← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. فنسَخت هذه ما كان قبلَها في سورةِ "الحشرِ"، وجُعِلَ الخُمُسُ لمن كان له الفئُ فى سورةِ "الحشرِ"، وسائرُ ذلك لمن قاتل عليه (١). وقد بيَّنا فيما مضَى الغنيمةَ، وأنها المالُ يُوصلُ إليه من مالِ من خوَّل اللهُ مالَه أهلَ دينِه، بغلبةٍ عليه وقهرٍ بقتالٍ (٢). فأما الفيءُ فإنه ما أفاءه اللهُ على المسلمين من أموالِ أهلِ الشركِ، وهو ما ردَّه عليهم منها بصُلْحٍ من غيرِ إيجافِ (٣) خيلٍ ولا ركابٍ. وقد يجوزُ أَن يُسَمَّى ما رَدَّتْه عليهم منها سيوفُهم ورماحُهم وغيرُ ذلك من سلاحِهم فيئًا، لأن الفيءَ إنما هو مصدرٌ من قولِ القائلِ: فاء الشيءُ يفئُ فيئًا. إذا رجَع، وأفاءه اللهُ: إذا ردَّه. غيرَ أن الذى ردَّ (٤) حُكْمَ اللهِ فيه من الفيءِ بحُكْمِه (٥) في سورةِ "الحشرِ"، إنما هو ما وصفتُ صفتَه من الفيءِ دونَ ما أُوجِفَ عليه منه بالخيلِ والركابِ؛ لعللٍ قد بَيَّنْتُها في كتابِنا "كتابِ لطيفِ القولِ فى أحكامِ شرائعِ الدينِ) وسَنُبيِّنُه أيضًا في تفسيرِ سورةِ "الحشرِ" إذا انتهينا إليه إن شاء اللهُ تعالى. وأما قولُ مَن قال: الآية فى سورةِ "الأنفالِ" ناسخةٌ الآيةَ في سورةِ "الحشرِ"، فلا معنَى له، إذ كان لا معنَى في إحدى الآيتين يَنْفِى حُكْمَ الأخرى. وقد بيَّنا أن معنَى النسخِ هو نفىُ حكمٍ قد ثبَت بحكمٍ خلافُه في غيرِ موضعٍ بما أغنَى عن إعادتِه

стр. 7562

في هذا الموضعِ (١). وأما قولُه: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ فإنه مرادٌ به كلُّ ما وقَع عليه اسمُ شيءٍ مما خوَّله اللهُ المؤمنين من أموالِ من غلَبوا على مالِه من المشركين مما وقَع فيه القَسْمُ حتى الخيطِ والمخْيطِ. كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: المِخْيَطُ من الشيءِ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: قولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، مِفتاحُ كلامٍ، وللهِ الدنيا والآخرةُ وما فيهما، وإنما معنى الكلامِ: فأن للرسولِ (٥) خمسَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ،

стр. 7563

قال: سألتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. قال: هذا مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ الدنيا والآخرةُ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ بنَ محمدٍ عن قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: هذا مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ الدنيا والآخرةُ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: ثنا أبو شِهابٍ، عن وَرْقاءَ، عن نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا بعث سريةً، فغنِموا خمَّس الغنيمةَ، فضرَب ذلك الخمسَ فى خمسةٍ، ثم قرَأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. قال: وقولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ ما في السماواتِ وما فى الأرضِ، فجعَل اللهُ سهمَ اللهِ وسهمَ الرسولِ واحدًا" (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: للهِ كلُّ شيءٍ (٣). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: اللهِ (٤) كلُّ شيءٍ، وخُمُسٌ للهِ ورسولِه، ويُقسَمُ ما سوى ذلك على أربعةِ أسهمٍ (٥).

стр. 7564

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت الغنيمةُ تُقْسَمُ خمسةَ أخماس، فأربعةُ أخماسٍ لمَن قاتَل عليها، ويُقْسَمُ الخُمُس الباقى على خمسةِ أخماسٍ، فخُمُسٌ للهِ والرسولِ (١). حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا أبانٌ، عن الحسنِ، قال: أوْصَى أبو بكرٍ ﵁ بالخُمُسِ مِن مالِه، وقال: أَلا أَرْضَى مِن مالى بما رضِي اللهُ لنفسِه (٢)! حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. قال: حُمُسُ اللَّهِ وخُمُسُ رسولِه واحدٌ، كان النبىُّ ﷺ يَحْمِلُ منه، ويَصْنَعُ (٣) فيه ما شاء (٤). حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن أصحابِه، عن إبراهيمَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: كلُّ شيءٍ للهِ، الخمُسُ للرسولِ ولذى القُرْبى واليَتامَى والمساكينِ وابن السبيلِ. وقال آخَرون: معنى ذلك: فإن لبيتِ اللَّهِ خُمُسَه وللرسولِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجرَّاحِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ

стр. 7565

ابنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ الرِّياحيِّ، قال: كان رسولُ اللَّهِ يُؤْتَى بالغنيمة، فيَقْسِمُها على خمسةٍ، تكونُ أربعةُ أخماسٍ لمن شهِدها، ثم يَأْخُذُ الخمسَ فيَضْرِبُ بيدِه فيه، فيَأْخُذُ منه الذى قبَض كفُّه فيَجْعَلُه للكعبةِ، وهو سهمُ اللَّهِ، ثم يَقْسِمُ ما بقى على خمسةِ أسهمٍ، فيكونُ سهمٌ للرسولِ، وسهمٌ لذوى القُرْبى: وسهمٌ لليَتامَى، وسهمٌ للمساكينِ، وسهمٌ لابن السبيلِ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: فكان يُجاءُ بالغَنيمةِ، فتُوضَعُ فَيَقْسِمُها رسولُ اللهِ ﷺ خمسةَ أسهمٍ، فيَجْعَلُ أربعةً بينَ الناسِ، ويَأْخُذُ سهمًا، ثم يَضْرِبُ بيدِه فى جميعِ ذلك السهمِ، فما قبَض عليه مِن شيءٍ جعَله للكعبةِ، فهو الذى سُمِّى للَّهِ، ويقولُ: "لا تَجْعَلوا للهِ نصيبًا، فإن للَّهِ الدنيا والآخرةَ". ثم يَقْسِمُ نصيبَه (٢) على خمسةِ أسهمٍ؛ سهمٍ للنبيِّ ﷺ ، وسهمٍ لذَوِى القُرْبى، وسهمٍ لليَتامَى، وسهمٍ للمساكينِ، وسهمٍ لابنِ السبيلِ. وقال آخرون: ما سُمِّى لرسولِ اللهِ ﷺ مِن ذلك فإنما هو مرادٌ به قرابتُه، وليس للهِ ولا لرسولِه منه شيءٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ

стр. 7566

عباسٍ، قال: كانت (١) الغنيمةُ تُقْسَمُ على خمسةِ أخْماسٍ، فأربعةٌ منها لمَن قاتلَ عليها، وحُمُسٌ واحدٌ يُقْسَمُ على أربعةٍ، فرُبعٌ للهِ والرسولِ ولذِى القُرْبى -يعنى قرابةَ النبيِّ ﷺ - فما كان للهِ والرسولِ فهو لقرابةِ النبيِّ ﷺ ، ولم يَأْخُذِ النبيُّ ﷺ مِن الخُمُسِ شيئًا، والربُعُ (٢) الثانى لليَتامَى، والربعُ (٢) الثالثُ للمَساكينِ، والربعُ (٢) الرابعُ لابنِ السبيلِ (٣). وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: قولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ افتتاحُ كلامٍ، وذلك لإجماعِ الحجَّةِ على أن الخُمُسَ غيرُ جائزٍ قَسْمُه على ستةِ أسهمٍ، ولو كان للهِ فيه سهمٌ، كما قال أبو العاليةِ، لوجَب أن يكونَ خمسُ الغَنيمةِ مَقْسومًا على ستةِ أسهمٍ. وإنما اختَلَف أهلُ العلمِ في قسمِه على خمسةٍ فما دونَها، فأما على أكثرَ مِن ذلك، فما لا نَعْلَمُ قائلًا قاله غيرَ الذي ذكَرْنا مِن الخبرِ عن أبى العاليةِ. وفى إجماعِ مَن ذكَرْتُ الدلالةُ الواضحةُ على صحةِ ما اخْتَرْنا. فأما مَن قال: سهمُ الرسولِ كان لذوِى القربى. فقد أوْجَب للرسولِ سهمًا وإن كان ﷺ صرَفه إلى ذَوِى قَرابتِه، فلم يَخْرُجْ مِن أن يكونَ القَسْمُ كان على خمسةِ أسهمٍ. وقد حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية. كان نبيُّ

стр. 7567

اللهِ ﷺ إذا غنِم غَنيمةً جُعِلَت أَخْماسًا، فكان خمسٌ للهِ ولرسولِه، ويَقْسِمُ المسلمون ما بقى، وكان الخمسُ الذى جُعِل للهِ ولرسولِه - لرسولِه (١) ولذوِي القربَى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ، فكان هذا الخمسُ خمسةَ أخماسٍ؛ خمسٌ للَّهِ ورسولِه، وخمسٌ لذوى القربي، وخمسٌ لليتامى، وخمسٌ للمساكينِ، وخمسٌ لابنِ السبيلِ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبى عائشةَ، قال: سأَلْتُ يحيى بنَ (٢) الجَزَّارِ عن سهمِ النبيِّ ﷺ ، فقال: هو خمسُ الخمسِ (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ وجريرٌ، عن موسى بنِ أبى عائشةَ، عن يحيى بنِ الجزارِ مثلَه (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن يحيى بنِ الجزارِ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: أربعةُ أخماسٍ لمن حضَر البَأْسَ، والخمسُ الباقِي للهِ

стр. 7568

وللرسولِ؛ خمسُه يَضَعُه حيث رأَى، وخمسُه لذوي القربي، وخمسُه لليتامى، وخمسُه للمساكين، ولابنِ السبيلِ خمسُه (١). وأما قولُه: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فيهم؛ فقال بعضُهم: هم قرابةُ رسولِ اللهِ ﷺ مِن بنى هاشمٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي، عن شَرِيكٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان آلُ محمدٍ ﷺ لا تَحِلُّ لهم الصدقةُ، فجُعِل لهم خمسُ الخمسِ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ وأهلُ بيتِه لا يَأْكُلون الصدقةَ، فجُعِل لهم خمسُ الخمسِ. حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: قد علِم اللهُ أن فى بنى هاشمٍ الفقراءَ، فجعَل لهم الخمسَ مكانَ الصدقةِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بنُ يحيى المُزَنىُّ، عن السدىِّ، عن [أبي الديلمِ] (٤)، قال: قال علىُّ بنُ الحسينِ رحمةُ اللَّهِ

стр. 7569

عليه لرجلٍ مِن أهلِ الشأْمِ: أما قرَأْتَ فى "الأنفال": ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآيةَ؟ قال: نعم. قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم (١). حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: هؤلاء قَرابةُ رسولِ اللهِ ﷺ الذين لا تَحِلُّ لهم الصدقةُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن نَجْدةَ كتب إليه يَسْأَلُه [عن ذَوِى القُرْبى] (٢)، فكتَب إليه: [كُنَّا نَزْعُمُ] (٣) أنا نحن هم، فأبَى ذلك علينا قومُنا (٤). قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: أربعةُ أخْماسٍ لمن حضَر البَأْسَ، والخمسُ الباقى للهِ وللرسولِ، خمسُه يَضَعُه حيثُ رأَى، وخمسٌ لذوى القربى، وخمسٌ لليتامى، وخمسٌ (٥) للمساكين، ولابنِ السبيلِ خمسُه. وقال آخرون: بل هم قريشٌ كلُّها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ نافعٍ، عن أَبي مَعْشَرٍ،

стр. 7570

عن سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، قال: كتَب نَجْدَةُ إلى ابنِ عباسٍ يَسْأَلُه عن ذى القربي، قال: فكتَب إليه ابنُ عباسٍ: قد كنا نقولُ: إنا هم. فأبَى ذلك علينا قومُنا، وقالوا: قريشٌ كلُّها ذوو قربي (١). وقال آخرون: سهمُ ذى القربى كان لرسولِ اللهِ ﷺ ، ثم صار مِن بعدِه لولىِّ الأمر مِن بعدِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه سُئِل عن سهمِ ذى القربى، فقال: كان طُعْمةً لرسولِ اللهِ ﷺ ما كان حيًّا، فلما تُوُفِّيَ جُعِل لولىِّ الأمر مِن بعدِه. وقال آخرون: بل سهمُ ذى القربى كان لبنى هاشمٍ وبنى المطَّلبِ خاصةً. وممن قال ذلك الشافعىُّ، وكانت علَّتُه فى ذلك ما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونُسُ بن بكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني الزهرىُّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن جبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، قال: لما قسَم رسولُ اللهِ ﷺ سهمَ ذى القربي مِن خيبرَ علي بني هاشمٍ وبنى المطلبِ مشَيْتُ أنا وعثمانُ بنُ عفانَ ﵁، فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، هؤلاء إخوتُك بنو هاشمٍ، لا نُنْكِرُ فضلَهم؛ لمكانِك الذى جعَلك اللهُ به منهم، أرأَيْتَ إخوانَنا بنى المطلبِ، أعْطَيْتَهم وتَركْتَنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلةِ

стр. 7571

واحدةٍ. فقال: "إنهم لم يُفارِقونا فى جاهليةٍ ولا إسلامٍ، إنما بنو هاشمٍ وبنو المطلبِ شيءٌ واحدٌ". ثم شبَّك رسولُ اللهِ ﷺ يديه إحداهما بالأخرى (١). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: سهمُ ذى القربي كان لقَرابةِ رسول الله ﷺ مِن بنى هاشمٍ وحلفائِهم مِن بنى المطلبِ؛ لأن حليفَ القومِ منهم، ولصحةِ الخبرِ الذي ذكَرْناه بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ . واخْتَلَف أهلُ العلمِ في حكمِ هذين السهمين -أعنى سهمَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وسهمَ ذى القربي- بعدَ رسول اللهِ ﷺ ؛ فقال بعضُهم: يُصْرَفان في مَعونةِ الإسلامِ وأهلِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ، قال: ثنا أبو شِهابٍ، عن وَرْقاءَ، عن نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جُعِل سهمُ اللهِ (٢) وسهمُ الرسولِ واحدًا، ولذى القربى، فجُعِل هذان السهمان في الخيلِ والسلاحِ، وجُعِل سهمُ اليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ، لا يُعْطَى غيرَهم (٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ.

стр. 7572

قال: سأَلْتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. قال: هذا مِفْتاحُ كلامٍ؛ للَّهِ الدنيا والآخرةُ. ثم اختلف الناسُ في هذين السهمين بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال قائلون: سهمُ النبيِّ ﷺ لقرَابةِ النبيِّ ﷺ . وقال قائلون: سهمُ القرابةِ لقرابةِ الخليفةِ. واجْتَمَع رأيُهم أن يَجْعَلوا هذين السهمين في الخيلِ والعُدَّةِ في سبيلِ اللَّهِ، فكانا على ذلك في خلافةِ أبي بكرٍ [وعمرَ ﵄] (١) (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ بنَ محمدٍ، فذكر نحوَه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُ (٣) بنُ عبيدٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كان أبو بكرٍ وعمرُ ﵄ يَجْعَلان سهمَ النبيِّ ﷺ فى الكُرَاعِ والسلاحِ، فقلتُ لإبراهيم: ما كان علىٌّ ﵁ يقولُ فيه؟ قال: كان علىٌّ أشدَّهم فيه (٤). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي

стр. 7573

الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية. قال ابنُ عباسٍ: فكانت الغَنيمةُ تُقْسَمُ على خمسةِ أخماسٍ؛ أربعةٍ بينَ مَن قاتَل عليها، وخمسٍ واحدٍ يُقْسَمُ على أربعةٍ؛ للَّهِ وللرسولِ، ولذى القربى -يعنى قرابةَ النبيِّ ﷺ - فما كان للهِ وللرسولِ فهو لقَرابةِ النبيِّ ﷺ ، ولم يَأْخُذِ النبيُّ ﷺ مِن الخمسِ شيئًا، فلما قبَض اللهُ رسولَه ﷺ ، ردَّ أبو بكرٍ ﵁ نصيبَ القرَابةِ فى المسلمين، فجعَل يَحْمِلُ به في سبيلِ اللَّهِ، لأن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ" (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أنه سُئِل عن سهمِ ذى القربى، فقال: كان طُعمةً لرسولِ اللهِ ﷺ ، فلما تُوُفِّى حمَل عليه أبو بكرٍ وعمرُ في سبيلِ اللهِ صدقةً على رسولِ اللهِ ﷺ . وقال آخرون: سهم ذوي القربى مِن بعدِ رسولِ اللهِ ﷺ مع سهمِ رسولِ اللهِ ﷺ إلى والى (٢) أمرِ المسلمين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن عمرانَ بنِ ظَبْيان، عن حُكَيمِ بنِ سعدٍ، عن علىٍّ ﵁، قال: يُعْطَى كُلُّ إنسانٍ نصيبه مِن الخمسِ، ويلى الإمامُ سهمَ اللهِ ورسولِه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أنه سُئِل عن

стр. 7574

سهمِ ذوِي القربي، فقال: كان طُعْمةً لرسولِ اللهِ ﷺ ما كان حيًّا، فلما تُوُفِّى جُعِل لولىِّ الأمرِ مِن بعدِه. وقال آخرون: سهمُ رسولِ اللهِ ﷺ مردودٌ في الخمسِ، والخمسُ مَقْسومٌ على ثلاثةِ أسهمٍ؛ على اليتامى، والمساكينِ، وابنِ السبيلِ، وذلك قولُ جماعةٍ مِن أهلِ العراقِ. وقال آخرون: الخمسُ كلُّه لقَرابةِ رسولِ اللهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الغَفَّارِ، قال: ثنا المِنْهَالُ بنُ عمرٍو، قال: سأَلْتُ عبد الله بنَ محمدِ بنِ علىٍّ، وعلىَّ بنَ الحسينِ عن الخمسِ، فقال: هو لنا. فقلتُ لعلىٍّ: إن الله يقولُ: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. فقال: يتامانا ومَساكينُنا (١). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن سهمَ رسولِ اللهِ ﷺ مردودٌ في الخمسِ، والخمسُ مقسومٌ على أربعة أسهمٍ، على ما رُوِى عن ابنِ عباسٍ؛ للقَرابةِ، سهمٌ، ولليتامى سهمٌ، وللمساكين سهمٌ، ولابنِ السبيلِ سهمٌ؛ لأن اللَّهَ أَوْجَب الخمسَ لأقوامٍ موصوفين بصفاتٍ، كما أوْجَب الأربعةَ الأخماسِ لآخرين، وقد أجْمَعوا أن حقَّ الأربعةِ الأخماسِ لن يَسْتَحِقَّه غيرُهم، فكذلك حقُّ أهلِ الخمسِ لن يَسْتَحِقَّه غيرُهم، فغيرُ جائزٍ أن يَخْرُجَ عنهم إلى غيرِهم، كما غيرُ جائزٍ أن تَخْرُجَ بعضُ السُّهمانِ التي جعَلها اللهُ لمن سماه في كتابِه بفقدِ بعضِ مَن يَسْتَحِقُه إلى غيرِ

стр. 7575

أهلِ السُّهمانِ الأُخَرِ. وأما اليتامى فهم أطفالُ المسلمين الذين قد هلَك آباؤُهم، والمساكينُ هم أهلُ الفاقةِ والحاجةِ مِن المسلمين، وابنِ السبيلِ المُجْتازُ سفرًا قد انقُطِع به. كما حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الخمسُ الرابعُ لابنِ السبيلِ، وهو الضيفُ (١) الفقيرُ الذي يَنْزِلُ بالمسلمين (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: أيْقِنوا أيُّها المؤمنون أنما غنِمْتُم مِن شَيءٍ فمقسومٌ القَسْمَ الذي بيَّنْتُه، وصدِّقوا به إن كنتم أقْرَرْتُم بوَحْدانية اللهِ، وبما أَنْزَلَ اللهُ على عبدِه محمدٍ ﷺ يومَ فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ ببدرٍ، فأبان فَلَجَ المؤمنين وظهورَهم على عدوِّهم، وذلك ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾؛ جمعُ المؤمنين، وجمعُ المشركين، واللهُ على إهلاكِ أهلِ الكفرِ وإذْلالِهم بأيدى المؤمنين، وعلى غيرِ ذلك مما يَشاءُ ﴿قَدِيرٌ﴾، لا يمتنعُ عليه شيءٌ أراده. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ

стр. 7576

عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾. يعنى بالفرقانِ يومَ بدرٍ، فرَق اللهُ فيه بينَ الحقِّ والباطلِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزبير. [وإسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ] (٣) -يَزيدُ أحدُهما على صاحبِه- في قولِه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يومَ فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ، وهو يومُ بدرٍ، وهو أولُ مَشْهَدٍ شهِده رسولُ اللهِ ﷺ ، وكان رأسَ المشركين عتبةُ بنُ ربيعةَ، فالْتَقَوْا يومَ الجمعةِ لتسعَ عشْرةَ ليلةً مضَتْ مِن شهرِ رمضانَ، وأصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ثلاثُ مائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا، والمشركون ما بينَ الألفِ والتسعِ مائةٍ، فهزَم اللهُ يومَئذٍ المشركين، وقُتِل منهم زيادةٌ على سبعين، وأُسِر منهم مثلُ ذلك (٤). حدَّثنا محمد بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن مِقْسَمٍ: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾. قال: يومَ بدرٍ، فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن

стр. 7577

عثمانَ الجزريِّ، عن مِقْسَمٍ فى قولِه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾. قال: يومَ بدرٍ، فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: يومَ بدرٍ، وبدرٌ بينَ المدينةِ ومكةَ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثني يحيى بنُ يعقوبَ أبو طالبٍ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّهِ الثَّقفيِّ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمىِّ عبدِ اللهِ بنِ حَبيبٍ، قال: قال الحسنُ بنُ علىِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: كانت ليلةُ الفرقانِ يومَ الْتَقَى الجمعان لسبعَ عشْرةَ مِن شهرِ رمضانَ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾. قال ابنُ جريجٍ: قال ابن كثيرٍ: يومَ بدرٍ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾. أَىْ: يومَ فُرِق (٤) بينَ الحقِّ والباطلِ بقدرتى (٥)، يومَ الْتَقَى الجمعان منكم ومنهم (٦).

стр. 7578

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: وذاكم يومُ بدرٍ، يومَ فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: أيْقِنوا أيُّها المؤمنون، واعْلَموا أَن قَسْمَ الغَنيمة على ما بيَّنه لكم ربُّكم، إن كنتم آمَنْتُم باللهِ وما أَنْزَل على عبدِه يومَ بدرٍ، إذ فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ، مِن نصرِ رسولِه، ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ حينئذٍ ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: بشَفيرِ الوادى الأدنَى إلى المدينةِ، ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾. يقولُ: وعدوُّكم مِن المشركين نزولٌ بشَفيرِ الوادى الأقصى إلى مكةَ، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: والعِيرُ فيه أبو سفيانَ وأصحابُه في موضعٍ أسفلَ منكم إلى ساحلِ البحرِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾. قال: شَفيرِ الوادى الأدنى، وهم بشَفيرِ الوادى الأقْصَى. ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. قال: أبو سفيانَ وأصحابُه أسفلَ منهم (٢).

стр. 7579

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾: وهما شَفيرا الوادى، كان نبيُّ اللهِ أعلى الوادى، والمشركون بأسفلِه، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. يعنى أبا سفيانَ، انجَذَم (١) بالعيرِ على حَوْزِيَّته (٢) حتى قدِم بها مكةَ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾: مِن الوادى إلى مكةَ، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. أي: عيرُ أبي سفيانَ التي خرَجْتُم لتَأْخُذوها وخرَجوا ليَمنَعوها عن غيرِ مِيعادٍ منكم ولا منهم (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. قال: أبو سفيانَ وأصحابُه مُقْبِلون مِن الشامِ تُجَّارًا، لم يَشْعُروا بأصحابِ بدرٍ، ولم يَشْعُرْ محمدٌ ﷺ بكفارِ قريشٍ، ولا كفارُ قريشٍ بمحمدٍ وأصحابِه، حتى الْتَقى (٤) على ماءِ بدرٍ مَن يَسْتَقِى لهم كلِّهم، فاقْتَتَلوا، فغلبهم أصحابُ محمدٍ ﷺ ، فأسَرُوهم. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

стр. 7580

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: ذكرَ منازلَ القومِ والعيرِ، فقال: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾، والرَّكبُ هو أبو سفيانَ (٢) ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. على شاطئ البحرِ. واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدنيين والكوفيين: ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾، بضمِّ العينِ (٣). وقرَأَه بعضُ المكيين والبصريين: (بالعِدْوَةِ) بكسرِ العينِ (٤). وهما لغتان مشهورتان بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. يُنْشَدُ بيتُ الراعي (٥): وعينان حُمْرٌ (٦) مآقِيهما … كما نظَر العِدْوةَ الجُؤْذَرُ (٧) بكسرِ العينِ مِن العِدْوةِ، وكذلك يُنْشَدْ بيتُ أوسِ بنِ حَجَرٍ (٨):

стр. 7581

وفارِسٍ [لو تَحُلُّ الخيلُ] (١) عِدْوَتَه … ولَّوْا سِراعًا وما هَمُّوا بإقْبالِ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. يعنى تعالى ذكرُه: ولو كان اجْتماعُكم في الموضعِ الذى اجْتَمَعْتُم فيه أنتم (٢) أيُّها المؤمنون، وعدوُّكم مِن المشركين عن مِيعادٍ منكم ومنهم، ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾؛ لكثرةِ عددِ عدوِّكم، وقلةِ عددِكم، ولكنَّ اللهَ جمَعَكم على غيرِ مِيعادٍ بينَكم وبينَهم؛ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، وذلك القضاءُ مِن اللهِ كان نصرَه أولياءَه مِن المؤمنين بالله ورسولِه، وهلاكَ أعدائِه وأعدائهم ببدرٍ؛ بالقتلِ والأسْرِ. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾: ولو كان ذلك عن مِيعادٍ منكم ومنهم، ثم بلَغَكم كثرةُ عددِهم وقلةُ عددِكم ما لقِيتُموهم، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. أى: ليَقْضِيَ اللهُ ما أراد بقدرتِه مِن إعزازِ الإسلامِ وأهلِه، وإذلالِ الشركِ وأهلِه، عن غيرِ ملأٍ (٣) منكم، ففعَل ما أراد مِن ذلك بلطفِه (٤). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال (٥): أَخْبَرنى يونُسُ عن (٦) ابنِ

стр. 7582

شهابٍ، قال: أخبرَنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن كعبِ بنِ مالكٍ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ كعبٍ، قال: سَمِعْتُ كعبَ بنَ مالكٍ يقولُ في غزوةِ بدرٍ: إنما خرَج (١) رسولُ اللهِ ﷺ والمسلمون يُريدون عِيرَ قريشٍ، حتى جمَع اللهُ بينَهم وبينَ عدوِّهم على غيرِ مِيعادٍ (٢). حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابنِ عونٍ، عن عميرِ (٣) بنِ إسحاقَ، قال: أقْبَل أبو سفيانَ فى الركْبِ مِن الشامِ، وخرَج أبو جهلٍ ليَمْنَعَه مِن رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه، فالْتَقَوْا ببدرٍ، ولا يَشْعُرُ هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى الْتَقَت السُّقاةُ، قال: ونهَد (٤) الناسُ بعضُهم لبعضٍ (٥). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ولكنَّ الله جمَعَهم هنالك ليَقْضِىَ أمرًا كان مفعولًا؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. وهذه اللامُ فى قولِه: ﴿لِيَهْلِكَ﴾. مكرَّرةٌ على اللامِ في قولِه: ﴿لِيَقْضِيَ﴾. كأنه قال: ولكن ليَهْلِكَ مَن هلَك عن بينةٍ، جمَعكم. ويعنى بقولِه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: ليموتَ مَن مات مِن

стр. 7583

خلقِه عن حُجَّةٍ للهِ قد أُثْبِتَت له، وقطَعَت عُذرَه، وعبرةٍ قد عايَنها ورآها، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. يقولُ: ولِيعِيشَ (١) مَن عاش منهم عن حُجَّةٍ للهِ قد أُثْبِتَت له، وظهَرَت لعينِه، فعلِمها، جمَعَنا بينَكم وبينَ عدوِّكم هنالك. وقال ابنُ إسحاقَ فى ذلك بما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [أي: لِيَكْفُرَ مِن كَفَر بعدَ الحُجَّةِ] (٢)؛ لما رأَى مِن الآياتِ والعبر، ويُؤْمِنَ مَن آمن على مثلِ ذلك (٣). وأما قولُه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فإن معناه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ أيُّها المؤمنون ﴿لَسَمِيعٌ﴾ لقولِكم وقولِ غيرِكم حينَ يُرِى اللهُ نبيَّه في منامِه، ويُرِيكم عدوَّكم في أعينِكم قليلًا، وهم كثيرٌ، ويرَاكم عدوُّكم في أعينِهم قليلًا (٤)، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تُضْمِرُه نفوسُكم، وتَنْطَوِى عليه قلوبُكم حينئذٍ، وفي كلِّ حالٍ. يقولُ جلَّ ثناؤُه لهم ولعبادِه: واتَّقُوا ربَّكم أيُّها الناسُ في مَنْطِقِكم أن تَنْطِقوا بغيرِ حقٍّ، وفى قلوبِكم أن تَعتَقِدوا فيها غيرَ الرُّشْدِ، فإن اللهَ لا يَخْفَى عليه خافيةٌ مِن ظاهرٍ أو باطنٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وإن اللهَ يا محمدُ سميعٌ لما يقولُ أصحابُك، عليمٌ بما

стр. 7584

يُضْمِرونه، إذ يُرِيك اللهُ عدوّكم وعدوَّهم ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾. يقولُ: يُرِيكهم في نومِك قليلًا فتُخْبِرُهم بذلك، حتى قوِيَت قلوبُهم، واجْتَرءوا على حربِ عدوِّهم، ولو أراك ربُّك عدوَّك وعدوَّهم كثيرًا لفَشَل أصحابُك، فجبُنوا وخاموا (١)، ولم يَقْدِروا على حربِ القومِ، ولَتَنازعوا في ذلك، ولكنَّ اللَّهَ سلَّمهم مِن ذلك بما أراك فى منامِك من الرؤيا، إنه عليمٌ بما تُجِنُّه (٢) الصدورُ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مما تُضْمِرُه القلوبُ. وقد زعَم بعضُهم أن معنى قولِه: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾. أي: في عينِك التى تنامُ بها، فصيَّر المنامَ هو العينَ، كأنه أراد: إذ يُرِيكهم اللهُ في عينِك قليلًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾. قال: [أراه اللهُ إياهم] (٣) في منامِه قليلًا، فأخبرَ (٤) النبىُّ ﷺ أصحابَه بذلك، فكان تَثْبيتًا لهم (٥). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

стр. 7585

مجاهدٍ بنحوِه. وقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ الآية: فكان أولُ ما أراه مِن ذلك نعمةً مِن نعمِه عليهم، شجَّعهم بها على عدوِّهم، و [كَفَّ بها عنهم] (١) ما تُخُوِّف عليهم مِن ضعفِهم؛ لعلمِه بما فيهم (٢). واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ولكنَّ اللهَ سلَّم للمؤمنين أمرَهم حتى أظْهَرهم على عدوِّهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾. يقولُ: سلَّم اللهُ لهم أمرَهم حتى أظْهَرهم على عدوِّهم (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولكن اللهَ سلَّم أمرَه فيهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾. قال: سلَّم أمرَه فيهم (٤).

стр. 7586

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندى ما قاله ابنُ عباسٍ، وهو أن اللهَ سلَّم القومَ -بما أَرَى نبيَّه ﷺ فى منامِه- مِن الفشلِ والتَّنازُعِ، حتى قوِيَت قلوبُهم، واجْتَرَأوا على حربِ عدوِّهم، وذلك أن قولَه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾. عَقِيبُ قوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. فالذى هو أولى بالخبرِ عنه، أنه [سلَّمَهم منه] (١) جلَّ ثناؤُه ما كان مَخُوفًا منه، لو لم يُرِ نبيَّه ﷺ مِن قلةِ القومِ في منامِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إذ يُرِى الله نبيَّه في منامِه المشركين قليلًا، وإذ يُرِيهم اللهُ المؤمنين إذ لَقُوهم في أعينِهم قليلًا، وهم كثيرٌ عددُهم، ويُقَلِّلُ المؤمنين فى أعينِهم؛ ليَتْرُكوا الاستعدادَ لهم فيَهُونَ على المؤمنين شوكتُهم. كما حدَّثني ابنُ بَزيعٍ البَغْداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لقد قُلِّلوا في أعينِنا يومَ بدرٍ حتى قلتُ لرجلٍ إلى جنبى: تُراهم سبعين؟ قال أُراهم مائةً. قال: فأَسَرْنا رجلًا منهم، فقلنا: كم هم؟ قال (٢): ألفًا (٣).

стр. 7587

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنحوِه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾. قال ابنُ مسعودٍ: قُلِّلوا في أعينِنا حتى قلتُ لرجلٍ: أتُراهم يكونون مائةً؟ حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قال ناسٌ مِن المشركين: إن العيرَ قد انصرَفَت فارْجِعوا. فقال أبو جهلٍ: الآن إذ برَز لكم محمدٌ وأصحابُه! فلا تَرْجِعوا حتى تَسْتَأْصِلوهم. وقال: يا قومِ، لا تَقْتُلوهم بالسلاحِ، ولكن خُذوهم أخْذًا، فارْبُطوهم بالحبال. يَقولُه مِن القدرةِ فى نفسِه. وقولُه: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قلَّلْتُكم أيُّها المؤمنون فى أعينِ المشركين وأَرَيْتُكموهم في أعينِكم قليلًا حتى يَقْضِيَ الله بينَكم ما قضَى مِن قتالِ بعضِكم بعضًا، وإظهارِكم أيُّها المؤمنون على أعدائِكم مِن المشركين، والظَّفَرِ بهم؛ لتكونَ كلمةُ الله هى العليا، وكلمةُ الذين كفَروا السفلى، وذلك أمرٌ كان اللهُ فاعلَه، وبالغًا فيه أمرَه. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. أى: ليُؤَلِّفَ بينَهم على الحربِ للنِّقْمةِ ممَّن أراد الانتقامَ منه، والإنعامِ على مَن أراد إتمامَ النعمةِ عليه مِن أهلِ ولايتِه (٢).

стр. 7588

﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: مصيرُ الأمورِ كلِّها إليه في الآخرةِ، فيُجازِى أهلَها على قدرِ اسْتحقاقِهم؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾. وهذا تعريفٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه أهلَ الإيمانِ به السيرةَ فى حربِ أعدائِه مِن أهلِ الكفرِ به، والأفعالَ التي يُرْجَى (١) لهم باستعمالها عندَ لقائِهم النصرةُ عليهم، والظَّفَرُ بهم. ثم يقولُ جلَّ ثناؤُه لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، إذا لقيتُم جماعةً مِن أهلِ الكفرِ باللهِ للحربِ والقتالِ، فاثْبُتوا لقتالهم، ولا تَنْهَزِموا عنهم، ولا تُوَلُّوهم الأدبار هارِبين إلا مُتَحَرِّفًا لقتالٍ، أو مُتَحَيِّزًا إلى فئةٍ منكم، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. يقولُ: وادْعُوا الله بالنصرِ عليهم، والظَّفَرِ بهم، وأشْعِروا قلوبَكم وألسنتكم ذكرَه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: كيما تَنْجَحوا فتَظْفَروا بعدوِّكم، ويَرْزُقَكم الله النصرَ والظفَرَ عليهم. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. افْتَرَض اللهُ ذكرَه عندَ أشْغَلِ ما تَكونون (٢)، عندَ الضِّرابِ بالسيوفِ (٣)

стр. 7589

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾: يُقاتِلونكم فى سبيلِ اللهِ: ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: اذْكُروا اللهَ الذى بذَلْتُم له أنفسَكم والوفاءَ بما أعْطَيْتُموه مِن بَيْعتِكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به: أطِيعوا أيُّها المؤمنون ربَّكم ورسولَه فيما أمَرَكم به ونهاكم عنه، ولا تُخالِفوهما في شيءٍ، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾. يقولُ: ولا تَخْتَلِفوا فتفَرَّقوا وتَخْتَلِفَ قلوبُكم، ﴿فَتَفْشَلُوا﴾. يقولُ: فتَضْعُفوا وتجبُنوا، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. وهذا مَثَلٌ يقالُ للرجلِ إذا كان مُقْبِلًا (٢) ما يُحِبُّه ويُسَرُّ به: الريحُ مقبلةٌ عليه. يعنى بذلك ما يُحِبُّه، ومِن ذلك قولُ عَبيد بن الأبْرصِ (٣). كما حَمَيْناك يومَ النَّعْفِ (٤) مِن شَطَبٍ (٥) … والفضلُ للقومِ مِن رِيحٍ ومِن عَدَدِ يعنى: مِن البأسِ والكثرةِ. وإنما يُراد به فى هذا الموضعِ: وتَذْهَبَ قوتُكم وبأسُكم فتَضْعُفوا، ويَدْخُلَكم الوَهَنُ والخَلَلُ. ﴿وَاصْبِرُوا﴾. يقولُ: اصْبِروا مع نبيِّ اللهِ ﷺ عندَ لقاءِ عدوِّكم، ولا

стр. 7590

تَنْهَزِموا عنه وتَتْرُكوه، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: اصْبِروا فإني معكم. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. قال: نصْرُكم. قال: وذَهَبت ريحُ أصحابِ محمدٍ ﷺ حين نازَعوه يومَ أُحدٍ (١). حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فذكَر نحوَه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: ريحُ أصحابِ محمدٍ حينَ ترَكوه يومَ أحدٍ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. قال: حِدَّتُكم (٣) وجِدُّكم (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. قال: ريحُ الحربِ (٥). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:

стр. 7591

﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. قال: الريحُ: النصرُ، لم يَكُنْ نصرٌ قَطُّ إِلا بريحٍ يَبْعَثُها اللهُ تضْرِبُ وجوهَ العدوِّ، فإذا كان ذلك لم يَكُنْ لهم قِوَامٌ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ أى: لا تَخْتَلِفوا فيَتَفَرَّقَ، أمرُكم، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾: فيَذْهَبَ حَدُّكم (٢)، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: إني معكم إذا فعَلْتُم ذلك (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾. قال: الفشلُ: الضعفُ عن جهادِ عدوِّه والانكسارُ لهم، فذلك الفشلُ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾. وهذا تقدُّمٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه إلى المؤمنين به وبرسولِه ألا (٥) يَعْمَلُوا عملًا إلا للهِ خاصةً، وطلَبِ ما عندَه، لا رِئَاءَ الناسِ، كما فعل القومُ مِن المشركين في مسيرِهم إلى بدرٍ طلبَ رئاءِ الناسِ، وذلك أنهم أُخْبِروا بفَوْتِ (٦) العِيرِ رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه، وقيل لهم: انْصَرِفوا فقد سلِمَت العيرُ التي جئْتم لنصْرتِها. فأبَوْا وقالوا: نَأْتِي بدرًا، فَنَشْرَبُ بها الخمرَ، وتَعْزِفُ علينا القِيانُ، وتَتَحَدَّثُ بنا العربُ (٧) فيها.

стр. 7592

فَسُقُوا مكانَ الخمرِ كُئوسَ المَنايا. كما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثني أبي، قال: ثنا أبانٌ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ قال: كانت قريشٌ قبلَ أن يَلْقاهم النبيُّ ﷺ يومَ بدرٍ قد جاءهم راكبٌ مِن أبى سفيانَ والركبِ الذين معه: إنا قد أجَزْنا القومَ [وأن ارجِعُوا] (١). فجاء الركبُ الذين بعَثهم أبو سفيانَ الذين يَأْمُرُون قريشًا بالرَّجْعةِ بالجُحْفة، فقالوا: واللهِ لا نَرْجِعُ حتى نَنْزِلَ بدرًا، فنُقِيمَ به (٢) ثلاثَ ليالٍ، ويَرانا مَن غَشِيَنا مِن أهلِ الحجازِ، فإنه لن يرانا أحدٌ مِن العربِ وما جمَعْنا فيُقاتِلَنا. وهم الذين قال اللهُ: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. والْتَقَوْا هم والنبيُّ ﷺ ، ففتَح اللهُ على رسولِه، وأخْزَى أئمة الكفرِ، وشفَى صدورَ المؤمنين منهم (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ في حديثٍ ذكَره، قال: ثنى محمدُ بنُ مسلمٍ، وعاصمُ بنُ عُمرَ (٤)، وعبدُ اللَّهِ بنُ أَبي بكرٍ، ويزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِه (٥) مِن علمائِنا، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا رأَى أبو سفيانَ أنه أحْرَز عِيرَه، أرْسَل إلى قريشٍ: إنكم إنما خرَجْتم لتَمْنَعوا عيرَكم ورجالكم وأموالَكم، فقد نجَّاها اللهُ فارْجِعوا. فقال أبو جهلِ بنُ هشامٍ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ حتى نَرِدَ بدرًا -وكان بدرٌ مَوْسمًا مِن مَواسمِ العربِ، يَجْتَمِعُ لهم بها سُوقٌ كلَّ عامٍ- فنُقِيمَ عليه ثلاثًا، ونَنْحَرَ الجُزُرَ، ونُطْعِمَ الطعامَ، ونَسْقِيَ الخمورَ، وتَعْزِفَ علينا

стр. 7593

القِيانُ، وتَسْمَعَ بنا العربَ فلا يَزالون يَهابُوننا أبدًا، فامْضُوا (١). قال ابن حميدٍ: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾، أي: لا تكونوا كأبي جهلٍ وأصحابِه الذين قالوا: لا تَرْجِعُ حتى نَأْتىَ بدرًا، ونَنْحَرَ بها الجُزُرَ، ونَسْقِى بها الخمرَ، وتَعْزِفَ علينا القِيانُ، وتَسْمَعَ بنا العربُ فلا يَزالون يَهابُوننا. أي: لا يَكُونَنَّ أمرُكم رياءً ولا سُمْعةً ولا الْتماسَ ما عندَ الناسِ، وأخْلِصوا اللهِ النيةَ والحِسْبةَ في نصرِ دينِكم، ومُؤازَرةِ نبيِّكم. أي: لا تَعْمَلُوا إلا للهِ، ولا تَطْلُبوا غيرَه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسَديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أَخْبرَنا إسرائيلُ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. قال: أصحابُ بدرٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي، نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. قال: أبو جهلٍ وأصحابُه يومَ بدرٍ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن

стр. 7594

مجاهدٍ مثلَه. قال ابن جُريج: وقال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: هم مشركو قريشٍ، وذلك خروجُهم إلى بدرٍ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. يعني: المشركين الذين قاتَلوا رسولَ ﷺ يوم بدرٍ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. قال: هم قريشٌ وأبو جهلٍ وأصحابُه الذين خرَجوا يومَ بدرٍ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. قال: كان مشركو قريشٍ الذين قاتَلوا نبيَّ الله يومَ بدرٍ خرَجوا، ولهم بَغْىٌ وفخرٌ، وقد قيل لهم يومَئِذٍ: ارْجِعوا، فقد انْطَلَقَت عِيرُكم وقد ظفِرْتُم. قالوا: لا واللهِ حتى يَتَحَدَّثَ أهلِ الحجازِ بمسيرِنا وعددِنا. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال يومَئِذٍ: "اللهم إن قريشًا أَقْبَلَت بفخرِها وخُيَلائِها لتُحادَّك ورسولَك" (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ذكَر المشركين وما يُطْعِمون على المياهِ فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ

стр. 7595

خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾. قال: هم المشركون خرَجوا إلى بدرٍ أَشَرًا وبَطَرًا (١). حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: لما خرَجَت قريشٌ مِن مكةَ إلى بدرٍ، خرَجوا بالقِيانِ والدفوف، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢). فتأويلُ الكلامِ إذن: ولا تكونوا أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه في العملِ بالرياءِ والسُّمعةِ، وتركِ إخلاصِ العملِ للهِ واحْتِسابِ الأجرِ فيه كالجيش مِن أهلِ الكفرِ باللهِ ورسولِه الذين خرَجوا مِن منازِلهم بطَرًا ومُراءاة الناسِ بزِيِّهم وأموالِهم وكثرةِ عددِهم، وشدةِ بِطانتِهم، ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ويَمْنَعون الناسَ مِن دينِ اللهِ والدخولِ في الإسلامِ بقتالِهم إياهم، وتعذيبِهم مِن قدَرُوا عليه مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ مِن الرياءِ، والصدِّ عن سبيلِ اللهِ، وغيرِ ذلك مِن أفعالِهم، ﴿مُحِيطٌ﴾. يقولُ: عالمٌ بجميعِ ذلك، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، وذلك أن الأشياءَ كلَّها له مُتَجَلِّيةٌ، لا يَعْزُبُ عنه منها شيءٌ، فهو لهم بها مُعاقِبٌ، وعليها معذِّبٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ

стр. 7596

لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: وحينَ زيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم. وكان تزيينُه ذلك لهم كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء إبليسُ يومَ بدرٍ في جُنْدٍ مِن الشياطينِ معه رايتُه، [والشيطانُ] (١) في صورةِ رجلٍ مِن بني مُدْلِجٍ؛ في صورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ، فقال الشيطانُ للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾. فلما اصْطَفَّ الناسُ، أخذ رسولُ اللهِ ﷺ قبضةً مِن الترابِ، فرَمى بها (٢) وجوهَ المشركين، فولُّوا مُدْبِرِين، وأقْبَل جبريلُ إلى إبليسَ، فلما رآه، وكانت يدُه في يدِ رجلٍ مِن المشركين، انْتَزَع إبليسُ يدَه، فولَّى مدبرًا (٣) وشِيعتُه، فقال الرجلُ: يا سُراقةُ، أَتَزْعُمُ أنك لنا جارٌ؟! قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وذلك حين رأى الملائكةَ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 7597

السدِّى، قال: أتَى المشركين إبليسُ في صورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ الكِنانيِّ الشاعرِ، ثم المُدْلجِيِّ، فجاء على فرسٍ، فقال للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾. فقالوا: ومَن أنت؟ قال: أنا جارُكم سُراقةُ، وهؤلاء كِنانةُ قد أتَوْكم. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ، ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بن الزبيرِ، قال: لمَّا أجْمَعَت قريشٌ المسيرَ ذكَرَت الذي بينَها وبينَ بني (١) بكرٍ - يعنى مِن الحرب - فكاد ذلك أن يَثْنِيَهم (٢)، فتَبَدَّى لهم إبليسُ في صورةِ سُراقةَ بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ - وكان مِن أشرافِ بني كِنانةَ - فقال: أنا جارٌ لكم مِن أن تَأْتِيَكُم كِنانةُ بشيءٍ تَكْرَهونه، فخرَجوا سِراعًا (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ في قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾. فذكَر اسْتِدراجَ إبليسَ إياهم وتشَبُّهَه بسراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ لهم (٤)، حينَ ذكَروا ما بينَهم وبينَ بني (١) بكرِ بن عبدِ مَناةَ بن كِنانةَ في (٥) الحربِ التي كانت بينَهم، يقولُ اللهُ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾، ونظرَ عدوُّ اللهِ إلى جنودِ اللَّهِ مِن الملائكةِ، قد أيَّد اللهُ بهم رسولَه والمؤمنين على عدوِّهم، ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾، وصدَق عدوُّ الله، إنه رأَى ما لا يَرَوْن، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فأَوْرَدَهم ثم أَسْلَمَهم. قال:

стр. 7598

فذُكِر لى أنهم كانوا يَرَوْنه في كلِّ منزلٍ في صورةِ سُراقةُ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ لا يُنْكِرونه، حتى إذا كان يومُ بدرٍ، والْتَقَى الجمعان، كان الذي رآه حينَ نكَص الحارثُ بنُ هشامٍ أو عميرُ بنُ وهبٍ الجُمَحيُّ، فذُكِر أحدُهما، فقال (١): أين [أي سُراقَ؟ مثَلَ] (٢) عدوُّ الله وذهَب (٣). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قال: ذُكِر لنا أنه رأَى جبريلَ تَنْزِلُ معه الملائكةُ، فزعَم عدوُّ اللهِ أنه لا يَدَانِ (٤) له بالملائكةِ، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾. وكذَب واللهِ عدوُّ اللهِ، ما به مخافةُ اللهِ، ولكن علِم أن لا قوةَ له ولا مَنَعةَ له، وتلك عادةُ عدوِّ اللهِ لمن أطاعَه [واستقاد له] (٥)، حتى إذا الْتَقَى الحقُّ والباطلُ، أَسْلَمَهم شرَّ مُسْلَم، وتبَرَّأ منهم عندَ ذلك (٦). حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية. قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ، سار إبليسُ برايتِه وجنودِه مع المشركين، وأَلْقَى في قلوبِ المشركين: إن أحدًا لن يَغْلِبَكم، وإنى جارٌ لكم. فلمَّا الْتَقَوْا ونظر الشيطانُ إلى أمدادِ الملائكةِ، ﴿نَكَصَ

стр. 7599

عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ - قال: رجَع مُدْيرًا - وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ الفرجِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ بن الماجشونِ، قال: ثنا مالكٌ، عن إبراهيمَ بن أبي عَبْلةَ، عن طلحةَ بن عُبيدِ اللَّهِ بن كَرِيزٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "ما رُؤى إبليسُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أَحْقَرُ ولا أَدْحَر ولا أَغْيَظُ مِن يومِ عرفةَ، وذلك مما يَرَى مِن تنزيلِ الرحمةِ والعفوِ عن الذنوبِ، إلا ما رأَى يومَ بدرٍ". قالوا: يا رسولَ اللِه، وما رأَى يومَ بدرٍ؟ قال: وأمَا إنه رأَى جبريلَ يَزْعُ الملائكةَ (٢) " (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن حميدٍ بن هلالٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾. قال: رأَى جبريلَ مُعْتَجِرًا (٤) بِبُرْدٍ، يَمْشِى بين يديِ النبيِّ ﷺ ، وفي يدِه اللِّجامُ، ما ركِب (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هاشم بنُ القاسمِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن حُميدِ بن هلالٍ، قال: قال الحسنُ: وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية، قال: سار إبليسُ مع المشركين ببدرٍ برايتِه وجنودِه، وألْقَى في

стр. 7600

قلوبِ المشركين: إن أحدًا لن (١) يَغْلِبَكم وأنتم تُقاتِلون على دينِ آبائِكم، ولن تُغلبوا كثرةً. فلمَّا الْتَقَوْا ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. يقولُ: رجع مُدْبرًا وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾. يعنى الملائكةَ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: لمَّا أجمعت قريشٌ على السيرِ، قالوا: إنما نَتَخَوَّفُ مِن بنى بكرٍ. فقال لهم إبليس في صُورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ: أنا جارٌ لكم مِن بنى بكرٍ، ولا غالبَ لكم اليومَ مِن الناسِ. فتأويلُ الكلامِ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في هذه الأحوالِ وحين زيَّن لهم الشيطانُ خروجَهم إليكم أيُّها المؤمنون الحربِكم وقتالِكم، وحسَّن ذلك لهم، وحثَّهم عليكم، وقال لهم: لا غالبَ لكم اليومَ مِن بنى آدمَ، فَاطْمَئِنوا وأَبْشِرُوا، ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ مِن كِنانةَ أن تَأْتِيَكم مِن ورائِكم فتُغِيرَكم؛ أُجِيرُكم وأَمْنَعُكم منهم، فلا تَخافوهم، واجْعَلوا حدَّكم (٢) وبأسَكم على محمدٍ وأصحابِه، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾. يقولُ: فلما تزاحَفَت جنودُ اللهِ مِن المؤمنين وجنودُ الشيطانِ مِن المشركين، ونظَر بعضُهم إلى بعضٍ، ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. يقولُ: رجعَ القَهْقَرَى على قَفاه هاربًا. يقالُ منه: نكَص يَنْكُصُ ويَنْكِصُ نُكوصًا. ومنه قولُ زُهَيْرٍ (٣): هم يَضْرِبون حَبِيكَ البَيْضِ (٤) إذ لَحِقوا … لا يَنْكُصون إذا ما اسْتُلْحِموا وحَمُوا
следующие страницы →