← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

أبي زُميلٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن المشركين كانوا يطوفون بالبيتِ يقولون: [لبَّيْكَ لبَّيْكَ، لا شريكَ] (١) لك. فيقولُ النبىُّ ﷺ : "قَدْ قَدْ (٢) ". فيقولون (٣): إلا شريكٌ هو لك، تملِكُه وما ملَك. ويقولون: غفرانَك غفرانَك، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. فقال ابنُ عباسٍ: كان فيهم أمانان، نبىُّ اللهِ والاستغفارُ. قال: فذهَب النبيُّ ﷺ وبقِى الاستغفارُ. ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾. قال: فهذا عذابُ الآخرةِ. قال: وذاك عذابُ الدنيا (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ ومحمدِ بنِ قيسٍ، قالا: قالت قريشٌ بعضُها لبعضٍ: محمدٌ أَكْرَمه اللهُ من بينِنا ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية. فلما أَمْسَوا ندِموا على ما قالوا، فقالوا: غُفْرانَك اللهمَّ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥). حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كانوا يقولون -

стр. 7527

يعنى المشركين-: واللهِ إن اللهَ لا يعذِّبُنا ونحن نستغفِرُ، ولا يعذِّبُ أمةً ونبيُّها معها حتى يُخْرِجَه عنها. وذلك من قولِهم ورسولُ اللهِ ﷺ بينَ أظهرِهم، فقال اللهُ لنبيِّه ﷺ يذكُرُ له جهالتَهم وغِرَّتَهم واستفتاحَهم على أنفسِهم إذ قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما أمطرتَها على قومِ لوطٍ. وقال (١) حين نعَى عليهم سوءَ أعمالِهم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: أى لقولِهم (٢): [إِنَّا نَسْتَغْفِرُ ومحمدٌ بينَ أظهُرِنا. ثم قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وإن كنتَ بينَ أظهرِهم] (٣)، وإن كانوا يستغفِرون كما قال: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: من آمن باللهِ وعبَده، أي: أنت ومن تبِعك (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ الصبَّاح البزَّارُ (٥)، قال: ثنا أبو (٦) بردةَ، عن أبي موسى، قال: إنه كان فيكم (٧) أمانان؛ قولُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: أما النبيُّ ﷺ فقد مضَى (٨)، وأما الاستغفارُ فهو دائرٌ فيكم إلى يومِ القيامةِ (٩).

стр. 7528

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، عن عامرٍ أبى الخطَّابِ الثورىِّ، قال: سمِعت أبا العلاءِ يقولُ: كان لأمةِ محمدٍ ﷺ أمَنَتانِ، فذهَبت إحداهما، وبقِيت الأُخرى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية. وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان اللهُ ليعذِّبَهم وأنت فيهم يا محمدُ، وما كان اللهُ معذِّبَ المشركين وهم يستغفِرون، أن (١) لو استغفَروا. قالوا: ولم يكونوا يستغفِرون، فقال جلَّ ثناؤُه إذ لم يكونوا يستغفِرون: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: إن القومَ لم يكونوا يستغفِرون، ولو كانوا يستغفِرون ما عُذِّبُوا، وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: هما أمانان أَنْزَلهما اللهُ، فأما أحدُهما فمضى؛ نبيُّ اللهِ، وأما الآخرُ فأبقاه اللهُ رحمةً بينَ أظهرِكم؛ الاستغفارُ والتوبةُ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: قال اللهُ لرسولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يقولُ: ما كنت أعذِّبُهم وهم يستغفِرون، و (٢) لو استغفروا وأقرُّوا بالذنوبِ لكانوا مؤمنين، وكيف لا أعذِّبُهم وهم لا يستغفِرون؟

стр. 7529

وما لهم ألا يعذِّبَهم اللهُ وهم يصُدُّون عن محمدٍ وعن المسجدِ الحرامِ (١)؟ حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: يقولُ: لو استغفَروا لم أعذِّبْهم (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان اللهُ ليعذِّبَهم وهم يُسْلِمون. قالوا: واستغفارُهم كان في هذا الموضعِ إسلامَهم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ الصبَّاحِ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ حُديرٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: سألوا العذابَ، فقال: لم يكنْ ليعذِّبَهم وأنت فيهم، ولم يكنْ ليعذِّبَهم وهم يدخُلون فى الإسلامِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: بينَ أظهرِهم. وقولُه: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: [وهم] (٤) يُسْلِمون (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

стр. 7530

مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: بينَ أظهرِهم، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: وهم يسلمون (١)، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾: قريشٌ (٢)، ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدِ اللهِ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: بينَ أظهرِهم، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: دخولُهم في الإسلامِ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيهم مَن قد سبَق له من اللهِ الدخولُ في الإسلامِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. يقولُ: ما كان اللهُ سبحانَه يعذِّبُ قومًا وأنبياؤُهم بينَ أظهرِهم حتى يُخرِجَهم. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يقولُ: ومنهم من قد سَبَقَ له من اللهِ الدخولُ في الإيمانِ، وهو الاستغفارُ. ثم (٣) قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾. فعذَّبهم يومَ بدرٍ بالسيفِ (٤).

стр. 7531

وقال آخرون: بل معناه: وما كان اللهُ معذِّبَهم وهم يُصَلُّون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يعنى: يُصلُّون. يعنى بهذا أهلَ مكةَ (١). حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقىُّ، قال: ثنا حسينٌ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: يصلُّون (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: يعنى أهلَ مكةَ. يقولُ: لم أكنْ لأعذِّبَكم وفيكم محمدٌ، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يعنى: يؤمنون ويصلُّون. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: وهم يصلُّون. وقال آخرون: بل (٣) معنى ذلك: وما كان اللهُ ليعذِّبَ المشركين وهم يستغفرون. قالوا: ثم نُسِخ ذلك بقولِه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.

стр. 7532

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: قال فى "الأنفال": ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. فنسَختها الآيةُ التي تليها: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. فقوتلوا بمكةَ، وأصابهم فيها الجوعُ والحَصْرُ (١). وأولى هذه الأقوالِ عندى فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال: تأويلُه: وما كان اللهُ ليعذِّبَهم وأنت فيهم يا محمدُ، وبينَ أظهرِهم مقيمٌ، حتى أُخرِجَك من بينِ أظهرِهم؛ لأنى لا أُهْلِكُ قريةً وفيها نبيُّها، وما كان اللهُ معذِّبَهم وهم يستغفِرون من ذنوبِهم وكفرِهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك، بل هم مصرُّون عليه، فهم للعذابِ مستحقُّون، كما يقالُ: ما كنتُ لِأُحْسِنَ إليك وأنت تسيءُ إلىَّ. يرادُ بذلك: لا أُحْسِنُ إليك إذا أسأت إلىَّ. أو: (٢) لو أسأْتَ إلىَّ لم أحسنْ إليك، ولكن أُحسنُ إليك لأنك لا تسئُ إلىَّ. وكذلك ذلك، ثم قيل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. بمعنى: وما شأنُهم وما يمنَعُهم أن يعذِّبَهم اللهُ وهم لا يستغفِرون اللهَ من كفرِهم فيؤمنوا به، وهم يصُدُّون المؤمنين باللهِ ورسولِه عن المسجدِ الحرامِ. وإنما قلنا: هذا القولُ أَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ؛ لأن القومَ، أعنى

стр. 7533

مشركي مكةَ، كانوا اسْتَعْجلوا العذابَ، فقالوا: اللهمَّ إن كان ما جاء به محمدٌ هو الحقَّ، فأمطِرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائتنا بعذابٍ أليمٍ. فقال اللهُ لنبيِّه: ما كنتُ لأعذِّبَهم وأنتَ فيهم، وما كنتُ لأعذِّبَهم لو استغفروا، وكيف لا أعذِّبُهم بعدَ إخراجِك منهم وهم يصُدُّون عن المسجدِ الحرامِ. فأَعْلَمه جلَّ ثناؤُه أن [الذي استَعْجلوه مِن] (١) العذابِ حائقٌ بهم ونازلٌ، وأَعْلَمهم حالَ نزولِه بهم، وذلك بعد إخراجِه إياه من بينِ أظهرِهم. ولا وجهَ لإيعادِهم العذابَ في الآخرةِ وهم مستعجِلوه فى العاجلِ، ولا شكَّ أنهم في الآخرةِ إلى العذابِ صائرون، بل في تعجيلِ اللهِ لهم ذلك يومَ بدرٍ الدليلُ الواضحُ على أن القولَ فى ذلك ما قلنا. وكذلك لا وجهَ لقولِ من وجَّه قولَه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. إلى أنه عُنِى به المؤمنون، وهو في سياقِ الخبرِ عنهم، وعما اللهُ فاعلٌ بهم، ولا دليلَ على أن الخبرَ عنهم قد تقضَّى، وعلى أن ذلك به عُنوا (٢)، وألا (٣) خِلافَ في تأويلِه من أهلِه موجودٌ. وكذلك أيضًا لا وجهَ لقولِ من قال: ذلك منسوخٌ بقولِه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية؛ لأن قولَه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. خبرٌ، والخبرُ لا يجوزُ أن يكونَ فيه نسخٌ، وإنما يكون النسخُ للأمرِ أو (٤) النهيِ. واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولِ "أن" فى قولِه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ

стр. 7534

اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هي زائدةٌ هاهنا. قال (١): وقد عمِلت كما عمِلت "لا" وهي زائدةٌ وجاء في الشعرِ (٢): لو لم تكنْ غَطَفانُ لا ذُنوبَ لها … إلىَّ لامت (٣) ذوُو أحسابِها عُمرا وقد أَنْكر ذلك من قولِه بعضُ أهلِ العربيةِ، وقال: لم تدخلْ "أن" إلَّا لمعنًى صحيحٍ؛ لأن معنى ﴿وَمَا لَهُمْ﴾: ما يمنَعُهم من أن يُعَذَّبوا. قال: فدخَلت "أن" لهذا المعنى، وأُخرِج بـ "لا"، ليُعلمَ أنه بمعنى الجَحدِ؛ لأن المنعَ جَحْدٌ. قال: و "لا" في البيتِ صحيحٌ معناها؛ لأن الجحدَ إذا وقَع عليه جَحْدٌ صار خبرًا. وقال: ألا ترى إلى قولِك: ما زيدٌ ليس قائمًا. فقد أوْجَبت القيامَ (٤)؟ قال: وكذلك "لا" في هذا البيتِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما لهؤلاء المشركين ألا يعذِّبَهم اللهُ وهم يصُدُّون عن المسجدِ الحرامِ، ولم يكونوا أولياءَ اللهِ. ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾، يقولُ: ما أولياءُ اللهِ ﴿إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾. يعنى: الذين يتَّقون اللهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصِيه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ المشركين لا يعلَمون أن أولياءَ اللهِ المتقون، بل يحسَبون أنهم أولياءُ اللهِ. وبنحوِ ما قلنا [في ذلك] (٥) قال أهلُ التأويلِ.

стр. 7535

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: هم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: من كانوا وحيثُ كانوا (٢). حدَّثنى المُثَّنَى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: الذين يخرجون منه، ويقِيمون الصلاةَ عندَه، أى أنت، يعنى النبيَّ ﷺ ، ومن آمن بك، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما لهؤلاء المشركين ألَّا يعذِّبَهم اللهُ وهم يصُدُّون عن المسجدِ الحرامِ الذى (٤) يصلُّون للهِ فيه ويعبُدونه، ولم يكونوا للهِ أولياءَ، بل أولياؤُه

стр. 7536

الذين يصدُّونهم عن المسجدِ الحرامِ، وهم لا يصلون في المسجدِ الحرامِ، ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾، يعنى بيتَ اللهِ العتيقَ ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾، وهو الصَّفيرُ، يقالُ منه: مكَا يَمْكُو مَكْوًا ومُكاءً. وقد قيل: إن المَكْوَ: أن يجمَعَ الرجلُ يديه ثم يُدْخِلَهما في فِيه، ثم يصيحَ. ويقالُ منه: مكَتِ استُ الدابَّةِ مُكاءً، إذا نَفَخت بالريحِ. ويقالُ: إنه لا يَمْكُو إلَّا استٌ مكشوفةٌ، ولذلك قيل للاستِ: المَكْوةُ، سمِّيت بذلك، ومن ذلك قولُ عنترةَ: وحَليلِ (١) غانيةٍ (٢) تركتُ مُجدَّلًا (٣) … تَمْكُو فَريصتُه (٤) كشِدْقِ الأَعْلمِ (٥) وقولُ الطَّرِمَّاحِ (٦): فنَحا (٧) لأُولَاها (٨) بطعنةِ مُحْفَظٍ … تَمْكُو جوانبُها من الإنْهارِ (٩) بمعنى: تصوِّتُ. وأما التصديةُ، فإنها التصفيقُ، يقالُ منه: صدَّى يُصَدِّى تَصْدِيةً، وصفَّق

стр. 7537

وصفَّح بمعنًى واحدٍ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن موسى بنِ قيسٍ، عن حُجْرِ (١) بنِ عَنْبسٍ: ﴿إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: [المُكاءُ التصفيرُ، و] (٢) التصديةُ التصفيقُ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾: المكاءُ التصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. يقولُ: كانت صلاةُ المشركين عندَ البيتِ مُكاءً، يعني: التصفيرَ. وتصديةً، يقولُ: التصفيقُ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرنا فُضيلٌ، عن عطيةَ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، قال: التصفيقُ والصَّفيرُ (٦).

стр. 7538

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن قُرَّةَ بنِ خالدٍ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ، قال: المكاءُ التصفيقُ، والتصديةُ الصفيرُ. قال: وأمال ابنُ عمرَ خدَّه إلى (١) جانبٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن قرةَ بنِ خالدٍ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ والتصديةُ: الصفيرُ والتصفيقُ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: سمعت محمدَ بنَ الحسينِ (٣) يحدِّثُ عن قرةَ بنِ خالدٍ، عن عطيةَ العَوْفىِّ، عن ابنِ عمرَ، قال: المكاءُ الصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ، في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ الصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ. وقال قرةُ: وحكى لنا عطيةُ فعلَ ابنِ عمرَ فصفَّر، وأمال خدَّه، وصفَّق بيديه (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني بكرُ بنُ مُضَرَ (٤)، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، قال: سمعت أبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال بكرٌ: فجمَع لى

стр. 7539

جعفرٌ كفَّيْه ثم نفَخ فيهما صفيرًا، كما قال له أبو سَلَمةَ. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المكاءُ الصَّفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ. قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سَلَمةُ بنُ سابورَ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، قال: تصفيرٌ وتصفيقٌ. قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ (١) مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ مثلَه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويَهْ أبو يزيدَ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت قريشٌ يطوفون بالبيتِ وهم عراةٌ يصفِّرون ويصفِّقون، فَأَنْزَل اللهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. فأُمِروا بالثيابِ (٢). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، قال: كانت قريشٌ يعارضون النبىَّ ﷺ فى الطوافِ يستهزئون به، يصفِّرون به ويصفِّقون، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾. قال: كانوا ينفُخون في أيدِيهم، والتصديةُ التصفيقُ.

стр. 7540

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ: إدخالُ أصابعِهم في أفواهِهم، والتصديةُ التصفيرُ (١)، يخلِطون بذلك على محمدٍ ﷺ صلاتَه (٢). حدَّثنا المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه لم يقلْ: صلاتَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ (٣)، عن مجاهدٍ، قال: المكاءُ: إدخالُ أصابعِهم فى أفواهِهم، والتصديةُ التصفيقُ. قال: نفرٌ من بني عبدِ الدارِ كانوا يخلِطون بذلك كلِّه على محمدٍ صلاتَه. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: من بينِ الأصابعِ. قال أحمدُ: سقَط علىَّ حرفٌ وما أُراه إلا الحَذْفَ (٤)، والنفخُ والصفيرُ منها، وأرانى سعيدُ بنُ جبيرٍ حيث كانوا يَمْكُون من ناحيةِ أبي قُبَيْسٍ. حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، قال: أخبرَنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ: كانوا يُشبِّكون بينَ أصابعِهم ويصفِّرون بها، فذلك المكاءُ. قال: وأرانى سعيدُ بنُ جبيرٍ المكانَ الذى كانوا يَمْكُون فيه نحوَ أبي قُبَيْسٍ (٥).

стр. 7541

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ في قولِه: ﴿مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ النفخُ، وأشار بكفِّه (١) قِبلَ فيه، والتصديةُ التصفيقُ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: المُكاءُ الصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ. حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: كنا نُحَدَّثُ أن المكاءَ التصفيقُ بالأيدى، والتصديةَ صياحٌ كانوا يعارضون به القرآنَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ التصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. والمكاءُ: الصفيرُ على نحوِ طيرٍ أبيضَ يقالُ له: المَكَّاءُ، يكونُ بأرضِ الحجازِ، و (٤) التصديةُ: التصفيقُ (٥).

стр. 7542

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ: صفيرٌ كان أهلُ الجاهليةِ يعلنون به، قال: وقال فى المكاءِ أيضًا: صفيرٌ في أيديهم ولعبٌ (١). وقد قيل في التصديةِ: إنها الصدُّ عن بيتِ اللهِ الحرامِ. وذلك قولٌ لا وجهَ له؛ لأن التصديةَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: صدَّيْتُ تصديةً. وأما (٢) الصَّدُّ فلا يقالُ منه: صدَّيْتُ، إنما يقالُ منه: صَدَدْتُ، فإن شدَّدت منها الدالَ على معنى تكريرِ الفعلِ، قيل: صدَّدْتُ تصديةً، إلا أن يكونَ صاحبُ هذا القولِ وجَّه التصديةَ إلى أنه من صددتُ، ثم قلبت إحدى دالَيْه ياءً، كما يقال: تظنَّيْتُ من ظَنَنْتُ، وكما قال الراجزُ (٣): تَقَضِّىَ البازي إذا البازى كَسَرْ يعني: تقضُّضَ البازى، فقلَب إحدى ضادَيه ياءً. فيكونُ ذلك وجهًا يُوجَّهُ إليه. ذكرُ مَن قال ما ذكَرنا في تأويلِ التصديةِ حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾: صدُّهم عن بيتِ اللهِ الحرامِ.

стр. 7543

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ (١) سليمانَ، قال: أخبرنا طلحةُ بنُ (٢) عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَتَصْدِيَةً﴾. قال: التصديةُ: صدُّهم الناسَ عن البيتِ الحرامِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَصْدِيَةً﴾. قال: التصديةُ عن سبيلِ اللهِ، وصدُّهم عن الصلاةِ، وعن دينِ اللهِ (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: ما كان صلاتُهم التي يزعُمون أنها يُدْرَأُ (٥) بها عنهم إلا مُكاءً وتصديةً، وذلك ما لا يَرْضَى اللهُ، ولا يحبُّ، ولا ما افترض عليهم، ولا ما أمرهم به (٦). وأما قولُه: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. فإنه يعنى العذابَ الذي وعَدهم به بالسيفِ يومَ بدرٍ، يقولُ للمشركين الذين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية. حين أتاهم بما اسْتَعْجلوه من العذابِ: ﴿فَذُوقُوا﴾، أى اطْعَموا. وليس بذوقٍ بفمٍ، ولكنه ذَوقُ بالحسِّ، ووجودُ طعمٍ ألمِه بالقلوبِ، يقولُ لهم: فذوقوا العذابَ بما

стр. 7544

كنتم تجْحَدون أن اللهَ معذِّبُكم به على جحودِكم توحيدَ ربِّكم ورسالةَ نبيِّكم ﷺ . وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. أى: [ما أَوْقع اللهُ] (١) بهم يومَ بدرٍ من القتلِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. قال: هؤلاءِ أهلُ بدرٍ يومَ عذَّبهم اللهُ. حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يعنى: أهلَ بدرٍ، عذَّبهم اللهُ يومَ بدرٍ بالقتلِ والأسرِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين كفَروا باللهِ ورسولِه ينفقون أموالَهم، فيعطونها

стр. 7545

أمثالَهم من المشركين ليتقوَّوا بها على قتالِ رسولِ اللهِ ﷺ والمؤمنين به، ليصدُّوا المؤمنين باللهِ ورسولِه عن الإيمانِ باللهِ ورسولهِ، فسينفقون أموالَهم في ذلك، ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ نفقتُهم تلك ﴿عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾. يقولُ: تصيرُ ندامةً عليهم؛ لأن أموالَهم تذهَبُ، ولا يظفَرون بما (١) يأمُلون ويطمَعون فيه من إطفاءِ نورِ اللهِ، وإعلاءِ كلمةِ الكفرِ على كلمةِ اللهِ؛ لأن اللهَ مُعْلى كلمتِه، وجاعلُ كلمةِ الكفرِ السفلى، ثم يغلِبُهم المؤمنون، ويحشُرُ اللهُ الذين كفَروا به وبرسولِه إلى جهنمَ، فيُعَذَّبون فيها، فأَعْظِمْ بها حسرةً وندامةً لمن عاش منهم ومن هلَك، أما الحىُّ فحُرِب (٢) مالُه، وذهَب باطلًا فى غيرِ دَرَكِ (٣) نَفْعٍ، ورجَع مغلوبًا (٤) مقهورًا (٥) مَحروبًا (٦) مسلوبًا. وأما الهالكُ فقُتِل وسُلِب، وعُجِّل به إلى نارِ اللهِ يخلُدُ فيها، نعوذُ باللهِ من غضبِه. وكان الذى تولَّى النفقةَ التى ذكرها اللهُ فى هذه الآيةِ -فيما ذُكر- أبا سفيانَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. قال: نزَلت في أبي سفيانَ بنِ حَرْبٍ، استأجر يومَ أحدٍ ألفين من الأحابيشِ من بني كِنانة، فقاتَل بهم النبيَّ ﷺ . وهم الذين يقولُ فيهم كعبُ بنُ مالكٍ:

стр. 7546

و (١) جئنا إلى مَوْجٍ من البحرِ وَسْطَهُ … أحابيشُ (٢) منهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ ثلاثةُ آلافٍ ونحن نَصِيَّةٌ (٣) … ثلاثُ مئينَ إِن كثُرنا (٤) فَأَرْبَعُ (٥) حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، عن يعقوبَ القُمِّىِّ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أَبْزَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: نزَلت في (٦) أبي سفيانَ، استأجر يومَ أحدٍ ألفين ليقاتلَ بهم رسولَ اللهِ ﷺ ، سوى من استجاش من العربِ (٧). قال: أخبرنا أبى، عن خطَّابِ بنِ عثمانَ العُصْفُريِّ، عن الحكمِ بنِ عُتيبةَ (٨): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: نزَلت في أبي سفيانَ، أنْفَق على المشركين يومَ أحدٍ أربعين (٩) أوقيَّةً [من ذهبٍ] (١٠)، وكانت الأوقيَّةُ يومَئذٍ اثنين وأربعين مِثْقالًا (١١).

стр. 7547

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. قال: لما قَدِم أبو سفيانَ بالعيرِ إلى مكةَ، أَشَّب (١) الناسَ ودعاهم إلى القتالِ حتى غزا نبيَّ اللهِ من العامِ المقبلِ، وكانت بدرٌ في رمضانَ يومَ الجمعةِ، صبيحةَ سابعَ عشرةَ من شهرِ رمضانَ، وكانت أحدٌ في شوَّالٍ يومَ السبتِ لإحدى عَشْرةَ خلَت منه في العامِ الرابعِ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: قال اللهُ - فيما كان المشركون، و (٢) منهم أبو سفيانَ، يستأجرون الرجالَ يقاتلون محمدًا بهم-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: وهو محمدٌ ﷺ . ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾. يقولُ: ندامةً يومَ القيامةِ وويلًا، ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، حتى قولِه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال: في نفقةِ أبي سفيانَ على الكفارِ يوم أحدٍ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

стр. 7548

مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال (١): ثنى محمدُ بنُ مسلمِ بنُ عبيدِ اللهِ بنِ شهابٍ الزُّهْرىُّ ومحمدُ بنُ يَحيى بنِ حِبَّانَ (٢) وعاصمُ بنُ عمرَ (٣) ابنِ قتادةَ، والحُصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ (٤) عمرِو بنِ سعدِ بنِ معاذٍ (٥)، قالوا: لما أُصيب (٦) يومَ بدرٍ من كفارِ قريشٍ من أصحابِ القَليبِ، ورجَع فلُّهم إلى مكةَ، ورجَع أبو سفيانَ بعيرِه، مشى عبدُ اللهِ بنُ أبي (٧) ربيعةَ، وعكرمةُ بنُ أبي جهلٍ، وصفوانُ بنُ أميةَ، في رجالٍ من قريشٍ أصيب آباؤُهم وأبناؤُهم وإخوانُهم ببدرٍ، فكلَّموا أبا سفيانَ ابنَ حربٍ، ومن كانت له فى تلك العيرِ من قريشٍ تجارةٌ، فقالوا: يا معشرَ قريشٍ، إن محمدًا قد وَتَرَكم (٨) وقتَل خيارَكم، فأعينونا بهذا المالِ على حربِه لعلنا أن ندركَ منه ثأرًا بمن أُصِيب منا. ففعَلوا. قال: ففيهم -كما ذُكِر عن ابنِ عباسٍ- أَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم﴾، إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٩).

стр. 7549

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، إلى قولِه: ﴿يُحْشَرُونَ﴾. يعني: النفرَ الذين مشَوا إلى أبى سفيانَ، وإلى من كان له مالٌ مِن قريشٍ في تلك التجارةِ، فسألوهم أن يُقَوُّوهم (١) على حربِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ففعلوا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال (٣): أخبرني سعيدُ بنُ أبي (٤) أيوبَ، عن عطاءِ بنِ دينارٍ، فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية: نزَلت في أبي سفيانَ بنِ حربٍ. وقال بعضُهم: عنَى بذلك المشركين من أهلِ بدرٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. الآية. قال: هم أهلُ بدرٍ. والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى ما قلنا، وهو أن يقالَ: إن اللهَ أخبر عن الذين كفَروا به من مشركي قريشٍ أنهم ينفقون أموالَهم ليصدُّوا عن سبيلِ اللهِ، لم يخبرْنا بأىِّ أولئك عنَى، غيرَ أنه عمَّ بالخبرِ الذين كفَروا. وجائزٌ أن يكونَ عنى المُنْفِقين أموالَهم لقتالِ رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه بأُحُدٍ. وجائزٌ أن يكون عنَى المُنْفِقين

стр. 7550

منهم ذلك ببدرٍ. وجائزُ أن يكونَ عنَى الفريقين. وإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ فى ذلك أن يَعُمَّ كما عمَّ جلَّ ثناؤُه الذين كفروا من قريشٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يحشُرُ اللهُ هؤلاء الذين كفَروا بربِّهم، وينفقون أموالَهم للصدِّ عن سبيلِ اللهِ إلى جهنمَ، ليفرِّقَ بينَهم، وهم أهلُ الخُبْثِ، كما قال وسمَّاهم ﴿الْخَبِيثَ﴾، وبين (١) المؤمنين باللهِ وبرسولِه، وهم الطيبون كما سمَّاهم جلَّ ثناؤُه، فميَّز جلَّ ثناؤُه بينَهم بأن أسْكَن أهلَ الإيمانِ به وبرسولِه جناتِه، وأَنْزَل أهلَ الكفرِ نارَه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فميَّز أهلَ السعادةِ مِن أهلِ الشقاوةِ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ثم ذكَر المشركين وما يصنَعُ بهم يومَ القيامةِ، فقال: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ

стр. 7551

الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. يقولُ: يميزَ المؤمنَ من الكافرِ، فيجعلَ الخَبيثَ بعضَه على بعضٍ (١). ويعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿[وَيَجْعَلَ] (٢) الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾: فيجعَلَ الكفارَ بعضَهم فوقَ بعضٍ، ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾. يقولُ: فيجعَلَهم رُكامًا، وهو أن يجمَعَ بعضَهم إلى بعضٍ حتى يكثُروا، كما قال جلَّ ثناؤُه في صفةِ السحابِ: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور: ٤٣]، أي: مجتمِعًا كثيفًا. وكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾. قال: فيجمَعَه جميعًا بعضَه على بعضٍ (٣). وقولُه: ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمْ﴾. يقولُ: فيجعَلَ الخبيثَ جميعًا في جهنمَ. فوحَّد الخبرَ عنهم لتوحيدِ قولِه: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، فجمَع ولم يقلْ: ذلك هو الخاسرُ. فردَّه إلى أوَّلِ الخبرِ. ويعنى بـ ﴿أُولَئِكَ﴾: الذين كفَروا، وتأويلُه: هؤلاء الذين ينفقون أموالَهم ليصدُّوا عن سبيلِ اللهِ هم الخاسرون. ويعنى بقولِه: ﴿الْخَاسِرُونَ﴾. الذين غُبِنت صفقتُهم وخسِرت تجارتُهم، وذلك أنهم شرَوْا بأموالِهم عذابَ اللهِ فى الآخرةِ، وتعجَّلوا بإنفاقِهم إيَّاها، فيما أنفقوا من قتالِ نبىِّ اللهِ والمؤمنين به، الخزىَ والذُّلَّ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل يا محمدُ للذين كفَروا من مشركي

стр. 7552

قومِك: إن ينتهوا عما هم عليه مقيمون من كفرِهم باللهِ ورسولِه، وقتالِك وقتالِ المؤمنين، فيُنيبوا (١) إلى الإيمانِ، يغفِرِ اللهُ لهم ما قد خلا ومضَى من ذنوبِهم قبلَ إيمانِهم وإنابتِهم إلى طاعةِ اللهِ وطاعةِ رسولِه، بإيمانِهم وتوبتهِم، ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ يقولُ: وإن يَعُدْ هؤلاء المشركون لقتالِك بعدَ الوقعةِ التي أوقعتُها بهم يومَ بدرٍ، فقد مضَت سنتى فى الأوَّلين منهم ببدرٍ، ومن غيرِهم من القرونِ الخاليةِ، إذ طَغوا وكذَّبوا رسلى ولم يقبَلوا نُصْحَهم، من إحلالِ عاجلِ النَّقَمِ بهم، فأُحلُّ بهؤلاء إن عادوا لحربِك وقتالِك مثلَ الذين أَحْلَلتُ بهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾: في قريشٍ يومَ بَدْرٍ، وغيرِها من الأممِ قبلَ ذلك (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا (٣) ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

стр. 7553

مجاهدٍ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: في قريشٍ وغيرِها من الأممِ قبلَ ذلك. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال في قولِه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا﴾ لحربِك ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾، أي: من قُتِل منهم يومَ بدرٍ (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ لقتالِك، ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ من أهلِ بدرٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه: وإن يعُدْ هؤلاء لحربِك، فقد رأيتم سنتى فيمن قاتَلكم منهم يومَ بدرٍ، وأنا عائدٌ بمثلِها فيمن حاربكم منهم، فقاتِلوهم حتى لا يكونَ شِركٌ، ولا يُعبدَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، فيرتفعَ البلاءُ عن عبادِ اللهِ من الأرضِ وهو الفتنةُ، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: و (٢) حتى تكونَ الطاعةُ والعبادةُ كلُّها للهِ خالصةً دونَ غيرِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ

стр. 7554

قولَه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. يعنى: حتى لا يكونَ شركٌ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: الفتنةُ: الشِّركُ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: [قاتِلوهم حتى لا يكونَ شركٌ] (٣)، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، حتى يقالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، عليها قاتَل نبيُّ اللهِ ﷺ ، وإليها دعا (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: حتى لا يكونَ شِركٌ (٥). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضَالةَ، عن الحسنِ، فى قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: حتى لا يكونَ بلاءٌ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، أي: لا يُفتنَ (٦) مُؤمنٌ عن دينِه، ويكونَ التوحيدُ للهِ خالصًا ليس فيه شِركٌ، ويُخلعَ ما دونَه مِن

стр. 7555

الأندادِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: حتى لا يكونَ كفرٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: لا يكونَ مع دينِكم كفرٌ (١). حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصَّمَدِ، قال: ثني أبي، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُروةَ، [عن أبيه] (٢)، أن عبدَ الملكِ بنَ مروانَ كتَب إليه يسألُه عن أشياءَ، فكتَب إليه عروةُ: سلامٌ عليك، فإنى أحمدُ اللهَ إليك، الذى لا إله إلا هو، أما بعدُ: فإنك كتبتَ إلىَّ تَسألُنِي عن مخرَجِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن مكةَ، وسأُخبرُك به، ولا حَولَ ولا قوّةَ إلَّا باللهِ: كان من شأنِ خروجِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن مكةَ، أَنَّ اللهَ أعطاه النُّبَّوةَ، فنِعم النبيُّ ونِعمَ السيدُ، ونِعمَ العشيرةُ، فجزاه اللهُ خيرًا، وعرَّفَنا وجهَه في الجنةِ، وأحيانا على مِلَّتِه، وأماتَنا عليها، وبعثَنا عليها، وإنه لمَّا دعا قومَه لما بعثَهُ اللهُ له مِن الهُدى والنورِ الذى أَنزَل عليه، لم يَبعُدوا (٣) منه أوَّلَ ما دَعاهم إليه، وكادوا (٤) يَسمعون له حتى ذكَرَ طواغيتَهم، وقَدِم ناسٌ مِن الطائفِ من قريشٍ لهم أموالٌ - [أنكَر ذلك عليه (٥) ناسٌ] (٦) واشتدُّوا عليه، وكَرِهوا ما قال، وأغرَوا به مَن أطاعَهم، فانصَفَق (٧) عنه

стр. 7556

عامةُ (١) الناسِ فترَكوه، إلا من حفِظه اللهُ منهم وهم قليلٌ، فمكَث بذلك ما قدَّر اللهُ أن يمكثَ، ثم ائْتَمرت رءوسُهم بأن يَفتِنوا من اتَّبَعه عن دينِ اللهِ من أبنائِهم وإخوانِهم وقبائِلهم، فكانت فتنةٌ شديدةُ الزلزالِ، فافتُتِن من افتُتِن، وعصَم اللهُ مَن شاء منهم، فلما فُعِل ذلك بالمسلمينَ أمَرهم رسولُ اللهِ ﷺ أن يَخرُجوا إلى أرضِ الحبَشةِ، وكان بالحبشةِ مَلِكٌ صالحٌ يقال له: النَّجَاشِيُّ. لا يُظْلَمُ أحدٌ (٢) بأرضِه، وكان يُثْنَى عليه، مع ذلك صلاحٌ (٣)، وكانت أرضُ الحبشةِ مَتْجَرًا لقريشٍ يتَّجِرون فيها، ومساكنَ لتجارتهم يجدون فيها رَفاغًا (٤) مِن الرزقِ، وأمنًا ومتجرًا (٥) حَسَنًا، فأمَرهم بها النبيُّ ﷺ ، فذهَب إليها عامتُهم لمَّا قُهِروا بمكةَ، وخافوا عليهم الفَتْنَ، ومكَث هو فلم يَبرَحْ، فمكَث بذلك (٦) سنواتٍ يَشتدُّون على من أسلمَ منهم، ثم إنه فشا الإسلامُ فيها، ودخَل فيه رجالٌ من (٧) أشرافِهم ومنعتِهم؛ فلما رَأوا ذلك استَرْخَوا استرخاءةً عن رسولِ اللهِ ﷺ وعن أصحابِه، وكانت الفِتنةُ الأولى هي أخرجت مَن خرح مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ قِبَل أرضِ الحبشةِ مخافتَها، وفرارًا مما كانوا فيه من الفَتْنِ والزلزالِ، فلما استُرخِى عنهم ودخَل فى الإسلامِ من دخَل منهم، تُحُدِّث بهذا الاسترخاءِ عنهم، فبلَغ ذلك من كان بأرضِ الحبشةِ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنه قد استُرخِى عمن كان منهم بمكةَ، وأنهم لا يُفْتَنون، فرجَعوا إلى مكةَ، وكادوا

стр. 7557

يَأْمنون بها، وجعَلوا يزدادون ويكثُرون، وأنه أسلَم من الأنصارِ بالمدينةِ ناسٌ كثيرٌ، وفشا بالمدينةِ الإسلامُ، وطَفِق أهلُ المدينةِ يَأتون رسولَ اللهِ ﷺ بمكة؛ فلما رأت قريشٌ ذلك، تَوامَرتْ (١) على أن يَفْتِنوهم ويَشْتَدُّوا (٢) عليهم، فأخَذوهم وحَرِصوا على أن يَفْتِنوهم، فأصابَهم جَهْدٌ شديدٌ، وكانت الفِتنةَ الآخِرةَ، فكانت ثِنتين؛ فتنةً أخرَجت من خرَج منهم إلى أرضِ الحبشةِ، حينَ أمَرهم رسولُ اللَّهِ ﷺ بها وأذِن لهم في الخروجِ إليها، وفتنةً لمَّا رجَعوا ورَأوا من يأتيهم مِن أهلِ المدينةِ، ثم إنه جاء رسولَ اللَّهِ ﷺ مِن المدينةِ سبعون نَقِيبًا (٣) رءوسُ الذين أسلَموا، فوافَوه بالحجِّ، فبايَعوه بالعَقَبةِ، وأعطَوه على: أنا منك وأنت منا، وعلى أن مَن جاء من أصحابِك، أو جِئْتَنا، فإنا نمنَعُك مما نَمْنَعُ منه أنفسَنا. فاشتَدَّت عليهم قريشٌ عندَ ذلك، فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه أن يَخرُجوا إلى المدينةِ، وهى الفتنةُ الآخرةُ التي أخرَج فيها رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه وخرَج هو، وهى التى أَنزَلَ اللهُ فيها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ الرحمنِ بنُ أبى الزِّنادِ، عن أبيه، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، أنه كتَب إلى الوليدِ: أما بعد، فإنك كتبت إلىَّ تَسألُنى عن مخرَج رسولِ اللهِ ﷺ مِن مكةَ، وعندى بحمدِ اللَّهِ من ذلك علمٌ بكلِّ ما كتَبتَ تسألُنى عنه، وسأُخبِرُك إن شاءَ اللهُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ، ثم ذكر نحوه (٥).

стр. 7558

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: يِسافُ ونائلةُ صَنمانِ كانا يُعبدانِ. وأمّا قولُه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ فإنَّ معناه: فإنِ انتَهَوا عن الفتنةِ، وهى الشركُ باللهِ، وصاروا إلى الدينِ الحقِّ معكم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِير﴾، يقولُ: فإنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عليه ما يَعملون (١) من تركِ الكفرِ، والدخولِ في دينِ الإسلامِ؛ لأنه يُبصرُهم (٢)، ويُبصرُ (٣) أعمالَهم (٤)، والأشياءُ كلُّها مُتَجَلِّيَةٌ له، لا تَغيبُ عنه، و ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]. وقد قال بعضُهم: معنى ذلك: فإنِ انتَهَوا عن القتالِ. والذى قُلنا في ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ المشركينَ وإنِ انتَهَوا عن القتالِ، فإنه كان فرضًا على المؤمنين قتالهم حتى يُسلموا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنْ أدْبرَ هؤلاء المشركون عما دعوتُموهم إليه أيها المؤمنون من الإيمانِ باللهِ ورسولِه، وتركِ قتالِكم على كفرِهم، [فأبَوا إلا الإصرارَ] (٥) على

стр. 7559

الكفرِ وقتالِكم، فقاتِلوهم وأيْقِنوا أن اللهَ مُعينُكم عليهم وناصركُم، ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ -هو لكم- يقولُ: نِعمَ المعينُ لكم ولأوليائِه، ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: وهو الناصرُ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن أمرِك إلى ما هم عليه من كفرِهم، فإنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاكُمْ الذى أعزَّكم ونصَركم عليهم يومَ بدرٍ، في كثرةِ عددِهم وقلةِ عُدَدِكم، ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. قال أبو جعفرٍ: وهذا تعليمٌ من اللهِ المؤمنين قسْمَ غنائمِهم إذا غنِموها، يقولُ تعالى ذِكرُه: واعْلموا أيها المؤمنون أن ما غنِمتم من غنيمةٍ. واختلف أهلُ العلمِ في معنى الغنيمةِ والفَيْءِ؛ فقال بعضُهم: فيهما معنيان كلُّ واحدٍ منهما غيرُ صاحبِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ (٢) بنُ عبدِ الرحمنِ، عن الحسنِ بنِ صالحٍ، قال: سألتُ عطاءَ بنَ السائبِ عن هذه الآيةِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. وعن هذه الآيةِ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧]. قال:

стр. 7560

قلتُ (١): ما الفَىْءُ وما الغنيمةُ؟ قال: إذا ظهَر المسلمون على المشركين وعلى أرضِهم، وأخذوهم عَنوةً، فما أخذوا من مالٍ ظهَروا عليه فهو غنيمةٌ، وأما الأرضُ فهو في سوادِنا هذا فَيْءٌ (٢). وقال آخرون: الغنيمةُ: ما أُخِذَ عَنْوةً، والفَيْءُ: ما كان عن صلحٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ الثوريِّ، قال: الغنيمةُ: ما أصاب المسلمون عَنوةً بقتالٍ؛ فيه الخُمُسُ وأربعةُ أخماسٍ لمن شهِدها، والفيءُ: ما صُولِحوا عليه بغيرِ قتالٍ، وليس فيه خمسٌ، هو لمن سمَّى اللهُ (٣). وقال آخرون: الغنيمةُ والفَيْءُ بمعنًى واحدٍ. وقالوا: هذه الآيةُ التي في الأنفالِ ناسخةٌ قولَه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الحشر: ٧]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. قال: كان الفئُ فى هؤلاء، ثم نُسِخَ ذلك فى سورةِ "الأنفالِ": ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى

стр. 7561

وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. فنسَخت هذه ما كان قبلَها في سورةِ "الحشرِ"، وجُعِلَ الخُمُسُ لمن كان له الفئُ فى سورةِ "الحشرِ"، وسائرُ ذلك لمن قاتل عليه (١). وقد بيَّنا فيما مضَى الغنيمةَ، وأنها المالُ يُوصلُ إليه من مالِ من خوَّل اللهُ مالَه أهلَ دينِه، بغلبةٍ عليه وقهرٍ بقتالٍ (٢). فأما الفيءُ فإنه ما أفاءه اللهُ على المسلمين من أموالِ أهلِ الشركِ، وهو ما ردَّه عليهم منها بصُلْحٍ من غيرِ إيجافِ (٣) خيلٍ ولا ركابٍ. وقد يجوزُ أَن يُسَمَّى ما رَدَّتْه عليهم منها سيوفُهم ورماحُهم وغيرُ ذلك من سلاحِهم فيئًا، لأن الفيءَ إنما هو مصدرٌ من قولِ القائلِ: فاء الشيءُ يفئُ فيئًا. إذا رجَع، وأفاءه اللهُ: إذا ردَّه. غيرَ أن الذى ردَّ (٤) حُكْمَ اللهِ فيه من الفيءِ بحُكْمِه (٥) في سورةِ "الحشرِ"، إنما هو ما وصفتُ صفتَه من الفيءِ دونَ ما أُوجِفَ عليه منه بالخيلِ والركابِ؛ لعللٍ قد بَيَّنْتُها في كتابِنا "كتابِ لطيفِ القولِ فى أحكامِ شرائعِ الدينِ) وسَنُبيِّنُه أيضًا في تفسيرِ سورةِ "الحشرِ" إذا انتهينا إليه إن شاء اللهُ تعالى. وأما قولُ مَن قال: الآية فى سورةِ "الأنفالِ" ناسخةٌ الآيةَ في سورةِ "الحشرِ"، فلا معنَى له، إذ كان لا معنَى في إحدى الآيتين يَنْفِى حُكْمَ الأخرى. وقد بيَّنا أن معنَى النسخِ هو نفىُ حكمٍ قد ثبَت بحكمٍ خلافُه في غيرِ موضعٍ بما أغنَى عن إعادتِه

стр. 7562

في هذا الموضعِ (١). وأما قولُه: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ فإنه مرادٌ به كلُّ ما وقَع عليه اسمُ شيءٍ مما خوَّله اللهُ المؤمنين من أموالِ من غلَبوا على مالِه من المشركين مما وقَع فيه القَسْمُ حتى الخيطِ والمخْيطِ. كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: المِخْيَطُ من الشيءِ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: قولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، مِفتاحُ كلامٍ، وللهِ الدنيا والآخرةُ وما فيهما، وإنما معنى الكلامِ: فأن للرسولِ (٥) خمسَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ،

стр. 7563

قال: سألتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. قال: هذا مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ الدنيا والآخرةُ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ بنَ محمدٍ عن قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: هذا مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ الدنيا والآخرةُ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: ثنا أبو شِهابٍ، عن وَرْقاءَ، عن نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا بعث سريةً، فغنِموا خمَّس الغنيمةَ، فضرَب ذلك الخمسَ فى خمسةٍ، ثم قرَأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. قال: وقولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ ما في السماواتِ وما فى الأرضِ، فجعَل اللهُ سهمَ اللهِ وسهمَ الرسولِ واحدًا" (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: للهِ كلُّ شيءٍ (٣). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: اللهِ (٤) كلُّ شيءٍ، وخُمُسٌ للهِ ورسولِه، ويُقسَمُ ما سوى ذلك على أربعةِ أسهمٍ (٥).

стр. 7564

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت الغنيمةُ تُقْسَمُ خمسةَ أخماس، فأربعةُ أخماسٍ لمَن قاتَل عليها، ويُقْسَمُ الخُمُس الباقى على خمسةِ أخماسٍ، فخُمُسٌ للهِ والرسولِ (١). حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا أبانٌ، عن الحسنِ، قال: أوْصَى أبو بكرٍ ﵁ بالخُمُسِ مِن مالِه، وقال: أَلا أَرْضَى مِن مالى بما رضِي اللهُ لنفسِه (٢)! حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. قال: حُمُسُ اللَّهِ وخُمُسُ رسولِه واحدٌ، كان النبىُّ ﷺ يَحْمِلُ منه، ويَصْنَعُ (٣) فيه ما شاء (٤). حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن أصحابِه، عن إبراهيمَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: كلُّ شيءٍ للهِ، الخمُسُ للرسولِ ولذى القُرْبى واليَتامَى والمساكينِ وابن السبيلِ. وقال آخَرون: معنى ذلك: فإن لبيتِ اللَّهِ خُمُسَه وللرسولِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجرَّاحِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ

стр. 7565

ابنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ الرِّياحيِّ، قال: كان رسولُ اللَّهِ يُؤْتَى بالغنيمة، فيَقْسِمُها على خمسةٍ، تكونُ أربعةُ أخماسٍ لمن شهِدها، ثم يَأْخُذُ الخمسَ فيَضْرِبُ بيدِه فيه، فيَأْخُذُ منه الذى قبَض كفُّه فيَجْعَلُه للكعبةِ، وهو سهمُ اللَّهِ، ثم يَقْسِمُ ما بقى على خمسةِ أسهمٍ، فيكونُ سهمٌ للرسولِ، وسهمٌ لذوى القُرْبى: وسهمٌ لليَتامَى، وسهمٌ للمساكينِ، وسهمٌ لابن السبيلِ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: فكان يُجاءُ بالغَنيمةِ، فتُوضَعُ فَيَقْسِمُها رسولُ اللهِ ﷺ خمسةَ أسهمٍ، فيَجْعَلُ أربعةً بينَ الناسِ، ويَأْخُذُ سهمًا، ثم يَضْرِبُ بيدِه فى جميعِ ذلك السهمِ، فما قبَض عليه مِن شيءٍ جعَله للكعبةِ، فهو الذى سُمِّى للَّهِ، ويقولُ: "لا تَجْعَلوا للهِ نصيبًا، فإن للَّهِ الدنيا والآخرةَ". ثم يَقْسِمُ نصيبَه (٢) على خمسةِ أسهمٍ؛ سهمٍ للنبيِّ ﷺ ، وسهمٍ لذَوِى القُرْبى، وسهمٍ لليَتامَى، وسهمٍ للمساكينِ، وسهمٍ لابنِ السبيلِ. وقال آخرون: ما سُمِّى لرسولِ اللهِ ﷺ مِن ذلك فإنما هو مرادٌ به قرابتُه، وليس للهِ ولا لرسولِه منه شيءٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ
следующие страницы →