← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.

стр. 7806

مِن رُبُعِ العُشْرِ؛ لأن ما كان فَرْضًا إخراجُ جميعِه من المال وحرام اتِّخاذُه، فزكاتُه الخروجُ من جميعِه إلى أهله لا رُبُعُ عُشْرِه. وذلك مثلُ المالِ المغصوبِ الذي هو حرامٌ على الغاصبِ إمساكُه، وفرضٌ عليه إخراجه من يده إلى يده، فالتَّطَهُّرُ منه ردُّه إلى صاحبِه. فلو كان ما زادَ مِن المالِ على أربعة آلاف درهم، أو ما فَضَل عن حاجة ربِّه التي لا بدَّ منها، مما يَسْتَحِقُّ صاحبه باقتنائه - إذا أدَّى إلى أهلِ السُّهْمانِ حُقُوقهم منها مِن الصدقةِ - وعيدَ اللهِ، لم يكن اللازم ربَّه فيه رُبُعَ عُشْرِه، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهلِه وصَرْفَه فيما يَجِبُ عليه صَرْفُه، كالذى ذكرنا من أن الواجب على غاصب رجل ماله رَدُّه على ربِّه. وبعد، فإن فيما حدَّثنا محمد بن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: قال مَعْمَرٌ: أَخبرنى سُهَيلُ بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِن رجلٍ لا يُؤَدِّي زكاة مالِه، إلا جُعِل يوم القيامة صفائحَ من نارٍ يُكْوَى بها جنبيه (١) وجَبْهتُه وظَهْرُه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، حتى يُقْضَى بين الناسِ، ثم يُرى سبيلُه، وإن كانت إبِلًا إلا يُطِحَ لها بِقاعٍ قَرْقَرٍ (٢) تَطَؤُه بأخْفافِها - حَسِبْتُه قال: وتَعُضُّه بأَفْواهِها - يُرَدُّ أُولاها على أُخراها، حتى يُقْضَى بينَ الناسِ، ثم يُرى سبيلُه، وإن كانت غَنَمًا فمثلُ ذلك، إلا أنها تَنْطَحُه بقُرُونِها، وتَطَوُه بِأَظْلَافِها" (٣).

стр. 7807

وفى نظائرِ ذلك من الأخبار التي كَرِهْنا الإطالة بذِكْرِها - الدلالة الواضحة على أن الوعيدَ إنما هو من الله على الأموالِ التي لم تُؤَدَّ الوظائف المفروضة فيها لأهلها مِن الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها. وفيما بَيَّنَّا من ذلك البيانُ الواضحُ على أن الآية لخاصٍّ، كما قال ابن عباسٍ، وذلك ما حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ: هم أهل الكتاب. وقال: هي خاصَّةٌ وعامةٌ. يعنى بقوله: هي خاصَّةٌ وعامَّةٌ: هي خاصة في (١) المسلمين في من لم يُؤَدِّ زكاةَ ماله منهم، وعامة في أهلِ الكتابِ؛ لأنهم كفارٌ لا تُقْبَلُ منهم نَفَقاتُهم إن أَنْفَقوا. يدلُّ على صحة ما قُلنا في تأويل قولِ ابن عباس هذا ما حدثني المثنَّى، قال: ثنا عبد اللهِ، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَها﴾. إلى قوله: ﴿هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. قال: هم الذين لا يُؤدُّون زكاةَ أموالهم. قال: وكلُّ مال لا تُؤَدَّى زكاتُه، كان على ظهرِ الأرضِ أو في بطنِها، فهو كَنزٌ، وكلُّ مال تُؤَدَّى زكاتُه فليس بكَنْزٍ، كان على ظهرِ الأَرضِ أو في بَطْنِها (٢).

стр. 7808

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾. قال: الكثرُ ما كُنِزَ عن طاعةِ الله وفريضتِه، وذلك الكَنْزُ. وقال: افتُرِضَت الزكاة والصلاة جميعًا لم يُفَرَّق بينهما. وإنما قلنا: ذلك على الخصوص؛ لأن الكثر في كلامِ العربِ كلُّ شيءٍ مجموعٌ بعضُه على بعض، في بطنِ الأرضِ كان أو على ظهرها. يدلُّ على ذلك قول الشاعرِ (١): لا دَرَّ دَرِّيَ إِنْ أَطْعَمْتُ نازِلَهم … قِرْفَ الحَتِيِّ وعندى البُرُّ مَكْنُوزُ (٢) يعنى بذلك: وعندى البُرُّ مجموعٌ بعضُه على بعض. وكذلك تقولُ العربُ للبَدَنِ المجتمعِ: مُكْتَنَزٌ، لانضمامِ بعضه إلى بعض. وإذا كان ذلك معنى الكَنْزِ عندَهم، وكان قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾. معناه: والذين يَجْمَعون الذهب والفضة بعضها إلى بعض ولا يُنفِقُونها في سبيل الله. وهو عامُّ في التلاوة، و (٣) لم يَكُنْ في الآية بَيان كم ذلك القدرُ من الذهب والفضة الذي إذا جُمِع بعضُه إلى بعض اسْتَحَقَّ الوعيدَ - كان معلومًا أن خصوصَ ذلك إنما أُدْرِكَ لوَقْفِ الرسولِ عليه، وذلك كما بَيَّنَّا مِن أنه المالُ الذي لم يُؤدَّ حقٌّ الله منه من الزكاةِ دون غيره؛ لما قد أوضحنا من الدلالة على صحته. وقد كان بعضُ الصحابة يقولُ: هي عامةٌ في كلِّ كَثرٍ، غير أنها خاصةٌ في

стр. 7809

أهلِ الكتابِ، وإياهم عَنَى الله بها. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني أبو حَصِينٍ عبد الله بن أحمد بن يونسَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا حُصَينٌ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ (١) فَلَقِيتُ أبا ذَرٍّ، فقلتُ: يا أبا ذَرٍّ، ما أنزَلك هذه البلادَ؟ قال: كنتُ بالشامِ فقرأتُ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَة﴾ الآية. فقال معاويةُ: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتابِ. قال: فقلتُ: إنها لفينا وفيهم. قال: فارتَفَع في ذلك بيني وبينَه القولُ، فكَتَب إلى عثمانَ يَشْكُونى، فكتب إليَّ عثمانُ أَنْ أَقِبِلْ إِلَيَّ. قال: فأقبلتُ، فلما قَدِمْتُ المدينةَ رَكِبنى الناسُ كأنهم لم يَرونى قبل يومئذٍ، فشَكُوتُ ذلك إلى عثمان، فقال لي: تَنَحَّ قريبًا. قلتُ: والله إنى (٢) لن أَدَع ما كنتُ أقولُ (٣). حدثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ وابنُ وَكِيعٍ، قالوا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا حُصينٌ، عن زيد بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْنا بالرَّبَذَةِ. ثم ذَكَر عن أبي ذرٍّ نحوه (٤). حدثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أشْعَثَ وهشام، عن [ابن سيرين] (٥)، قال: قال أبو ذَرٍّ: خَرَجْتُ إلى الشامِ، فقرأتُ هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 7810

يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فقال معاوية: إنما هي في أهل الكتاب. قال: فقلتُ: إنها لفينا وفيهم (١). حدثني يعقوب بن إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ فإذا أنا بأبى ذَرٍّ، قال: قلتُ له: ما أنزَلك منزلك هذا؟ قال: كنتُ بالشامِ فاخْتَلَفتُ أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: فقال: نَزَلَت في أهلِ الكتاب، فقلتُ: نَزَلَت فينا وفيهم. ثم ذكر نحو حديثِ هُشَيمٍ، عن حصينٍ. فإن قال قائلٌ: فكيف قيل: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فأُخرِجَت الهاءُ والألفُ مُخرجَ الكناية عن أحد النوعين؟ قيل: يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أن يكونَ الذهبُ والفضةُ مُرادًا بها الكنوزُ، كأنه قيل: والذين يَكْنِزون الكُنُوزَ ولا يُنفِقونها في سبيلِ الله. لأن الذهبَ والفضةَ هي الكنوزُ في هذا الموضع. والآخَرُ: أن يكونَ اسْتُغْنى بالخبرِ عن إحداهما في عائدِ ذِكْرِهما، من الخبر عن الأُخرى؛ لدلالة الكلامِ على أن الخبرَ عن الأخرى مثلُ الخبرِ عنها، وذلك كثيرٌ موجودٌ في كلام العرب وأشعارِها، ومنه قولُ الشاعر (٢):

стр. 7811

نحنُ بما عندَنا وأنتَ بما … عندَك راضٍ والرأىُ مُخْتَلِفُ فقال: راضٍ. ولم يقلْ: راضون. وقال الآخَرُ (١): إِنَّ شَرْخَ (٢) الشبابِ والشَّعَرَ الأَسْـ … ـودَ ما لم يُعَاصَ كانَ جُنُونَا فقال: يُعاصَ. ولم يقلْ: يُعاصِيا. في [أشباهِ ذلك] (٣) كثيرةٍ. ومنه قول اللهِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]. ولم يقلْ: إليهما. القول في تأويل قوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾. يقول تعالى ذكره: فبَشِّرْ هؤلاء الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا يُخْرِجون حقوقَ الله منها، يا محمد، بعذابٍ أليمٍ - يومَ يُحْمَى عليها في نَارِ جَهَنَّمَ فاليومُ مِن صلةِ العذاب الأليم، كأنه قيل: يُبشِّرُهم بعذاب أليم يُعَذِّبُهم الله به في يومٍ يُحْمَى عليها. ويعنى بقوله: ﴿يُحْمَى عَلَيْهَا﴾: تَدْخُلُ النارَ فيُوقَدُ عليها، أي: على الذهبِ والفضةِ التي كنزوها، ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكَوَى بِهَا جَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وظهورُهُمْ﴾. وكلُّ شيءٍ أُدْخِلَ النار، فقد أُحْمِيَ إحْماءً، يقال منه: أَحْمَيتُ الحديدةَ في النارِ أُحْمِيها إحْماءً. وقوله: ﴿فَتَكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ يعني: بالذهب والفضةِ المكنوزة،

стр. 7812

يُحْمَى عليها في نار جهنمَ، يَكْوِى اللهُ بها. يقولُ: يَحْرِقُ اللَّهُ جِباهَ كانزِيها وجُنوبَهم وظهورَهم، ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾. ومعناه: ويقال لهم: هذا ما كَنَزْتُم في الدنيا أيُّها الكافرون الذين مَنَعوا كنوزَهم من فرائضِ اللَّهِ الواجبة فيها لأنفسِكم، ﴿فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُون﴾. يقولُ: فيقال لهم: فاطْعَمُوا عذاب الله بما كنتم تَمْنَعون مِن أموالكم حقوقَ اللَّهِ وتَكْنِزونها مُكاثرةً ومُباهاةً. وحُذِف مِن قوله: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾: ويقال لهم. لدلالة الكلام عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن حميد بن هلالٍ، قال: كان أبو ذَرٍّ يقولُ: بَشِّرِ الكَنَّازِين بِكَيٍّ في الجباهِ، وكَيٍّ في الجُنوبِ، وكَيٍّ في الظهورِ، حتى يَلْتَقِيَ الحَرُّ في أجوافهم. قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الجُرَيْرِيِّ، عن أبي العلاءِ بن الشِّخِّيرِ، عن الأحْنفِ بن قَيْسٍ، قال: قَدِمْتُ المدينة، فبينا أنا في حَلْقَةٍ فيها ملأٌ من قريشٍ، إذ جاء رجلٌ [أَخْشَنُ الثيابِ، أَخْشَنُ الجسدِ، أَخْشَنُ] (١) الوَجْهِ، فقامَ عليهم، فقال: بَشَّرِ الكَنَّازِين برَضْفٍ (٢) يُحْمَى عليه في نار جهنم، فيُوضَعُ على حَلَمَةِ ثَدْي أحدِهم حتى يَخْرُجَ مِن نُغْضِ (٣) كَتِفِه، ويُوضَعُ على نُغْضِ كَتِفِه حَتى يَخْرُجَ مِن حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ، يَتَزَلْزَلُ. قال: فوَضَع القومُ رءوسهم، فما رأيتُ أحدًا منهم رجع إليه شيئًا. قال:

стр. 7813

وأدْبَر، فاتَّبَعْتُه حتى جَلَس إلى ساريةٍ، فقلتُ: ما رأيتُ هؤلاء إلا كَرهوا ما قُلْتَ. فقال: إن هؤلاء لا يَعْقِلون شيئًا (١). حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ، قال: ثني عمرُو بنُ قيس، عن عمرِو بن مُرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي نَصْرٍ، عن الأحْنَفِ بن قيسٍ، قال: رأيتُ في مسجد المدينة رجلًا غليظ الثيابِ، رَثَّ الهيئةِ، يَطُوفُ في الحِلَقِ وهو يقولُ: بَشِّرْ أصحابَ الكنوز بِكَيٍّ في جُنُوبِهم، وكَيٍّ في جِباههم، وكَيٍّ في ظهورِهم. ثم انطلق وهو يَتَذمَّرُ يقولُ: ما عسى تَصْنعُ بي قريش! حدثنا محمد بن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: قال أبو ذَرٍّ: بَشِّرْ أصحاب الكنوز بكيٍّ في الجباهِ، وكَيٍّ في الجُنُوبِ، وكَيٍّ في الظهور (٢). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قابوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. قال: حَيَّةٌ تَنْطَوى على جَبِينِه (٣) وجَبْهِتِه، تقولُ: أنا مالك الذي بَخِلْتَ به (٤). حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن مَعْدانَ بن أبي طَلْحَةَ، عن ثَوْبَانَ، أن نبي الله ﷺ كان يقولُ: "مَن تَرَك بعدَه كَنْزًا، مَثَلَ له يومَ القيامةِ شُجاعًا أَقْرَعَ له زبيبتان، يَتْبَعُه، يقولُ: وَيْلَكَ ما

стр. 7814

أنت؟ فيقولُ: أنا كَنْزُك الذي تَرَكْتَه بعدَك. فلا يَزالُ يَتْبَعُه حتى يُلْقِمَه يَدَه فيَقْضِمَها، ثم يَتْبَعَه سائرَ جسده" (١). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابن (٢) طاوسٍ، عن أبيه، قال: بَلَغَنى أن الكنوزَ تَتَحوَّلُ يومَ القيامةِ شُجاعًا يَتْبَعُ صاحبه وهو يَفِرُّ منه، ويقولُ: أنا كَنْزُك. لا يُدْرِكُ منه شيئًا إلا أخَذه (٣). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مَسْروقٍ، عن عبد الله، قال: والذي لا إله غيرُه، لا يُكْوَى عبدٌ بِكَنْزٍ فيمَسُّ دينارٌ دينارًا، ولا درهمٌ درهما، ولكن يُوسَّعُ جلده، فيُوضَعُ كلُّ دينارٍ ودرهم على حِدَتِه (٤). قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: ما مِن رجلٍ يُكْوَى بكنزٍ، فيُوضَعُ دينارٌ على دينار، ولا درهمٌ على درهمٍ، ولكن يوسَّعُ جلْدُه (٥). القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.

стр. 7815

يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ عِدَّةَ [شهورِ السنة عند الله] (١) اثنا عشر شهرًا في كتاب الله الذي كَتَب فيه كلَّ ما هو كائنٌ في قضائه الذي قَضَى يوم خلق السماواتِ والأرضَ، ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾. يقولُ: هذه الشهور الاثنا عَشَرَ، منها أربعةُ أشهر حرمٍ كانت الجاهلية تُعَظِّمُهن وتُحرِّمُهن، وتُحرِّمُ القتال فيهن، حتى لو لَقِى الرجلُ منهم فيهن قاتل أبيه لم يَهِجْه، وهُنَّ رجبُ مُضَرَ، وثلاثةٌ مُتوالياتٌ؛ ذو القَعْدةِ، وذو الحجَّةِ، والمحرمُ. وبذلك تَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . حدثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: ثنا موسى بن عُبيدةَ الرَّبَذِيُّ، قال: ثنى صدقةُ بنُ يَسارٍ، عن ابن عمر، قال: خَطب رسول الله ﷺ في حجَّةِ الوداع بمنًى في أوسط أيام التشريق، فقال: "يا أيُّها الناسُ، إن الزمان قد استَدَارَ كهيئته يومَ خَلَقَ اللَّهُ السماواتِ والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهورِ عندَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، أَوَّلُهن رجبُ مُضَرَ بينَ جمادى وشعبان، وذو القعدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ" (٢). حدثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا أَشْعَثُ، عن محمد بن سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلَق الله السماوات والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهرًا في كتابِ الله يومَ خَلَق السماوات والأرضَ، منها أربعةٌ حرمٌ، ثلاثة متوالياتٌ، ورجبُ مُضَرَ بينَ جمادى وشعبانَ" (٣).

стр. 7816

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا أيوب، عن محمدِ بن سيرينَ، عن أبي بَكْرةَ، أن النبي ﷺ خَطَبَ في حَجة الوداعِ، فقال: "ألَا إن الزمانَ قد استَدارَ كهيئته يومَ خَلَقَ الله السماواتِ والأَرضَ، السنة اثنا عَشَرَ شَهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثةٌ مُتَوالياتٌ؛ ذو القعدة، وذو الحِجَّةِ، والمحرم، ورجب مُضَرَ الذي بينَ جُمادى وشعبانَ" (١). حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سليمانُ التَّيْمِيُّ، قال: ثني رجلٌ بالبحرين، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حَجَّةِ الوداع: "ألا إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلق الله السماوات والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهور عندَ اللهِ اثْنا عشَر شهرًا، ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القعدة، وذو الحِجَّةِ، والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان". حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن ابن أبي نَجيحٍ قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾: إن النبي ﷺ قال: "ثلاثة متوالياتٌ؛ ذو القَعدة، وذو الحِجَّة، والمحرم، ورجبٌ الذي بين جمادى وشعبانَ" (٢). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكِر لنا أن

стр. 7817

نبيَّ الله ﷺ قال في خطبته يومَ منًى: "ألَا إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلَقَ اللَّهُ السماوات والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهور عندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهرًا، منها أربعة حرمٌ، ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحرم، ورجب مُضَرَ الذي بينَ جُمادى وشعبان". وهو قول عامة أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾: أمَّا ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾؛ فذو القعدة، وذو الحجة، والمُحرَّمُ، ورجب، وأمَّا ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾، فالذى عندَه (١). حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قول الله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. قال: يُعْرَفُ بها شأنُ النَّسِيءِ، ما نَقَص مِن السنةِ (٢). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. قال: يُذْكَرُ بها شأنُ النَّسِيءِ. وأما قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. فإن معناه: هذا الذي أخبرتكم به، مِن أن عِدَّةَ الشهور عندَ اللهِ اثنا عشرَ شهرًا في كتاب الله، وأن منها أربعةً حُرُمًا - هو

стр. 7818

الدين المستقيم. كما حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي: ﴿ذَلِكَ الدَّينُ الْقَيِّم﴾. يقولُ: المستقيمُ (١). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. قال: الأمرُ القَيِّمُ. يقول (٢) تعالى: واعلموا أيها الناسُ أن عِدَّةَ الشهورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شهرًا في كتابه (٣) الذي كتب فيه كلَّ ما هو كائنٌ، وأن من هذه الاثْنى العشر الشهرَ، أربعةَ أشهرٍ حُرُما، ذلك دين الله المستقيمُ، لا ما يَفْعَلُه النَّسِيءُ (٤) مِن تَحليلِه ما يُحَلَّلُ مِن شهور السنة، وتحريمه ما يُحَرِّمُه منها. وأما قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. فإن معناه: فلا تَعْصُوا اللَّهَ فيها، ولا تُحِلُّوا فيهنَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ عليكم، فتكسبوا أنفسكم ما لا قبل لها به مِن سَخَطِ اللَّهِ وعقابه. كما حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: الظُّلْمُ العمل بمعاصى اللهِ والتَّرْكُ لطاعته (٥). ثم اختَلَف أهل التأويل في الذي عادت عليه الهاء والنونُ في قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾؛

стр. 7819

فقال بعضُهم: عادَ ذلك على "الاثْنى العشَرَ الشهرَ". وقال: معناه: فلا تَظْلِموا في الشهور كلها أنفسكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: في كُلِّهن، ثم اختصَّ مِن ذلك أربعة أشهرٍ فَجَعَلَهن حُرُمًا، وعَظَّمَ حُرُماتِهن، وجَعَل الذنب فيهنّ أعظم، والعمل الصالح والأجرَ أعظم (١). حدثنا ابن وكِيعٍ، قال: ثنا سويد بن عمرٍو، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عن عليِّ بن زيد، عن يوسف بن مِهْرَانَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: في الشهور كلِّها (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا تَظْلِموا في الأربعةِ الأشهرِ الحُرُّمِ أنفسَكم. والهاء والنون عائدةٌ على "الأشهر الأربعةِ". ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، قتادة: أما قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. فإن الظلم في الأشهرِ الحُرُمِ أعظمُ خطيئةً ووِزْرًا

стр. 7820

من الظلمِ فيما سواها، وإن كان الظلم على كلِّ حالٍ عظيمًا، ولكنَّ الله يُعظِّمُ مِن أمرِه ما شاء. وقال: إن الله اصْطَفى صَفَايا من خلقِه؛ اصْطَفى مِن الملائكةِ رُسُلًا، ومن الناسِ رُسُلًا، واصْطَفى من الكلام ذِكْرَه، واصْطَفى من الأرض المساجد، واصْطَفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصْطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالى ليلةَ القَدْرِ، فَعَظِّموا ما عَظْمَ اللَّهُ، فإنما تُعَظَّمُ الأمورُ بما عَظَّمَها الله عند أهلِ الفهم وأهل العقل (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا تَظْلِموا في تَصْييرِكم حرام الأشهر الأربعةِ حلالًا، وخلالها حراما - أنفسكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. أي: لا تَجْعَلوا حَرامَها حلالًا، ولا حلالَها حرامًا، كما فَعَل أهلُ الشِّرْكِ، فإنما النَّسِيءُ الذي كانوا يَصْنَعون من (٢) ذلك ﴿زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (٣). حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. قال: ظلمُ أنفسكم ألا

стр. 7821

تُحَرِّموهن كحُرمتهن (١). حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيزِ، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمدِ بن عليٍّ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: ظُلْمُ أنفسِكم أن لا تُحَرِّمُوهُنَّ كَحُرْمَتِهِنَّ. (١) حدثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمدٍ بنحوه. قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوال في ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: فلا تَظْلِموا في الأشهر الأربعة أنفسَكم، باسْتحلال حَرامِها، فإن الله عَظَّمَها وعَظَّمَ حُرمتها. وإنما قُلنا: ذلك أولى بالصوابِ في تأويله؛ لقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾. فأخرج الكناية عنهن (٢) مُخْرَجَ الكناية عن جمعِ (٣) ما بين الثلاثة إلى العشرة. وذلك أن العربَ تقولُ فيما بين الثلاثةِ إلى العشرة إذا كَنَتْ عنه: فَعَلنا ذلك لثلاث ليالٍ خَلَون، ولأربعةِ أيام بَقِين. وإذا أخْبَرَت عما فوقَ العشرة إلى العشرين قالت: فَعَلْنا ذلك لثلاثَ عشْرَةَ خَلَت، ولأربعَ عَشْرَةَ مَضَت. فكان في قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. وإخراجه كناية عددِ الشهور التي نَهَى المؤمنين عن ظُلْمِ أنفسهم فيهن مُخْرَجَ عددِ الجمع القليلِ من الثلاثة إلى العشرة - الدليل الواضح على أن الهاءَ والنونَ من ذكره "الأشهر الأربعةِ" دونَ "الاثنى العشَرَ"؛ لأن ذلك لو كان كناية عن "الاثْنى العشَرَ الشهرَ" لكان: فلا تَظْلِموا فيها أنفسكم.

стр. 7822

فإن قال قائل: فما أنْكَرْتَ أن يكونَ ذلك كناية عن "الاثنى العشر الشهر"، وإن كان الذي ذَكَرْتَ هو المعروف في كلام العربِ؟ فقد علمت أن المعروف مِن كلامها إخراج كناية ما بين الثلاثِ إلى العشرِ بالهاء دون النونِ، وقد قال الشاعر (١): أَصْبَحْنَ فِي قُرْحٍ (٢) وفِي دَارَاتِها (٣) سَبْعَ ليالٍ غَيْرَ مَعْلُوفاتِها ولم يَقُلْ: مَعْلوفاتهن. وذلك كنايةٌ عن السَّبْع؟ قيل: إن ذلك وإن كان جائزًا، فليس بالأفصح الأعرف في كلامها، وتوجيهُ كلام الله إلى الأفصح الأغرفِ أَوْلى مِن تَوجيهه إلى الأنكرِ. فإن قال (٤): فإن كان الأمرُ على ما وَصَفتَ، فقد يجب أن يكونَ مُباحًا لنا ظُلْمُ أنفسنا في غيرِهنَّ مِن سائر شهور السنة. قيل: ليس ذلك كذلك، بل ذلك حرام علينا في كلِّ وقتٍ وزمانٍ، ولكن الله عَظَّمَ حُرمة هؤلاء الأشهرِ وشَرَّفَهن على سائر شهور السنة، فَخَصَّ الذنب فيهن بالتعظيمِ، كما خَصَّهنَّ بالتشريف، وذلك نظير قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ولا شكَّ أن الله قد أَمَرَنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلِّها بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾. ولم يُبحْ تَرْكَ

стр. 7823

المحافظةِ عليهنَّ بأمرِه بالمحافظةِ على الصلاة الوسطى، ولكنه تعالى ذكره زادها تَعْظِيمًا، وعلى المحافظة عليها توكيدًا، وفى تضييعها تشديدا. فكذلك ذلك في قوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدَّينُ الْقَيَّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. وأما قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾. فإنه يقول جل ثناؤه: وقاتِلوا المشركين باللَّهِ أَيُّها المؤمنون جميعًا غير مختلفين، مؤتلفين غير متفرقين (١)، كما يُقاتِلُكم المشركون جميعًا مُجْتَمِعين غيرَ مُتَفَرِّقين. كما حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدِّيِّ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾: أما ﴿كَافَّةً﴾ فجميعٌ وأمرُكم مُجْتَمِعُ (٢). حدثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. يقولُ: جميعا (٣). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. أي: جميعًا. والكافة في كلِّ حالٍ على صورة واحدة لا تُذكَّرُ ولا تُجمَعُ؛ لأنها وإن كانت بلفظ "فاعلةٍ"، فإنها في معنى المصدر، كالعافية والعاقبةِ، ولا تُدْخِلُ العرب فيها الألف واللامَ؛ لكونها آخر الكلام، مع الذي فيها من معنى المصدرِ، كما لم يُدخِلوها إذا قالوا: قاموا معًا، وقاموا جميعًا.

стр. 7824

وأما قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. فإن معناه: واعْلَموا أيُّها المؤمنون بالله أنكم إن قاتلتم المشركين كافَّةً، واتَّقَيْتُم الله، فأَطَعْتُموه فيما أمركم ونَهاكم، ولم تُخالفوا أمره فتَعْصُوه، كان الله معكم على عدوِّكم وعدوِّه من المشركين، ومَن كان الله معه لم يَغْلِبُه شيءٌ؛ لأن الله مع مَن اتَّقاه، فَخافَه وأطاعَه فيما كَلَّفَه مِن أمره ونهيه. القول في تأويلِ قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾. يقول تعالى ذكره: ما النَّسِيءُ إلا زيادةٌ في الكفر. والنَّسِيءُ مصدرٌ مِن قول القائل: نَسَأْتُ في أيامك (١). و: نَسَأَ اللهُ في أجلك. أي: زادَ الله في أيام عُمُرِك ومُدَّةِ حياتك حتى تبقى فيها حيًّا. وكلُّ زيادةٍ حَدَثَت في شيءٍ، فالشيءُ الحادثُ فيه تلك الزيادة بسبب ما حَدَثَ فيه، نَسِيءٌ، ولذلك قيل للَّبَنِ إذا كُثِّر بالماءِ: نَسِيءٌ. وقيل للمرأةِ الحُبلَى: نَسُوءٌ. ونُسِئَت المرأةُ؛ لزيادة الولد فيها. وقيل: نَسَأْتُ الناقةَ وأَنْسَأَتُها. إذا زَجَرتَها ليزدادَ سَيْرُها. وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ (٢) النسيءُ "فَعِيل"، صرف إليه من "مفعولٍ"، كما قيل: لَعِينٌ وقتيلٌ. بمعنى: مَلْعونٌ ومقتولٌ، ويكون معناه: إنما الشهرُ المُؤَخَّرُ زيادةٌ في الكفر. وكأنَّ القول الأول أشبه بمعنى الكلام، وهو أن يكون معناه: إنما التأخير الذي يُؤخِّرُه أهلُ الشِّرْكِ بالله من شهور الحرُم الأربعة، وتصْييرُهم الحرام منهنَّ حلالًا،

стр. 7825

والحلال منهنَّ حرامًا - زيادةٌ في كفرهم وجُحُودِهم أحكام الله وآياته. وقد كان بعضُ القرأة يقرأُ ذلك: (إنما النسيُّ). بتَرْكِ الهمز، وتركِ مَدِّه (١)، ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقَرَأته عامة قرأةِ (٢) الكُوفيين: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. بمعنى: يُضِلُّ اللهُ بالنسئِ الذي ابتدعوه وأحدثوه الذين كفروا. وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرة وبعضُ الكوفيين: (يَضِلُّ به الذين كفروا). بمعنى: يزولُ عن مَحَجَّةِ اللهِ التي جَعَلها لعباده طريقًا يَسْلُكونه إلى مَرْضاتِه الذين كَفَروا (٣). وقد حكى عن الحسن البصرى: (يُضِلُّ به الذين كفروا). بمعنى: يُضِلُّ بالنَّسِيءِ الذي سَنَّه الذين كَفَروا الناسَ (٤). قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يُقال: هما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ [من القراءة] (٥) أهل علمٍ (٦) بالقرآن [ومعرفةٍ] (٧) به، وهما متقاربتا المعنى؛ لأن مَن أضَلَّه الله فهو ضالٌّ، ومن ضلَّ فبإضلال الله إياه وخِذْلانِه له ضَلَّ، فبأيَّتِهما قرأ القارئ فهو للصواب في ذلك مُصِيبٌ.

стр. 7826

وأمَّا الصوابُ مِن القراءة في ﴿النَّسِيءُ﴾ فالهمز (١)، وقراءته على تقدير فعيلٍ؛ لأنها القراءة المستفيضة في قرأةِ الأمصار التي لا يجوز خلافُها فيما أَجْمَعَت (٢) عليه. وأما قوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا﴾. فإن معناه: يُحِلُّ الذين كَفَروا النسئ، و "الهاء" في قوله: ﴿يُحِلُّونَهُ﴾. عائدةٌ عليه. ومعنى الكلام: يُحِلُّون الذي (٣) أخَّروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم عامًا، ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾. يقول: ليُوافقوا بتحليلهم ما حَلَّلوا من الشهور وتحريمهم ما حَرَّموا منها عِدَّةَ ما حَرَّم الله، فيحلوا ما حرم الله، ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾. يقولُ: حُسِّنَ لهم وحُبّب إليهم سَيِّئ أعمالهم وقبيحها، وما خُولف به أمر الله وطاعته، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: والله لا يُوفِّقُ لمحاسن الأفعال [وجميلها] (٤)، وما لله فيه رضًى، القوم الجاحدين توحيده، والمنكرين نبوة محمدٍ ﷺ ، [ولكنه] (٥) يُخَذِّلُهم عن الهدى، كما خَذَّلَ هؤلاء الناس عن (٦) الأشهر الحرم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن

стр. 7827

ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: النَّسِيءُ (١): أن جُنادة بن عوف بن أُمَيَّةَ الكِنانيَّ كان يُوافى الموسم (٢) كل عامٍ، وكان يُكنى أبا تمامةَ (٣)، فينادى: ألا إن أبا ثُمامةَ لا يحابُ (٤) ولا يُعابُ، ألا وإن صَفَرَ العامِ الأولِ العام (٥) حلالٌ. فَيُحِلُّه (٦) الناسُ، فيُحَرَّمُ صفرٌ عامًا، ويُحَرَّمُ المحرم عامًا، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾. وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. يقولُ: يَتركون المحرم عامًا، وعامًا يُحرِّمونه (٧). قال أبو جعفر: وهذا التأويلُ من تأويل ابن عباسٍ يدلُّ على صحة قراءةِ مَن قرأ (النَّسيُّ) بتركِ الهمز وتركِ المدِّ. وتوجيهه معنى الكلام إلى أنه "فَعْلٌ" مِن قولِ القائل: نَسِيتُ الشيءَ أَنساه. ومن قولِ اللهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. بمعنى: تَرَكوا الله فتَرَكَهم. حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: فهو المحرم، كان يُحَرَّمُ عامًا وصفرٌ عامًا، وزِيدَ صفرٌ آخَرُ في الأشهر الحُرُم. وكانوا يُحَرِّمون صفرًا مرةً، ويُحِلُّونه مرةً، فعابَ الله ذلك. وكانت هَوازنُ وغَطَفانُ وبنو سُلَيْمٍ

стр. 7828

تفعلُه (١). حدثنا ابن وَكِيعِ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: كان النسئُ رجلًا من بني كنانة، وكان ذا رأيٍ فيهم، وكان يجعَلُ سنةً المحرَّمَ صفرًا، فيُغيرون (٢) فيه، فيَغْنَمون (٣) فيه ويُصيبون، ويُحرِّمُه سنةً (٤). قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن أبي وائل: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية، وكان رجلٌ مِن بني كنانةَ يُسَمَّى النسئ، فكان يجعَلُ المحرَّمَ صفرًا، ويَسْتَحِلّ فيه الغنائم، فنَزَلَت هذه الآية (٥). حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ لَيْثًا، عن مجاهد، قال: كان رجلٌ مِن بني كنانة يأتى كل عام في الموسم على حمارٍ له، فيقولُ: أَيُّها الناسُ، إنى لا أعابُ ولا أحاب (٦)، ولا مَرَدَّ لما أقولُ، إِنَّا قد حَرَّمنا المحرمَ وأَخَّرْنا صفرًا. ثم يَجِيءُ العام المقبل بعده فيقولُ مثل مقالته، ويقولُ: إنا قد حَرَّمْنا صفرًا وأَخَّرْنا المحرم. فهو قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾. قال: يعنى الأربعةَ، ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، لتأخير هذا الشهر الحرام (٧).

стр. 7829

حدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنا عُبَيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾: النسئ المحرم، وكان يُحرَّمُ المحرم عامًا ويُحرَّمُ صفرٌ عامًا، فالزيادةُ صفرٌ، وكانوا يُؤخِّرون الشهور حتى يَجْعَلُوا صفرًا المحرمَ، فيُحِلُّوا ما حَرَّم الله. وكانت هوازنُ وغَطَفانُ وبنو سُلَيمٍ يُعَظْمونه، وهم الذين كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية (١). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾: عَمَد أناسٌ من أهل الضلالة فزادوا صفرًا في الأشهرِ الحُرُمِ، فكان يقومُ قائمُهم في الموسم فيقولُ: ألا إن آلهتكم قد حَرَّمَت العام المحرم. فيُحَرِّمونه ذلك العام، ثم يقومُ في العام المقبل فيقولُ: ألا إن آلهتكم قد حَرَّمَت صَفَرًا. فيُحَرِّمونه ذلك العام، وكان يقال لهما: الصَّفَران. قال: فكان أول من نسَأ النسئ بنو مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة؛ أبو ثمامةً صفوان بن أمية، أحدُ بني فُقَيْمِ (٢) بن الحرث، ثم أحدُ بني كنانة (٣). حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: فَرَض الله الحج في ذى الحجة. قال: وكان المشركون يُسَمُّون الأشهر: ذو الحَجَّةِ، والمحرَّمُ وصفرٌ، وربيعٌ، وربيعٌ، وجمادَى، وجُمادى، ورجبٌ، وشعبانُ،

стр. 7830

ورمضان، وشوّال، وذو القعدة، وذو الحِجَّةِ (١)، يحجون فيه مرَّةً أخرى (٢)، ثم يَسْكُتُون عن المحرَّم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيُسَمُّون (٣) صَفَرًا صَفَرًا، ثم يُسَمُّون رجبًا جُمادى الآخرة، ثم يُسمُّون شعبان رمضان، [ثم يُسَمُّون رمضان شوالًا] (٤)، ثم يُسمون ذا القعدة شوالًا، ثم يُسَمُّون ذا الحجة ذا القَعْدةِ، ثم يُسمون المحرم ذا الحجة، فيَحُجُّون فيه، واسمه عندهم ذو الحِجَّةِ. ثم عادوا بمثل (٥) هذه القصة، فكانوا يحُجُّون في كلِّ شهرٍ عامين، حتى وافَقَ حَجَّةُ أبي بكرٍ، ﵁، الآخِرَ مِن العامين في ذى القَعْدَةِ، ثم حَجَّ النبي ﷺ حَجَّته التي حَجَّ، فوافق ذا الحجَّةِ، فذلك حين يقولُ النبي ﷺ في خطبته: "إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلَقَ الله السماواتِ والأرضَ" (٦). حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: حَجُّوا في ذى الحِجَّةِ عامين، ثم حَجُّوا في المحرم عامين، ثم حَجُّوا في صفرٍ عامين، فكانوا يَحُجُّون في كلِّ سنة في كلِّ شهر عامين، حتى وافَقَت حَجُّةُ أبى بكرٍ الآخرَ مِن العامين في ذى القَعْدَةِ قبلَ حَجَّةِ النبيِّ ﷺ بسنةٍ، ثم حَجَّ النبي ﷺ من قابل في ذى الحجة، فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته: "إن الزمان قد اسْتَدارَ كَهَيْئَتِه يومَ خَلَقَ اللهُ

стр. 7831

السماوات والأرض". حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالك: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: كانوا يَجْعَلون السنة ثلاثةَ عشَرَ شهرًا، فيجعلون المحرم صفرًا، فيَسْتَحِلُّون فيه الحُرُماتِ، فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زَيْدٍ في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. قال: هذا رجلٌ مِن بنى كِنانة يقال له القَلَمَّسُ (١). كان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يُغيرُ بعضُهم على بعضٍ في الشهر الحرامِ، يَلْقَى الرجلُ قاتل أبيه فلا يمدُّ إليه يَدَه، فلما كان هو، قال: اخرجوا بنا. قالوا له: هذا المحرم. فقال: [نُنْسِئُه العام، هما العامَ صَفَران، فإذا كان [عام قابل] (٢) قضينا فجَعَلناهما (٣) مُحَرَّمَين. قال: ففَعَل ذلك، فلما كان] (٤). [عام قابل] (٥) قال: لا تَغْزُوا في صفرٍ، حَرِّموه مع المحرَّمِ، هما مُحَرَّمان، المحرَّمُ أَنسأناه عامًا أَوّلَ ونقضيه ذلك الإنساءَ. وقال منافرُهم (٦): * ومِنَّا مُنْسِئ الشهر (٧) القَلَمَّس (٨) *

стр. 7832

وأنزل الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى آخِرِ الآية (١). وأما قوله: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، فإن معناه: زيادة كفر بالنَّسِيء إلى كفرهم بالله قبل (٢) ابْتِداعِهم النسئ. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. يقول: ازدادوا به كفرًا إلى كفرهم (٣). وأما قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾، فإنه من قول القائل: وَاطأتُ فلانًا على كذا أُواطِئُه مواطأةٌ. إذا وافقته عليه، مُعِينًا له، غيرَ مُخالفٍ عليه. وروى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾. يقولُ: يُشبهون (٤). وذلك قريب المعنى مما بَيَّنَّا؛ وذلك أن ما شابه الشيء فقد وافقه من الوجه الذي شابهه. وإنما معنى الكلام: أنهم يُوافقون بعدة الشهور التي يُحَرِّمُونها عدةَ الأشهرِ الأربعةِ التي حَرَّمها الله، لا يَزِيدون عليها ولا يَنْقُصون منها، وإِن قَدَّموا وأَخَّروا. فذلك مواطأَةُ عِدَّتِهِم عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ.

стр. 7833

القول في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾. وهذه الآية حَثٌّ مِن الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم، وذلك غزوة رسول الله ﷺ تبوك. يقول جل ثناؤه: يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه، ﴿مَا لَكُمْ﴾: أيُّ شيءٍ أمْرُكم، ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقول: إذا قال لكم رسولى محمدٌ: ﴿انْفِرُوا﴾. أي: اخرُجُوا مِن منازلكم إلى مَغْزاكم. وأصلُ النَّفْر مُفارقة مكانٍ إلى مكان لأمر هاجه على ذلك، ومنه نُفُورُ الدابة، غير أنه يقالُ مِن النَّفْرِ إلى الغزو: نَفَر فلانٌ إلى تَغْرِ كَذَا يَنْفِرُ نَفْرًا وَنَفِيرًا. وأَحسَبُ أَن من الفروق التي يُفَرِّقون بها بين اختلافِ المخبَرِ عنه وإن اتَّفقت معاني الخبرِ. فمعنى الكلام: ما لكم أيها المؤمنون، إذا قيل لكم: اخرُجُوا غُزاةً في سبيل الله. أي في جهادِ أعداءِ اللهِ، ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾. يقولُ: تَثاقَلْتُم إلى لزوم أرضكم ومساكنكم والجلوس فيها. وقيل: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ لاندغام (١) "التاءِ" في "الثاءِ"، فأُحدثت لها ألفٌ ليُوصَلَ (٢) إلى الكلام، بها، لأن "التاء" مندغمةٌ (٣) في "الثاء"، ولو أُسْقِطَت "الألفُ" وابْتُدِئَ بها، لم تكن إلا متحركةً، فأُحْدِثَت "الألفُ" لتَقَعَ الحركة بها،

стр. 7834

كما قال جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨]. وكما قال الشاعر (١): تولى الضَّحِيعَ إِذا ما اسْتافَها خَصِرًا … عَذْبَ المَذاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ فهو بنى (٢) الفعلَ افْتَعَلْتم مِن التَّثاقُلِ (٣). وقوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: أَرَضِيتُم بحَظِّ (٤) الدنيا والدَّعَةِ فيها، عوضًا مِن نعيم الآخرة وما عندَ اللهِ للمتقين في جَناتِه (٥)، ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: فما الذي يستمتع به المستمتعون (٦) في الدنيا من عَيْشِها ولذَّاتِها في نعيم الآخرة والكرامة التي أعدَّها (٧) الله لأوليائه وأهل طاعته، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾: يسير. يقولُ لهم: فاطلبوا أيُّها المؤمنون نعيم الآخرةِ [وشَرَفَ] (٨) الكرامة التي عندَ اللهِ لأوليائه، بطاعته والمسارعة إلى الإجابة إلى أمره في النَّفِيرِ لجهادِ عدوِّه. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 7835

نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾: أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد الطائف وبعد حنينٍ، أُمروا بالنَّفْرِ (١) في الصيفِ، حينَ خُرِفَت (٢) النخلُ، وطابت الثمارُ، واشْتَهَوا الظِّلالَ، وشَقَّ عليهم المخرجُ (٣). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآية. قال: هذا حين أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحُنَينٍ وبعد الطائف، أمَرَهم بالنَّفِيرِ في الصيف، حين اختُرِفَت النخلُ، وطابت الثمارُ، واشْتَهَوا الظِّلالَ، وشَقَّ عليهم المخرجُ. قال: فقالوا: مِنَّا (٤) الثقيلُ، [وذو] (٥) الحاجة والضَّيْعَةِ والشُّغُلِ، والمنتشرُ به أمره في ذلك كلِّه. فأنزل الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]. القولُ في تأويل قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾. يقول تعالى ذكره للمؤمنين به مِن أصحاب رسولِه، مُتوعِّدهم على تركِ النَّفْرِ إلى عدوِّهم من الروم: إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى مَن اسْتَنْفَرَكم رسولُ الله،

стр. 7836

يُعَذِّبْكم الله عاجلًا في الدنيا بترككم النَّفْرَ إليهم عذابًا مُوجِعًا، ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. يقولُ: يَسْتبدِلِ اللهُ بكم نبيَّه قومًا غيركم، يَنْفِرون إذا اسْتُنْفِروا، ويُجيبونه إذا دُعُوا، ويُطيعون الله ورسوله، ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولا تَضُرُّوا الله بترككم النَّفير ومَعْصيتكم إياه شيئًا؛ لأنه لا حاجة به إليكم، بل أنتم أهل الحاجة إليه، وهو الغني عنكم وأنتم الفقراء، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقول جل ثناؤه: والله على إهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم، وعلى كل ما يشاءُ من الأشياء قدير. وقد ذُكر أن العذاب الأليم في هذا الموضع كان احْتباسَ القَطْرِ عنهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنى عبد المؤمن بن خالد الحنفى، قال: ثنى نَجدَةُ الخُراسانى، قال: سَمِعتُ ابن عباس وسُئِل عن قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال: إن رسول الله ﷺ اسْتَنْفَر حَيًّا مِن أحياءِ العرب فَتَثاقلوا عنه، فأُمْسِكَ عنهم المَطَرُ، فكان ذلك عذابهم، فذلك قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، عن نجدة، قال: سألتُ ابن عباس. فذكر نحوه، إلا أنه قال: فكان عذابهم أن أمسك عنهم المَطَرُ. حدثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا

стр. 7837

يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: اسْتَنَفَر اللهُ المؤمنين في لَهَبَانِ الحَرِّ في غزوة تبوكَ قِبَلَ الشام، على ما يعلمُ اللهُ مِن الجَهْدِ. وقد زَعَم بعضُهم أن هذه الآية منسوخةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢١]. فنَسَخَتها الآيةُ التي تَلَتْها (١): ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢) [التوبة: ١٢٢]. قال أبو جعفر: ولا خبر بالذي قال عكرمة والحسنُ مِن نسخ حكم هذه الآية التي ذَكَرا (٣) يجب التسليم له، ولا حُجَّةَ باتٌّ (٤) بصحة ذلك، وقد رأى ثبوت الحكم بذلك عددٌ من الصحابة والتابعين سنذكُرُهم بعد. وجائزٌ أن يكون قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. لخاصٍّ من الناس، ويكون المراد به من اسْتَنفَرَه رسول الله ﷺ فلم يَنْفِرْ، على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباسٍ. وإذا كان ذلك كذلك، كان قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا

стр. 7838

كَافَّةً﴾. نَهْيًا مِن الله المؤمنين عن إخلاءِ بلادِ الإسلام بغير مؤمنٍ مقيمٍ فيها، وإعلامًا منه (١) لهم أن الواجب مِن (٢) النَّفْرِ على بعضهم دون بعضٍ، وذلك على من اسْتُنْفِرَ منهم دونَ مَن لم يُسْتَنفَرْ. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في إحدى الآيتين نسخٌ للأخرى، وكان حكم كلِّ واحدة منهما ماضيًا فيما عُنيَتْ به. القول في تأويل قوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. وهذا إعلامٌ من الله أصحاب رسوله ﷺ أنه المتوكِّل بنصرة (٣) رسوله على أعداء دينه، وإظهاره عليهم دونَهم، أعانوه أو لم يُعينوه، وتذكيرٌ منه لهم فعل ذلك به، وهو من العددِ في قلة والعدوُّ في كثرةٍ، فكيف به وهو من العددِ في كثرة والعدوُّ في قلَّةٍ؟ يقول لهم جلّ ثناؤه: إلَّا تنفروا أيها المؤمنون مع رسولى إذا اسْتَنفَرَكم فتَنْصُروه، فالله ناصِرُه ومُعِينه على عدوِّه، ومُغْنِيه عنكم وعن معونتكم ونُضرتكم، كما نَصَره ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللَّهِ مِن قريش من وطنه وداره، ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ: أَخْرَجُوه وهو أحد الاثنين، أي: واحدٌ من الاثنين. وكذلك تقول العربُ: هو ثاني اثنين. يعنى: أحد الاثنين، و: ثالث ثلاثة. و: رابع أربعة. يعنى: أحد الثلاثة، وأحد الأربعة. وذلك خلافُ قولهم: هو أخو

стр. 7839

ستة، وغلام سبعة. لأن الأخ والغلامَ غيرُ الستة والسبعة، وثالث الثلاثةِ أحد الثلاثة وإنما عَنَى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾. رسول الله ﷺ ، وأبا بكرٍ ﵁؛ لأنهما كانا اللذين خَرَجا هاربين مِن قريش، إِذ هَمُّوا بِقَتْلِ رسولِ الله ﷺ ، واخْتَفَيا في الغارِ. وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾. يقول: إذ رسول الله ﷺ وأبو بكر، ﵁، في الغارِ. والغارُ: النَّقْبُ (١) العظيم يكونُ في الجبل، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾. يقولُ: إذ يقول رسولُ اللهِ لصاحبه أبي بكرٍ: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾. وذلك أنه خافَ مِن الطَّلَبِ أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿لَا تَحْزَنْ﴾. لأنَّ اللَّهَ مَعَنا والله ناصرُنا، فلن يعلم المشركون بنا، ولن يَصِلوا إلينا. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فقد نَصَره الله على عدوّه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة العدد، فكيف يَخْذُلُه ويُحْوِجه إليكم وقد كثر الله أنصاره وعدد جنوده؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾. ذَكَر ما كان في أوَّلِ شأنه حينَ بَعَثه.

стр. 7840

يقولُ الله: [فأنا فاعلٌ ذلك به وناصِرُه، كما نَصَرْتُه إذ ذاك] (١) وهو ثاني اثنين (٢). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾. قال: ذَكَر ما كان في أوَّلِ شأنه حينَ بُعِث، فالله فاعل به كذلك، ناصِرُه كما نَصَره إذ ذاك ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾. قال: فكان صاحبه أبو بكر، وأما الغارُ فجبلٌ بمكة يقال له: ثَوْرٌ (٣). حدثنا عبد الوارث بنُ عبدِ الصمد، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عُرْوةَ، عن عُرْوةَ، قال: لما خرج النبي ﷺ وأبو بكرٍ، ﵁، وكان لأبي بكرٍ منيحةٌ (٤) مِن غَنَمٍ تروح على أهله، فأرسل أبو بكرٍ عامر بن فهيرة في الغنم إلى ثورٍ. وكان عامرُ بنُ فُهَيرةَ يَرُوحُ بتلك الغنم على النبي ﷺ بالغار في ثورٍ، وهو الغارُ الذي سَمَّاه الله في القرآن (٥). حدثني يعقوب بن إبراهيم بن جُبَيرٍ الواسِطِيُّ، قال: ثنا عَفَّانُ وحبَّانُ، قالا: ثنا همامٌ، عن ثابت، عن أنس، أن أبا بكرٍ، ﵁، حَدَّثهم قال: بَيْنَا أنا مع رسول الله ﷺ في الغار وأقدامُ المشركين فوق رءوسنا، فقلتُ: يا رسول الله، لو أن

стр. 7841

أحدَهم رَفَع قَدَمَه أَبْصَرَنا. فقال: "يا أبا بكرٍ، ما ظَنُّك باثْنَين الله ثالثهما؟ " (١). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شَرِيكٍ، عن إبراهيم بن مهاجرٍ، عن مجاهد، قال: مَكَثَ أبو بكرٍ مع النبي ﷺ في الغارِ ثلاثًا (٢). حدثنا محمد بن عبد الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾. قال: في الجبل الذي يُسَمَّى ثورًا، مَكث فيه رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ ثلاث ليالٍ (٣). حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبيه، أن أبا بكر الصديق، ﵁، حينَ خَطَب قال: أَيُّكُم يَقْرَأُ سورةَ التوبة؟ قال رجلٌ: أنا. قال: اقرأ. فلما بَلَغ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾. بَكَى أبو بكر وقال: أنا والله صاحِبه (٤). القول في تأويل قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾.

стр. 7842

يقول تعالى ذكره: فأنزل الله طُمأنينته وسُكونه على رسوله. وقد قيل: على أبي بكر. ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾. يقولُ: وقَوَّاه بجنود من عنده من الملائكة لم تَرَوْها أنتم، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١): وهى كلمة الشِّرْكِ، ﴿السُّفْلَى﴾: لأنها قُهِرَت وأُذلَّت، وأبطَلَها الله تعالى، ومَحَق أهلها، وكلُّ مَقهورٍ ومَغلوب فهو أسفلُ مِن الغالب، والغالب هو الأعلى، ﴿وَكَلِمَةُ﴾. يقولُ: ودين الله وتوحيده وقول لا إله إلا الله، [وهى] (٢) كلمته، ﴿الْعُلْيَا﴾: على الشِّرْكِ وأهله، الغالية (٣). كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾: وهى الشِّرْكُ باللَّهِ، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾: وهى لا إله إلا الله (٤). وقوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾. خبر مبتدأٌ، غيرُ مردودٍ على قوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾؛ لأن ذلك لو كان معطوفًا على الكلمة الأولى لكان نَصْبًا. وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فإنه يعنى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في انتقامِه مِن أهل الكفر به، لا يَقْهَرُه، قاهِرٌ، ولا يَغْلِبُه غالب، ولا يَنْصُرُ (٥) مَن عاقبه ناصرٌ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تَدْبيره خَلْقَه، وتَصْرِيفِه إياهم في مَشِيئَتِه.

стр. 7843

القول في تأويل قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. اختلف أهل التأويل في معنى الخِفَّةِ والثِّقَل، اللذين أمَر اللهُ مَن كان به أحدهما بالنفر معه؛ فقال بعضُهم: معنى الخِفَّةِ التي عَناها الله في هذا الموضعِ، الشبابُ، ومعنى الثِّقَل الشَّيخوخةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن رجل، عن الحسن، في قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: شِيبًا وشُبَّانًا. حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا حَفْصٌ، عن عمرو، عن الحسنِ، قال: شُيُوخًا وشُبَّانًا (١). قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن عليّ بن زيدٍ، عن أنس، عن أبي طَلْحَةَ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: كُهولًا وشُبّانًا، ما أسْمَعُ الله عَذَرَ أَحَدًا (٢). فَخَرَج إلى الشام، فجاهد حتى مات (٣). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّام، عن عَنبسةَ، عن المُغِيرَةِ بن النُّعْمَانِ، قال:

стр. 7844

كان رجلٌ من النَّخَعِ، وكان شَيْخًا بادِنًا (١)، فأرادَ الغزو، فمنعه سعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فقال: إن الله يقولُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. فأَذِنَ له سعد. فقُتِل الشيخُ، فسأل عنه بعدُ عمرُ، فقال: ما فَعَل الشيخُ الذي كأنه (٢) من بني هاشمٍ؟ فقالوا: قُتِل يا أمير المؤمنين. حدَّثنا ابن وَكِيع، قال: ثنا يزيدُ بن هارون، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: الشابُّ والشيخُ (٣). قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ، عن إسماعيلَ، عن عِكرمةَ، قال: الشابُّ والشيخُ (٤). قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاك: كُهولًا وشُبَّانًا. قال: ثنا حَبُّويَة (٥) أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفر بن حميد، عن بِشرِ بن عَطِيَّةَ: كُهولًا وشُبَّانًا. حدَّثنا الوليدُ، قال: ثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مُسْلم، عن بُكَيرِ (٦) ابن مَعْروفٍ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ، في قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: شُبَّانًا وكُهُولًا. حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 7845

نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: شَبَابًا وشُيُوخًا، وأغنياءَ ومساكيَن. حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسنُ: شُيُوخًا وشُبَّانًا (١). حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثنا حريزٌ (٢)، قال: ثنى حِبَّانُ (٣) بنُ زيدٍ الشَّرْعَبِيُّ، قال: نَفَرْنا مع صفوان بن عمرو، وكان واليًا على حِمْصَ قِبَلَ الأُفْسُوسِ (٤)، إلى الجَرَاجمةِ (٥)، فَلَقِيتُ شَيْخًا كبيرًا هِمًّا (٦) قد سَقَط حاجِباه على عَيْنَيْهِ مِن أهل دمشقَ على راحلته فيمَن أغارَ، فأقبَلتُ عليه فقلتُ: يا عم، لقد أعذَر الله إليك. قال: فرَفَع حاجبيه، فقال: يا ابن أخى، اسْتَنْفَرَنَا اللهُ خِفافًا وثِقالًا، مَن يُحِبَّه الله يَبْتَلِه، ثم يُعِيدُه فيَبْتَليه (٧)، وإنما يتبتلى الله من عبادِه مَن شَكَر وصَبَر وذَكَر ولم يَعْبُدُ إلا الله. حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: كلُّ شَيْخٍ وشابٍّ. وقال آخرون: معنى ذلك مَشاغِيلُ وغيرُ مَشاغِيلَ.
следующие страницы →