← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: وحينَ زيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم. وكان تزيينُه ذلك لهم كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء إبليسُ يومَ بدرٍ في جُنْدٍ مِن الشياطينِ معه رايتُه، [والشيطانُ] (١) في صورةِ رجلٍ مِن بني مُدْلِجٍ؛ في صورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ، فقال الشيطانُ للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾. فلما اصْطَفَّ الناسُ، أخذ رسولُ اللهِ ﷺ قبضةً مِن الترابِ، فرَمى بها (٢) وجوهَ المشركين، فولُّوا مُدْبِرِين، وأقْبَل جبريلُ إلى إبليسَ، فلما رآه، وكانت يدُه في يدِ رجلٍ مِن المشركين، انْتَزَع إبليسُ يدَه، فولَّى مدبرًا (٣) وشِيعتُه، فقال الرجلُ: يا سُراقةُ، أَتَزْعُمُ أنك لنا جارٌ؟! قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وذلك حين رأى الملائكةَ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 7597

السدِّى، قال: أتَى المشركين إبليسُ في صورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ الكِنانيِّ الشاعرِ، ثم المُدْلجِيِّ، فجاء على فرسٍ، فقال للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾. فقالوا: ومَن أنت؟ قال: أنا جارُكم سُراقةُ، وهؤلاء كِنانةُ قد أتَوْكم. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ، ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بن الزبيرِ، قال: لمَّا أجْمَعَت قريشٌ المسيرَ ذكَرَت الذي بينَها وبينَ بني (١) بكرٍ - يعنى مِن الحرب - فكاد ذلك أن يَثْنِيَهم (٢)، فتَبَدَّى لهم إبليسُ في صورةِ سُراقةَ بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ - وكان مِن أشرافِ بني كِنانةَ - فقال: أنا جارٌ لكم مِن أن تَأْتِيَكُم كِنانةُ بشيءٍ تَكْرَهونه، فخرَجوا سِراعًا (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ في قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾. فذكَر اسْتِدراجَ إبليسَ إياهم وتشَبُّهَه بسراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ لهم (٤)، حينَ ذكَروا ما بينَهم وبينَ بني (١) بكرِ بن عبدِ مَناةَ بن كِنانةَ في (٥) الحربِ التي كانت بينَهم، يقولُ اللهُ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾، ونظرَ عدوُّ اللهِ إلى جنودِ اللَّهِ مِن الملائكةِ، قد أيَّد اللهُ بهم رسولَه والمؤمنين على عدوِّهم، ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾، وصدَق عدوُّ الله، إنه رأَى ما لا يَرَوْن، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فأَوْرَدَهم ثم أَسْلَمَهم. قال:

стр. 7598

فذُكِر لى أنهم كانوا يَرَوْنه في كلِّ منزلٍ في صورةِ سُراقةُ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ لا يُنْكِرونه، حتى إذا كان يومُ بدرٍ، والْتَقَى الجمعان، كان الذي رآه حينَ نكَص الحارثُ بنُ هشامٍ أو عميرُ بنُ وهبٍ الجُمَحيُّ، فذُكِر أحدُهما، فقال (١): أين [أي سُراقَ؟ مثَلَ] (٢) عدوُّ الله وذهَب (٣). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قال: ذُكِر لنا أنه رأَى جبريلَ تَنْزِلُ معه الملائكةُ، فزعَم عدوُّ اللهِ أنه لا يَدَانِ (٤) له بالملائكةِ، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾. وكذَب واللهِ عدوُّ اللهِ، ما به مخافةُ اللهِ، ولكن علِم أن لا قوةَ له ولا مَنَعةَ له، وتلك عادةُ عدوِّ اللهِ لمن أطاعَه [واستقاد له] (٥)، حتى إذا الْتَقَى الحقُّ والباطلُ، أَسْلَمَهم شرَّ مُسْلَم، وتبَرَّأ منهم عندَ ذلك (٦). حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية. قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ، سار إبليسُ برايتِه وجنودِه مع المشركين، وأَلْقَى في قلوبِ المشركين: إن أحدًا لن يَغْلِبَكم، وإنى جارٌ لكم. فلمَّا الْتَقَوْا ونظر الشيطانُ إلى أمدادِ الملائكةِ، ﴿نَكَصَ

стр. 7599

عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ - قال: رجَع مُدْيرًا - وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ الفرجِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ بن الماجشونِ، قال: ثنا مالكٌ، عن إبراهيمَ بن أبي عَبْلةَ، عن طلحةَ بن عُبيدِ اللَّهِ بن كَرِيزٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "ما رُؤى إبليسُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أَحْقَرُ ولا أَدْحَر ولا أَغْيَظُ مِن يومِ عرفةَ، وذلك مما يَرَى مِن تنزيلِ الرحمةِ والعفوِ عن الذنوبِ، إلا ما رأَى يومَ بدرٍ". قالوا: يا رسولَ اللِه، وما رأَى يومَ بدرٍ؟ قال: وأمَا إنه رأَى جبريلَ يَزْعُ الملائكةَ (٢) " (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن حميدٍ بن هلالٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾. قال: رأَى جبريلَ مُعْتَجِرًا (٤) بِبُرْدٍ، يَمْشِى بين يديِ النبيِّ ﷺ ، وفي يدِه اللِّجامُ، ما ركِب (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هاشم بنُ القاسمِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن حُميدِ بن هلالٍ، قال: قال الحسنُ: وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية، قال: سار إبليسُ مع المشركين ببدرٍ برايتِه وجنودِه، وألْقَى في

стр. 7600

قلوبِ المشركين: إن أحدًا لن (١) يَغْلِبَكم وأنتم تُقاتِلون على دينِ آبائِكم، ولن تُغلبوا كثرةً. فلمَّا الْتَقَوْا ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. يقولُ: رجع مُدْبرًا وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾. يعنى الملائكةَ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: لمَّا أجمعت قريشٌ على السيرِ، قالوا: إنما نَتَخَوَّفُ مِن بنى بكرٍ. فقال لهم إبليس في صُورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ: أنا جارٌ لكم مِن بنى بكرٍ، ولا غالبَ لكم اليومَ مِن الناسِ. فتأويلُ الكلامِ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في هذه الأحوالِ وحين زيَّن لهم الشيطانُ خروجَهم إليكم أيُّها المؤمنون الحربِكم وقتالِكم، وحسَّن ذلك لهم، وحثَّهم عليكم، وقال لهم: لا غالبَ لكم اليومَ مِن بنى آدمَ، فَاطْمَئِنوا وأَبْشِرُوا، ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ مِن كِنانةَ أن تَأْتِيَكم مِن ورائِكم فتُغِيرَكم؛ أُجِيرُكم وأَمْنَعُكم منهم، فلا تَخافوهم، واجْعَلوا حدَّكم (٢) وبأسَكم على محمدٍ وأصحابِه، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾. يقولُ: فلما تزاحَفَت جنودُ اللهِ مِن المؤمنين وجنودُ الشيطانِ مِن المشركين، ونظَر بعضُهم إلى بعضٍ، ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. يقولُ: رجعَ القَهْقَرَى على قَفاه هاربًا. يقالُ منه: نكَص يَنْكُصُ ويَنْكِصُ نُكوصًا. ومنه قولُ زُهَيْرٍ (٣): هم يَضْرِبون حَبِيكَ البَيْضِ (٤) إذ لَحِقوا … لا يَنْكُصون إذا ما اسْتُلْحِموا وحَمُوا

стр. 7601

وقال للمشركين: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ يعنى أنه يَرَى الملائكةَ الذين بعَثهم اللهُ مَدَدًا للمؤمنين، والمشركون لا يَرَوْنهم، إنى أخافُ عقابَ اللهِ، وكذَب عدُّو الله، ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في هذه الأحوالِ (١) ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ وكرَّ (٢) بقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ على قولِه: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. يعنى: شكٌّ في الإسلام، لم يَصِحُّ يقينُهم، ولم تُشْرَحْ بالإيمانِ صدورهم، ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾. يقولُ: غَرَّ هؤلاء الذين يُقاتِلون المشركين مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ مِن أنفسِهم - دينُهم وذلك الإسلامُ. وذُكِر أن الذين قالوا هذا القولَ كانوا نفرًا ممن كان قد تكَلَّم بالإسلامِ مِن مشركي قريشٍ، ولم يَسْتَحْكمِ الإسلامُ في قلوبُهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ

стр. 7602

دِينُهُمْ﴾. قال: كان ناسٌ مِن أهلِ مكةَ تكَلَّموا بالإسلامِ، فخرَجوا مع المشركين يومَ بدرٍ، فلمَّا رأَوْا قلةَ المسلمين، قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ (١). حدَّثني إسحاقُ (٢) بنُ شاهينَ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرِ مثلَه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾. قال: فئةٌ مِن قريشٍ؛ [أبو قيسِ بنُ] (٣) الوليدِ بن المغيرِة، وأبو قيسِ بنُ الفاكهِ بن المغيرةِ، والحارثُ بنُ زَمْعَةَ بن الأسودِ بن المطلبِ، وعليُّ بنُ أميةَ بن خلفٍ، والعاصى بنُ مُنَبِّهِ بن الحجاجِ، خرَجوا مع قريشٍ مِن مكةَ، وهم على الارْتيابِ، فحبَسهم ارْتيابُهم، فلمَّا رأَوْا قلةَ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ قالوا ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ حتى [قدِموا على ما] (٤) قدِموا عليه مع قلةِ عددِهم وكثرةِ عدوِّهم (٥). [فشرد بهم مِن خلفَهم] (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾. قال: هم قومٌ لم يَشْهَدوا القتالَ يومَ بدرٍ، فسُمُّوا منافقين. قال معمرٌ: وقال بعضُهم: قومٌ كانوا أقَرُّوا بالإسلامِ، وهم بمكةَ، فخرَجوا مع المشركين يومَ بدرٍ،

стр. 7603

فلمَّا رأَوْا قلةَ المسلمين قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قال: رأَوْا عِصابةً مِن المؤمنين شرَدتْ (٢) لأمرِ اللهِ. وذُكِر لنا أن أبا جهلٍ عدوَّ اللَّهِ لمَّا أشْرَف على محمدٍ ﷺ ، وأصحابِه، قال: واللَّهِ لا يُعْبَدُ اللَّهُ بعدَ اليومَ. قَسْوةً (٣) وعُتُوًّا (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: ناسٌ كانوا مِن المنافقين بمكةَ، قالوه يومَ بدرٍ، وهم يومَئذٍ ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا (٥). قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: لمَّا دنا القومُ بعضُهم مِن بعضٍ، فقلَّل اللهُ المسلمين في أعينِ المشركين، وقلَّل المشركين في أعينِ المسلمين، فقال المشركون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾. وإنما قالوا ذلك مِن قلتهم في أعينِهم، وظنُّوا أنهم سيَهْزِمونهم لا يَشْكُّون في ذلك، فقال اللهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

стр. 7604

وأما قولُه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. فإن معناه: ومَن يُسْلِمُ أمره إلى الله ويَثِق به، ويَرْضَ بقضائِه، فإن الله حافظُه وناصره؛ لأنه عزيزٌ لا يَغْلِبُه شَيءٌ، ولا يَفْهَرُه أَحدٌ، فجارُه مَنيعٌ، ومَن يَتَوَكَّلْ عليه مكفيٌّ (١). وهذا أمرٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وغيرِهم أن يُفَوِّضوا أمرَهم إليه، ويُسَلِّموا لقضائه، كيما يكفيهم أعداءهم، ولا يَسْتَذِلَّهم مَن ناوَأَهم؛ لأنه عزيزٌ غيرُ مغلوبٍ، فجارُه غير مَقْهورٍ، ﴿حَكِيمٌ﴾ يقولُ: هو فيما يُدَبِّرُ مِن أمرِ خلقِه، حكيمٌ لا يَدْخُلُ تدبيره خَلَلٌ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ولو تُعايِنُ يا محمدُ حينَ يَتَوَفَّى الملائكةُ أرواحَ الكفارِ، فتَنزعُها مِن أجسادِهم، تَضْرِبُ الوجوهَ منهم والأسْتاهَ، ويقولون لهم: ذُوقوا عذابَ النارِ التي تُحرِقُكم يومَ وُرودِكم جهنمَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابِن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. قال: يومُ بدرٍ (٣).

стр. 7605

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سليمٍ (١)، عن إسماعيلَ بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. قال: وأَسْتاهَهم، ولكنَّ الله كريمٌ يَكُنِى (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. قال: وأستاههم، ولكنه كريمٌ يَكْنِى: (٣). حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. قال: إن الله كنَى، ولو شاء لقال: أسْتاهَهم، وإنما عنى بأدبارِهم أستاهَهم (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أستاهَهم يومُ بدرٍ. قال ابن جريجٍ: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوهِهم إلى المسلمين ضرَبوا وجوهَهم بالسيوفِ، وإذا ولَّوْا أدْرَكَتهم الملائكةُ، فضرَبوا أدبارَهم (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ، عن الحسنِ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، إني رأيتُ بظهرِ أبي جهل مثلَ الشِّراكِ!

стр. 7606

قال: ما ذاك؟ قال: "ضربُ الملائكةٍ" (١). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، أن رجلًا قال للنبيِّ ﷺ : إلى حمَلْتُ على رجلٍ مِن المشركين، فذهَبْتُ لأضْرِبَه، فندَر (٢) رأسه! فقال: "سبَقك إليه المَلَكُ". حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى حَرْملة، أنه سمِع عمرَ مولى غُفْرة (٣) يقولُ: إذا سمِعْتَ الله يقولُ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. فإنما يُرِيدُ أستاهَهم (٤). قال أبو جعفرٍ: وفى الكلامِ محذوفٌ اسْتغْنِى بدلالةِ الظاهرِ عليه مِن ذكرِه، وهو قوله: ويقولون: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. حُذفت "يقولون"، كما حُذِفَت مِن قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢]. بمعنى: يقولون: ربَّنا أَبْصَرْنا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الملائكةِ لهؤلاء المشركين الذين قُتِلوا ببدرٍ، أنهم يقولون لهم، وهم يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم: ذُوقوا عذابَ اللَّهِ الذي يُحْرِقُكم، هذا العذابُ لكم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. أي: بما كسَبَت أيديكم

стр. 7607

مِن الآثامِ، والأوْزارِ، واجْتَرَحْتُم (١) مِن معاصى اللهِ أيامَ حياتِكم، فذُوقوا اليومَ العذاب، وفى مَعادِكم عذابَ الحريق، وذلك لكم بأن اللَّهَ ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: لا يُعاقِبُ أحدًا مِن خلقه إلا بجُرْمٍ اجْتَرَمه، ولا يُعَذِّبُه إِلا بمعصيتِه إياه؛ لأن الظلمَ لا يَجوزُ أن يكونَ منه. وفى فتحِ "أن" مِن قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾، وجهان مِن الإعرابِ؛ أحدُهما: النصبُ، وهو للعطفِ (٢) على "ما" التي في قولِه: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ بمعنى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ و بـ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في قولِ بعضِهم، والخفضُ في قولِ بعضٍ. والآخرُ: الرفعُ على: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وذلك أن الله (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فعَل هؤلاء المشركون مِن قريشٍ الذين قُتِلوا ببدرٍ كعادةِ قومِ فرعوَن وصَنيعهم وفعلِهم، وفعل مِن كذَّب بحُجَجِ اللهِ ورسلهِ مِن الأمم الخاليةِ قبلَهم، ففعَلْنا (٤). بهم كفعلِنا بأولئك. وقد بيَّنا فيما مضَى أن الدَّأْبَ هو الشأنُ والعادةُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٥).

стр. 7608

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شَيْبانُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ ومجاهدٍ وعطاءٍ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: كفعلِ آِل فرعونَ، كسُننِ آلِ فرعونَ. وقولُه: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾. يقولُ: فعاقَبَهم اللهُ بتكذيبِهم حججَه ورسلَه، ومعصيتِهم ربَّهم، كما عاقبَ أشكالَهم، والأممَ الذين قبلَهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾: لا يَغْلِبُه غالبٌ، ولا يَرُدُّ قضاءَه رادٌّ، يَنْفُذُ أَمرُه، ويَمْضِى قضاؤه في خلقِه شديدٌ عقابُه لمن كفَر بآياتِه، وجحَد حُجَجَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأخَذْنا هؤلاء الذين كفَروا بآياتِنا مِن مشركي قريشٍ بيدرٍ بذنوبِهم، وفعَلْنا ذلك بهم، بأنهم غيَّروا ما أنْعَم اللهُ عليهم به مِن ابتعاثِه رسولَه منهم وبينَ أظهرِهم، بإخْراجِهم إياه مِن بينِهم، وتكذيبِهم له، وحربِهم إياه، فغيَّرنا نعمتَنا عليهم بإهلاكنا إياهم، كفعلِنا ذلك في الماضِين قبلَهم، ممن طغَى علينا وعصَى أمرَنا. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ: نعمةُ اللهِ محمدٌ ﷺ ، أنْعَم به على قريشٍ وكفَروا، فنقَله إلى الأنصارِ (١).

стр. 7609

وقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن كلامِ خلقِه، يَسْمَعُ كلامَ كلِّ ناطقٍ منهم، بخيرٍ نطَق أو بشرٍّ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تُضْمِرُه صدورُهم، وهو مُجازِيهم ومُثيبُهم على ما يقولون ويَعْمَلون، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: غيَّر هؤلاء المشركون باللهِ، المقتولون ببدرٍ، نعمةَ ربِّهم التي أنْعَم بها عليهم، بابتعاثِه محمدًا منهم، وبينَ أظهرِهم، داعيًا لهم إلى الهدى، بتكذيبِهم إياه، وحربِهم له، ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: كسُنَّةِ آلِ فرعونَ وعادتِهم، وفعلِهم بموسى نبيِّ اللهِ في تكذيبِهم إياه، وقَصْدِهم (١) لحربِه، وعادةِ مَن قبلهم مِن الأممِ المكذِّبةِ رسلَها وصَنيعهم، ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بعضًا بالرَّجفة، وبعضًا بالخَسْفِ، وبعضًا بالريحِ، ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ في اليَمِّ، ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. يقولُ: كلُّ هؤلاء الأممِ التي أهْلَكْناها كانوا فاعلِين ما لم يَكُن لهم فعلُه مِن تكذيبهم رسلَ اللهِ والجحودِ لآياتِه، فكذلك أهْلَكْنا هؤلاء الذين أهْلَكْناهم ببدرٍ، إذ غيَّروا نعمةَ اللَّهِ عندَهم، بالقتلِ بالسيفِ (٢)، وأذْلَلْنا بعض! هم بالإسارِ والسِّباءِ. القولُ في تأويلِ قولِه ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾.

стр. 7610

يقولُ تعالى ذكرُه: إن شرَّ ما دبَّ على الأرضِ عندَ اللهِ الذين كفَروا بربِّهم، فجحَدوا وَحْدانيتَه، وعبَدوا غيره، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فهم لا يُصَدِّقون رسلَ اللهِ، ولا يُقرُّون بوحيِه وتنزيلِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ يا محمدُ، يقولُ: أخَذْتَ عهودَهم ومَواثيقِهم أن لا يُحاربوك، ولا يُظاهِروا عليك محاربًا لك، كقُرَيظةَ ونُظِرائهم ممَّن كان بينَك وبينَهم عهدٌ وعقدٌ، ثم ينقُضون عهودَهم ومَواثيقَهم، كلما عاهَدوا دافعَوك (١) وحارَبوك وظاهَروا عليك، وهم لا يَتَّقُون الله، ولا يَخافون في فعلِهم ذلك أن يُوقِعَ بهم وَقْعةً تَجْتاحُهم وتهلِكُهم. كالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾. قال: قريظةُ مالَئوا على محمدٍ يومَ الخندق أعداءَه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ

стр. 7611

يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فإما تَلْقَيَنَّ في الحربِ هؤلاء الذين عاهَدْتهم، فنقضُوا عهدَك مرةً بعد مرة مِن قُرَيظَةَ فتَأْسِرْهم، ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: فافْعَلْ بهم فعلًا يكونُ مُشَرِّدًا مِن خلفَهُم مِن نظرائهم ممَّن بينَك وبينَه عهدٌ وعقدٌ. والتشريدُ: التطريدُ والتبديدُ والتفريقُ. وإنما أُمِر بذلك نبيُّ اللهِ ﷺ أن يَفْعَلَ بالناقضِ العهد بينَه وبينَهم، إذا قدَر عليهم، فعلًا يكونُ إخافةً لمن وراءَهم ممن كان بينَ رسولِ اللهِ ﷺ وبينَه عهدٌ، حتى لا يَجْتَرِئوا على مثل الذي اجْتَرَأ عليه هؤلاء الذين وصَف اللهُ صفتَهم في هذه الآية مِن نقضِ العهدِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ يعني: نكِّلْ بهم مِن بعدَهم (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: نكِّلْ بهم مَن وراءَهم (٢).

стр. 7612

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: عِظْ بهم مَن سِواهم مِن الناسِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: نَكِّلْ بهم مَن خلفهم، مِن بعدهم مِن العدوِّ، لعلهم يَحْذَرون أن يَنْكُثوا، فتَصْنَعَ بهم مثلَ ذلك (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. قال: أنْذِرْ بهم مَن خلفَهم (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: نكِّلْ بهم مَن خَلفَهم؛ مَن بعدهم. قال ابن جُريجٍ: قال عبد الله بن كثيرٍ: نَكِّلْ بهم مِن وراءَهم. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. أي: نكِّلْ بهم مَن وراءَهم لعلهم يَعْقِلُون (٤).

стр. 7613

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ بنَ مُزاحم يقولُ في قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: نكِّلْ بهم مِن بعدَهم (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. قال: أخِفْهم بما تَصْنَعُ بهؤلاء. وقرَأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وأما قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. فإن معناه: كي يَتَّعِظوا بما فعَلْتَ بهؤلاء الذين وصَفْتُ صفتَهم، فيَحْذَروا نقضَ العهدِ الذي بينَك وبينَهم؛ خوفَ أَن يَنْزِلَ منك ما نزَل بهؤلاء إذا هم نقَضوه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإما تخافنَّ يا محمدُ مِن عدوٍّ لك، بينَك وبينَه عهدٌ وعقدٌ، أَن يَنْكُثَ عهدَه ويَنْقُضَ عقدَه ويَغْدِرَ بك، وذلك هو الخيانةُ والغدرُ، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. يقولُ: فناجِزْهم بالحربِ، وأعْلِمْهم قبلَ (٢) حربِك إياهم أنك قد فسَخْتَ (٣) العهدَ بينَك وبينَهم بما كان منهم؛ مِن ظهورِ أمارِ (٤) الغدرِ والخيانةِ منهم، حتى تَصِيرَ أنت وهم على سَواءٍ في (٥) العلمِ بأنك لهم محاربٌ، فيَأْخُذوا للحربِ آلتَها، وتَبْرَأَ مِن الغدرِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾: الغادرين

стр. 7614

بمَن كان منه في أمانٍ وعهدٍ بينَه وبينَه أن يَغْدِرَ به، فيُحارِبَه قبلَ إعلامِه إياه أنه له حربٌ، وأنه قد فاسَخه العقدَ. فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ نقضُ العهدِ بخوفِ الخيانةِ، والخوفُ ظنٌّ لا يقينٌ؟ قيل: إن الأمرَ بخلافِ ما إليه ذهبْتَ، وإنما معناه: إذا ظهَرَت أمارُ (١) الخيانةِ مِن عدوِّكِ، وخِفْتَ وقوعَهم بك، فألْقِ إليهم مقاليدَ السَّلْمِ، وآذِنْهم بالحربِ، وذلك كالذي كان مِن بنى قُريظةَ، إذ أجابوا أبا سفيانَ ومَن معه مِن المشركين إلى مظاهرتِهم على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ومحاربتِهم معه بعدَ العهدِ الذي كانوا عاهَدوا رسولَ اللَّهِ ﷺ على المُسالَمةِ، ولن يُقاتِلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فكانت إجابتُهم إياه إلى اللَّهِ ذلك مُوجِبًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ خوفَ الغدرِ به وبأصحابِه منهم، فكذلك حكمُ كلَّ قومٍ أهلِ مُوادَعةٍ للمؤمنين، ظهَر لإمامِ المسلمين منهم مِن دلائلِ الغدرِ مثلُ الذي ظهَر لرسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه مِن قريظةَ منها، فحقٌّ على إمامِ المسلمين أن يَنْبِذَ إليهم على سَواءٍ، ويُؤْذِنَهم بالحربِ. ومعنى قوله: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾. أي: حتى يَسْتَوى علمُك وعلمُهم بأن كلَّ فريقٍ منكم حربٌ لصاحبِه لا سِلْمٌ. وقيل: نزَلَت الآيةُ في قريظةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. قال: قريظةَ (٢).

стр. 7615

وقد قال بعضُهم: السَّواءُ في هذا الموضعِ المَهَلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: إنه مما تبَيَّن لنا أن قولَه: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. أنه على مَهَلٍ؛ كما حدَّثنا بكيرٌ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ في قولِ اللَّهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ١، ٢]. وأما أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ، فإنهم في معناه مُخْتَلِفون، فكان بعضُهم يقولُ: معناه: فانْبِذْ إليهم على عَدْلٍ. يعنى: حتى يَعْتَدِلَ علمُك وعلمُهم بما عليه بعضُكم لبعضٍ مِن المحاربةِ، واسْتَشْهَدوا لقولِهم ذلك بقولِ الراجزِ (١): واضْرِبْ وُجوهَ الغُدُرِ الأعْداءِ حتى يُجِيبُوك إلى السَّواءِ يعني: إلى العدلِ. وكان آخرون يقولون: معناه الوسَطُ. مِن قول حسَّانَ (٢): يا وَيْحَ أنصارِ الرسولِ ورَهْطِه … بعدَ المغيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ بمعنى: في وسَطِ المُلْحَدِ (٣). وكذلك هذه المعانى مُتَقارِبةٌ؛ لأن العَدْلَ وسَطٌ لا يَعْلُو فوق الحقِّ،

стр. 7616

ولا يَقْصُرُ عنه، وكذلك الوسَطُ عَدْلٌ، وكذلك الوسَطُ عَدْلٌ، واسْتواءُ علمِ (١) الفريقين فيما عليه بعضُهم لبعضٍ بعدَ (٢) المُهادَنةِ، عدلٌ مِن الفعلِ ووسَطٌ، وأما الذي قاله الوليدُ بنُ مسلمٍ مِن أن معناه المَهَلُ، فما لا أَعْلَمُ له وجهًا في كلامِ العربِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾. اخْتَلَفَت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: (ولا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَروا سَبَقُوا إنهم). بكسرِ الألف من "إنهم" وبالتاءِ في: "تحسبن"، بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ يا محمدُ الذين كفَروا سبَقونا، ففاتونا بأنفسِهم، ثم ابْتُدِئ الخبرُ عن قدرةِ اللَّهِ عليهم، فقيل: إن هؤلاء الكفَرةَ لا يُعْجِزون ربَّهم إذا طلَبَهم وأراد تعذيبَهم وإهلاكَهم بأنفسِهم، فيَفُوتوه بها. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالياءِ في "يَحْسَبَنَّ"، وكسرِ الألفِ من ﴿إِنَّهُمْ﴾ (٣). وهي قراءةٌ غيرُ حميدةٍ لمعنيين؛ أحدُهما: خروجُها (٤) مِن قراءةِ القرأةِ وشذوذُها عنها، والآخرُ: بُعْدُها مِن فصيحِ كلامِ العربِ، وذلك أن "يَحْسَبُ": يَطْلُبُ في كلامِ العربِ منصوبًا وخَبَرَه كقولِه: عبدُ (٥) اللَّهِ يَحْسَبُ (٦) أخاك قائمًا ويقومُ وقام. فقارئُ هذه القراءةِ أَصْحَبَ

стр. 7617

"يَحْسَبُ" خبرًا الغير مُخبَرٍ عنه مذكورٍ، وإنما كان مراده - ظنِّي (١) -: ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفَروا سبَقوا إنهم لا يُعْجِزوننا، فلم يُفَكِّرْ في صوابِ مَخْرَجِ الكلامِ وسُقْمِه، واسْتَعْمَل في قراءتِه ذلك كذلك ما ظهَر له مِن مفهومِ الكلامِ، وأحْسَبُ أن الذي دعاه إلى ذلك الاعتبارُ بقراءةِ عبدِ اللَّهِ، وذلك أنه فيما ذُكر في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنهم سبقوا إنهم لا يعجزون) (٢). وهذا فصيحٌ صحيحٌ إذا أُدْخِلَت "أنهم" في الكلامِ؛ لأن "يَحْسَبَنَّ" عاملةٌ في "أنهم". وإذا لم يَكُنْ في الكلام "أنهم" كانت خاليةً من اسمٍ تَعْمَلُ فيه. وللذى قرَأ (٣) ذلك مِن القرأةِ وجهانِ في كلامِ العربِ، وإن كانا بعيدَيْن مِن فصيحِ كلامِهم؛ أحدُهما: أن يَكونَ أُرِيدَ به: ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفَروا أن سبَقوا، أو أنهم سبَقوا. ثم حذَف "أن وأنهم"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤]. بمعنى: أن يُرِيَكم. وقد يُنْشَدُّ في نحوِ ذلك بيتٌ لذي الرُّمَّةِ (٤): أَظَنَّ (٥) ابن طُرْثُوثٍ عُتَيْبَةُ (٦) ذاهبًا … بعادِيَّتِي (٧) تَكْذابه وجَعَائِلهْ (٨) بمعنى: أَظَنَّ ابْنُ طُرْثُوثٍ أَن يَذْهَبَ بِعادِيَّتى تكذابه وجَعائِلُه؟ وكذلك قراءةُ

стр. 7618

مَن قرَأ ذلك بالياء، يُوَجِّهُ "سبقوا" إلى "سابقين" على هذا [المعنى. والوجهُ الثاني: على أنه أراد إضْمارَ منصوبٍ بـ "يحسب" كأنه قال: ولا يَحْسَبُ الذين كفَروا أنهم سبَقوا. ثم حذَف "أنهم" (١) وأضْمَرَ. وقد وجَّه بعضُهم معنى قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. إنما ذلكم الشيطانُ يُخَوِّفُ المؤمنَ مِن أوليائه، وأن ذِكْرَ المؤمنِ مُضْمَرٌ في قوله: ﴿يُخَوِّفُ﴾. إذ كان الشيطانُ عنده لا يُخَوِّفُ أولياءه. وقرَأ ذلك بعضُ أهل الشام: (ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا) بالتاءِ مِن "تحسين"، (سبَقوا أنهم لا يُعْجِزون) بفتحِ الألفِ مِن "أنهم" (٢)، بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفَروا أنهم لا يُعْجِزون. ولا وجهَ لهذه القراءةِ يُعْقَلُ إلا أن يَكونَ أراد القارئ بـ "لا" التي في ﴿يُعْجِزُونَ﴾ "لا" التي تَدْخُلُ في الكلامِ حَشْوًا وصِلَةً، فيكونَ معنى الكلامِ حينئذٍ: ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا سبَقوا أنهم يُعْجِزون (٣). ولا وجهَ لتوجيهِ حرفٍ في كتابِ اللَّهِ إلى التطويلِ بغيرِ حُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، وله في الصحةِ مَخْرَجٌ. قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأ: (ولا تَحْسَبَنَّ) بالتاء، (الذين كفَروا سبَقوا إنهم) بكسر الألف مِن ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾. بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ أنت يا محمدُ الذين جحَدوا حججَ اللَّهِ، وكذَّبوا بها سبَقونا بأنفسِهم] (٤)،

стр. 7619

[ففاتونا، إنهم لا يُعْجِزوننا أي: يَفُوتوننا بأنفسِهم، ولا يَقْدِرون على الهربِ منا. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: (وَلَا تَحْسَبَن الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنهُمْ لا يُعْجِزُون). يقولُ: لا يَفُوتون (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ لهؤلاء الذين كفروا بربِّهم الذين بينَكم] (٢) وبينَهم عهدٌ (٣)، إذا خِفْتُم خيانتَهم وغدرَهم أيُّها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه، ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. يقولُ: ما أَطَقْتُم أن تَعُدُّوه لهم مِن الآلاتِ التي تكونُ قوةً لكم عليهم مِن السلاحِ والخيلِ، ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. يقولُ: تُخِيفون بإعدادِكم ذلك عدوَّ اللَّهِ وعدوَّكم مِن المشركين. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا [ابن إدريسَ] (٤)، قال: سمِعْتُ أسامةَ بنَ زيدٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ، عن رجلٍ مِن جُهَيْنةَ يَرْفَعُ الحديثَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: "ألا إن الرمْىَ هو القوةُ، ألا إن الرمْىَ هو القوةُ".

стр. 7620

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا سعيدُ بن شُرَحْبِيلَ، قال: ثنا ابن لهيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ وعبدِ الكريمِ بن الحارثِ، عن أبي عليٍّ الهَمْدانيِّ، أنه سمع عقبةَ بنَ عامرٍ على المنبرِ يقولُ: قال اللَّهُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. ألا وإنى سمِعْتُ رسول اللَّهِ ﷺ يقولُ على المنبرِ: "قال اللَّهُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوةَ الرميُ، ألا إن القوةَ الرميُ". ثلاثًا (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محبوبٌ وجعفرُ بنُ عَوْنٍ ووكيعٌ وأبو أسامةَ وأبو نُعَيْمٍ، عن أسامةَ بن زيدٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ، عن رجلٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: قرَأ رسولُ اللَّهِ ﷺ على المنبرِ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. فقال: "ألَا إن القوةَ الرميُ، ألا إن القوةَ الرميُ". ثلاثَ مراتٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أسامةَ بن زيدٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ، عن رجلٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ، أن النبيَّ ﷺ اقرأ هذه الآيةَ على المنبرِ، فذكرَ نحوَه. حدَّثنا أحمدَ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أسامةُ بنُ زيدٍ، عن صالحِ بن كيسانَ، عن عقبةَ بن عامرٍ، عن، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ، عن أخيه محمدِ بن عُبيدة، عن أخيه عبدِ اللَّهِ بن عُبيدةَ، عن عقبةَ بن عامرٍ، عن

стр. 7621

النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: "ألا إن القوةَ الرميُ" (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن شعبةَ بن دينارٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. قال: الحصونِ، ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. قال: الإناثِ (٢). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن رجاءِ بن أبي سلمةَ، قال: لقِى رجلٌ مجاهدًا بمكةَ، ومع مجاهدٍ جُوَالِقٌ (٣)، قال: فقال مجاهدٌ: هذا القوةِ. ومجاهدٌ يَتَجَهَّزُ للغزوِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: مِن سلاحٍ (٥). وأما قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. فقال ابن وكيعٍ: حدَّثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن عثمانَ بن المغيرةِ الثَّقَفيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. قال: تُخْزُون به عدوَّ اللَّهِ وعدوَّكم (٦).

стр. 7622

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عثمانَ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمة وسعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. قال: تُخْزُون به عدوَّ اللَّهِ وعدوَّكم، وكذا كان يقرؤها (١): (تُخْزُونَ) (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عثمانَ بن المغيرةِ وخُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ تُخْزُون به. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه. يقالُ منه: أَرْهَبْتُ العدوَّ ورهَّبْتُه، فأنا أُرْهِبُه [وأُرَهْبُه] (٣) إِرْهابًا وتَرْهيبًا (٤)، وهو الرَّهَبُ والرُّهْبُ، ومنه قولُ طُفَيْلٍ الغَنَويِّ (٥): وَيْلُ أُمِّ حَيٍّ دَفَعْتُم فِي نُحورِهمُ … بني كِلابٍ غَداةَ الرُّعْبِ والرَّهَبِ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في هؤلاء الآخرين مَن هم وما هم؟ فقال بعضُهم: هم بنو قُريظةَ.

стр. 7623

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾. يعنى: مِن بني قُرَيظةَ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾. قال: قريظةَ. وقال آخرون: مِن فارسَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدَ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: هؤلاء أهلُ فارسَ (٢). وقال آخرون: هم كلُّ عدوٍّ للمسلمين غيرِ الذي أُمِر النبيُّ ﷺ أن يُشَرِّدَ بهم مَن خلفَهم، قالوا: وهم المنافقون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. قال: أخِفْهم بهم لما تَصْنَعُ بهؤلاء. وقرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (٣).

стр. 7624

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾. قال: هؤلاء المنافقون لا تَعْلَمونهم؛ لأنهم معكم يقولون: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ويَغْرُون معكم. وقال آخرون: هم قومٌ مِن الجنِّ. قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ أمَر المؤمنين بإعدادِ الجهادِ وآلةِ الحربِ وما يَتَقَوَّون به على جهادِ عدوِّه وعدوِّهم مِن المشركين مِن السلاحِ والرمِي وغيرِ ذلك ورباطِ الخيلِ، ولا وجهَ لأن يقالَ: عُنِى بالقوةِ معنًى دونَ معنًى مِن معاني القوةِ، وقد عمَّ اللَّهُ الأمرَ بها. فإن قال قائلٌ: فإن رسولَ اللَّهِ ﷺ قد بيَّن أن ذلك مرادٌ به الخصوصُ بقولِه: "ألا إن القوةَ الرميُ"؟ قيل له: إن الخبرَ، وإن كان قد جاء بذلك فليس في الخبرِ ما يَدلُّ على أنه مرادٌ بها الرميُ خاصةً دونَ سائرِ معاني القوةِ عليهم، فإن (١) الرميَ أحدُ معاني القوةِ؛ لأنه إنما قيل في الخبرِ: "ألا إن القوةَ الرمىُ". ولم يُقَلْ: دونَ غيرِها. ومن القوةِ أيضًا السيفُ والرمحُ والحربةُ، وكلُّ ما كان مَعونةً على قتالِ المشركين، كمعونةِ الرميِ أو أبْلَغَ مِن الرميِ فيهم وفى النِّكايةِ منهم، هذا مع وَهَاءِ سندِ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ (٢). وأما قولُه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾. فإن قولَ مَن قال: عُنِى به الجنُّ. أقربُ وأشبهُ بالصوابِ؛ لأنه جلَّ ثناؤُه قد أدْخَل بقولِه: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. الأمرَ بارتباطِ الخيلِ لإرهابِ كلِّ عدوٍّ

стр. 7625

للَّهِ وللمؤمنين يَعْلَمونهم، ولا شكَّ أن المؤمنين كانوا عالمِين بعَداوةِ قريظةَ وفارسَ لهم؛ لعلمِهم بأنهم مشركون، وأنهم لهم حربٌ، ولا معنى لأن يقالَ: وهم يَعْلَمونهم لهم أعداءً ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾، ولكن معنى ذلك - إن شاء اللَّهُ - تُرْهِبون بارْتِباطِكم أيُّها المؤمنون الخيلَ عدوَّ اللَّهِ وأعداءَكم مِن بني آدمَ، الذين قد علِمْتُم عداوتَهم لكم لكفرِهم باللَّهِ ورسولِه، وتُرْهِبون بذلك جنسًا آخرَ مِن غيرِ بني آدمَ، لا تَعْلَمون أماكنَهم وأحوالَهم اللَّهُ يَعْلَمُهم دونَكم؛ لأن بني آدمَ لا يَرَوْنهم. وقيل: إن صهيلَ الخيلِ يُرْهِبُ الجنَّ، وإن الجنَّ لا تَقْرَبُ دارًا فيها فرسٌ. فإن قال قائلٌ: فإن المؤمنين كانوا لا يَعْلَمون ما عليه المنافقون، فما تُنْكِرُ أن يكونَ عُنِى بذلك المنافقون؟ قيل: فإن المنافقين لم يَكُنْ تَرُوعهم خيلُ المسلمين ولا سلاحُهم، وإنما كان يَرُوعهم أن يَظْهَرَ المسلمون على سرائرِهم التي كانوا يَسْتَسِرُّون من الكفر، وإنما أُمِر المؤمنون بإعدادِ القوةِ لإرهابِ العدوِّ، فأَما مَن لم يُرْهِبه ذلك، فغيرُ داخلٍ في معنى مَن أُمِر بإعدادِ ذلك له المؤمنون، وقيل: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾. فاكْتُفِى للعلمِ بمنصوبٍ واحدٍ في هذا الموضعِ؛ لأنه أُرِيد لا تَعْرِفونهم، كما قال الشاعرُ (١): فإن اللَّهَ يَعْلَمُنى ووَهْبًا … وأنَّا سَوفَ يَلْقَاهُ كِلانا القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾. يقول تعالى ذكره: وما أَنْفَقْتُم أيُّها المؤمنون مِن نفقةٍ في شراءِ آلةِ حربٍ مِن سلاحٍ أو حِرابٍ (٢)، أو كُرَاعٍ، أو غيرِ ذلك من النفقاتِ في جهادِ أعداءِ اللَّهِ مِن

стр. 7626

المشركينَ يُخْلِفْه اللَّهُ عليكم في الدنيا، ويَدَّخِرْ لكم أُجورَكم على ذلك عندَه، حتى يُوَفِّيَكموها يومَ القيامة، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: يَفْعَلُ ذلك بكم ربُّكم، فلا يُضِيعُ أجورَكم عليه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يَضِيعُ لكم عندَ اللَّهِ أجرُه في الآخرةِ، وعاجلُ خَلَفِه في الدنيا (١). القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وإما تخافَنَّ مِن قومٍ خِيانَةً وغدرًا، فانْبِذْ إليهم على سواءٍ، وآذِنْهم بالحربِ، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾: وإن مالوا إلى مسالمَتِك، ومُتارَكتِك الحربَ، إما بالدخولِ في الإسلامِ، وإما بإعطاءِ الجزيةِ، وإما بموادَعَةٍ، ونحوِ ذلك من أسبابِ السَّلْمِ والصلحِ، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾، يقولُ: فمِلْ إليها، وابْذُل لهم ما مالوا إليه مِن ذلك وسألوكه. يقالُ منه منه: جنَح الرجلُ إلى كذا يَجْنَحُ إليه جُنوحًا، وهى لتَميمٍ، وقيسٍ فيما ذُكِر عنها تقولُ: يَجْنُحُ، بضمِّ النونِ. وآخرون: يقولون: يَجْنِحُ بكسرِ النونِ، وذلك إذا مال. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (٢):

стр. 7627

جَوانِحَ قَدْ أَيْقَنَّ أَن قَبِيلَه … إذا ما الْتَقَى الجَمْعَانِ أولُ غالِبِ جوانحُ: مَوائلُ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾. قال: للصلحِ، ونسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) [التوبة: ٥]. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾: إلى الصلحِ، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾. قال: وكانت هذه قبلَ "براءة"؛ كان نبيُّ اللَّهِ ﷺ يُوادِعُ القومَ إلى أجلٍ، فإما أن يُسْلِموا، وإما أن يُقاتِلَهم (٢)، ثم نُسِخ ذلك بعدُ في "براءة"، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. ونبَذَ (٣) إلى كلِّ ذى عهدٍ عهدَه (٤)، وأمَره (٥) بقتالِهم، حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّهُ، ويُسْلِموا، وأن لا يَقْبَل منهم إلا ذلك، وكلُّ عهدٍ كان في هذه السورةِ وفي غيرِها، وكلُّ صلحٍ يُصالِحُ به

стр. 7628

المسلمون المشركين يَتَوادَعون به (١)، فإن "براءةَ" جاءَت بنسخِ ذلك، فأُمِر بقتالِهم على كلِّ حالٍ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ (٢)، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾: نسَخَتها الآيةُ التي في "براءةَ"؛ قولُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، إلى قولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣) [التوبة: ٢٩]. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾. يقولُ: وإن أرادوا الصلحَ فأرِدْه (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، أي: إن دعَوْك إلى السَّلْمِ، إلى الإسلامِ، فصالِحْهم عليه (٥). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾. قال: فصالِحْهم، قال: وهذا قد نسَخَه الجهادُ (٦). فأما ما قاله قتادةُ ومَن قال مثلَ قولِه مِن أن هذه الآيةَ منسوخةٌ، فقولٌ لا دَلالةَ

стр. 7629

عليه مِن كتابٍ ولا سنةٍ ولا فِطْرةِ عقلٍ. وقد دلَّلْنا في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا وغيرِه، على أن الناسخَ لا يكونُ إلا ما نفَى حكمَ المنسوخِ مِن كلِّ وجهٍ، فأما ما كان بخلافِ ذلك فغيرُ كائنٍ ناسخًا. وقولُ اللَّهِ في "براءةَ": ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. غيرُ نافٍ حكمُه حكمَ قولِه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾؛ لأن قولَه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾. إنما عُنِى به بنو قريظةَ، وكانوا يهودًا أهلَ كتابٍ، وقد أذِن اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه للمؤمنين بصلحِ أهلِ الكتابِ، ومُتارَكتِهم الحربَ، على أخْذِ الجزيةِ منهم. وأما قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فإنما عُنِى به مشركو العربِ مِن عَبَدة الأوثانِ الذين لا يَجوزُ قبولُ الجزيةِ منهم، فليس في إحدى الآيتين نفيُ حكمِ الأخرى، بل كلُّ واحدةٍ منهما مُحْكَمةٌ فيما أُنْزِلَت فيه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾. قال: قريظةُ (١). وأما قولُه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: فوِّضْ إلى اللَّهِ يا محمدُ أمرَك، واسْتَكْفِه واثقًا به أنه يَكْفِيك. كالذي حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: إن الله كافيك (٢). وقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. يعنى بذلك: إن اللَّهَ الذي تَتَوَكَّلُ عليه

стр. 7630

سميعٌ لما تَقولُ أنت ومَن تُسالِمُه وتُتارِكُه الحربَ مِن أعداءِ اللَّهِ وأعدائِك، عندَ عقدِ السَّلْمِ بينَك وبينَه، وبشرطِ (١) كلِّ فريقٍ منكم على صاحبِه مِن الشروطِ، و ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يُضْمِرُه كلُّ فريقٍ منكم للفريقِ الآخرِ مِن الوفاءِ بما عاقَدَه عليه، ومَن المُضْمِرُ ذلك منكم في قلبه، والمُنْطَوِى على خلافِه لصاحبِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن يُرِدْ يا محمدُ هؤلاء الذين أمَرْتُك بأن تَنْبِذَ إليهم على سَواءٍ، إن خِفْتَ منهم خيانةً، وبمُسالمَتِهم إن جنَحوا للسَّلْمِ - خَداعَك والمكرَ بك، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾. يقولُ: فإن الله كافِيكهم وكافيك خداعَهم إياك؛ لأنه مُتَكَفِّلٌ بإظهارِ دينِك على الأديانِ، ومُتَضَمِّنٌ أَن يَجْعَلَ كلمتَه العليا وكلمةَ أعدائِه السُّفْلى، ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾. يقولُ: اللَّهُ الذي قوَّاك بنصرِه إياك على أعدائِه، ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾. يعنى: بالأنصارِ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾. قال: قريظةُ (٣).

стр. 7631

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾: هو مِن وراءِ ذلك (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾. قال: بالأنصارِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾. يُريدُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾: وجمعَ بينَ قلوبِ المؤمنين مِن الأوسِ والخزرجِ، بعدَ التفرقِ والتَّشَتُّتِ، على دينِه الحقِّ، فصيَّرهم به جميعًا بعدَ أن كانوا أشْتاتًا، وإخْوانًا بعدَ أن كانوا أعداءً. وقوله: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : لو أنْفَقْتَ يا محمدُ ما في الأرضِ جميعًا من ذهبٍ ووَرِقٍ وعَرَضِ، ما جَمعْتَ أنت بينَ قلوبِهم بحِيَلِك، ولكنَّ اللَّهَ جَمعها على الهدى، فائْتَلَفَت (٣) واجْتَمَعَت؛ تقوية مِن اللَّهِ لك وتأييدًا منه، ومعونةً على عدوِّك، يقولُ جلَّ ثناؤُه: والذي فعَل ذلك وسبَّبه لك، حتى (٤) صاروا لك أعوانًا وأنصارًا ويدًا واحدةً على مَن بَغاك سُوءًا هو الذي إن رام عدوٌّ منك مرامًا يَكْفِيك كيدَه، ويَنْصُرُك عليه، فثِقْ به، وامْضِ لأمرِه، وتوَكَّلْ عليه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 7632

ذكر مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: هؤلاء الأنصارُ ألَّف بينَ قلوبِهم مِن بعدِ حربٍ فيما كان بينَهم. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن بَشيرِ بن ثابتٍ - رجلٍ من الأنصارِ - أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾: يعنى: الأنصارَ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ على الهُدَى الذي بعَثك به إليهم، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بدينِه الذي جمَعهم عليه، يعني: الأوسَ والخزرجَ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن إبراهيمَ الخُوزيِّ (٢)، عن الوليدِ بن أبى مُغيثٍ، عن مجاهدٍ قال: إذا الْتَقَى المسلمان فتصَافحا، غُفِر لهما. قال: قلتُ لمجاهدٍ: بمُصافحةٍ (٣) يُغفَرُ لهما (٤)؟ فقال مجاهدٌ: أما سمِعْتَه يقولُ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾؟ فقال الوليدُ لمجاهدٍ: أنت أعلمُ منى (٥).

стр. 7633

حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ أبي عُميرٍ، قال: ثني الوليدُ، عن أبي عمرٍو، قال: ثنى عَبْدةُ بنُ أبي لُبابةَ، عن مجاهدٍ، ولقيتُه وأَخَذ بيدى، فقال: إذا تَراءَى المتحابَّانِ في اللَّهِ، فأَخَذ أحدُهما بيدِ صاحبِه وضحِك إليه، تحاتَّت خَطاياهما كما يَتَحاتُّ ورقُ الشجرِ، قال عَبْدةُ: فقلتُ له: إن هذا لَيسيرٌ (١). قال: لا تَقُل ذلك، فإن اللَّهَ يقولُ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾. قال عَبْدةُ: فَعَرَفْتُ أنه أفقه مني (٢). حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ غَزْوانَ، قال: أَتَيْتُ أبا إسحاقَ فسلَّمتُ عليه، فقلتُ: أَتَعْرِفُني؟ فقال فُضَيْلٌ: نعم، لولا الحياءُ منك لقبَّلتك. حدَّثني أبو الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في المتحابِّين في اللَّهِ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن غُليةَ، قال: أخْبرَنا ابن عونٍ، عن عُميرِ (٤) بن إسحاقَ، قال: كنا نَتَحَدَّثُ أن أولَ ما يُرْفَعُ مِن الناس - أو قال: عن الناسِ - الألفةُ (٥).

стр. 7634

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سويدٍ، عن الأوزاعيِّ، قال ثنى عبدُة بنُ أبي لُبابةَ، عن مجاهدٍ، ثم ذكَر نحوَ حديثِ عبدِ الكريمِ عن الوليدِ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [أبو أسامةَ] (١) وابنُ نُمَيْرٍ وَحَفصُ مِنْ غِيَاثٍ، عن فُضَيلِ بن غَزْوانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوصِ، قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ يقولُ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، قال: هم المُتَحابُّون في اللَّهِ (٢). وقوله: ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ الذي ألَّفَ بينَ قلوبِ الأوسِ والخزرجِ بعدَ تَشَتُّتِ كلمتِها و (٣) تَعادِيها، وجَعَلهم لك أنصارًا ﴿عَزِيزٌ﴾: لا يقْهَرُه شيءٌ، ولا يَرُدُّ قضاءَه رادٌّ، ولكنه يَنْفُذُ في خلقِه حكمُه. يقولُ: فعليه فتوكَّلْ، وبه فثِقْ، ﴿حَكِيمٌ﴾: في تَدْبيرِه خلقَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يا أيُّها النبيُّ حَسْبُك اللَّهُ، وحَسْبُ مَن اتَّبَعَك من المؤمنين اللَّهُ. يقولُ لهم جلّ ثناؤه: ناهِضوا عدوَّكم فإن اللَّهَ كافِيكم أمرَهم، ولا يَهُولَنَّكم كثرةُ عَددِهم وقلةُ عَددِكم، فإن اللَّهَ مُؤيِّدُكم بنَصرِه. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 7635

ذكر مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، عن شَوْذبٍ أبي (١) معاذٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: حسبُك اللَّهُ، وحسبُ مَن اتَّبعك مِن المؤمنين اللَّهُ (٢). حدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ بن حكيمٍ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن شَوْذَبٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: حسبُك اللَّهُ وحسبُ مَن معك (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن سفيانَ، عن شَوْذبٍ، عن عامر بنحوِه، إلا أنه قال: حسبُك اللَّهُ، وحسبُ من شَهِد معك. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، عن ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: يا أيُّها النبيُّ حسبُك اللَّهُ وحسبُ مَن اتَّبَعَك مِن المؤمنين، إن حسبَك أنت وهم اللَّهُ. فـ "من" من قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، على هذا التأويلِ الذي ذَكَرناه عن الشعبيِّ، نُصِبَ عطفًا على معنى الكافِ في قولِه: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾. لا على لفظِه؛ لأنها في محلِّ خفضٍ في الظاهرِ، وفي محلِ نصبٍ في المعنى؛ لأن
следующие страницы →