﴿قُلِ (٤) الْأَنفَالُ لِلَّهِ﴾ وهى لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة، وللرسول يضعها في مواضعها التى أمره الله بوضعها فيه. ذكر من قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قوله:

стр. 7398

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، فقرَأ حتَّى بَلَغ: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: فسَلِّموا للهِ ولرسوله يحكُمان فيها بما شاءَا (١)، ويضعانها حيثُ أرادا، فقالوا: نعم. ثم جاء بعدَ الأربعين: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، ولكم أربعة أخماس. وقال النبي ﷺ يوم خيبَرٍ: "وَهَذَا الخُمُسُ مَرْدُودٌ على فُقَرائِكُمْ". يَصْنَعُ اللَّه ورسوله في ذلكَ الخُمْسِ مَا أَحَبَّا، ويَضَعَانِه حَيْثُ أحَبَّا. ثم أخبرنا (٢) الله [بالذى يحِبُّ] (٣) من ذلك، ثم قرأ الآيةَ: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى والْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (٤) [الحشر: ٧]. قال أبو جعفر: والصوابُ من القول في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ أنه جعَل الأنفال لنبيِّه ﷺ ، يُنفِّلُ مَن شاء، فنفّل القاتل السَّلَبَ، وجعَل للجيشِ في البدْأَةِ الرُّبعَ، وفي الرجعةِ الثُّلثَ بعدَ الخُمُسِ، ونفّل قوما بعد سُهمانِهم (٥) بعيرا بعيرا في (٦) بعض المغازى، فجعَل الله تعالى ذكره حكم الأنفالِ إلى نبيِّه ﷺ ، يُنفِّلُ على ما يرَى مما فيه صلاح المسلمين، وعلى من بعده من الأئمةِ أَنْ يَستَنُّوا بسُنَّتِهِ في ذلك. وليس في الآية دليلٌ على أن حكمها منسوخ؛ لاحتمالها ما ذكَرتُ من المعنى الذى وصَفتُ، وغير جائز أن يُحكَمَ بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخٌ إلا بحجة يجب التسليم لها، فقد دَلَّلْنا في غير موضع من كُتُبنا (٧) على أن لا منسوخ إلَّا ما أبطل حكمه حادث حكم بخلافه، ينفيه من كلِّ معانيه، أو يأتى خبرٌ يوجِبُ

стр. 7399

الحجةَ أن أحدهما ناسخٌ الآخرَ. وقد ذُكِر عن سعيد بن المسيب أنه كان ينكرُ أن يكونَ التَّنفيلُ لأحدٍ بعدَ رسول الله ﷺ : [تأويلًا منه لقولِ] (١) الله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾. حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدَةُ بن سليمانَ، عن محمد بن عمرو، قال: أرسَل سعيد بن المسيبِ غلامَه إلى قومٍ سألوه عن شيء، فقال: إنكم أرسلتم إليَّ تسألونى عن الأنفال، فلا نَفَل بعد رسول الله ﷺ (٢). وقد بيَّنا أن للأئمة (٣) أن يتأسَّوْا برسول الله ﷺ في مغازيهم بفعلِه، فيُنفِّلوا على ما كان يُنَفِّلُ، إذا كان التنفيلُ صلاحًا للمسلمين. القول في تأويل قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾. يقول تعالى ذكره: فخافوا اللهَ أيها القومُ، واتقوه بطاعته واجتناب معاصيه، وأصلحوا الحال بينكم. واختلف أهل التأويل في الذى عنى (٤) بقوله: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: هو أمرٌ من الله الذين غنموا الغنيمة يوم بدر، وشهدوا الوقعةَ مع رسول الله ﷺ ، إذ اختلفوا في الغنيمة، أن يَرُدَّ (٥) ما أصابوا منها بعضُهم على بعض.

стр. 7400

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. قال: كان نبىُّ اللهِ يُنفِّلُ الرجل من المؤمنين سَلَبَ الرجل من الكفار إذا قتله، ثم أنزل اللَّهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. أمرهم أن يردَّ بعضُهم على بعض (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: بلغنِي أن النبي ﷺ ، كان ينفِّلُ الرجل على قَدْرِ جِدِّه وغَنَائِه على ما رأى، حتى إذا كان يوم بدرٍ وملأ الناسُ أيديهم غنائمَ، قال أهل الضعف من الناسِ: ذهَب أهلُ القوّة بالغنائمِ. فذكرُوا ذلك للنبي ﷺ ، فنزلتْ: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: ليردَّ أهل القوّةِ على أهل الضعفِ. وقال آخرون: هذا تحريجٌ من الله على القوم، ونهىٌ لهم عن الاختلاف فيما اختلفوا فيه من أمر الغنيمة وغيره. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمارةَ، قال: ثنا خالد بن يزيد، وحدثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا: ثنا أبو إسرائيل، عن فضيل، عن مجاهد في قول الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكمْ﴾. قال: حرَّج عليهم. حدَّثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا عباد بن العوّامِ، عن سفيان بن حسين، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾.

стр. 7401

قال: هذا تحريجٌ من الله على المؤمنين، أن يتقوا ويصلحوا ذاتَ بينهم. قال عباد (١): قال سفيان: هذا حين اختلفوا في الغنائم يومَ بدرٍ (٢). حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: أَي (٣) لا تَسْتَبُّوا (٤). واختلف أهل العربية في وجهِ تأنيثِ (البين)؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أضاف "ذاتَ" إلى "البينِ" وجعله "ذاتَ (٥) "؛ لأن بعض الأشياء يُوضَعُ عليه اسمٌ مؤنثٌ وبعضًا يُذَكَّرُ، نحو "الدّارِ" و "الحائط"، أُنِّثَ "الدارُ" وذُكِّر "الحائطُ". وقال بعضُهم: إنما أراد بقوله: ﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. الحالَ التي للبينِ، فقال (٦): وكذلك "ذاتُ العِشاءِ"، يريد الساعة التي فيها العِشاءُ. قال: ولم يضَعُوا مذكرًا لمؤنث ولا مؤنثًا لمذكَّر إلا لمعنًى. قال أبو جعفر: وهذا القولُ أولى القولين بالصواب، للعلة التي ذكرتها له. وأما قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. فإن معناه: وانتهوا أيُّها القوم الطالبون الأنفال (٧) إلى أمرِ اللهِ وأمرِ رسوله فيما أفاء الله عليكم، فقد بيَّن لكم وجوهَهُ (٨)

стр. 7402

وسُبُلَه، ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مصدّقين رسولَ اللهِ فيما آتاكُم به من عند ربِّكم. كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: فَسَلِّمُوا للَّهِ ولرسوله يحكمان فيها بما شاءا، ويضعانها حيث أرادا (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾. يقول تعالى ذكره: ليس المؤمنُ بالذى يخالِفُ اللَّهَ ورسولَه، ويتركُ اتِّباعَ ما أنزله إليه في كتابه من حدوده وفرائضه والانقياد لحكمه، ولكنَّ المؤمنَ هو الذي إذا ذُكِر اللَّهُ وَجِلَ قلبه، وانقاد لأمره، وخضَع لذكره، خوفًا منه وفَرَقًا من عقابه، وإذا قُرِئ (٢) عليه آيات كتابه (٣) صدَّق بها، وأيقَن أنها من عند الله، فازداد بتصديقه بذلك إلى تصديقه بما كان قد بلَغه منه قبل ذلك تصديقًا، وذلك هو زيادة ما تُلىَ عليهم (٤) من آياتِ اللهِ إِيَّاهُم إيمانًا، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. يقولُ: وباللَّهِ يوقنون في أنّ قضاءَه فيهم ماضٍ فلا يرجون غيره، ولا يرهبون سواه. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس

стр. 7403

قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهمْ﴾. قال: المنافقون لا يدخُلُ قلوبهم شيءٌ من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيءٍ من آياتِ اللهِ، ولا يتوكَّلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدّون زكاة أموالهم، فأخبر الله سبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فَأدَّوْا فرائضَه، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَنتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا﴾. يقولُ: تصديقًا، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. يقول: لا يرجون غيره (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبد الله، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثير، عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: فَرِقَتْ. قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السُّدى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم﴾. قال: إذا ذكر اللَّه عندَ الشيءِ وجِلَ قلبُه (٢). حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط، [عن السُّديِّ] (٣): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: إذا ذكَر الله وجل قلبه. حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللهِ: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: فَرِقَت (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فَرِقتْ.

стр. 7404

قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المبارك، عن سفيان، قال: سمعتُ السُّديَّ يقولُ في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يريد أن يَظْلِمَ -أو قال: يَهُمُّ بمعصية الله (١) - أحسَبه قال: فينْزِعُ عنه (٢). حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمان بن خُثيم، عن شهرِ بنِ حَوشَبٍ، عن أبي الدرداء في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: الوجَلُ في القلب كإحراق (٣) السَّعَفةِ (٤)، أما تجد له قُشَعْرِيرَةً؟ قال: بلى. قال: إذا وجدت ذلك في القلبِ فادعُ اللَّهَ؛ فإن الدعاء يذهَبُ بذلك (٥). حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: فَرَقًا من الله ﵎، ووَجَلًا من الله، وخوفًا من الله ﵎ (٦). وأما قوله: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. فقد ذكرتُ قول ابن عباس فيه. وقال غيره فيه ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. قال:

стр. 7405

خشية (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. قال: هذا نعتُ أهل الإيمان (٢)، فأثبَت نعتَهم، ووصفهم فأثبت صِفَتَهم (٣). القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. يقول تعالى ذكره: الذين يؤدون الصلاة المفروضة بحدودها، وينفقون مما رزقهم الله من الأموال فيما أمرهم الله أن ينفقوها فيه، من زكاة وجهادٍ وحج وعمرة ونفقة على من تجب عليهم (٤) نفقته، فيؤدُّون حقوقهم، ﴿أُوْلَئِكَ﴾. يقول: هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، لا الذين يقولون بألسنتهم: قد آمنا. وقلوبهم منطَوِيةٌ على خلافه نفاقًا، لا يقيمون صلاةً، ولا يؤدُّون زكاةً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. يقول: الصلوات الخمسَ،

стр. 7406

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. يقولُ: زكاة أموالهم، ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. يقولُ: برِئوا من الكفرِ. ثم وصف الله النفاقَ وأهلَه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]. فجعل الله المؤمن مؤمنًا حقًّا، وجعل الكافرَ كافرًا حقًّا، وهو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ (١) [التغابن: ٢]. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. قال: استحقُّوا الإيمان بحقٍّ، فأحقَّه الله لهم (٢). القول في تأويل قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ﴾: لهؤلاء المؤمنين الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم درجاتٌ، وهى مراتب رفيعةٌ. ثم اختلف أهلُ التأويل في هذه الدرجاتِ التى ذكر الله أنها لهم عنده ما هي؟ فقال بعضُهم: هى أعمال رفيعةٌ، وفضائل قدَّموها في أيامِ حياتِهم. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي يحيى القتاتِ، عن مجاهد: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. قال: أعمالٌ رفيعةٌ (٣).

стр. 7407

وقال آخرون: بل ذلك مراتب في الجنة. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن [هشامٍ، عن جبلةَ بن عطيةَ] (١)، عن ابن محيريز: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. قال: الدرجات سبعون درجةً، كلُّ درجةٍ حُضْرُ (٢) الفرس الجواد المضمَّرِ سبعين سنةً (٣). وقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: وعفوٌ عن ذنوبِهم، وتغطيةٌ عليها، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. قيل: الجنةُ. وهو عندى ما أعدَّ اللَّهُ في الجنة لهم من مزيد المآكل والمشارب، وهنئِ العيش. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، عن هشام، عن عمرو، عن سعيدٍ، عن قتادة: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾. قال: لذنوبهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. قال: الجنة (٤). القول في تأويل قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾. اختلف أهل التأويل في الجالبِ لهذه الكافِ التي في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ﴾. وما الذى شُبِّه بإخراج اللهِ نبيَّه ﷺ من بيتِه بالحقِّ؛ فقال بعضُهم: شُبِّه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربَّهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم الله ورسولَه. وقالوا: معنى ذلك: يقولُ اللَّهُ: وأَصْلِحوا ذات بينكم، فإن ذلك خيرٌ

стр. 7408

لكم، كما إخراج (١) اللهِ محمدا ﷺ من بيته بالحق (٢) كان خيرا له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهابِ، قال: ثنا داود، عن عكرمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. . . ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الآية: أيْ إن هذا خير لكم، كما كان إخراجُك من بيتِك بالحقِّ] (٣) خيرًا لك (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: كما أخرَجك ربُّك يا محمد من بيتك بالحقِّ على كُرْهٍ من فريقٍ من المؤمنين، كذلك هم يكرهون القتالَ، فهم يُجادِلُونَك فيه بعد ما تبيَّن لهم. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. قال: كذلك يُجادِلونك في الحقِّ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾: كذلك يُجادِلونك في الحقِّ؛ القتال.

стр. 7409

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن أبى جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. قال: كذلك أخرجك ربُّك (١). حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: أَنزَلَ اللَّهُ في خروجِه -يعنى خروجَ النبي ﷺ إلى بدرٍ- ومجادلتهم إيَّاه، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لطَلَبِ المشركين، ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ (٢). و (٣) اختلف أهل العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفيين: ذلك أمرٌ من الله لرسولِه ﷺ أن يمضىَ لأمرِه في الغنائمِ، على كُرْه من أصحابه، كما مضَى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير (٤) وهم كارهون. وقال آخرون منهم: معنى ذلك: يسألونك عن الأنفال مجادلةً كما جادَلوك يوم بدرٍ، فقالوا: أخرجْتنا للعير (٥)، ولم تُعلمنا قتالا فنستعدَّ له. وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: يجوز أن يكونَ هذا الكافُ في ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ﴾ على قوله: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. . . ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ

стр. 7410

بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. وقال (١): الكافُ بمعنى علَى. وقال آخرُ (٢) منهم: هى بمعنى القسَمِ. قال: ومعنى الكلام: والذي أخرجك ربُّك. قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوال عندى بالصوابِ قولُ مَن قال في ذلك بقولِ مجاهدٍ، وقال: معناه: كما أخرجك ربُّك بالحقِّ، على كُرْه من فريق من (٣) المؤمنين، كذلك يُجادِلونك في الحقِّ بعدما تبيَّنَ؛ لأن كلا الأمرين قد كان، أعنى خروج بعض من خرَج من المدينةِ كارهًا، وجدالهم في لقاء العدوِّ عند دنوِّ القومِ بعضهم من بعض، فتشبيه بعض ذلك ببعض مع قرب أحدهما من الآخر، أولَى من تشبيهه بما بعُد عنه. وقال مجاهد في الحق الذى ذُكر (٤) أنهم يجادلون فيه النبي ﷺ بعد ما تبيَّنوه: هو القتال. حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾. قال: القتالُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ الله، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد

стр. 7411

مثله (١). وأما قولُه: ﴿مِن بَيْتِكَ﴾. فإن بعضهم قال: معناه: من المدينةِ. ذكر من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي بزَّةَ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾: المدينة إلى بدرٍ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني محمد بن عبّادِ بن جعفر في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. قال: من المدينة إلى بدرٍ. وأما قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، فإن كراهتهم كانت كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمَةُ، عن ابن إسحاق، قال: ثنى محمد بن مسلم الزهريُّ وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ويزيد بن رومانَ، عن عروة بن الزبير -وغيرهم من علمائنا- عن عبدِ اللهِ بنِ عباس، قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيانَ مقبلًا من الشام، ندَب إليهم المسلمين، وقال: "هذه عيرُ قريش فيها أموالهم، فاخْرُجوا إليها لعلَّ اللَّه أن يُنفِّلَكُموها". فانتدَب الناس، فخفَّ بعضُهم، وثقُل بعضُهم (٢)، وذلك أنهم لم يظُنُّوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا (٣). حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن

стр. 7412

السُّديِّ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لطلب المشركين (١). ثم اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك أهلُ الإيمان من أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه حين توجَّه إلى بدرٍ للقاء المشركين. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما شاوَر النبيُّ ﷺ في لقاء القوم، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدرٍ؛ أمر الناسَ، فتعبَّوْا (٢) للقتال، وأمرهم بالشوكة، وكَرِه ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٣). حدَّثني ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ثم ذكر القوم، يعنى أصحابَ رسول الله ﷺ ، ومسيرهم مع رسولِ اللهِ ﷺ ، حين عرف القومُ أَن قريشًا قد سارت إليهم، وأنهم إنما خرجوا يريدون العِيرَ؛ طمعًا في الغنيمة، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿لَكَارِهُونَ﴾. أي كراهية للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذُكرُوا لهم (٤).

стр. 7413

وقال آخرون: عُنى بذلك المشركون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. قال: هؤلاء المشركون جادَلوك (١) في الحقِّ كأنما يُساقون إلى الموتِ حين يُدعَوْن إلى الإسلامِ، وهم ينظرون. قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفةٌ مبتدأةٌ لأهل الكفر (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يعقوب بن محمدٍ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ بن محمد، عن ابن أخى الزُّهريِّ، عن عمِّه، قال: كان رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ يفسِّرُ: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: خروج رسول الله ﷺ إلى العير (٣). قال أبو جعفرٍ: والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس وابنُ إسحاقَ، من أن ذلك خبرٌ من الله عن فريق من المؤمنين أنهم كرِهُوا لقاء العدوِّ، وكان جدالهم نبيَّ الله ﷺ أن قالوا: لم يُعلِمْنا أنّا نَلْقَى العدوَّ فنستعدَّ لقتالِهم، وإنما خرجنا للعير. ومما يدلُّ على صحّة (٤) قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، ففى ذلك الدليل الواضح لمن فهِم عن الله أن القوم قد كانوا للشَّوْكَةِ كارِهين، وأن جدالهم كان في القتال، كما

стр. 7414

قال مجاهدٌ؛ كراهةً (١) منهم له، وأن لا معنى لما قال ابنُ زيدٍ؛ لأن الذى قَبْلَ (٢) قولِه: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ خبرٌ عن أهل الإيمانِ، والذى يتلوه خبرٌ عنهم، فأن يكونَ خبرا عنهم (٣) أولى منه بأن يكون خبرًا عمن لم يَجْرِ له ذكرٌ. وأما قوله: ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا في تأويله. فقال بعضُهم: معناه: بعد ما تبيَّنَ لهم أنك لا تفعَلُ إلا ما أمرك الله. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ أنك لا تصنَعُ إلا ما أمرك الله به (٤). وقال آخرون: معناه يجادلونَك في القتال بعد ما أُمِرتَ به. ذكرُ من قال ذلك روى الكلبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس (٥). وأما قوله: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. فإن (٦) معناه: كأنّ هؤلاءِ الذين يجادلونَك في لقاء العدوِّ من كراهتهم للقائهم إذا دُعوا إلى لقائهم للقتال - يُساقُونَ إلى الموتِ.

стр. 7415

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. أي كراهةً للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريشٍ حينَ ذُكِرُوا لهم (١). القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. يقول تعالى ذكرُه: واذكرُوا أيها القومُ: ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾. يعنى: إحدى الفرقتين (٢)؛ فرقة أبي سفيانَ بن حرب والعِيرِ، وفرقةِ المشركين الذى نَفَروا من مكة لمنع عيرِهم. وقوله: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾. يقولُ: أنَّ ما معهم غنيمةٌ لكم، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. يقولُ: وتحبُّونَ أن تكون تلك (٣) الطائفةُ التي ليست لها شوكةٌ، يقول: ليس لها حدٌّ، ولا فيها [قتالٌ - أن تكونَ لكم. يقول: تودُّون أن تكونَ لكم العِيرُ التي ليس فيها] (٤) قتالٌ لكم، دون جماعة قريش الذين جاءُوا لمنع عِيرِهم (٥)، الذين في لقائهم القتالُ والحربُ.

стр. 7416

وأصلُ الشوكة من الشَّوْكِ. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليُّ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ عبدِ الصمد، قالا: [ثنا عبد الصمد بنُ عبد الوارث] (١)، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشام بن عروةَ، عن عروة، أن أبا سفيانَ أقبَل ومن معه من رُكبانِ قريشٍ مقبِلين من الشامِ، فسلكوا طريق الساحل، فلمّا سمِع بهم النبيُّ ﷺ ندب أصحابَه، وحدَّثهم بما معهم من الأموال، وبقلة عددهم، فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيانَ والرَّكب معه، لا يُرَونها إلا غنيمةً لهم، لا يظنون أن يكونَ كبير قتال إذا رأَوْهُم، وهى ما أنزَل الله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاقَ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ الزهريِّ وعاصم بن عمر بن قتادة وعبدِ اللهِ بن أبي بكرٍ ويزيد بن رومان عن عروةَ بن الزبير -وغيرهم من علمائنا- عن عبدِ اللهِ بنِ عباس، كلٌّ قد حدَّثني بعضَ هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سُقتُ من حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيانَ مقبِلًا من الشام ندَب (٣) المسلمينَ إليهم، وقال: "هذه عيرُ قريش، فيها أموالهم، فاخْرُجوا إليها، لعلَّ اللهَ أن ينفِّلَكُموها". فانتدَب الناسَ، فخفَّ بعضُهم، وثَقُل بعضٌ، وذلك أنهم لم يظنوا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يلقَى حربًا،

стр. 7417

وكان أبو سفيانَ (١) حين دنَا من الحجازِ يتحسَّسُ (٢) الأخبارَ، ويسألُ مَن لَقِيَ مِن الركبان تخوُّفًا [من الناس] (٣)، [حتى أصاب خبرًا من بعض الرُّكبان] (٤) أن محمدا قد استنفَر أصحابَه لكَ ولعيرِك. فحذِرَ عند ذلك، واستأجر ضَمضم بن عمرو الغفاريَّ، فبعثه إلى مكةَ، وأمره أن يأتى قريشًا يستنفِرُهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضمُ بن عمرو سريعًا إلى مكةَ، وخرج رسولُ اللهِ ﷺ في أصحابِه، حتى بلغ واديًا يقال له: ذَفِرَانُ. فخرج منه، حتى إذا كان ببعضِه، نزل، وأتاه الخبرُ عن قريش بمسيرهم، ليمنعُوا عِيرَهم، فاستشار النبي ﷺ الناسَ، وأخبرهم عن قريشٍ، فقام أبو بكر، ﵁، فقال فأحسَن، ثم قام عمر، ﵁، فقال فأحسَن، ثم قام المقداد بن عمرٍو، فقال: يا رسولَ اللهِ، امضِ إلى حيثُ أمرك الله فنحنُ معكَ، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتِلا إنا معَكُما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحقِّ لئن سِرْتَ بنا إلى بَرْكِ الغماد (٥) -يعنى مدينة الحبشةِ- لجالَدْنا معكَ مَنْ دونَه، حتى تبلغه. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ خيرا، [ثم دعا له بخير] (٦)، ثم قال رسول الله ﷺ : "أَشْيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ" (١).

стр. 7418

وإنما يريد الأنصارَ، وذلك أنهم كانوا عدَدَ الناس، وذلك أنهم حين بايعوه على العقبة قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنا برآءُ من ذمامك (١) حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصَلْتَ إلينا، فأنتَ في ذمَّتنا، نمنعك مما نمنَعُ منه أبناءنا ونساءَنا. فكأنّ رسولَ الله ﷺ خاف (٢) ألَّا تكونَ الأنصارُ ترى عليها نُصرتَه إِلَّا ممن دَهَمَهُ بالمدينة من عدوِّه، وأن ليس عليهم أن يسيرَ بهم إلى عدوٍّ من بلادِهم، قال: فلما قال ذلك رسولُ الله ﷺ ، قال له سعدُ بنُ معاذٍ: لكأنك تريدنا يا رسولَ اللهِ؟ قال: "أَجَلْ": قال: فقد آمنا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحقُّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردتَ، فوالذي بعثك بالحقِّ إن استعرضت بنا هذا البحر فخُضْتَه لخضْناه معك ما تخلَّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكْرَهُ أن [تَلقى بنا] (٣) عدوَّنا غدًا، إنا لصُبُرٌ (٤) عندَ الحربِ، صُدُقٌ عندَ اللّقاءِ، لعلَّ اللَّهَ أَن يُريَك منا ما تَقَرُّ به عينُك، فسرْ بنا على بركة الله. فسُرَّ (٥) رسول الله ﷺ بقول سعدٍ، ونشَّطه ذلك، ثم قال: "سِيرُوا على بَرَكَةِ اللهِ وأَبْشِرُوا؛ فإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لكأنى أنْظُرُ الآنَ إِلَى مَصَارِعِ القَوْمِ غَدًا" (٦). حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا: ثنا أسباط عن السُّديِّ أن أبا سفيان أقبل في عِيرٍ من الشام فيها تجارةُ قريشٍ، وهى اللَّطيمة (٧)، فبلغ رسول الله ﷺ أنها قد أقبلت فاستنْفَر الناسَ، فخرجوا معه ثلاثمائة وبضعة عشَرَ

стр. 7419

رجلًا، فبَعَث عينًا له من جُهينةَ، حليفا للأنصارِ يُدعى ابنَ الأُرَيْقِطِ، فأتاهُ بخبرِ القومِ، وبلغ أبا سفيان خروج محمد ﷺ ، فبعث إلى أهل مكةَ يستعينُهم، فبعث رجلا من بني غفارٍ يُدعى [ضمضَمَ بن عمرو] (١)، فخرج النبي ﷺ ، ولا يشعُرُ بخروجِ قريش، فأخبره الله بخروجِهم، فتخوّف من الأنصار أن يخذلوه ويقولوا: إنَّا عاهَدْنا أن نمنعَك إن أرادَك أحدٌ ببلَدنا. فأقبل على أصحابه فاستشارهم في طلب العِيرِ، فقال له أبو بكر ﵁: إني قد سلَكتُ هذا الطريق، فأنا أعلم به، وقد فارَقهم الرجلُ بمكان كذا وكذا. فسكت النبي ﷺ ، ثم عاد فشاورهم، فجعلوا يُشيرون عليه بالعِير؛ فلما أكثرَ المشورةَ، تكلَّم سعد بن معاذ فقال: يا رسولَ اللهِ، أَراك تُشاورُ أصحابَك فيُشيرون عليك، وتعودُ فتشاورهم، فكأنك لا ترضى ما يشيرون عليك، وكأنك تتخوَّفُ أن تتخلَّفَ عنك الأنصارُ، أَنتَ رسولُ اللهِ، وعليك أُنزل الكتابُ، وقد أمرَك اللَّهُ بالقتال ووعدك النصرَ، والله لا يخلِفُ الميعادَ، امْضِ لما أُمِرْتَ به، فوالذي بعثك بالحقِّ، لا يتخلَّفُ عنك رجل من الأنصارِ. ثم قام المقدادُ بنُ الأسودِ الكِنْدِيُّ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ [المائدة: ٢٤]. ولكنّا نقولُ: أقدِمْ فقاتلْ إنا معك مقاتلون، ففرح رسول الله ﷺ بذلك وقال: "إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي القَوْمَ وَقَدْ خرجوا فَسِيرُوا إليهم". فساروا (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال: الطائفتان إحداهما أبو سفيانَ بن حربٍ إذْ أقبَل بالعِيرِ من الشام،

стр. 7420

والطائفة الأخرى أبو جهل معه نفرٌ من قريش، فكره المسلمون الشوكة والقتال، وأحبُّوا أن يَلقَوُا العيرَ، وأراد الله ما أراد (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس، قولَه: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾. قال: أقبلت عِيرُ أهل مكةَ، يريدُ: من (٢) الشامِ فبلَغ أهل المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسولُ اللهِ ﷺ يريدون العيرَ، فبلَغ ذلك أهلَ مكَّةَ، فسارعوا السيرَ إليها؛ لا يغلب عليها النبيُّ ﷺ وأصحابه، فسبقت العير رسول الله ﷺ ، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين، فكانوا أنْ يلقَوُا العِير أحبُّ إليهم، وأيسرُ شوكةً، وأحضر مغنما؛ فلما سبقتِ العيرُ، وفاتَتْ رسول الله ﷺ ، سار رسول الله ﷺ بالمسلمين، يريد القوم، فكرهَ القومُ مسيرهم لشوكة في القوم (٣). حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال: أرادوا العيرَ. قال: ودخل رسولُ اللهِ ﷺ المدينة في شهر ربيع الأوَّلِ، فأغار كُرْزُ بن جابر الفهريُّ (٤) يريدُ سرْحَ (٥) المدينة

стр. 7421

حتى بلغ الصفراء (١)، فبلغ النبيَّ ﷺ فركب في أثَرِه، فسبقه كُرْزُ بنُ جَابِرٍ، فرجع النبيُّ ﷺ ، فأقام سنتَه، ثم إن أبا سفيانَ أقبَل من الشام في عِيرٍ لقريشٍ، حتى إذا كان قريبا من بدر، نزل جبريل على النبي ﷺ ، فأوحى إليه: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، فَنَفَر النبيُّ ﷺ بجميعِ المسلمين، وهم يومئذ ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر رجلًا، منهم سبعون ومائتان من الأنصارِ، وسائرُهم من المهاجرين، وبلغ أبا سفيان الخبر وهو بالبطمِ (٢)، فبعث إلى جميع قريشٍ وهم بمكةَ، فنفرت قريشٌ وغضبت. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال: كان جبريل ﵇ قد نزل، فأخبره بمسيرِ قريشٍ، وهى تريدُ عِيرَها، ووعده: إمَّا العير، وإما قريشًا، وذلك كان ببدر، وأخذوا السُّقاةَ وسألوها، فأخبروهم، فذلك قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. هم أهل مكة. حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية: خرج النبيُّ ﷺ إلى بدرٍ وهم يريدون يعترضون [عِيرًا لقريش] (٣)، قال: وخرج الشيطان في صورة سُراقةَ بن جُعشُمٍ، حتى أتَى أهل مكةَ، فاستغواهم وقال: إن محمدًا

стр. 7422

وأصحابَه قد عرضوا (١) لعِيرِكم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناسِ، مَن مثلُكم؟! وإنى جارٌ لكم أن تكونوا على ما يكره الله. فخرجوا ونادوا أن لا يتخلَّفَ منا أحد إلا هدَمنا داره واستبحْناه. وأخذ رسول الله ﷺ وأصحابه بالرَّوحاء (٢) عينًا للقوم، فأخبره بهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله قد وَعَدكُمُ العِير أو القومَ". فكانت العيرُ أحبَّ إلى القوم [من القوم] (٣)؛ كان القتالُ في الشوكةِ، والعيرُ ليس فيها قتال، وذلك قول الله : ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال: الشوكةُ: القتالُ، وغيرُ الشوكة: العِيرُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يعقوب بن محمد الزهرى، قال: ثنا عبد الله بن وهبٍ، عن ابن لَهِيعَةَ، عن ابن أبي حبيب، عن أبي عمران، عن أبي أيوبَ، قال: أنزل الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾. فلمّا وعدنا إحدى الطائفتين أنها لنا طابتْ أنفُسُنا، والطائفتان: عِيرُ أبي سفيان، أو قريش (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لَهِيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن أسلم أبى عمران الأنصاريِّ، أحسبه قال: قال أبو أيوبَ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ

стр. 7423

الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قالوا: الشوكةُ: القوم، وغيرُ الشوكة: العِيرُ، فلمَّا وعدنا الله إحدى الطائفتين؛ إما العِيرَ، وإما القومَ، طابَت أنفسنا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى يعقوب بن محمدٍ، قال: ثنى غيرُ واحدٍ في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾: أن الشوكةَ قريش. حُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لكُمْ﴾: هي عِيرُ أبي سفيان، ودّ أصحاب رسول الله ﷺ أن العِيرَ كانت لهم، وأن القتالَ صُرف عنهم (١). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. أي: الغنيمةَ دونَ الحربِ (٢). وأما قوله: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ففُتحت على تكرير "يَعِدُ"، وذلك أن قولَه: ﴿يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ قد عمل في ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾. فتأويل الكلام ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾: يعدكم أن إحدى الطائفتين لكم، كما قال: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨]. قال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. فأنَّثَ "ذات" لأنَّه مرادٌ بها الطائفة.

стр. 7424

ومعنى الكلام: وتودُّون أن الطائفة التى هى غيرُ ذاتِ الشوكة تكون لكم، دون الطائفةِ ذاتِ الشوكة. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ويريدُ الله أن يُحقَّ الإسلام ويُعليَه (١): ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾. يقولُ: بأمره إيَّاكم أيها المؤمنون بقتال الكفار، وأنتم تريدون الغنيمة والمال. وقوله: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: ويريد أن يَجُبَّ (٢) أصلَ الجاحدين توحيدَ الله. وقد بيَّنا فيما مضَى معنى "دابر"، وأنَّه المتأخرُ، وأن معنى قطعه: الإتيان على الجميع منهم (٣). وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: أن يقتل هؤلاء الذين أراد أن يقطعَ دَابِرَهم، هذا خيرٌ لكم من العِيرِ. حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاق ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ

стр. 7425

بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾. أي: الوقعة التي أوقعَ بصناديد قريش وقادتهم (١) يوم بدرٍ (٢). القول في تأويل قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ويريد الله أن يقطَعَ دابر الكافرين كيما يُحقُّ الحق، كيما يُعبد الله وحده دونَ الآلهة والأصنام، ويُعَزَّ الإسلام، وذلك هو تحقيق الحقِّ: ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾. يقولُ: ويبطل عبادة الآلهة والأوثان والكفر (٣)، ولو كره ذلك الذين أجرَموا، فاكتسبوا المآثم والأوزار من الكفار. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: هم المشركون. وقيل: إن الحقَّ في هذا الموضعِ اللهُ . القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾. يقول تعالى ذكره: ويُبطل الباطل حين تستغيثونَ ربَّكم، فـ ﴿إذْ﴾ مِن صلة (٤) ﴿يُبْطِلَ﴾. ومعنى قوله: ﴿تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾: تستجِيرون به من عدوِّكُم، وتدعُونَه للنصرِ عليهم، ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. يقولُ: فأجاب دعاءَكُم بأَنِّي مُمِدُّكم بألفٍ
следующие страницы →