قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يقولون: الرُّؤْيا مِن المُبَشِّراتِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ عنها، فقال: "ما سألني عنها أحدٌ مِن أمتى منذ أُنْزِلت عليَّ قبلَك". قال: "هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ لنفسِه أو تُرَى له".
قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، عن العوَّامِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، أن ابنَ مسعودٍ قال: ذهَبَت النبوةُ، وبَقِيَت المُبَشِّراتُ. قيل: وما المُبَشِّراتُ؟ قال: الرُّؤْيا الصالحةُ يراها الرجلُ أو تُرى له (١).
قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فهو قولُه لنبيِّه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٧]. قال: هى الرُّؤْيا الحسنةُ يَرَاها المؤمنُ أو تُرَى له (٢).
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابن لَهِيعةَ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هى رُؤْيا الرجلِ المسلم يُبَشِّرُ بها في حياتِه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، أن دَرَّاجًا أبا السَّمْحِ حدَّثه، عن عبدِ الرحمنِ بن جُبَيرٍ، عن عبد اللهِ بنِ عمرٍو، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الرُّؤْيا الصالحة يُبَشِّرُ
стр. 8297
بها المؤمنُ، جزءٌ (١) مِن ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوةِ" (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن هشامٍ، عن أبيه في هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ أو تُرَى له.
حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المُغيرةِ، قال: ثنا صفْوانُ، قال: ثنا حُمَيدُ ابنُ عبدِ اللهِ، أَن رجلًا سأَلَ عُبادةَ بنَ الصامتِ عن قولِ اللهِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال عبادةُ: لقد سألتَني عن أمرٍ، ما سألَني عنه أحدٌ قبلَك، ولقد سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عما سألتَني، فقال لي: "يا عُبادةُ، لقد سألتَنِي عن أمرٍ ما سألنِي عنه أحدٌ مِن أمتى، تلك الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المؤمنُ لنفسِه أو تُرَى له" (٣).
وقال آخرون: هى بشارةٌ يُبَشِّرُ بها المؤمنُ في الدنيا عندَ الموتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنث عبد الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ وقتادةَ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هي البِشارةُ عندَ الموتِ في الحياةِ الدنيا (٤).
стр. 8298
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يَعْلَى، عن أبى بسطامٍ، عن الضحاكِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: يعلمُ أين هو قبلُ [أن يموت] (١)(٢).
وأَوْلى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخبرَ أن لأوليائِه المتقين، البُشْرَى فى الحياةِ الدنيا، ومن البشارةِ فى الحياةِ الدنيا الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ، أو تُرَى له. ومنها بُشْرَى الملائكةِ إياه عندَ خروجِ نفْسِه برحمةِ اللهِ، كما رُوي عن النبيِّ ﷺ : "إن الملائكةِ التي تَحْضُرُه عندَ خُرُوج نفْسِه، تقولُ لنفْسِه: اخْرُجِي إلى رحمةِ اللهِ ورضوانِه" (٣).
وَمنها: بُشْرَى اللهِ إياه ما وَعَدَه فى كتابِه، وعلى لسانِ رسولِه ﷺ مِن الثوابِ الجزيلِ، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وكلُّ هذه المعاني من بُشْرى اللهِ إياه في الحياةِ الدنيا، بَشَّرَه بها. ولم يخصصِ اللهُ من ذلك معنًى دونَ معنًى، فذلك مما عَمَّه جلّ ثناؤُه أن ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وأمَّا في الآخرةِ فالجنةُ.
وأما قولُه: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ فإن معناه: إن اللهَ لا خُلْفَ لوعدِه، ولا تغييرَ لقوله عما قال، ولكنه يُمْضِى لخلقِه مواعيدَه، ويُنْجِزُها لهم.
стр. 8299
وقد حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، قال: أطالَ الحجاجُ الخطبةَ، فوَضَع ابنُ عمرَ رأسَه فى حِجْرى، فقال الحجاجُ: إن ابنَ الزبيرِ بَدَّلَ كتابَ اللهِ. فَقَعَد ابنُ عمرَ فقال: لا تستطيعُ أنت ذاك ولا ابنُ الزبيرِ، ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾. فقال الحجاجُ: لقد أوتيتَ علمًا إن نفَعك (١). قال أيوبُ: فلما أقبَل عليه في خاصةِ نفسِه سَكَتَ (٢).
وقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذه البشرى في الحياةِ الدنيا وفي الآخرةِ هى الفوزُ العظيمُ، يعنى: الظَّفَرَ بالحاجةِ والطَّلِبَةِ والنجاةِ من النار.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : لا يَحْزُنْك يا محمدُ قولُ هؤلاء المشركين فى ربِّهم ما يقولون، وإشراكُهم معه الأوثانَ والأصنامَ؛ فـ ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن اللهَ هو المُنفرِدُ بعزّةِ الدنيا والآخرةِ لا شريكَ له فيها، وهو المُنتقِمُ من هؤلاء المشركين القائلين فيه مِن القولِ الباطلِ ما يقولون، فلا يَنصُرُهم عندَ انتقامِه منهم أحدٌ؛ لأنه لا يُعازُّه شيءٌ، ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: وهو ذو السمعِ لِما يقولون مِن الفِرْيةِ والكذبِ عليه، وذو علمٍ بما يُضْمِرُونه في أنفسِهم ويُعْلِنونه، مُحْصى ذلك عليهم كلِّه، وهو لهم بالمرصادِ.
стр. 8300
وكُسرت "إِنَّ" من قولِه: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ لأن ذلك خيرٌ مِنَ اللهِ مبتدأٌ، ولم يَعْمَلْ فيها القولُ؛ لأن القولَ عُنِيَ به قولُ المشركين، وقولُه: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لم يكنْ من قبلِ المشركين، ولا هو خيرٌ عنهم أنهم قالوه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ﴾ يا محمدُ، كلَّ ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا وعبيدًا، لا مالكَ لشيءٍ مِن ذلك سِواه. يقولُ: فكيف يكونُ إلهًا معبودًا من يعبدُه هؤلاء المشركون مِن الأوثانِ والأصنامِ، وهى للهِ مِلْكٌ، وإنما العبادةُ للمالكِ دونَ المملوكِ، وللربِّ دونَ المربوبِ، ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: وأَيُّ شَيءٍ يَتَّبِعُ مَن يَدْعو من دونِ اللهِ، يعني: غيرَ اللهِ وسِواه، شركاءَ. ومعنى الكلامِ: أَيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ مَن يقولُ: للهِ شركاءُ فى سلطانِه ومُلْكِه. كاذبًا، واللهُ المُنْفرِدُ بمُلْكِ كلِّ شيءٍ في سماءٍ كان أو أرضٍ! ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. يقولُ: ما يَتَّبِعون في قيلِهم ذلك ودَعْواهم إلا الظَّنَّ، يقولُ: إِلا الشَّكَ لا اليقينَ، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. يقولُ: وإن هم إلا يَتَقَوَّلون الباطلَ تَظَنُّنًا وتَخَرُّصًا للإفكِ، عن غير علمٍ منهم بما يقولون.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ رَبَّكم أَيُّها الناسُ الذي اسْتوجَبَ عليكم العبادةَ ﴿هُوَ﴾ الربُّ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ وفَصَلَه مِن النهارِ ﴿لِتَسْكُنُوا فِيه﴾ مما كنتم فيه في نهارِكم مِن التَّعَبِ والنَّصَبِ، وتَهْدَءُوا فيه مِن التصرُّفِ والحركةِ
стр. 8301
للمعاشِ، والعَناءِ الذى كنتم فيه بالنهارِ، ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. يقولُ: وجَعَل النهارَ مُبْصِرًا. فأضافَ الإبصارَ إلى النهارِ، وإنما يُبْصَرُ فيه، وليس النهارُ مما يُبْصِرُ. ولكن كان مفهومًا في كلامِ العربِ معناه، خاطَبَهم بما في لغتِهم وكلامِهم، وذلك كما قال جريرٌ (١):
لقد لُمْتِنَا يا أُمَّ غَيْلَانَ فِي السُّرَى … ونِمْتِ وما ليلُ المَطِيِّ بَنَائمِ
فأضافَ النومَ إلى الليلِ ووَصَفَه به، ومعناه نفسُه، أنه لم يكنْ نائمًا فيه هو ولا بَعِيرُه.
يقولُ تعالى ذكرُه: فهذا الذي يفعلُ ذلك، هو ربُّكم الذي خَلَقَكم وما تَعْبُدون، لا ما لا ينفعُ ولا يضرُّ، ولا يفعلُ شيئًا.
وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فى اختلافِ حالِ الليلِ والنهارِ، وحالِ أهلِهما فيهما، دلالةً وحُجَجًا على أن الذى له العبادةُ خالصًا بغيرِ شريكٍ، هو الذى خلَق الليلَ والنهارَ، وخالَفَ بينَهما؛ بأن جعَل هذا للخلقِ سَكَنًا، وهذا لهم معاشًا، دونَ مَن لا يخلقُ ولا يفعلُ شيئًا، ولا يَضُرُّ ولا ينفعُ.
وقال (٢): ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾؛ لأن المرادَ منه: الذين يَسْمَعون هذه الحُجَجَ ويتفكَّرون فيها، فيَعْتَبِرون بها ويَتَّعِظون، ولم يُرَدْ به الذين يَسْمَعون بآذانِهم، ثم يُعْرِضون عن عِبَرِه وعِظاتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا
стр. 8302
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال (١) هؤلاء المشركون باللهِ من قومِك يا محمدُ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. وذلك قولُهم: الملائكةُ بناتُ اللهِ. يقولُ اللهُ مُنَزِّهًا نفسَه عما قالوا وافْتَرَوا عليه من ذلك: سبحانَ اللهِ -تَنْزيهًا للهِ عما قالوا وادَّعَوا على ربِّهم- ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾. يقولُ: اللهُ غنيٌّ عن خلقِه جميعًا، فلا حاجةَ به إلى ولدٍ؛ لأن الولدَ إنما يَطْلُبُه مَن يَطْلُبُه، ليكونَ عونًا له فى حياتِه، وذكرًا له بعدَ وفاتِه، واللهُ عن كلِّ ذلك غنيٌّ، فلا حاجةَ به إلى مُعِينٍ يُعِينُه على تَدْبيرِه، ولا يَبِيدُ فيكونَ به حاجةٌ إلى خَلَفٍ بعدَه، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: للهِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ] (٢) مِلْكًا، والملائكةُ عبادُه ومِلْكُه، فكيف يكونُ عبدُ الرجلِ ومِلْكُه له ولدًا؟! يقولُ: أفلا تَعْقِلون أيُّها القومُ خطأَ ما تقولون؟ ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾. يقولُ: ما عندَكم أيُّها القومُ بما تقولون وتدَّعون مِن أن الملائكةَ بناتُ اللهِ، مِن حُجَّةٍ تَحْتجُّون بها -وهى السلطانُ- ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ﴾ قولًا (٣) لا تَعْلَمون حقيقتَه وصحتَه، وتُضِيفون إليه ما لا يجوز إضافتُه إليه جهلًا منكم بما تقولون بغيرِ حُجَّةٍ ولا برهانٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.
стр. 8303
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ فيتَقوّلون (١) عليه الباطلَ، ويَدَّعون له ولدًا، ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لا يَبْقَون (٢) في الدنيا،
ولكن لهم ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يُمَتَّعون به، وبلاغٌ يَتَبَلَّغون به إلى الأجلِ الذى كُتِبَ فناؤُهم فيه، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾. يقولُ: إذا انقَضَى أجلُهم الذى كُتِبَ لهم، إلينا مصيرُهم ومُنْقَلَبُهم، ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ وذلك إصلاؤُهم جهنمَ، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ باللهِ فى الدنيا، فيُكَذِّبون رسله، ويَجْحَدون آياته.
ورُفِعَ قولُه: ﴿مَتَاعٌ﴾ بُمُضْمَرٍ قبله؛ إما "ذلك"، وإما "هذا".
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ على هؤلاء المشركين الذين قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ مِن قومِك، ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾. يقولُ خبرَ نوحٍ، ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾. يقولُ: إن كان عَظُمَ عليكم مَقامى بينَ أظهُرِكم وشَقَّ عليكم، ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يَقولُ: وَوَعْظِى إيَّاكم بحُجَجٍ اللهِ، وتَنْبِيهِى إياكم على ذلك، ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾. يقولُ: إن كان شَقَّ عليكم مَقامى بينَ أظهُرِكم، وتَذْكِيرى بآياتِ اللهِ، فعزَمتم على قَتْلى أو طَرْدِى مِن بينِ أَظْهُرِكم، فعلى اللهِ اتِّكالى وبه ثِقَتى، وهو سَنَدى وظَهْرى.
стр. 8304
﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾، يقولُ: فأعِدُّوا أمرَكم، واعزِمُوا على ما تُقْدمون عليه في أمْرِى.
يقالُ منه: أجمعتُ على كذا. بمعنى: عَزَمْتُ عليه، ومنه قولُ النبيِّ ﷺ : "مَن لم يُجْمِعْ على الصَّومِ مِن الليلِ فلا صَوْمَ له" (١). بمعنى: مَن لم يَعْزِم، ومنه قولُ الشاعرِ (٢):
يا لَيْتَ شِعْرِى والمُنَى لا تَنْفَعُ … هل أَغْدُونْ يومًا وأَمْرِى مُجْمَعُ
ورُوِى عن الأعْرجِ فى ذلك ما حدَّثني بعضُ أصحابِنا، عن عبدِ الوهابِ، عن هارونَ، عن أَسِيدٍ، عن الأعرجِ: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾. يقولُ: أَحْكِموا أمركم وادْعُوا شُرَكَاءَ كم (٣).
ونُصِبَ قوله: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ بفعلٍ مضمرٍ له، وذلك: وادْعوا شركاءَكم، وعُطِفَ بالشركاءِ على قولِه: ﴿أَمْرَكُمْ﴾ على نحوِ قولِ الشاعرِ (٤):
ورأيتِ زَوْجَكَ في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحَا
فالرمحُ لا يُتَقَلَّدُ، ولكن لمَّا كان فيما أُظْهِرَ مِن الكلامِ دليلٌ على ما حُذِفَ، فاكْتُفِى [بذكر ما] (٥) ذُكِرَ منه مما حُذِفَ، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾.
стр. 8305
واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقَرَأَتْه قرأةُ الأمصارِ: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ نصبًا، وقولَه: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بهمِز الألفِ وفتحِها، مِن: أَجمَعْتُ أمرى، فأنا أُجْمِعُه إجماعًا (١).
وذُكِر عن الحسنِ البصرىِّ، أنه كان يَقْرؤُه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ بفتحِ الألفِ وهمزِها (٢)، (وشركاؤُكم) بالرفعِ (٣) على معنى: وأجْمِعوا أمرَكم، وليُجمعْ أمرَهم أيضًا معكم شركاؤُكم.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك، قراءةُ مَن قَرَأَ: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ بفتحِ الألفِ مِن "أجْمِعوا"، ونُصِبَ الشركاءُ؛ لأنها في المصحفِ بغيرِ واوٍ، و (٤) لإجماعِ الحجةِ على القراءةِ بها، ورَفْضِ ما خالَفها، ولا يعترضُ عليها بمن (٥) يجوزُ عليه الخطأُ والسَّهْوُ.
وعُنِىَ بالشركاءِ آلهتُهم وأوثانُهم.
وقولُه: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾. يقولُ: ثم لا يكنْ أمركُم عليكم مُلتبِسًا (٦) مُشْكِلًا مُبْهَمًا.
مِن قولِهم: غُمَّ على الناسِ الهلالُ. وذلك إذا أَشْكَلَ عليهم أمرُه فلم يَتَبَيَّنوه،
стр. 8306
ومنه قولُ رؤبةَ (١):
بل لو شَهِدْتِ الناسَ إذ تُكُمُوا … بِغُمَّةٍ لو لم تُفَرَّجْ غُمُّوا
وقيل: إن ذلك من الغمِّ؛ لأن الصدرَ يضيقُ به، ولا يَتَبَيَّنُ صاحبُه لأمرِه مَصدرًا يَصْدُرُه، يَتَفَرَّجُ عليه (٢) ما بقلبِه (٣)، ومنه قولُ خنساءَ (٤):
[وذِي كُرْبَةٍ] (٥) رَاخَى ابنُ عمرٍو خِناقه … وَغُمَّتَهُ عَن وَجْهِهِ فَتَجَلَّتِ
وكان قتادةَ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ ابنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾. قال (٦): لا يَكْبُرُ (٧) عليكم أمرُكم (٨).
وأما قولُه: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ فإن معناه: ثم أمضُوا إلىَّ ما في أنفسِكم وافْرَغوا منه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرِ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾. قال: اقْضُوا إلىَّ ما كنتم قاضِين (٩).
стр. 8307
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾. قال: اقْضُوا إلىَّ (١) ما في أنفسِكم (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
واختَلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ فى معنى قولِه: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾.
فقال بعضُهم: معناه: امْضُوا إلىَّ، كما يقالُ: قد قَضَى فلانٌ. يراد: قد ماتَ ومَضَى.
وقال آخرون منهم: بل معناه: ثم افْرَغوا إلىَّ. وقالوا: القضاءُ الفراغُ، والقضاءُ مِن ذلك. قالوا: وكأن قَضَى دينَه مِن ذلك، إنما هو فَرَغ منه.
وقد حُكِىَ عن بعضِ القرأةِ، أنه قرَأ ذلك: (ثُمَّ أَفْضُوا (٣) إلى) بمعنى: تَوَجَّهوا إلىَّ حتى تَصِلوا إليَّ، مِن قولهم: قد أفْضَى إلىَّ الوَجَعُ (٤). وشِبْهُه.
وقوله: ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾. يقولُ: ولا تُؤخِّرون، مِن قولِ القائلِ: أنظرتُ فلانًا بما لى عليه مِن الدِّينِ.
стр. 8308
إنما (١) هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قولِ نبيِّه نوحٍ ﵇ لقومِه: إنه بنُصْرةِ اللهِ له عليهم واثقٌ، ومِن كيدِهم وبَوائقِهم (٢) غيرُ خائفٍ - وإعلامٌ منه لهم أن آلهتَهم لا تَضُرُّ ولا تنفعُ. يقولُ لهم: أمْضُوا ما تُحدِّثون أنفسَكم به فيَّ، على عزمٍ منكم صحيحٍ، واسْتَعينوا مع (٣) من شايَعَكم علىَّ بالهتِكم التي تَدْعون مِن دونِ اللَّهِ، ولا تُؤخِّروا ذلك، فإني قد توكلتُ على اللهِ، وأنا به واثقٌ أنكم لا تَضُرُّونى إلا أن يشاءَ ربِّي.
، وهذا، وإن كان خبرًا مِن اللَّهِ عن عن نوحٍ، فإنه حَثٌّ مِن اللهِ لنبيِّه محمدٍ ﷺ على التأسِّى به، وتعريفٌ منه سبيلَ الرشاد فيما قَلَّدَه من الرسالِة والبلاغِ عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مُخبرًا عن قيلِ نبيِّه نوحٍ ﵇ لقومِه: فإن توليتم أيُّها القومُ عنى بعدَ دُعائِى إياكم [إلى اللهِ] (٤)، وتبليغي رسالةَ ربِّي إليكم، مُدبرِين فأَعْرَضتُم عما دَعوتُكم إليه مِن الحقِّ والإقرارِ بتوحيدِ اللهِ، وإخلاصِ العبادةِ له، وتركِ إشراكِ الآلهةِ في عبادتِه - فبتضييع (٥) منكم وتفريطٍ في واجبِ حقِّ اللهِ عليكم، لا بسببٍ مِن قِبَلى، فإنى لم أسألْكم على ما دَعَوتُكم إليه أجرًا، ولا عِوَضًا
стр. 8309
أعتاضُه منكم، بإجابتِكم إيَّايَ إلى ما دعوتُكم إليه من الحقِّ والهُدى، ولا طَلَبَتُ منكم عليه ثوابًا ولا أجرًا (١)، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ يقولُ جلَّ ثناؤُه: إِنْ جَزائى وأجرُ عملى وثوابه إلا على ربِّي لا عليكم أيُّها القومُ، ولا على غيرِكم، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وأمرَنى ربِّى أن أكونَ من المُذعِنين له [بالطاعةِ، المُنقادِين لأمرِه ونهيِه، المُتَذلِّلين (٢) له] (٣)، ومِن أجلِ ذلك أَدعُوكم إليه، وبأمرِه آمُرُكم بتركِ عبادةِ الأوثانِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فكذَّبَ نوحًا قومه فيما أخبَرهم به عن اللهِ من الرسالةِ والوحيِ، فنجيناه ومن معه ممن حَمَل معه فى الفلكِ، يعني في السفيِنة، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾. يقولُ: وجَعَلنا الذين نَجَّينا مع نوحٍ في السفينة خلائفَ في الأرضِ مِن قومِه الذين كذَّبوه بعدَ أن أغرَقنا ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، يعني: حُججِنا وأدلِتنا على توحيدِنا، ورسالِة رسولِنا نوحٍ. يقولُ الله لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فانظرْ يا محمدُ كيف كان عاقبةُ المُنذَرين؛ وهم الذين أنذرَهم نوحٌ عقابَ اللهِ على تكذيبِهم إيَّاه وعبادتِهم الأصنامَ. يقولُ له جلَّ ثناؤُه: انظر ماذا أعقَبهم تكذيبُهم رسولَهم، فإنَّ عاقبةَ مَن كَذَّبك مِن قومِك، إن تَمادَوا في كفرِهم وطُغيانِهم على ربِّهم، نحوُ الذي كان مِن عاقبةِ قومِ نوحٍ حينَ كذَّبوه. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلْيَحذَروا أن يَحِلَّ بهم مثلُ الذي حَلَّ به إن لم يَتوبوا.
стр. 8310
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم بعثنا من بعدِ نوحٍ رسلًا إلى قومِهم، فأتَوهم ببيِّناتٍ مِن الحُججِ والأدلَّةِ على صدقِهم، وأنهم للهِ رسلٌ، وأن ما يَدعُونهم إليه حقٌّ، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: فما كانوا ليُصَدِّقوا بما جاءَتهم به رسلُهم، بما كَذَّب به قوم نوحٍ ومن قبلهم من الأم الخاليةِ من قبلِهم، ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما طَبَعنا على قلوب أولئك فختَمْنا عليها، فلم يكونوا يَقبَلون من أنبياءِ اللهِ نصيحتَهم، ولا يَستَجيبون لدُعائِهم إيَّاهم إلى ربِّهم، بما اجتَرَموا مِن الذنوبِ واكتسَبوا من الآثامِ، كذلك نطبعُ على قلوبِ من اعتَدَى على ربِّه فتَجاوَزَ ما أمرَه به من توحيدِه، وخالَفَ ما دَعاهم إليه رسلُهم مِن طاعتِه؛ عقوبةً لهم على معصيتِهم ربَّهم مِن هؤلاء الآخرين من بعدِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم بَعَثْنَا مِن بعدِ هؤلاء الرسلِ الذين أرسَلْناهم من بعدِ نوحٍ إلى قومِهم، موسى وهارونَ ابنى عِمرانَ إلى فرعونَ مصرَ ﴿وَمَلَئِهِ﴾. يعنى: وأشرافِ قومه وسَرَواتِهم (١)، ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: بأدلَّتِنا على حقيقةِ ما دَعَوهم إليه؛ مِن الإذعانِ للهِ بالعبودةِ، والإقرارِ لهما بالرسالةِ، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾. يقولُ: فاسْتكْبروا عن الإقرارِ بما دَعاهم إليه موسى وهارونُ، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. يعني: آثمين بربِّهم بكفرِهم باللهِ تعالى.
стр. 8311
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾. يعنى: فلما جاءَهم بيانُ ما دعَاهم إليه موسى وهارونُ، وذلك الحججُ التى جاءَهم بها، وهي الحقُّ الذى جاءَهم مِن عندِ اللهِ، ﴿قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يَعنون: أنه يَبينُ لَمَن رَاه وعاينَه أنه سحرٌ لا حقيقةَ له.
قال موسى لهم: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ مِن عِندِ الله: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؟
واختلف أهلُ العربيةِ فى سببِ دخولِ "ألفِ الاستفهامِ" في قولِه: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾. فقال بعضُ نحويى البصرةِ: أُدخِلت فيه على الحكايةِ لقولِهم؛ لأنهم قالوا: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؟ فقال: أتقولون: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؟
وقال بعضُ نحويى الكوفةِ: إنهم قالوا هذا سحرٌ. ولم يقولوه بالألفِ؛ لأن أكثر ما جاء بغيرِ ألفٍ. قال: فيُقالُ: فلِمَ أُدخِلت الألفُ؟ فيُقالُ: قد يجوزُ أن تكونَ مِن قبلِهم، وهم يَعلَمون أنه سحرٌ، كما يقولُ الرجلُ للجائزةِ إذا أتَتْه: أحقٌّ هذا؟ وقد عَلِمَ أنه حقٌّ. قال: وقد يجوزُ أن تكونَ على التعجُّبِ منهم: أسحرٌ هذا؟ ما أعظَمَه!
وأولى من (١) ذلك فى هذا بالصوابِ عندى، أن يكونَ المقولُ محذوفًا، ويكونَ قوله: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾. مِن قيلِ موسى، مُنكِرًا على فرعونَ ومَلَئِه قولَهم للحقِّ لمَّا جاءهم: سحرٌ. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: قال موسى لهم: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ - وهى الآياتُ التي أتاهم بها مِن عندِ اللهِ حجةً له على صدقِه:
стр. 8312
سحرٌ. أسحرٌ هذا الحقُّ الذي تَرَونه؟! فيكونُ السحرُ الأولُ محذوفًا اكْتفاءً بدلالةِ قولِ موسى لهم: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾، على أنه مرادٌ في الكلامِ، كما قال ذو الرُّمَّةِ (١):
فلمَّا لَبِسْنَ الليلَ أو حينَ نصَّبَتْ … له مِن خَذَا آذَانِها وَهُو جانِحُ
يريدُ: أو حينَ أقبلَ، ثم حُذِفَ اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، والمعنى: بَعْثناهم ليسُوؤوا وجوهَكم، فترك ذلك اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، في أشباهٍ لمِا ذكرْنا كثيرةٍ، يُتعِبُ إحصَاؤُها.
وقولُه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾. يقولُ: ولا يَنجحُ الساحرون ولا يَبقَوْن.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال فرعونُ وملؤُه لموسى: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾. يقولُ: لتَصْرِفَنا وتَلويَنا عمَّا وجَدْنا عليه آباءَنا، مِن قبلِ مجيئِك، من الدينِ.
يقالُ منه: لَفَتَ فلانٌ عُنُقَ فلانٍ. إذا لَوَاها، كما قال رُؤبَةُ (٢):
* لَفتًا وتهزِيعًا سَوَاءَ اللَّفتِ*
التَّهزيعُ: الدَّقُّ، واللَّفْتُ: اللى.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لِتَلْفِتَنَا﴾. قال: لتَلويَنا عمَّا وَجَدنا عليه آباءَنا (٣).
стр. 8313
وقولُه: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾. يعنى: العظمةُ، وهي الفِعْلِياءُ مِن الكبرِ. ومنه قولُ ابنِ الرِّقاعِ:
سُؤدَدًا غيرَ فاحشِ لا تُدَا … نِيه تجبَّارةٌ (١) ولا كِبرياءُ
[وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك] (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: المُلكُ (٣).
قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: السلطانُ في الأرضِ (٤).
قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: بَلَغَنى عن مجاهدٍ قال: الملْكُ في الأرضِ.
قال: ثنا المحارِبيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: الطاعةُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: الملكُ.
стр. 8314
قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ قال: السلطانُ في الأرضِ.
وهذه الأقوالُ كلُّها متقارباتُ المعانى؛ وذلك أن المُلكَ سلطانٌ، والطاعةَ ملكٌ، غيرَ أن معنى الكبرياء، هو ما يثبتُ فى كلامِ العربِ، ثم يكونُ ذلك عظمةً بمُلْكِ وسلطانٍ وغيرِ ذلك
وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾. قالوا (١): وما نحنُ لكُما يا موسى وهارونُ ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: بمُقرِّين بأنكما للهِ (١) رسولان أرسَلَكُما (٢) إلينا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال فرعونُ لقومِه: ائتوني بكلِّ مَن يَسْحَرُ مِن السَّحَرةِ، عليمٍ بالسِّحْرِ. فلمَّا جاءَ السَّحَرةُ فرعونَ قال لهم (٢) موسى: أَلْقُوا مَا أَنتُمْ مُلْقُونَ مِن حِبالكم وعصِيِّكم.
وفى الكلامِ محذوفٌ قد تُرك ذكرُه، وهو: فأَتَوْه بالسَّحَرةِ، فلمَّا جاء
стр. 8315
السحرةُ.
ولكن اكتُفى بدَلالةِ قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ على ذلك، فتُرِكَ ذِكْرُه. وكذلك بعدَ قولِه: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ محذوفٌ أيضًا قد تُرِكَ ذكرُه، وهو: فألْقَوْا حبالَهم وعِصِيَّهم - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى﴾ - ولكن اكتفى بدَلالةِ ما ظَهَر من الكلامِ عليه، فتُرِكَ ذكرُه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا الْقَوا ما هم مُلْقُوه قال لهم موسى: ما جِئْتُم به السِّحرُ. ما واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ (١)، على وَجهِ الخبرِ مِن موسى عن الذي جاءت به سَحَرة فرعونَ أنه سِحرٌ، كأن معنى الكلامِ على تأويلِهم: قال موسى: الذي جَئْتُم به أيُّها السَّحَرَةُ.
وقَرَأَ ذلك مجاهدٌ وبعضُ المدنيِّين وبعضُ البصريِّين: (ما جئتم به السحرُ) (٢) على وجهِ الاستفهامِ مِن موسى إلى (٣) السَّحَرةِ عما جاءوا به: أسحرٌ هو أم غيرُه؟
وأولى القراءتَين في ذلك عندى بالصوابِ (٤) قراءةُ من قَرأه على وَجهِ الخبرِ لا على الاستفهامِ؛ لأن موسى صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه لم يكن شاكًّا فيما جاءت به السَّحرةُ أنه سحرٌ لا حقيقةَ له، فيحتاجُ إلى استخبارِ السَّحَرةِ عنه: أىُّ شيءٍ هو؟
стр. 8316
وأخرى، أنه صلواتُ اللهِ عليه قد كان على علمٍ مِن أن (١) السَّحَرَةَ إنما جاء بهم فرعونُ ليُغالبوه على ما كان جاءَهم به مِن الحقِّ الذى كان الله آتاه، فلم يكنْ يذهبُ عليه أنهم لم يكونوا يُصَدِّقونه فى الخبرِ عما جاءوه به مِن الباطلِ، فيستَخبِرَهم أو يَسْتَجير استخبارَهم عنه، ولكنه صلواتُ اللهِ عليه أعلَمَهم أنه عالمٌ بِبُطُولِ ما جاءوا به مِن ذلك بالحقِّ الذى أتاه، ومُبطِلٌ كيدَهم بجَدِّه، وهذه أَولى بصفةِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن الأخرى.
فإن قال قائلٌ: فما وجَهُ دخولِ الألفِ واللام في السحرِ، إن كان الأمرُ على ما وَصَفتَ؟ وأنت تعلمُ أن كلامَ العربِ في نظيرِ هذا أن يقولوا: ما جاءنى به عمرٌو درهمٌ، والذى أعطانى أخوك دينارٌ. ولا يَكادُون أن يقولوا: الذي أعطاني أخوك الدرهمُ، وما جاءني به عمرٌو الدينارُ.
قيل له: بلى، إن كلامَ العربِ إدخالُ الألفِ واللامِ في خبرِ ما والذي، إذا كان الخبرُ عن مَعهودٍ قد عَرَفه المخاطَبُ والمخاطِبُ، بل لا يجوزُ إذا كان ذلك كذلك إلا بالألفِ واللامِ؛ لأن الخبرَ حينئذٍ خبرٌ عن شيءٍ بعينه معروفٍ عندَ الفريقين، وإنما يأتى ذلك بغيرِ الألفِ، [واللامِ] (٢) إذا كان الخبرُ عن مجهولٍ غيرِ معهودٍ، ولا مقصودٍ قصْدَ شيءٍ بعينِه، فحينئذٍ لا تدخلُ الألفُ واللامُ في الخبرِ، وخبرُ موسى كان خبرًا عن معروفٍ عنده وعندَ السَّحَرةِ. وذلك أنها كانت نَسَبَت ما جاءهم به موسى مِن الآياتِ التى جَعَلَها اللهُ عَلَمّا له على صدقه ونُبُوَّته إلى أنه سحرٌ، فقال لهم موسى: السحرُ الذى وصَفْتُم به ما جئتُكم به مِن الآيات أيُّها السحرةُ، هو هذا (٣) الذي جئتم
стр. 8317
أنتم، لا ما جئتُكم به أنا. ثم أَخبرَهم أن الله سيبُطلُه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾، يقولُ: سيَذهبُ به. فذَهب به تعالى ذكرُه بأن سَلَّط عليه عصا موسى؛ قد حوّلها تعبانًا يتلقَّفه، حتى لم يبقَ منه شيءٌ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. يعنى: إنه لا يُصلِحُ عملَ مَن سَعَى في أرضِ الله بما يَكرَهُه، وعَمِلَ فيها بمعاصيه
وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ أبيِّ بنِ كعبٍ: (ما أتيتم به سحر). وفي قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (ما جئتم به سحرٌ) (١)، وذلك مما يؤيدُ قراءةَ مَن قرأ بنحوِ الذى اخترنا مِن القراءةِ فيه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن موسى ﷺ أنه قال للسحرةِ: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾. يقولُ: ويُثبِتُ الله الحقِّ الذى جِئتُكم به من عندِه، فيُعليه على باطلِكم، ويُصحِّحُه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾. يعني: بأمرِه، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. يعنى: الذين اكتَسبوا الإثمَ بربِّهم، بمعصيتِهم إياه.
القولُ فى تاويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلم يُؤمن لموسى، مع ما أتاهم به مِن الحُجَجِ والأدلةِ، ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾، خائِفين مِن فرعونَ ومَلَئِهم.
стр. 8318
اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الذُريَّة في هذا الموضعِ. فقال بعضُهم: معنى الذُّرِّيَّةِ في هذا الموضعِ: القليلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: الذُّريَّةُ: القليلُ (١)
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عُبيدُ بنُ سليمان (٢)، قال: سمِعْتُ الضّحَاكَ يقولُ في قولِه تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. الذريةُ: القليلُ. كما قال اللهُ تعالى: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (٣) [سورة الأنعام: ١٣٣].
و قال آخرون: معنى ذلك: فما آمنَ لموسى إلا ذريةُ من أُرسِل إليه موسى مِن بنى إسرائيلَ لطولِ الزمانِ؛ لأن الآباءَ ماتوا وبَقِى الأبناء، فقيلَ لهم ذريةٌ؛ لأنهم كانوا ذريةَ مَن هلَك ممن أُرسِل إليهم موسى ﵇.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه تعالى ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. قال: أولادُ (٤) الذين أُرسل إليهم، مِن طولِ الزمانِ، وماتَ
стр. 8319
آباؤهم (١)
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. وحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. قال: أولادُ الذين أُرسِل إليهم موسى، من طولِ الزمانِ، وماتَ آباؤهم.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. قال: أبناءُ الذين أُرسِل إليهم، فطال عليهم الزمانُ، وماتت آباؤهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما آمَن لموسى إلا ذريَّةٌ مِن قومِ فرعونَ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. قال: فإن الذُّريَّةَ التي آمنَتْ لموسى، مِن أناسٍ غيرِ بنى إسرائيلَ، مِن قومِ فرعونَ يسيرٌ؛ منهم امرأةُ فرعونَ، ومؤمنُ آلِ فرعونَ، وخازِنُ فرعونَ، وامرأةُ خازنه (٢)
стр. 8320
وقد رُوىَ عن ابنِ عباس خبرٌ يَدُلُّ على خلافِ هذا القولِ، وذلك ما حدَّثني به المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. يقولُ: بنى إسرائيلَ (١).
فهذا الخبرُ يُنبيُّ عن (٢) أنه كان يَرَى أن الذُّريَّةَ في هذا الموضعِ، هم بنو إسرائيلَ دونَ غيرِهم مِن قومِ فرعونَ.
وأَولى هذه الأقوالِ عندى بتأويلِ الآيةِ، القولُ الذي ذكرْتَه عن مجاهدٍ، وهو أن الذريةَ فى هذا الموضعِ، أُريد بها ذُرِّيةٌ مَن أُرسِل إليه موسى مِن بني إسرائيلَ، فهَلَكوا قبلَ أن يُقِرُّوا بِنُبُوَّته لطولِ الزمانِ، فأدركَتْ ذُرِّيتُهم، فآمنَ منهم مَن ذَكَر اللهُ بموسى.
وإنما قلتُ: هذا القولُ أولى بالصوابِ فى ذلك؛ لأنه لم يَجْرِ في هذه الآيةِ ذكرٌ لغيرِ موسى، فلأن تكونَ "الهاءُ" فى قولِه: ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ من ذكر موسى لقُربها مِن ذكرِه، أولى مِن أن تكونَ مِن ذكرِ فرعونَ لبُعدِ ذكرِه منها، إذ لم يكن بخلافِ ذلك دليلٌ مِن (٣) خبرٍ ولا نظرٍ.
وبعدُ، فإن في قولِه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾. الدليلَ الواضحَ على أن "الهاءَ" فى قولِه: ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. من ذكرِ موسى، لا مِن ذكرِ فرعونِ؛ لأنها لو كانت مِن ذكرِ فرعونَ، لكان الكلامُ: على خوفٍ منه. ولم يكن: على خوفٍ مِن فرعونَ.
стр. 8321
وأما قولُه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾. فإنه يعنى على حالِ خوفٍ ممِّنْ آمَنَ مِن ذُرِّية قومِ موسى بموسى.
فتأويلُ الكلامِ: فما آمن لموسى إلا ذريةٌ مِن قومِه، من بنى إسرائيلَ، وهم خائِفونَ من فرعونَ ومَلَئِهم أن يَفتِنوهم.
وقد زَعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أنه إنما قيل: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾، لأن الذين كانوا آمنوا به إنما كانت أُمَّهاتُهم من بني إسرائيلَ، وآباؤُهم مِن القِبْط، فقيل لهم: الذريةُ. من أجل ذلك، كما قيل لأبناءِ الفُرْسِ الذين أُمَّهَاتُهم مِن العَرَبِ وآباؤُهم مِن العَجَمِ: أبناءٌ (١).
والمعروفُ مِن معنى الذريَّةِ فى كلامِ العربِ، أنها أعقابُ من نُسِبَتْ إليه من قِبَلِ الرجالِ والنساءِ. كما قال الله جلَّ ثناؤُه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]. وكما قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾. ثم قال بعدُ: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٥،٨٤]. فجَعل مَن كان مِن قِبَل الرجال والنساء من ذرية إبراهيمَ.
وأما قولُه: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾. فإن الملأَ الأشرافُ. وتأويلُ الكلام: على خوفٍ مِن فرعونَ ومن أشرافِهم.
واختلَفَ أهلُ العربيةِ فى مَن عُنِى بالهاءِ والميمِ اللتين فى قولِه: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾. فقال بعضُ نحوبى أهل البصرة: غنى بها الذريةُ، وكأنه وَجَّه معنى الكلامِ إلى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾، وملأِ الذريةِ مِن بَنى إسرائيل.
стр. 8322
وقال بعضُ نحويى الكوفةِ: عُنى بهما فرعون. قال: وإنما جاز ذلك وفرعونُ واحدٌ؛ لأن [المَلِكَ إذا ذُكرَ بخوفٍ (١) أو سفرٍ أو قدومٍ من سفرٍ، ذَهَبَ الوَهُمُ إليه وإلى مَن معه] (٢). وقال: ألا تَرى أنك تقولُ: قَدِمَ الخليفةُ فكَثُرَ الناسُ. تريدُ: بمنَ معه، وقَدِمَ فعلتِ الأسعارُ. [لأنك تَنِوى] (٣) بقدومِه قدومَ مَن معه. قال: وقد يكونُ أن تريدَ بفرعونَ آل فرعونَ، وتحذفُ الآلَ (٤)، فيجوزُ كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريدُ أهل القرية، والله أعلمُ.
قال: ومثلُه قولُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
وأولى القولين (٥) في ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: الهاءُ والميمُ عائدتان على الذريةِ، ووجَّه معنى الكلامِ إلى أنه: على خوفٍ مِن فرعونَ، وملأ الذريةِ. لأنه كان في ذريةِ القَرْنِ الذين أُرسِلَ إليهم موسى مَن كان أبوه قبطيًّا وأمه إسرائيليةً، فمن كان كذلك منهم كان مع فرعونَ على موسى.
وقولُه: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. [يقولُ: كان إيمانُ مَنْ آمَن مِن ذريَّةِ قومِ موسى على خوفٍ من فرعونَ أن يفتنَهم] (٦) بالعذابِ، فيَصُدَّهم عن دينِهم، ويحملَهم على الرجوعِ عن الإيمانِ، والكفرِ باللهِ.
стр. 8323
وقال: أن يَفْتِتَهم، فوحَّد، ولم يَقُلْ: أن يَفْتِنوهم؛ لدليلِ الخبرِ عن فرعونَ بذلك؛ أن قومَه كانوا على مثلِ ما كان عليه، لمِا قد تقدَّم من قولِه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾.
وقولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يقولُ فإنه لمن المُتَجاوِزِين الحقِّ إلى الباطلِ، وذلك كفرُه باللهِ، وتركُه الإيمانَ به، وجُحودُه وحدانيةَ اللهِ، وادعاؤُه لنفسِه الألوهةَ، وسفكُه الدماءَ بغيرِ حِلِّها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبرًا عن قيلِ نبيِّه موسى لقومه: يا قومِ إنْ كُنْتم أقْرَرْتُم بوحْدانيةِ اللهِ، وصَدَّقْتم بربوبيَّتِه ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾. يقولُ: فيه فثِقوا، ولأمرِه فسَلِّموا، فإنه لن يَخذُل وليَّه ولن (١) يُسلِمَ مَن توكَّلَ عليه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مُذعِنين للهِ بالطاعةِ، فعليه توكّلوا.
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فقال قومُ موسى لموسى: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾. أى به وَثِقنا، وإليه فوَّضنا أمرَنا.
وقولُه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ، جلَّ ثناؤُه، مُخْبِرًا عن قومِ موسى أنهم دعَوا ربَّهم فقالوا: ربَّنا لا تختبرْ هؤلاء القومَ الكافرين، ولا
стр. 8324
تَمتحِنْهم بنا. يَعنون قومَ فرعونَ.
وقد اختلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذى سَألوه ربَّهم مِن إعاذتِه ابتلاءَ قومِ فرعونَ بهم. فقال بعضُهم: سألوه أن لا يُظهِرَهم عليهم، فيَظنُّوا أنهم خيرٌ منهم، وأنهم إنما سُلِّطوا عليهم لكرامتِهم عليه وهوانِ الآخرين.
ذكرُ مِن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن عِمرانَ بنَ حُدَيرٍ، عن أبي مجلزٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يَظهَروا علينا، فيَرَوا أنهم خيرٌ منا
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرانَ بن حُدَيرٍ، عن أبي مجلزٍ فى قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: قالوا: لا تُظهِرْهم علينا فيَرَوا أنهم خيرٌ منا (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي الضُّحى ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لاتُسَلِّطْهم علينا، فيزدادوا [طغيانًا (٢).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبيه، عن أبي الضحى: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تسلِّطْهم علينا، فيزدادوا] (٣) فتنةً.
стр. 8325
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تُسَلطْهم علينا فيَفتنونا
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تُسلِّطْهم علينا فيَفْتِنونا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال أيضًا: فَيَقْتلونا (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تُسَلِّطهم علينا فيَفتِنونا (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لا تُعذِّبْنا بأيدى قومِ فرعونَ، ولا بعذابٍ مِن عندِك، فيقولَ قومُ فرعونَ: لو كانوا على حقٍّ ما عُذِّبوا ولا سُلِّطْنا عليهم. فيُفتنوا بنا (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
стр. 8326
مجاهدٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تُعذِّبْنا بأيدى قومِ فرعونَ ولا بعذابٍ من عندِك. فيقولَ قومُ فرعونَ: لو كانوا على حقٍّ ما سُلِّطنا عليهم، ولا عُذَّبوا. فيَفتَتِنوا (١) بنا.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تُصِبْنا بعذاب من عندك ولا بأيدِيهم، فيفتَتِنوا ويقولوا: لو كانوا على حقٍّ ما سُلِّطْنا عليهم، وما عُذِّبوا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تَبتَلِينا ربَّنا فتُجهِدَنا، ونُجعلَ (٢) فتنةً لهم، هذه الفتنة. وقرأ: ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [سورة الصافات: ٦٣] (٣). قال المشركون حينَ كانوا يُؤذُون النبىَّ ﷺ والمؤمنين، ويَرمُونهم، أليس ذلك فتنةً لهم وشرًّا (٤) لهم، وهي بَلِيَّةٌ للمؤمنين (٥)؟
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إن القومَ رَغِبوا إلى اللهِ في أن يُجِيرَهم من أن يكونوا محنةً لقومِ فرعونَ وبلاءً، وكلُّ ما كان مِن أمرٍ كان لهم مَصَدَّةٌ عن اتباعِ موسى والإقرارِ به وبما جاءَهم به، فإنه لا شكَّ أنه كان لهم فتنةً،
стр. 8327
وكان مِن أعظمِ [ذلك أن يُسَلَّطوا عليهم، فإنَّ ذلك كان لا شك -لو كان- من أعظمِ] (١) الأمورِ لهم إبعادًا من الإيمانِ باللهِ وبرسولِه، وكذلك من المَصَدَّةِ كان لهم عن الإيمانِ، أن لو كان قوم موسى* عاجَلَتْهم مِن اللهِ محنةً في أنفسِهم، من بليةٍ تَنزِلُ، بهم. فاستعاذَ القومُ باللهِ مِن كلِّ معنًى يكونُ صادًّا لقومِ فرعونَ عن الإيمانِ باللهِ بأسبابِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ونَجِّنا ياربَّنا برحمتِك، فخَلَّصْنَا مِن أَيْدى القومِ الكافرين قومِ فرعونَ؛ لأنهم كانوا يستَعبِدونهم ويستَعمِلونهم في الأشياءِ القذرةِ من خدمتِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾ أن اتخذا لقومِكما بمصرَ بيوتًا.
يقالُ منه: تبوَّأ فلانٌ لنفسِه بيتًا. إذا اتَّخَذَه، وكذلك: تَبَوَّأَ مضجعًا (٢). إذا اتخذَهَ، وبَؤَّاتُه أنا بيتًا. إذا اتخذتُه له. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. يقولُ: واجعلوا بيوتَكم مساجدَ تُصلُّون فيها.
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلَ قوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾؛ فقال
стр. 8328
بعضُهم في ذلك نحوَ الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حميدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: مساجدَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: أُمِروا أن يَتَّخِذوها مساجدَ (١).
قال: ثنا أبو غَسَّانَ مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا زهيرٌ، قال: ثنا خُصيفٌ، عن عكرمةَ، عن ابنُ عباسٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا يَفرَقون مِن فرعونَ وقومِه أن يصلُّوا، فقال لهم: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. يقولُ: اجعَلوها مسجدًا (٢) حتى تُصَلُّوا فيها (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: خافوا، فأُمِروا أن يُصَلُّوا في بيوتِهم (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا خائفين، فأُمِروا أن يُصلُّوا في بيوتِهم (٤).
стр. 8329
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ (١)، قال: ثنا شِبْلٌ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا خائفين، فأُمِروا أن يصلُّوا في بيوتِهم.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا لا يصلُّون إلا في البِيَعِ، وكانوا لا يصلون إلا خائفين، فأُمِروا أن يُصَلُّوا فى بيوتِهم (٢).
قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قال: كانوا خائفين، فأُمِروا أن يصلُّوا في بيوتِهم.
قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السدىِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانت بنو إسرائيلَ تخافُ فرعونَ، فأُمِروا أن يجعلوا بيوتَهم مساجدَ يُصَلُّون فيها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرَنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. يقولُ: مساجدَ (٣)
قال: ثنا أحمد بن يونسُ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:
стр. 8330
﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا يُصلُّون في بيوتِهم، يخافون.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن أبي سنانٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾. قال: مساجدَ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا خائفين، فأُمروا أن يُصلُّوا في بيوتِهم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: قال أبي (٢): اجعلوا في بيوتِكم مساجدَكم تصلُّون فيها؛ تلك القبلة (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا مساجدَكم قِبَلَ الكعبة.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى. عن المِنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. يعنى الكعبةَ (٤)
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن
стр. 8331
أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: قالت بنو إسرائيلَ لموسى: لا نستطيعُ أن نُظهِرَ صلاتَنا مع الفراعنةِ، فأَذِنَ اللهُ لهم أن يصلُّوا في بيوتِهم، وأُمِروا أن يجعلَوا بيوتَهم قِبَلَ القبلةِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. يقولُ: وَجِّهوا بيوتَكم مساجدَكم نَحو القبلِة، ألا تَرَى أنه يقولُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (النور: ٣٦)؟
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: قِبَلَ القبلةِ.
حدَّثنا القاسمُ: قال ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهد: ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: نحو الكعبة، حينَ خافَ موسى ومَن معه مِن فرعونَ أن يصلُّوا فى الكنائسِ الجامعةِ (٢)، فأمروا أن يجعلوا في بيوتِهم مساجدَ مستقبِلةً الكعبةَ يصلُّون فيها سرًّا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. ثم ذَكَر مثلَه سواءً (٣).
قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ
стр. 8332
تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: مساجدَ.
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾. قال: مصرُ: الإسكندريةُ (١).
حدَّثنا بِشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: وذلك حينَ مَنَعهم فرعونُ الصلاةَ، فأُمِروا أن يجعلوا مساجدَهم في بيوتهم، وأن يوجِّهوا نحو القبلةِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: نحوَ القبلةِ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن أبي سنانٍ، عن الضحاك: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، قال: مساجدَ. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: قِبَلَ القبلةِ (٤).
وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا بيوتَكم يقابلُ بعضُها بعضًا.
стр. 8333
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: يقابلُ بعضُها بعضًا (١).
وأولى الأقوال فى ذلك بالصوابِ القولُ الذى قدَّمنا بيانَه، وذلك أن الأغلبَ مِن معانى البيوتِ -وإن كانت المساجدُ بيوتًا- البيوتُ المسكونةُ إذا ذُكِرت باسمِها المطلقِ، دونَ المساجدِ؛ لأن المساجدَ لها اسمٌ هى به معروفةٌ، خاصٌّ لها، وذلك: المساجدُ. فأما البيوتُ المطلقةُ بغيرِ وصلِها بشيءٍ، ولا إضافتِها إلى شيءٍ، فالبيوتُ المسكونةُ.
وكذلك القبلةُ، الأغلبُ من استعمال الناسِ إياها في قِبَلَ المساجدِ وللصلواتِ.
فإذا كان ذلك كذلك، وكان غيرُ جائزٍ توجيهَ معاني كلامِ الله إلا إلى الأغلبِ مِن وجوهِها، المستعملِ بينَ أهلِ اللسانِ الذى نَزَل به دونَ الخفىِّ المجهولِ، ما لم تأتِ دلالةٌ تدلُّ على غيرِ ذلك، ولم يكن على قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. دلالةٌ تقطعُ العذرَ بأن معناه غيرُ الظاهرِ المستعملِ في كلامِ العربِ، لم يجز لنا توجيهُه إلى غيرِ الظاهرِ الذى وصفنا، وكذلك القولُ في قولِه: ﴿قِبْلَةً﴾.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأدُّوا الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها في أوقاتِها.
وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيه ﵊: وبشِّر مقيمي الصلاةِ، المطيعى الله يا محمدُ، المؤمنين، بالثوابِ الجزيلِ منه.
стр. 8334
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال موسى: يا ربَّنا، إنك أعطيتَ فرعونَ وكبراءَ (١) قومِه وأشرافَهم -وهم الملأُ- زينةٌ مِن متاعِ الدنيا وأثاثِها، وأموالًا مِن أعيانِ الذهبِ والفضةِ فى الحياةِ الدنيا، ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾. يقولُ موسى لربِّه: ربَّنا أعطيتَهم ما أعطيتَهم مِن ذلك ليضلُّوا عن سبيلِك.
واختلف القرأةُ في قراءةِ ذلك.
فقرأه بعضُهم: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ بمعنى: ليُضلُّوا الناسَ عن سبيلك، ويصدُّوهم عن دينِك.
وقرأ ذلك آخرون: (ليَضِلُّوا عَنْ سَبِيلك). بمعنى: ليضِلُّوهم عن سبيلِك، فيَجورُوا عن طريقِ الهُدى (٢).
فإن قال قائلٌ: أفكان الله جلّ ثناؤه أعطَى فرعونَ وقومَه ما أعطاهم مِن زينةِ الدنيا وأموالِها ليُضِلوا الناسَ عن دينِه، أو ليضلُّو هم عنه؟ فإن كان لذلك أعطاهم ذلك، فقد كان منهم ما أعطاهم لذلك (٣)، فلا عتبَ عليهم في ذلك! [قيل: إن معنى ذلك] (٤) بخلافِ ما توهَّمتَ.
стр. 8335
وقد اختلف أهلُ العربيةِ في معنى هذه "اللامِ" التي في قولِه: ﴿لِيُضِلُّوا﴾.
فقال بعضُ نحويى البصرةِ: معنى ذلك: ربَّنا فَضَلوا عن سبيلِك، كما قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. أي: فكان لهم، وهم لم يَلتقِطوه ليكونَ لهم عدوًّا وحَزَنًا، وإنما التقَطوه فكان لهم. قال: فهذه "اللامُ"، تَجيءُ في هذا المعنى.
وقال بعضُ (٣) نحويى الكوفةِ: هذه "اللامُ" لامُ كي. ومعنى الكلامِ: ربَّنا أعطيتَهم ما أعطيتَهم كي يُضِلُّوا، ثم دَعا عليهم.
وقال آخرُ (٤): هذه اللاماتُ في قولِه: ﴿لِيُضِلُّوا﴾، ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾. وما أشبَهَها بتأويلِ الخفضِ: آتيتَهم ما آتيتَهم لضلالِهم - والتقطوه لكونِه (٥)، قد آلتِ الحالةُ إلى ذلك. والعربُ تجعلُ لامَ كي في معنى لامِ الخفضِ، ولامَ الخفضِ في معنى لامِ كي؛ لتقاربِ المعنى، قال اللهُ تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ (٦) بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٥]. أى لإعراضِكم، ولم