← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾. يقول تعالى ذكرُه: وإما نُرِيَنَّك يا محمد في حياتك بعض الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين من قومك من العذابِ، ﴿أَو نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نُرِيَك ذلك فيهم، ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾. يقول: فمصيرهم بكلِّ حالٍ إلينا، ومُنْقَلَبُهم، ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾. يقول جل ثناؤُه: ثم أنا شاهدٌ على أفعالِهم التي كانوا يَفْعَلونها في الدنيا، وأنا عالمٌ بها لا يَخْفَى على شيءٌ منها، وأنا مُجازيهم بها عندَ مصيرِهم إليَّ ومَرجعهم جزاءهم الذى يَسْتَحِقُونه. كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾: من العذاب في حياتِك، ﴿أَو نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: قبلُ، ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكلِّ أمةٍ خَلَتْ قبلكم أيها الناسُ رسولٌ أرسَلتُه إليهم،

стр. 8262

كما أرسَلت محمدا إليكم، يدعون مَن أرسلتهم إليهم إلى دين الله وطاعته، ﴿فَإذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾. يعنى: في الآخرةِ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريج، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾. قال: يومَ القيامةِ (١). وقوله: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: قُضِيَ حينئذ بينَهم بالعدلِ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ مِن جزاءِ أعمالِهم شيئًا، ولكن يُجازَى المحسنُ بإحسانِه، والمسيءُ مِن أهل الإيمانِ؛ إما أن يُعاقِبَه اللهُ، وإما أن يعفوَ عنه، والكافرُ يُخلَّدُ في النارِ، فذلك قضاءُ اللهِ بينَهم بالعدل، وذلك لا شك عدل لا ظلمٌ. حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾. قال: بالعدلِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾. يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ : ويقولُ هؤلاء المشركون مِن قومِك يا محمدٌ: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الذى تَعِدُنا أنه يأتينا من عندِ اللهِ، وذلك قيامُ الساعةِ؟ ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: أنتَ ومَن تَبِعَك فيما تَعِدوننا به مِن ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لمُستَعجِليك وعيدَ الله، القائلين لك: متى

стр. 8263

يَأتِينا الوعدُ الذى تَعِدُنا إن كنتم صادقين: ﴿قُلْ لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ أيُّها القومُ، أي: لا أقدِرُ لها على ضُرٍّ ولا نفع في دنيا ولا دين، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ أن أملِكَه، فأجْلِبَه إليها بإذنه. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيه ﷺ : قلْ لهم: فإذ كنتُ لا أقدِرُ على ذلك إلا بإذنه، فأنا عن القدرة على الوصول إلى علم الغيب، ومعرفة قيامِ الساعِة أعجزُ وأعجَزُ، إلا بمشيئتِه وإذنِه لي في ذلك. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾، يقول: لكلِّ قومٍ ميقاتٌ لانقضاءِ مُدَّتِهم وأجلهم، فإذا جاء وقتُ انقضاء أجلهم وفناء أعمارِهم، لا يَستأخرون عنه ساعةً، فيُمهلون ويؤخَّرون، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قبلَ ذلك؛ لأن اللهَ قد قضَى أن لا يتقدَّمَ ذلك قبلَ الحين الذى قدَّرَه وقَضاه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومِك: أرأيتم إن أتاكم عذابُ اللّهِ بيانًا -يقولُ: ليلا- أو نهارًا، وجاءت الساعةُ، وقامَت القيامةُ، أتقدِرون على دفع ذلك عن أنفسِكم؟ يقولُ الله تعالى ذكرُه: ماذا يَستَعجِلُ مِن نزول العذاب المجرمون الذين كَفَروا بالله، وهم الصالون بحره دون غيرهم، ثم لا يقدرون على دفعه عن أنفسهم؟ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أهنالك إذا وَقَعَ عذاب الله بكم أيُّها المشركون، ﴿آمَنتُم بِهِ﴾. يقولُ: صَدَّقتُم به في حالٍ لا ينفعُكم فيها التصديق، وقيل لكم حينَئذٍ: آلآن تُصَدِّقون به وقد كنتم قبلَ الآنَ به تستَعجِلون، وأنتم بنزوله مُكذِّبون؟ فذُوقوا الآن ما كنتُم به تُكذِّبون.

стр. 8264

ومعنى قوله: ﴿أَثُمَّ﴾. في هذا الموضعِ: أهنالك، وليست "ثُمَّ" هذه التي تأتى بمعنى العطفِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثُمَّ قِيلَ للَّذينَ ظلَموا أنفسَهم بكفرهم بالله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾: تَجرَّعوا عذابَ اللهِ الدَّائم لكم أبدا، الذي لا فناءَ له ولا زوالَ، ﴿إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: يقال لهم: فانظُروا، ﴿هَلْ تُجزَوْنَ﴾. أي: هل تُتابون ﴿إلا بما كنتم تكسِبُونَ﴾، يقولُ: إلا بما كنتم تَعْمَلُونَ في حياتكم قبل مماتكم من معاصى الله. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ويسْتخبِرُك هؤلاء المشركون من قومك يا محمد، فيقولون لك: أحقٌّ ما تقولُ وما تَعِدُنا به من عذاب الله في الدارِ الآخرةِ، جزاءً على ما كُنَّا نكسِبُ من معاصى الله في الدنيا؟ قل لهم يا محمد: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ لا شكَّ فيه، وما أنتم بمعجزى الله، إذا أرادَ ذلك بكم، بهربٍ أو امتناعٍ، بل أنتم في قبضته وسلطانه ومُلكِه، إذا أرادَ فعَل ذلك بكم، فاتَّقُوا اللهَ في أنفسِكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾.

стр. 8265

يقولُ تعالى ذكرُه: ولو أن لكلِّ نفسٍ كَفَرت باللَّهِ -وظُلْمُها في هذا الموضعِ: عبادتُها غيرَ مَن [تُستَحَقُّ عبادتُه] (١)، وتركُها طاعةَ من يجب عليها (٢) طاعتُه- ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِن قليلٍ أو كثيرٍ، ﴿لافتَدَتْ بِهِ﴾. يقول: لافتدت بذلك كلِّه من عذابِ اللهِ إذا عايَنَته. وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾. يقولُ: وأَخْفَتْ رؤساء هؤلاء المشركين مِن وُضَعائِهم وسَفِلَتِهم الندامةَ، حين أبْصَروا عذاب الله قد أحاط بهم، وأيْقَنُوا أنه واقعٌ بهم، ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: وقَضَى اللَّهُ يومَئِذٍ بينَ الأتباع والرؤساء منهم بالعدل، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ وذلك أنه لا يُعاقِبُ أحدًا منهم إلا بجَرِيرتِه، ولا يأخُذُه (٣) بذنبِ أحدٍ، ولا يُعذِّبُ إلا من قد أعْذَرَ إليه في الدنيا وأَنذَرَ، وتابَعَ عليه الحُججَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥)﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه: ألا إن كلَّ ما في السماواتِ وكل ما في الأرضِ مِن شيءٍ للهِ مِلكٌ، لا شيء فيه لأحدٍ سواه. يقولُ: فليس لهذا الكافر بالله يومئذ شيءٌ يملكُه، فيَفْتَدِىَ به من عذاب ربه، وإنما الأشياء كلُّها للذى إليه عقابه، ولو كانت له الأشياء التي هي في الأرضِ ثم افتَدَى بها (٤)، لم يَقْبَلْ منه بدلا من عذابه فيصرِفَ بها عنه العذابَ، فكيف وهو لا شيء له يَفْتدِى به منه، وقد حق عليه عذابُ اللهِ؟ يقولُ اللَّهُ

стр. 8266

جلّ ثناؤه: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. [يعنى: أن عذابه الذي أوعد هؤلاء المشركين على كفرهم حَقٌّ] (١)، فلا عليهم أن لا يستعجلوا به، فإنه بهم واقعٌ لا شكَّ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يَعلَمون حقيقةَ وقوع ذلك بهم، فهم مِن أجلِ جَهْلِهم به مكذِّبون. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله هو المُحيى المُميتُ، لا يَتَعذَّرُ عليه فعل ما أراد فعْلَه من إحياء هؤلاء المشركين إذا أراد إحياءَهم بعد مَماتِهم، ولا إماتَتِهم إذا أراد ذلك، وهم إليه يَصِيرون بعدَ مَماتِهم، فيُعايِنون ما كانوا به مُكذِّبين من وعيدِ الله وعقابه. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾. يقولُ تعالى ذكره لخلقه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتَكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن ربِّكُمْ﴾. يعني: ذكرى تُذَكِّرُكم عقابَ اللهِ، وتُخَوِّفُكم وعيدَه، ﴿مِن رَّبِّكُمْ﴾. يقولُ: من عند ربِّكم، لم يَخْتلِقها محمدٌ ﷺ ، ولم يَفْتَعِلْها أحدٌ، فتقولوا: لا نأْمَنُ أن تكونَ لا صحة لها. وإنما يعنى بذلك جلّ ثناؤُه القرآن، وهو الموعظةُ من الله. وقوله: ﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾. يقول: ودواءٌ لِما في الصدور من الجهلِ، يَشْفِى به الله جهلَ الجُهَّالِ، فيُبْرِئُ به داءَهم، ويَهْدِى به مِن خلقِهِ مَن أَرادَ هِدايتَه به، ﴿وَهُدًى﴾. يقولُ: وهو بيانٌ لحلالِ اللَّهِ وحرامِه، ودليلٌ (٢) على طاعته

стр. 8267

ومعصيتِه، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يَرْحَمُ بها مَن شَاءَ مِن خلقِه، فيُنْقِذُه به من الضلالة إلى الهُدى، ويُنَجِّيه به مِن الهلاكِ والرَّدَى، وجَعَلَه ﵎ رحمةً للمؤمنين به دونَ الكافرين به؛ لأن مَن كَفَرَ به فهو عليه عَمًى، وفي الآخرة جزاؤُه على الكفر به الخلودُ في لَظَى. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المكذِّبين (١) بك وبما أُنزِلَ إليك من عندِ ربِّك: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ أَيُّها الناسُ، الذى تَفَضَّلَ به (٢) عليكم، وهو الإسلامُ، فبَيَّنَه لكم، ودَعاكم إليه، ﴿وَبِرَحمتِهِ﴾ التي رَحِمكم بها، فأنزَلَها إليكم، فعَلَّمَكم ما لم تكونوا تَعْلَمون من كتابِه، وبَصَّرَكم بها معالم دينِكم، وذلك القرآنُ، ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. يقولُ: فإن الإسلام الذى دَعاهم إليه، والقرآن الذى أنزله عليهم، خيرٌ مما يَجْمَعون مِن حُطام الدنيا وأموالِها وكنُوزِها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال (٣) أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليُّ بن الحسن الأزْدِيُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الحجاجِ، عن عطيةَ، عن أبي سعيد الخدريِّ في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ

стр. 8268

فَلْيَفْرَحُوا﴾. قال: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾: القرآنُ، ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾: أن جَعَلَكُم مِن أهلِه (١). حدَّثني يحيى بن طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلٌ، عن منصورٍ، عن هلالِ بنِ يسَافٍ: ﴿قُلْ (٢) بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. قال: بالإسلام الذي هَداكم، وبالقرآن الذى عَلَّمَكم (٣). حدثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن هلال بن يسافٍ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: بالإسلام [والقرآن] (٤). ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الذهب والفضة (٥). حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن هلالِ بن يسافٍ في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: فضلُ الله الإسلامُ، ورحمتُه القرآن (٦). حدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال ابن يَسَافٍ في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: الإسلام والقرآنُ.

стр. 8269

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ وقبيصةُ، قالا: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن هلال بن يسافٍ مثله. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن هلالٍ مثلَه. حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾: أما فضلُه فالإسلام، وأما رحمته فالقرآنُ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: فضلُه الإسلام، ورحمتُه القرآنُ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: القرآنُ. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: القرآنُ (٣). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، [عن ابنِ جُرَيجٍ] (٤)، قال: قال ابن عباسٍ: قولُه: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قال: الأموالُ وغيرها (٥). حدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ

стр. 8270

عباسٍ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: فضلُه الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن هلالٍ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. قال: بكتاب الله، وبالإسلام ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢). وقال آخرون: بل الفضلُ القرآنُ، والرحمةُ الإسلامُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قال: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾: القرآنُ، ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ (٣) حينَ جَعَلَهُم مِن أهل القرآن (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هِشَامُ بنُ سعدٍ، عن زيد بن أسلم، قال: فضلُ اللَّهِ القرآنُ، ورحمتُه الإسلامُ (٥). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ قولَه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: ﴿بِفَضْلِ

стр. 8271

اللَّهِ﴾: القرآنُ، ﴿وبرحمته﴾: الإسلامُ (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿قل بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. قال: كان أبي يقولُ: فضلُه القرآنُ، ورحمتُه الإسلامُ (٢). واختَلَفَت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. فقَرَأَ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصار: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ بالياء، ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بالياء (٣) أيضًا (٤)، على التأويل الذى تأوَّلْناه مِن أنه خبرٌ عن أهل الشركِ بالله. يقولُ: فبالإسلام والقرآن الذى دَعاهم إليه، فلْيَفرَحْ هؤلاء المشركون، لا بالمال الذى يَجْمَعون، فإن الإسلام والقرآنَ خيرٌ مِن المال الذى يَجْمَعون. وكذلك حُدِّثت عن عبد الوهاب بن عطاءٍ، عن هارونَ، عن أبى التَّيَّاحِ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾: يعنى الكفار. ورُوِيَ عن أُبَيِّ بن كعبٍ في ذلك ما حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أسلم المِنْقَرِيِّ، عن (٥) عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى، عن أبيه، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، أنه كان يقرأُ: (فبذلك فلتَفْرَحوا هو خَيْرٌ مما تَجْمعون) بالتاء (٦). حدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن الأَجْلَحِ، عن

стр. 8272

عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى، عن أبيه، عن أُبَيِّ بن كعب مثل ذلك (١). وكذلك كان الحسنُ البَصْرِيُّ يقولُ، غير أنه فيما ذُكِرَ عنه كان يقرأُ قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بالياءِ، الأوَّلُ على وَجْهِ الخطابِ، والثاني على وَجْهِ الخبر عن غائبٍ. وكان أبو جعفر القارئُ -فيما ذُكِرَ عنه- يقرأُ ذلك نحوَ قراءة أُبَيٍّ، بالتاء جميعا (٢). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءة في ذلك (٣)، ما عليه قرأة الأمصار من قراءةِ الحرفَين جميعا بالياء: ﴿فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. لمعنيين؛ أحدهما: إجماعُ الحُجَّةِ مِن القرأة عليه. والثاني: صحتُه في العربية؛ وذلك أن العرب لا تكادُ تأمُرُ المخاطب باللامِ والتاءِ، وإنما تأمره فتقول: افعل ولا تفعلْ. وبعدُ: فإني لا أعلم أحدًا من أهل العربية إلا وهو يَسْتَرْدِئُ أَمَرَ المخاطَب باللام، ويرى أنها لغةٌ مرغوبٌ عنها، غير الفَرَّاءِ (٤)، فإنه كان يزعُمُ أَن "اللامَ" في [الأمر هى البناءُ] (٥) الذى خُلِقَ له، واجَهتَ به أم لم تُوَاجِه. إلا أن العرب حَذَفَت (٦) "اللام"

стр. 8273

مِن فعلِ المأمورِ المُواجَهِ؛ لكثرة الأمرِ خاصةً (١) في كلامِهم، كما حَذَفوا (٢) "التاءَ" مِن الفعلِ. قال: وأنت تعلمُ أن الجازم والناصبَ لا يَقَعان إلا على الفعل الذى أوله "الياءُ" و"التاءُ" و"النونُ" و"الألفُ"، فلما حُذفت "التاءُ": ذَهَبَت "اللامُ"، وأُحْدِثَت "الألفُ" في قولِك: اضرِبْ، وافرَحْ. لأن "الفاء" (٣) ساكنةٌ، فلم يَسْتَقِمْ أَن يُسْتأنف بحرف ساكنٍ، فأدخَلوا ألفًا خفيفةً يقعُ بها الابتداءُ، كما قال (٤): ﴿ادَّارَكُوا﴾ [الأعراف: ٣٨] و ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]. وهذا الذى اعْتَلَّ به الفراءُ عليه لا له؛ وذلك أن العرب إن كانت قد حَذَفَت "اللامَ": في المُواجَهِ وتَرَكَتْها، فليس لغيرها إذا نَطق بكلامها أن يُدْخِلَ فيه ما ليس منه، مادام مُتكلِّمًا بلغتها، فإن فعل ذلك كان خارجا عن لغتها. وكتاب (٥) الله الذى أنزله على محمدٍ بلسانها، فليس لأحدٍ أن يَتْلُوَه إلا بالأفصحِ من كلامها، وإن كان معروفًا بعضُ ذلك من لغة بعضِها، فكيف بما ليس بمعروف من لغة حيٍّ ولا قبيلةٍ منها، وإنما هو دَعْوى لا ثَبَتَ (٦) بها ولا صحةَ (٧). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾.

стр. 8274

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أَيُّها الناسُ، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾. يقولُ: ما خَلَقَ اللهُ لكم من الرزق فخَوَّلَكُموه، وذلك ما تَتَغَذَّون به مِن الأطعمةِ، ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾. يقولُ: فحَلَّلْتُم بعض ذلك لأنفسِكم، وحَرَّمْتُم بعضَه عليها. وذلك كتَحْريمِهم ما كانوا يُحَرِّمُونه مِن حُرُوثِهم التي كانوا يَجْعَلونها لأوثانِهم، كما وَصَفَهم اللهُ به، فقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦]. ومِن الأنعامِ ما كانوا يُحَرِّمونه بالتَّبْحِيرِ والتَّسْييب، ونحوِ ذلك، مما قَدَّمناه فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا (١). يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ بأن تُحَرِّموا ما حَرَّمْتم منه ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾، أي: تقولون الباطلَ وتَكْذِبون؟ وبنحوِ الذى قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، [عن عليٍّ] (٢)، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن أهلَ الجاهلية كانوا يُحَرَّمون أشياءَ أَحَلَّها اللهُ من الرزقِ (٣) وغيرَها، وهو قولُ اللهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾. وهو هذا. فأنزَل اللهُ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (٤) الآية [الأعراف: ٣٢].

стр. 8275

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ إلى قولِه: ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾. قال: هم أهلُ الشركِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾. قال: الحرثُ والأنعامُ. قال ابنُ جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: البَحائرُ والسُّيَّبُ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾. قال: في البَحِيرةِ والسَّائبةِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ الآية. يقولُ: كلُّ رزقٍ لم أُحَرِّمُ، حَرَّمْتُموه على أنفسِكم من نسائِكم وأموالِكم وأولادِكم، ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ فيما حَرَّمْتُم مِن ذلك، ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾. فَقَرَأَ حتى بَلَغَ ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾. وقَرَأَ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]. وقَرَأَ: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ

стр. 8276

وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ حتى بَلَغَ ﴿لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨]. فقال: هذا قولُه، جَعَلَ لهم رزقًا، فجعلوا منه حرامًا وحلالًا، وحَرَّموا بعضَه (١)، وأَحَلُّوا بعضَه. وقَرَأَ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]. أيَّ هذين حَرَّمَ على هؤلاء الذين يقولون وأحلَّ لهؤلاء؟ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣]. ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤]. إلى آخرِ الآياتِ. حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: هو الذى قال اللهُ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلى قولِه: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٢) [الأنعام: ١٣٦]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما ظَنُّ هؤلاء الذين يَتَخَرَّصون على اللهِ الكذبَ، فيُضِيفون إليه تحريم ما لم يُحرمه عليهم من الأرزاقِ والأقواتِ التى جعَلها اللهُ (٣) لهم غذاءً، أن الله فاعلٌ بهم يومَ القيامة بكذبِهم وفِرْيتِهم عليه؟ أيحسَبون أنه يَصْفَحُ عنهم ويغفرُ؟ كلا، بل يُصْلِيهم سعيرًا خالدين فيها أبدًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ

стр. 8277

عَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: إن اللهَ لذو تَفَضُّلٍ على خلقِه، بَتَرْكِهِ مُعاجَلَةَ مَنِ افْتَرَى عليه الكذبَ بالعقوبةِ فى الدنيا، وإمْهالِه إيَّاه، إلى وُرُودِه عليه في القيامةِ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثرَ الناس لا يَشْكُرونه على تَفَضُّلِه عليهم بذلك، وبغيرِه مِن سائرِ نِعَمِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَمَا تَكُونُ﴾ يا محمدُ ﴿فِي شَأْنٍ﴾. يعني: في عملٍ مِن الأعمالِ، ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾. يقولُ: وما تَقْرَأُ مِن كتابِ اللهِ مِن قرآنٍ، ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾. يقولُ: ولا تعمَلون (١) أيُّها الناسُ من خيرٍ أو شرٍّ، ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾. يقولُ: إلا ونحن شهودٌ لأعمالِكم وشُئونِكم، إذ تَعْمَلونها وتأخُذُون فيها. وبنحوِ الذى قُلنا في ذلك رُوِيَ القولُ عن ابنِ عباسٍ وجماعةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. يقولُ: إذ تَفْعَلون (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تُشِيعون فى القرآنِ الكذبَ.

стр. 8278

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن المسيَّبِ بن شَرِيكٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. يقول: تُشِيعون في القرآنِ مِن الكذبِ. وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تُفيضون في الحقِّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. فى الحقِّ ما كان (١). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وإنما اخْتَرْنا القولَ الذى اختَرْناه فيه؛ لأنه تعالى ذكرُه أخبرَ أنه لا يعملُ عبادُه عملًا إلا كان شاهدَه، ثم وَصَلَ ذلك بقولِه: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. فكان معلومًا أن قولَه: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. إنما هو خبرٌ منه عن وقتِ عمل العامِلِين أنه له شاهدٌ، لا عن وقتِ تلاوةِ النبيِّ ﷺ القرآن؛ لأن ذلك لو كان خبرًا عن شهودِه تعالى ذكرُه وقتَ إفاضةِ القومِ فى القرآنِ، لكانت القراءةُ بالياءِ: (إذ يُفِيضون فيه) خبرًا منه عن المُكَذِّبِين (٢) فيه.

стр. 8279

فإن قال قائلٌ: ليس ذلك خبرًا عن المُكذِّبِين (١)، ولكنه (٢) خطابٌ للنبيِّ ﷺ ، أنه شاهدُه إذ تَلَا القرآنَ. فإن ذلك لو كان كذلك، لكان التنزيلُ: (إذ تُفِيضُ فيه)؛ لأن النبيَّ ﷺ واحدٌ لا جمعٌ (٣)، كما قال: ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾. فأفرَده بالخطاب، ولكن ذلك في ابتدائِه خطابَه ﷺ بالإفرادِ، ثم عَوْدِه إلى إخراجِ الخطابِ على الجمعِ (٤)، نظيرَ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. وذلك أن في قولِه: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، دليلًا واضحًا على صَرْفِه الخطابَ إلى جماعةِ المسلمين مع النبيِّ ﷺ مع جماعةِ الناسِ غيرِه؛ لأنه ابتَدَأ خطابه، ثم صَرَفَ الخطابَ إلى جماعةِ الناسِ، والنبيُّ ﷺ فيهم. وخبرٌ عن أنه لا يعملُ أحدٌ من عبادِه عملًا إلا وهو له شاهدٌ، يُحْصِى عليه ويَعْلَمُه، كما قال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ يا محمدُ، عملُ خلقِه، ولا يذهبُ عليه علمُ شيءٍ حيثُ كان مِن أرضٍ أو سماءٍ. وأصلُه مِن عُزُوبِ الرجل عن أهلِه فى ماشيتِه، وذلك غيبتُه عنهم فيها. يقالُ منه: عَزَبَ الرجلُ عن أهلِه يَعْزُبُ، ويَعْزبُ، لغتان فصيحتان، قَرَأَ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القرأةِ، وبأيَّتِهما قَرَأَ القارئُ فمُصِيبٌ؛ لاتفاقِ مَعْنَيَيهما، واسْتِفاضتِهما فى منطقِ العربِ، غيرَ أنى أميلُ إلى الضَّمِّ فيه؛ لأنه أغلبُ على المشهورين مِن القرأةِ (٥).

стр. 8280

وقولُه: ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾. يعنى: مِن زِنَةِ نملةٍ صغيرةٍ؛ يُحْكَى عن العربِ: خُذْ هذا، فإنه أَخَفُّ مِثْقالًا مِن ذاك. أى أخفُّ وَزْنًا. والذَّرَّةُ واحدةُ الذَّرِّ، والذَّرُّ صِغارُ النملِ. وذلك خبرٌ عن أنه لا يَخْفَى عليه ﷻ أصغرُ الأشياءِ وإن خَفَّ فى الوزنِ كلَّ الخِفِّةِ، ومقاديرُ ذلك ومبلغُه، ولا أكبرُها وإن عَظُمَ وثَقُلَ وزنُه، وكم مبلغُ ذلك. يقولُ تعالى ذكرُه لخلقِه: فليكنْ عملُكم، أيُّها الناسُ، فيما يُرْضِى ربَّكم عنكم، فإنَّا شهودٌ لأعمالِكم، لا يَخْفَى علينا شيءٌ منها، ونحن مُحْصُوها ومُجازُوكم بها. واختلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾. فقرأ ذلك عامَّةُ القرأةِ بفتحِ "الراءِ" مِن ﴿أَصْغَرَ﴾ و ﴿أَكْبَرَ﴾ على أن معناها الخفضُ، عطفًا بالأصغرِ على الذَّرَّةِ، وبالأكبرِ على الأصغرِ، ثم فُتِحَت راؤُهما؛ لأنهما لا يَجْرِيان (١). وقَرَأَ ذلك بعضُ الكوفيِّين: (وَلا أَصْغَرُ مِن ذلك وَلَا أكْبَرُ) رفعًا (٢)؛ عطفًا بذلك على معنى المِثْقالِ؛ لأن معناه الرفعُ، وذلك أن "مِن" لو أُلِغيت (٣) من الكلامِ لرُفِعَ المِثْقَالُ، وكان الكلامُ حينَئذٍ: وما يَعْزُبُ عن ربِّك مثقالُ ذَرَّةٍ، ولا أصغرُ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، ولا أكبرُ. وذلك نحوُ قولِه: (مِنْ خَالِقٍ غَيْرِ اللهِ) و ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]. وأوْلى القراءتَين في ذلك بالصوابِ (٤) قراءةُ مَن قَرَأَ بالفتحِ، على وَجْهِ الخَفضِ والرَّدِّ على الذرَّةِ؛ لأن ذلك قراءةُ قرأةِ الأمصارِ، وعليه عوامُّ القرأةِ، وهو أصحُّ في

стр. 8281

العربية مَخْرَجًا، وإن كان للأخرى وَجْهٌ معروفٌ. وقولُه: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. يقولُ: وما ذاك كلُّه إلا في كتابٍ عندَ اللهِ، ﴿مُبِينٍ﴾، عن حقيقةِ خبر اللهِ لَمَن نَظَرَ فيه، أنه لا شيءَ كان أو يكونُ إلا وقد أحْصَاه اللهُ جلّ ثناؤُه فيه، وأنه لا يَعْزُبُ عن اللهِ علمُ شيءٍ مِن خلقِه حيث كان مِن سمائِه وأرضِه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ: لا يَغِيبُ عنه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيد (٢) اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبى يحيى، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾. قال: ما يَغِيبُ عنه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن أنصارَ اللهِ لا خوفٌ عليهم في الآخرةِ مِن عقابِ اللهِ؛ لأن اللهَ رَضِيَ عنهم، فَآمَنَهم مِن عقابِه، ولا هم يَحْزَنون على ما فاتَهم مِن الدنيا. والأولياءُ: جمعُ وَليٍّ، وهو النصيرُ. وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهدِه (٤).

стр. 8282

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيمَن يَسْتَحِقُّ هذا الاسمَ؛ فقال بعضُهم: هم قومٌ يُذْكَرُ اللهُ لرؤيتِهم؛ لما عليهم مِن سِيما الخيرِ والإخْبات. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال: الذين يُذْكَرُ اللهُ لرُؤْيتِهم (١). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أَشْعَثَ بنِ إِسحاقَ، عن جعفرِ بن أبى المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن العلاءِ بنِ المُسَيَّبِ، عن أبي الضُّحَى مثلَه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن العلاءِ بنِ المُسَيَّبِ، عن أبيه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال: الذين يُذْكَرُ اللهُ لرُؤْيتِهم. قال: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ وعُبَيدُ اللهِ، عن سفيانَ، عن العلاءِ بنِ المُسَيَّبِ، عن أبي الضُّحَى، قال: سمعتُه يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال: من الناسِ مفاتيحُ، إذا رُءُوا ذُكِر اللهُ لرُؤْيتِهم (٣).

стр. 8283

قال: ثنا أبي، عن مِسْعَرٍ، عن سهلٍ أبي (١) الأسدِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن أولياءِ اللهِ، فقال: "الذين إذا رُءُوا ذُكِرَ اللهُ" (٢). قال (٣): ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال: الذين إذا رُءُوا ذُكِر اللهُ لرُؤْيتِهم (٤). قال: ثنا [أبو يزيدَ] (٥) الرازيُّ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيَرٍ، [عن النبيِّ ﷺ قال: "هم الذين إذا رُءُوا ذُكِرَ اللهُ" (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا فُرَاتٌ، عن أبي سعدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ] (٧)، قال: سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن أولياءِ اللهِ، قال: "هُمُ الذين إذا رُءُوا ذُكِرَ اللهُ" (٨). قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا العَوَّامُ، عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي

стр. 8284

الهُذَيلِ فى قولِه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. قال: إن وليَّ اللهِ إذا رُئِيَ ذُكِر اللهُ. وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ (١) فُضَيلٍ، قال: ثنا أبي، عن عمارةَ بنِ القَعْقاعِ الضَّبِّيِّ، عن أبي زُرْعةَ بنِ (٢) عمرِو بنِ جريرٍ (٣) البَجَلِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِن عِبادِ اللهِ عبادًا يَغْبِطُهم الأنبياءُ والشهداءُ". قيل: مَن هم يا رسولَ اللهِ، فلعلنا نحبُّهم؟ قال: "هم قومٌ تَحابُّوا في اللهِ مِن غيرِ أموالٍ ولا أنسابٍ (٤)، وجوهُهم (٥) نورٌ، على منابرَ مِن نورٍ، لا يَخافُون إذا خافَ الناسُ، ولا يَحْزَنون إذا حَزِنَ الناسُ". وقرَأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (٦). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عمارةَ، عن أبي زُرْعَةَ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِن عِبادِ اللهِ لأُناسًا، ما هم بأنبياءَ ولا شهداءَ، يَغْبِطُهم الأنبياءُ والشهداءُ يومَ القيامةِ بمكانِهم مِن اللهِ". قالوا: يا رسولَ اللهِ، أخبرْنا مَن هم، وما أعمالُهم، فإنَّا نحبُّهم لذلك؟ قال: "هم قومٌ تَحابُّوا في

стр. 8285

اللهِ، [بروحِ اللهِ] (١)، على غيرِ أرحامٍ بينَهم، ولا أموالٍ يَتَعاطَونها، فواللهِ إن وجوهَهم لنورٌ، وإنهم لعلى نورٍ، لا يَخافون إذا خافَ الناسُ، ولا يَحْزنون إذا حَزِنَ الناسُ". وقَرَأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (٢). حدَّثنا [بحرُ بنُ نصرٍ] (٣) الخَوْلانيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ حسانَ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ، قال: ثنا شَهْرُ بنُ حوشبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يأتى مِن أفْناءِ الناسِ ونَوازعِ القبائلِ، قومٌ لم تَصِلْ (٤) بينَهم أرحامٌ متقارِبةٌ تَحابُّوا فى اللهِ، وتَصَافَوا فِى اللهِ، يَضَعُ اللهُ لهم يومَ القيامةِ منابرَ مِن نورٍ، فيُجْلِسُهم عليها، يَفْزَعُ الناسُ فلا يَفْزَعون، وهم أولياءُ اللهِ الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنون" (٥). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: الوليُّ -أعنى وليَّ اللهِ- هو مَن كان

стр. 8286

بالصفةِ التى وَصَفَه اللهُ بها، وهو الذى آمَن واتَّقَى، كما قال اللهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك كان ابنُ زيدٍ يقولُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ مَن هم يا ربِّ؟ قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. قال: أبَى أن يتقبَّلَ الإيمانَ إلا بالتقوى (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين صَدَّقوا اللهَ ورسولَه، وما جاء به من عندِ اللهِ، وكانوا يَتَّقُون اللهَ (٢) بأداءِ فرائضِه، واجْتنابِ معاصيه. وقولُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: مِن نعتِ الأولياءِ. ومعنى الكلامِ: ألا إن أولياءَ الله الذين آمنوا وكانوا يَتَّقُون، لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزنون. فإن قال قائلٌ: فإذ كان معنى الكلامِ ما ذكرتَ عندَك، أفي موضعِ رفعٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أم في موضعِ نصبٍ؟ قيل: في موضعِ رفعٍ، وإنما كان كذلك وإن كان مِن نعتِ الأولياءِ؛ لمَجيئِه بعدَ خبرِ الأولياءِ، والعربُ كذلك تفعلُ، خاصةً فى "إن" إذا جاء نعتُ الاسمِ الذى عَمِلَت فيه بعدَ تمامِ خبرِه، رَفَعوه فقالوا: إن أخاك قائمٌ الظريفُ (٣). كما قال اللهُ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨]، وكما قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ

стр. 8287

تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]. وقد اختَلَف أهلُ العربيةِ فى العلَّةِ التي مِن أجلِها قيل ذلك كذلك، مع أن إجماعَ جميعِهم على أن ما قُلنا هو الصحيحُ مِن كلامِ العربِ، وليس هذا مِن مواضعِ الإبانةِ عن العِلَلِ التى من أجلِها قيل ذلك كذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: البُشْرَى مِن اللهِ فى الحياةِ الدنيا وفي الآخرةِ، لأولياءِ اللهِ الذين آمَنوا وكانوا يَتَّقُون. ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في البُشْرَى التي بَشَّرِ اللهُ بها هؤلاء القومَ، ما هي؟ وما صفتُها؟ فقال بعضُهم: هى الرؤيةُ الصالحةُ يَراها الرجلُ المسلمُ أو تُرَى له، وفي الآخرةِ الجنةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن ذكوانَ، عن شيخٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال النبيُّ ﷺ : "الرُّؤيا الصالحةُ يَرَاها المؤمنُ أو تُرَى له" (١).

стр. 8288

حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنى أبى، قال: أخبَرنا الأوزاعيُّ، قال: أخبَرنى يحيى بنُ أبى كثيرٍ، قال: ثنى أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: سأل عبادةُ ابنُ الصامتِ رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لقد سأَلْتَني عن شيءٍ ما سَألَنِي عنه أحدٌ قبلَك" -أو قال: غيرُك- قال: "هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ الصالحُ، أو تُرَى له" (١). حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، عمَّن ذَكَره، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عُبادة بن الصامتِ، قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ أو تُرَى له" (١). حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: ثنا مسلمٌ، قال: ثنا أبانٌ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن عُبادةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٢).

стр. 8289

حدَّثنا ابن المُثَنَّى وعثمانُ (١) بن عمر، قالا: ثنا عليٌّ، عن (٢) يحيى، عن أبي سَلَمةَ، قال: نُبِّئْتُ أن عُبادةَ بنَ الصامتِ سَأَل رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال: "سألْتَنِي عن شيءٍ ما سألَنِي عنه أحدٌ قَبْلَك، هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ أو تُرَى له" (٣). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعْمشِ، عن أبي صالحٍ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ مِن أهلِ مصرَ، عن أبي الدرداءِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: سأل رجلٌ أبا الدرداءِ عن هذه الآيةِ، فقال: لقد سألتَني عن شيءٍ ما سَمِعتُ أحدًا سألَ عنه بعدَ رجلٍ سأل عنه رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ المسلمُ أو تُرَى له، بُشْرَاه في الحياةِ الدنيا، وبُشْرَاه فى الآخرةِ الجنةُ" (٤). حدَّثني سعيدُ بن عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن ابن المُنْكَدرِ (٥)، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ مِن أهلِ مصرَ، قال: سألتُ أبا الدرداءِ عن هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال: ما سألنى عنها أحدٌ منذُ سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ غيرُك، إلا رجلًا واحدًا؛ سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "ما سألَنِى عنها أحدٌ منذُ أنزَلَها اللهُ غيرُك إلا رجلًا واحدًا، هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ، أو تُرى له" (٦).

стр. 8290

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ المُنْكَدِرِ (١)، سَمِعَ عطاءَ ابن يسارٍ يخبرُ عن رجلٍ من أهلِ مصرَ أنه سأل أبا الدرداءِ عن: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. ثم ذَكَر نحوَ حديثِ سعيدِ بنِ عمرٍو السَّكُونيِّ، عن عثمانَ بنِ سعيدٍ. حدَّثنى أبو (٢) حُمَيدٍ الحِمْصِيُّ (٣) أحمدُ بنُ المغيرةِ، قال: ثني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عمرِو بنِ عبدٍ الأخمُوشيُّ، عن حُمَيدِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، قال: أتى رجلٌ عُبادةَ بنَ الصامتِ، فقال: آيةٌ في كتابِ اللهِ أسألُك عنها، قولُ اللهِ تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾؟ فقال عُبادةُ: ما سألَنِي عنها أحدٌ قبلَك، سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال مثلَ ذلك: "ما سألني عنها أحدٌ قبلَك، الرُّؤْيا الصالحةُ، يَرَاها العبدُ المؤمنُ في المنامِ أو تُرَى له" (٤). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الرُّؤْيا الحسنةُ، هى البُشْرَى يَرَاها المسلمُ أو تُرَى له" (٥). قال: ثنا أبو بكرٍ، عن أبي حُصَينٍ، عن أبي صالحٍ، قال: قال أبو هريرةَ: الرُّؤْيا

стр. 8291

الحسنةُ بُشْرَى مِن اللهِ، وهى المُبَشِّراتُ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ حاتمٍ المُؤدِّبُ، قال: ثنا عمارُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : " ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها العبدُ الصالحُ أو تُرَى له، وهي في الآخرةِ الجنةُ" (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا رِشْدينُ بنُ سعدٍ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن أبى السمحِ (٣)، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جُبَيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: " ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الرُّؤْيا الصالحة، يُبَشِّرُ بها العبد، جُزْءٌ من تسعةٍ وأربعين جزءًا من النبوة" (٤) حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن أيوبَ بنِ خالدِ بن صَفْوانَ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، أنه قال لرسولِ اللهِ ﷺ : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: فقد عَرَفْنَا بُشْرى الآخرةِ، فما بُشْرَى الدنيا؟ قال: "الرُّؤْيا الصالحةُ يرَاها العبدُ، أو تُرَى له، وهى جزءٌ مِن أربعةٍ وأربعين جزءًا، أو سبعين جُزْءًا من النبوَّةِ" (٥). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: ثنا يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، أنه سأل رسولَ الله ﷺ

стр. 8292

عن هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فقال: "لقد سألْتَنِي عن شيءٍ ما سألَنِي عنه أحدٌ من أمَّتى قبلَك؛ هى الرُّؤيا الصالحةُ يَراها المسلمُ أو تُرَى له، وفى الآخرةِ الجنةُ" (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أَبي يزيدَ، عن أبيه، عن سِباعِ بنِ (٢) ثابتٍ، عن أمِّ كُرْزٍ الكعبيةِ، سَمِعَت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ذهَبت النبوةُ وبَقيَت المُبَشِّراتُ" (٣). حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ، عن الأعْمشِ، عن ذَكْوانَ، عن رجلٍ، عن أبي الدرداءِ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: "الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها (٤) المسلمُ أو تُرَى له، وفي الآخرة الجنةُ" (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعْمشِ، عن أبي صالحٍ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن رجلٍ كان بمصرَ، قال: سألتُ أبا الدرداءِ عن هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال أبو الدرداء: ما سَأَلنى عنها أحدٌ منذُ سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "ما سألَنِي عنها أحدٌ قبلَك، هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ أو تُرَى له، وفى الآخرةِ الجنةُ" (٦).

стр. 8293

قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: "سألتُ النبيَّ ﷺ عن قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: "ما سألَنِي عنها أحدٌ غيرُك؛ هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ أو تُرَى له" (١). قال: ثنا جريرٌ، عن الأعْمشِ، عن أبي صالحٍ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي الدرداءِ في قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "ما سألني عنها أحدٌ قبلَك؛ هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها العبدُ أو تُرَى له، وفي الآخرةِ الجنةُ". قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعٍ، عن أبى صالحٍ -قال ابنُ عُيَينةَ: ثم سمِعتُه مِن عبدِ العزيزِ، عن أبي صالحٍ السَّمَّانِ- عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ مِن أهلِ مصرَ، قال: سألتُ أبا الدرداءِ عن هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: ما سَأَلنى عنها أحدٌ منذ سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "ما سألَنى عنها أحدٌ منذ أُنزِلَت عليَّ إلا رجلٌ واحدٌ؛ هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ أو تُرَى له" (٢). قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ (٣) بكرٍ السهميُّ، عن حاتمِ بن أبي صَغِيرةَ، عن عمرِو بنِ

стр. 8294

دينارٍ، أنه سألَ رجلًا من أهلِ مصرَ فَقِيهًا، قدِم عليهم في بعض تلك المواسم، قال: قلتُ: أَلَا تُخْبِرُني عن قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؟ قال: سألتُ عنها أبا الدرداءِ، فأخبرَني أنه سألَ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "هي الرُّؤْيا الحسنةُ يَرَاها العبدُ أو تُرَى له". قال: ثنا أبي، عن عليِّ بنِ مباركٍ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: "هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها العبدُ أو تُرَى له" (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ وأبو الوليدِ الطيالسيُّ، قالا: ثنا أبانٌ، قال: ثنا يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، قال اللهُ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال: "لقد سألتَني عن شيءٍ ما سألَنِى عنه أحدٌ قبلك، أو أحدٌ مِن أمَّتِى". قال: "هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ الصالحُ أو تُرَى له" (٢). قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عاصمِ بنِ بَهْدلةَ، عن أبي صالحٍ، قال: سمِعتُ أبا الدرداءِ، وسئل عن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: ما سَألَنى عنها أحدٌ قبلَك منذُ سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عنها، فقال: "ما سألَنِي عنها أحدٌ قبلَك؛ هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها العبدُ أو تُرَى له" (٣).

стр. 8295

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عُبَيدِ اللهِ ابنِ أبي يزيدَ، عن نافعٍ بنِ جُبَيرٍ، عن رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ، في قولَه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: "وهى الرُّؤْيا الحسنةُ يراها الإنسانُ أو تُرَى له". وقال ابنُ جُرَيجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن أبي الدرداءِ، أو ابنُ جُرَيجٍ، عن محمدِ بنِ المُنْكَدِر، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عنها، فقال: "هي الرُّؤْيا الصالحةُ". وقال ابنُ جُرَيجٍ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، قال: هي الرُّؤْيا يَرَاها الرجلُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن يحيى ابنِ أبي كثيرٍ، قال: هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلم أو تُرَى له (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن هشام بنِ عُرُوةَ، عن أبيه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها العبدُ الصالحُ (٢). قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ، قال: هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ أو تُرَى له (٣). قال: ثنا عبدةُ بنُ سليمانَ، عن طلحةَ القَنَّادِ، عن جعفرِ بن أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هى الرُّؤْيا الحسنةُ يَرَاها العبدُ المسلمُ لنفسِه أو لبعضِ إخوانِه (٤).

стр. 8296

قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يقولون: الرُّؤْيا مِن المُبَشِّراتِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ عنها، فقال: "ما سألني عنها أحدٌ مِن أمتى منذ أُنْزِلت عليَّ قبلَك". قال: "هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ لنفسِه أو تُرَى له". قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، عن العوَّامِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، أن ابنَ مسعودٍ قال: ذهَبَت النبوةُ، وبَقِيَت المُبَشِّراتُ. قيل: وما المُبَشِّراتُ؟ قال: الرُّؤْيا الصالحةُ يراها الرجلُ أو تُرى له (١). قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فهو قولُه لنبيِّه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٧]. قال: هى الرُّؤْيا الحسنةُ يَرَاها المؤمنُ أو تُرَى له (٢). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابن لَهِيعةَ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هى رُؤْيا الرجلِ المسلم يُبَشِّرُ بها في حياتِه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، أن دَرَّاجًا أبا السَّمْحِ حدَّثه، عن عبدِ الرحمنِ بن جُبَيرٍ، عن عبد اللهِ بنِ عمرٍو، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الرُّؤْيا الصالحة يُبَشِّرُ

стр. 8297

بها المؤمنُ، جزءٌ (١) مِن ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوةِ" (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن هشامٍ، عن أبيه في هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ أو تُرَى له. حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المُغيرةِ، قال: ثنا صفْوانُ، قال: ثنا حُمَيدُ ابنُ عبدِ اللهِ، أَن رجلًا سأَلَ عُبادةَ بنَ الصامتِ عن قولِ اللهِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال عبادةُ: لقد سألتَني عن أمرٍ، ما سألَني عنه أحدٌ قبلَك، ولقد سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عما سألتَني، فقال لي: "يا عُبادةُ، لقد سألتَنِي عن أمرٍ ما سألنِي عنه أحدٌ مِن أمتى، تلك الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المؤمنُ لنفسِه أو تُرَى له" (٣). وقال آخرون: هى بشارةٌ يُبَشِّرُ بها المؤمنُ في الدنيا عندَ الموتِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنث عبد الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ وقتادةَ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هي البِشارةُ عندَ الموتِ في الحياةِ الدنيا (٤).

стр. 8298

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يَعْلَى، عن أبى بسطامٍ، عن الضحاكِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: يعلمُ أين هو قبلُ [أن يموت] (١) (٢). وأَوْلى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخبرَ أن لأوليائِه المتقين، البُشْرَى فى الحياةِ الدنيا، ومن البشارةِ فى الحياةِ الدنيا الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ، أو تُرَى له. ومنها بُشْرَى الملائكةِ إياه عندَ خروجِ نفْسِه برحمةِ اللهِ، كما رُوي عن النبيِّ ﷺ : "إن الملائكةِ التي تَحْضُرُه عندَ خُرُوج نفْسِه، تقولُ لنفْسِه: اخْرُجِي إلى رحمةِ اللهِ ورضوانِه" (٣). وَمنها: بُشْرَى اللهِ إياه ما وَعَدَه فى كتابِه، وعلى لسانِ رسولِه ﷺ مِن الثوابِ الجزيلِ، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وكلُّ هذه المعاني من بُشْرى اللهِ إياه في الحياةِ الدنيا، بَشَّرَه بها. ولم يخصصِ اللهُ من ذلك معنًى دونَ معنًى، فذلك مما عَمَّه جلّ ثناؤُه أن ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وأمَّا في الآخرةِ فالجنةُ. وأما قولُه: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ فإن معناه: إن اللهَ لا خُلْفَ لوعدِه، ولا تغييرَ لقوله عما قال، ولكنه يُمْضِى لخلقِه مواعيدَه، ويُنْجِزُها لهم.

стр. 8299

وقد حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، قال: أطالَ الحجاجُ الخطبةَ، فوَضَع ابنُ عمرَ رأسَه فى حِجْرى، فقال الحجاجُ: إن ابنَ الزبيرِ بَدَّلَ كتابَ اللهِ. فَقَعَد ابنُ عمرَ فقال: لا تستطيعُ أنت ذاك ولا ابنُ الزبيرِ، ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾. فقال الحجاجُ: لقد أوتيتَ علمًا إن نفَعك (١). قال أيوبُ: فلما أقبَل عليه في خاصةِ نفسِه سَكَتَ (٢). وقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذه البشرى في الحياةِ الدنيا وفي الآخرةِ هى الفوزُ العظيمُ، يعنى: الظَّفَرَ بالحاجةِ والطَّلِبَةِ والنجاةِ من النار. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : لا يَحْزُنْك يا محمدُ قولُ هؤلاء المشركين فى ربِّهم ما يقولون، وإشراكُهم معه الأوثانَ والأصنامَ؛ فـ ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن اللهَ هو المُنفرِدُ بعزّةِ الدنيا والآخرةِ لا شريكَ له فيها، وهو المُنتقِمُ من هؤلاء المشركين القائلين فيه مِن القولِ الباطلِ ما يقولون، فلا يَنصُرُهم عندَ انتقامِه منهم أحدٌ؛ لأنه لا يُعازُّه شيءٌ، ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: وهو ذو السمعِ لِما يقولون مِن الفِرْيةِ والكذبِ عليه، وذو علمٍ بما يُضْمِرُونه في أنفسِهم ويُعْلِنونه، مُحْصى ذلك عليهم كلِّه، وهو لهم بالمرصادِ.

стр. 8300

وكُسرت "إِنَّ" من قولِه: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ لأن ذلك خيرٌ مِنَ اللهِ مبتدأٌ، ولم يَعْمَلْ فيها القولُ؛ لأن القولَ عُنِيَ به قولُ المشركين، وقولُه: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لم يكنْ من قبلِ المشركين، ولا هو خيرٌ عنهم أنهم قالوه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ﴾ يا محمدُ، كلَّ ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا وعبيدًا، لا مالكَ لشيءٍ مِن ذلك سِواه. يقولُ: فكيف يكونُ إلهًا معبودًا من يعبدُه هؤلاء المشركون مِن الأوثانِ والأصنامِ، وهى للهِ مِلْكٌ، وإنما العبادةُ للمالكِ دونَ المملوكِ، وللربِّ دونَ المربوبِ، ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: وأَيُّ شَيءٍ يَتَّبِعُ مَن يَدْعو من دونِ اللهِ، يعني: غيرَ اللهِ وسِواه، شركاءَ. ومعنى الكلامِ: أَيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ مَن يقولُ: للهِ شركاءُ فى سلطانِه ومُلْكِه. كاذبًا، واللهُ المُنْفرِدُ بمُلْكِ كلِّ شيءٍ في سماءٍ كان أو أرضٍ! ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. يقولُ: ما يَتَّبِعون في قيلِهم ذلك ودَعْواهم إلا الظَّنَّ، يقولُ: إِلا الشَّكَ لا اليقينَ، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. يقولُ: وإن هم إلا يَتَقَوَّلون الباطلَ تَظَنُّنًا وتَخَرُّصًا للإفكِ، عن غير علمٍ منهم بما يقولون. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ رَبَّكم أَيُّها الناسُ الذي اسْتوجَبَ عليكم العبادةَ ﴿هُوَ﴾ الربُّ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ وفَصَلَه مِن النهارِ ﴿لِتَسْكُنُوا فِيه﴾ مما كنتم فيه في نهارِكم مِن التَّعَبِ والنَّصَبِ، وتَهْدَءُوا فيه مِن التصرُّفِ والحركةِ
следующие страницы →