← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

عبدُ اللهِ: ما منكم من أحدٍ إِلَّا وهو مشتملٌ على فتنةٍ؛ إن اللهَ يقولُ: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. فليستعِذْ باللهِ من مُضِلَّات الفتنِ (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ، قال: قال الزبيرُ: لقد خُوِّفْنا بها. يعنى قولَه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٢). واختَلف أهلُ العربيةِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: تأويلُه (٣): اتَّقُوا فتنةً لا تُصيبَنَّ الذين ظلَموا. [وأما] (٤) قولُه: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾. ليس بجوابٍ، ولكنه نهيٌ بعدَ أمرٍ (٥)، ولو كان جوابًا ما دخَلت النونُ. وقال بعضُ نحويى الكوفةِ (٦): قولُه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. أمرهم ثم نهاهم، وفيه (٧) طَرَفٌ من الجزاءِ وإن كان نهيًا. قال: ومثلُه قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: ١٨]. أمَرهم ثم نهاهم، وفيه تأويلُ الجزاءِ. وكأن معنى الكلامِ عنده: اتقوا فتنةً إن لم تتقوها أصابتْكم. وأما قولُه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فإنه تحذيرٌ من اللهِ ووعيدٌ لمن واقَع الفتنةَ التى حذَّره إيَّاها بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾. يقولُ: اعلَموا أَيُّها

стр. 7492

المؤمنون أن ربَّكم شديدٌ عقابُه لمن افْتَتن بظلمِ نفسِه وخالَف أمرَه فأثِم به. القول في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾. وهذا تذكيرٌ من اللهِ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ ومناصحةٌ (١). يقولُ أطيعوا اللهَ ورسولَه أيُّها المؤمنون، واستجِيبوا له إذا دعاكم لما يُحييكم، ولا تخالِفوا أمرَه وإن أمرَكم بما فيه عليكم المشقّةُ والشدّةُ، فإن اللهَ مُهوِّنُه (٢) عليكم بطاعتِكم إيَّاه، ومُعجِّلٌ (٣) لكم منه ما تُحِبُّون، كما فعَل بكم إذ آمنتُم به واتَّبَعْتُموه وأنتم قليلٌ يَسْتَضْعفُكم الكفارُ فيفتِنُونكم (٤) عن دينِكم، وينالُونكم (٥) بالمكروهِ في أنفسِكم وأعراضِكم، تخافون منهم أن يتخطَّفوكم فيقتُلوكم، ويَصْطَلِموا جميعَكم، ﴿فَآوَاكُمْ﴾. يقولُ: فجعَل لكم مَأْوًى تأوون إليه منهم، ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾. يقولُ: وقوَّاكم بنصرِه عليهم حتى قتَلتم منهم من قتَلتم يبدرٍ، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. يقولُ: وأَطْعَمكم غنيمتَهم حلالًا طيِّبًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: لكى تشكُروا (٦) على ما رزَقكم (٧) وأَنْعَم به عليكم من ذلك وغيرِه من نعمِه عندَكم. واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى ﴿النَّاسُ﴾ الذين عُنوا بقولِه: ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ

стр. 7493

النَّاسُ﴾؛ فقال بعضُهم: كفارُ قريشٍ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾. قال: يعنى بمكةَ، مع النبيِّ ﷺ ومن تبِعه من قريشٍ وحلفائِها ومواليها قبلَ الهجرةِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكَلْبيِّ، أو قتادةَ، أو كلاهما (١): ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾: إنها نزَلت في يومِ بدرٍ، كانوا يومَئذٍ يخافون أن يتخطَّفَهم الناسُ، فآواهم اللهُ وأيَّدهم بنصرِه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه. وقال آخرون: بل عُنِى به غيرُ (٣) قريشٍ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرني أبي، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ في قولِه : ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ

стр. 7494

النَّاسُ﴾. قال: فارسُ (١). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ - وقرَأ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾: والناسُ إذ ذاك فارسُ والرومُ (٢). قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: كان هذا الحىُّ من العربِ أذلَّ الناسِ ذُلًّا، وأشقاه عيشًا، وأجوعَه بطونًا (٣)، وأعراه جلودًا، وأبينَه ضلالًا (٤)، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومَن مات منهم رُدِّى فى النارِ، يُؤْكَلون ولا يأكُلون، واللهِ ما نعلَمُ قبيلًا من حاضرِ (٥) أهلِ الأرضِ يومَئذٍ كانوا أشرَّ منهم منزلًا، حتى جاء اللهُ بالإسلامِ، فمكّن به في البلادِ، ووسَّع به فى الرزقِ، وجعَلكم به ملوكًا على رقابِ الناسِ، فبالإسلامِ أَعْطَى اللهُ ما رأيتم، فاشكُروا [لله نعمتَه] (٦)، فإن ربَّكم مُنْعِمٌ يحِبُّ الشكرَ، وأهلُ الشكرِ في مزيدٍ من اللهِ ﵎. وأولى القولين فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك مشركو قريشٍ؛ لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسِهم قبلَ الهجرةِ من غيرهم؛ لأنهم كانوا أدنى الكفارِ منهم إليهم، وأشدَّهم عليهم يومَئذٍ، مع كثرةِ عددِهم، وقلِة عددِ

стр. 7495

المسلمين. وأما قولُه: ﴿فَآوَاكُمْ﴾. فإنه يعنى: آواكم المدينةَ. وكذلك قولُه: ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾: بالأنصارِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَآوَاكُمْ﴾. قال: إلى الأنصارِ بالمدينةِ، ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾: وهؤلاءِ أصحابُ محمدٍ ﷺ ، أيَّدهم بنصرِه يومَ بدرٍ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: يعنى المدينةَ (٢). القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين باللهِ ورسولِه من أصحابِ نبيِّه ﷺ : يا أيها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ﴾. وخيانتُهم اللهَ ورسولَه كانت بإِظهارِ مَن أَظْهَر منهم لرسولِ اللهِ- ﷺ والمؤمنينَ الإيمانَ فى الظاهرِ والنصيحةَ، وهو يستسِرُّ الكفرَ والغِشَّ لهم فى الباطنِ، يَدُلُّون المشركين على عَوْرتِهم، ويخبِرونهم بما خفِي عنهم من خبرِهم

стр. 7496

وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى من نزَلت هذه الآيةُ وفى السببِ الذي نزَلت فيه؛ فقال بعضُهم: نزَلت في منافقٍ كتَب إلى أبي سفيانَ يُطْلِعُه على سرِّ المسلمين. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ بنُ بشرِ بنِ معروفٍ، قال: ثنا شَبَابةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا محمدٌ (١) المُحْرِمُ، قال: لقيتُ عطاءَ بنَ أبي رَباحٍ فحدَّثني، قال: ثني جابرُ بنُ عبدِ اللهِ أن أبا سفيانَ خرَج من مكةَ، فأتى جبريلُ النبيَّ ﷺ ، فقال: إن أبا سفيانَ في مكانِ كذا وكذا. فقال النبىُّ ﷺ لأصحابِه: "إن أبا سفيانَ في مكان كذا وكذا، فاخرُجوا إليه واكتُموا". قال: فكتَب رجلٌ من المنافقين [إلى أبي سفيانَ أن محمداً] (٢) يريدُكم فخُذوا حِذْرَكم. فأنْزَل اللهُ : ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (٣). وقال آخرون: بل نزَلت في أبي لُبابةَ، للذى (٤) كان من أمرِه وأمرِ بنى قُريظةَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الزُّهْرىِّ قولَه: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾. قال: نزَلت في أبي لُبابةَ، بعَثه رسولُ اللهِ ﷺ فأشار إلى حلقِه أنه الذبحُ. قال الزُّهْرىُّ: فقال أبو لُبابةَ: لا واللهِ، لا أذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى أموتَ أو يتوبَ اللهُ علىَّ. قال: فمكَث سبعةَ أيامٍ لا

стр. 7497

يذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى خرَّ مغشيًّا عليه، ثم تاب اللهُ عليه، فقيل له: يا أبا لُبابةَ قد تيب عليك. قال: واللهِ لا أحُلُّ نفسى حتى يكونَ رسولُ اللهِ ﷺ هو الذي يحُلُّني. فجاءه فحلَّه بيدِه، ثم قال أبو لُبابةَ: إن من توبتي أن أهجُرَ دارَ قومى التي أصبتُ فيها (١) الذنبَ، وأن أنخلِعَ من مالي، قال: "يُجزئك الثلثُ أن تصدَّقَ به (٢) ". حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيينةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، قال: سمِعت عبدَ اللهِ بنَ أبي قتادةَ يقولُ: نزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في أبي لُبابةَ (٣). وقال آخرون: بل نزَلت فى شأنِ عثمانَ ﵁. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يونسُ بنُ الحارثِ الطائفيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبَيْدِ (٤) اللهِ بن عونٍ الثقفىُّ، عن المغيرةِ بن شعبةَ، قال: نزَلت هذه الآيةُ فى قتلِ عثمانَ ﵁: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. الآية (٥). وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ نهى المؤمنين عن خيانتِه

стр. 7498

وخيانةِ رسولهِ وخيانةِ أمانتِه، وجائزٌ أن تكونَ نزَلت في أبي لُبابةَ، وجائزٌ أن تكونَ نزَلت في غيرِه، ولا خبرَ عندَنا بأىِّ ذلك كان يجبُ التسليمُ له بصحتِه، فمعنى الآيةِ وتأويلُها ما قدَّمنا ذكرَه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. قال: نهاهم (١) أن يخونوا اللهَ والرسولَ كما صنَع المنافقون (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. قال: كانوا يسمَعون من النبىِّ الله ﷺ الحديثَ فيُفْشُونه حتى يبلُغَ المشركين. واخْتَلفوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: لا تخونوا اللهَ والرسولَ، فإن ذلك خيانةٌ لأماناتِكم (٣) وهلاكٌ لها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: فإنهم إذا خانوا اللهَ والرسولَ فقد خانوا أماناتِهم.

стр. 7499

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تُظهِروا للهِ من الحقِّ ما يَرْضَى به منكم، ثم تخالِفوه فى السرِّ إلى غيرِه، فإن ذلك هلاكٌ لأماناتِكم، وخيانةٌ لأَنفُسِكم (١). فعلى هذا التأويلِ، قولُه: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾. في موضعِ نصبٍ على الصرفِ (٢)، كما قال الشاعرُ (٣): لا تَنَه عن خُلُقٍ وتأتىَ مثلَهُ … عارٌ عليكَ إِذَا فعَلتَ عظيمُ ويُرْوى: وتأتِى مثلَه. وقال آخرون: معناه: لا تخونوا اللهَ والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكم وأنتم تعلَمون. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾. يقولُ: لا تخونوا. يعنى: لا تَنْقُصوها. فعلى هذا، التأويلُ (٤): لا تخونوا اللهَ والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكم.

стр. 7500

واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى معنى الأمانةِ التي ذكَرها اللهُ فى قولِه: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: هى ما يخفى عن أعينِ الناسِ من فرائضِ اللهِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: والأمانةُ: الأعمالُ التي أمِن اللهُ عليها العبادَ، يعنى الفريضةَ. يقولُ: ولا تخونوا. يعنى: لا تَنْقُصوها. حدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: بتركِ فرائضِه، ﴿وَالرَّسُولَ﴾. يقولُ: بتركِ سنتِه (١) وارتكابِ معصيتِه. قال: وقال مرَّةً أخرى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: والأمانةُ: الأعمالُ. ثم ذكَر (٢) نحوَ حديث المثنى (٣). وقال آخرون: معنى الأماناتِ هاهنا الدِّينُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: دينَكم ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: قد فعَل ذلك المنافقون، وهم يعلَمون أنهم كفارٌ، يُظْهِرون الإيمانَ. وقرَأ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا

стр. 7501

كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]. الآية. قال: هؤلاء المنافقون، اتَّمنَهم (١) اللهُ ورسولُه على دينِه فخانوا، أَظْهروا الإيمانَ وأسرُّوا الكفرَ (٢). فتأويلُ الكلامِ إذن: يا أيُّها الذين آمَنوا لا تَنْقُصوا اللهَ حقوقَه عليكم من فرائضِه، ولا رسولَه من واجبِ طاعتِه عليكم، ولكن أطِيعوهما فيما أمراكم به ونهياكم عنه، لا تَنْقُصوهما، ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: وتَنْقُصوا أديانَكم وواجبَ أعمالِكم ولازمَها لكم، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنها لازمةٌ عليكم (٣)، واجبةٌ بالحججِ التي قد ثبَتَتْ للهِ عليكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: واعْلَموا أيُّها المؤمنون أنما أموالُكم (٤) التي خوَّلكموها اللهُ، وأولادُكم التى وهَبها اللهُ لكم، اختبارٌ وبلاءٌ أعطاكموها؛ ليختبِرَكم بها ويبتليَكم لينظُرَ كيف أنتم عاملون من أداءِ حقِّ اللهِ عليكم فيها، والانتهاءِ إلى أمرِه ونهيهِ فيها، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: واعْلَموا أن اللهَ عندَه خيرٌ وثوابٌ عظيمٌ، على طاعتِكم إيَّاه فيما أمرَكم ونهاكم في أموالِكم وأولادِكم، التي اختبركم بها في الدنيا، وأطيعوا اللهَ فيما، كلَّفكم فيها تنالوا به الجزيلَ من ثوابِه فى مَعادِكم. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا المسعودىُّ، عن القاسمِ، عن

стр. 7502

عبدِ الرحمنِ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. قال: ما منكم من (١) أحدٍ إلَّا [وهو مشتمِلٌ] (٢) على فتنةٍ، فمن استعاذ منكم، فليستعِذْ باللهِ من مُضلَّاتِ الفتنِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. قال: ﴿فِتْنَةٌ﴾: الاختبارُ؛ اختبارُهم. وقرَأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٤) [الأنبياء: ٣٥]. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، إن تَتَّقوا اللهَ بطاعتِه وأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، وتركِ خيانتِه وخيانةِ رسولِه وخيانةِ أماناتِكم، ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. يقولُ: يجعَلْ لكم فَصْلًا وفَرْقًا بين حقِّكم وباطلِ من يَبْغِيكم السوءَ من أعدائِكم المشركين، بنُصرتِه (٥) إيَّاكم عليهم، وإعطائِكم الظُّفَرَ بهم، ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. يقولُ: ويمحو عنكم ما سلَف من ذنوبِكم بينكم وبينه، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. يقولُ: ويغطِّيها فيسترُها عليكم، فلا يؤاخذُكم بها، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: واللهُ الذى يفعلُ ذلك بكم، له الفضلُ العظيمُ عليكم وعلى غيرِكم من خلقِه بفعلِه

стр. 7503

ذلك وفعلِ أمثالِه، وإنَّ فعلَه جزاءٌ منه لعبدِه (١) على طاعتِه إيَّاه؛ لأنه الموفِّقُ عبدَه لطاعتِه التي اكتسَبها، حتى استحقَّ من ربِّه الجزاءَ الذي وعَده عليها. وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى العبارةِ عن تأويلِ قولهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾؛ فقال بعضُهم: مخرجًا. وقال بعضُهم: نجاةً. وقال بعضُهم: فَصْلًا (٢). وكلُّ ذلك متقاربُ المعنى وإن اخْتَلفت العباراتُ عنها، وقد بيَّنت صحةَ ذلك فيما مضَى قبلُ بما أَغْنى عن إعادتِه (٣). ذكرُ من قال: معناه المخرجُ حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: مخرجًا (٤). قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: مخرجًا (٥). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا.

стр. 7504

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فُرْقَانًا﴾. قال: مخرجًا في الدنيا والآخرةِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا هانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجَّاجٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ: ﴿فُرْقَانًا﴾. قال: الفرقانُ المخرجُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فُرْقَانًا﴾. يقولُ: مخرجًا (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ البصرىُّ، قال: ثنا زائدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاك: ﴿فُرْقَانًا﴾. قال: مخرجًا (٤). حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ قال: سمِعت عُبيدًا يقولُ: سمِعتُ الضحَّاك يقولُ: ﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا.

стр. 7505

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حُميدٌ، عن زُهيرٍ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، قال: الفرقانُ المخرجُ (١). ذكرُ من قال: معناه النجاةُ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: نجاةً (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ فى قولِه: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال عكرمةُ: المخرجُ. وقال مجاهدٌ: النجاةُ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: نجاةً (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. يقولُ: يجعَلْ لكم نجاةً (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي: نجاةً.

стр. 7506

ذكرُ من قال: فصلًا . . . . . . . . . . . . . . (١) ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: فرقانًا يَفْرُقُ في قلوبِهم بين الحقِّ والباطلِ حتى يعرِفوه ويهتدُوا بذلك الفرقانِ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، أي: فصلًا بين الحقِّ والباطلِ، يُظهِرُ به حقَّكم، ويُطْفِئُ (٢) به باطلَ مَن خالفكم (٣). والفرقانُ فى كلامِ العربِ مصدرٌ من قولِهم: فرَقتُ بينَ الشيءِ والشيءِ، أفرُق بينهما فَرْقًا [وفُروقًا] (٤) وفُرْقانًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ مذكِّرَه نعمه عليه: واذْكُرْ يا محمدُ إذ يمكُرُ بك الذين كفَروا من مشركي قومِك كي يُثْبِتُوك. واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ فقال بعضُهم: معناه: ليُقَيِّدوك.

стр. 7507

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾. يعني: ليُوثِقوك (١). قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليُوثِقوك. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ الآية. يقولُ: ليشدُّوك وَثاقًا، وأرادوا بذلك نبيَّ اللهِ ﷺ وهو يومَئذٍ بمكةَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ومِقْسمٍ، قالا: قالوا: أَوْثِقوه بالوَثاقِ. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾. قال: الإثباتُ هو الحبسُ والوَثاقُ (٢). وقال آخرون: بل معناه: الحبسُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال:

стр. 7508

سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾. قال: يَسْجُنوك. وقالها عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ (٢): قالوا: اسْجُنوه. وقال آخرون: بل معناه: ليسحَروك (٣). حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ البصرىُّ المعروفُ بالوَساوِسىِّ، قال: ثنا عبدُ المجيدِ بنُ أبى روَّادٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عبيدِ بنِ عُميرٍ، عن (٤) المُطَّلِبِ بنِ أبى وَداعةَ، أن أبا طالبٍ قال لرسولِ اللهِ ﷺ : ما يأتمرُ به قومُك؟ قال: "يريدون أن يسحَرونى ويقتُلوني ويُخرجونى". فقال: من أَخْبَرك هذا (٥)؟ قال: "ربي". قال: نِعْم الربُّ ربُّك، فاستوصِ به خيرًا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أنا أَسْتَوْصِى به؟ بل هو يَسْتَوْصِي بي خيرًا". فنزَلت: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال عطاءٌ: سمِعت عبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: لما ائْتَمَروا بالنبيِّ ﷺ ليقتُلوه أو يُثْبِتوه أو (٧) يُخْرِجوه، قال له أبو طالبٍ: هل تَدْرِى ما ائتمَروا بك؟ قال: "نعم". قال: فأَخْبَره. قال: من أَخْبَرك؟ قال: "ربِّى". قال: نعْمَ الربُّ ربُّك، استوصِ به خيرًا. قال: "أنا

стр. 7509

أَسْتَوْصِى به أو هو يَسْتَوْصِي بي؟ " (١). وكان معنى مَكْرِ قومِ رسولِ اللهِ ﷺ به ليُثْبِتوه كما حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُموىُّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: وحدَّثنى الكَلْبِيُّ، عن باذانَ (٢) مَوْلى أمِّ هانئٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن نفرًا من قريشٍ من أشرافِ كلِّ قبيلةٍ، اجْتمعوا ليدخُلوا دارَ الندوةِ، فاعترَضهم إبليسُ في صورةِ شيخٍ جليلٍ، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخٌ من نَجْدٍ، سمِعْتُ أنكم اجْتَمعتم، فأردتُ أن أحضُرَكم ولن يعدَمَكم منى رأىٌ ونصحٌ. قالوا: أجلْ، ادخُلْ. فدخَل معهم، فقال: انظُروا (٣) شأنَ هذا الرجلِ، واللهِ ليُوشِكنَّ أن يواثبَكم (٤) في أمورِكم بأمرِه. قال: فقال قائلٌ: احْبِسوه في وَثاقٍ، ثم تربَّصوا به ريبَ (٥) المنونِ حتى يَهْلِكَ كما هلَك من كان قبلَه من الشعراءِ؛ زهيرٌ والنابغةُ، إنما هو كأحدِهم. قال: فصرَخ عدوُّ اللهِ الشيخُ النَّجْدىُّ، فقال: واللهِ ما هذا لكم برأيٍ، واللهِ [ليُخْرِجَنَّه ربُّه] (٦) من مَحْبِسِه إلى أصحابِه، فليُوشِكُنَّ أن يَثِبوا عليه حتى يأَخُذوه من أيديكم فيمنَعوه منكم، فما آمنُ عليكم أن يُخرجوكم من بلادِكم. قالوا: فانظُروا في غيرِ هذا. قال: فقال قائلٌ: أَخْرِجوه من بينِ أظهرِكم تستريحوا منه، فإنه إذا خرَج لن يضرَّكم ما صنَع وأين وقَع، إذا غاب عنكم أذاه

стр. 7510

واسترحتم، وكان أمرُه فى غيرِكم. فقال الشيخُ النَّجْدىُّ: واللهِ ما هذا لكم برأىٍ، ألم تروا حلاوةَ قولِه، وطلاقةَ لسانهِ، وأخْذَ القلوبِ ما تسمَعُ من حديثِه، واللهِ لئن فعَلتم ثم استعرض العربَ، لتجتمعَنَّ عليكم، ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرِجَكم من بلادِكم ويقتُلَ أشرافَكم. قالوا: صدَق واللهِ، فانظُروا رأيًا غيرَ هذا. قال: فقال أبو جهلٍ: واللهِ لأُشيرنَّ عليكم برأىٍ ما أراكم أبصرتُموه بعدُ، ما أرى غيرَه. قالوا: وما هو؟ قال: نأخُذُ من كلِّ قبيلةٍ غلامًا وسيطًا (١) شابًا نهْدًا (٢)، ثم يُعْطَى كلُّ غلامٍ منهم سيفًا صارمًا، ثم يضرِبونه (٣) ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فإذا قتَلوه تفرَّق دمُه في القبائلِ كلِّها، فلا أظنُّ هذا الحىَّ من بنى هاشمٍ يقدِرون على حربِ قريشٍ كلِّها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبِلوا العَقْلَ (٤) واسترَحنا، وقطَعنا عنَّا أذاه. فقال الشيخُ النَّجْدىُّ: هذا واللهِ الرأىُ، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيرَه. قال: فتفرَّقوا على ذلك وهم مُجْمِعون له. قال: فأتى جبريلُ النبىَّ ﷺ فأمَره ألا يبيتَ في مضجعِه الذي كان يبيتُ فيه تلك الليلةَ، وأذِن اللهُ له عندَ ذلك بالخروجِ، وأَنْزَل عليه بعد قدومِه المدينةَ "الأنفالَ" يُذَكِّرُه نعمَه عليه، وبلاءَه عندَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وأَنْزَل في قولِهم: تَرَبَّصوا به رَيْبَ المنونِ حتى يَهْلِكَ كما هلَك من كان قبلَه من الشعراءِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]. وكان يُسمَّى ذلك اليومُ يومَ الزحمةِ. للذى اجتمعوا عليه من الرأيِ (٥).

стр. 7511

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ومِقْسمٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾. قالا: تشاوروا فيه ليلةً وهم بمكةَ، فقال بعضُهم: إذا أصبح فأوثِقوه بالوَثاقِ. وقال بعضُهم: بل اقتُلوه. وقال بعضُهم: بل أَخْرِجوه. فلما أصبحوا رأوا عليًّا ﵁، فردَّ اللهُ مكرَهم (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرني أبي، عن عكرمةَ، قال: لما خرَج النبىُّ ﷺ وأبو بكرٍ إلى الغارِ، أمَر علىَّ بنَ أبي طالبٍ فنام فى مضجَعِه، فبات المشركون يحرُسونه، فإذا رأوه نائمًا حسِبوا أنه النبىُّ ﷺ فترَكوه، فلما أصبَحوا ثاروا إليه وهم يحسَبون أنه النبىُّ ﷺ ، فإذا هم بعلىٍّ، فقالوا: أين صاحبُك؟ قال: لا أَدْرى. قال: فركِبوا الصَّعْبَ والذَّلولَ في طلبِه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، قال: أخبَرنى عثمانُ الجَزَرىُّ (٣)، أن مِقْسمًا مولى ابنِ عباسٍ أَخْبَره، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾. قال: تشاورت قريشٌ ليلةً بمكةَ، فقال بعضُهم: إذا أصبح فأثبِتوه بالوَثاقِ. يريدون النبيَّ ﷺ . وقال بعضُهم: بل اقتُلوه. وقال بعضُهم: بل أَخْرِجوه. فَأَطْلَع اللهُ نبيَّه على ذلك، فبات علىٌّ ﵁

стр. 7512

على فراشِ النبىِّ ﷺ تلك الليلةَ، وخرَج النبىُّ ﷺ حتى لحِق بالغارِ، وبات المشركون يحرُسون عليًّا، يحسَبون أنه النبىَّ ﷺ ، فلما أصبَحوا ثاروا إليه، فلما رأوه عليًّا ﵁، ردَّ اللهُ مكرَهم، فقالوا: أين صاحبُك؟ قال: لا أَدْرِى. فاقتصُّوا أَثَرَه، فلما بلَغوا الجبلَ ومرُّوا بالغارِ، فرأوا على بابِه نَسْجَ العنكبوتِ، قالوا: لو دخَل هاهنا لم يكنْ نسجٌ على بابِه. فمكَث فيه ثلاثًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. قال: اجتمَعت مشيخةُ قريشٍ يتشاورون في النبىِّ ﷺ بعدَما أَسْلَمت الأنصارُ، وفرِقوا أن يتعالى أمرُه إذ وجَد ملجأً لجأ إليه. فجاء إبليسُ فى صورةِ رجلٍ من أهلِ نَجْدٍ، فدخَل معهم فى دارِ الندوةِ، فلما أنْكَروه قالوا: من أنت، فواللهِ ما كلُّ قومِنا أعلمناهم مجلسَنا هذا؟ قال: أنا رجلٌ من أهلِ نجدٍ أسمَعُ من حديثِكم وأُشيرُ عليكم. فاستحْيُوا فخلَّوا عنه، فقال بعضُهم: خُذوا محمدًا إذا اضْطجَع (٢) على فراشِه، فاجعَلوه في بيتٍ نتربَّصُ به رَيْبَ المنونِ -والرَّيبُ هو الموتُ، والمَنونُ هو الدهرُ- قال إبليسُ: بئسما قلت، تجعَلونه في بيتٍ فيأتي أصحابُه فيخرجونه، فيكونُ بينكم قتالٌ؟ قالوا: صدَق الشيخُ. قال: أخرِجوه من قريتِكم. قال إبليسُ: بئسما قلت، تُخرِجونه من قريتِكم وقد أَفْسَد سفهاءَكم، فيأتى قريةً أُخرى فيفسدُ سفهاءَهم، فيأتيكم بالخيلِ والرجالِ؟ قالوا: صدَق الشيخُ. قال أبو جهلٍ -وكان أولاهم بطاعةِ إبليسَ-: بل نعمِدُ إلى كلِّ بطنٍ من بطونٍ قريشٍ

стр. 7513

فنُخْرِجُ منهم رجلًا فنعطيهم السلاحَ، فيشُدُّون على محمدٍ جميعًا فيضرِبونه ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فلا يستطيعُ بنو عبدِ المطلبِ أن يقتُلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدِّيةُ. قال إبليسُ: صدَق هذا (١) الفتى: هو أجودُكم رأيًا. فقاموا على ذلك، وأَخْبَر اللهُ رسولَه ﷺ ، فنام على الفراشِ، وجعَلوا عليه العيونَ. فلما كان في بعضِ الليلِ، انطلَق هو وأبو بكرٍ إلى الغارِ، ونام علىُّ بنُ أبى طالبٍ على الفراشِ، فذلك حينَ يقولُ اللهُ ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾. والإثباتُ هو الحبسُ والوَثاقُ. وهو قولُه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦]. يقولُ: يُهْلِكُهم. فلما هاجر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ لقِيه عمرُ، فقال له: ما فعَل القومُ؟ وهو يرى أنهم قد أُهْلِكوا حين خرَج النبيُّ ﷺ من بينِ أَظْهُرِهم، وكذلك كان يصنَعُ بالأممِ، فقال النبيُّ ﷺ : "أُخِّروا بالقتالِ" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾. قال: كفارُ قريشٍ أرادوا ذلك بمحمدٍ ﷺ قبل أن يخرُجَ من مكةَ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثني ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا هانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجاجٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: فعَلوا ذلك بمحمدٍ ﷺ

стр. 7514

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ الآية: هو النبيُّ ﷺ مكَروا به وهو بمكةَ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ إلى آخر الآيةِ. قال: اجتمَعوا فتشاوَروا في رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالوا: اقتُلوا هذا الرجلَ. فقال بعضُهم: لا يقتُلُه رجلٌ إلا قُتِل به. قالوا: خُذوه فاسجُنوه واجعَلوا عليه حديدًا. قالوا: فلا يدعُكم أهلُ بيتِه. قالوا: أخرِجوه. قالوا: إِذَن يَسْتَغْوِىَ الناسَ عليكم. قال: وإبليسُ معهم في صورةِ رجلٍ من أهلِ نجدٍ، واجتَمع رأيُهم أنه إذا جاء يطوفُ البيتَ ويَسْتَلِمُ أن يجتمِعوا عليه فيغمُّوه (١) ويقتُلوه، فإنه لا يَدْرِى أهلُه من قتَله، فيرضَوْن بالعَقْلِ، فنقتُلُه ونستريحُ ونعقِلُه. فلما أن جاء يطوفُ بالبيتِ اجتمعوا عليه فغمُّوه (٢)، فأتى أبو بكرٍ، فقيل له ذاك، فأتى فلم يجِدْ مدخلًا، فلما أن لم يجدْ مدخلًا، قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ قال: ثم فرَّجها اللهُ عنه، فلما أن كان (٣) الليلُ أتاه جبريلُ ﵇، فقال: من أصحابُك؟ فقال: "فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ". فقال: لا (٤)، نحن أعلمُ بهم منك يا محمدُ، هم ناموسُ (٥) ليلٍ. قال: وأُخِذ أولئك من مضاجعِهم وهم نيامٌ، فأُتِى بهم النبىُّ ﷺ ، فقدِّم أحدُهم إلى جبريلَ فكحَله، ثم أَرْسَله، فقال: "ما صورتُه يا جبريلُ؟ ". قال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللهِ. ثم

стр. 7515

قدِّم آخرُ فنقَر فوقَ رأسِه بعصًا نَقْرةً، ثم أَرْسَله فقال: "ما صورتُه يا جبريلُ؟ ". فقال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللهَ. ثم [أُتى بآخرَ] (١) فنقَر في ركبتِه، فقال: "ما صورتُه يا جبريلُ؟ ". قال: كُفِيتَه. ثم أُتى بآخرَ، فسقاه مَذْقةً (٢)، فقال: "ما صورتُه يا جبريلُ؟ ". قال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللهِ. وأُتى بالخامسِ، فلما غدا من بيتِه مرَّ بنبالٍ فتعلَّق مِشْقصٌ (٣) بردائِه فالتوى، فقطَع الأكحلَ (٤) من رجلِه، وأما الذى كُحِلت عيناه فأصبح وقد عمِى، وأما الذى سُقِى مَذْقةً فأصبح وقد استَسقى بطنُه، وأما الذي نُقِر فوق رأسِه، فأخذته النُّقْرةُ (٥) -والنُّقْرَةُ (٦) قُرْحةٌ عظيمةٌ أخَذته في رأسِه- وأما الذي طُعِن في ركبتِه، فأصبح وقد أُقعِد، فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ قولَه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي: فمكَرتُ لهم (٧) بكيدى المتينِ حتى خلَّصتُك منهم (٨). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن

стр. 7516

عكرمةَ قولَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: هذه مكيةٌ. قال ابنُ جُريجٍ: قال مجاهدٌ: هذه مكيةٌ. فتأويلُ الكلامِ إذن: واذكُرْ يا محمدُ نعمتى عندَك بمكرى بمن حاول المكرَ بك من مشركي قومِك، بإثباتِك، أو قتلِك، أو إخراجِك من وطنِك، حتى استنقذتُك منهم وأهلكتُهم، فامضِ لأمرى فى حربِ من حارَبك من المشركين، وتولَّى عن [إجابتِك إلى] (١) ما أَرْسَلتُك به من الدينِ القيِّم، ولا يُرْعِبنَّك كثرةُ عددِهم، فإن ربَّك خيرُ الماكرين بمن كفَر به، وعبَد غيرَه، وخالَف أمرَه ونهيَه. وقد بيَّنا معنى المكرِ فيما مضى بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا تُتْلَى على هؤلاء الذين كفَروا آياتِ كتابِ اللهِ الواضحةَ لمن شرَح اللهُ صدرَه لفَهْمِه، قالوا - جهلًا منهم، وعنادًا للحقِّ، وهم يعلَمون أنهم كاذبون فى قيلِهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾، الذي تُلِيَ علينا، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يعنى أنهم يقولون: ما هذا القرآنُ الذي يُتْلَى عليهم إلا أساطيرُ الأوَّلين. والأساطيرُ جمعُ أَسْطُرٍ، وهو جمعُ الجمعِ؛ لأن واحدَ الأَسْطُرِ سَطْرٌ، ثم يُجْمَعُ السطرُ: أَسْطُرٌ وسطورٌ، ثم تُجْمَعُ الأسطرُ: أساطيرُ وأساطرُ. وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ (٣) يقولُ: واحدُ الأساطيرِ أُسْطُورةٌ.

стр. 7517

وإنما عَنى المشركون بقولِهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: إنْ هذا القرآنُ الذي تتلُوه علينا يا محمدُ إلا ما سطَّره الأوّلون وكتَبوه من أخبارِ الأممِ. كأنهم أضافوه إلى أنه أُخِذ عن بني آدمَ، وأنه لم يُوحِه اللهُ إليه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ قولَه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾. قال: كان النضرُ بنُ الحارثِ يختلِفُ تاجرًا إلى فارسَ، فيمرُّ بالعِبادِ (١) وهم يقرَءون الإنجيلَ ويركَعون ويسجُدون، فجاء مكةَ، فوجَد محمدًا ﷺ قد أُنْزِل عليه وهو يركَعُ ويسجُدُ، فقال النَّضْرُ: قد سمِعنا، لو نشاءُ لقلنا مثلَ هذا. للذى سمِع من العِبادِ. فنزَلت: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾. قال: فقصَّ ربُّنا ما كانوا قالوا بمكةَ، وقصَّ قولَهم: ﴿إِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُدِّيِّ، قال: كان النضرُ بنُ الحارثِ بنِ علقمةَ أخو بني عبدِ الدارِ يختلِفُ إلى الحيرةِ فيسمَعُ سجعَ أهلِها وكلامَهم، فلما قدِم مكةَ سمِع كلامَ النبيِّ ﷺ والقرآنَ، فقال: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.

стр. 7518

يقولُ: أساجيعُ أهلِ الحيرةِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قتَل النبىُّ ﷺ يومَ بدرٍ صَبْرًا عقبةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ، وطُعَيمةَ بنَ عَدىٍّ، والنضرَ بنَ الحارثِ، وكان المِقْدادُ أسَر النضرَ، فلما أمَر بقتلِه، قال المِقْدادُ: [يا رسولَ اللهِ] (٢) أسيرى. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنه كان يقولُ في كتابِ اللهِ ما يقولُ". فأمَر النبيُّ ﷺ بقتلِه، فقال المقدادُ: أسيرى. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "اللهمَّ أَغْنِ المقدادَ من فضلِك". فقال المقدادُ: هذا الذي أردتُ. وفيه أُنْزِلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ الآية (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قتَل يومَ بدرٍ ثلاثةَ رَهْطٍ من قريشٍ صَبْرًا؛ المُطْعِمَ بنَ عَدىٍّ (٤)، والنضرَ بنَ الحارِثِ، وعقبةَ بنَ أبى مُعَيْطٍ. قال: فلما أمَر بقتلِ النضرِ، قال المقدادُ بنُ الأسودِ: أسيرى يا رسولَ اللهِ. قال: "إنه كان يقولُ في كتابِ اللهِ وفي رسولِه ما كان يقولُ". قال: فقال ذلك مرَّتين أو ثلاثًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "اللهمَّ أَغْنِ المقدادَ من فضلِك". وكان المقدادُ أسَر النَّضْرَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾.

стр. 7519

يقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ أيضًا ما حلَّ بمن قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. إذ مكَرت لهم (١)، فأتيتُهم بعذابٍ أليمٍ، وكان ذلك العذابُ قتلَهم بالسيفِ يومَ بدرٍ. وهذه الآيةُ أيضًا ذُكِر أنها نزَلت في النضرِ بنِ الحارثِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: نزَلت فى النضرِ بنِ الحارثِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾. قال: قولُ النضرِ بنِ الحارثِ - [أو ابنِ الحارثِ] (٣) بنِ كَلَدةَ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾: قولُ النضرِ بنِ الحارثِ ابنِ علقمةَ بنِ كَلَدةَ من بنى عبدِ الدارِ. قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن

стр. 7520

مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾. قال: هو النضرُ بنُ الحارثِ بنِ كَلَدةَ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ، قال: قال رجلٌ من بنى عبدِ الدارِ يقالُ له: النضرُ بنُ كَلَدةَ: اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندِك فأمطِرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائتِنا بعذابٍ أليمٍ. فقال اللهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]. وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]. وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ [المعارج: ١، ٢]. قال عطاءٌ: لقد نزَل فيه بِضْعَ عَشْرَةَ آيةً من كتابِ اللهِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: فقال -يعنى النضرَ بنَ الحارثِ: اللهمَّ إن كان ما يقولُ محمدٌ هو الحقَّ من عندِك، فأمطِرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائتِنا بعذابٍ أليمٍ. قال اللهُ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ (٣). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية. قال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية. قال: قال ذلك سَفَهةُ (٤) هذه

стр. 7521

الأمةِ وجَهَلتُها، فعاد اللهُ بعائدتِه ورحمتِه على سفهةِ هذه الأمةِ وجهلتِها. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثم ذكَر غِرَّةَ (١) قريشٍ واستِفتاحَهم على أنفسِهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾. أى: ما جاء به محمدٌ، ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما أمطرتَها على قومِ لوطٍ، ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أى: ببعضِ ما عذَّبت به الأممَ قبلَنا (٢). واخْتَلف أهلُ العربيةِ (٣) فى وجهِ دخولِ ﴿هُوَ﴾ في الكلامِ؛ فقال بعضُ البصريين نُصِب ﴿الْحَقَّ﴾؛ لأن ﴿هُوَ﴾، واللهُ أعلمُ، حُوِّلت زائدةً في الكلامِ صلةَ توكيدٍ كزيادةِ "ما"، ولا تُزادُ إلا فى كلِّ فعلٍ لا يستغنى عن خبرٍ، ليست (٤) ﴿هُوَ﴾ بصفةِ ﴿هَذَا﴾؛ لأنك لو قلت: رأيتُ هذا هو. لم يكنْ كلامًا، ولا تكونُ "هذه" المضمر من صفةِ الظاهرةِ، ولكنها تكونُ من صفةِ المضمرةِ نحوَ قولِه: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، و ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]. لأنك تقولُ: وجَدته هو وإياى. فتكون "هو" صفةً، وقد تكونُ فى هذا المعنى أيضًا غير صفةٍ، ولكنها تكونُ زائدةً كما كان في الأوَّلِ، وقد تُجْرَى في جميعِ هذا مُجْرَى الاسمِ، فيُرْفَعُ ما بعدَها إن كان ما (٥) بعدَها ظاهرًا أو

стр. 7522

مضمرًا في لغةِ بني تميمٍ، يقولون في قولِه: (إِن كان هذا هو الحقُّ من عندك) (١). و (لَكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالمونَ (٢)). و (تَجِدُوه عِندَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ (٣) وَأَعْظَمُ أجْرًا). كما تقولُ: كانوا آباؤُهم الظالمون. جعَلوا هذا المضمرَ نحو "هو" و "هما" و "أنت" زائدًا فى هذا المكانِ، ولم تُجْعَلْ مواضعَ الصفةِ؛ لأنه فصلٌ أراد أن يبِّينَ به أنه [ليس ما بعدَه صفةً] (٤) لما قبلَه، ولم يُحتَجْ إلى هذا في الموضعِ الذى لا يكونُ له خبرٌ. وكان بعضُ الكوفيين يقولُ: لم تدخُلْ "هُوَ" التى هى عمادٌ (٥) في الكلامِ إلا لمعنًى صحيحٍ. وقال: كأنه قال: زيدٌ قائمٌ. فقلتَ أنت: بل عمرٌو هو القائمُ. فـ "هو" لمعهودِ الاسمِ، والألفُ واللامُ لمعهودِ الفعلِ [والألفُ واللامُ] (٦) التي هي صلةٌ في الكلامِ مخالفةٌ لمعنى "هو"؛ لأن دخولَها وخروجَها واحدٌ في الكلامِ، وليست كذلك "هو"، وأما التى تدخُلُ صلةً فى الكلامِ، فتوكيدٌ شبيهٌ بقولِهم: وجدتُه نفسَه. تقولُ ذلك وليست بصفةٍ كالظريفِ والعاقلِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.

стр. 7523

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: أى؛ وأنت مقيمٌ بينَ أَظْهُرِهم. قال: وأُنْزِلت هذه على النبيِّ ﷺ وهو مقيمٌ بمكةَ. قال: ثم خرَج النبىُّ ﷺ من بينِ أظْهُرِهم، فاستَغفر من بها من المسلمين، فأَنْزَل اللهُ (١) بعدَ خروجِه عليه حينَ استَغفر أولئك بها: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: ثم خرَج أولئك البقيةُ من المسلمين من بينِهم فعذَّب الكفارَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرِ بنِ أبي المغيرةِ، عن ابنِ أَبْزَى، قال: كان النبيُّ ﷺ بمكةَ، فأنْزَل اللهُ (٢): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: فخرج النبىُّ ﷺ إلى المدينةِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: فكان أولئك البقيةُ من المسلمين الذين بقُوا فيها يستغفِرون، يعنى بمكةَ، فلما خرَجوا أنْزَل اللهُ عليه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾. قال: فأذِن اللهُ له في فتحِ مكةَ، فهو العذابُ الذى وعَدهم (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: يعنى النبيَّ ﷺ ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعنى من بها من المسلمين، ﴿وَمَا لَهُمْ

стр. 7524

أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾: يعني (١) مكةَ وفيها (٢) الكفارُ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: يعنى أهلَ مكةَ [وأنت فيهم] (٤) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ وفيهم المؤمنون يستغفِرون، يغفرُ لمن فيهم من المسلمين (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الرازيُّ وأبو داودَ الحَفْرىُّ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أَبْزَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: بقيةُ من بَقِىَ من المسلمين منهم، فلما خرَجوا قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾. قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيينةَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: أهلُ مكةَ. وأخبرنا أبي، عن سَلَمةَ بنِ نُبيطٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: المؤمنون من أهلِ مكةَ، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُم اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: المشركون من أهلِ مكةَ (٦). قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ

стр. 7525

مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: المؤمنون يستغفِرون بينَ ظهرانَيهم (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يقولُ: الذين آمَنوا معَك يستغفِرون بمكةَ حتى أخرَجك والذين آمنوا معك. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: لم يعذِّبْ قريةً حتى يُخْرِجَ النبيَّ منها والذين آمنوا معه ويُلْحِقَهُ (٢) بحيث أُمِر، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يعنى المؤمنين، ثم عاد إلى المشركين فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: يعنى أهلَ مكةَ. وقال آخرون: بل معنى ذلك (٤): وما كان اللهُ ليعذِّب هؤلاء المشركين من قريشٍ بمكةَ وأنت فيهم يا محمدُ حتى أخْرجك من بينِهم، وما كان اللهُ معذِّبَهم وهؤلاء المشركون يقولون: يا ربِّ غُفرانَك. وما أشْبَه ذلك من معانى الاستغفارِ بالقولِ. قالوا: وقولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ في الآخرةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّمادىُّ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا عكرمةُ، عن

стр. 7526

أبي زُميلٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن المشركين كانوا يطوفون بالبيتِ يقولون: [لبَّيْكَ لبَّيْكَ، لا شريكَ] (١) لك. فيقولُ النبىُّ ﷺ : "قَدْ قَدْ (٢) ". فيقولون (٣): إلا شريكٌ هو لك، تملِكُه وما ملَك. ويقولون: غفرانَك غفرانَك، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. فقال ابنُ عباسٍ: كان فيهم أمانان، نبىُّ اللهِ والاستغفارُ. قال: فذهَب النبيُّ ﷺ وبقِى الاستغفارُ. ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾. قال: فهذا عذابُ الآخرةِ. قال: وذاك عذابُ الدنيا (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ ومحمدِ بنِ قيسٍ، قالا: قالت قريشٌ بعضُها لبعضٍ: محمدٌ أَكْرَمه اللهُ من بينِنا ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية. فلما أَمْسَوا ندِموا على ما قالوا، فقالوا: غُفْرانَك اللهمَّ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥). حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كانوا يقولون -

стр. 7527

يعنى المشركين-: واللهِ إن اللهَ لا يعذِّبُنا ونحن نستغفِرُ، ولا يعذِّبُ أمةً ونبيُّها معها حتى يُخْرِجَه عنها. وذلك من قولِهم ورسولُ اللهِ ﷺ بينَ أظهرِهم، فقال اللهُ لنبيِّه ﷺ يذكُرُ له جهالتَهم وغِرَّتَهم واستفتاحَهم على أنفسِهم إذ قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما أمطرتَها على قومِ لوطٍ. وقال (١) حين نعَى عليهم سوءَ أعمالِهم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: أى لقولِهم (٢): [إِنَّا نَسْتَغْفِرُ ومحمدٌ بينَ أظهُرِنا. ثم قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وإن كنتَ بينَ أظهرِهم] (٣)، وإن كانوا يستغفِرون كما قال: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: من آمن باللهِ وعبَده، أي: أنت ومن تبِعك (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ الصبَّاح البزَّارُ (٥)، قال: ثنا أبو (٦) بردةَ، عن أبي موسى، قال: إنه كان فيكم (٧) أمانان؛ قولُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: أما النبيُّ ﷺ فقد مضَى (٨)، وأما الاستغفارُ فهو دائرٌ فيكم إلى يومِ القيامةِ (٩).

стр. 7528

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، عن عامرٍ أبى الخطَّابِ الثورىِّ، قال: سمِعت أبا العلاءِ يقولُ: كان لأمةِ محمدٍ ﷺ أمَنَتانِ، فذهَبت إحداهما، وبقِيت الأُخرى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية. وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان اللهُ ليعذِّبَهم وأنت فيهم يا محمدُ، وما كان اللهُ معذِّبَ المشركين وهم يستغفِرون، أن (١) لو استغفَروا. قالوا: ولم يكونوا يستغفِرون، فقال جلَّ ثناؤُه إذ لم يكونوا يستغفِرون: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: إن القومَ لم يكونوا يستغفِرون، ولو كانوا يستغفِرون ما عُذِّبُوا، وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: هما أمانان أَنْزَلهما اللهُ، فأما أحدُهما فمضى؛ نبيُّ اللهِ، وأما الآخرُ فأبقاه اللهُ رحمةً بينَ أظهرِكم؛ الاستغفارُ والتوبةُ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: قال اللهُ لرسولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يقولُ: ما كنت أعذِّبُهم وهم يستغفِرون، و (٢) لو استغفروا وأقرُّوا بالذنوبِ لكانوا مؤمنين، وكيف لا أعذِّبُهم وهم لا يستغفِرون؟

стр. 7529

وما لهم ألا يعذِّبَهم اللهُ وهم يصُدُّون عن محمدٍ وعن المسجدِ الحرامِ (١)؟ حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: يقولُ: لو استغفَروا لم أعذِّبْهم (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان اللهُ ليعذِّبَهم وهم يُسْلِمون. قالوا: واستغفارُهم كان في هذا الموضعِ إسلامَهم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ الصبَّاحِ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ حُديرٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: سألوا العذابَ، فقال: لم يكنْ ليعذِّبَهم وأنت فيهم، ولم يكنْ ليعذِّبَهم وهم يدخُلون فى الإسلامِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: بينَ أظهرِهم. وقولُه: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: [وهم] (٤) يُسْلِمون (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

стр. 7530

مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: بينَ أظهرِهم، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: وهم يسلمون (١)، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾: قريشٌ (٢)، ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدِ اللهِ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: بينَ أظهرِهم، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: دخولُهم في الإسلامِ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيهم مَن قد سبَق له من اللهِ الدخولُ في الإسلامِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. يقولُ: ما كان اللهُ سبحانَه يعذِّبُ قومًا وأنبياؤُهم بينَ أظهرِهم حتى يُخرِجَهم. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يقولُ: ومنهم من قد سَبَقَ له من اللهِ الدخولُ في الإيمانِ، وهو الاستغفارُ. ثم (٣) قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾. فعذَّبهم يومَ بدرٍ بالسيفِ (٤).
следующие страницы →