تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ بهذا القرآنِ، فيجحَدْ أنه مِن عندِ اللَّهِ، ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، وهم المُتَحَزِّبةُ على مِلَلِهم، ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾: أنه يصيرُ إليها في الآخرةِ بتكذيبِه. يقولُ اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: فلا تَكُ في شكٍّ منه، مِن أن موعِدَ مَن كَفَرَ بالقرآنِ مِن الأحزابِ النارُ (١)، وأن هذا القرآنَ الذي أنزَلناه إليك مِن عندِ اللَّهِ.
ثم ابتَدَأ جلّ ثناؤُه الخبرَ عن القرآنِ، فقال: إن هذا القرآنَ الذي أنزلناه إليك يا محمدُ الحقُّ مِن ربِّك لا شكَّ فيه، ولكن أكثرَ الناسِ لا يُصدِّقون بأن ذلك كذلك.
فإن قال قائلٌ: أوَ كان النبيُّ ﷺ في شَكٍّ مِن أن القرآنَ مِن عندِ اللَّهِ، وأنه حَقٌّ، حتى قيل له: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾؟
قيلَ: هذا نظيرُ قولِه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]. وقد بَيَّنَّا ذلك هنالك (٢).
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، قال: نُبِّئتُ أن سعيدَ بنَ جبيرٍ قال: ما بَلَغَني حديثٌ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على وَجْهِه إلا وجَدتُ مِصْداقَه في كتابِ اللَّهِ تعالى، حتى قال: "لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا
стр. 8437
يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمِنُ بما أُرسِلتُ به، إلا دَخَل النارَ". قال سعيدٌ: فقلتُ: أين هذا في كتابِ اللَّهِ؟ حتى أتيتُ على هذه الآيةِ: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال: مِن أهلِ المللِ كلِّها (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخرِّميُّ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: مِن المِلَلِ كلِّها.
حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كنتُ لا أسمَعُ بحديثٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على وَجْهِه إلا وجدتُ مِصْداقَه - أو قال: تَصْديقَه - في القرآنِ، فبَلَغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمنُ بما أُرْسِلْتُ به، إلا دَخَلَ النارَ". فجعَلتُ أقولُ: أين مِصْداقُها؟ حتى أتيْتُ على هذه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال: فالأحزابُ المِلَلُ كلُّها.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: ثنى أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ما مِن أحدٍ يسمَعُ بي مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، فلا يؤمنُ بي، إلا دَخَلَ النارَ". فجعَلتُ أقولُ: أين مِصْداقُها في كتابِ اللَّهِ؟ قال: وقَلَّما سمِعتُ حديثًا عن النبيِّ ﷺ إلا
стр. 8438
وجَدتُ له تصديقًا في القرآنِ، حتى وجَدتُ هذه الآياتِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: المِللِ كلِّها (١).
قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: الكفارُ أحزابٌ، كلُّهم على الكفرِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦]. أي: يكفُرُ ببعضِه، وهم اليهودُ والنصارى. قال: بَلَغنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ قبلَ أن يؤمِنَ بي، إلا دَخَلَ النارَ" (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا يوسفُ بنُ عديٍّ النضْريُّ (٤): قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أبي موسى الأشعريِّ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "مَن سَمِعَ بي مِن أمتي، أو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، فلم يؤمنْ بي، لم يدخلِ الجنةَ" (٥).
стр. 8439
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأيُّ الناسِ أشدُّ تعدِّيًا (١) ممن اخْتَلق على اللَّهِ كذبًا، فكَذَب عليه، ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾. يقولُ (٢): هؤلاء الذين يكذِبون على ربِّهم يُعْرَضون يومَ القيامةِ على ربِّهم، فيسألُهم عما كانوا في دارِ الدنيا يعمَلون.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. قال: الكافرُ والمنافقُ، ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ فيسألُهم عن أعمالِهم (٣).
وقولُه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: يعني الملائكةَ والأنبياءَ الذين شَهِدوهم، وحَفِظوا عليهم ما كانوا يعمَلون. وهم جمعُ شاهدٍ، مثلُ الأصحابِ الذي هو جمعُ صاحبٍ، ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: شَهِدَ هؤلاء الأشهادُ في الآخرةِ على هؤلاء المُفْتَرِين على اللَّهِ في الدنيا، فيقولون (٤): هؤلاء الذين كَذَبوا
стр. 8440
في الدنيا على ربِّهم. يقولُ اللَّهُ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: ألَا غضَبُ اللَّهِ على المعتدين الذين كفَروا بربِّهم.
وبنحوِ ما قلنا في قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [ابنُ نميرٍ] (١)، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾. قال: الملائكةُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الملائكةُ.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: والأشهادُ الملائكةُ، يَشْهدون علي بني آدمَ بأعمالِهم (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْأَشْهَادُ﴾، قال: الخلائقُ. أو قال: الملائكةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ بنحوِه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: الذين كانوا يَحْفَظون أعمالَهم عليهم في الدنيا، ﴿هَؤُلَاءِ
стр. 8441
الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾: حَفِظوه وشَهِدوا به عليهم يومَ القيامةِ. قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: الأشْهادُ الملائكةُ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، قال: سألتُ الأعمشَ عن قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾. قال: الملائكةُ (١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: يعني الأنبياءَ والرسلَ، وهو قولُه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]. قال: وقولُه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾: يقولون: يا ربَّنا، أتيناهم بالحقِّ فَكَذَّبوا، فنحن [نشهَدُ عليهم] (٢) أنهم كَذَبوا عليك يا ربَّنا (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ وهشامٍ، عن قتادةَ، عن صفوانَ بنِ مُحرِزٍ المازنيِّ (٤)، قال: بَيْنا نحن بالبيتِ مع عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ وهو يطوفُ، إذ عَرَضَ له رجلٌ، فقال: يا بنَ عمرَ، ما سمِعتَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ في النَّجْوى؟ فقال: سمِعتُ نبيَّ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "يَدْنو المؤمنُ (٥) مِن ربِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَفَه، فيُقَرِّرُه بذنوبِه، فيقولُ: هل تعرِفُ كذا؟ فيقولُ: ربِّ أعرِفُ. مرتين، حتى إذا بلَغ به ما شاء اللَّهُ أن يَبْلُغَ، قال: فإني قد سترتُها عليك في الدنيا، وأنا
стр. 8442
أَغْفِرُها لك اليومَ. قال: فيُعْطَى صحيفةَ حسناتِه - أو كتابَه - بيمينِه، وأما [الكفارُ والمنافقون] (١)، فيُنادَى بهم على رءوسِ الأشهادِ: أَلَا هؤلاء الذين كَذَبوا على ربِّهم، ألا لعنةُ اللَّهِ على الظالمين" (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن صفوانَ بنِ مُحرِزٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: كنَّا نُحدِّثُ أنه لا يُخْزَى يومَئذٍ أحدٌ فيَخْفَى خِزْيُه على أحدٍ ممن خَلَقَ اللَّهُ أو الخلائقِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ألَا لعنةُ اللَّهِ على الظالمين الذين يصدُّون الناسَ عن الإيمانِ به، والإقرارِ له بالعبودةِ، وإخلاصِ العبادةِ له دونَ الآلهةِ والأندادِ مِن مشركي قريشٍ، وهم الذين كانوا يَفْتِنون عن الإسلامِ مَن دَخَلَ فيه. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. يقولُ: ويلتمسون سبيلَ اللَّهِ - وهو الإسلامُ الذي دَعا الناسَ إليه محمدٌ ﷺ يقولُ: زيغًا وميلًا عن الاستقامةِ. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: وهم بالبعثِ بعدَ المماتِ، مع صدِّهم عن سبيلِ اللَّهِ، وبغيِهم إياها عوجًا ﴿كَافِرُونَ﴾ يقولُ: هم جاحدون ذلك منكِرون.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ
стр. 8443
لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾.
يعني (١) جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ هؤلاء الذين وَصَفَ، جلَّ ثناؤُه، أنهم يَصُدُّون عن سبيلِ اللَّهِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: إنهم لم يكونوا بالذين يُعْجِزون ربَّهم، بهربِهم منه في الأرضِ إذا أراد عقابَهم والانتقامَ منهم، ولكنهم في قَبْضتِه ومِلْكِه، لا يَمْتَنِعون منه إذا أرادهم، ولا يَفُوتُونه هَرَبًا إِذا طَلَبَهم، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾. يقولُ: ولم يكنْ لهؤلاء المشركين إذا أراد عقابَهم مِن دونِ اللَّهِ، أنصارٌ يَنْصرونهم مِن اللَّه، ويَحُولون بينَهم وبينَه إذا هو عذَّبهم، وقد كانت لهم في الدنيا [مَنَعَةٌ يمتنعون] (٢) بها ممن أرادهم من الناس بسوءٍ.
وقولُه: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُزادُ في عذابِهم، فيُجْعلُ لهم مكانَ الواحدِ اثنان.
وقولُه: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فإنه اخْتُلِف في تأويلِه.
فقال بعضُهم: ذلك وَصْفٌ (٣)، وَصَفَ اللَّهُ به هؤلاء المشركين، أنه قد ختَم على سمعِهم وأبصارِهم، وأنهم لا يسمعون الحقَّ، ولا يُبْصِرون حُجَجَ اللَّهِ، سَماعَ مُنْتَفِعٍ، ولا إبصارَ مهتدٍ.
стр. 8444
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾: صُمٌّ عن الحقِّ فما يَسْمعونه، بُكْمٌ فما يَنْطِقون به، عُمْيٌ فلا يُبْصِرُونه ولا يَنْتَفِعون به (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾. قال: ما كانوا يستطيعون أن يَسْمعوا خيرًا (٢) فيَنْتفِعوا به، ولا يُبْصِروا خيرًا (٣) فيأخذوا به (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أخبرَ اللَّهُ سبحانه أنه حالَ بينَ أهلِ الشركِ وبين طاعتِه في الدنيا والآخرةِ؛ أما في الدنيا، فإنه قال: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾، وهي طاعتُه، ﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾. وأما في الآخرة، فإنه قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً﴾ (٥) [القلم: ٤٢، ٤٣].
وقال آخرون: إنما عَنَى بقولِه: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ آلهةَ الذين يصدُّون عن سبيلِ اللَّهِ. وقالوا: معنى الكلامِ: أولئك وآلهتُهم لم يكونوا
стр. 8445
مُعْجِزين في الأرضِ، ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾، يعني الآلهةَ، أنها لم يكنْ لها سمعٌ ولا بصرٌ. وهذا قولٌ رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ مِن وجهٍ كَرِهْتُ ذكرَه لضعفِ سَنَدِه.
وقال آخرون: معنى ذلك: يُضاعَفُ لهم العذابُ بما كانوا يستطيعون السمعَ ولا يَسْمَعونه، وبما كانوا يُبْصِرون ولا يَتأمَّلون (١) حججَ اللَّهِ بأعينِهم فيَعْتَبِروا بها. قالوا: والباءُ كان ينبغي لها أن تدخلَ؛ لأنه قد قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]. بكذبِهم، في غيرِ موضعٍ مِن التنزيلِ، أُدخِلت فيه الباءُ، وسقوطُها جائزٌ في الكلامِ، كقولِك في الكلامِ: [لأجزينَّك بما عمِلتَ، وما عمِلتَ] (٢). وهذا قولٌ قاله بعضُ أهلِ العربيةِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ، مِن أنَّ اللَّهَ وَصَفَهم، تعالى ذكرُه، بأنهم لا يستطيعون أن يَسْمَعوا الحقَّ سماعَ مُنْتفِعٍ، ولا يُبْصِرونه إبصارَ مهتدٍ؛ لاشتغالِهم بالكفرِ الذي كانوا عليه مُقِيمين، عن استعمالِ جوارحِهم في طاعةِ اللَّهِ، وقد كانت لهم أسماعٌ وأبصارٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، هم الذين غَبَنُوا أنفسهم
стр. 8446
حظوظَها مِن رحمةِ اللَّهِ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وبَطَلَ كذبُهم وإفكُهم وفِرْيتُهم على اللَّهِ، بادِّعائِهم له شركاءَ، فَسَلَكَ ما كانوا يَدْعونه إلهًا مِن دونِ اللَّهِ غيرَ مسلكِهم، وأخَذ طريقًا غيرَ طريقِهم، فَضَلَّ عنهم؛ لأنه سَلَكَ بهم إلى جهنمَ، وصارت آلهتُهم عدمًا لا شيءَ؛ لأنها كانت في الدنيا حجارةً أو خشَبًا أو نُحاسًا، أو كان للَّهِ وليًّا، فسَلَكَ به إلى الجنةِ، وذلك أيضًا غيرُ مسلكِهم، وذلك أيضًا ضلالٌ عنهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: حقًّا إن هؤلاء القومَ الذين هذه صفتُهم في الدنيا، في الآخرةِ هم الأخسرون، الذين قد باعوا منازلَهم مِن الجنانِ بمنازلِ أهلِ الجنةِ مِن النارِ، وذلك هو الخسرانُ المبينُ. وقد بَيَّنا فيما مَضَى أن معنى قولِهم: جَرمْتُ. كسبتُ الذنبَ وجرَّمْتُه (١)، وإن العربَ كثر استعمالُها إياه في مواضعِ الأيمانِ، وفي مواضعِ "لا بدَّ"، كقولِهم: لا جَرَمَ أنك ذاهبٌ. بمعنى: "لا بدَّ"، حتى استعملوا ذلك في مواضعِ التحقيقِ، فقالوا: لا جرمَ ليقومنَّ. بمعنى: حقًّا ليقومنَّ، فمعنى الكلامِ: لا مَنْعَ عن أنهم، ولا صَدَّ عن أنهم (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وعَمِلوا في الدنيا بطاعةِ اللَّهِ، وأَخْبَتوا إلى ربِّهم.
стр. 8447
واختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإخباتِ. فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأنابوا إلى ربِّهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. قال: الإخباتُ الإنابةُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: وأنابوا إلى ربِّهم (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: وخافوا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. يقول: خافوا (٣).
وقال آخرون: معناه: اطمأنوا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
стр. 8448
المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. قال: اطمأنوا (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخرون: معنى ذلك: خَشَعوا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: الإخباتُ: التخشُّعُ والتواضعُ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وهذه الأقوالُ متقاربةُ المعاني، وإن اختلفت ألفاظُها؛ لأن الإنابةَ إلى اللَّهِ مِن خوفِ اللَّهِ، ومِن الخشوعِ والتواضعِ للَّهِ بالطاعةِ، والطمأنينةُ إليه مِن الخشوعِ له. غيرَ أن نفسَ الإخْباتِ عندَ العربِ الخشوعُ والتواضعُ. وقال: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾. ومعناه: وأَخْبَتوا لربِّهم، وذلك أن العربَ تضعُ اللامَ موضعَ "إلى" و"إلى" موضعَ اللامِ كثيرًا، كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]. بمعنى: أوحى إليها. وقد يجوزُ أن يكونَ قيل ذلك كذلك؛ لأنهم وُصِفوا بأنهم
стр. 8449
عَمَدوا بإِخْباتِهم إلى اللَّهِ.
وقولُه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، هم سكانُ الجنةِ الذين لا يخرجُون عنها، ولا يموتون فيها، ولكنهم فيها لابِثُون إلى غيرِ نهايةٍ.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: مَثَلُ فريقي الكفرِ والإيمانِ كمثل الأعمى الذي لا يَرَى بعَيْنَيه (١) شيئًا (٢)، والأصمِّ الذي لا يسمعُ شيئًا، فكذلك فريقُ الكفرِ لا يُبْصِرُ الحقَّ فيتَّبِعَه ويعملَ به؛ لشغلِه بكفرِه باللَّهِ، وغَلَبَةِ خِذْلانِ اللَّهِ عليه، لا يسمعُ داعيَ اللَّهِ إلى الرشادِ، فيُجيبَه إلى الهدى فيهتديَ به، فهو مُقيمٌ في ضلالتِه، يتردَّدُ في حَيْرتِه. ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾، فكذلك (٣) فريقُ الإيمانِ، أبصَرَ حُجَجَ اللَّهِ، وأقرَّ بما دَلَّت عليه مِن توحيد اللَّهِ، والبراءةِ مِن الآلهةِ والأندادِ، ونبوَّةِ الأنبياءِ، ﵈، وسمِعَ داعيَ اللَّهِ فأجابَه، وعَمِلَ بطاعةِ اللَّهِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾. قال: الأعمى والأصمُّ: الكافرُ. والبصيرُ والسميعُ: المؤمنُ (٤).
стр. 8450
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾: الفريقان، الكافران و (١) المؤمنان. فأما الأعمى والأصمُّ فالكافران، وأما البصيرُ والسميعُ فهما المؤمنان.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ الآية، هذا مَثَلٌ ضَرَبَه اللَّهُ للكافرِ والمؤمنِ، فأما الكافرُ فصَمَّ عن الحقِّ فلا يسمعُه، وعَمِيَ عنه فلا يُبْصِرُه. وأما المؤمنُ فسَمِعَ الحقَّ فانتَفَع به، وأبصَرَه فوَعاه وحَفِظَه وعَمِل به.
يقولُ تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، يقولُ: هل يستوي هذان الفريقان، على اختلافِ حالتَيهما في أنفسِهما عندَكم أيُّها الناسُ؟ فإنهما لا يستويان عندَكم فكذلك حالُ الكافرِ والمؤمنِ لا يستويان عندَ اللَّهِ. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقولُ، جلَّ ثناؤُه: أفلا تَعْتَبِرون أيُّها الناسُ وتتفكرون، فتَعْلَموا حقيقةَ اختلافِ أمرَيهما، فتَنْزجِروا عما أنتم عليه مِن الضلالِ إلى الهدى، ومِن الكفرِ إلى الإيمانِ؟ فالأعمى والأصمُّ والبصيرُ والسميعُ في اللفظِ أربعةٌ، وفي المعنى اثنان، ولذلك قيل: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، وقيل: ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾، والمعنى: كالأعمى الأصمِّ. وكذلك قيل: ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾، والمعنى: البصيرِ السميعِ. كقولِ القائلِ: قام الظريفُ والعاقلُ. وهو يَنْعَتُ بذلك شخصًا واحدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾.
стр. 8451
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [إِنِّي لَكُمْ﴾ أيُّها القومُ] (١) ﴿نَذِيرٌ﴾ مِن اللَّهِ، أُنذرُكم بأسَه على كفرِكم به، فآمِنوا به وأطِيعوا أمرَه. ويعني بقولِه: ﴿مُبِينٌ﴾: يُبِينُ لكم عما أُرسِل به إليكم، مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنِّي﴾؛ فقرَأ ذلك عامة قرأةِ الكوفةِ وبعضُ المدنيين بكسرِ "إن" على وجهِ الابتداءِ (٢)؛ إذ كان في الإرسالِ معنى القولِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ بفتحِ "إن" (٣) على إعمالِ الإرسالِ فيها، كأن معنى الكلامِ عندَهم: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه بأني لكم نذيرٌ مبينٌ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يقالَ: إنهما قراءتان متَّفِقَتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ كان مصيبًا للصوابِ في ذلك.
وقولُه: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. فمَن كَسَر الألفَ في قوله: ﴿إِنِّي﴾. جعَل قولَه: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ عاملًا في "أنْ" التي في قولِه: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. ويصيرُ المعنى حينَئذٍ: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه، أن لا تعبدوا إلا اللَّهَ، وقلْ لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. ومَن فَتَحها رَدَّ "أنْ" في قولِه: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ عليها، فيكونُ المعنى حينَئذٍ: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه بأني لكم نذيرٌ مبينٌ، بأن لا تعبدوا إلا اللَّهَ.
ويعني بقولِه: بأن لا تعبدوا إلا اللَّهَ: أيُّها الناسُ، اتركوا (٤) عبادةَ الآلهةِ
стр. 8452
والأوثانِ، وإشراكَها في عبادتِه، وأفْرِدوا اللَّهَ بالتوحيدِ، وأخْلِصوا له العبادةَ، فإنه لا شريكَ له في خَلْقِه. وقولُه: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ: إني، أيُّها القومُ، إن لم تَخُصُّوا (١) اللَّهَ بالعبادةِ، وتُفْرِدوه بالتوحيدِ، وتَخْلعوا (٢) ما دونَه مِن الأندادِ والأوثانِ - أخافُ عليكم مِن اللَّهِ عذابَ يومٍ مؤلمٍ عقابُه وعذابُه لمَن عُذِّبَ فيه. وجَعَل الأليمَ مِن صفةِ اليومِ، وهو مِن صفةِ العذابِ؛ إذ كان العذابُ فيه، كما قيل: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]. وإنما السَّكَنُ مِن صفةِ ما سَكَنَ فيه، دونَ الليلِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فقال الكبراءُ مِن قومِ نوحٍ وأشرافُهم، وهم الملأُ الذين كفروا باللَّهِ، وجَحَدوا نبوَّةَ نبيِّهم نوحٍ، ﵇: ﴿مَا نَرَاكَ﴾ يا نوحُ ﴿إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾: يعنُون بذلك أنه آدميٌّ مثلُهم في الخلقِ والصورةِ والجنسِ، كأنهم كانوا منكِرِين (٣) أن يكونَ اللَّهُ يرسلُ مِن البشرِ رسولًا إلى خلقِه. وقولُه: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾. يقولُ: وما نَراك اتَّبَعك إلا الذين هم سَفِلَتُنا مِن الناسِ، دونَ الكُبَراءِ والأشرافِ، فيما نرَى (٤) ويظهرُ لنا.
стр. 8453
وقولُه: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ اختلفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقَرأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ بغيرِ همزِ "البادِي"، وبهمزِ ﴿الرَّأْيِ﴾، بمعنى: ظاهرِ الرأيِ. مِن قولِهم: بَدَا الشيءُ يبدو. إذا ظَهَر (١)، كما قال الراجزُ:
أضْحَى لِخالي شَبَهِي بَادِي بَدِي
وصارَ للفَحْلِ لِساني وَيَدِي (٢)
بادي بَدِي، بغيرِ همزٍ. وقال آخرُ:
وقد عَلَتْنِي (٣) ذُرْأَةٌ (٤) بادِي بَدِي (٥)(٦)
وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ: (بادِئَ الرأيِ)، مهموزًا أيضًا، بمعنى: مبتدأَ الرأيِ. مِن قولِهم: بدأتُ بهذا الأمرِ. إذا ابتدأتَ به قبلَ غيرِه (٧).
وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك (٨) عندَنا، قراءةُ مَن قرأَ: ﴿بَادِيَ﴾، بغيرِ همزِ "البادِي"، وبهمزِ ﴿الرَّأْيِ﴾؛ لأن معنى ذلك الكلامِ: إلا الذين هم أراذِلُنا، في ظاهرِ الرأيِ، وفيما يظهرُ لنا.
وقولُه: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾. يقولُ: وما نَتَبَيَّنُ لكم علينا مِن فضلٍ نِلْتُموه بمُخالفتِكم إيانا في عبادةِ الأوثانِ إلى عبادةِ اللَّهِ، وإخلاصِ العُبُودةِ له،
стр. 8454
فنتبعَكم طلبَ ذلك الفضلِ، وابتغاءَ ما أصبتُموه بخلافِكم إيانا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾، وهذا خطابٌ منهم لنوحٍ، ﵇، وذلك أنهم إنما كذَّبوا نوحًا دونَ أتباعِه؛ لأن أتباعَه لم يكونوا رسلًا، وأخرَج الخطابَ، وهو واحدٌ، مُخرجَ خطابِ الجميعِ، كما قيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. وتأويلُ الكلامِ: بل نظنُّك، يا نوحُ، في دَعْواك أن اللَّهَ ابْتَعَثَك إلينا رسولًا - كاذبًا.
وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ قوله: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾. قال: فيما ظَهَرَ لنا (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه، مخبِرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه، إذ (٢) كذَّبوه وردُّوا عليه ما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ من النصيحةِ: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾: على علمٍ ومعرفةٍ وبيانٍ مِن اللَّهِ لي ما يَلْزَمُني له، ويجبُ عليَّ مِن إخلاصِ العبادةِ له، وتركِ إشراكِ الأوثانِ معه فيها، ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾. يقولُ: ورَزَقَني منه التوفيقَ والنبوةَ والحكمةَ، فآمنتُ به، وأطعتُه فيما أمَرني ونَهاني: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾.
стр. 8455
واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ والكوفةِ (فَعَمِيَتْ)، بفتحِ العينِ وتخفيفِ الميمِ بمعنى: فعَمِيت الرحمةُ عليكم فلم تهتدوا لها، فتُقِرُّوا بها، وتُصَدِّقوا رسولَكم عليها (١).
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ بضمِّ العينِ وتشديدِ "الميمِ" (٢)، اعتبارًا منهم ذلك بقراءةِ عبدِ اللَّهِ، وذلك أنها (٣) فيما ذُكِر في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فعمَّاها عليكم) (٤).
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ مَن قرأَه: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ (٥) بضمِّ العينِ وتشديدِ الميمِ؛ للذي ذَكَروا مِن العلةِ لمَن قرَأ به، ولقربِهِ مِن قولِهِ: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾. فأضافَ الرحمةَ إلى اللَّهِ، فكذلك تعميتُه على الآخرين بالإضافةِ إليه أولى. وهذه الكلمةُ مما حَوَّلت العربُ الفعلَ عن موضعِه؛ وذلك أن الإنسانَ هو الذي يَعْمَى عن إبصارِ الحقِّ، إذ يَعْمَى عن إبصارِه، والحقُّ لا يوصفُ بالعَمَى، إلا على الاستعمالِ الذي قد جَرَى به الكلامُ، وهو في جوازِه لاستعمالِ العربِ إياه، نظيرُ قولِهم: دَخَل الخاتمُ في يَدِي، والخُفُّ في رِجْلي. ومعلومٌ أن الرِّجْلَ هي التي تدخلُ في الخُفِّ، والأُصْبُعَ في الخاتمِ، ولكنهم استعملوا ذلك كذلك، لمَّا كان معلومًا المرادُ فيه (٦).
стр. 8456
وقولُه: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾. يقولُ: أنأْخُذُكم بالدخولِ في الإسلامِ، وقد عمَّاه اللَّهُ عليكم؟ ﴿وَأَنْتُمْ (١) لَهَا كَارِهُونَ﴾. يقولُ: وأنتم لإلْزامِناكُموها ﴿كَارِهُونَ﴾. يقولُ: لا نفعلُ ذلك، ولكن نَكِلُ أمرَكم إلى اللَّهِ، حتى يكونَ هو الذي يَقْضِي في أمرِكم ما يرى ويشاءُ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: قال نوحٌ: يا قَوْمِ ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾. قال: قد عَرَفتُها، وعَرَفتُ بها أمرَه، وأنه لا إلهَ إلا هو، ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾: الإسلامَ والهُدى والإيمانَ والحُكْمَ (٢) والنبوةَ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ الآية، أمَا واللَّهِ لو استطاعَ نبيُّ اللَّهِ ﷺ الألزمَها قومَه، ولكن لم يستطعْ (٤) ذلك، ولم يَمْلِكْه (٥).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ، عن أبي العاليةِ،
стр. 8457
قال: في قراءةِ أبيٍّ: (أنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنا وأَنْتم لها كارِهُونَ) (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبيرِ، عن ابنِ عيينةَ، قال: أخبرَنا عمرُو بنُ دينارٍ، قال: قرَأ ابنُ عباسٍ: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنا). قال عبدُ اللَّهِ: (مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنَا): مِن تلقاءِ أنفسِنا (٢).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٢).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ: (أَنُلْزِمُكُمُوها مِن شَطْرِ قُلُوبِنا وأَنتم لها كارِهُونَ) (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾.
وهذا أيضًا خبرٌ مِن اللَّهِ عن قِيلِ نوحٍ لقومِه، أنه قال لهم: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ على نصيحتي لكم، ودِعايتِكم إلى توحيدِ اللَّهِ، وإخلاصِ العبادةِ له ﴿مَالًا﴾: أجرًا على ذلك، فتَتَّهِموني في نصيحتى، وتظنون أن فِعْلي ذلك طلبُ عَرَضٍ مِن أعراضِ الدنيا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: ما ثوابُ نصيحتي لكم ودِعايتِكم إلى ما أدْعوكم إليه، إلا على اللَّهِ، فإنه هو الذي يُجازيني ويُثِيبُني
стр. 8458
عليه، ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: وما أنا بمُقْصٍ مَن آمَن باللَّهِ، وأقرَّ بوحدانيتِه، وخَلَعَ الأوثانَ، وتَبَرَّأَ منها، بأن لم يكونوا مِن عِلْيَتِكم وأشرافِكم؛ ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: إن هؤلاء الذين تسألوني طَرْدَهم، صائِرون إلى اللَّهِ، واللَّهُ سائلُهم عما كانوا في الدنيا يعملون، لا عن [شَرَفِهم وحَسَبِهم] (١).
وكان قيلُ نوحٍ ذلك لقومِه؛ لأن قومَه قالوا له، كما:
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: قالوا له: يا نوحُ، إن أحببتَ أن نَتَّبِعَك فاطرُدْهم، وإلا فلن نَرْضَى أن نكونَ نحن وهم في الأمرِ سواءً، فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، فيسألُهم عن أعمالِهم (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ (٣)، جميعًا عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. قال: جزائي (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ. عن مجاهدٍ مثلَه (٤).
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤).
стр. 8459
وقولُه: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. يقولُ: ولكني، أيُّها القومُ، أراكم قومًا تَجْهَلون الواجبَ عليكم مِن حقِّ اللَّهِ، واللازمَ لكم مِن فرائضِه، ولذلك مِن جَهْلِكم سألتُموني أن أطرد الذين آمنوا باللَّهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾.
يقولُ: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي﴾ فيمنَعُني ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، إن هو عاقَبَني على طَرْدي المؤمنين الموحِّدين اللَّهَ، ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: أفلا تَتفَكَّرون فيما تقولون، فتَعْلَمون خطأه، فتَنْتَهوا عنه؟
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾.
وقولُه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ (١). ومعنى الكلامِ: ويا قومِ لا أسألُكم عليه أجرًا، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ التي لا يُفْنِيها شيءٌ، فأَدْعُوكم إلى اتِّباعي عليها، ﴿وَلَا أَعْلَمُ﴾ أيضًا ﴿الْغَيْبَ﴾ يعني: ما خَفِيَ مِن سرائرِ العبادِ؛ فإن ذلك لا يعلمُه إلا اللَّهُ، فأدَّعِيَ الربوبيةَ، وأدعوَكم إلى عبادتي. ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ أيضًا: ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ مِن الملائكةِ أُرسلتُ إليكم، فأكونَ كاذبًا في دَعْوايَ ذلك، بل أنا بشرٌ مثلُكم كما تقولون، أُمرتُ بدُعائِكم إلى اللَّهِ، وقد أَبْلَغْتُكم ما أُرسِلتُ به إليكم، ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾. يقولُ: ولا أقولُ للذين
стр. 8460
اتَّبعوني وآمنوا باللَّهِ ووَحَّدوه، الذين تستحقرُهم أعينُكم، وقلتُم: إنها أَرَاذِلُكم: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ (١) اللَّهُ خَيْرًا﴾، وذلك الإيمانُ باللَّهِ، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ: اللَّهُ أعلمُ بضمائرِ صدورِهم، واعتقادِ قلوبِهم، وهو وليُّ أمرِهم في ذلك، وإنما لي منهم ما ظهرَ وبدا، وقد أظهَروا الإيمانَ باللَّهِ واتَّبَعوني، فلا أطرُدُهم، ولا أستَحِلُّ ذلك، ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: إني إن قلتُ لهؤلاءِ الذين أظْهَروا الإيمانَ باللَّهِ وتَصْديقي: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾، وقضيتُ على سرائرِهم، بخلافِ ما أَبْدَتْه (٢) ألْسِنَتُهم لي، على غيرِ علمٍ مني بما في نفوسِهم، وطردتُهم (٣) بفعلي ذلك، لَمِنَ الفاعلين ما ليس لهم فعلُه، المعتدين ما أمَرَهم اللَّهُ به، وذلك هو الظلمُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ التي لا يُفْنِيها شيءٌ، فأكونَ إنما أدعوكم لتَتَّبِعوني عليها، لأُعْطِيَكم منها، ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ نزلتُ مِن السماءِ برسالةٍ، ما أنا إلا بشرٌ مثلُكم، ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: ولا أقولُ اتَّبِعوني على علمِ الغيبِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا
стр. 8461
بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ نوحٍ لنوحٍ، ﵇: قد خاصَمْتَنا، فأكثرتَ خُصُومتَنا، فأْتِنا بما تَعِدُنا مِن العذابِ إن كنتَ مِن الصادقين في عِداتِك ودَعْواك أنك للَّهِ رسولٌ، يعني: بذلك أنه لن يقدرَ على شيءٍ مِن ذلك.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ [أبي نجيحٍ] (١)، عن مجاهدٍ: ﴿جَادَلْتَنَا﴾. قال: مارَيْتَنا (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾. قال: مارَيْتَنَا (٢). ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾. قال ابنُ جريجٍ: تكذيبًا بالعذابِ، وأنه باطلٌ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾.
стр. 8462
يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ لقومِه حينَ اسْتَعْجَلوه العذابَ: يا قومِ، ليس الذي تستعجلون مِن العذابِ إليَّ، إنما ذلك إلى اللَّهِ لا إلى غيرِه، هو الذي يأتيكم به إن شاء، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. يقولُ: ولستُم إذا أرادَ تعذيبَكم - بمُعْجِزِيه؛ أي: بفائتِيه هربًا منه؛ لأنكم حيثُ كنتم في مُلْكِه وسلطانِه وقدرتِه، حكمُه عليكم جارٍ.
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾. يقولُ: ولا ينفعُكم تَحْذِيري عقوبتَه، ونزولَ سَطْوتِه بكم على كفرِكم به، ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ في تَحْذيري إياكم ذلك؛ لأن نُصْحي لا ينفعُكم؛ لأنكم لا تَقْبَلونه، ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾. يقولُ: إن كان اللَّهُ يريدُ أن يُهْلِكَكم بعذابِه، ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه تُرَدُّون بعدَ الهلاكِ.
حُكِي عن طَيِّئٍ أنها تقولُ: أصبح فلانٌ غاويًا. أي: مريضا. وحُكِي عن غيرِهم سماعًا منهم: أغويتُ فلانًا. بمعنى: أهلكتَه. وغَوِيَ الفصيلُ. إذا فَقَدَ اللبنَ فماتَ. وذُكِر أن قولَ اللَّهِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أي: هَلاكًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه، أيقولُ - يا محمدُ - هؤلاء المشركون من قومِك: افتَرى محمدٌ هذا القرآنَ، وهذا الخبرَ عن نوحٍ؟ قلْ لهم: إن افتريتُه فتخرَّصتُه واختلقتُه ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾. يقولُ: فعليَّ إثمي في افْترائي ما افتريتُ على ربِّي دونَكم، لا تؤاخَذُون بذَنْبي ولا إثْمي، ولا أُوَاخَذُ بذنبِكم، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾. يقولُ: وأنا بريءٌ مما تُذنِبون وتَأْثَمُون بربِّكم مِن افْترائِكم عليه.
стр. 8463
يقالُ منه: أَجْرَمتُ إجرامًا وجَرَمْتُ أُجْرِمُ جَرْمًا. كما قال الشاعرُ (١):
طريدُ عشيرةٍ ورهينُ ذنبٍ … بما جَرَمَتْ يَدِي وَجَنَى لِساني
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأوحَى اللَّهُ إلى نوحٍ، لمَّا حقَّ على قومِه القولُ، وأظلَّهم (٢) أمرُ اللَّهِ: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ﴾ يا نوحُ، باللَّهِ، فيوحِّدَه ويَتَّبِعَك على ما تَدْعوه إليه ﴿مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ فصَدَّق بذلك واتَّبَعك، ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: فلا تَسْتَكِنْ ولا تحزنْ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، فإني مُهلِكُهم، ومُنْقِذُك منهم ومَن اتَّبَعَك. وأَوْحَى اللَّهُ ذلك إليه بعدَما دعا عليهم نوحٌ بالهلاكِ، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
وهو تَفْتَعِلُ مِن البؤسِ، يقالُ: ابتأسَ فلانٌ بالأمرِ يَبْتَئِسُ ابْتئاسًا. كما قال لَبيدُ بنُ ربيعةَ (٣):
في مَأْتَمٍ كنِعاجِ صا … رَةَ (٤) يَبْتَئِسْنَ بما لَقِينا
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي
стр. 8464
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. قال: لا تحزنْ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: فلا تحزنْ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: لا تَأْسَ ولا تحزنْ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، وذلك حينَ دعا عليهم قالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، قولَه: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: فلا تأسَ ولا تحزنْ (٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، فحينَئذٍ دعا على قومِه، لمَّا بَيَّن اللَّهُ له أنه لن يؤمنَ مِن قومِه إلا مَن قد آمن.
стр. 8465
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأُوحِي إليه أنه لن يؤمنَ مِن قومِك إلا مَن قد آمَن، وأَنِ اصْنَعِ الفلكَ، وهو السفينةُ؛ كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: الفلكُ، السفينةُ (١).
وقولُه: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾. يقولُ: بعينِ اللَّهِ ووَحْيِه، كما يأمُرُك.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، وذلك أنه لم يَعْلَمْ كيف صَنْعَةُ الفُلكِ، فَأَوحَى اللَّهُ إليه أن يَصْنَعَها على مِثْلِ جُؤْجُؤ الطائرِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَحْيِنَا﴾. قال: كما نَأْمُرُك (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني المثنى قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾: كما نأمُرُك (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. قال: بعينِ اللَّهِ.
стр. 8466
قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَوَحْيِنَا﴾. قال: كما نأمُرُك (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. قال: بعينِ اللَّهِ ووَحْيِه (٢).
وقولُه: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تسألْني في العفوِ عن هؤلاء الذين ظَلَموا أنفسَهم مِن قومِك، فأكسَبوها - تَعدِّيًا منهم عليها بكفرِهم باللَّهِ - الهلاكَ بالغَرَقِ؛ إنهم مُغْرَقون بالطوفانِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾. قال: يقولُ: ولا تُراجِعْني. قال: تقدَّمَ ألَّا يشفعَ لهم عندَه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويصنعُ نوحٌ السفينةَ، وكلما مَرَّ عليه جماعةٌ مِن كُبَراءِ قومِه ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾. يقولُ: هَزِئوا مِن نوحٍ، ويقولون له: أتحوَّلْتَ نجارًا بعد النبوّةِ، وتعملُ السفينةَ في البرِّ؟ فيقولُ لهم نوحٌ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾: إن تَهْزَءوا مِنَّا اليومَ، فإنَّا نهزأُ منكم في الآخرةِ، كما تَهْزَءون مِنَّا في الدنيا، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا عاينتُم عذابَ اللَّهِ مَن الذي كان إلى نفسِه مُسِيئًا مِنَّا.
وكانت صنعةُ نوحٍ السفينةَ كما حدَّثني المُثَنَّى، وصالحُ بنُ مِسْمارٍ، قالا (٤):
стр. 8467
ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبرنا موسى بنُ يعقوبَ، قال: ثنى فائدٌ (١) مولى عبيدِ اللَّهِ بنِ عليِّ بنِ أبي رافعٍ، أن إبراهيمَ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ربيعةَ، أخبرَه أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ أخبرَتْه، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لو رَحِمَ اللَّهُ أحدًا مِن قومِ نوحٍ لرَحِمَ أمَّ الصَّبِيِّ". قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "كان نوحٌ مَكَثَ في قومِه ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا يَدْعوهم إلى اللَّهِ، حتى كان آخِرُ زمانِه غَرَسَ شجرةً، فعَظُمَت وذَهَبَت كلَّ مذهبٍ، ثم قَطَعَها، ثم جَعَلَ يعملُ سفينةً، ويَمُرُّون فيَسْألونه، فيقولُ: أعملُها سفينةً. فيَسْخَرون منه ويقولون: تعملُ (٢) سفينةً في البرِّ، فكيف تَجْرِي؟ فيقولُ: سوف تَعْلَمون. فَلَما فَرَغَ منها، وفارَ التَّنُّورُ، وكَثُرَ الماءُ في السِّكَكِ، خَشِيَتْ أمُّ الصَّبِيِّ (٣) عليه، وكانت تُحِبُّه حبًّا شديدًا، فخَرَجَت إلى الجبلِ، حتى بَلَغَت ثُلُثَه، فلما بَلَغَها الماءُ خَرَجَت حتى بَلَغَت ثُلُثَي الجبلِ، فلما بَلَغَها الماءُ خَرَجَت حتى اسْتَوَت على الجبلِ، فلما بَلَغَ الماءُ رقبتَها، رَفَعَتْه بيَدَيها (٤) حتى ذَهَبَ بها الماءُ. فلو رَحِمَ اللَّهُ منهم أحدًا لَرَحِمَ أَمَّ الصبيِّ" (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن طولَ السفينةِ ثلاثُمائةِ ذراعٍ، وعرضَها خمسون ذراعًا، وطولَها في السماءِ ثلاثون ذراعًا، وبابَها في عرضِها (٦).
стр. 8468
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: كان طولُ سفينةِ نوحٍ ألفَ ذراعٍ ومائتي ذراعٍ، وعرضُها ستَّمائةِ ذراعٍ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ (٢)، عن مُفَضَّل بنِ فَضالةَ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعانَ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال الحواريُّون لعيسى ابنِ مريمَ: لو بعثتَ لنا رجلًا شَهِدَ السفينةَ، فحدَّثَنا عنها. قال: فانطَلَق بهم حتى انتهى بهم إلى كَثيبٍ مِن ترابٍ، فأخَذَ كفًّا مِن ذلك الترابِ بكَفِّه، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: هذا كعبُ (٣) حامِ بنِ نوحٍ. قال: فضَرَبَ الكثيبَ بعصاه، قال: قمْ بإذنِ اللَّهِ. فإذا هو قائمٌ يَنْفُضُ الترابَ عن رأسِه قد شابَ، قال له عيسى: هكذا هلكتَ؟ قال: لا، ولكن مِتُّ وأنا شابٌّ، ولكنِّي ظننتُ أنها الساعةُ، فمِن ثَمَّ شِبْتُ. قال: حَدِّثْنا عن سفينةِ نوحٍ. قال: كان طولُها ألفَ ذراعٍ ومائتي ذراعٍ، وعرضُها ستَّمائةِ ذراعٍ، و (٤) كانت ثلاثَ طبقاتٍ؛ فطبقةٌ فيها الدوابُّ والوحشُ، وطبقةٌ فيها الإنسُ، وطبقةٌ فيها الطيرُ، فلما كَثُرَ أرواثُ الدوابِّ، أوحَى اللَّهُ إلى نوحٍ: أن اغمِزْ ذَنَبَ الفيلِ. فَغَمَزَ (٥)، فَوَقَعَ منه خِنْزِيرٌ وخنزيرةٌ، فأقبَلا على الرَّوْثِ، فلما وَقَعَ الفأرُ بجَرَزِ (٦) السفينةِ يَقْرِضُه، أوحَى اللَّهُ إلى
стр. 8469
نوحٍ: أن اضربْ بين عَيْنَيِ الأسدِ. فخَرَج مِن مَنْخَرِه سِنَّورٌ وسِنَّورةٌ، فأقبَلا على الفأرِ. فقال له عيسى: كيف عَلِمَ نوحٌ أن البلادَ قد غَرِقَت؟ قال: بَعَثَ الغرابَ يأتيه بالخبرِ، فوجَدَ جيفةً، فوَقَعَ عليها، فدَعا عليه بالخوفِ؛ فلذلك لا يَأْلَفُ البيوتَ. قال: ثم بَعَثَ الحمامةَ، فجاءت بوَرَقِ زيتونٍ بمِنْقارِها، وطينٍ برِجْلَيها (١)، فعَلِمَ أن البلادَ قد غَرِقَت. قال: فطَوَّقَها الخُضرةَ التي في عُنُقِها، ودعا لها أن تكونَ في أُنسٍ وأمانٍ، فمِن ثَمَّ تألفُ البيوتَ. قال: فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، ألا ننطلقُ به إلى أهلينا، فيجلسُ معنا، ويحدِّثُنا؟ قال: كيف يَتْبَعُكم مَن لا رزقَ له؟ قال: فقال له: عُدْ بإذنِ اللَّهِ. قال: فعادَ ترابًا (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عمن لا يتَّهِمُ، عن عُبيدِ بنِ عميرٍ الليثيِّ، أنه كان يحدِّثُ، أنه بَلَغَه أنهم كانوا يَبْطِشون به - يعني قومَ نوحٍ (٣) - فيَخْنُقونه حتى يُغْشَى عليه، فإذا أفاقَ قال: اللهمَّ اغفِرْ لقومي فإنهم لا يَعْلمون. حتى إذا تمادَوا في المعصيةِ، وعَظُمت في الأرضِ منهم الخطيئةُ، وتطاولَ عليه وعليهم الشأنُ، واشتدَّ عليه منهم البلاءُ، وانتظر النَّجْلَ بعدَ النَّجْلِ، فلا يأتي قرنٌ إلا كان أخبثَ مِن القرنِ الذي قبلَه، حتى إن كان الآخِرُ منهم لَيقولُ: قد كان هذا مع آبائِنا ومع أجدادِنا هكذا مجنونًا. لا يَقْبَلون منه شيئًا، حتى شكا ذلك مِن أمرِهم نوحٌ إلى اللَّهِ تعالى، كما قصَّ اللَّهُ علينا في كتابِه: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥، ٦] إلى آخرِ القصةِ، حتى قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا
стр. 8470
فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧]. إلى آخرِ القصةِ، فلما شكا ذلك منهم نوحٌ إلى اللَّهِ، واسْتَنْصَره عليهم، أوحَى اللَّهُ إليه أن: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. أي: بعدَ اليوم؛ ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. فأقبَل نوحٌ على عملِ الفلكِ، ولَهِيَ (١) عن قومِه، وجَعَل يقطَعُ الخشبَ، ويضرِبُ الحديدَ، ويُهَيِّئُ عُدَّةَ الفلكِ مِن القارِ وغيرِه مما لا يُصلِحُه إلا هو، وجعَل قومُه يمرُّون به، وهو في ذلك مِن عملِه، فيَسْخَرون منه، ويَسْتَهزئون به، فيقولُ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾. قال: ويقولون له فيما بلغني: يا نوحُ، قد صِرْتَ نَجَّارًا بعدَ النبوةِ؟! قال: وأعقمَ اللَّهُ أرحامَ النساءِ، فلا يولدُ لهم ولدٌ.
قال: ويزعمُ أهلُ التوراةِ أن اللَّهَ أمره أن يصنعَ الفلكَ مِن خشبِ السَّاجِ، وأن يصنعَه أَزْوَرَ (٢)، وأن يَطْلِيَه بالقارِ مِن داخلِه وخارجِه، وأن يجعلَ طولَه ثمانين ذراعًا، وأن يجعلَه ثلاثةَ أطباقٍ؛ سُفْلًا، ووَسَطًا، وعُلْوًا، وأن يجعلَ فيه كِوًى، ففعَل نوحٌ كما أمره اللَّهُ، حتى إذا فرَغ منه، وقد عَهِد اللَّهُ إليه: إذا جاء أمرُنا وفار التَّنُّورُ، فـ ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، وقد جعَل التَّنُّورَ آيةً فيما بينَه وبينَه، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧]. واركبْ. فلما فارَ التنُّورُ، حَمَل نوحٌ في الفلكِ مَن أمَره اللَّهُ - وكانوا قليلًا كما قال اللَّهُ - وحَمَل (٣) فيها مِن كلٍّ زوجين اثنين، مما فيه الروحُ والشجرُ، ذكرٍ (٤) وأنثى،
стр. 8471
فحَمَل فيه بَنِيه الثلاثةَ - سامٌ وحامٌ ويافثُ - ونساءَهم (٢)، وستةَ أناسٍ ممن كان آمَن به، فكانوا عشرةَ نفرٍ؛ نوحٌ وبَنوه وأزواجُهم، ثم أدخَل ما أمَره (٣) به مِن الدوابِّ، وتَخلَّفَ عنه ابنُه يامٌ، وكان كافرًا (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ (٥)، عن يوسفَ بنِ مِهْرَانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سمعتُه يقولُ: كان أوَّلُ ما حَمَل نوحٌ في الفلكِ مِن الدوابِّ الدُّرَّةَ (٦)، وآخرُ ما حَمَل الحمارَ، فلما أدْخَل (٧) الحمارَ وأدخَل صدرَه، تعلَّق (٨) إبليسُ بذنبِه، فلم تستقلَّ رجلاه، فجَعل نوحٌ يقولُ: ويحك! ادخُلْ. فينهَضُ فلا يستطيعُ، حتى قال نوحٌ: ويحك! ادخُلْ وإن كان الشيطانُ معك. قال: كلمةٌ زَلَّتْ عن لسانِه، فلما قالها نوحٌ خَلَّى الشيطانُ سبيلَه، فدَخَل ودخَل الشيطانُ معه، فقال له نوحٌ: ما أدْخَلَك عليَّ (٩) يا عدوَّ اللَّهِ؟ فقال: ألم تقُلْ: ادخُلْ وإن كان الشيطانُ معك؟ قال: اخرُجْ عني يا عدوَّ اللَّهِ. فقال: ما لك بدٌّ مِن أن تَحْمِلَني. فكان - فيما يَزْعمون - في ظهرِ الفلكِ، فلما اطمأنَّ نوحٌ في الفلكِ، وأدخَل فيه مَن آمَن به، وكان ذلك في الشهرِ (١٠) مِن السنةِ
стр. 8472
التي دَخَل فيها نوحٌ بعدَ ستِّمائةِ سنةٍ مِن عمرِه، لسبعَ عشْرةَ ليلةً مَضَت مِن الشهرِ. فلما دَخَل وحَمَل معه مَن حَمَل، تَحرَّك ينابيعُ الغَوْطِ (١) الأكبرِ، وفُتِحَ أبوابُ السماءِ، كما قال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١، ١٢]. فدَخَل نوحٌ ومَن معه الفلكَ، وغَطَّاه عليه وعلى مَن معه بطبقِه (٢)، فكان بينَ أن أَرسلَ اللَّهُ الماءَ، وبينَ أن احْتمل الماءُ الفلكَ، أربعون يومًا وأربعون ليلةً، ثم احْتمل الماءُ، كما يزعُمُ أهلُ التوراةِ، وكَثُر الماءُ واشتدَّ وارتفعَ، يقولُ اللَّهُ جلّ ذكرُه لمحمدٍ ﷺ : ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]. والدُّسُرُ المساميرُ؛ مساميرُ الحديدِ، فجعلت الفلكُ تَجْري به وبمَن معه في موجٍ (٣) كالجبالِ، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ الذي هَلَكَ فيمَن هلكَ، ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ حينَ رأى نوحٌ مِن صِدْقِ موعد ربِّه ما رأى، فقال: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾. وكان شقيًّا قد أضمَر كفرًا، ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، وكان عَهِدَ الجبالَ، وهي حِرْزُ مِن الأمطارِ إذا كانت، فظنَّ أن ذلك كما كان يعهَدُ، قال نوحٌ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾، وكَثُرَ الماءُ حتى طَغَى وارتفعَ فوقَ الجبالِ، كما يزعمُ أهلُ التوراةِ، بخمسةَ عشرَ ذراعًا، فبادَ ما على وجهِ الأرضِ مِن الخلقِ، مِن كلِّ شيءٍ فيه الروحُ أو شجرٍ، فلم يَبْقَ شيءٌ من الخلائقِ إلا نوحٌ ومَن معه في الفلكِ، وإلا عُوجُ بنُ عُنُقَ، فيما يزعمُ أهلُ الكتابِ، فكان بينَ أن أرسلَ اللَّهُ الطوفانَ، وبين أن غاضَ الماءُ، ستةَ
стр. 8473
أشهرٍ وعشرَ ليالٍ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعانَ، قال ابنُ حميدٍ: قال سلمةُ: وحدَّثني حسنُ بنُ عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، قال: سمعتُه يقولُ: لما آذَى نوحًا في الفلكِ عَذِرةُ الناسِ، أُمِر أن يمسَحَ ذَنَبَ الفيلِ، فمسَحَه، فخَرَج منه خِنْزيران، وكَفَى عنه ذلك، وإن الفأرَ توالَدَت في الفلكِ، فلما آذَتْه، أُمِر أن يأمرَ الأَسدَ يَعْطِسُ، فَعَطَسَ، فَخَرَج من مَنْخَريه هِرَّان يأكُلان عنه الفأرَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا كان نوحٌ في السفينةِ، قَرَضَ الفأرُ حبالَ السفينةِ، فَشَكا نوحٌ، فأوحَى اللَّهُ إليه، فمسَح ذَنَبَ الأسدِ، فخرَج سِنَّوْران، وكان في السفينةِ عَذِرةٌ، فشكا ذلك إلى ربِّه، فأوحى اللَّهُ إليه، فمسَح ذَنَبَ الفيلِ، فخرَج خِنْزيران.
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزَجانيُّ، قال: ثنا الأسودُ بنُ عامرٍ، قال: أخبرَنا سفيانُ بنُ (٢) سعيدٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.
حُدِّثْتُ عن المسيَّبِ، عن (٣) أبي رَوْقٍ، عن الضّحّاكِ، قال: قال [سلمان الفارسي] (٤): عَمِل نوحٌ السفينةَ في أربعمائةِ سنةٍ، وأنبت السَّاجَ أربعين سنةً، حتى
стр. 8474
كان طولُه أربعَمائةِ (١) ذراعٍ، والذراعُ إلى المَنْكِبِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أيُّها القومُ، إذا جاء أمرُ اللَّهِ، مَن الهالكُ؟ ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾. يقولُ: الذي يأتيه عذابُ اللَّهِ مِنَّا ومنكم يُهِينُه ويُذِلُّه، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. يقولُ: وينزِلُ به في الآخرةِ مع ذلك، عذاب دائمٌ لا انقطاعَ له، مقيمٌ عليه أبدًا.
وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾. يقولُ: ويصنَعُ نوحٌ الفلكَ حتى إذا جاء أمرُنا الذي وعدناه أن يجيءَ قومَه، مِن الطوفانِ الذي يُغْرِقُهم.
وقولُه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: انْبجَسَ الماءُ مِن وجهِ الأرضِ، وفارَ التنورُ، وهو وجهُ الأرضِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا العوامُ بنُ حوشبٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: التنورُ وجهُ الأرضِ. قال: قيل له: إذا رأيتَ الماءَ على وجهِ الأرضِ فاركَبْ أنت ومَن
стр. 8475
اتَّبَعَك (١). قال: والعربُ تُسمِّي وجهَ الأرضِ تَنُّورَ الأرضِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن العوامِ، عن الضحاكِ بنحوِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبرَنا الشيبانيُّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: وجهُ الأرضِ (٣).
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الشيبانيِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال (٤): وجهُ الأرضِ.
وقال آخرون: هو تنويرُ الصبحِ. من قولِهم: نَوَّرَ الصبحُ تَنْويرَا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ (٥)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن زيادٍ (٦) مولى أبي جُحَيفةَ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ - رضي الله