← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

أحدَهم رَفَع قَدَمَه أَبْصَرَنا. فقال: "يا أبا بكرٍ، ما ظَنُّك باثْنَين الله ثالثهما؟ " (١). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شَرِيكٍ، عن إبراهيم بن مهاجرٍ، عن مجاهد، قال: مَكَثَ أبو بكرٍ مع النبي ﷺ في الغارِ ثلاثًا (٢). حدثنا محمد بن عبد الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾. قال: في الجبل الذي يُسَمَّى ثورًا، مَكث فيه رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ ثلاث ليالٍ (٣). حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبيه، أن أبا بكر الصديق، ﵁، حينَ خَطَب قال: أَيُّكُم يَقْرَأُ سورةَ التوبة؟ قال رجلٌ: أنا. قال: اقرأ. فلما بَلَغ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾. بَكَى أبو بكر وقال: أنا والله صاحِبه (٤). القول في تأويل قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾.

стр. 7842

يقول تعالى ذكره: فأنزل الله طُمأنينته وسُكونه على رسوله. وقد قيل: على أبي بكر. ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾. يقولُ: وقَوَّاه بجنود من عنده من الملائكة لم تَرَوْها أنتم، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١): وهى كلمة الشِّرْكِ، ﴿السُّفْلَى﴾: لأنها قُهِرَت وأُذلَّت، وأبطَلَها الله تعالى، ومَحَق أهلها، وكلُّ مَقهورٍ ومَغلوب فهو أسفلُ مِن الغالب، والغالب هو الأعلى، ﴿وَكَلِمَةُ﴾. يقولُ: ودين الله وتوحيده وقول لا إله إلا الله، [وهى] (٢) كلمته، ﴿الْعُلْيَا﴾: على الشِّرْكِ وأهله، الغالية (٣). كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾: وهى الشِّرْكُ باللَّهِ، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾: وهى لا إله إلا الله (٤). وقوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾. خبر مبتدأٌ، غيرُ مردودٍ على قوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾؛ لأن ذلك لو كان معطوفًا على الكلمة الأولى لكان نَصْبًا. وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فإنه يعنى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في انتقامِه مِن أهل الكفر به، لا يَقْهَرُه، قاهِرٌ، ولا يَغْلِبُه غالب، ولا يَنْصُرُ (٥) مَن عاقبه ناصرٌ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تَدْبيره خَلْقَه، وتَصْرِيفِه إياهم في مَشِيئَتِه.

стр. 7843

القول في تأويل قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. اختلف أهل التأويل في معنى الخِفَّةِ والثِّقَل، اللذين أمَر اللهُ مَن كان به أحدهما بالنفر معه؛ فقال بعضُهم: معنى الخِفَّةِ التي عَناها الله في هذا الموضعِ، الشبابُ، ومعنى الثِّقَل الشَّيخوخةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن رجل، عن الحسن، في قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: شِيبًا وشُبَّانًا. حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا حَفْصٌ، عن عمرو، عن الحسنِ، قال: شُيُوخًا وشُبَّانًا (١). قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن عليّ بن زيدٍ، عن أنس، عن أبي طَلْحَةَ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: كُهولًا وشُبّانًا، ما أسْمَعُ الله عَذَرَ أَحَدًا (٢). فَخَرَج إلى الشام، فجاهد حتى مات (٣). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّام، عن عَنبسةَ، عن المُغِيرَةِ بن النُّعْمَانِ، قال:

стр. 7844

كان رجلٌ من النَّخَعِ، وكان شَيْخًا بادِنًا (١)، فأرادَ الغزو، فمنعه سعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فقال: إن الله يقولُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. فأَذِنَ له سعد. فقُتِل الشيخُ، فسأل عنه بعدُ عمرُ، فقال: ما فَعَل الشيخُ الذي كأنه (٢) من بني هاشمٍ؟ فقالوا: قُتِل يا أمير المؤمنين. حدَّثنا ابن وَكِيع، قال: ثنا يزيدُ بن هارون، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: الشابُّ والشيخُ (٣). قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ، عن إسماعيلَ، عن عِكرمةَ، قال: الشابُّ والشيخُ (٤). قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاك: كُهولًا وشُبَّانًا. قال: ثنا حَبُّويَة (٥) أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفر بن حميد، عن بِشرِ بن عَطِيَّةَ: كُهولًا وشُبَّانًا. حدَّثنا الوليدُ، قال: ثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مُسْلم، عن بُكَيرِ (٦) ابن مَعْروفٍ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ، في قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: شُبَّانًا وكُهُولًا. حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 7845

نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: شَبَابًا وشُيُوخًا، وأغنياءَ ومساكيَن. حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسنُ: شُيُوخًا وشُبَّانًا (١). حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثنا حريزٌ (٢)، قال: ثنى حِبَّانُ (٣) بنُ زيدٍ الشَّرْعَبِيُّ، قال: نَفَرْنا مع صفوان بن عمرو، وكان واليًا على حِمْصَ قِبَلَ الأُفْسُوسِ (٤)، إلى الجَرَاجمةِ (٥)، فَلَقِيتُ شَيْخًا كبيرًا هِمًّا (٦) قد سَقَط حاجِباه على عَيْنَيْهِ مِن أهل دمشقَ على راحلته فيمَن أغارَ، فأقبَلتُ عليه فقلتُ: يا عم، لقد أعذَر الله إليك. قال: فرَفَع حاجبيه، فقال: يا ابن أخى، اسْتَنْفَرَنَا اللهُ خِفافًا وثِقالًا، مَن يُحِبَّه الله يَبْتَلِه، ثم يُعِيدُه فيَبْتَليه (٧)، وإنما يتبتلى الله من عبادِه مَن شَكَر وصَبَر وذَكَر ولم يَعْبُدُ إلا الله. حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: كلُّ شَيْخٍ وشابٍّ. وقال آخرون: معنى ذلك مَشاغِيلُ وغيرُ مَشاغِيلَ.

стр. 7846

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بَشَّارٍ وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن الحكم في قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: مَشاغِيلُ وغيرُ مَشاغِيلَ (١). وقال آخرون: معناه: انفروا أغنياءَ وفقراءَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسة، عمَّن ذكَره، عن أبي صالح: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: أغنياءَ وفقراءَ (٢). وقال آخرون: معناه: نِشاطًا وغيرَ نِشاطٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. يقولُ: انْفِرُوا نِشاطًا وغيرَ نِشاطٍ (٣). حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: نِشاطًا وغير نشاطٍ (٤).

стр. 7847

وقال آخرون: معناه: رُكْبانًا ومُشَاةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا على بن سَهْلٍ، قال: ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو: إذا كان النَّفْرُ إلى دُرُوبِ الشامِ، نَفَر الناسُ إليها [﴿خِفَافًا﴾ رُكبانًا، وإذا كان النَّفْرُ إلى هذه السواحل، نَفَرُوا إليها] (١) ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ رُكْبانًا ومُشَاةً (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: ذا ضَيْعَةٍ، وغير ذى ضَيْعَةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: الثَّقِيلُ الذي له الضَّيْعةُ، فهو ثَقِيلٌ يَكْرَهُ أن يُضَيِّعَ ضَيْعتَه، ويَخْرُجَ، والخفيفُ الذي لا ضَيْعةَ له، فقال الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٣). حدَّثنا ابن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ، عن أبيه، قال: زَعَم حَضْرَمِيٌّ أَنه ذُكر له أن ناسًا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلًا أو كبيرًا، فيقولُ - [إني أحسَبُه قال -: أنا لا] (٤) آثم. فأنزل الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٥).

стр. 7848

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: شَهِد أبو أيوب مع رسول الله ﷺ بدرًا، ثم لم يَتَخَلَّفْ عن غَزَاةٍ للمسلمين إلا وهو في أخرى (١)، إلا عامًا واحدًا، وكان أبو أيوبَ يقولُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. فلا أَجِدُنى إلا خَفِيفًا أو ثَقِيلًا (٢). حدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا [حَريزُ بنُ] (٣) عثمانَ، عن راشد بن سعدٍ، عمَّن رَأَى المقداد بن الأسودِ فارسَ رسولِ اللهِ ﷺ على تابوتٍ من تَوابيتِ الصَّيَارِفةِ بحِمْصَ، وقد فَضَل عنه مِن عِظَمِه (٤)، فقلتُ له: لقد أعذَر الله إليك. فقال: أبَتْ (٥) علينا سورةُ "البُحوث (٦) "، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٧). حدَّثنا سعيد بن عمرو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليد، قال: ثنا حَريزٌ، قال: ثنى عبدُ الرحمن بنُ مَيْسَرَةَ، قال: ثنى أبو راشدٍ الحُبْرانيُّ، قال: وَافَيتُ المقدادَ بن الأسودِ فارسَ رسول الله ﷺ جالسًا على تابوتِ مِن توابيتِ الصَّيارفةِ

стр. 7849

بحِمْصَ، قد فَضَل عنها (١) مِن عِظَمِه، يريدُ الغَزْوَ، فقلتُ له: لقد أعذَر الله إليك. فقال: أبَتْ علينا سورةُ "البحوث (٢) "؛ ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٣). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنَّفْرِ الجهادِ أعدائه في سبيله، خفافًا وثِقالًا. وقد يَدْخُلُ في الخفافِ كلُّ مَن كان سَهْلًا عليه النَّفْرُ؛ لقُوَّةِ بَدَنِه على ذلك، وصِحَّةِ جسمه وشَبابِه، ومَن كان ذا يُسْرٍ (٤) بمالٍ وفَراغٍ مِن الاشتغال، وقادرًا على الظَّهْرِ والرِّكابِ، ويَدْخُلُ في الثِّقَالِ كلُّ مَن كان بخلاف ذلك، من ضعيف الجسم وعليله وسَقِيمه، ومِن مُعْسِرٍ مِن المال، ومُشْتَغِلٍ بضَيْعةٍ ومَعاشٍ، ومَن كان لا ظَهْرَ له ولا ركاب، والشيخ ذو السِّنِّ والعيال. فإذ كان قد يَدْخُلُ في الخفافِ والثِّقَالِ مَن وَصَفْنَا مِن أهل الصفاتِ التي ذكرنا، ولم يَكُن الله جلّ ثناؤُه خَصَّ مِن ذلك صِنْفًا دونَ صِنْفٍ في الكتاب، ولا على لسان الرسول ﷺ ، ولا نَصَبَ على خُصوصه دليلًا - وَجَب أن يقال: إِن الله جل ثناؤه أمر المؤمنين من أصحابِ رسوله بالنَّفْرِ للجهاد في سبيله خِفَافًا وثِقَالًا مع رسوله ﷺ ، على كل (٥) حالٍ مِن أحوال الخِفَّة والثِّقل. حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن سعيدِ بن

стр. 7850

مسْروقٍ، عن مُسْلِمِ بن صُبيحٍ، قال: أَوَّلُ ما نَزَلَ مِن "براءةَ" ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى مثله (١). حدَّثنا الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ (٢)، عن مُجاهد، قال: إن أوَّلَ ما نَزَل مِن "براءةَ": ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: ٢٥]. قال: يُعَرِّفُهم نَصْرَه، ويُوَطِّنُهم (٣) لغزوة تبوك (٤). القول في تأويل قوله: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾. يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿وَجَاهِدُوا﴾ أيُّها المؤمنون، الكفار، ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾. فَأَنْفِقُوها في مُجاهدتهم على دين الله الذي شرعه لكم، حتى ينقادوا لكم، فيَدْخُلُوا فيه طَوْعًا أو كَرْهًا، أو يُعْطُوكم الجزية عن يَدٍ صَغَارًا، إن كانوا أهلَ كتاب، أو تَقْتُلُوهم، ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: وبأنفسكم، فقاتلوهم بأيديكم، يُخْزِهِمُ اللهُ ويَنْصُرْكم عليهم، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقول: هذا الذي آمُرُكم به مِن النَّفْرِ في سبيلِ اللَّهِ تعالى خِفافًا وثقالًا، وجهاد أعداء الله بأموالكم وأنفسكم - خيرٌ لكم مِن التَّثاقُلِ إلى الأرضِ إذا

стр. 7851

استنفرتم، والخلودِ إليها، والرِّضا بالقليل من متاعِ الحياة الدنيا عِوَضًا من الآخرة، إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بُيِّنَ لكم مِن فَضْلِ الجهاد في سبيلِ اللهِ على القُعُودِ عنه القول في تأويل قوله: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾. يقولُ جلّ ثناؤه للنبي - وكانت جماعةٌ من أصحابه قد استأذنوه في التَّخَلُّفِ عنه حينَ خَرَج إلى تبوك، فأذن لهم -: لو كان ما تدعو إليه المُتَخَلِّفين عنك، والمُسْتأذنيك في تَرْكِ الخروج معك إلى مَغْزَاك الذي اسْتَنْفَرْتهم إليه ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾. يقولُ: غَنِيمةً حاضِرةً، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾. يقولُ: ومَوْضِعًا قَرِيبًا سَهْلًا، ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ ونَفَروا معك إليهما، ولكنك اسْتَنْفَرْتَهم إلى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ، وكَلَّفْتَهم سَفَرًا شَاقًّا عليهم؛ لأنك اسْتَنْهَضْتَهم في وَقْتِ الحَرِّ، وزمانِ القَيْظِ، وحين الحاجة إلى الكنِّ (١)، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: وسَيَحْلِفُ لك، يا محمد، هؤلاء المُسْتَأْذِنوك في تَرْكِ الخروج معك - اعتذارًا منهم إليك بالباطل، لِتَقْبَلَ منهم عُذْرَهم، وتَأْذَنَ لهم في التَّخَلُّفِ عنك - بالله كاذِبِين: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾. يقولُ: لو أَطَقْنا الخروج معكم، بوجودِ السَّعَةِ والمراكب والظُّهور وما لا بدَّ للمسافرِ والغازى منه، وصِحَّةِ البَدَنِ والقُوَى، لخَرَجْنا معكم إلى عدوِّكم. ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. يقول: يُوجِبُونَ لأنفسهم بحَلِفِهم بالله كاذبين الهلاك والعَطَبَ؛ لأنهم يُورثونها سَخَطَ

стр. 7852

اللَّهِ، ويُكْسِبُونها أليمَ عِقابِه، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. في حَلِفِهم باللَّهِ: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾؛ لأنهم كانوا للخروج مطيقين، بوجودِ السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال، مما يَحْتاجُ إليه الغازي في غزوه، والمُسافِرُ في سَفَرِه، وصِحَّةِ الأبْدانِ وقُوَى الأَجْسامِ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ إلى قوله: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾: إنهم يَسْتَطيعون الخروج، ولكن كان تَبْطِئةً من عند أنفسهم والشيطانِ، وزَهَادةً في الخيرِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾. قال: هي غزوة تبوك (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: إنهم يَسْتَطِيعون (٣). القول في تأويل قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾. وهذا عِتابٌ مِن الله تعالى ذكره، عاتب به نبيَّه ﷺ في إِذْنِهِ لَمَن أَذِن له في التَّخَلُّفِ عنه، حين شخص إلى تبوك لغزو الروم، مِن المنافقين.

стр. 7853

يقولُ جلّ ثناؤه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾، يا محمد، ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في تَرْكِ الخروج معك، وفى التَّخَلُّفِ عنك، مِن قبل أن تَعْلَمَ صِدْقَه مِن كَذِبِه، ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. لأى شيءٍ أَذِنْتَ لهم؟ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾، يقولُ: ما كان ينبغي لك أن تَأْذَنَ لهم في التَّخَلُّفِ عنك إذ قالوا لك: لو استَطَعْنا لخرجنا معك. حتى تَعْرِفَ مَن له العُذْرُ منهم في تَخَلُّفِه، ومَن لا عُذْرَ له منهم، فيكونَ إِذْنُكَ لمَن أَذِنْتَ له منهم على علمٍ منك بعُذْرِه، وتَعْلَمَ مَن الكاذب منهم المُتَخَلِّفُ نِفاقًا وشَكًّا في دين الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. قال: ناسٌ قالوا: اسْتَأْذنوا رسول الله ﷺ ، فإن أذن لكم فاقْعُدُوا، وإن لم يَأْذَن لكم فاقْعُدُوا (١). حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ الآية. عاتبه كما تَسْمَعون، ثم أنزل الله التي في سورة "النور"، فرَخَّص له في أن يَأْذَنَ لهم إن شاء، فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢].

стр. 7854

فجَعَله اللهُ رُخْصَةً في ذلك مِن ذلك (١). حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن ميمون الأَوْدِيِّ، قال: اثنتان فَعَلهما رسولُ اللهِ ﷺ لم يُؤْمَرُ فيهما بشيءٍ؛ إذنه للمُنافقين، وأخذه من الأُسارى، فأنزل الله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية (٢). حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سُليمانَ، قال: قرأتُ على سعيد بن أبى عروبة، فقال: هكذا سمعته من قتادة، قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية: ثم أنزل الله بعد ذلك في سورة "النور": ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ الآية (٣). حدثنا صالح بن مسمارٍ، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا موسى بنُ سَرْوَانَ (٤)، قال: سألْتُ مُوَرِّقًا عن قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ قال: عاتبه ربُّه (٥). القولُ في تأويل قوله: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾. وهذا إعلام من الله نبيه ﷺ سيما المنافقين، أن من علاماتهم التي يُعرفون بها، تَخَلُّفَهم عن الجهاد في سبيل الله باستئذانهم رسول الله ﷺ في تركهم الخروج معه

стр. 7855

إذا اسْتُنْفِرُوا بالمعاذير الكاذبة. يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : يا محمد، لا تَأْذَنَنَّ فِي التَّخَلُّفِ عنك - إذا خَرَجْتَ لغزو عدوّك - لَمَن استأذنك في التَّخَلُّفِ مِن غَيرِ عُذْرٍ، فإِنه لَا يَسْتَأْذِنُكَ في ذلك إلا منافق لا يؤمن بالله واليوم الآخرِ. فأمَّا الذي يُصَدِّقُ بِاللهِ ويُقِرُ بوَحْدانيته وبالبعث والدار الآخرة والثواب والعقاب، فإنه لا يَسْتأْذِنُكَ في تَرْكِ الغزو وجهادِ أعداء الله بماله ونفسه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: والله ذو علم بمن خافَه فاتَّقاه بأداءِ فَرائضه، واجتناب معاصيه، والمسارعة إلى طاعتِه في غَزْوِ عدوِّه وجهادهم بماله ونفسه، وغير ذلك من أمره ونهيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فهذا تعييرٌ للمُنافِقِين حين استأذنوا في القُعُودِ عن الجهادِ مِن غيرِ عُذْرٍ، وعَذَر الله المؤمنين فقال: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (١) [النور: ٦٢]. القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : إنما يَسْتأذنك، يا محمد، في التَّخَلُّفِ خِلافَك، وترك الجهاد معك، من غيرِ عُذْرٍ بَيِّنٍ - الذين لا يُصَدِّقون بالله ولا يُقرُّون بتوحيده،

стр. 7856

﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: وشَكَّت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله، وفي ثوابه أهل طاعته، وعقابه أهلَ مَعاصِيه، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. يقولُ: في شَكّهم مُتَحَيِّرون، وفى ظُلمةِ الحَيَرةِ مُتَرَدِّدون، لا يَعْرِفون حَقًّا مِن باطل فيَعْمَلُوا على بصيرةٍ. وهذه صفة المنافقين. وكان جماعةٌ مِن أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين مَنْسُوختان بالآية التي ذُكِرَت في سورة "النور". ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسنِ البَصْرِى، قالا: قوله: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. نَسَختها الآيةُ التي في "النورِ": ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). [النور: ٦٢]. وقد بَيَّنَّا الناسخ والمنسوخ بما أغنى عن إعادته هاهنا (٢). القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾. يقول تعالى ذكره: ولو أراد هؤلاء المستأذنوك يا محمد، في ترك الخروج

стр. 7857

معك [لجهاد عدوِّك - الخروج معك] (١)، ﴿لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾. يقولُ: لأَعَدُّوا للخروج عُدَّةً، ولَتَأهَّبُوا للسفر والعدوِّ أُهْبتهما، ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾. يعنى: خُروجهم لذلك، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾. يقولُ: فثَقَّل عليهم الخروج حتى اسْتَخَفُّوا القُعود في منازلهم خلافك، واستثقلوا السفر والخروج معك، فتركوا لذلك الخروج، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾. يعنى: اقْعُدُوا مع المَرْضَى والضعفاء الذين لا يجدون ما يُنْفِقُون، ومع النساء والصِّبيانِ، واتركوا الخروج مع رسول الله ﷺ والمجاهدين في سبيل الله. وكان تَثْبيطُ اللَّهِ إيّاهم عن الخروج مع رسوله والمؤمنين به؛ لعِلْمِه بنفاقهم وغشهم للإسلام وأهله وأنهم لو خَرَجوا معهم ضَرُّوهم ولم يَنْفَعوا. وذُكر أن الذين اسْتَأذَنوا رسول الله ﷺ في القُعُودِ كانوا عبد الله ابنَ أُبَيٍّ ابن سلول، والجَدَّ بنَ قَيْسٍ، ومَن كان على مثل الذي كانا عليه. كذلك حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: كان الذين استأذنوه، فيما بلغنى، مِن ذَوى الشَّرَفِ، منهم: عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول، والجد بن قَيْسٍ، وكانوا أشرافًا في قومهم، فثبَّطَهم الله؛ لِعِلْمِه بهم، أن يَخْرُجوا معهم، فيُفْسِدوا عليه جندَه (٢). القول في تأويل قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾. يقول تعالى ذكره: لو خرج، أيُّها المؤمنون، فيكم هؤلاء المنافقون، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾. يقولُ: لم يَزيدُوكم بخروجهم فيكم إلا فسادًا وضُرًّا؛ ولذلك ثبَّطتهم عن الخروج معكم.

стр. 7858

وقد بَيَّنَّا معنى الخَبَالِ بشَواهِدِه فيما مَضَى قبلُ (١). ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾. يقولُ: ولأسْرَعوا برَكائبهم السَّيْرَ بينكم. وأصله من إيضاع الخيل والركاب، وهو الإسْراعُ بها في السَّيْرِ. يقال للناقة إذا أسْرَعَت السيرَ: وَضَعَت الناقةُ تَضَعُ وَضْعًا ومَوْضوعًا (٢). وأوضَعَها صاحبها: إذا جدَّ بها وأسرع. يُوضِعُها إيضاعًا، ومنه قول الراجز (٣): يا لَيْتَنى فيها جَذَع أَحُبُّ فيها وأَضَعْ وأما أصل الخلال، فهو من الخَلَلِ، وهى الفُرَجُ تكون بين القوم في الصفوف وغيرها، ومنه قول النبي ﷺ : "تَرَاصُّوا في الصُّفوفِ لَا يَتَخَلَّلُكم أولاد الحذف" (٤).

стр. 7859

وأما قوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾. فإن [معناه: يبغون بكم الفتنة. يقول] (١): يطلبون لكم ما تَفْتِنُون (٢) به عن مَخْرَجِكم في مَغْزاكم، بتثبيطهم إياكم عنه. يقالُ منه: بَغَيتُه الشَّرَّ، وبَغَيتُه الخيرَ، أَبْغِيه بُغَاء. إذا الْتَمَسْتَه له، بمعنى: بَغَيتُ له. وكذلك عَكَمتك (٣)، وحَلَبتك. بمعنى: حَلَبَتُ لك، وعَكَمتُ لك. وإذا أرادوا: أَعَنتُك على التماسه وطَلَبِه، قالوا: أبْغَيتُك كذا، وأحلبتك وأعكمتك. أي أعَنتُك عليه. وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: بينكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ بذلك (٤). حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾. يقولُ: ولأوضَعوا أسلحتهم خلالكم، بالفتنة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: يُبَطِّئونكم. قال: رفاعةُ بنُ التابوتِ، وعبد الله بن أُبيٍّ ابن سَلول، وأوسُ بنُ قَيْظِيٍّ (٥).

стр. 7860

القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾. قال: لأسرعوا الأزقَّة (١) خلالكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾. يُبَطِّئُونكم؛ عبدُ اللهِ بنُ نَبْتَلٍ، ورفاعةُ بنُ تابوتٍ، وعبدُ اللهِ ابن أُبَيٍّ ابن سلول. قال: حدثنا الحسين (٢)، قال: ثنى أبو سفيان، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾. قال: لأسرعوا خلالكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ بذلك (٣). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾. قال: هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. يُسَلِّي الله عنهم نبيَّه ﷺ والمؤمنين، فقال: وما يُحْزِنُكم؟ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾. يقولون: قد مُجمع لكم، وفعل وفعل. يُخذِّلونكم، ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: الكفر (٤). وأما قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: وفيكم سَمَّاعُون لحديثكم لهم، يُؤدُّونه إليهم، عيونٌ لهم عليكم.

стр. 7861

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾: يُحَدَّثون بأحاديثكم، عيونٌ غيرُ منافقين (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. قال: مُحَدِّثون، عيونٌ غيرُ المُنافِقِين (٢). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. يَسْمَعون ما يُؤَدُّونه لعدوِّكم (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيكم مَن يَسْمَعُ كلامهم ويُطِيعُ لهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾: وفيكم مَن يَسْمَعُ كلامهم. حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: كان الذين استأذنوا، فيما بَلَغَنى، مِن ذَوِي الشَّرَفِ، منهم: عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَى ابن سَلول، والجَدُّ بن قيسٍ، وكانوا أشرافًا في قومهم، فَثَبَّطَهم الله، لعلمه بهم، أن يَخْرُجوا معهم، فيفسدوا عليه جُنْدَه، وكان في جُنْدِه قومٌ أهلُ مَحَبَّةٍ لهم وطاعةٍ فيما يدعونهم إليه؛

стр. 7862

لشرفهم فيهم، فقال: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (١). فعلى هذا التأويل: وفيكم أهلُ سَمْعٍ وطاعة منكم، لو صحبوكم أفسدوهم عليكم بتَثْبيطهم إياهم عن السَّيْرِ معكم. وأما على التأويل الأوَّلِ فإن معناه: وفيكم منهم سَمَّاعون يَسْمَعون حديثكم لهم، فيُبلغونهم ويُؤَدُّونه إليهم، عيونٌ لهم عليكم. قال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندى في ذلك بالصوابِ تأويل من قال: معناه: وفيكم سماعون لحديثكم لهم، يبلغونه عنكم، عيونٌ لهم. لأن الأغْلَبَ مِن كلام العرب في قولهم: سَمَّاعٌ. وَصْفُ مَن وُصِف به أنه سَمَّاعٌ للكلام، كما قال الله جل ثناؤه في غير موضع من كتابه ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١: ٤٢]. واصفًا بذلك قوما بسماع الكذب من الحديث. وأمَّا إذا وَصَفوا الرجلَ بسَماعِ كلامِ الرجل وأمره ونهيه وقبوله منه وانتهائه إليه، فإنما [يصفه له] (٢) بأنه له سامعٌ مطيعٌ، ولا يكاد يقولُ: هو له سَمَّاعٌ مُطِيعٌ. وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. فإن معناه: والله ذو عِلْمٍ بَمَن يُوَجِّهُ أفعاله إلى غير وجوهها، ويَضَعُها في غير مواضعها، ومَن يَسْتأْذِنُ رسول الله ﷺ لعُذْرٍ، ومَن يَسْتَأْذِنُه شَكًّا في الإسلام ونفاقًا، ومَن يَسْمَعُ حديثَ المؤمنين ليُخْبِرَ به المنافقين، ومَن يَسْمَعُه ليُسَرَّ بما سَرَّ المؤمنين (٣) ويُسَاءَ بما ساءَهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن سَرائرِ خلقه وعلانيتهم.

стр. 7863

وقد بَيَّنَّا معنى الظلم في غير موضعٍ من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (١). القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾. يقولُ، تعالى ذكره: لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك، يا محمد، التَمَسوا صَدَّهم عن دينهم، وحَرَصوا على رَدِّهم إلى الكفرِ بالتَّخْذيل عنه، كفعل عبد الله بن أُبيٍّ بك وبأصحابك يومَ أُحُدٍ، حين انصرف عنك بمن تبعه من قومه، وذلك كان ابتغاءهم ما كانوا ابتَغَوا لأصحاب رسول الله ﷺ من الفتنة مِن قبلُ. ويعنى بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. من قبل هذا، ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾. يقولُ: وأجالوا فيك وفى إبطال الدَّينِ الذي بعثك به الله الرأى بالتَّخذيل عنك، وإنكار ما تأتيهم به، ورده عليك، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾. يقولُ: حتى جاءك (٢) نصرُ اللهِ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾. يقولُ: وظَهَر دينُ اللهِ الذي أمر به وافتَرَضَه على خَلْقِه، وهو الإسلامُ، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. يقولُ: والمنافقون لظهور أمرِ اللهِ ونَصْرِه إياك كارهون. وكذلك الآنَ يُظْهِرُك الله، ويُظْهِرُ دِينَه على الذين كَفَرُوا مِن الروم وغيرهم من أهل الكفر به، وهم كارهون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

стр. 7864

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾. أي: ليُخذلوا عنك أصحابك، ويَرُدُّوا عليك أمرك، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ (١). وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت فِي نَفَرٍ مُسَمَّين بأَعْيانِهم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن عمرو، عن الحسن قوله: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾. قال: منهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سَلول، وعبدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَل أخو بني عمرو بن عوف، ورفاعةُ بنُ رافع، وزيدُ بنُ التابوتِ القَينقاعي (٢). وكان تَخْذِيلُ عبدِ اللهِ بن أبيٍّ أصحابه عن رسول الله ﷺ في هذه الغزاة كالذى حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن الزُّهْرِيِّ، ويزيد بن رومان، وعبدِ اللَّهِ بن أبي بكرٍ، وعاصم بن عمر بن قتادةَ، وغيرِهم، كلٌّ قد حَدَّثَ في غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعضُ القوم يُحَدِّثُ ما لم يُحَدِّثْ بعضٌ، وكلٌّ قد اجتمع حديثه في هذا الحديث، أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه بالتَّهَيُّؤُ لَغَزْوِ الروم، وذلك في زمانِ عُشرة من الناسِ، وشِدَّةٍ مِن الحَرِّ، وجَدْبٍ مِن البلادِ، وحينَ طَابَ الثِّمارُ، وأُحِبَّت الظِّلالُ، فالناسُ يُحِبُّون المقام في ثمارهم، وظِلالِهم، ويَكْرَهون الشُّخُوص عنها، على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسولُ الله ﷺ قلما يَخْرُجُ في غزوة إلا كَنَى عنها، وأخبر أنه يريدُ غير الذي يَصْمِدُ له، إلا ما كان من

стр. 7865

غزوة تبوك، فإنه بَيَّنَها للناس لبُعْدِ الشُّقَّة (١)، وشِدَّةِ الزمانِ، وكثرة العدوِّ الذي صمد له ليتأهَّبَ الناسُ لذلك أُهْبَتَه، وأمر الناسَ بالجهاد (٢)، وأخبرهم أنه يريد الروم، فتَجَهَّز الناسُ على ما في أنفسهم من الكُره لذلك الوجه؛ لما فيه، مع ما عظَّموا مِن ذكرِ الروم وغَزوهم. ثم إن رسول الله ﷺ جدّ في سَفَرِه، فأمر الناس بالجهاد (٣) والانكماش (٤)، وحَضَّ أهلَ الغِنَى على النَّفَقةِ والحُمْلانِ في سبيل اللهِ (٥). فلما خرج رسولُ اللهِ ﷺ ، ضَرَب عَسْكره على ثَنِيَّةِ الوداع، وضَرَبَ عبدُ اللهِ ابن أُبِيٍّ ابْنُ سَلولَ عَسْكره على (٦) حِدَةٍ أسفل منه، بحَذْوِ (٧) ذُبَابٍ؛ جبل بالجبَّانةِ أسفل من ثَنية الوداع، وكان فيما يزعمون، ليس بأقل العسْكرين، فلما سارَ رسولُ اللهِ ﷺ ، تَخَلَّف عنه عبد الله بن أُبَيٍّ فيمَن تَخَلَّفَ مِن المُنافِقِين وأهلِ الرَّيْبِ، وكان عبد اللهِ بنُ أُبَيٍّ أخا بنى عَوْفِ بن الخزرج، وعبدُ اللهِ بنُ نَبْتَلٍ أخا بنى عمرِو بن عوف، ورفاعةُ بن زيد (٨) بن التابوتِ أخا بني قينقاع، وكانوا مِن عُظَماء المنافقين، وكانوا ممن يَكِيدُ للإسلام وأهله. قال: وفيهم - كما ثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرِو بن عُبَيدٍ، عن الحسنِ البَصْرِيِّ -

стр. 7866

أنزل الله: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾. وذكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في الجَدِّ بن قَيْسٍ. ويعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ﴾: ومن المُنافِقِين، ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ أُقِمْ فلا أَشْخَصُ معك، ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾. يقولُ: ولا تَبْتَلِنى برؤية نساء بنى الأصفر وبناتهم، فإنى بالنساءِ مُغْرَمٌ، فَأَخْرُجَ وَآثَمَ بذلك. وبذلك من التأويل تظاهرت الأخبارُ عن أهل التأويل. ذكرُ [الرواية بذلك عمَّن قاله] (٢) حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. قال: قال رسول الله ﷺ : "اغْزُوا تَبوكَ تَغْنَموا بَناتِ الأصْفر (٣) نساءَ الرومِ". فقال الجدُّ: ائذَنْ لنا ولا تَفْتِنَّا بالنساءِ (٤). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن

стр. 7867

مُجاهدٍ، قال (١): قال رسول الله ﷺ : "اغْزُوا تَغْنَمُوا بناتِ الأَصْفَرِ". يعنى نساء الروم، ثم ذكر مثله. قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. قال: هو الجَدُّ بنُ قَيْسٍ، قال: قد عَلِمَت الأنصارُ أني إذا رأيتُ النساء لم أصبر حتى أُفْتَتَنَ، ولكن أُعِينُك بمالى (٢). حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهْرِيِّ، ويزيد بن رُومانَ، وعبد الله بن أبي بكرٍ، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قال: قال رسول الله ﷺ ذات يومٍ، وهو في جهازه، للجَدِّ بن قَيْسٍ أخي بني سلمة: "هل لك يا جَدُّ العام في جِلادِ بنى الأصْفَرِ؟ ". فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أَو تَأْذَنُ لى ولا تَفْتِنِّى؟! فوالله لقد عَرَف قومى ما رَجلٌ أَشدَّ عُجْبًا بالنساءِ مِنِّي، وإني أخشَى إن رأيتُ نساء بنى الأصْفرِ أَلَّا أَصْبِرَ عنهنَّ. فأَعْرَضَ عنه رسولُ الله ﷺ ، [وقال: قد] (٣) "أَذِنْتُ لك". ففى الجَدِّ بن قَيْسٍ نَزَلَت هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ الآية. أي: إن كان إنما يَخْشَى الفِتْنة من نساء بنى الأصفر وليس ذلك به، فما سَقَط فيه من الفِتْنة بتَخَلُّفِه عن رسول الله ﷺ ، والرَّغْبة بنفسه عن نفسه - أعظم (٤). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله:

стр. 7868

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. قال: هو رجلٌ مِن المنافقين يقال له: جَدُ بنُ قَيْسٍ. فقال له رسول الله: "العام نَغْزو بنى الأصفر، ونَتَّخِذُ منهم سَرارِيَّ وَوُصَفاءَ (١) ". فقال: أي رسولَ اللَّهِ، ائذَنْ لي ولا تَفْتِنِّي، إن لم تَأْذَنْ لي افتُتِنْتُ وقَعَدتُ (٢). فَغَضب (٣)، فقال الله: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. وكان من بنى سَلِمةَ، فقال لهم النبي ﷺ : "مَن سَيِّدُكم يا بنى سَلِمةَ". فقالوا: جَدُّ بنُ قَيْسٍ، غيرَ أَنَّه بَخيلٌ جَبانٌ. فقال النبي ﷺ : "وأى داءٍ أَدْوَى مِن البُخْل، ولكنْ سَيِّدُكم الفتى الأبيضُ الجَعْدُ [بِشْرُ بنُ] (٤) البراء بن مَعْرُورٍ" (٥). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. يقولُ: ائْذَنْ لى ولا تُخْرِجْنى. ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾. يعنى: في الحَرَجِ سَقَطوا (٦). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ

стр. 7869

ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾: ولا تُؤْثِمْنِي، ألا في الإِثْمِ سَقَطوا (١). وقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. يقول: وإن النار لمطيفةٌ (٢) بَمَن كَفَر باللهِ وجَحَد آياتِه وكَذَّب رُسُلَه، مُحْدِقةٌ بهم، جامعة لهم جميعًا يومَ القيامة. يقولُ: فكَفَى للجدِّ بن قيس وأشكاله من المنافقين بصليِّها خزيًا. القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : يا محمد، إن يُصِبْك سرورٌ بفَتْحِ اللَّهِ عليك أرضَ الروم في غَزاتِك هذه، يَسُؤ الجَدَّ بنَ قَيْسٍ ونُظَراءَه وأشْيَاعَهم مِن المنافقين، وإن تُصِبْك مُصِيبَةٌ بِفُلُولِ جيشك فيها، يَقُل الجد ونُظَراؤه: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾. أي: قد أَخَذْنا حِذْرَنا بِتَخَلُّفِنا عن محمد، وتَرْكِ أتباعه إلى عدوه، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: مِن قبل أن تُصِيبَه هذه المصيبةُ. ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾. يقولُ ويَرتَدُّوا عن محمد وهم فَرِحون بما أصابَ محمدًا وأصحابه من المصيبة، بفُلُولِ أصحابه وانهزامهم عنه، وقَتْلِ مَن قُتِل منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾. يقولُ: إِن تُصِبْكَ في سَفَرِك

стр. 7870

هذا لغزوة تبوك حَسَنةٌ تَسُؤْهم. قال: الجَدُّ وأصحابه (١). حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾: حِذْرَنا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾. قال: حِذْرَنا (٢). حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾: إن كان فَتْحٌ للمسلمين، كبُر ذلك عليهم وساءهم (٣). القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾. يقول تعالى ذكره مُؤدِّبًا نبيه محمدًا ﷺ : قُل يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين تَخَلَّفوا عنك: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾. أيُّها المُرتابون في دينهم، ﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا، ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾. يقولُ: هو ناصِرُنا على أعدائه، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: وعلى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المؤمنون؛ فإنهم إن يَتَوَكلوا عليه، ولم يَرْجُوا النصرَ مِن عندِ غيره، ولم يخافوا شيئًا غيره، يَكْفِهم أمورهم، ويَنْصُرْهم على مَن بَغاهم وكادَهم.

стр. 7871

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قُلْ يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين وَصَفتُ لك صِفتهم وبَيَّنتُ لك أمرهم: هل تنتظرون بنا إلا إحدى الخلَّتين اللَّتين هما أحسن من غيرهما؛ إمَّا ظَفَرًا بالعدوِّ وفتحًا لنا بغَلَبَتناهم، ففيها الأَجْرُ والغَنِيمة والسلامة؛ وإِمَّا قَتْلًا مِن عدوِّنا لنا، ففيه الشهادة والفوز بالجنة، والنَّجَاةُ مِن النارِ، وكلتاهما مما [يُحَبُّ، ولا يُكْرَهُ] (١) ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. يقولُ: ونحن ننتظر بكم أن يُصِيبَكُمُ اللهُ بعُقوبةٍ مِن عنده عاجلةٍ، تُهْلِكُكم، أو بِأَيْدِينَا فتَقْتُلُكم، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾. يقولُ: فانْتَظِرُوا إِنَّا معكم مُنتظرون ما الله فاعل بنا، وما إليه صائرٌ أمرُ كلِّ فريقٍ مِنَّا ومنكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. يقولُ: فَتْحٌ أو شَهادةٌ. وقال مَرَّةً أخرى: يقولُ: القَتْلُ، فهى الشهادة والحياة والرزق، وإمَّا يُخْزِيكم بأيدينا (٢).

стр. 7872

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. يقولُ: قَتْل فيه الحياةُ والرِّزْقُ، وإما أن يَغْلِبَ فيؤتيه الله أجرًا عظيمًا، وهو مثل قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾ (١) [النساء: ٧٤]. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. قال: القَتْلُ في سبيل الله، والظُّهورُ على أعدائه (٢). [قال: ثنا محمد بن بكرٍ، عن ابن جُريجٍ، قال: بلغنى عن مجاهدٍ، قال: القَتْلُ في سبيل الله، والظُّهورُ. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: القتل في سبيل الله، والظُّهور على أعداء الله] (٣). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه. قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾: بالموت. ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾. قال: القتلُ. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿قُلْ هَلْ

стр. 7873

تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: إلا فَتْحًا، أو قَتْلًا في سبيلِ اللهِ، ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾. أي: قتلٌ (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمد، لهؤلاء المنافقين: أنفقوا كيف شِئْتُم أموالكم في سَفَرِكم هذا وغيره، وعلى أيِّ حالٍ شِئْتُم، مِن حالِ الطوع والكرْه، فإنكم إن تُنفقوها، لن يتقبَّل الله منكم نَفَقاتِكم، وأنتم في شَكٍّ من دينكم، وجَهْلٍ منكم بنبوَّة نبيِّكم، وسوء معرفة منكم بثواب الله وعقابه، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. يقولُ: خارجين عن الإيمان بربكم. وخرج قوله: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ مَخْرج الأمْرِ، ومعناه الخبرُ (٢)، والعربُ تَفْعَلُ ذلك في الأماكن التي يَحْسُنُ فيها "إن"، التي تأتي بمعنى الجزاء، كما قال، جلّ ثناؤه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. فهو في لفظ الأمر، ومعناه الجزاءُ (٣)، ومنه قول الشاعر (٤): أسيئى بنا أو أحْسِنى لا مَلُومةً … لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ

стр. 7874

فكذلك قوله: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾. إنما معناه: إن تُنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾. وقيل: إن هذه الآيةَ نَزَلَت في الجَدِّ بن قَيْسٍ، حين قال للنبي ﷺ ، لمَّا عَرَضَ عليه النبي ﷺ الخروج معه لغزو الروم: هذا مالى أُعينك به. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: قال الجَدُّ بنُ قَيْسٍ: إنى إذا رأيتُ النساء لم أَصْبِرْ حتى أُفْتَتَنَ، ولكن أُعِينك بمالي. قال: ففيه نَزَلَت: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾. قال: لقوله: أُعِينُك بمالى (١). القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾. يقول تعالى ذكره: وما منع هؤلاء المنافقين، يا محمد، أن تُقبل منهم نَفَقاتُهم التي يُنفقونها في سَفَرِهم معك، وفى غير ذلك من السُّبُلِ ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ فـ "أن" الأولى في موضع نَصْبٍ، والثانية في موضع رفع؛ لأن معنى الكلام: ما مَنَع قبول نَفَقاتِهم إلا كفرهم باللَّهِ، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾، يقول: لا يأتونها إلا مُتَناقِلين بها؛ لأنهم لا يرجون بأدائها ثوابًا، ولا يخافون بتَرْكِها عِقابًا، وإنما يُقيمونها مخافة على أنفسهم بتَرْكِها مِن المؤمنين، فإذا أَمِنُوا لم يُقيموها، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾. يقولُ: ولا يُنْفِقُون مِن أموالهم شيئًا هو ﴿إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ أن يُنْفِقوه في الوَجْهِ الذي يُنْفِقُونه فيه، مما فيه

стр. 7875

تقويةٌ للإسلام وأهله. القول في تأويل قوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه: فلا تُعْجِبْك يا محمد أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بها في الآخرة. وقال: معنى ذلك التَّقْديم، وهو مُؤخَّرٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾. قال: هذه من تقاديم [الكلام، يقول: لا تُعْجِبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إِنَّمَا يُرِيدُ] (١) اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الآخرة (٢). حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾: في الآخِرَةِ (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما يريدُ اللهُ ليُعَذِّبَهم بها في الحياة الدنيا، بما ألزمهم فيها مِن فَرائضِه.

стр. 7876

ذكرُ مَن قال ذلك حدثت عن المسيب بن شريك، عن [سليمان البصري] (١)، عن الحسن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: بالمصائب فيها، هي لهم عذابٌ وهى للمؤمنين أجْرٌ (٢). قال أبو جعفر: وأَوْلى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا التأويل الذي ذكرناه عن الحسن؛ لأن ذلك هو الظاهرُ من التنزيل، فصَرْفُ تأويله إلى ما دلَّ عليه ظاهِرُه، أَوْلى مِن صَرْفه إلى باطن لا دلالة على صحته. وإنما وَجَّه مَن وَجَّه ذلك إلى التقديم وهو مُؤخَّرٌ؛ لأنه لم يَعْرِفُ لتَعْذِيبِ اللَّهِ المنافقين بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا، وَجْهَا يُوَجِّهه إليه، وقال: كيف يُعَذِّبُهم بذلك في الدنيا وهى (٣) لهم فيها سرورٌ؟ وذَهَب عنه تَوْجِيهُه إلى أنه مِن عظيم العذاب عليه، إلزامه ما أوجب الله عليه فيها من حقوقه وفَرائضه، إذ كان يُلْزِمُه ويُؤخَذُ منه، وهو به غيرُ طَيِّبِ النفس، ولا راجٍ به مِن اللَّهِ جَزاءً، ولا مِن الأَخْذِ منه حَمْدًا ولا شُكْرًا، على ضَجَرٍ منه وكُرْهٍ.

стр. 7877

وأما قوله: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ [وَهُمْ كَافِرُونَ﴾، فإنه يعني: وتَخْرُجَ أنفسهم] (١)، فَيَموتوا على كُفْرِهم بالله، وجُحُودِهم نبوة نبيِّ الله محمدٍ ﷺ . يقالُ منه: زَهَقَت نفسُ فلانٍ، وزَهِقَت. فمَن قال: زَهَقَت. قال: تزْهَقُ. ومَن قال: زهقت، قال: تزهقُ زُهوقًا. ومنه قيل: زَهَق فلانٌ بين أيدى القومِ يَزْهَقُ زُهُوقًا. إذا سَبَقَهم فتَقَدَّمَهم. ويقالُ: زَهَق الباطل. إذا ذَهَب ودَرَس. القول في تأويل قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾. يقول تعالى ذكره: ويَحْلِفُ بالله لكم، أيُّها المؤمنون، هؤلاء المنافقون كَذِبًا وباطلًا، خَوْفًا منكم - ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ في الدين والملة. يقولُ الله تعالى مُكَذِّبًا لهم: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾. أي: ليسوا من أهل دينكم وملَّتِكم، بل هم أهل شكٍّ (٢) ونفاق، ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾. يقولُ: ولكنهم قومٌ يخافونكم، فهم خَوْفًا منكم يقولون بألسنتهم: إنَّا منكم. ليَأْمَنوا فيكم فلا يُقْتَلوا. القول في تأويل قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾. يقول تعالى ذكره: لو يَجِدُ هؤلاء المنافقون ﴿مَلْجَأً﴾. يقولُ: عَصَرًا (٣) يَعْتَصِرون به مِن حِصْنٍ، ومَعْقِلًا يَعْتَقِلون فيه منكم، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾. وهى الغيران في الجبال، واحِدَتُها: مَغَارةٌ، وهي مَفَعْلَةٌ، مِن: غارَ الرجلُ في الشيء،

стр. 7878

يَغُورُ فيه. إذا دَخَل، ومنه قيل: غارت العين. إذا دَخَلَت فِي الحَدَقَةِ. ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾. يقولُ: أو سَرَبًا في الأرض يدخلون فيه. وقال: ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ (١)؛ لأنه مِن ادَّخَل يَدَّخِلُ. وقوله: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: لأدْبَروا إليه، هَرَبًا منكم، ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾. يقولُ: وهم يُسْرِعون في مشيهم. وقيل: إن الجماحَ مَشىٌ بينَ المَشْيَين. ومنه قولُ مُهَلْهِلٍ (٢): لقد جَمَحْتُ جماحًا في دِمائِهِمُ … حتى رأيتُ ذَوِى [أَحْسَابِهِمْ خَمَدُوا] (٣) وإنما وصفهم الله بما وصفهم به من هذه الصفة؛ لأنهم إنما أقاموا بينَ أَظْهُرِ أصحاب رسول الله ﷺ على كُفْرِهم ونفاقهم وعداوتهم لهم، ولما هم عليه من الإيمان بالله وبرسوله؛ لأنهم كانوا (٤) قَوْمَهم وعشيرتهم وفى دُورهم وأموالهم، فلم يَقْدِروا على تَرْكِ ذلك وفراقه، فصانعوا القومَ بالنِّفاق ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بالكفر ودَعْوى الإيمان، وفى أنفسهم ما فيها من البُغْضِ لرسول الله ﷺ وأهل الإيمان به والعداوة لهم، فقال الله واصِفَهم بما في ضَمائرهم: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ الآية. وبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهل التأويل.

стр. 7879

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ والمَلْجَأُ الحرْز (١) في الجبال، والمغارات الغيرانُ في الجبال. وقوله: ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ والمُدَّخَلُ: "السَّرَبُ" (٢). حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾، ﴿مَلْجَأً﴾. يقولُ: حِرْزًا، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾. يعنى: الغِيرانَ، ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ يقولُ: ذهابًا في الأرضِ، وهو النَّفَقُ في الأرضِ، وهو السَّرَبُ. حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾. قال: حِرْزًا لهم يَفِرُّون إليه منكم (٣). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾. قال: مُحْرِزًا لهم، لفَرُّوا إليه منكم. وقال ابن عباسٍ: قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾: حِرْزًا أو مغاراتٍ، قال: الغيرانُ، ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾. قال: نَفَقًا في الأرضِ. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ

стр. 7880

مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾. يقولُ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾: حُصُونًا، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾: غِيرانًا، ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾: أَسْرابًا - ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (١). القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾. يقول تعالى ذكره: ومِن المُنافِقِين الذين وَصَفْتُ لك، يا محمد، صِفتهم في هذه الآياتِ ﴿مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. يقولُ: يَعِيبُك في أمرها، ويَطْعُنُ عليك فيها. يقالُ منه: لَمزَ فلانٌ (٢) فلانًا يَلْمِزُه، ويَلْمُزُه. إذا عابه وقرصه (٣)، وكذلك هَمَزه. ومنه قيل: فلانٌ هُمَزَةٌ لُمزَةٌ، ومنه قول رؤبة (٤): قارَبتُ بينَ عَنَقِي وَجَمْزِى (٥) في ظِلٍّ عَصْرَىْ باطِلِي وَلَمزِى ومنه قول الآخر (٦): إذا لَقِيتُكَ تُبْدِى لِي مُكَاشَرَةً (٧) … وإنْ أُغَيَّبْ فَأَنتَ العائبُ اللُّمَزَهْ
следующие страницы →