ويعني بقولِه: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: عددُ كلِّ دابةٍ، ومبلغُ أرزاقِها، وقدرُ قرارِها في مستقرِّها، ومدةُ لُبْثِها في مستودعِها، كلُّ ذلك في كتابٍ عندَ اللَّهِ مُثْبَتٌ مكتوبٌ، ﴿مُبِينٍ﴾: يُبِينُ لمَن قرأه أن ذلك مثبتٌ مكتوبٌ قبلَ أن يخلقَها ويُوجِدَها.
وهذا إخبارٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤُه الذين كانوا يَثْنون صدورَهم ليَسْتَخْفوا منه، أنه قد عَلِمَ الأشياءَ كلَّها، وأثبَتَها في كتابٍ عندَه قبلَ أن يَخلقَها ويُوجِدَها.
يقولُ لهم تعالى ذكره: فمَن كان قد عَلِمَ ذلك منهم قبلَ أن يُوجِدَهم، فكيف يَخْفَى عليه ما تَنْطَوي عليه نفوسُهم إذا ثَنَوا به صدورَهم، واسْتَغْشَوا عليه ثيابَهم؟
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي إليه مرجعُكم أيُّها الناسُ جميعًا، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. يقولُ: أَفيَعجِزُ مَن خَلَقَ ذلك مِن غيرِ شيءٍ أن يُعِيدَكم أحياءً بعدَ أن يُمِيتَكم؟
وقيل: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه خلَق السماواتِ والأرضَ وما فيهنَّ في الأيامِ الستةِ، فاجتُرِئَ في هذا الموضعِ بذكْرِ خلْقِ السماواتِ والأرضِ مِن ذكرِ خلْقِ ما فيهنَّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني إسماعيلُ بنُ أميةَ، عن أيوبَ بنِ خالدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رافعٍ، مولى أمِّ سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: أَخَذ رسولُ اللَّهِ ﷺ بيدي، فقال: "خَلَقَ اللَّهُ التُّربةَ
стр. 8402
يومَ السبتِ، وخَلَقَ الجبالَ فيها يومَ الأحدِ، وخَلَقَ الشجرَ فيها يومَ الاثنينِ، وخَلَقَ المكروهَ يومَ الثلاثاءِ، وخَلَقَ النورَ يومَ الأربعاءِ، وبَثَّ فيها من كلِّ دابةٍ يومَ الخميسِ، وخَلَقَ آدمَ بعدَ العصرِ مِن يومِ الجمعةِ في آخرِ الخلقِ، في آخرِ ساعاتِ الجمعةِ، فيما بَيْن العصرِ إلى الليلِ" (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. قال: بدأ خلقَ الأرضِ في يومين، وقَدَّرَ فيها أقواتَها في يومين.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن كعبٍ،
стр. 8403
قال: بدأ اللَّهُ خلقَ السماواتِ والأرضِ يومَ الأحدِ والاثنينِ والثلاثاءِ والأربعاءِ والخميسِ، وفَرَغَ منها يومَ الجمعةِ، فَخَلَقَ آدمَ في آخرِ ساعةٍ مِن يومِ الجمعةِ، قال: فجَعَلَ مكانَ كلِّ يومٍ ألفَ سنةٍ (١).
وحُدِّثْتُ عن المسيبِ بنِ شريكٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. قال: مِن أيام الآخرةِ، كلُّ يومٍ مقدارُه ألفُ سنةٍ، ابتدأ في الخلقِ يومَ الأحدِ، واجْتَمع (٢) الخلقُ يومَ الجمعةِ، فسُمِّيَت الجمعةَ، وسَبَت يومَ السبتِ، فلم يخلُقْ شيئًا (٣).
وقولُه: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. يقولُ: وكان عرشُه على الماءِ قبلَ أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ وما فيهن.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. قال: كان عرشُه على الماءِ قبلَ أن يخلُقَ شيئًا (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
стр. 8404
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: نا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: يُنَبِّئُكم ربُّكم ﵎ كيف كان بدءُ خلقِه قبلَ أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. قال: هذا بدءُ خلقِه قبلَ أن يخلُقَ السماءَ والأرضَ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن يَعْلى بنِ عطاءٍ، عن وكيعِ بنِ حُدُسٍ، عن عمِّه أبي رزينٍ العُقيليِّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أين كان ربُّنا قبلَ أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ؟ قال: "في عَمَاءٍ (٣)، فوقَه هواءٌ، وتحتَه هواءٌ، ثم خَلَقَ عرشَه على الماءِ" (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ ومحمدُ بنُ هارونَ القطانُ الرازقيُّ، قالا: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن يَعْلى بنِ عطاءٍ، عن وكيعِ بنِ حُدُسٍ، عن عمِّه أبي رزينٍ، قال: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، أين كان ربُّنا قبل أن يخلُقَ خلقَه؟ قال: "كان في عَمَاءٍ،
стр. 8405
ما فوقَه هواءٌ، وما تحتَه هواءٌ، ثم خَلَقَ عرشَه على الماءِ" (١).
حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُمَيلٍ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ، قال: أخبَرنا جامعُ بنُ شدّادٍ، عن صفوانَ بنِ مُحْرزٍ، عن ابنِ حُصَيبٍ (٢) - وكان مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: أتَى قومٌ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلُوا عليه، فجَعَل يُبَشِّرُهم ويقولون: أعْطِنا، حتى ساءَ ذلك رسولَ اللَّهِ ﷺ ، ثم خَرَجوا مِن عندِه، وجاء قومٌ آخرون فدَخَلوا عليه، فقالوا: جِئْنا نُسَلِّمُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ونتفقَّه في الدينِ، ونسألُه عن بَدْءِ هذا الأمرِ، قال: "فاقْبَلوا البُشْرَى إذ لم يَقْبَلُها أولئك الذين خَرَجوا". قالوا: قَبِلْنا. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "كان اللَّهُ لا (٣) شيءَ غيرُه، وكان عرشُه على الماءِ، وكَتَبَ في الذكرِ قبلُ كلَّ شيءٍ، ثم خَلَقَ سبعَ سماواتٍ". ثم أتاني آتٍ، فقال: تلك ناقتُك قد ذَهَبَت. فَخَرَجْتُ يَنْقَطِعُ دونَها السَّرابُ، ولوَدِدْتُ أني تركتُها (٤).
стр. 8406
حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي قيسٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. قال: كان عرشُ اللَّهِ على الماءِ، ثم اتَّخَذَ لنفسِه جنةً، ثم اتَّخَذَ دونَها أخرى، ثم أطبَقَهما بلؤلؤةٍ واحدةٍ، قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢]. قال: وهي التي: ﴿لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ - أو قال: وهما التي: ﴿لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. قال: وهي التي لا تعلَمُ الخلائقُ ما فيها - أو ما فيهما - يأتيهم كلَّ يومٍ منها - أو منهما - تحفَةٌ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. قال: على أيِّ شيءٍ كان الماءُ؟ قال: على متنِ الريحِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن
стр. 8407
الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن قولِه تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: على أيِّ شيءٍ كان الماءُ؟ قال: على متنِ الريحِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٢).
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُبَشِّرٌ (٣) الحلبيُّ، عن أرطاةَ بنِ المنذرِ، قال: سمِعتُ ضَمْرةَ يقولُ: إن اللَّهَ كان عرشُه على الماءِ، وخلقَ السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، وخلَق القلمَ، فكتَب به ما هو خالقٌ، وما هو كائنٌ مِن خلقِه، ثم إن ذلك الكتابَ سبَّح اللَّهَ ومجَّدَه ألفَ عامٍ، قبلَ أن يخلُقَ شيئًا من الخلْقِ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبد الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ منبهٍ يقولُ: إن العرشَ كان قبلَ أن يخلُقَ اللَّهُ السماواتِ والأرضَ، ثم قَبَضَ قبضةً من صَفاةِ (٥) الماءِ، ثم فَتَحَ القبضةَ، فارتَفَع (٦) دُخَانًا، ثم قَضَاهُنَّ سبعَ سماواتٍ في يومين، ثم أَخَذَ طينةً مِن الماءِ، فَوَضَعَها مكانَ البيتِ، ثم دَحا الأرضَ منها، ثم خَلَقَ الأقواتَ في يومين، والسماواتِ في يومين، وخلَقَ الأرضَ في يومين، ثم فَرَغَ مِن آخرِ الخلقِ يومَ السابعِ (٧).
стр. 8408
وقولُه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ أيُّها الناسُ، وخَلَقَكم في ستةِ أيامٍ، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾. يقولُ: ليختبرَكم، ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. يقولُ: أيُّكم أحسنُ له طاعةً.
كما حُدِّثنا عن داودَ بنِ المُحَبَّرِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ (١)، عن كُليبِ بنِ وائلٍ، عن عبدِ بنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه تَلا هذه الآيةَ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال: "أيُّكم أحسنُ عقلًا، وأَوْرَعُ عن محارمِ اللَّهِ، وأسرَعُ في طاعةِ اللَّهِ" (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. يعني الثقلَين (٣).
وقولُه: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ولئن قلتَ لهؤلاء المشركين مِن قومِك: إنكم مبعوثون أحياءً مِن بعدِ مماتِكم. فتلوتَ عليهم بذلك تنزيلي ووحيي، ليقولُنَّ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. أي: ما هذا
стр. 8409
الذي تَتْلوه علينا مما تقولُ إلا سحرٌ مبينٌ (١) لسامعِه عن (٢) حقيقتِه أنه سحرٌ.
وهذا على تأويلِ مَن قرأ ذلك: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
وأما مَن قرأه: (إِنْ هَذَا إِلَّا ساحِرٌ مُبِينٌ) (٣)، فإنه يُوَجِّهُ الخبرَ بذلك عنهم إلى أنهم وصَفَوا رسولَ اللَّهِ ﷺ بأنه فيما أتاهم به من ذلك ساحرٌ مبينٌ.
وقد بَيَّنَّا الصوابَ مِن القراءةِ في ذلك في نظائرِه فيما مَضَى قبلُ، بما أغنَى عن إعادتِه ههنا (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن أخَّرْنا عن هؤلاء المشركين من قومِك يا محمدُ العذابَ، فلم نُعَجِّلْه لهم، وأَنْسَأْنا في آجالِهم إلى أمةٍ معدودةٍ، ووقتٍ محدودٍ، وسنينَ معلومةٍ.
وأصلُ الأُمَّةِ، ما قد بَيَّنَّا فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا، أنها الجماعةُ مِن الناسِ، تجتَمِعُ على مذهبٍ ودينٍ، ثم تُستعمَلُ في معانٍ كثيرةٍ، ترجِعُ إلى معنى الأصلِ الذي ذكرتُ (٥). وإنما قيل للسنين المعدودةِ والحينِ في هذا الموضعِ ونحوِه: أُمَّةٌ؛ لأن فيها تكونُ الأمةُ. وإنما معنى الكلامِ: ولئن أخَّرْنا عنهم العذابَ إلى مجيءِ أمةٍ
стр. 8410
وانقراضِ أخرى قبلَها.
وبنحوِ الذي قلنا مِن أن معنى الأمةِ في هذا الموضعِ الأجلُ والحينُ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ. وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عاصمٍ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ عباسٍ. وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عاصمٍ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: إلى أجلٍ محدودٍ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: أجلٌ معدودٌ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: إلى أجلٍ معدودٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي
стр. 8411
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: إلى حينٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾. يقولُ: أمْسَكنا عنهم العذابَ إلى أمةٍ معدودةٍ. قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: إلى حينٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾. يقولُ: إلى أجلٍ معلومٍ.
وقولُه: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾. يقولُ: ليقولَنَّ هؤلاء المشركون ما يحبِسُه؟ أَيُّ شيءٍ يمنَعُهُ مِن تعجيلِ العذابِ الذي يَتَوَعَّدُنا به، تكذيبًا منهم به، وظَنًّا منهم أن ذلك إنما أُخِّرَ عنهم لكذبِ المُتوعِّدِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قولُه: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾. قال: للتكذيبِ به، أو أنه ليس بشيءٍ (٢).
стр. 8412
وقولُه: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه، تحقيقًا لوعيدِه، وتصحيحًا لخبرِه: ألا يومَ يأتِيهِم العذابُ الذي يُكَذِّبون به ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾. يقولُ: ليس يصرِفُه عنهم صارفٌ، ولا يدفَعُه عنهم دافِعٌ، ولكنه يَحِلُّ بهم فيُهْلِكُهم، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: ونَزَلَ بهم وأصابهم الذي كانوا به يَسْخَرون مِن عذابِ اللَّهِ، وكان استهزاؤُهم به الذي ذَكَره اللَّهُ قيلَهم قبلَ نزولِه: "ما يحبِسُه" [و"هلّا تأتينا به"] (١)؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال: ما جاءت به أنبياؤُهم مِن الحقِّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن أَذَقْنا الإنسانَ مِنَّا رخاءً وسعةً في الرزقِ والعيشِ، فبسَطْنا عليه مِن الدنيا، وهي الرحمةُ التي ذَكَرها تعالى ذكرُه في هذا الموضعِ، ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾. يقولُ: ثم سَلَبْناه ذلك، فأصابَته مصائبُ أَجاحَتْه، فذَهَبَت به، ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾. يقولُ: يظَلُّ قَنِطًا مِن رحمةِ اللَّهِ، آيسًا مِن الخيرِ.
وقولُه: ﴿لَيَئُوسٌ﴾. فعولٌ، مِن قولِ القائلِ: يَئِسَ فلانٌ مِن كذا، فهو
стр. 8413
يئوسٌ. إذا كان ذلك صفةً له. وقولُه: ﴿كَفُورٌ﴾. يقولُ: هو كفورٌ لمَن أنعَمَ عليه، قليلُ الشكرِ لربِّه المُتَفَضِّلِ عليه بما كان وَهَبَ له مِن نعمتِه
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾. قال: يا بنَ آدمَ، إذا كانت بك نعمةٌ مِن اللَّهِ من السعةِ والأمنِ والعافيةِ، فكفورٌ لِما بك منها، وإذا نُزِعَت منك [نبْتَغِي قَدْعَكَ وعقلَك] (١)، فيئوسٌ مِن رَوحِ اللَّهِ، قَنوطٌ مِن رحمتِه. كذلك المرءُ المنافقُ والكافرُ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن نحن بَسَطْنا للإنسانِ في دُنياه، ورَزَقْناه رخاءً في عَيْشِه، ووَسَّعْنا عليه في رِزقِه، وذلك هي النِّعَمُ التي قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ﴾. وقولُه: ﴿بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾. يقولُ: بعدَ ضيقٍ مِن العيشِ كان فيه، وعُسْرةٍ كان يعالجُها، ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليقَولَنَّ عندَ ذلك: ذَهَبَ الضيقُ والعُسْرةُ عني، وزالت الشدائدُ والمكارِهُ. ﴿إِنَّهُ
стр. 8414
لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الإنسانَ لفرِحٌ بالنِّعَمِ التي يُعْطاها، مسرورٌ بها ﴿فَخُورٌ﴾، يقولُ: ذو فخرٍ بما نالَ مِن السعةِ في الدنيا، وبُسِطَ له فيها مِن العيشِ، ويَنْسَى صُرُوفَها، ونَكَدَ العوائصِ (١) فيها، ويَدَعُ طلبَ النعيمِ الذي يَبْقى، والسرورَ الذي يدومُ، فلا يزولُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ غِرَّةً باللَّهِ وجراءةً عليه، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ واللَّهُ لا يحبَّ الفرحينَ، ﴿فَخُورٌ﴾ بعدَ ما أُعْطِي، وهو لا يشكُرُ اللَّهَ (٢).
ثم اسْتَثْنى جلَّ ثناؤُه مِن الإنسانِ الذي وَصَفَه بهاتين الصفتَين الذين صَبَروا وعَمِلوا الصالحاتِ، وإنما جازَ استثناؤُهم منه؛ لأن الإنسانَ بمعنى الجنسِ ومعنى الجمعِ، وهو كقولِه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
فقال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فإنهم إن تأتِهم شدّةٌ من الدنيا وعسرةٌ فيها، لم يُثْنِهم ذلك عن طاعةِ اللَّهِ، ولكنهم صَبَروا لأمرِه وقضائِه، فإن نالوا فيها رخاءً وسعةً شَكروه، وأدَّوا حقوقَه بما آتاهم منها، يقولُ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يغفرُها لهم، ولا يفضَحُهم بها في معادِهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. يقولُ: ولهم مِن اللَّهِ مع مغفرةِ ذنوبِهم ثوابٌ - على أعمالِهم الصالحةِ التي عَمِلوها في دارِ الدنيا - جزيلٌ، وجزاءٌ عظيمٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عندَ البلاءِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عندَ النعمة، ﴿لَهُمْ
стр. 8415
مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبِهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. قال: الجنةُ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فلعلك يا محمدُ تاركٌ بعضَ ما يُوحِي إليك ربُّك أن تُبلِّغَه مِن أمرِك بتبليغِه ذلك، وضائقٌ بما يُوْحَى إليك صدرُك، فلا تُبَلِّغُه إياهم، مخافةَ أن يقولوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ له مُصدِّقٌ بأنه للَّهِ رسولٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: فبَلِّغْهم ما أوحيتُه إليك، فإنك ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ تُنْذِرُهم عقابي، وتُحَذِّرُهم بأسي على كفرِهم بي، وإنما الآياتُ التي يسألونكها عندي، وفي سلطاني، أُنزِلُها إذا شئتُ، وليس عليك إلا البلاغُ والإنذارُ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ القَيِّمُ بكلِّ شيءٍ، وبيدِه تدبيرُه، فانفُذْ لما أمرتُك به، ولا يمنعْك مسألتُهم إياك الآياتِ مِن تبليغِهم وَحْيِي، والنفوذِ لأمري.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال اللَّهُ لنبيِّه: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أن تفعلَ فيه ما أُمِرتَ، وتدعوَ إليه كما أُرسِلتَ. قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾، لا نرى
стр. 8416
معه مالًا، أين المالُ؟ ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يُنذِرُ معه ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ فَبَلِّغْ ما أُمِرتَ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : كَفاك حجةً على حقيقةِ ما أتيتَهم به، ودلالةً على صحةِ نبوَّتِك، هذا القرآنُ مِن سائرِ الآياتِ غيرِه، إذ كانت الآياتُ إنما تكونُ لمن أُعْطِيها دلالةً على صدقِه، لعجزِ جميعِ الخلقِ عن أن يأتوا بمثلِها.
وهذا القرآنُ جميعُ الخلقِ عَجَزَةٌ (٢) عن أن يأتوا بمثلِه، فإن هم قالوا: افتريتَه. أي: اختلَقْتَه وتكذَّبتَه، ودلَّ على أن معنى الكلامِ ما ذكرنا قولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ إلى آخر الآيةِ.
ويعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، أي: أيقولون افتراه؟ وقد دلَّلنا على سببِ إدخالِ العربِ "أم" في مثلِ هذا الموضعِ (٣).
فقلْ لهم يأتوا بعشرِ سورٍ مثلِ هذا القرآنِ. ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾، يعني: مُفْتَعَلاتٍ مختلَقاتٍ (٤)، إن كان ما أتيتُكم به مِن هذا القرآنِ مُفْتَرًى، وليس بآيةٍ مُعْجِزَةٍ كسائرِ
стр. 8417
ما سُئِلْتُه من الآياتِ، كالكَنزِ الذي قُلتم: هَلَّا أُنزِل عليه؟ أو المَلكِ الذي قُلتم: هَلَّا جاء معه نذيرًا له مُصدِّقًا؟ فإنكم قومي، وأنتم مِن أهلِ لساني، وأنا رجلٌ منكم، ومحالٌ أن أقدِرَ أخلُقَ وحدي مائةَ سورةٍ وأربعَ عَشْرَةَ سورةً، ولا تَقْدِروا بأجمعِكم أن تَفْتروا وتَخْتلقوا (١) عشرَ سورٍ مثلِها، ولا سيما إذا استعنتم في ذلك بمَن شئتم مِن الخلقِ. يقولُ جلّ ثناؤُه: قلْ لهم: وادعوا مَن استطعتم أن تَدْعوهم مِن دونِ اللَّهِ - يعني سوى اللَّهِ - لافتراءِ ذلك واختلافِه مِن الآلهةِ. فإن أنتم لم تَقْدِروا على أن تَفْتَروا عشرَ سورٍ مثلِه، فقد تبيَّن لكم أنكم كَذَبَةٌ في قولِكم: ﴿افْتَرَاهُ﴾. وصحَّت عندَكم حقيقةُ ما أتيتُكم به، أنه مِن عندِ اللَّهِ، ولم يكُنْ لكم أن تتخيَّروا الآياتِ على ربِّكم، وقد جاءكم مِن الحجةِ على حقيقةِ ما تكذِّبون به، أنه مِن عندِ اللَّهِ، مثلَ الذي تسألون مِن الحجةِ، وترغبون أنكم تصدِّقون بمجيئِها.
وقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لقولِه: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾، وإنما هو: قلْ: فأتوا بعشرِ سورٍ مثلِه مفترياتٍ، إن كنتم صادقين أن هذا القرآنَ افْتَراه محمدٌ، وادعوا مَن استطعتم مِن دونِ اللَّهِ على ذلك، مِن الآلهةِ والأندادِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: قد قالوه. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾، وادعوا شهداءَكم. قال: يشهَدون أنها مثلُه. هكذا قال القاسمُ في حديثِه (٢).
стр. 8418
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين: فإن لم يستَجِبْ لكم من تَدْعون من دونِ اللَّهِ، إلى أن يأتوا بعشرِ سورٍ مثلِ هذا القرآنِ مفترياتٍ، ولم تُطِيقوا أنتم وهم أن تأتوا بذلك، فاعلَموا وأيْقِنوا أنه إنما أُنزِلَ مِن السماءِ على محمدٍ ﷺ ، بعلمِ اللَّهِ وإذنِه، وأن محمدًا لم يَفْتَرِه، ولا يقدِرُ أن يفتريَه، ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: وأيقِنوا أيضًا أن لا معبودَ يستحقُّ الأُلوهةَ على الخلْقِ إلا اللَّهُ الذي له الخلْقُ والأمرُ، فاخْلَعوا الأندادَ والآلهةَ، وأفْرِدوا له العبادةَ.
وقد قيل: إن قولَه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ خطابٌ مِن اللَّهِ لنبيِّه، كأنه قال: فإن لم يستَجِبْ لك هؤلاء الكفارُ يا محمدُ، فاعلَموا أيُّها المشركون أنما أُنزِل بعلمِ اللَّهِ. وذلك تأويلٌ بعيدٌ مِن المفهومِ.
وقولُه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: فهل أنتم مُذْعِنون للَّهِ بالطاعةِ، ومخلِصون له العبادةَ بعدَ ثبوتِ الحجةِ عليكم؟
وكان مجاهدٌ يقولُ: عَنى بهذا القولِ أصحابَ محمدٍ ﷺ .
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال: لأصحابِ محمدٍ ﷺ .
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ،
стр. 8419
عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال: لأصحابِ محمدٍ ﷺ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقيل: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾. والخطابُ في أوّلِ الكلامِ قد جَرَى لواحدٍ، وذلك قولُه: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾. ولم يقُلْ: فإن لم يستجيبوا لك. على نحوِ ما قد بَيَّنا قبلُ من خطابِ رئيسِ القومِ وصاحبِ أمرِهم، أن العربَ تُخْرِجُ خطابَه أحيانًا مخرَجَ خطابِ الجميعِ، إذا كان خطابُه [خطابًا لأتْباعِه] (٢) وجندِه، وأحيانًا مخرجَ خطابِ الواحدِ، إذا كان في نفسِه واحدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: من كان يُريدُ بعملِه الحياةَ الدنيا، وإيَّاها (٣) وزينتها يطلبُ به، نُوَفِّ إليهم أجورَ أعمالِهم فيها وثوابَها، ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: وهم في الدنيا، ﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾. يقولُ: لا يُنْقَصون أجرَها، ولكنهم يُوَفَّونه فيها.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 8420
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية: وهي ما يُعْطِيهم اللَّهُ مِن الدنيا بحسَناتِهم، وذلك أنهم لا يُظْلمون نقيرًا. يقولُ: مَن عَمِلَ صالحًا التماسَ الدنيا؛ صومًا أو صلاةً أو تهجُّدًا بالليلِ، لا يعمَلُه إلا لالتماسِ الدنيا، يقولُ اللَّهُ: أُوَفِّيه الذي التمسَ في الدنيا مِن المثابةِ، وحَبِطَ عملُه الذي كان يعمَلُ التماسَ الدنيا، وهو (١) في الآخرةِ من الخاسرين (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾. قال: ثوابُ ما عمِلوا في الدنيا مِن خيرٍ أُعْطُوه في الدنيا، وليس لهم في الآخرةِ إلا النارُ وحَبِطَ ما صَنَعوا فيها.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾. قال: [وَزْنَ ما] (٣) عَمِلوا مِن خيرٍ أُعْطُوا في الدنيا، وليس لهم في الآخرةِ إلا النارُ، وحَبِطَ ما صَنَعوا فيها. قال: هي مثلُ الآيةِ التي في "الرومِ": ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٤) [الروم: ٣٩].
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:
стр. 8421
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. قال: مَن عَمِلَ للدنيا وُفِّيَه في الدنيا (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. قال: مَن عَمِلَ عملًا مما أَمَر اللَّهُ به؛ مِن صلاةٍ أو صدقةٍ، لا يريدُ بها وجهَ اللَّهِ، أعْطاه اللَّهُ في الدنيا ثوابَ ذلك مثلَ ما أنفقَ، فذلك قولُه: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾: في الدنيا، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ أجرَ ما عمِلوا فيها، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ الآية (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عيسى - يعني ابنَ ميمونٍ - عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. قال: ممن لا يُقبَلُ منه، جُوزِي به، يُعْطَى ثوابَه (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عيسى الجُرَشِيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾. قال: ممن لا يُقبَلُ منه، يُعَجَّلُ له في الدنيا (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. أي: لا يُظْلَمون. يقولُ: مَن كانت الدنيا هَمَّه وسَدَمَه (٥)، وطَلِبَته ونيتَه، جازاه اللَّهُ
стр. 8422
بحسناتِه في الدنيا، ثم يُفْضِي إلى الآخرةِ وليس له حسنةٌ يُعْطَى بها جزاءً، وأما المؤمنُ، فيُجازى بحسناتِه في الدنيا، ويُثابُ عليها في الآخرةِ، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. أي: في الآخرةِ لا يُظلمون (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآية. قال: مَن كان إنما هِمَّتُه الدنيا، إياها يطلُبُ، أعطاه اللَّهُ مالًا، وأعْطاه فيها ما يعيشُ، وكان ذلك قِصاصًا له بعملِه، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. قال: لا يُظْلَمون (٢).
قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ (٣)، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، أن النبيَّ ﷺ قال: "من أحسنَ مِن محسنٍ، فقد وَقَعَ أجرُه على اللَّهِ في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ" (٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآية. يقولُ: مَن عَمِلَ عملًا صالحًا [يريدُ به وجهَ اللَّهِ] (٥) في غيرِ تقوَى - يعني (٦) أهلَ الشركِ - أُعْطِي على ذلك أجرًا في الدنيا؛
стр. 8423
يَصِلُ رحِمًا، يُعْطِي سائلًا، يرحَمُ مُضطرًّا، في نحوِ هذا مِن أعمالِ البرِّ، يعجِّلُ اللَّهُ له ثوابَ عملِه في الدنيا؛ يوسِّعُ عليه في المعيشةِ والرزقِ، ويقِرُّ عينَه فيما خَوَّله، ويدفَعُ عنه مِن مكارهِ الدنيا، في نحوِ هذا، وليس له في الآخرةِ مِن (١) نصيبٍ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا حفصٌ بنُ عمرَ أبو عمرَ الضريرُ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ في قولِه: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. قال: هي في اليهودِ والنصارى (٣).
قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، عن أبي رجاءٍ الأزديِّ، عن الحسنِ: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾. قال: طيباتِهم.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن وهيبٍ، أنه بَلَغه أن مجاهدًا كان يقولُ في هذه الآيةِ: هم أهلُ الرياءِ، هم أهلُ الرياءِ (٥).
قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن حيوةَ بنِ شريحٍ، قال: ثنى الوليدُ بنُ أبي الوليدِ أبو عثمانَ، أن عقبةَ بنَ مسلمٍ حدَّثه، أن شُفَيَّ بنَ ماتعٍ الأصبحيَّ حدَّثه، أنه دخَل
стр. 8424
المدينةَ، فإذا هو برجلٍ قد اجتَمع عليه الناسُ، فقال: مَن هذا؟ فقالوا: أبو هريرةَ. فدَنَوتُ منه حتى قعَدتُ بين يديه وهو يحدِّثُ الناسَ، فلما سَكَتَ وخَلَا (١)، قلتُ: أنشُدُك بحقِّ وبحقِّ لمَا حدَّثْتَني حديثًا سمِعتَه مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتَه وعَلِمْتَه. قال: فقال أبو هريرةَ: أفعَلُ، لأُحدثنَّك حديثًا حدَّثنيه رسولُ اللَّهِ ﷺ . [ثم نَشَغَ نَشْغَةً (٢)، ثم أفاقَ، فقال: لأُحدثنَّك حديثًا حدَّثنيه رسولُ اللَّهِ ﷺ ] (٣) في هذا البيتِ، ما فيه أحدٌ غيرى وغيرُه. ثم نَشَغَ أبو هريرةَ نشْغةً شديدةً، ثم مالَ (٤) خارًّا على وجهِه، واشتدَّ به طويلًا، ثم أفاقَ، فقال: حدَّثني رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إن اللَّهَ ﵎ إذا كان يومُ القيامةِ نزَل إلى أهلِ (٥) القيامةِ ليقضِيَ بينَهم، وكلُّ أُمةٍ جاثيةٌ، فأَوَّلُ مَن يُدْعَى به رجلٌ جمَع القرآنَ، ورجلٌ قُتِلَ في سبيلِ اللَّهِ، ورجلٌ كثيرُ المالِ، فيقولُ اللَّهُ للقارِئِ: ألم أُعَلِّمْك ما أنزَلتُ على رَسولي؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عمِلتَ فيما عُلِّمتَ؟ قال: كنتُ أقومُ آناء الليلِ وآناءَ النهارِ. فيقولُ اللَّهُ له: كَذَبْتَ. وتقولُ له الملائكةُ: كَذَبْتَ. ويقولُ اللَّهُ له (٦): بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ قارئٌ. فقد قيلَ ذلك. ويُؤْتَى بصاحبِ المالِ، فيقولُ اللَّهُ له: ألم أوسِّعْ عليك حتى لم أدعْك تحتاج إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عَمِلتَ فيما آتيتُك؟ قال: كنتُ أَصِلُ الرحِمَ وأتصدَّقُ. فيقولُ اللَّهُ له: كذَبْتَ. وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ. ويقولُ اللَّهُ له: بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ جَوَادٌ. فقد قيلَ ذلك. ويؤتى
стр. 8425
بالذي قُتِلَ في سبيلِ اللَّهِ، فيقالُ له: فيماذا قُتِلتَ؟ فيقولُ: أُمِرْتُ بالجهادِ في سبيلِك، فقاتَلتُ حتى قُتِلتُ. فيقولُ اللَّهُ له: كَذَبْتَ. وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ. ويقولُ اللَّهُ له: بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ جريءٌ. وقد قيلَ ذلك". ثم ضرَب رسولُ اللَّهِ ﷺ على رُكْبَتي، فقال: "يا أبا هريرةَ، أولئك الثلاثةُ أوّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ لهم النارُ يومَ القيامةِ".
قال الوليدُ أبو عثمانَ: فأخبرَني عقبةُ أن شُفَيًّا هو الذي دَخَلَ على معاويةَ فأخبرَه بهذا.
قال أبو عثمانَ: وحدَّثني العلاءُ بنُ أبي حكيمٍ، أنه كان سيَّافًا لمعاويةَ، قال: فدَخَل عليه رجلٌ، فحدَّثه بهذا عن أبي هريرةَ، فقال أبو هريرةَ: وقد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيف بمَن بَقِيَ مِن الناسِ؟ ثم بَكَى معاويةُ بكاءً شديدًا حتى ظننا أنه هَلَكَ، وقلنا: هذا الرجلُ شرٌّ (١). ثم أفاقَ معاويةُ ومَسَحَ عن وجهِه، فقال: صَدَقَ اللَّهُ ورسولُه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا﴾. وقرَأ إلى (٢): ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عيسى بنِ ميمونٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية. قال: ممن لا يُتقبَّلُ
стр. 8426
منه؛ يصومُ ويصلي يريدُ به الدنيا، ويدفَعُ عنه وَهْمَ الآخرةِ، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾: لا يُنْقَصون (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين ذكرتُ أنَّا نوفِّيهم أجورَ أعمالِهم في الدنيا، ﴿لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾: يَصْلَونها، ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾. يقولُ: وذَهَبَ ما عَمِلُوا في الدنيا، ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ لأنهم كانوا يعمَلون لغيرِ اللَّهِ، فأبطَلَه اللَّهُ وأحبَط عاملَه أجرَه (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: قد بَيَّن له دينَه فَتَبَيَّنه، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ محمدًا ﷺ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شيبانُ، عن
стр. 8427
قتادةَ، عن عروةَ، عن محمدِ ابنِ الحنفيةِ، قال: قلتُ لأبي: يا أبتِ، أنت التالي في: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: لا واللَّهِ يا بنيَّ، وَدِدْتُ أني كنتُ أنا هو، ولكنه لسانُه (١).
حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: لسانُه (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: لسانُه.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا الحكمُ بنُ عبدِ اللَّهِ أبو النعمانِ العجليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزديُّ، قال: ثنا المُعافَى بنُ عمرانَ، عن قرةَ بنِ خالدٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: وهو محمدٌ ﷺ ، كان على بينةٍ مِن ربِّه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: لسانُه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:
стр. 8428
﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: لسانُه هو الشاهدُ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شعبةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غندرٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ مثلَه.
وقال آخرون: يعني بقولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: محمدٌ ﷺ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن سليمانَ العلافِ، عن الحسينِ بنِ عليٍّ في قولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: الشاهدُ محمدٌ ﷺ .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غندرٌ، عن عوفٍ، قال: ثنى سليمانُ العلافُ، قال: بلغني أن الحسينَ (٢) بنَ عليٍّ قال: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: محمدٌ ﷺ .
قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن سليمانَ العلافِ، سمع الحسينَ بنَ عليٍّ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. يقولُ: محمدٌ هو الشاهدُ مِن اللَّهِ (٣).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: رسولُ اللَّهِ
стр. 8429
ﷺ كان على بينةٍ مِن ربِّه، والقرآنُ يتلُوه شاهدٌ (١) أيضًا مِن اللَّهِ؛ لأنه (٢) رسولُ اللَّهِ ﷺ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. قال: النبيُّ ﷺ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن نضرِ بنِ عربيٍّ، عن عكرمةَ مثلَه.
قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه (٥).
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا أبو خالدٍ، سمِعتُ سفيانَ يقولُ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. قال: محمدٌ ﷺ .
وقال آخرون: هو عليُّ بنُ أبي طالبٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا رزيقُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا صباحٌ الفراءُ (٦)، عن جابرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ نُجيٍّ (٧)، قال: قال عليٌّ ﵁: ما مِن
стр. 8430
رجلٍ مِن قريشٍ إلا وقد نَزَلَت فيه الآيةُ والآيتان. فقال له رجلٌ: فأنتَ فأيُّ (١) شيءٍ نَزَلَ (٢) فيك؟ فقال عليٌّ: أما تقرأُ الآيةَ التي نَزَلَت في "هودَ": ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (٣).
وقال آخرون: هو جبريلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أنه كان يقولُ: جبريلُ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عبيدِ اللَّهِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: جبريلُ.
وحدَّثنا به أبو كريبٍ مرّةً أُخرى بإسنادِه عن إبراهيمَ، فقال: قال: يقولون: عليٌّ. إنما هو جبريلُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو جبريلُ، تَلا التوراةَ والإنجيلَ والقرآنَ، وهو الشاهدُ مِن اللَّهِ (٥).
стр. 8431
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ. وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخرِّميُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا سفيانُ. وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ. وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: جبريلُ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: جبريلُ.
قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: جبريلُ (٢).
قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: جبريلُ (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ
стр. 8432
رَبِّهِ﴾: يعني محمدًا، هو على بينةٍ مِن اللَّهِ، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: جبريلُ شاهدٌ مِن اللَّهِ، يتلو على محمدٍ ما بُعِثَ به (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: هو جبريلُ (٢).
قال: ثنا أبي، عن نضرِ بنِ عربيٍّ، عن عكرمةَ، قال: هو جبريلُ (٢).
قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: جبريلُ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: يعني محمدًا ﷺ على بينةٍ مِن ربِّه، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: فهو جبريلُ، شاهدٌ مِن اللَّهِ بالذي يتلو مِن كتابِ اللَّهِ الذي أُنزِل على محمدٍ. قال: ويقالُ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. يقولُ: يحفَظُه المَلَكُ الذي معه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: كان مجاهدٌ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. قال: يعني محمدًا ﷺ ، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: جبريلُ (٤).
وقال آخرون: هو مَلَكٌ يحفَظُه.
стр. 8433
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: معه حافظٌ من اللَّهِ، مَلَكٌ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ وسُوَيدُ بنُ عمرٍو، عن حمادِ بنِ سَلَمةَ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: مَلَكٌ يحفَظُه.
قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابنِ جريجٍ، عمن سمِع مجاهدًا: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: الملَكُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: يتبَعُه حافِظٌ مِن اللَّهِ، مَلَكٌ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: المَلَكُ يحفظُه، ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. قال: يَتَّبِعونه حقَّ اتباعِه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: حافظٌ مِن اللَّهِ، مَلَكٌ.
وأولى هذه الأقوالِ التي ذكرناها بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قولُ مَن قال: هو جبريلُ؛ لدلالةِ قولِه: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾. على صحةِ ذلك. وذلك أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ لم يتلُ قبلَ القرآنِ كتابَ
стр. 8434
موسى، فيكونَ ذلك دليلًا على صحةِ قولِ مَن قال: عُنِي به لسانُ محمدٍ ﷺ ، أو (١) محمدٌ نفسُه، أو عليٌّ. على قولِ مَن قال: عُنِي به عليٌّ. ولا يُعْلَمُ أن أحدًا كان تلا ذلك قبلَ القرآنِ أو جاء به ممن ذَكَرَ أهلُ التأويلِ أنه عُنِي بقولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ غيرُ جبريلَ ﵇.
فإن قال قائلٌ: فإن كان ذلك دليلَك على أن المَعْنيَّ به جبريلُ، فقد يجِبُ أن تكونَ القراءةُ في قولِه: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾. بالنصبِ؛ لأن معنى الكلامِ على ما تأوَّلتَ يجِبُ أن يكونَ: ويتلو القرآنَ شاهدٌ مِن اللَّهِ، ومِن قبلِ القرآنِ كتابَ موسى؟
قيل: إن القرأةَ في الأمصارِ قد أجمَعت على قراءةِ ذلك بالرفعِ، فلم يكُنْ لأحدٍ خلافُها، ولو كانت القراءةُ جاءت في ذلك بالنصبِ، كانت قراءةً صحيحةً ومعنًى صحيحًا.
فإن قال: فما وجهُ رفعِهم إذن "الكتابَ"، على ما ادَّعيتَ مِن التأويلِ؟
قيل: وجهُ رفعِهم هذا أنهم ابتدءوا الخبرَ عن مجيءِ كتابِ موسى قبلَ كتابِنا المنزَّلِ على محمدٍ ﷺ ، فرفَعوه بـ: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ (٢)، والقراءةُ كذلك، والمعنى الذي ذكرتُ مِن معنى تلاوةِ جبريلَ ذلك قبلَ القرآنِ، وأن المرادَ من معناه ذلك، وإن كان الخبرُ مستأنفًا على ما وصَفتُ، اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ على معناه.
وأما قولُه: ﴿إِمَامًا﴾. فإنه نَصْبٌ على القطْعِ مِن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾. وقولُه: ﴿وَرَحْمَةً﴾. عَطْفٌ على الإمامِ، كأنه قيلَ: ومِن قبلِه كتابُ موسى إمامًا لبني إسرائيلَ يأتمُّون به، ورحمةً لهم (٣) مِن اللَّهِ تَلاه على موسى.
стр. 8435
كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾. قال: مِن قبلِه جاء بالكتابِ إلى موسى (١).
وفي الكلام محذُوفٌ قد تُرِكَ ذكرُه اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكِرَ عليه منه، وهو: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾، كمَن هو في الضلالةِ مُتَرَدِّدٌ، لا يهتَدِي لرُشْدٍ، ولا يعرِفُ حقًّا مِن باطلٍ، ولا يطلُبُ بعمَلِه إلا الحياةَ الدنيا وزينتَها. وذلك نظيرُ قولِه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. والدليلُ على حقيقةِ ما قلنا في ذلك أن ذلك عَقِيبَ قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية. ثم قيلَ: أهذا خيرٌ أمَّن كان على بينةٍ مِن ربِّه؟ والعرَبُ تفعَلُ ذلك كثيرًا، إذا كان فيما ذَكَرَت دلالةٌ على مرادِها على ما حَذَفَت، وذلك كقولِ الشاعرِ (٢):
فأُقْسِمُ (٣) لو شيءٌ أَتَانا رسولُهُ … سِوَاكَ ولكنْ لم نَجِدْ لكَ مَدْفَعَا
وقولُه: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين ذكرتُ يُصَدِّقون ويُقِرُّون به، إن كَفَرَ به هؤلاء المشركون الذين يقولون: إن محمدًا افْتَراه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا
стр. 8436
تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ بهذا القرآنِ، فيجحَدْ أنه مِن عندِ اللَّهِ، ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، وهم المُتَحَزِّبةُ على مِلَلِهم، ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾: أنه يصيرُ إليها في الآخرةِ بتكذيبِه. يقولُ اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: فلا تَكُ في شكٍّ منه، مِن أن موعِدَ مَن كَفَرَ بالقرآنِ مِن الأحزابِ النارُ (١)، وأن هذا القرآنَ الذي أنزَلناه إليك مِن عندِ اللَّهِ.
ثم ابتَدَأ جلّ ثناؤُه الخبرَ عن القرآنِ، فقال: إن هذا القرآنَ الذي أنزلناه إليك يا محمدُ الحقُّ مِن ربِّك لا شكَّ فيه، ولكن أكثرَ الناسِ لا يُصدِّقون بأن ذلك كذلك.
فإن قال قائلٌ: أوَ كان النبيُّ ﷺ في شَكٍّ مِن أن القرآنَ مِن عندِ اللَّهِ، وأنه حَقٌّ، حتى قيل له: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾؟
قيلَ: هذا نظيرُ قولِه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]. وقد بَيَّنَّا ذلك هنالك (٢).
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، قال: نُبِّئتُ أن سعيدَ بنَ جبيرٍ قال: ما بَلَغَني حديثٌ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على وَجْهِه إلا وجَدتُ مِصْداقَه في كتابِ اللَّهِ تعالى، حتى قال: "لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا
стр. 8437
يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمِنُ بما أُرسِلتُ به، إلا دَخَل النارَ". قال سعيدٌ: فقلتُ: أين هذا في كتابِ اللَّهِ؟ حتى أتيتُ على هذه الآيةِ: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال: مِن أهلِ المللِ كلِّها (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخرِّميُّ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: مِن المِلَلِ كلِّها.
حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كنتُ لا أسمَعُ بحديثٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على وَجْهِه إلا وجدتُ مِصْداقَه - أو قال: تَصْديقَه - في القرآنِ، فبَلَغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمنُ بما أُرْسِلْتُ به، إلا دَخَلَ النارَ". فجعَلتُ أقولُ: أين مِصْداقُها؟ حتى أتيْتُ على هذه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال: فالأحزابُ المِلَلُ كلُّها.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: ثنى أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ما مِن أحدٍ يسمَعُ بي مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، فلا يؤمنُ بي، إلا دَخَلَ النارَ". فجعَلتُ أقولُ: أين مِصْداقُها في كتابِ اللَّهِ؟ قال: وقَلَّما سمِعتُ حديثًا عن النبيِّ ﷺ إلا
стр. 8438
وجَدتُ له تصديقًا في القرآنِ، حتى وجَدتُ هذه الآياتِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: المِللِ كلِّها (١).
قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: الكفارُ أحزابٌ، كلُّهم على الكفرِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦]. أي: يكفُرُ ببعضِه، وهم اليهودُ والنصارى. قال: بَلَغنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ قبلَ أن يؤمِنَ بي، إلا دَخَلَ النارَ" (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا يوسفُ بنُ عديٍّ النضْريُّ (٤): قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أبي موسى الأشعريِّ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "مَن سَمِعَ بي مِن أمتي، أو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، فلم يؤمنْ بي، لم يدخلِ الجنةَ" (٥).
стр. 8439
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأيُّ الناسِ أشدُّ تعدِّيًا (١) ممن اخْتَلق على اللَّهِ كذبًا، فكَذَب عليه، ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾. يقولُ (٢): هؤلاء الذين يكذِبون على ربِّهم يُعْرَضون يومَ القيامةِ على ربِّهم، فيسألُهم عما كانوا في دارِ الدنيا يعمَلون.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. قال: الكافرُ والمنافقُ، ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ فيسألُهم عن أعمالِهم (٣).
وقولُه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: يعني الملائكةَ والأنبياءَ الذين شَهِدوهم، وحَفِظوا عليهم ما كانوا يعمَلون. وهم جمعُ شاهدٍ، مثلُ الأصحابِ الذي هو جمعُ صاحبٍ، ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: شَهِدَ هؤلاء الأشهادُ في الآخرةِ على هؤلاء المُفْتَرِين على اللَّهِ في الدنيا، فيقولون (٤): هؤلاء الذين كَذَبوا
стр. 8440
في الدنيا على ربِّهم. يقولُ اللَّهُ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: ألَا غضَبُ اللَّهِ على المعتدين الذين كفَروا بربِّهم.
وبنحوِ ما قلنا في قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [ابنُ نميرٍ] (١)، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾. قال: الملائكةُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الملائكةُ.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: والأشهادُ الملائكةُ، يَشْهدون علي بني آدمَ بأعمالِهم (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْأَشْهَادُ﴾، قال: الخلائقُ. أو قال: الملائكةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ بنحوِه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: الذين كانوا يَحْفَظون أعمالَهم عليهم في الدنيا، ﴿هَؤُلَاءِ