← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: قالت بنو إسرائيلَ لموسى: لا نستطيعُ أن نُظهِرَ صلاتَنا مع الفراعنةِ، فأَذِنَ اللهُ لهم أن يصلُّوا في بيوتِهم، وأُمِروا أن يجعلَوا بيوتَهم قِبَلَ القبلةِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. يقولُ: وَجِّهوا بيوتَكم مساجدَكم نَحو القبلِة، ألا تَرَى أنه يقولُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (النور: ٣٦)؟ حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: قِبَلَ القبلةِ. حدَّثنا القاسمُ: قال ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهد: ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: نحو الكعبة، حينَ خافَ موسى ومَن معه مِن فرعونَ أن يصلُّوا فى الكنائسِ الجامعةِ (٢)، فأمروا أن يجعلوا في بيوتِهم مساجدَ مستقبِلةً الكعبةَ يصلُّون فيها سرًّا. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. ثم ذَكَر مثلَه سواءً (٣). قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ

стр. 8332

تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: مساجدَ. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾. قال: مصرُ: الإسكندريةُ (١). حدَّثنا بِشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: وذلك حينَ مَنَعهم فرعونُ الصلاةَ، فأُمِروا أن يجعلوا مساجدَهم في بيوتهم، وأن يوجِّهوا نحو القبلةِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: نحوَ القبلةِ (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن أبي سنانٍ، عن الضحاك: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، قال: مساجدَ. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: قِبَلَ القبلةِ (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا بيوتَكم يقابلُ بعضُها بعضًا.

стр. 8333

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: يقابلُ بعضُها بعضًا (١). وأولى الأقوال فى ذلك بالصوابِ القولُ الذى قدَّمنا بيانَه، وذلك أن الأغلبَ مِن معانى البيوتِ -وإن كانت المساجدُ بيوتًا- البيوتُ المسكونةُ إذا ذُكِرت باسمِها المطلقِ، دونَ المساجدِ؛ لأن المساجدَ لها اسمٌ هى به معروفةٌ، خاصٌّ لها، وذلك: المساجدُ. فأما البيوتُ المطلقةُ بغيرِ وصلِها بشيءٍ، ولا إضافتِها إلى شيءٍ، فالبيوتُ المسكونةُ. وكذلك القبلةُ، الأغلبُ من استعمال الناسِ إياها في قِبَلَ المساجدِ وللصلواتِ. فإذا كان ذلك كذلك، وكان غيرُ جائزٍ توجيهَ معاني كلامِ الله إلا إلى الأغلبِ مِن وجوهِها، المستعملِ بينَ أهلِ اللسانِ الذى نَزَل به دونَ الخفىِّ المجهولِ، ما لم تأتِ دلالةٌ تدلُّ على غيرِ ذلك، ولم يكن على قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. دلالةٌ تقطعُ العذرَ بأن معناه غيرُ الظاهرِ المستعملِ في كلامِ العربِ، لم يجز لنا توجيهُه إلى غيرِ الظاهرِ الذى وصفنا، وكذلك القولُ في قولِه: ﴿قِبْلَةً﴾. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأدُّوا الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها في أوقاتِها. وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيه ﵊: وبشِّر مقيمي الصلاةِ، المطيعى الله يا محمدُ، المؤمنين، بالثوابِ الجزيلِ منه.

стр. 8334

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال موسى: يا ربَّنا، إنك أعطيتَ فرعونَ وكبراءَ (١) قومِه وأشرافَهم -وهم الملأُ- زينةٌ مِن متاعِ الدنيا وأثاثِها، وأموالًا مِن أعيانِ الذهبِ والفضةِ فى الحياةِ الدنيا، ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾. يقولُ موسى لربِّه: ربَّنا أعطيتَهم ما أعطيتَهم مِن ذلك ليضلُّوا عن سبيلِك. واختلف القرأةُ في قراءةِ ذلك. فقرأه بعضُهم: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ بمعنى: ليُضلُّوا الناسَ عن سبيلك، ويصدُّوهم عن دينِك. وقرأ ذلك آخرون: (ليَضِلُّوا عَنْ سَبِيلك). بمعنى: ليضِلُّوهم عن سبيلِك، فيَجورُوا عن طريقِ الهُدى (٢). فإن قال قائلٌ: أفكان الله جلّ ثناؤه أعطَى فرعونَ وقومَه ما أعطاهم مِن زينةِ الدنيا وأموالِها ليُضِلوا الناسَ عن دينِه، أو ليضلُّو هم عنه؟ فإن كان لذلك أعطاهم ذلك، فقد كان منهم ما أعطاهم لذلك (٣)، فلا عتبَ عليهم في ذلك! [قيل: إن معنى ذلك] (٤) بخلافِ ما توهَّمتَ.

стр. 8335

وقد اختلف أهلُ العربيةِ في معنى هذه "اللامِ" التي في قولِه: ﴿لِيُضِلُّوا﴾. فقال بعضُ نحويى البصرةِ: معنى ذلك: ربَّنا فَضَلوا عن سبيلِك، كما قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. أي: فكان لهم، وهم لم يَلتقِطوه ليكونَ لهم عدوًّا وحَزَنًا، وإنما التقَطوه فكان لهم. قال: فهذه "اللامُ"، تَجيءُ في هذا المعنى. وقال بعضُ (٣) نحويى الكوفةِ: هذه "اللامُ" لامُ كي. ومعنى الكلامِ: ربَّنا أعطيتَهم ما أعطيتَهم كي يُضِلُّوا، ثم دَعا عليهم. وقال آخرُ (٤): هذه اللاماتُ في قولِه: ﴿لِيُضِلُّوا﴾، ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾. وما أشبَهَها بتأويلِ الخفضِ: آتيتَهم ما آتيتَهم لضلالِهم - والتقطوه لكونِه (٥)، قد آلتِ الحالةُ إلى ذلك. والعربُ تجعلُ لامَ كي في معنى لامِ الخفضِ، ولامَ الخفضِ في معنى لامِ كي؛ لتقاربِ المعنى، قال اللهُ تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ (٦) بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٥]. أى لإعراضِكم، ولم

стр. 8336

يحلفوا لإعراضهم (١)، وقال الشاعرُ (٢): سمَوتَ ولم تَكُن أَهلاً لِتَسْمُو … ولكنَّ المُضَيَّعَ قد يُصَابُ قال: وإنما يقالُ: وما كنتَ أهلًا للفعلِ. ولا يقالُ: لتفعل. إلا قليلًا. قال: وهذا منه. والصوابُ مَن القولِ فى ذلك عندى أنها لامُ كي، ومعنى الكلامِ: ربَّنا أعطيتَهم ما أعطيتَهم مِن زينةِ الحياةِ الدنيا والأموالِ لتفتنَهم فيه، ويُضلوا عن سبيلِك عبادَك عقوبةً منك، وهذا كما قال جلّ ثناؤه: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: ١٦، ١٧]. وقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. هذا دعاءٌ من موسى، دعا اللهَ على فرعونَ وملئِه أن يُغَيِّرَ أموالَهم عن هيئتِها، ويُبَدِّلَها إلى غيرِ الحالِ التي هي بها، وذلك نحوَ قولِه: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. يعنى به: منِ قبلِ أن نغيرَها عن هيئتِها التي هي بها. يقالُ منه: طَمَسْتُ عينَه أطمِسَها، وأطمُسَها طمْسًا وطُمُوسًا. وقد تَستِعملُ العربُ الطمسَ فى العُفُوِّ والدُّثورِ، وفى الاندقاقِ والدُّروسِ، كما قال كعبُ بنُ زهيرٍ (٣): مِن كلٍّ نضَّاحَةِ الذِّفْرَى إِذا عَرِقَت … عُرضَتُها طَامسُ الأعلامِ مجهولُ وقد اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك في هذا الموضعِ؛ فقال جماعةٌ منهم فيه مثلَ قولِنا

стр. 8337

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبى (١) زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنى ابنُ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، قال: بَلَغَنا عن القُرظيِّ في قولِه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: اجعلْ سُكَّرَهم (٢) حجارةً. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، قال: جعَل (٣) سُكَّرَهم حجارةً (٤) حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: جعلَها (٥) حجارةً (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ابنُ سعدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: صارت حجارةً (٧)

стр. 8338

حدَّثنابشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: بَلَغَنا أن زروعَهم تحوَّلت حجارةً (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: بلغنَا أن حُروثًا (٢) لهم صارت حجارةً. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا قبيصةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: يقولون: صارت حجارةً. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يحيى الحِمَّانيُّ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: صارت حجارةً (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: بَلَغنا أن حروثًا لهم صارت حجارةً (٤). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾.

стр. 8339

قال: جَعَلها الله حجارةً منقوشةً على هيئةِ ما كانت (١). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: قد فَعَل ذلك، وقد أصابَهم ذلك، طَمَس على أموالهم، فصارت حجارةً؛ ذَهَبُهم ودراهمُهم وعَدَسُهم، وكلُّ شيءٍ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: أهلِكْها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: أهلِكْها. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ (٣) أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤) حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. يقولُ: دَمِّرْ عليهم

стр. 8340

وأهلِكْ أموالَهم (١). وأما قولُه: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. فإنه يعنى: واطبَع عليها حتى لا تلينَ ولا تنشرحَ بالإيمانِ. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: وقال موسى قبلَ أن يأتىَ فرعونُ: ربنا اشدُدْ على قلوبِهم فلا يؤمِنوا حتى يَرَوا العذابَ الأليمَ. فاستجاب اللهُ له، وحالَ بينَ فرعونَ وبين الإيمانِ حتى أدرَكَه الغرقُ، فلم ينفعْه الإيمانُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: واطبع على قلوبِهم ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وهو الغرقُ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: بالضلالةِ. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (٤) ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. قال: بالضلالِة (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن

стр. 8341

مجاهدٍ مثلَه حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضّحَاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: أهلكهم كفارًا (١) وأما قولُه: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. فإن معناه: فلا يصدِّقوا بتوحيدِ اللهِ ويُقِرُّوا بوحدانيتِه حتى يَرَوا العذابَ المُوجعَ (٢). كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ باللهِ، فيما يَرَون من الآياتِ، ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣). قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: سمِعتُ المقرئُ (٤) يقولُ: ﴿فَلَا

стр. 8342

يُؤْمِنُوا﴾. يقولُ: دُعاءٌ عليهم. واختلف أهلُ العربيةِ فى موضعِ ﴿يُؤْمِنُوا﴾؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: هو نصبٌ؛ لأن جوابَ الأمرِ بالفاءِ، أو يكونُ دعاءً عليهم إذ عَصَوا. وقد حُكى عن قائل هذا القولُ أنه كان يقولُ: هو نصبٌ، عطفًا على قولِه: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾. وقال آخرُ منهم (١) - وهو قولُ نحويى الكوفيينَ: موضعُه جزمٌ على الدعاءِ مِن موسي عليهم، بمعني: فلا آمنوا (٢)، كما قال الشاعرُ (٣): فلا يَنْبَسط مِن بينِ عَينَيك ما انزَوَى … ولا تَلقَنى إلا وأنفُكَ رَاغِمُ بمعنى: فلا انبسَطَ مِن بينِ عينَيك ما انزَوى، ولا لَقِيتَنى. على الدعاءِ. [وكان بعضُ نحويبى الكوفةِ يقولُ: هو دعاءٌ، كأنه قال: اللهمَّ] (٤) فلا يؤمنوا. قال: وإن شئتَ جعلتَها جوابًا لمسئلتِه إياه؛ لأن المسئلةَ خَرَجَت على لفظِ الأمرِ، فتجعلُ ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾، في موضعِ نصبٍ على الجوابِ، وليس بسهلٍ قال: ويكونُ كقولِ الشاعرِ (٥): يا ناقُ سيرى عَنَقًا (٦) فسيحا … إلى سليمانَ فَنستريحا قال: وليس الجوابُ بسهلٍ في الدعاءِ؛ لأنه ليس بشرطٍ.

стр. 8343

والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنه فى موضعِ جزمٍ على الدعاءِ، بمعنى: فلا آمنوا. وإنما اخترتُ ذلك لأن ما قبلَه دعاءٌ، وذلك قولُه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، فإلحاقُ قولِه: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾. إذ كان في سياقِ ذلك بمعناه أشبهُ وأولى. وأما قولُه: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. فإن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: معناه: حتى يَرُوا الغرقَ. وقد ذكَرنا الروايةَ عنه بذلك مِن بعضِ وجوهِها فيما مضَى (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. قال: العَرقُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. وهذا خبرٌ مِن الله عن إجابتِه لموسى ﷺ وهارونَ دعاءَهما على فرعونَ وأشرافِ قومِه وأموالِهم. يقولُ جلَّ ثناؤه: قال اللهُ لهما: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ في فرعونَ وملئِه وأموالِهم. فإن قال قائلٌ: وكيف نُسبت الإجابة إلى اثنين والدعاءُ إنما كان من واحدٍ؟ قيل: إن الداعىَ وإن كان واحدًا، فإن الثاني كان مؤمِّنًا وهو هارونُ، فلذلك نُسِبت الإجابةُ إليهما؛ لأن المؤمِّنَ داعٍ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ

стр. 8344

جريجٍ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، قال (١): ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. [قال: كان موسى يدعو وهارونُ يؤمنُ، فذلك قولُه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾] (٢). وقد زَعَم بعضُ أهلُ العربيةِ أن العربَ تخاطبُ الواحدَ خطابَ الاثنين، وأنشَد في ذلك (٣): فقلتُ لصاحبي لا تُعجَلانَا (٤) … بِنَزعِ أصولِه واجتَزَّ شِيحَا حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زكريا بنُ عدىٍّ، عن ابنُ المباركِ، عن إسماعيلَ ابنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ، قال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. قال: دعا موسى، وأمَّن هارونُ (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي وزيدُ بنُ حبابٍ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: دعا موسى، وأمَّن هارونُ (٦) قال: ثنا أبو معاويةَ، عن شيخٍ له، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: دعا موسى وأمَّن هارونُ. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى

стр. 8345

العاليةِ، قال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. قال: دعا موسى، وأمَّن هارونُ (١). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: دعا موسى، وأمَّن هارونَ، فذلك قولُه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. قال: كان موسى يدعو وهارونُ يؤمِّنُ، فذلك قولُه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباس: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾؛ لموسى وهارونَ، قال ابنُ جريجٍ: قال عكرمةُ: أمَّن هارونُ على دعاءِ موسى، فقال اللهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان هارونُ (٥) يقولُ: آمين. فقال اللهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. فصار التأمينُ دعوةً، صار شريكَه فيها (٦). وأما قولُه: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾. فإنه أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لموسى وهارونَ

стр. 8346

بالاستقامة والثباتِ على أمرِهما من دعاءِ فرعونَ وقومِه إلى الإجابةِ إلى توحيدِ اللهِ وطاعتِه، إلى أن يأتيهَم عقابُ اللهِ الذي أخبَرهما أنه أجابهما فيه. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: فامضيا لأمرى، وهى الاستقامةُ. قال ابنُ جريجٍ: يقولون: إن فرعونَ مكثَ بعدَ [هذه الدعوةِ] (١) أربعين سنةً (٢). وقولُه: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولا تَسلُكانِّ طريقَ الذين يَجهَلون حقيقةَ وعدى، فتستَعجِلان قَضائى، فإن وعدى لا خُلفَ له، وإن وعيدى نازلٌ بفرعونَ، وعذابى واقعٌ به وبقومِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقطَعنا ببنى إسرائيلَ البحرَ حتى جاوَزوه، ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾. يقولُ: فتَبِعهم فرعونُ، ﴿وَجُنُودُهُ﴾. يقالُ منه: أتبَعتُه وتبِعتُه، بمعنًى واحدٍ. وقد كان الكسائيُّ فيما ذكَر أبو عبيدٍ عنه يقولُ: إذا أُريدَ أنه أتبَعهم خيرًا أو شرًّا، فالكلامُ (٣): أتبَعَهم بهمزِ الألفِ، وإذا أريد أنه (٤) اتَّبع أثرَهم أو اقتدَى بهم،

стр. 8347

فإنه من اتَّبعتُ، مشددةَ التاءِ غير مهموزةِ الألفِ ﴿بَغْيًا﴾ على موسى وهارونَ ومَن معهما مِن قومِهما مِن بني إسرائيلَ، ﴿وَعَدْوًا﴾. يقولُ: واعتداءً عليهم. وهو مصدرٌ مِن قولهم: عَدا فلانٌ على فلانٍ في الظلمِ، يَعدو عليه عدوًا. مثل: غزا يَغْزُو غزوًا. وقد رُوى عن بعضِهم أنه كان يقرَأُ: (بغيا وعُدُوا) (١). وهو أيضًا مصدرٌ مِن قولهم: عَدَا يعدوا عدُوًّا. مثل: علا يَعلو عُلوًّا. ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾، يقولُ: حتى إذا أحاطَ به الغرقُ. وفي الكلامِ متروكٌ قد تُرِك ذكرُه اكتفاءً (٢) بدَلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليه، وذلك: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾، فيه فغَرَّقناه، ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾. وقولُه: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ فرعونَ حينَ أشفَى (٣) على الغرقِ وأيقَن بالهلكة: ﴿آمَنْتُ﴾. يقولُ: أَقرَرتُ ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك. فقرَأه بعضُهم، وهو قراءةُ عامةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿أَنَّهُ﴾، بفتحِ الألفِ مِن ﴿أَنَّهُ﴾ على إعمالِ آمنتُ فيها ونصبِها به (٤).

стр. 8348

وقرأ آخرون: (آمنتُ إنه)، بكسرِ الألفِ مِن ﴿أَنَّهُ﴾ على ابتداءِ الخبرِ، وهى قراءةُ عامةِ الكوفيين (١). والقولُ فى ذلك عندى أنهما قراءتان مُتقاربنا المعنى، وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدّادٍ، قال: اجتمَع يعقوبُ وبنوه إلى يوسفَ، وهم اثنان وسبعون، وخرَجوا مع موسى مِن مصرَ حينَ خَرجوا، وهم ستُّمائةِ ألفٍ فلما أدرَكهم فرعونُ فرأَوه، قالوا: يا موسى أين المخرجُ فقد أُدركنا؟ قد كُنَّا نلقَى مِن فرعونَ البلاءَ. فأوحَى اللهُ إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] ويَبِسَ لهم البحرُ، وكشَفَ اللهُ عن وجهِ الأرضِ، وخرَج فرعون على فرسٍ حصانٍ أدهَمَ (٢)، على لونِه مِن الدُّهم ثمانمائةِ ألفٍ سِوى ألوانِها من الدوابِّ، وكانت تحتَ جبريلَ ﵇ فرسٌ وَدِيقٌ (٣) ليس فيها أنثى غيرُها، وميكائيلُ يسوقُهم، لا يَشِذُّ رجلٌ منهم إلا ضَمَّه إلى الناسِ، فلما خرَج آخِرُ بني إسرائيلَ دَنا منه جبريلُ ولَصِقَ به، فوجَدَ الحصانُ ريحَ الأنثى، فلم يَمِلكْ فرعونُ مِن أمره شيئًا، وقال: أقدمِوا، فليس القومُ أحقَّ بالبحرِ منكم. ثم

стр. 8349

أتبعَهم فرعونُ، حتى إذا همَّ أولُهم أن يخرُجوا، ارتَطَم ونادى فيها: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ونُودى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ وعن عديِّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ، جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رفعَه (٢) أحدُهما إلى النبيِّ ﷺ . فقال: "إن جبريلَ كان يَدُسُّ فى فمِ فرعونَ الطينَ مخافةَ أن يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ" (٣). حدَّثني الحسينُ بنُ عمرُو بنِ محمدٍ العنقزىُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، و (٤) عن عديِّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "جعَل جبريلُ ﵇ يدُسُّ -أو يحشو- في فمِ فرعونَ الطينَ مخافة أن تُدرِكَه الرحمةُ". حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن كثيرِ بنِ زاذانَ، عن أبى حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبىُّ ﷺ : "قال لى جبريلُ: يا محمدُ، لو رأيتَنى وأنا أَغِطُّه (٥) وأدُسُّ من الحالِ (٦) فى فِيه مخافةَ أن تُدركَه رحمةُ اللهِ

стр. 8350

فيغفِرَ له". يعني فرعونَ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن علىٍّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: "لمَّا أغرَق اللهُ فرعونَ قال: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمَنَت به بنو إسرائيلَ. فقال جبريلُ: يا محمدُ، لو رأيتَني وأنا أخُذُ مِن حالِ (٢) البحرِ وأدُسُّه في فِيه، مخافةَ أن تُدرِكَه الرحمةُ" (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثني عمرُو بنُ (٤) حكامٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لمَّا قال فرعونُ: لا إله إلا اللهُ. جَعَل جبريلُ يحشُو في فِيه الطينَ والترابَ". حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: أخبَرني من سمِعَ ميمونَ بنَ مهرانَ يقولُ في قولِه: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. قال: أخَذ جبريلُ مِن حَمأةِ البحرِ فضرَب بها فاه -أو قال: ملأ بها فاه- مخافةَ أن تُدرِكَه رحمةُ الله. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ علىٍّ، عن جعفرِ بنِ بُرقانَ، عن ميمونِ ابنِ مهرانَ، قال: خطَب الضحاكَ بنُ قيسٍ، فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: إن فرعونَ كان عبدًا طاغيًا ناسيًا لذكرِ اللهِ، فلما أدرَكه الغرقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا

стр. 8351

إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال اللهُ: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال: ثني أبي، عن شعبة، عن عديِّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن فِرعونَ لما أدركه الغرقُ جعَل جبريلُ يَحشُو (١) في فِيه الترابَ خشيةَ أن يُغفرَ له قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، عن عيسى بنِ المغيرةِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، أن جبريلَ ﵇ [قال: ما حسَدتُ أحدًا] (٢) مِن بنى آدمَ (٣) الرحمةَ إلا فرعونَ، فإنه حينَ قال ما قال خشيتُ أن تصلَ إلى الربِّ فأخَذتُ مِن حَمأةِ البحر وزَبدِه، فضرَبتُ به عينَيه ووجهَه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: أخبَرنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عمرَ بنِ يعلى، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ ﵇: لقد حَشَوتُ فاه بالحَمأةِ مخافةَ أن تُدرِكَه الرحمةُ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُعرّفًا فرعونَ قُبحَ صَنيعه أيامَ حياتِه، وإساءتَه إلى نفسِه أيامَ صحتِه، بتمَادِيه ومعصيتِه ربَّه، حينَ فَزِعَ إليه فى حالِ حلولِ سَخَطِه به، ونُزُولِ

стр. 8352

عقابِه به (١)، مُستَجِيرًا به من عذابِه الواقعِ به، لما ناداه وقد عَلَته أمواجُ البحرِ، وغَشِيته كُربُ الموتِ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ له، المُنقادين بالذلةِ له، المُعترِفين بالعبوديةِ: الآن تُقِرُّ للهِ بالعبوديةِ، وتستسلمُ له بالذلة، وتُخلص له الألوهةَ، وقد عصيتَه قبلَ نزولِ نِقمتَه بك، فأسخَطتَه على نفسِك، وكنتَ مِن المفسدين فى الأرضِ، الصادِّين عن سبيلِه؟ فهلَّا وأنت فى مَهَلٍ، وبابُ التوبةِ لك منفِتحٌ، أقررتَ بما أنت به الآن مُقِرٌّ؟. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لفرعونَ: فاليوم نجعَلُك على نَجوةٍ مِن الأَرضِ ببدنِك، ينظُرُ إليك هالكًا من كذَّب بهلاكِك؛ ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. يقولُ: لتكون (٢) لمَن بعدَك مِن الناسِ عبرةً يعتَبِرون بك، فيَنَزجِرون عن معصيةِ اللهِ والكفرِ به، والسَّعي في أرضِه بالفسادِ. والنَّجوةُ، الموضعُ (٣) المرتفعُ على ما حولَه مِن الأرضِ، ومنه قولُ أوسِ بنِ حجر (٤): فَمَن بِعَقوتِه (٥) كَمَن بِنجوتِه … والمُستَكِنُّ كَمَن يَمشى بِقِرواحِ (٦)

стр. 8353

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنَ سليمانَ، عن أبيه، عن أبي السَّليلِ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ (١) أو (٢) غيرِه، قال: قالت (٣) بنو إسرائيلَ لموسى: إنه لم يَمت. تعنى (٤) فرعونَ. قال: فأخرَجه اللهُ إليهم ينَظُرون إليه مثلَ الثورِ الأحمرِ (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن سعيد الجُرَيريِّ، عن أبي السَّليلِ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ (٦) - قال: وكان مِن أكثرِ (٧) الناسِ، أو: أحدثِ الناسِ- عن بني إسرائيلَ. قال: فحدَّثنا أن أولَ جنودِ فرعونَ لمَّا انتهَى إلى البحرِ، هابَت الخيلُ اللِّهبَ (٨). قال: ومَثَل لحصانٍ منها فرسٌ وَديقٌ، فَوَجَد ريحَها. قال أبو جعفرٍ: أحسَبُه أنا قال: فانسلَّ فاتَّبعَته الخيلُ (٩) - قال: فلمَّا تتامَّ آخرُ جنودِ فرعونَ في البحرِ، وخرَج آخرُ بنى إسرائيلَ، أُمِر البحرُ فانصفَق (١٠) عليهم،

стр. 8354

فقالت بنو إسرائيلَ: ما مات فرعونُ، وما كان ليموتَ أبدًا. فَسَمِعَ الله تكذيبَهم نبيَّه ﵇. قال: فرَمَى به على الساحلِ، كأنه ثورٌ أحمرُ يَتراءاه بنو إسرائيلَ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾. قال: بدنُه جسدُه، رمَى به البحرُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾. قال: بجسدِك. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١) حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بنِ أبي أيوبَ، قال: ثنى سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا جاوَز موسى البحرَ بجميعِ مَن معه، التقى البحرُ عليهم -يعنى على فرعونَ وقومِه- فأغرَقَهم، فقال أصحابُ موسى: إنا نخافُ أن لا يكونَ فرعونُ، غَرِقَ، ولا نؤمِنُ بهلاكِه. فَدَعا ربَّه فأخرَجه، فنبَذَه البحر حتى استيقَنوا بهلا كهـ (٢)

стр. 8355

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ (١)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. يقولُ: أنكرَ ذلك طوائفُ مِن بني إسرائيلَ، فقذَفه اللهُ على ساحلِ البحرِ يَنظُرون إليه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. قال: لما غرَّق (٢) اللهُ فرعونَ، لم تصدِّقْ طائفةٌ مِن الناسِ بذلك، فأخرَجه اللهُ آيةً وعِظَةً (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ التيميِّ، عن أبيه، عن أبي السَّليلِ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ أو غيرِه، بنحوِ حديثِ ابنِ عبدِ الأعلى، عن معتمرٍ (٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن ابنِ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ.، عن مجاهدٍ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾، قال: بجسدِك. [ثنا ابنُ وكيعِ] (٥) قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٦)، عن ابنِ جريجٍ، قال: بَلَغنى عن مجاهدٍ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾. قال: بجسدِك. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: كَذَّبَ بعضُ بني إسرائيلَ بموتِ فرعونَ، فرَمَى به على ساحلِ البحِر ليَراه بنو

стр. 8356

إسرائيلَ. قال: أحمرُ كأنه ثورٌ. وقال آخرون: [معنى ذلك] (١) تَنْجو بجسدِك مِن البحرِ، فتخرجُ منه ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. يقولُ: أنجَى اللهُ فرعونَ لبنى إسرائيلَ مِن البحرِ، فنَظَروا إليه بعدَ ما غَرِقَ (٢). فإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿بِبَدَنِكَ﴾؟ وهل كان (٣) يجوز أن يُنَجِّيه بغيرِ بدنِه، فيحتاجُ الكلامُ إلى أن يقالَ فيه: ﴿بِبَدَنِكَ﴾؟ قيل: كان جائزًا أن يُنَجِّيَه بهيئتِه حيًّا كما دَخَل البحرَ، فلما كان جائزًا ذلك، قيل: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾، ليُعْلَمَ أنه ينجِّيه بالبدنِ بغيرِ روحٍ، ولكن ميتًا. وقولُه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا﴾، يعني: عن حُجَجنا وأدلتِنا على أن العبادةَ والألوهة لنا خالصةٌ، ﴿لَغَافِلُونَ﴾. يقولُ: لساهون، لا يَتَفكَّرون فيها، ولا يَعْتَبِرون بها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾.

стр. 8357

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أنزلنا بني إسرائيلَ منازلَ صِدْقٍ. قيل: عُنى بذلك الشامُ وبيتُ المقدسِ. وقيل: عُنِى به الشامُ ومصرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ وأبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكَ: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾. قال: منازلَ صدقٍ؛ مصرَ والشامَ (١) حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾. قال: بَوَّأَهم اللهُ الشامَ وبيتَ المقدسِ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾. [قال: مبوأُ صدقٍ] (٣): الشامُ. وقرأ: ﴿الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤) [الأنبياء: ٧١]. وقولُه: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. يقولُ: ورَزَقنا بني إسرائيلَ مِن حلالِ الرزقِ، وهو الطيِّبُ. وقولُه: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: فما اخْتَلف هؤلاء الذين فَعَلنا هذا الفعل من بني إسرائيلَ، حتى جاءَهم ما كانوا به

стр. 8358

عالمين؛ وذلك أنهم كانوا قبلَ أن يُبْعَثَ محمدٌ ﷺ مُجْمِعِين على نبوةِ محمدٍ، والإقرارِ به وبمَبْعثِه، غيرَ مختلِفين فيه بالنعتِ الذى كانوا يجدونه مكتوبًا عندَهم، فلما جاءهم ما عَرَفوا كَفَرَ به بعضُهم، وآمَن به بعضُهم، والمؤمنون به منهم كانوا عددًا قليلًا. فذلك قولُه: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ [الْعِلْمُ﴾. ومعناه: حتى جاءَهم] (١) المعلومُ الذى كانوا يعلمونه نبيًّا للهِ. فَوَضَعَ "العِلْمَ" مكانَ المعلومِ. وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ "العلمَ" ههنا كتابَ اللهِ ووَحْيَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بغيًا بينهم (٢). قال: العلمُ كتابُ اللَّهِ الذى أنزله، وأمرُه الذى أمَرهم به، وهل اختلَفوا حتى جاءهم العلمُ بغيًا بينهم؟ أهلُ هذه الأهواِء هل اقْتَتلوا إلا على البغيِ؟ قال: والبغىُ وجهان؛ وجهُ النَّفَاسِةِ في الدنيا، ومَن اقتَتلَ عليها من أهلِها، وبغىٌ فى العلمِ، يَرَى هذا جاهلًا مُخْطِئًا، ويرى نفسَه مصيبًا عالماً، فيبْغى بإصابتِه وعلمِه على هذا المخطئ (٣). وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : إن ربَّك يا محمدُ يَقْضِى بين المختلِفين مِن بني إسرائيلَ فيك (٤) يومَ القيامةِ، فيما كانوا فيه مِن أمرِك (٥) في الدنيا يختلِفون، بأن

стр. 8359

يُدْخِلَ المُكذِّبين بك منهم النارَ، والمؤمنين بك منهم الجنةَ. فذلك قضاؤُه فيهم يومَئِذٍ فيما كانوا فيه يَخْتَلِفون من أمرِ محمدٍ ﷺ . القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فإن كنتَ يا محمدُ في شَكٍّ مِن حقيقةِ ما أخبَرناك [وأَنزَلنا] (١) إليك مِن أن بنى إسرائيلَ لم يَخْتَلِفوا في نبوتِك قبلَ أن تُبْعَثَ رسولاً إلى خلقِنا (٢)؛ لأنهم يَجِدونك عندَهم مكتوبًا، ويَعْرِفونك بالصفةِ التي أنت بها موصوفٌ في كتابِهم فى التوراةِ والإنجيلِ، ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ل﴾ مِن أهلِ التوراةِ والإنجيلِ؛ كعبدِ اللَّهِ بنِ سلامٍ، ونحوه مِن أهلِ الصدقِ والإيمان بك منهم، دونَ أهلِ الكذبِ والكفرِ بك منهم. وبنحوِ الذى قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: التوراةَ والإنجيلِ، الذين أدْرَكوا محمدًا ﷺ من أهلِ الكتابِ فأمَنوا به. يقولُ: سَلْهم إن كنتَ فى شكٍّ بأنك مكتوبٌ عندَهم (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ

стр. 8360

كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: هو عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ، كان مِن أهلِ الكتابِ، فآمَن برسولِ اللهِ ﷺ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: يعنى أهلَ التقوى وأهلَ الإيمانِ من أهلِ الكتابِ ممن أدَرك نبىَّ الله ﷺ (٣). فإن قال قائلٌ: أوَ كان رسولُ اللهِ ﷺ فى شكٍّ مِن خبرِ اللهِ أنه حقٌّ يقينٌ، حتى قيلَ له: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قيل: لا. وكذلك قال جماعةٌ منِ أهلِ العلمِ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾. فقال: لم يشُكَّ النبيُّ ﷺ ولم يسألْ (٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا سويدُ بنُ عمرٍو، عن أبي عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: ما شكَّ وما سأل (٥).

стр. 8361

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلامٍ، قال: ثنا هشيم، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ومنصورِ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ، قال: لم يشُكٍّ رسولُ اللهِ ﷺ ولم يسألْ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: ذُكِر لنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لا أشُكُ ولا أَسْأَلُ". حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: بَلَغَنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لا أَشُكُ ولا أسألُ" (٢). فإن قال (٣): فما وجهُ مخرجِ هذا الكلامِ إذن إن كان الأمرُ على ما وصفت؟ قيل: قد بَيَّنا في غيرِ موضعِ مِن كتابِنا هذا، استجازةَ العربِ قولَ القائلِ منهم لمملوكِه: إن كنتَ مملوكي فانْتهِ إلى أمرى. والعبدُ المأمورُ بذلك لا يشكُّ سيدُه القائلُ له ذلك أنه عبدُه، كذلك قولُ الرجلِ منهم لابنِه: إن كنتَ ابني فَبِرَّنى. وهو لا يشُكُّ فى ابنِه أنه ابنُه، وإن ذلك مِن كلامِهم صحيحٌ مستفيضٌ فيهم، وذكرَنا ذلك بشواهدِه، وأن منه قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقد عَلِم جلّ ثناؤُه أن عيسى لم يقُلْ ذلك، وهذا من ذلك، لم يكنْ ﷺ شاكًّا في حقيقةِ خبرِ اللَّهِ وصحته، والله تعالى بذلك من أمره كان عالمًا، ولكنه جلّ ثناؤُه خاطَبه خطابَ قومِه

стр. 8362

بعضهم بعضًا، إذ كان القرآنُ بلسانهم نَزَلَ. وأما قولُه: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. فهو خبرٌ مِن اللهِ مبتدأٌ، يقولُ تعالى ذكرُه: أُقسِمُ لقد جاءك الحقُّ اليقينُ مِن الخبِر بأنك للَّهِ رسولٌ، وأن هؤلاء اليهودَ والنصارى يَعْلَمون صحةَ ذلك، ويَجِدون نعتَك عندَهم في كتُبِهم. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. يقولُ: فلا تكوننَّ مِن الشاكِّين في صحةِ ذلك وحقيقتِه. ولو قال قائلٌ: إن هذه الآيةَ خُوطب بها النبيُّ ﷺ ، [والمرادُ بها بعضُ مَن لم يكُنْ صَحت بصيرتُه بنبوتِ ﷺ ] (١) ممن كان قد أظهر الإيمانَ بلسانِه، تنبيهًا له على موضعِ تَعَرُّفِ (٢) حقيقةِ أمرِه الذى يزيلُ اللَّبْسَ عن قلبِه، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]. كان قولًا غيرَ مدفوعةٍ صحتُه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ : ولا تكونن يا محمدُ مِن الذين كذَّبوا بحُجَج الله وأدلتِه، فتكونَ ممن غُبِنَ حظَّه، وباع رحمةَ اللهِ ورضاه بسَخَطِه وعقابِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾.

стр. 8363

يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين وَجَبَت عليهم يا محمدُ كلمةُ ربِّك، وهى (١) لعنتُه إياهم، بقوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]. فَتَبَتَت عليهم. يقالُ. منه: حقَّ على فلانٍ كذا يَحِقُّ عليه. إذا ثَبَت ذلك عليه ووَجَب. وقولُه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقون بحجج الله، ولا يُقرون بوحدانية ربِّهم، ولا بأنك للهِ رسولٌ - ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ وموعظةٍ وعبرةٍ، فعايَنُوها- حتى يُعاينوا العذابَ الأليمَ، كما لم يؤمِنْ فرعونُ ومَلَؤُه، إذ حقَّت عليهم كلمةُ ربِّك، حتى عايَنوا العذابَ الأليمَ، فحينَئذٍ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونسُ: ٩٠]. حين لم ينفعه قيلُه ذلك، فكذلك هؤلاء الذين حَقَّت عليهم كلمةُ ربِّك من قومِك؛ مِن عبدةِ الأوثانِ وغيرِهم، لا يؤمنون بك فيَتَّبِعونك إلا فى الحينِ الذى لا يَنفَعُهم إيمانُهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: حقَّ عليهم سَخَطُ اللَّهِ بما عَصَوه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: حَقٌّ عليهم سَخَطُ اللَّهِ بما

стр. 8364

عَصَوهُ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: (فهَلَّا كانت قريةٌ آمنت). وهي كذلك فيما ذُكِرَ في قراءةِ أبيٍّ (٢). ومعنى الكلامِ: فما كانت قريةٌ آمَنت عندَ مُعاينتها العذابَ، ونزولَ سَخَطِ اللَّهِ بها، بعصيانِها ربَّها واستحقاقِها عقابِه، فنَفَعَها إيمانُها ذلك في ذلك الوقتِ، كما لم ينفَعْ فرعونَ إيمانُه حين أدركه الغرَقُ بعدَ تمادِيه في غَيِّه، واستحقاقِه سَخَطَ اللهِ بمعصيتِه ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾، فإنهم نَفَعَهم إيمانُهم بعدَ نزولِ العقوبةِ وحلولِ السخَطِ بهم، فاستَثْنى اللهُ قومَ يونسَ مِن أهلِ القرى الذين لم يَنْفَعْهم إيمانُهم بعدَ نزولِ العذابِ بساحتِهم، وأخرجَهم منهم، وأخبَر خلْقَه أنه نفعَهم إيمانُهم خاصةً مِن بينِ سائرِ الأممِ غيرِهم. فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ على ما وصفتَ مِن أن قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾. بمعنى: فما كانت قريةٌ آمَنت. بمعنى الجحودِ، فكيف نصَب ﴿قَوْمَ﴾، وقد علِمَت أن ما قبلَ الاستثناءِ إذا كان جحدًا كان ما بعدَه مرفوعًا، وأن الصحيحَ مِن كلامِ العربِ: ما قامَ أحدٌ إلا أخوك وما خَرَجَ (٣) إلا أبوك. قيل: إن ذلك إنما يكونُ كذلك إذا كان ما بعدَ الاستثناءِ مِن جنسِ ما قبلَه،

стр. 8365

وذلك أن الأخَ مِن جنس أحدٍ، وكذلك الأبُ، ولكن لو اختلَف الجنسانِ حتى يكونَ ما بعدَ الاستثناءِ مِن غيرِ جنسِ ما قبلَه، كان الفصيحُ مِن كلامِهم النصبَ، وذلك لو قلتَ: ما بَقِى فى الدارِ أحدٌ إلا الوتِدَ. وما عندَنا أحدٌ إلا كلبًا أو حمارًا. لأن الكلبَ والوتدَ والحمارَ مِن غيرِ جنسِ أحدٍ، ومنه قولُ النابغةِ الذُّبيانيِّ (١) ..................... عَيَّتْ (٢) جوابًا وما بالرَّبْعِ مِن أحدِ ثم قال: إِلَّا أَوَارِىَّ (٣) لأْيًا ما أُبَيِّنُها … والنُّؤْىُ كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ فنصَب الأوارِىَّ، إذ كان مستثنًى مِن غيرِ جنسِه، فكذلك نَصْبُ ﴿قَوْمَ يُونُسَ﴾، نُصبوا (٤) لأنهم أمةٌ غيرُ الأممِ الذين استُثْنُوا منهم ومن غيرِ جنسِهم وشكلِهم، وإن كانوا مِن بني آدمَ، وهذا الاستثناءُ الذي يسمِّيه بعضُ أهلِ العربيةِ الاستثناءَ المنقَطِعَ، ولو كان قومُ يونسَ بعضَ الأمةِ الذين استُثنوا منهم كان الكلامُ رَفْعًا، ولكنهم كما وَصفتُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾.

стр. 8366

يقولُ: لم تكُن قريةٌ آمَنتْ فنفَعَها الإيمان إذا نزَل بها بأسُ اللَّهِ إلا قريةَ يونسَ (١). قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: فلم تكْن قريةٌ آمَنتْ فنفعَها إيمانُها، كما نفعَ قومَ يونسَ إيمانُهم، إلا قومَ يونسَ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. يقولُ: لم يكنْ هذا في الأممِ قبلَهم، لم ينفَعْ قريةً كَفَرت ثم آمنت حينَ حَضَرها العذابُ فتُرِكت إلا قومَ يونسَ؛ لمَّا فَقَدوا نبيَّهم، وظَنُّوا أن العذابَ قد دَنا منهم، قَذَفَ الله فى قلوبِهم التوبةَ، ولَبِسوا المُسوحَ، وألهَوا (٣) بينَ كلِّ بهيمةٍ وولَدِها، ثم عَجُّوا إلى اللهِ أربعين ليلةً، فلما عرَفَ اللهُ الصَّدقَ مِن قلوبِهم، والتوبةَ والندامةَ على ما مَضَى منهم، كشفَ اللهُ عنهم العذابَ بعدَ أن تدَلَّى عليهم. قال: وذُكِر لنا أن قومَ يونسَ كانوا بنِينَوَى أَرضِ المُوصلِ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾. قال: بَلَعْنا أنهم خَرَجوا فتَزَلُوا على تلٍّ، وفَرَّقوا بينَ كلِّ بهيمةٍ وولدِها، يَدْعون اللهَ أربعين ليلةً، حتى تابَ عليهم (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الملكِ،

стр. 8367

عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: غَشَّى قومَ يونسَ العذابُ، كما يُغَشِّى الثوبُ بالقبرِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينِ، قال: ثني حجاجٌ، عن صالحٍ المُرِّىِّ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ: إن العذابَ كان هبَط على قومِ يونسَ، حتى لم يكنْ بينَهم وبينَه إلا قَدْرُ ثلُثى ميلٍ، فلما دَعَوا كشَف اللَّهُ عنهم (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وإسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ جميعًا، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾. قال: كما نَفَع قومَ يونسَ. زادَ أبو حذيفةَ فى حديثهِ قال: لم تكُن قريةٌ آمَنت حين رأتِ العذابَ فنفَعَها إيمانُها، إلا قومَ يونسَ مَتَّعْناهم (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللِه بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: ثنا رجلٌ قد قرَأ القرآنَ في صدرِه، في إمارةِ عمرَ بنِ الخطابِ، ﵁، فحَدَّثَ عن قومِ يونسَ حيث (٤) أنذرَ قومَه فَكَذَّبوه، فأخبرَهم أن العذابَ يُصِيبُهم، وفارقهم، فلما رَأوا ذلك وغَشِيهم العذابُ لكنِّهم (٥)، خَرَجوا مِن مساكنِهم، وصَعِدوا في مكانٍ رفيعٍ، وأنهم جَأَروا إلى ربِّهم ودَعوه مخلصين له الدينَ أن يكشِفَ عنهم العذابَ، وأن يُرْجِعَ إليهم رسولَهم. قال: ففى ذلك أنزَل اللهُ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا

стр. 8368

كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. فلم تكُنْ قريةٌ غَشِيها العذابُ، ثم أُمسِك عنها إلا قومَ يونسَ خاصةً، فلما رأى ذلك يونسُ لِكِنَّهُ، ذَهَب عاتبًا على ربِّه، وانطَلق مغاضبًا، وظنَّ أن لن يُقْدَرَ (١) عليه، حتى رَكِبَ في سفينةٍ، فأصابَ أهلَها عاصفٌ مِن الريحِ. فذكَر قصةَ يونسَ وخبرَه (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، قال: لمَّا رَأَوُا العذابَ ينزِلُ فَرَّقوا بينَ كلِّ أنثى وولدِها مِن الناسِ والأنعامِ، ثم قاموا جميعًا فدَعَوُا الله وأخلَصوا إيمانُهم، فرَأَوُا العذابَ يُكْشَفُ عنهم، قال يونسُ حينَ كُشِفَ العذابُ: أرجِعُ إليهم وقد كَذَبْتُهم! وكان يونسُ قد وَعَدهم العذابَ بصبحِ ثالثةٍ، فعندَ ذلك خَرَجَ مُغْضَبًا، وساءَ ظُنُّه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الملكِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لمَّا أُرسل يونسُ إلى قومِه يَدْعوهم إلى الإسلامِ وتَرْكِ ما هم عليه. قال: فَدَعاهم فأبَوا، فقِيل له: أخبِرْهم أن العذابَ مُصَبِّحُهم. فقالوا: إنا لم تُجرِّب عليه كَذِبًا، فانظُروا، فإن باتَ فيكم فليس بشيءٍ، وإن لم يَبِتْ فاعْلَموا أن العذابَ مُصَبِّحُكم. فلما كان في جوفِ الليلِ أخَذَ عُلاثَةً (٣)، فتَزوَّدَ منها (٤) شيئًا، ثم خرَج، فلما أصبَحوا تَغَشَّاهم العذابُ كما يَتَغَشَّى الإنسانَ الثوبُ فى القبرِ، فَفَرَّقوا بينَ الإنسانِ وولدِه وبينَ البهيمةِ وولدِها، ثم عَجُّوا إلى اللهِ، فقالوا: آمنَّا بما جاءنا به يونسُ وصدَّقْنا. فكشَفَ اللهُ عنهم العذابَ، فخرَج يونسُ

стр. 8369

ينظُرُ العذابَ فلم يرَ شيئًا، قال: جَرَّبوا علىَّ كَذِبًا فَذَهَبَ مُغاضِبًا ربَّه حتى أتَى البحرَ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: ثنا ابنِ مسعودٍ في بيتِ المالِ، قال: إن يونسَ كان قد وعدَ قومَه العذابَ، وأخبرَهم أنه يأتيهم إلى ثلاثةِ أيامٍ، ففَرَّقوا بيَن كلِّ والدةٍ وولدِها، ثم خَرَجوا فجَأَروا إلى اللَّهِ واستغفَروه، فكَفَّ اللَّهُ عنهم العذابَ، وغدا يونسُ ينظرُ العذابَ، فلم يرَ شيئًا، وكان مِن كذَب ولم تكُنْ له بيِّنةٌ قُتِل، فانطلقَ مُغاضِبًا (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا صالحٌ المُرِّىُّ، عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ، عن أبى الجَلْدِ جِيلانَ، قال: لمَّا غَشَّى قومَ يونسَ العذابُ، مَشَوا إلى شيخٍ مِن بقيِة علمائِهم، فقالوا له: إنه قد نزَل بنا العذابُ، فما تَرى؟ فقال: قولوا: يا حيُّ حينَ لا حىٌّ، ويا حىٌّ مُحْيي الموتى، ويا حىٌّ لا إلهَ إلا أنت. فكُشِفَ عنهم العذاب ومُتِّعوا إلى حينٍ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: بلغني في حرفِ ابنِ مسعودٍ: ﴿فَلَوْلَا﴾. يقولُ: (فهلا) (٣). وقوله: ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ:

стр. 8370

لمَّا صَدَّقوا رسولَهم وأقرُّوا بما جاءهم به بعدَما أظَلَّهم العذابُ، وغَشِيَهم أمرُ اللَّهِ، ونزَل بهم البلاءُ، كَشَفنا عذابَ الهوانِ والذلِّ في حياتِهم الدنيا، ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. يقولُ: وأَخَّرنا في آجالهم ولم نُعاجِلهم بالعقوبةِ، وتَرَكناهم في الدنيا يَسْتَمْتعون فيها بآجالِهم إلى حينِ مماتِهم، ووقتِ فناءِ أعمارِهم التي قَضَيْتُ فَناءَها (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: ﴿وَلَوْ شَاءَ﴾ يا محمدُ ﴿رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ بك فصَدَّقوك أنك لى رسولٌ، وأن ما جئتَهم به وما تَدْعوهم إليه، مِن توحيدِ اللهِ وإخلاصِ العبودةِ له، حقٌّ، ولكنه (٢) لا يشاءُ ذلك؛ لأنه قد سبَق مِن قضاءِ اللهِ قبلَ أن يبعَثك رسولًا: إنه لا يؤمِنُ بك ولا يتَّبعُك فيصدِّقُك بما بعثكَ اللهُ به مِن الهُدى والنورِ إلا مِن قد (٣) سَبَقَت له السعادةُ فى الكتابِ الأوَلِ، قبلَ أن يَخْلُقَ السماواتِ والأرضَ وما فيهن. وهؤلاء الذين عَجِبوا [مِن صِدْقِ إيحائِنا إليك هذا القرآنَ] (٤)؛ لتُنْذِرَ به مِن أمرتُك بإنذارِه ممن قد سبق له عندى أنهم لا يؤمنون بك في الكتابِ السابقِ. وبنحوِ الذي قلنا الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
следующие страницы →