ميراثِهم، وهى الوَلايةُ التي قال اللَّهُ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، وكان حقًّا على المؤمنين و (١) الذين آوَوا ونصَروا إذا اسْتَنصَروهم في الدين أن يَنْصُروهم إن قاتَلوا (٢)، إلا أن يَستَنْصروا على قومٍ بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ ميثاقٌ، فلا نصر لهم عليهم إلا على العدوِّ الذين لا ميثاقَ لهم، ثم أنزل اللَّهُ بعدَ ذلك أَلْحَقَ كلَّ ذى رَحِمٍ برَحمِه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يُهاجروا، فجعَل لكلِّ إنسانٍ من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقولِه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وبقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الثلاثُ الآياتِ خواتيمُ "الأنفالِ"، فيهن ذِكرُ ما كان من وَلايةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بينَ مهاجرى المسلمين، و (٤) بينَ الأنصارِ في الميراثِ، ثم نسَخ ذلك آخرُها: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ إلى قولِه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. قال: بَلَغنا أنها كانت في الميراثِ، لا يتوارثُ المؤمنون الذين هاجروا والمؤمنون الذين لم يهاجروا. قال: ثم نزَل بعدُ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
стр. 7667
أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. فتوارثوا ولم يهاجِروا. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: خواتيمُ "الأنفالِ" الثلاثُ الآياتِ (١) فيهن ذِكرُ ما كان والَى رسولُ اللَّهِ ﷺ بينَ المهاجرين المسلمين وبينَ الأنصارِ في الميراثِ، ثم نسَخ ذلك آخرُها: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ إلى قولِه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قال: لَبِث المسلمون زمانًا يَتوارثون بالهجرةِ، والأعرابيُّ المسلمُ لا يَرِثُ من المهاجرِ شيئًا، فنسَخ ذلك بعدَ ذلك قولُ (٢) اللَّهِ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦]، أي: من أهلِ الشركِ، فأُجيزت الوصيةُ، ولا ميراثَ لهم، وصارت المواريثُ بالمللِ، والمسلمون يَرِثُ بعضُهم بعضًا من المهاجرين والمؤمنين، ولا يرثُ أهلُ مِلَّتين.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحُسَينِ (٣)، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ، قالا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾. وكان الأعرابيُّ لا يرثُ المهاجرَ، ولا يرِثُه المهاجرُ، فنسَخها فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤).
стр. 7668
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في الميراثِ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ وهؤلاء الأعرابُ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الميراثِ ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾. يقولُ: بأنهم مسلمون. ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في الميراث ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ الذين توارثوا على الهجرةِ في كتابِ الله، [ثم نسَختْها الفرائضُ والمواريثُ] (١)، فتَوارَث الأعرابُ والمهاجرون (٢).
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾.
يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣) باللَّهِ ورسولِه ﴿وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ قومَهم الكفارَ، ولم يُفارِقوا دارَ الكفرِ إلى دارِ الإسلامِ، ﴿مَا لَكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه المهاجرون قومَهم المشركين وأرضَ الحربِ ﴿مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾. يعنى: من نُصرتهم وميراثِهم (٤) - وقد ذكَرتُ قولَ بعضِ من قال: معنى الوَلايةِ ههنا
стр. 7669
الميراثُ. وسأذكُرُ إن شاء اللَّهُ من حضَرَنى ذكرُه بعد - ﴿مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قومَهم ودورَهم من دارِ الحربِ إلى دارِ الإسلامِ ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ يقولُ: إن استنصركم هؤلاء الذين آمنوا، ولم يُهاجروا. ﴿فِي الدِّينِ﴾. يعنى: بأنهم من أهلِ دينِكم على أعدائِكم وأعدائِهم من المشركين، فعليكم أيُّها المؤمنون من المهاجرين والأنصار النصرُ، إلا أن يَستَنصروكم ﴿عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. يعني: عهدٌ قد وثَّق به بعضُكم على بعضٍ أن لا يحارِبَه ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ بما تعمَلون فيما أمَرَكم ونهاكم من وَلايةِ بعضِكم بعضًا أيُّها المهاجرون والأنصارُ، وتركِ وَلايةِ من آمن ولم يُهاجرْ، ونُصْرتِكم إياهم عندَ استنصارِكم في الدين، وغير ذلك من فرائضِ اللَّهِ التي فَرَضَها عليكم ﴿بَصِيرٌ﴾ يراه ويبصرُه، فلا يخفَى عليه من ذلك ولا من غيرِه شيءٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: كان المسلمون يَتوارثون بالهجرةِ، وآخَى النبيُّ ﷺ بينَهم، فكانوا يَتَوارَثون بالإسلامِ والهجرةِ، وكان الرجلُ يُسْلِمُ ولا يُهاجِرُ، لا (١) يَرِثُ أخاه، فنَسخ ذلك قولُه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (٢) [الأحزاب: ٦].
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أن النبيَّ ﷺ أخَذ على رجلٍ دخَل في الإسلامِ، فقال: "تُقيم الصلاةَ، وتؤتِي الزكاةَ، وتَحُجُّ البيتَ، وتَصومُ رمضانَ، وأنك لا تَرَى نارَ مشركٍ إلا وأنت حربٌ" (٣).
стр. 7670
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾. يعنى: إن استَنْصَرَكم الأعرابُ المسلمون أيُّها المهاجرون والأنصارُ على عدوِّهم فعليكم أن تَنْصُروهم ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قال: قال ابن عباسٍ: ترَك النبيُّ ﷺ الناسَ يومَ تُوُفِّي على أربع منازلَ؛ مؤمنٌ مهاجرٌ، والأنصارُ، وأعرابيٌّ مؤمنٌ لم يُهاجرْ، إن استَنْصَره النبيُّ ﷺ نصَره، وإن ترَكه فهو إذُنه (٢)، وإن استنْصَر النبيَّ ﷺ ما في الدينِ كان حقًّا عليه أن يَنصُرَه (٣)، فذلك قولُه: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، والرابعةُ التابعون بإحسانٍ.
حُدِّثْتُ عن الحسينُ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ إلى آخر السورةِ: فإن (٤) رسولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّي وترك الناسَ على أربعِ منازلَ؛ مؤمنٌ مهاجرٌ، ومسلمٌ أعرابيٌّ، والذين آوَوْا ونصَروا، والتابعون بإحسانٍ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللَّهِ ورسوله ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
стр. 7671
بَعْضٍ﴾. يقولُ: بعضُهم أعوانُ بعضٍ وأنصارُه، وأحقُّ به من المؤمنين باللَّهِ ورسولِه.
وقد ذكَرنا قولَ من قال: عنى بأنَّ (١) بعضَهم أحقُّ بميراثِ بعضٍ من قرابتِهم من المؤمنين. وسنذكُرُ بقيةَ من حضَرَنا ذكرُه.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، قال: قال رجلٌ: نُورِّثُ أرحامَنا من المشركين؟ فنزَلَت: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآيةَ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. نزَلَت في مواريثِ مُشركي أهلِ العهدِ (٣).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ إلى قولِه: ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. قال: كان المؤمنُ المهاجِرُ والمؤمنُ الذي ليس بمهاجرٍ لا يتَوارَثان وإن كانا أخوَين مؤمنين. قال: وذلك لأن هذا الدينَ كان بهذا البلدِ قليلًا، حتى كان يومُ الفتحِ وانقَطَعت الهجرةُ توارَثوا حيثما كانوا بالأرحامِ، وقال النبيُّ ﷺ : "لا هجرةَ بعدَ الفتحِ". وقرَأ (٤): ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.
وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفارَ بعضُهم أنصارُ بعضٍ، وأنه لا يكونُ مؤمنًا من كان مقيمًا بدارِ الحربِ لم يهاجِرْ.
стр. 7672
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. قال: كان يَنْزِلُ الرجلُ بينَ المسلمين والمشركين، فيقولُ: إن ظهَر هؤلاء كنتُ معهم، وإن ظهَر هؤلاء كنتُ معهم. فأبَى اللَّهُ عليهم ذلك، وأنزَل اللَّهُ في ذلك، فلا تَراءى نارُ مسلمٍ و (١) نارُ مشركٍ، إلا صاحبَ جِزيةٍ مُقرًّا بالخراجِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حضَّ اللَّهُ المؤمنين على التواصُلِ، فجعَل المهاجرين والأنصارَ أهلَ وَلايةٍ (٢) في الدينِ دونَ من سِواهم، وجعَل الكفارَ بعضَهم أولياءَ بعض (٣).
وأما قوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: إلا تَفْعَلُوا أَيُّها المؤمنون ما أُمِرتُم به من مُوارَثةِ المهاجرين منكم بعضِهم من بعضٍ بالهجرةِ والأنصارِ بالإيمانِ، دونَ أقربائِهم من أعرابِ المسلمين و (٤) دونَ الكفارِ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: يحدُثْ بلاءٌ في الأرضِ بسببِ ذلك، ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. يعنى: ومعاصٍ للَّهِ (٥).
ذكر مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا
стр. 7673
تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. إلا تَفْعلوا هذا تَتْرُكوهم يَتَوارثون كما كانوا يَتَوارثون ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. قال: ولم يَكُنْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الإيمانَ إلا بالهجرةِ، ولا يَجعلونهم منهم إلا بالهجرةِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. يعنى: في الميراثِ. ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾. يقولُ: إلا تأْخُذوا في الميراثِ بما أَمَرتُكم به ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا تَناصروا أيُّها المؤمنون في الدِّينِ تَكُنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: جعَل المهاجرين والأنصارَ أهلَ وَلايةٍ (٢) في الدين دونَ من سِواهم، وجعل الكفارَ بعضَهم أولياءَ بعضٍ، ثم قال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ أَن يَتَولَّى المؤمنُ الكافرَ دونَ المؤمنِ. ثم ردَّ المواريثَ إلى الأرحامِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قولُه: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. قال: إلا
стр. 7674
تَعاوَنوا وتَناصروا في الدين تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ (١).
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ قولُ من قال: معناه أن بعضَهم أنصارُ بعضٍ دونَ المؤمنين، وأنه دَلالةٌ على تحريمِ الله على المؤمنِ المُقامَ في دار الحربِ، وتركَ الهجرةِ؛ لأن المعروفَ في كلامِ العربِ من معنى الوليِّ أنه النَّصيرُ والمُعينُ، أو ابن العمِّ والنَّسيبُ. فأما الوارثُ فغيرُ معروفٍ ذلك من معانيه، إلا بمعنى أنه يَليه في القيام بإِرثِه من بعدِه، وذلك معنًى بعيدٌ، وإن كان قد يَحتَمِلُه الكلامُ. وتوجيهُ معنى كلامِ الله إلى الأظهرِ الأشهرِ أولى من توجيههِ إلى خلافِ ذلك.
وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن أولى التأويلين بقوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ تأويلُ من قال: إلا تَفْعَلوا ما أمرتُكم به من التعاونِ والنُّصرةِ على الدين، تكُنْ فتنةٌ في الأرضِ. إذ كان مبتدأُ الآيةِ من قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بالحثِّ على الموالاةِ على الدين والتَّناصُرِ جاء، وكذلك الواجبُ أن يكونَ خاتمتُها به.
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ آوَوْا رسول الله ﷺ والمهاجرين معه، ونصروهم ونصَروا دينَ الله، أولئك هم أهلُ الإيمانِ بالله ورسوله حقًّا، لا مَن آمَن ولم يُهاجرْ دارَ الشركِ، وأقام بينَ أظهرِ أهلِ الشركِ، ولم يَغزُ مع المسلمين عدوَّهم، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: لهم
стр. 7675
سِترٌ من الله على ذنوبهم بعفوه لهم عنها ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: لهم في الجنةِ مَطعمٌ (١) ومشربٌ هَنيٌّ كريمٌ، لا يتغيَّرُ في أجوافِهم فيصيرَ نَجوًا (٢)، ولكنه يصيرُ رَشْحًا كرشحِ المسكِ.
وهذه الآيةُ تُنْبئُ عن صحةِ ما قلنا: إن معنى قول الله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في هذه الآيةِ، وقولِه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إنما هو النُّصرةُ والمعونةُ دونَ الميراثِ؛ لأنه جلَّ ثناؤُه عقَّب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصارِ، والخبرِ عما لهم دونَ من لم يُهاجرْ بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ الآية، ولو كان مُرادًا بالآيات قبل ذلك الدَّلالةُ على حكم ميراثِهم لم يَكُنْ عقيب ذلك إلا الحثُّ على مُضِيِّ الميراثِ على ما أمَر، وفى صحةِ ذلك كذلك الدليلُ الواضحُ على أن لا ناسخَ في هذه الآيات لشيءٍ ولا منسوخَ.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين آمنوا بالله ورسولِه من بعدِ تِبياني ما بيَّنْتُ من وَلايةِ المهاجرين والأنصار بعضهم بعضًا، وانقطاعِ وَلايتِهم ممن آمَن ولم يُهاجِرْ حتى يُهاجر، ﴿وَهَاجَرُوا﴾ دارَ الكفرِ إلى دارِ الإسلامِ، ﴿وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، ﴿فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ في الوَلايةِ، يَجبُ عليكم لهم من الحقِّ والنُّصرةِ في الدينِ والموارثةِ مثلُ الذي يجبُ لكم عليهم، ولبعضكم على بعضٍ.
стр. 7676
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم ردَّ المواريثَ إلى الأرحامِ التي بينَهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: بالميراثِ (١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢).
القول في تأويل قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرهُ: والمُتناسِبون بالأرحامِ بعضُهم أولى ببعضٍ في الميراثِ، إذا كانوا ممَّن قسَم الله له منه نصيبًا وحظًّا من الحليف والوليِّ، ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. يقولُ: في حكم الله الذي كتبَه في اللوحِ المحفوظِ والسابقِ من القضاءِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يقولُ: إن الله عالمٌ بما يُصلِحُ عبادهَ في توريثِه بعضَهم من بعضٍ بالقَرابةِ (٣) والنسب دونَ الحِلْفِ بالعَقْدِ، وبغير ذلك من الأمور كلِّها، لا يَخفَى عليه شيءٌ منها.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا قتادةُ أنَّه قال: لا يَرِثُ الأعرابيُّ المُهَاجِرَ، حتى أنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، [الأحزاب: ٦] (٤).
стр. 7677
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا مُعاذٌ، قال: ثنا ابن عَوْنٍ، عن عيسى بن الحارثِ، أن أخاه شُريحَ بن الحارثِ كانت له سُرِّيَّةٌ، فوَلَدت منه جاريةً، فلما شَبَّت الجاريةُ زُوِّجَت، فوَلَدَت غلامًا، ثم ماتَت السُّرِّيَّةُ، واختَصم شُرَيحُ بنُ الحارثِ والغلامُ إلى شُرَيحٍ القاضي في ميراثها، فجَعَل شُرَيحُ بنُ الحارثِ يقولُ: ليس له ميراثٌ في كتابِ اللهِ. قال: فقَضَى شُرَيحٌ بالميراثِ للغلامِ. قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. فرَكِبَ مَيْسَرَةُ بنُ يَزِيدَ إِلى ابن الزُّبَيرِ، وأخبرَه بقضاءِ شُريحٍ وقوله، فكَتَب ابن الزَّبَيرِ إِلى شُرَيحٍ: إِن مَيْسَرَةَ أَخبرني أنك قَضَيتَ بكذا وكذا، وقلتَ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. وإنه ليس كذلك، إنما نَزَلَت هذه الآيةُ؛ أن الرجلَ كان يُعاقِدُ الرجلَ يقولُ: تَرِثْنى وأَرِتُك: فنَزَلَت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. فجاء بالكتابِ إِلى شُرَيحٍ، فقال شُرَيحٌ: أَعْتَقَهَا جَنَانُ (١) بَطْنِها. وأبَى أَن يَرْجِعَ عن قضائه (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، قال: ثنى عيسى بنُ الحارثِ، قال: كانت لشُرَيح بن الحارث سُرِّيَّةٌ، فَذَكَر نحوَه، إلا أنه قال في حديثِه: كان الرجلُ يُعاقِدُ الرجلَ يقولُ: تَرِثُنى وأَرِثُك. فلمَّا نَزَلَت تُرِك ذلك.
[آخر تفسيرِ سورةِ "الأنفالِ". والحمد لله وحدَه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله] (٣).
стр. 7678
القولُ في تفسير السورة التي يُذْكَرُ فيها التوبةُ
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾.
يعنى بقوله: جلَّ ثناؤُه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. هذه براءةٌ مِن اللَّهِ ورسوله.
فـ ﴿بَرَاءَةٌ﴾ مرفوعةٌ بمحذوفٍ، وهو هذه، كما في قولِه: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١] مرفوعةٌ بمحذوفٍ هو هذه، ولو قال قائلٌ: ﴿بَرَاءَةٌ﴾ مرفوعةٌ بالعائدِ مِن ذكرِها في قولِه: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾. وجَعَلها كالمعرفةِ تَرْفَعُ ما بعدَها، إذْ كانت قد صارَت بصِلَتِها، وهى قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه﴾ كالمعرفةِ، وصار معنى الكلامِ: براءةٌ (١) من الله ورسولِه، إلى الذين عاهَدْتم مِن المشركين. كان مذهبًا غيرَ مَدْفوعةٍ صحتُه، وإن كان القولُ الأولُ أعجبَ إِليَّ؛ لأن مِن شَأْنِ العربِ أن يُضْمِروا لكلِّ مُعاينٍ، نكرةً كان أو معرفةً ذلك المُعاينُ، "هذا" و "هذه"، فيقولون عندَ مُعاينتِهم الشيءَ الحسنَ: حسنٌ والله. والقبيحَ: قَبيحٌ واللهِ. يُريدون: هذا حسنٌ والله، وهذا قبيحٌ والله؛ فلذلك اخْتَرتُ القولَ الأَوَّلَ.
وقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾. والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله ﷺ من المشركين؛ لأن العُهودَ بينَ المسلمين والمشركين على عهدِ رسول الله ﷺ ، لم يكن يَتَوَلَّى عَقْدَها إلا رسولُ الله ﷺ ، أو مَن يَعْقِدُها بأَمْرِه،
стр. 7679
ولكنه خاطَب المؤمنين بذلك لعِلْمِهم بمعناه، وأن عُقُودَ النبيِّ ﷺ على أمتِه كانت عُقُودَهم؛ لأنهم كانوا لكلِّ أفعالِه فيهم راضِين، ولعُقُودِه عليهم مُسَلِّمين، فصارَ عَقْدُه عليهم كعُقُودِهم على أنفسِهم؛ فلذلك قال: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. لما كان مِن عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ.
وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ فيمَن بَرِيءَ الله ورسولُه إليه مِن العهدِ الذي كان بينَه وبين رسولِ اللهِ من المشركين، فأَذِنَ له في السِّياحة في الأرضِ أربعةَ أشهرٍ.
فقال بعضُهم: هُم صِنْفان من المشركين:
أحدُهما: كانت مُدَّةُ العهدِ بينَه وبين رسولِ اللَّهِ ﷺ أقلَّ مِن أربعةِ أشهرٍ، وأُمْهِلَ بالسِّياحة أربعةَ أشهرٍ.
والآخرُ منهما: كانت مُدَّةُ عَهْدِه بغيرِ أَجَلٍ محدودٍ، فقُصِر به على أربعة أشهرٍ ليَرْتادَ لنفسِه، ثم هو حَرْبٌ بعد ذلك للهِ ولرسولِه وللمؤمنين، يُقْتَلُ حيثما أُدْرِكَ ويُؤسَرُ إلا أن يتوبَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: بَعَث رسولُ اللَّهِ ﷺ أبا بكرٍ الصِّديقَ، ﵁، أميرًا على الحاجِّ من سنة تسْعٍ؛ ليُقيمَ للناسِ حَجَّهم، والناسُ من أهل الشِّرْكِ على منازلِهم مِن حَجِّهم. فخَرَج أبو بكرٍ ومَن معه من المسلمين، ونَزَلَت سورةُ "براءة" في نَقْضِ (١) ما بين رسولِ اللَّهِ ﷺ وبينَ المشركين من العهدِ الذي كانوا عليه فيما بينَه وبينَهم: أن لا يُصَدَّ عن البيتِ أَحدٌ
стр. 7680
جاءه، وأن لا يُخاف أحدٌ في الشهرِ الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناسِ من أهل الشركِ. وكانت بين (١) ذلك عُهُودٌ بينَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وبين قبائلَ مِن العرب خصائص إلى أجلٍ مُسَمًّى، فَنَزَلَت فيه وفيمَن تَخَلَّف عنه مِن عنه من المنافقين في تَبوكَ، وفى قول من قال منهم، فكَشَف الله فيها سرائر أقوام كانوا يَسْتَخفون بغير ما يُظْهِرون، منهم مَن سُمِّي لنا، ومنهم من لم يُسَمَّ لنا، فقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾. أي لأهل العهد العامِّ من أهلِ الشِّرْكِ من العرب ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. إلى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾. أي: بعد هذه الحَجَّةِ (٢).
وقال آخرون: بل كان إمهالُ اللهِ، ، بسياحة أربعة أشهرٍ، مَن كان مِن المشركين بينَه وبينَ رسول الله ﷺ ، عهدٌ، فأما مَن لم يكن له من رسولِ اللهِ عهدٌ، فإنما كان أَجَلُه خمسين ليلةً، وذلك عشرون من ذى الحجَّة والمحرَّمُ كلُّه. قالوا: وإنما كان ذلك كذلك؛ لأن أَجَلَ الذين لا عهدَ لهم كان إلى انسلاخ الأشهر الحُرُم، كما قال الله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. الآية، قالوا: والنداء بـ "براءةَ"، كان يوم الحجِّ الأكبر، وذلك يومُ النَّحْرِ في قولِ قومٍ، وفى قولِ آخرين يومُ عرفةَ، وذلك خمسون يومًا.
قالوا: وأمَّا تأجيلُ الأشهرِ الأربعةِ، فإنما كان لأهلِ العهدِ بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ من يومِ نَزَلَت ﴿بَرَاءَةٌ﴾. قالوا: ونَزَلَت في أوَّلِ شوَّالٍ، فكان انقضاءُ مُدَّةٍ أجلهم انسلاخَ الأشهر الحُرُمِ. وقد كان بعضُ مَن يقولُ هذه المقالة يقولُ: ابتداءُ التَّأجيل كان للفريقين واحدًا - أعنى الذي له العهدُ، والذي لا عهدَ له - غيرَ أن أجلَ
стр. 7681
الذي كان له عهدٌ كان أربعة أشهرٍ، والذي لا عهدَ له انسلاخَ الأشهرِ الحُرُمِ، وذلك انقضاءُ المُحرَّمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. قال: حَدَّ الله للذين عاهَدوا رسوله أربعة أشهرٍ، يسيحون فيها حيثما شاءُوا، وحدَّ (١) أَجَلَ مَن ليس له عهدٌ، انسلاخَ الأشهرِ الحُرُمِ مِن يومِ النَّحْرِ إلى انسلاخ المُحَرَّمِ، خمسين ليلةً، فإذا انسَلَخ الأشهرُ الحُرُمُ، أَمَره بأن يَضَعَ السيف فيمَن عاهَد (٢).
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لمَّا نَزَلَت: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: براءةٌ من المشركين الذين كان لهم عهدٌ، يومَ نَزَلَت "براءةُ"، فجَعَل مُدَّةَ مَن كان له عهدٌ قبل أن تَنْزِلَ "براءةُ" أربعة أشهرٍ، وأمَرهم أن يَسِيحوا في الأرض أربعةَ أشهرٍ، وجَعَل مُدَّةَ المُشْرِكين الذين لم يكنْ لهم عهدٌ قبل أن تَنْزِلَ "براءةُ" انسلاخَ الأشهر الحُرُمِ، وانسلاخُ الأشهرِ الحُرُمِ مِن يوم أُذِّنَ بـ "براءة" إلى انسلاخِ المُحَرَّمِ، وهى خمسون ليلةً: عشرون من ذى الحِجَّة، وثلاثون من المُحرَّمِ ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. يقولُ: لم يَبْق لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا ذِمَّةٌ منذُ نَزَلَت "براءةُ"،
стр. 7682
وانسَلَخ الأشهرُ الحُرُمُ، ومُدَّةُ مَن كان له عهدٌ من المشركين قبلَ أن تَنْزِلَ "براءةُ" أربعة أشهرٍ مِن يومِ أُذُنَ بـ "براءةَ" إلى عشرٍ من أوَّلِ ربيع الآخر، فذلك أربعةُ أشهرٍ (١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾. قبل أن تَنْزِلَ "براءةُ" عاهَد ناسًا من المشركين مِن أهل مكةَ وغيرهم، فنَزَلَت: "براءةُ" من الله إلى كلِّ أحدٍ ممن كان عاهَدَك مِن المشركين، فإنى أَنْقُضُ العهدَ الذي بينَك وبينَهم، فأُوْجِّلُهم أربعةَ أشهرٍ يَسِيحون حيثُ شاءُوا من الأرض آمِنِين. وأجَّل مَن لم يكنْ بينَه وبينَ النبيِّ ﷺ عهدٌ، انسلاخَ الأشهرِ الحُرُمِ مِن يومَ أُذِّنَ بـ "براءةَ"، وأُذِّنَ بها يومَ النَّحْرِ، فكان عشرين من ذى الحِجَّة، والمُحرَّمِ ثلاثين، فذلك خمسون ليلةً. فأمر الله نبيَّه إذا انسَلَحَ المُحرَّمُ أَن يَضَعَ السيفَ فيمَن لم يكنْ بينَه وبينَ نبيِّ اللهِ ﷺ ، عهدٌ، يَقْتُلُهم حتى يَدخُلُوا في الإسلامِ، وأمَر بمَن كان له عهدٌ إذا انسَلَخ أربعةٌ من يومِ النَّحْرِ (٢)، أَن يَضَعَ فيهم السيفَ أيضًا، يَقْتُلَهم حتى يَدْخُلُوا في الإسلامِ. فكانت مُدَّةً مَن لا عهد بينه وبين رسول الله ﷺ خمسين ليلةً من يومِ النَّحْرِ، ومُدَّةُ مَن كان بينَه وبين رسولِ الله ﷺ عهدٌ أربعةُ أشهرٍ من يومِ النَّحْرِ إلى عشرٍ يَخْلُونَ مِن شهر ربيع الآخَرِ (٣).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ
стр. 7683
وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال: ذُكِر لنا أن عليًّا نادَى بالأَذانِ، وأُمِّر على الحاجِّ أبو بكرٍ، ﵄، وكان العامَ الذي حَجَّ فيه المسلمون والمشركون، ولم يَحُجَّ المشركون بعد ذلك العام (١).
قوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. إلى قوله: ﴿إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾. قال: هم مُشْرِكو قريشٍ، الذين عاهَدهم رسول الله ﷺ زمن الحُدَيبيةِ، وكان بَقِي مِن مُدَّتِهم أربعةُ أشهرٍ بعدَ يومِ النَّحْرِ، وأمَر الله نبيَّه أن يُوَفِّيَ بِعَهْدِهِم إِلى مُدَّتِهِم، ومَن لا عهدَ له انسلاخَ المحرمِ. ونُبِذَ إلى كلِّ ذى عَهْدِ عهدُه، وأمِر بقتالِهم حتى يَشْهَدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، ولا يَقْبَلُ منهم إلا ذلك.
وقال آخرون: كان ابتداءُ تَأْخير المشركين أربعة أشهرٍ، وانقضاءُ ذلك لجميعهم، وقتًا واحدًا. قالوا: وكان ابتداؤُه يومَ الحَجِّ الأكبرِ، وانقضاؤُه انقضاءَ عشرٍ مِن ربيعٍ الآخرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ، بَرِئَ مِن عهدِ كلِّ مُشْرِكٍ، ولم يُعاهِدْ بعدَها إلا مَن كان عاهَد، وأجرَى لكلٍّ مُدَّتَهم ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ لمَن دخَل عهدُه فيها مِن عَشْرِ (٢) ذى الحِجَّةِ، والمحُرَّمِ، وصَفَرِ، وشهر ربيعٍ الأوَّلِ، وعشرٍ من شهرِ ربيع الآخَرِ (٣).
стр. 7684
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ وغيرُه، قالوا: بَعَث رسولُ الله ﷺ ما أبا بكرٍ أميرًا على الموسم سنةَ تِسْعٍ، وبَعَث عليَّ بنَ أبي طالبٍ، ﵁، بثلاثينَ أو أربعينَ آيةً من "براءةً"، فقَرَأها على الناسِ يُؤجِّلُ المشركين أربعة أشهرٍ يَسيحون في الأرضِ، فقرَأ عليهم "براءة" يومَ عَرفةَ، أَجَّلَ المشركين عشرين من ذى الحجَّةِ، والمُحَرَّم، وصَفَرٍ، وشهرَ ربيع الأوَّلِ، وعَشْرًا من ربيع الآخرِ، وقَرَأها عليهم في منازلِهم، وقال: لا يَحُجَّنَّ بعدَ عامِنا هذا مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَنَّ بالبيتِ عُرْيانٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. عشرون من ذى الحِجَّةِ، والمحرم، وصفرٍ، وربيعٍ الأولِ، وعَشْرٍ من ربيعٍ الآخرِ، كان ذلك عهدَهم الذي بينَهم (١).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن، عن مجاهدٍ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى أهل العهد؛ خُزاعةَ، ومُدْلِجٍ، ومَن كان له [عهدٌ مِن] (٢) غيرهم. أقبلَ رسولُ اللهِ ﷺ مِن تَبُوكَ حينَ فَرَغ، فأرادَ رسول الله ﷺ الحَجَّ، ثم قال: "إنه يَحْضُرُ المشركون، فيَطُوفون عُرَاةً، فلا أُحِبُّ أن أحجَّ حتى لا يكونَ ذلك". فأرسَل أبا بكرٍ وعليًّا، ﵄، فطافا بالناس بذى المجَازِ، وبأمكنتِهم التي كانوا يَتَبايعون بها، [وبالموسم كلِّه] (٣)، فآذَنُوا أصحاب العهد بأن يَأمنوا أربعة أشهرٍ، فهى الأشْهرُ المُتوالياتُ: عشرون مِن آخرِ ذى الحِجَّةِ إلى عَشْرِ يَخْلُون من شهر ربيع الآخر، ثم لا عهدَ لهم، وآذَن الناسَ كلَّهم (٤)
стр. 7685
بالقتال إلا أن يُؤْمِنوا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال: أهلُ العهدِ: مُدْلِجٌ، والعربُ الذين عاهَدهم، ومَن كان له عهدٌ. قال: أقبَل رسولُ اللهِ ﷺ مِن تَبوكَ حينَ فَرَغ منها وأرادَ الحَجَّ، ثم قال: "إنَّه يَحْضُرُ (٢) البيتَ مُشْرِكون يَطُوفون عُرَاةً، فلا أُحِبُّ أن أَحُجَّ حتى لا يكونَ ذلك". فأرسَل أبا بكرٍ وعليًّا، ﵄، فَطافا بالناس بذى المجَازِ، وبأمْكِنتِهم التي كانوا يَتَبايعون بها، وبالموسم كلِّه، وآذَنُوا أصحابَ العهدِ بأن يأمَنوا أربعةَ أشهرٍ، فهى (٣) الأشهرُ الحرُمُ المُنْسَلِخاتُ المُتوالياتُ: عشرون مِن آخِرِ ذى الحِجَّةِ إلى عَشْرٍ يَخُلُونَ مِن شهرِ ربيعٍ الآخرِ، ثم لا عهدَ لهم. وآذَن الناس كلَّهم بالقِتالِ إلا أن يُؤْمِنوا. فَآمَن الناس أجمعون حينَئذٍ، ولم يَسِحْ أحدٌ. قال: حينَ رَجَع مِن الطائفِ، ومَضَى مِن فَوْرِهِ ذلك فغَرَا تبوكَ، بعدَ إذ جاء إلى المدينةِ.
وقال آخرون ممن قال: ابتداءُ الأجلِ لجميعِ المشركين وانقضاؤه كان واحدًا؛ كان ابتداؤه يومَ نَزَلَت "براءةُ"، وانقضاؤه انقضاءَ الأشهرِ الحُرُمِ، وذلك انقضاءُ المُحَرَّمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن
стр. 7686
الزُّهْرِى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. قال: نَزَلَت في شَوَّالٍ، فهى الأربعةُ الأشهر: شَوَّالٌ، وذو القَعْدة، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ (١).
وقال آخرون: إنما كان تأجيلُ اللَّهِ الأشهرَ الأربعةَ المشركين في السياحةِ، لمَن كان بينَه وبينَ رسولِ الله ﷺ عَهْدٌ مُدَّتُه أقلُّ (٢) من أربعة أشهرٍ. [أَمَّا مَن كان له عهدٌ مُدَّتُه أكثرُ من أربعة أشهرٍ] (٣)، فإنه أُمِر ﷺ أن يُتِمَّ له عهدَه إلى مُدَّتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمد بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، قال: قال الكَلْبِيُّ: إنما كانت الأربعةُ الأشهرِ لَمَن كان بينه وبيَن رسول الله ﷺ عهدٌ دونَ الأربعةِ الأشهرِ، فأَتَمَّ له الأربعةَ. ومَن كان له عهدٌ أكثرُ من أربعة أشهرٍ، فهو الذي أُمِر أن يُتِمَّ له عهدَه، وقال: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (٤).
قال أبو جعفرٍ، ﵀: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: الأَجَلُ الذي جَعَله الله لأهل العهدِ مِن المشركين، وأَذِن لهم بالسِّياحة فيه بقولِه: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. إنما هو لأهل العهد الذين ظاهَروا على رسولِ الله ﷺ ، ونَقَضُوا عهدَهم قبل انقضاءِ مُدَّتِه. فأمَّا الذين لم يَنْقُضوا عهدَهم، ولم يُظاهروا عليه، فإن الله جلَّ ثناؤُه، أمَر نبيَّه ﷺ بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مُدَّتِه بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا
стр. 7687
عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
فإن ظَنَّ ظانٌّ أن قولَ الله تعالى ذكرُه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ يدلُّ على خلافِ ما قُلنا في ذلك، إذ كان ذلك يُنْبِئُ علي (١) أن الفرضَ على المؤمنين كان بعدَ انقضاء الأشهر الحُرُم، قَتْلَ كُلِّ مُشْرِكٍ، فإن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظَنَّ، وذلك أن الآية التي تَتْلُو ذلك تنبئُ (٢) عن صحةِ ما قُلْنا، وفسادِ ما ظَنَّه مَن ظَنَّ أن انسلاخَ الأشهرِ الحُرُم كان يُبيحُ قتلَ كلِّ مُشْرِكٍ، كان له عهدٌ من رسولِ الله ﷺ ، أو لم يكنْ كان له منه عهدٌ، وذلك قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]. فهؤلاء مُشْرِكون، وقد أمر الله نبيَّه ﷺ والمؤمنين بالاستقامةِ لهم في عهدِهم، ما استَقاموا لهم بتَرْكِ نقض صُلْحِهم، وتَرْكِ مُظاهرة عدوِّهم عليهم.
وبعدُ، ففى الأخبار المُتظاهرة عن رسول الله ﷺ : أنه حينَ بَعَث عليًّا، ﵁ بـ "براءةَ" إلى أهل العهودِ بينَه وبينَهم، أمَره فيما أمَره أن يُنادِىَ به فيهم: ومَن كان بينَه وبينَ رسول الله ﷺ ، عهدٌ، فعهدُه إلى مُدَّتِه أوضحُ الدليل على صحةِ ما قُلنا. وذلك أن الله لم يأمُرْ نبيَّه ﷺ بنَقْضِ عهدِ قومٍ كان عاهَدهم إلى أَجَلٍ، فاستقاموا على عهدهم (٣) بتَرْكِ نَقْضِه، وأنه إنما أَجَّل أربعةَ أشهرٍ مَن كان قد نَقَض عهدَه قبلَ التأجيل، أو مَن كان له عهدٌ إلى أجلٍ غيرِ محدودٍ. فأمَّا مَن كان أجلُ عهدِه محدودًا، ولم يجعلْ بنَقْضِه على نفسِه سبيلًا، فإن رسول الله ﷺ كان بإتمامِ
стр. 7688
عهده إلى غاية أجله مأمورًا. وبذلك بَعَث مُنادِيَه يُنادى به في أهل الموسم من العرب.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قَيْسٌ، عن مُغِيرةَ، عن الشَّعْبيِّ، قال: ثنى مُحَرَّرُ بنُ أبي هريرةَ، عن أبي هريرةَ، ﵁، قال: كنتُ مع عليٍّ، ﵁، حينَ بعثَه النبيُّ ﷺ يُنَادِي، فكان إذا صَحِلَ (١) صوتُه نادَيتُ. قلتُ: بأيِّ شيءٍ كنتم تُنادُون؟ قال: بأربعٍ: لا يَطْفْ بالكعبة عُريانٌ، ومَن كان له عند رسول الله ﷺ عهدٌ فعهدُه إلى مُدَّتِه، ولا يَدخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يَحُجَّ بعد عامنا هذا (٢) مُشْرِكٌ (٣).
حدَّثني محمد بن عمرٍو (٤)، قال: ثنا عَفَّانُ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيع، قال: ثنا الشَّيْبانيُّ، عن الشَّعْبيِّ، قال: أخبرَنا المُحَرَّرُ بنُ أبي هريرةَ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليٍّ، ﵁، فذَكَر نحوَه، إلا أنه قال: ومَن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ، فعهدُه إلى أجلِه (٥).
وقد حَدَّث بهذا الحديثِ شعبةُ، فخالف قيسًا في الأجلِ.
فحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن الشَّعْبيِّ، عن المُحَرَّرِ بن أبي هريرةَ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليٍّ حينَ بَعَثه رسولُ اللهِ ﷺ ببراءةٍ إلى أهل مكة، فكنتُ أُنادى حتى
стр. 7689
صَحِلَ صَوْتى. فقلتُ: بأيِّ شيءٍ كنتَ تُنادِى؟ قال: أُمِرْنا أَن تُنادِيَ: أنه لا يَدْخُلُ الجنة إلا مؤمنٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ الله ﷺ من عهدٌ، فأجلُه إلى أربعةِ أشهرٍ، فإذا حَلَّ الأجلُ، فإن الله بَرِيءٌ مِن المشركين ورسولُه، ولا يَطُفْ بالبيت عُرْيانٌ، ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ (١).
قال أبو جعفرٍ، رحمه ﵀: وأخشَى أن يكونَ هذا الخبرُ وَهُمًا مِن ناقلِه في الأجل؛ لأن الأخبار مُتظاهرةٌ في الأجلِ بخلافِه، مع خلافِ قيسٍ شُعْبَةَ في نفسِ هذا الحديث على ما بَيَّنتُه.
حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن عليٍّ، ﵁، قال: أُمِرتُ بأربع؛ أُمِرْتُ أن لا يَقْرَبَ البيتَ بعد هذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُف رجلٌ بالبيتِ عُرْيانًا، ولا يَدخُلُ الجنةَ إلا كلُّ نفس مُسْلمةٍ. وأن يَتِمَّ إلى كلٍّ ذى عَهْدِ عهدُه (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن زيدِ بن يُثَيعٍ (٣) قال: نَزَلَت "براءةُ"، فبَعَث بها رسول الله ﷺ أبا بكرٍ، ثم أرسَل عليًّا فأخَذَها منه. فلما رَجَع أبو بكرٍ، قال: هل نَزَل في شيءٌ؟ قال: لا،
стр. 7690
ولكنى أُمِرْتُ أن أُبْلِغَها أنا أو رجلٌ مِن أهل بيتى. فانطلَق إلى مكةَ، فقامَ فيهم بأربعٍ؛ أن لا يَدْخُلَ مكةَ مُشْرِكٌ بعد عامه، هذا، ولا يَطُف بالكعبة عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ الله عهدٌ، فعهده إلى مُدَّتِه (١).
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بن يُثَيعٍ، عن عليٍّ، قال: بَعَثني النبيُّ ﷺ ، حينَ أُنزِلَت "براءةُ" بأربعٍ؛ أَن لا يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ولا يَقْرَبِ المسجدَ الحرامَ مُشْرِكٌ بعد عامِهم هذا، ومَن كان بينَه وبينَ رسول الله ﷺ ، عهدٌ، فهو إلى مُدَّتِه، ولا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمةٌ (٢).
حدَّثنا ابن وَكِيع، قال: ثنا ابن عبدِ الأَعْلى، عن مَعْمَرٍ، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، ﵁، قال: بُعثتُ إلى أهل مكةَ بأربعٍ. ثم ذكَر الحديثَ.
حدَّثنا إبراهيم بنُ سعيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قال: ثنا حسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ قَوْمٍ، عن الأعمشِ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ: أن رسول الله ﷺ ما بعث أبا بكر بـ "براءةَ"، ثم أتبعه عليًّا، فأَخَذَها منه، فقال أبو بكر، ﵁: الله عنه: يا رسولَ اللَّهِ، حَدَث فيَّ شيءٌ؟ قال: "لا، أَنْتَ صَاحِبي في الغارِ وعلى الحوض، ولا يُؤَدِّي عَنِّي إلا أنا أو عليٌّ". وكان الذي بَعَث به عليًّا أربعًا: لا
стр. 7691
يَدْخُلُ الجنة إلا نفسٌ مُسْلِمةٌ، ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطْف بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان بينه وبين رسولِ الله ﷺ عهدٌ فهو إلى مُدَّتِه (١).
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن أبي خالدٍ، عن عامرٍ، قال: بَعَث النبيُّ ﷺ عليًّا، ﵁، فنادَى: ألا لا يَحُجَّنَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ومَن كان بينه وبين رسول الله عهدٌ، فأجَلُه إلى مُدَّتِه، والله بَرئٌ من المشركين ورسولُه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن حكيم بن حكيم بن عَبَّادِ بن حُنَيْفٍ، عن أبي جعفر محمد بن عليّ بن حُسَينِ بن عليٍّ، قال: لما نَزَلَت "براءةُ" على رسول الله ﷺ ، وقد كان بَعَث أبا بكرٍ الصديقَ، ﵁، ليُقِيمَ الحَجَّ للناسِ، قيل له: يا رسول الله، لو بَعَثْتَ إلى أبي بكرٍ، فقال: "لا يُؤَدِّي عَنِّي إلا رجلٌ مِن أهلِ بَيْتِى". ثم دَعا عليَّ بنَ أبي طالبٍ، ﵁، فقال: "اخْرُج بهذه القِصَّةِ مِن صَدْرِ "بَرَاءةَ"، وأَذِّنْ في الناسِ يومَ النَّحْرِ إذا اجْتَمَعوا بمِنًى؛ أنَّه لا يَدْخُلُ الجنةَ كافِرٌ، ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان له عند رسول الله ﷺ عَهْدٌ فهو إلى مُدَّتِه". فَخَرَج عليُّ بنُ أبي طالبٍ، ﵁، على ناقةِ رسولِ الله ﷺ العَضْباءِ، حتى أدرَك أبا بكرٍ الصديقَ بالطريق، فلمَّا رَآه أبو بكرٍ، قال: أميرٌ أو مأمورٌ؟ قال: مأمورٌ، ثم مَضَيا، ﵄، فأقامَ أبو بكرٍ للناسِ الحَجَّ، والعربُ إذ ذاك في تلك السنةِ على مَنازلِهم مِن الحَجِّ التي كانوا عليها في الجاهليةِ، حتى إذا كان يومُ النَّحْرِ، قامَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، ﵁، فأَذَّنَ في الناسِ بالذي أمَره رسولُ الله ﷺ ، فقال: يا أَيُّها الناسُ، لا
стр. 7692
يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ولا يَحُجَّ بعدَ العام مُشْرِكٌ، ولا يَطُف بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان له عهدٌ عند رسول الله ﷺ ، فهو له إلى مُدَّتِه. فلم يَحُجَّ بعدَ ذلك العامِ مُشْرِكٌ، ولم يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ثم قَدِما على رسول الله ﷺ . وكان هذا مِن "براءةَ"، فيمَن كان مِن أهلِ الشِّرْكِ مِن أهل العهد العامِّ، وأهلِ المُدَّةِ إلى الأجلِ المُسَمَّى (١).
حدَّثني محمدُ بنُ الحُسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآياتُ إلى رأسِ أربعينَ آيةً، بَعَثَ بِهِنَّ رسولُ اللهِ ﷺ مع أبي بكرٍ، وأَمَّره على الحَجِّ، فلمَا سارَ فبلَغ الشجرةَ من ذي الحُلَيفة، أتبَعه بعليٍّ فأخَذها منه، فرَجَع أبو بكرٍ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أَنْزِل في شأنى شيءٌ؟ قال: "لا، ولكن لا يُبلِّغُ عنِّي غَيرى، أو رجلٌ مِنِّي، أمَا تَرْضَى يا أبا بكر أنك كنتَ مَعِي في الغارِ، وأَنَّك صاحبي على الحَوْضِ؟ ". قال: بلى يا رسولَ اللهِ! فسارَ أبو بكرٍ على الحاجِّ، وعليٌّ يُؤذِّنُ بـ "براءةَ"، فقامَ يومَ الأضحَى، فقال: لا يَقْرَبَنَّ المسجد الحرامَ مُشْرِكٌ بعدَ عامِه هذا، ولا يَطُوفَنَّ بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان بينَه وبين رسول الله ﷺ ، عهدٌ، فله عَهْدُه إلى مُدَّتِه، وإن هذه أيامُ أَكلٍ وشُرْبٍ، وإن الله لا يُدْخِلُ الجنةَ إلا من كان مُسْلِمًا. فقالوا: نحن نَبْرَأُ مِن عهدِك وعهدِ ابن عَمِّك إلا مِن الطَّعْنِ والضَّرْبِ. فَرَجَع المشركون، فَلامَ بعضُهم بعضًا، وقالوا: ما تَصْنَعون، وقد أَسْلَمَت قريشٌ؟ فأسلَموا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيْعٍ، عن عليٍّ، قال: أُمِرْتُ بأربعٍ؛ أَن لا يَقْرَبَ
стр. 7693
البيتَ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوف بالبيتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، وأن يَتِمَّ إلى كلِّ ذى عَهْدٍ عهدُه. قال مَعْمَرٌ: وقاله قتادةُ (١).
قال أبو جعفر، ﵀: فقد أَنْبَأَتْ هذه الأخبارُ ونظائرها عن صحةِ ما قُلنا، وأن أَجَلَ الأشهر الأربعةِ إنما كان لَمَن وَصَفْنا. فأمَّا مَن كان عهدُه إلى مُدَّةٍ مَعْلومةٍ، فلم يَجعَلْ لرسول الله ﷺ وللمؤمنين لنَقْضِه ومُظاهَرةِ أعدائِهم عليهم سبيلًا، فإن رسول الله ﷺ قد وَفَّى له بعهده إلى مُدَّتِه، عن أمر الله إياه بذلك. وعلى ذلك دَلَّ ظاهرُ التنزيل، وتَظاهَرَت به الأخبارُ عن الرسول ﷺ .
وأما الأشهرُ الأربعةُ، فإنها كانت أَجَلَ مَن ذَكَرْنا، وكان ابتداؤُها يومَ الحَجِّ الأكبرِ، وانقضاؤها انقضاءَ عَشْرٍ من ربيع الآخرِ، فذلك أربعةٌ أشهرٍ متتابعةٍ، جُعِل لأهلِ العَهْدِ الذين وَصَفْنا أَمْرَهم فيها السياحة في الأرضِ، يَذْهَبون حيث شاءوا، لا يَعْرِضُ لهم فيها من المسلمين أحدٌ بحربٍ، ولا قتلٍ، ولا سَلْبٍ.
فإن قال قائلٌ: فإذا كان الأمرُ في ذلك كما وَصَفتَ، فما وَجْهُ قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقد عَلِمتَ أن انسلاخها انسلاخُ المحرمِ، وقد زَعَمْتَ أن تأجيلَ القومِ مِن اللهِ ومِن رسوله كان أربعةَ أشهر، وإنما بين يوم الحجِّ الأكبر، وانسلاخ الأشهرِ الحُرُمِ خمسون يومًا أكثره، فأين الخمسون يومًا من الأشهر الأربعة؟
قيل: إن انسلاخ الأشهرِ الحُرُمِ، إنما كان أَجَلَ مَن لا عهد له مِن المشركين من رسول الله ﷺ ، والأشهر الأربعة لمن له عَهْدٌ، إما إلى أجلٍ غيرِ محدودٍ، وإمَّا إلى أجلٍ محدودٍ قد نَقَضَه، فصارَ بنَقْضِه إياه بمعنى مَن خِيفَ خيانتُه، فاسْتَحَقَّ النَّبْذَ إِليه
стр. 7694
على سواء، غيرَ أنه جُعِل له الاستعدادُ لنفسِه، والارْتيادُ لها من الأَجَل الأربعةِ الأشهرِ. ألَا تَرَى الله يقولُ لأصحاب الأشهر الأربعةِ، ويَصفُهم بأنهم أهلُ عَهْدٍ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾. وَوَصَف المجعولَ لهم انسلاخَ الأشهرِ الحرمِ أجلًا، بأنهم أهلُ شِرْكِ لا أهلَ عَهْدِ، فقال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾. الآية - ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الآية، ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فأمَر بقتلِ المُشْرِكين الذين لا عَهْدَ لهم بعدَ انسلاخ الأشهر الحُرُمِ، وبإتمام عَهْدِ الذين لهم عَهْدٌ، إذا لم يكونوا نَقَضُوا عهدَهم بالمُظاهرةِ على المؤمنين، وإدخالِ النَقْصِ فيه عليهم.
فإن قال قائلٌ: وما الدليلُ على أن ابتداءَ التأجيل كان يوم الحَجِّ الأكبرِ، دونَ أن يكونَ كان مِن شَوَّالٍ، على ما قاله قائلو ذلك؟
قيل له: إن قائلى ذلك، زَعَموا أن التأجيلَ كان مِن وَقْتِ نُزولِ "براءةَ"، وذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ صحيحًا؛ لأن المجعولَ له أجلُ السياحةِ إلى وَقْتٍ محدودٍ، إذا لم يَعْلَمْ ما جُعِل له ولا سيما مع عَهْدِ له قد تَقَدَّم قبل ذلك بخلافِه، فكمَن لم يُجْعَلْ له ذلك؛ لأنه إذا لم يَعْلَمُ ما لَه في الأجل الذي جُعِل له، وما عليه بعدَ انْقِضائِه، فهو كهيئته قبلَ الذي جُعِل له من الأجَلِ. ومعلومٌ أن القومَ لم يَعْلَموا بما جُعِل لهم من ذلك، إلا حينَ نُودِى فيهم بالموسمِ. وإذا كان ذلك كذلك، صَحَّ أن ابتداءَه ما قُلنا، وانقضاءه كان ما وَصَفْنا.
وأما قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. فإنه يعنى: فسِيرُوا فيها مُقْبِلِين ومُدْبِرِين، آمِنين غيرَ خائِفِين مِن رسولِ الله ﷺ وأتباعِه.
стр. 7695
يقالُ منه: ساحَ فلانٌ في الأرضِ يَسِيحُ، سياحةً وسُيُوحًا وسَيَحانًا.
وأما قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾. فإنه يقولُ لأهل العهدِ مِن المشركين (١) الذين كان بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ عَهْدٌ قبل نزولِ هذه الآيةِ: اعلَموا، أيُّها المُشْرِكون، أنكم إن سِحْتُم في الأرضِ، واخْتَرْتم ذلك مع كُفْرِكم بالله، على الإقرارِ بتَوحيدِ اللهِ وتَصْديقِ رسولِه: ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾. يقولُ: غيرُ مُفِيتِيه بأنفسِكم؛ لأنكم حيثُ ذَهَبْتم وأينَ كنتم مِن الأرضِ، ففى قَبْضتِه وسُلطانه، لا يَمْنَعُكم منه وزيرٌ، ولا يحول بينكم وبينَه إذا أرادَكم بعذابٍ مَعْقِلٌ ولا مَوْئِلٌ إلا الإيمانُ به وبرسوله، والتوبةُ مِن مَعْصِيتِه. يقولُ: فبادروا عُقوبته بتوبةٍ، ودَعُوا السياحةَ التي لا تَنْفَعُكم.
وأما قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: واعلموا أن اللَّهَ مُذِلُّ الكافرين، ومُورِثُهم العارَ في الدنيا، والنارَ في الآخرة.
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإعلامٌ من الله ورسوله إلى الناسِ يومَ الحَجِّ الأكبرِ.
وقد بَيَّنَّا معنى الأذانِ، فيما مَضَى مِن كتابنا هذا بشَواهِدِه (٢).
وكان سليمانُ بنُ موسى يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: زَعَمَ سليمانُ بنُ موسى الشَّامِيُّ أن
стр. 7696
قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: الأذانُ: القَصَصُ، فاتحةُ "براءةَ" حتى تختم: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨]. فذلك ثمانٌ وعشرون آيةً (١)
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ، في قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: إعلامٌ من الله ورسولِه (٢).
ورُفِع قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾. عطفًا على قولِه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾. كأنه قال: هذه براءةٌ من اللهِ ورسولِه، وأَذانٌ مِن اللَّهِ.
وأما قوله: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾. فإن فيه اختلافًا بين أهل العلمِ؛ فقال بعضُهم: هو يومُ عَرَفةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: أخبرَنا أبو زُرْعَةَ وهبُ (٣) الله بن راشدٍ، قال: أخبرَنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيحٍ، قال: أخبرَنا أبو صَخْرٍ، أنه سَمِع أبا مُعاويةَ البَجَليَّ مِن أهلِ الكوفةِ يقولُ: سمعتُ أبا الصَّهْبَاءِ البَكْرِيَّ، وهو يقولُ: سألتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ، ﵁، عن يوم الحَجِّ الأكبرِ، فقال: إن رسول الله ﷺ بَعَث أبا بكر بنَ أبي قُحافةَ، ﵁، يُقِيمُ للناسِ الحَجَّ، وبَعَثنى معه بأربعينَ آيةً من "براءةَ"، حتى أَتَى عَرَفةَ، فخَطَب الناسَ يومَ عَرَفةَ، فلمَّا قَضَى خُطبته التفَتَ إليَّ، فقال: قُمْ، يا عليُّ، وأَدِّ رسالةَ رسولِ الله ﷺ . فقُمْتُ فقَرَأتُ عليهم أربعينَ آيةً مِن "براءةَ"، ثم صَدَرْنا حَتى أَتَينا مِنِّي، فَرَمَيتُ
стр. 7697
الجَمْرةَ، ونَحَرتُ البَدَنةَ، ثم حَلَقتُ رأسى، وعلمتُ أن أهلَ الجَمْعِ لم يكونوا حَضَروا خُطْبَة أبي بكرٍ يومَ عَرَفةَ، فَطَفِقْتُ أَتَتَبَّعُ بها الفَسَاطِيطَ، أَقْرَؤها عليهم. فمِن ثَمَّ إخالُ حَسِبتم أنه يومَ النَّحْرِ، ألا وهو يومُ عَرَفةَ (١).
حدَّثنا الحسنُ بن يَحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاقَ، قال: سألتُ أبا جُحَيفةَ عن يومِ الحَجِّ الأكبر، فقال: يومُ عَرفةَ. فقلتُ: أمِن عندكِ، أو مِن أصحابِ محمدٍ؟ قال: كلُّ ذلك (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحَجُّ الأكبرُ، يومُ عَرفةَ (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عمرَ بن الوليدِ الشَّنِّيِّ، عن شهابِ بن عَبَّادٍ العَصرِيِّ، عن أبيه، قال: قال عمرُ، ﵁: يومُ الحجِّ الأكبرِ يومُ عَرفةَ. فذكَرتُه لسعيد بن المُسَيَّب، فقال: أخبِرُكَ عن ابن عمرَ، أن عمرَ قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ (٣) عَرَفةَ (٤).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عمرُ بنُ الوليدِ الشَّنِّيُّ، قال: ثنا شِهابُ بنُ عَبَّادٍ العَصَرِيُّ، عن أبيه، قال: سَمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ، ﵁، يقولُ: هذا يومُ عَرفَةَ، يومُ الحَجِّ الأكبرِ فلا يَصُومَنَّه أحدٌ. قال: فحَجَجْتُ بعدَ أبي، فأتيتُ المدينةَ، فسألتُ عن أفْضل أهلِها، فقالوا: سعيدُ بنُ
стр. 7698
المُسَيَّبِ. [فأتيتُه، فقلتُ: إنى سألتُ عن أفْضلِ أهل المدينةِ، فقالوا: سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ] (١)، فأخبرْني عن صَومِ يومِ عَرفةَ. فقال: أُخْبِرُكَ عمَّن هو أفضلُ منى [مائةَ ضعفٍ] (٢)، عمرُ أو ابن عمرَ، كان يَنْهَى عن صَوْمِه ويقولُ: هو يومُ الحَجِّ الأكبر (٣).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ حبيبٍ، عن مَعْقِل بن داودَ، قال: سمعتُ ابن الزبيرِ يقولُ: يومُ عَرفةَ هذا، يومُ الحَجِّ الأكبرِ، فلا يَصُمه أحدٌ (٤).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا غالبُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ، قال: سألتُ عطاءً عن يوم الحَجِّ الأكبرِ، فقال: يومُ عَرفةَ، فَأَفِضُ (٥) منها قبلَ طلوُعِ الفجر.
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرَنى محمدُ بنُ قيسِ بن مَخْرَمةَ قال: خَطَب النبيُّ ﷺ عَشِيَّةَ عَرفةَ، ثم قال: "أَمَّا بعدُ" - وكان لا يَخْطُبُ إلا قال: أمَّا بعدُ - "فإِنَّ هذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ" (٦).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، عن
стр. 7699
مُجاهدٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ عَرفةَ (١).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُليمانَ، عن سَلَمَةَ بن بُخْتٍ (٢)، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ عَرفةَ.
حدَّثنا القاسمُ، قْال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرَنى ابن (٣) طاوسٍ، عن أبيه، قال: قُلنا: ما الحَجُّ الأكبرُ؟ قال: يومُ عَرفةَ (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، عن محمد بن قيس بن مَخْرمةَ، أن رسولَ الله ﷺ خَطَب يومَ عَرَفةَ، فقال: "هذا يومُ الحَجِّ الأكبر" (٥).
وقال آخرون: هو يومُ النَّحْرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سُفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ (٦).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ سَلَّامٍ، عن الأَجْلَحِ، عن أبي إسحاقَ،
стр. 7700
عن الحارثِ، قال: سمعتُ عليًّا يقولُ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ (١).
حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارث، قال: سألتُ عليًّا عن الحَجِّ الأكبر الحَجِّ الأكبر، فقال: هو يومُ النَّحْرِ.
حدَّثنا ابن أبي الشَّوَارب، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيْبانيُّ، قال: سألتُ عبد الله بن أبي أوفَى عن الحَجِّ الأكبرِ، قال: فقال: يومُ النَّحْرِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سُفيانُ، عن عَيَّاشٍ العامِريِّ، عن عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ (٣).
قال: ثنا سُفيانُ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي أوفَى، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ (٣).
حدَّثنا محمد بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ، قال: دخَلتُ أنا وأبو سَلَمَةَ على عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، قال: فسألتُه عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، فقال: يومُ النَّحْرِ، يومٌ يُهَرَاقُ فيه الدَّمُ (٤).
حدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن سُفيانَ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبر، يومُ النَّحْرِ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السَّائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الشَّيْبانيِّ، قال:
стр. 7701
سألتُ ابنَ أبي أوفَى عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، قال: هو يومُ النَّحْرِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا الشَّيْبانيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن أَبِي أوفَى، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ (١).
قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبي أوفى، وسئل عن قوله: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ قال: هو اليومُ الذي يُرَاقُ فيه الدَّمُ، ويُحْلَقُ فيه الشَّعَرُ.
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، قال: سمعتُ يحيى بنَ الجَزَّارِ يُحَدِّثُ، عن عليٍّ، أنه خَرَج يومَ النَّحْرِ على بَغْلَةٍ بيضاءَ، يريد الجَبَّانةَ، فجاءه رجلٌ فأَخَذ بلجامِ بَغْلَتِه، فسأله عن الحَجِّ الأكبرِ، فقال: هو يومُك هذا، خَلِّ سبيلَها (٢).
حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ بَيانٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ وسُعَيْرٍ (٣)، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبر يومُ النَّحْرِ.
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن أبي إسحاق، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: سُئِل عن يومُ الحَجِّ الأكبرِ، قال: هو يومُ النَّحْرِ (٤).
حدَّثنا ابن وكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شُعبةَ، عن الحَكَمِ، عن يَحيى بن الجَزَّارِ،
стр. 7702
عن عليٍّ، أنه لَقِيَه رجلٌ يومَ النَّحْرِ، فأخَذ بلِجامِه، فسَأله عن يومُ الحَجِّ الأكبرِ، قال: هو هذا اليوم (١).
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ آدمَ، عن قَيْسٍ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، وعَيَّاشٍ العامِرِيِّ، عن عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، قال: هو اليومُ الذي يُهَرَاقُ فيه الدِّماءُ.
حدَّثنا ابن وَكيع، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ (٢)، عن ابن أبي أوفَى، قال: الحَجُّ الأكبرُ، يومٌ تُهَرَاقُ فيه الدِّماءُ، ويُحْلَقُ فيه الشَّعَرُ، ويَحِلُّ فيه الحرامُ.
حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأَعْمَشِ، عن عبد الله بن سِنانٍ (٣)، قال: ثنا المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ يومَ الأضْحى على بعيرٍ، فقال: هذا يومُ الأضْحى، وهذا يومُ النَّحْرِ، وهذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ (٤).
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعْمش، عن عبدِ الله بن سِنانٍ (٣)، قال: خَطَبَنا المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ يومَ الأضْحى على بَعيرٍ، وقال: هذا يومُ الأضْحى، وهذا يومُ النَّحْرِ، وهذا يومُ الحَجِّ الأكبر (٥).
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعْمش، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، قال:
стр. 7703
خَطَبَنا المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ، فذكَر نحوه.
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ سعيدٍ، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عَن سِمَاكٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ (١).
حدَّثنا ابن أبي الشَّوَارِبِ، قال: ثنا عبد الواحدِ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيْبانيُّ قال: سَمِعتُ سعيد بن جُبَيرٍ يقولُ: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ (٢).
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن إسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن أبي جُحَيفةَ، قال: الحَجِّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ (٣).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، قال: اختَصَم عليُّ بنُ عبدِ اللهِ بن عباسٍ، ورجلٌ مِنْ آلِ شَيْبَةَ في يومِ الحَجِّ الأكبرِ، قال عليٌّ: هو يومُ النَّحْرِ. وقال الذي مِن آلِ شَيْبَةَ، هو يومُ عَرَفةَ. فَأَرْسِل إلى سعيدِ بن جُبَيرٍ فسألوه، فقال: هو يومُ النَّحْرِ، أَلَا تَرَى أن مَن فاتَه يومُ عرَفةَ لم يَفُتْه الحَجُّ، فإذا فاتَه يومُ النَّحْرِ فقد فاتَه الحَجُّ؟
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا يونسُ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، أنه قال: الحَجُّ الأكبرُ، يومُ النَّحْرِ. قال: فقلتُ له: إن عبدَ اللَّهِ بن شَيْبَةَ، ومحمدَ بنَ عليِّ بن عبدِ اللهِ بن عباسٍ اختَلَفا في ذلك؛ فقال محمدُ بنُ عليٍّ: هو يومُ النَّحْرِ. وقال عبد الله: هو يومُ عَرفةَ. فقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: أرأيتَ لو أن رجلًا فاتَه يومُ عَرفةَ،
стр. 7704
أكان يَفوتُه الحَجُّ؟ وإذا فاتَه يومُ النَّحْرِ فاته الحَجُّ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السَّائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الشَّيْبانيِّ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: ثني رجلٌ، عن أبيه، عن قيسِ بن عُبادةَ، قال: ذو الحِجَّةِ (١) العاشرُ النَّحْرُ، وهو يومُ الحَجِّ الأكبرِ.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ، والحَجُّ الأصْغَرُ العُمْرةُ (٢).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادِ بن الهادِ، قال: الحَجُّ الأكبرَ يومُ النَّحْرِ (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن مُسْلِمٍ الحَجَبِيِّ، قال: سألتُ نافعَ بنَ جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ، عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، قال: يومُ النَّحْرِ (٤).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن المُغِيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ (٥).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: يومُ
стр. 7705
الحَجِّ الأكبرِ يومٌ يُهَرَاقُ فيه الدَّمُ، ويَحِلُّ فيه الحَرامُ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، أنه قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ الذي يَحِلُّ فيه كلُّ حَرامٍ.
قال: ثنا هُشَيمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن عليٍّ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ (٢).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن ابن عَوْنٍ، قال: سألتُ محمدًا عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ فقال: كان يومًا وَافَقَ فيه حَجَّ رسولِ اللهِ ﷺ وحَجَّ أَهلِ الوَبَرِ (٣).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا [عمرُ بنُ ذَرٍّ] (٤)، قال: سألتُ مجاهدًا عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، فقال: هو يومُ النَّحْرِ (٢).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثَوْرٍ، عن مجاهدٍ: يوم الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ - وقال عِكْرمةُ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ، يومٌ تُهَرَاقُ فيه الدِّماءُ، ويَحِلُّ فيه الحرامُ - قال: وقال مجاهدٌ: يومٌ يُجْمَعُ فيه الحَجُّ كلُّه،