← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

صَالِحٍ﴾ (١): كان عملُه في شركٍ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حيَّانَ، عن جعفرِ بنِ بُرقانَ، عن ميمونٍ وثابتِ بنِ الحجاجِ، قالا: هو ابنُه، وُلِدَ على فراشِه. وأولى القولين في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: إنه ليس مِن أهلِك الذين وعدتُك أن أُنجِّيَهم، لأنه كان لدينِك مُخالفًا وبي كافرًا، وكان ابنَه لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد أخبَر نبيَّه محمدًا ﷺ أنه ابنُه، فقال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. وغيرُ جائزٍ أن يخبرَ أنه ابنُه، فيكونَ بخلافِ ما أخبَر. وليس في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ دَلالةٌ على أنه ليس بابنِه، إذ كان قولُه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ محتملًا مِن المعنى ما ذكَرنا، ومحتملًا أنه ليس من أهل دينِك، ثم يحذفُ الدينُ، فيقالُ: إنه ليس مِن أهلِك، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. فإن القرأةَ اختلفت في قراءتِه؛ فقرأته عامةُ قرَأةِ الأمصارِ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ بتنوينِ ﴿عَمَلٌ﴾، ورفعِ ﴿غَيْرُ﴾ (٣)؛ واختلَف الذين قَرءوا ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: إن مسألتَك إياي هذه عملٌ غيرُ صالحٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال: إن مسألتَك إياي هذه، عملٌ غيرُ صالحٍ.

стр. 8507

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ أي: سوءٌ، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. يقولُ: سؤالُك عما ليس لك به علمٌ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن حمزةَ الزياتِ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال: سؤالُك إياي عملٌ غيرُ صالحٍ، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. وقال آخرون: بل معناه: إن الذي ذكرتَ أنه ابنُك، فسألتَني أن أُنَجِّيَه، عملٌ غيرُ صالحٍ؛ أي: إنه لغيرِ رِشدةٍ. وقالوا: الهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾ عائدةٌ على الابنِ (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ أنه قرأ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال: ما هو واللهِ بابنِه (٤). ورُوِي عن (٥) جماعةٍ مِن السلفِ أنهم قَرَءوا ذلك: (إنَّهُ عَمِلَ غيرَ صالحٍ)، على وجهِ الخبرِ عن الفعلِ الماضي، و (غيرَ) منصوبةٌ (٦). وممن رُوِي عنه أنه قرَأَ ذلك

стр. 8508

كذلك ابنُ عباسٍ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قتَّةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ: (عمِلَ غيرَ صالحٍ). ووجَّهوا تأويلَ ذلك إلى ما حدَّثنا به ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُندَرٌ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: (إِنَّه عَمِلَ غيرَ صالحٍ). قال: كان مخالفًا له في النيةِ والعملِ (٢). ولا نعلمُ هذه القراءةَ قرَأ بها أحدٌ مِن قرَأةِ الأمصارِ إلا بعضَ المتأخرين، واعتَلَّ في ذلك بخبرٍ رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قرَأ ذلك كذلك - غيرِ صحيحِ السندِ، وذلك حديثٌ رُوِيَ عن شهرِ بنِ حوشَبٍ؛ فمرةً يقولُ: عن أمِّ سلمةَ. ومرةً يقولُ: عن أسماءَ بنتِ يزيدَ. ولا نعلمُ [أيَّةَ يُريدُ] (٣)، ولا نعلمُ لشَهرٍ سماعًا يَصحُّ عن أمِّ سلَمَةَ (٤).

стр. 8509

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا (١) ما عليه قرَأةُ الأمصارِ؛ وذلك رفعُ ﴿عَمَلٌ﴾ بالتنوينِ، ورفعُ ﴿غَيْرُ﴾، بمعنى: إن سؤالَك إيَّاي ما تَسألنيه في ابنِك - المُخالفِ دينَك، المُوالي أهلَ الشركِ بي؛ مِن النجاةِ مِن الهلاكِ، وقد مَضَتْ إجابتي إياك في دعائِك: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ما قد مضَى، مِن غيرِ استثناءِ أحدٍ منهم - عملٌ غيرُ صالحٍ؛ لأنه مسألةٌ منك إليَّ أن لا أفعلَ ما قد تقدَّمَ مني القولُ بأني أفعله في إجابتي مسألتَك إياي فِعْلَه. فذلك هو العملُ غيرُ الصالحِ. وقولُه: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. نهيٌ من اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه نوحًا أن يسألَه عن أسبابِ أفعالِه التي قد طَوَى علمَها عنه وعن غيرِه مِن البشرِ. يقولُ له تعالى ذكرُه: إني يا نوحُ قد أخبرتُك عن سؤالِك سببَ إهلاكي ابنَك الذي أهلكتُه، فلا تَسألنِ بعدَها عما (٢) قد طوَيتُ علمَه عنك مِن أسبابِ أفعالي، وليس لك به علمٌ: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [في مسألتِك إياي عن ذلك. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾] (٣) ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: أن تبلُغَ الجهالةُ بك أن لا أَفِيَ لك بوعدٍ وعدتُك، حتى تسألَني ما ليس لك به علمٌ، ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤). واختلفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. فقرأ ذلك عامةُ قرَأَةِ الأمصارِ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بكسرِ النونِ

стр. 8510

وتخفيفِها (١)، ونَحَوْا بكسرِها إلى الدَّلالةِ على الياءِ التي هي كنايةُ اسمِ اللهِ: فلا تسألْني (٢). وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين، وبعضُ أهلِ الشامِ: (فلا تسألَنَّ) بتشديدِ النونِ وفتحِها (٣)، بمعنى: فلا تَسألنَّ يا نوحُ ما ليس لك به علمٌ. والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا، تخفيفُ النونِ وكسرُها؛ لأن ذلك هو الفصيحُ مِن كلامِ العربِ، المستعملُ بينَهم (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا نبيَّه محمدًا ﷺ عن إنابةِ نوحٍ، ﵇، [إليه بالتوبةِ] (٥) مِن زَلَّتِه، في مسألتِه التي سألها ربَّه في ابنِه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾. أي أستجيرُ بك أن أتكلَّفَ مسألتَك ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾، مما قد استأثرتَ بعلمِه، وطويتَ علمَه عن خلقِك، فاغفِرْ لي زلَّتي في مسألتي إياك ما سألتُك في ابني، وإن أنت لم تغفِرْها لي وتَرحمْني فتُنقِذْني مِن غضبِك ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. يقولُ: مِن الذين غَبَنوا أنفسَهم حظوظَها وهَلَكوا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ﴾ مِن الفلكِ إلى الأرضِ، ﴿بِسَلَامٍ

стр. 8511

مِنَّا﴾. يقولُ: بأمنٍ مِنَّا أنت ومَن معك مِن إهْلاكِنا، ﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾. يقولُ: [وبركاتٍ] (١) عليك، ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾. يقولُ: وعلى قرونٍ تجيءُ مِن ذريةِ مَن معك مِن ولدِك. فهؤلاء المؤمنون مِن ذريَّةِ نوحٍ الذين سَبَقَت لهم مِن اللَّهِ السعادةُ، وبارَكَ عليهم قبلَ أن يَخلُقَهم في بطونِ أمهاتِهم وأصْلابِ آبائِهم. ثم أخبَر تعالى ذكرُه نوحًا عما هو فاعلٌ بأهلِ الشَّقاءِ مِن ذُرِّيتِه، فقال له: ﴿وَأُمَمٌ﴾. يقولُ: وقرونٌ وجماعةٌ، ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الحياةِ الدنيا، يقولُ: نرزقُهم فيها ما يَتَمتَّعون به، إلى أن يَبْلُغوا آجالَهم، ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ثم نُذِيقُهم إذا وَرَدوا علينا عذابًا مؤلمًا مُوجِعًا. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بنِ عُبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: دخَل في ذلك السلامِ كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إلى يومِ القيامةِ، ودخَل في ذلك العذابِ والمتاعِ كلُّ كافرٍ وكافرةٍ إلى يومِ القيامةِ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾. قال: دخَل في السلامِ (٣) كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ، وفي

стр. 8512

الشركِ كلُّ كافرٍ وكافرةٍ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ قراءةً عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾. يعني: ممن لم يُولَدْ: قد قَضَى (٢) البركاتِ لمَن سبَق له في علمِ اللَّهِ وقضائِه [السعادةُ، ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾: مَن سبَق له في علمِ اللَّهِ وقضائِه] (٣) الشقاوةُ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ بنحوِه، إلا أنه قال: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾: متاعَ الحياةِ الدنيا، ممن قد سبَق له في علمِ اللَّهِ وقضائِه الشقاوةُ (٤). قال: ولم يَهْلِكِ الولدانُ (٥) يومَ غَرِقَ قومُ نوحٍ بذنبِ آبائِهم، كالطيرِ والسباعِ، ولكن جاء أجلُهم مع الغَرَقِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾. قال: هَبَطوا واللَّهُ عنهم راضٍ، هَبَطوا بسلامٍ مِن اللَّهِ، كانوا أهلَ رحمةٍ (٦) مِن أهلِ ذلك الدهرِ، ثم أخرَجَ منهم نَسْلًا بعد ذلك أُممًا، منهم من رحِمَ، ومنهم من من عَذَّبَ. وقرَأ: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾. وقال (٧): إنما افْتَرَقَت الأممُ مِن تلك (٨)

стр. 8513

العصابةِ التي خَرَجَت مِن ذلك الماءِ وسَلِمَت (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ الآية. يقولُ: بركاتٍ عليك وعلى أممٍ ممّن معك لم يُولَدوا، أوجب اللَّهُ لهم البركاتِ؛ لما سبَق لهم في علمِ اللَّهِ مِن السعادةِ، ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾. يعنِي: متاعَ الحياةِ الدنيا، ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ لِما سبَق لهم في علمِ اللَّهِ مِن الشقاوةِ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بن المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حميدٍ، عن الحسنِ، أنه كان إذا قرأ سورةَ "هودٍ" فأتَى على: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾، حتى (٣) خَتَمَ الآيةَ، قال الحسنُ: فأنْجَى اللَّهُ نوحًا والذين آمَنوا (٤)، وهَلَكَ المُتَمتِّعون. حتى ذَكَرَ الأنبياءَ، كلُّ ذلك يقولُ: أنْجاه اللَّهُ، وهَلَكَ المُتَمتِّعون. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: بعدَ الرحمةِ (٥). حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرني أبي، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ شَوْذَبٍ،

стр. 8514

قال: سمِعتُ داودَ بنَ أبي هندٍ يُحدِّثُ عن الحسنِ، أنه أتَى على هذه الآيةِ: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: فكان ذلك حينَ بعَث اللَّهُ عادًا، فأرسَل إليهم هودًا، فصَدَّقَه مُصَدِّقون، وكَذَّبَه مُكَذِّبون، حتى جاء أمرُ اللَّهِ، فلما جاء أمرُ اللَّهِ نجَّى اللَّهُ هودًا والذين آمنوا معه، وأهْلَك اللَّهُ المُتَمَتِّعين، ثم بعَث اللَّهُ ثَمودًا (١)، فبعَث إليهم صالحًا، فصَدَّقَه مُصَدِّقون، وكَذَّبَه مكذِّبون، حتى جاء أمرُ اللَّهِ، فلما جاء أمرُ اللَّهِ نَجَّى اللَّهُ صالحًا والذين آمنوا معه، وأهْلَك اللَّهُ المُتمتِّعين، ثم اسْتقرَأ الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا على نحوٍ مِن هذا (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : هذه القصَّةُ التي أنبأْتُك بها مِن قصةِ نوحٍ وخبرِه وخبرِ قومِه ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. يقولُ: هي مِن أخبارِ الغيبِ التي لم تَشْهَدْها فتعلَمَها، ﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: نُوحِيها إليك نحن فنُعَرِّفُكَها، ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ الوحيِ الذي نُوحِيه إليك، ﴿فَاصْبِرْ﴾ على القيامِ بأمرِ اللَّهِ وتبليغِ رسالتِه، وما تَلْقَى مِن مُشركي قومِك، كما صبَر نوحٌ، ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: إن الخيرَ مِن عواقبِ الأمورِ لمَن اتَّقَى اللَّهَ، فأدَّى فرائضَه، واجْتَنَب معاصيَه، فهم الفائزون بما يُؤمِّلون (٣) مِن النعيمِ في الآخرةِ، والظَّفَرِ في الدنيا بالطَّلِبةِ، كما كانت عاقبةُ نوحٍ إذ صَبَرَ لأمرِ اللَّهِ، أن نَجَّاه (٤) مِن

стр. 8515

الهَلَكةِ مع مَن آمَن به، وأعْطاه في الآخرةِ ما أعْطاه مِن الكرامةِ، وغَرَّقَ (١) المكذِّبين به فأهْلَكَهم جميعَهم (٢). وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: القرآنِ، وما كان عَلِمَ محمدٌ ﷺ وقومُه ما صَنَعَ نوحٌ وقومُه، لولا ما بَيَّنَ اللَّهُ له (٣) في كتابِه (٤) (٥). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأرسَلْنا إلى قومِ عادٍ أخاهم هودًا، فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحدَه لا شريكَ له، دونَ ما تعبدون مِن دونِه مِن الآلهةِ والأوثانِ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. يقولُ: ليس لكم معبودٌ يستحقُّ [عليكم العبادةَ] (٦) غيرُه، فأخْلِصوا له العبادةَ، وأفْرِدوه بالألوهةِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾.

стр. 8516

يقولُ: ما أنتم في إشْراكِكم معه الآلهةَ والأوثانَ إلا أهلُ فِرْيةٍ مُكذِّبون (١) تَخْتلقون الباطلَ؛ لأنه لا إلهَ سِواه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِه: يا قومِ لا أسألُكم على ما أدْعوكم إليه مِن إخلاصِ العبادةِ للَّهِ وخلعِ الأوثانِ والبراءةِ منها - جزاءً وثوابًا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾. يقولُ: إِن ثوابي وجزائي على نصيحتي لكم ودعائِكم إلى اللَّهِ إلَّا على الذي خلَقَني، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفلا تَعْقِلون أنِّي لو كنتُ أبْتَغي بدعايتِكم إلى اللَّهِ غيرَ النصيحةِ لكم، وطلبِ الحظِّ لكم في الدنيا والآخرةِ - لالتمستُ منكم على ذلك بعضَ أعراضِ الدنيا، وطلبتُ منكم الأجرَ والثوابَ؟ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي خَلَقَني (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾. يقولُ: آمِنوا به حتى يغفِرَ لكم ذنوبَكم.

стр. 8517

[والاستغفارُ هو الإيمانُ باللَّهِ] (١) في هذا الموضعِ؛ لأن هودًا ﷺ إنما دَعا قومَه إلى توحيدِ اللَّهِ ليغفرَ لهم ذنوبَهم، كما قال نوحٌ لقومِه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٢) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣، ٤]. وقولُه: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: ثم تُوبوا إلى اللَّهِ مِن سالفِ ذنوبِكم وعبادتِكم غيرَه بعدَ الإيمانِ به، ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾. يقولُ: فإنكم إن آمنتم باللَّهِ وتُبْتُم مِن كفرِكم به، أرسلَ قَطْرَ (٢) السماءِ عليكم يُدِرُّ لكم الغيثَ في وقتِ حاجتِكم إليه، وتحيا بلادُكم مِن (٣) الجَدْبِ والقَحْطِ. وبنحوِ الذي قُلنا في قولِه ﴿مِدْرَارًا﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مِدْرَارًا﴾. يقولُ: يتبعُ بعضُها (٤) بعضًا (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾. قال: يُدِرُّ ذلك عليهم (٦) [مطرًا مطرًا] (٧).

стр. 8518

وأما قولُه: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، فإن مجاهدًا كان يقولُ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾. قال: شِدَّةً إلى شدَّتِكم. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وإسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ، فذكَر مثلَه (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾. قال: جَعَلَ لهم قوةً، فلو أنهم أطاعوه زادَهم قوةً إلى قوتِهم. وذُكِر لنا أنه إنما قيل لهم: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ (٢)﴾؛ أنه [كان قد] (٣) انقطعَ النسْلُ عنهم سنينَ، فقال هودٌ لهم: إن آمنتم باللَّهِ أحْيَا اللَّهُ بلادَكم، ورَزَقَكم المالَ والولدَ؛ لأن ذلك مِن القوةِ (٤). وقولُه: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: ولا تُدْبِروا عما أدْعوكم إليه مِن توحيدِ اللَّهِ، والبراءةِ مِن الأوثانِ والأصنامِ، ﴿مُجْرِمِينَ﴾. يعني: كافرين باللَّهِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾.

стр. 8519

يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ هودٍ لهودٍ: يا هودُ، ما أَتَيتَنا ببيانٍ ولا برهانٍ على ما تقولُ فنُسَلِّمَ لك، ونُقِرَّ بأنك صادقٌ فيما تَدْعونا إليه، مِن توحيدِ اللَّهِ، والإقرارِ بنبوتِك، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا﴾. يقولُ: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا﴾ يعني لقولِك، أو مِن أجلِ قولِك، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، يقولُ: قالوا: وما نحن لك بما تَدَّعي مِن النبوةِ والرسالةِ مِن اللَّهِ إلينا بمُصدِّقين. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن قولِ قومِ هودٍ، أنهم قالوا له، إذ نَصَح لهم، ودَعاهم إلى توحيدِ اللَّهِ وتصديقِه، وخَلْعِ الأوثانِ والبراءةِ منها: لا نتركُ عبادةَ آلهتِنا، وما نقولُ إلا أن الذي حَمَلَكَ على ذَمِّها والنَّهْيِ عن عبادتِها، أنه أصابَك منها خَبَلٌ مِن جنونٍ. فقال هودٌ لهم: إني أُشْهِدُ اللَّهَ على نَفْسي، وأشهدُكم أيضًا أيُّها القومُ، أني بريءٌ مما تُشْرِكون في عبادةِ اللَّهِ مِن آلهتِكم وأوثانِكم [مِن دونِه] (١). ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾. يقولُ (¬*): فاحْتالوا أنتم جميعًا وآلهتُكم في ضُرِّي ومَكْرُوهي، ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾. يقولُ: ثم لا تُؤَخِّرون ذلك، فانْظُروا: هل تَنالوني أنتم [وهي] (٢) بما زَعَمتم أن آلهتَكم نالَتْني به مِن السوءِ؟ وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 8520

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: أصابَتْك الأوثانُ بجنونٍ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: أصابَك بعضُ (٢) الأوثانِ بجنونٍ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عيسى، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قالوا (٣): سَبَبْتَ آلهتَنا وعِبْتَها فَأَجَنَّتْك. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: أصابَك بعضُ آلهتِنا بسوءٍ، يَعْنون الأوثانَ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. يقول (٤): تُصِيبُك آلهتُنا بالجنونِ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:

стр. 8521

﴿إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: ما يحملُك على ذمِّ الهتِنا إلا أنه أصابَك منها سوءٌ (١). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: أصابَك بعضُ (٢) الأوثانِ بجنونٍ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: إنما تصنعُ هذا بآلهتِنا؛ أنها أصابَتك بسوءٍ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ: أصابَتك آلهتُنا بشرٍّ (٥). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال (٦): ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. يقولون: نخشى أن يصيبَك من آلهتِنا سوءٌ، ولا نحبُّ أن تعتريَك، يقولون: يُصِيبُك منها سوءٌ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: يقولون: اختلَط عقلُك (٧) فأصابَك هذا، مما صَنَعَتْ بك آلهتُنا.

стр. 8522

وقولُه (١): ﴿اعْتَرَاكَ﴾. افتَعَلك (٢)، مِن عَرَاني الشيءُ يَعْروني، إذا أصابَك، كما قال الشاعرُ (٣): * مِن القومِ يَعْرُوه اجْتِراءٌ ومَأْثَمُ * القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾. يقولُ: إني على اللَّهِ الذي هو مالِكي ومالِكُكم والقَيِّمُ على جميعِ خلقِه، توكَّلتُ من أن تُصِيبوني أنتم وغيرُكم مِن الخلقِ بسوءٍ، فإنه ليس مِن شيءٍ يَدِبُّ على الأرضِ إلا واللَّهُ مالكُه، وهو في قبضتِه (٤) وسلطانِه، ذليلٌ له خاضعٌ. فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، فخَصَّ بالأخذِ (٥) الناصيةَ دونَ سائرِ أماكنِ الجسدِ؟ قيل: لأن العربَ كانت تستعملُ ذلك في وصفِها مَن وَصَفَته بالذلةِ والخضوعِ، فتقولُ: ما ناصيةُ فلانٍ إلا بيدِ فلانٍ. أي: إنه له مطيعٌ يُصرِّفُه كيف شاء. وكانوا إذا أسَروا الأسيرَ فأرادوا إطلاقَه والمَنَّ عليه جَزُّوا ناصيتَه؛ ليعتدُّوا بذلك عليه فخرًا عندَ المفاخرةِ، فخاطَبَهم (٦) اللَّهُ بما يَعْرِفون في كلامِهم،

стр. 8523

والمعنى ما ذكرتُ. وقولُه: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: إن ربِّي على طريقِ الحقِّ، يُجازي المحسنَ مِن خلقِه بإحسانِه والمسيءَ بإساءتِه، لا يظلمُ أحدًا منهم شيئًا، ولا يقبلُ منهم إلا الإسلامَ والإيمانَ به. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: الحقِّ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾. يقولُ مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. يقولُ: فإن أدبَرتم (٢) مُعرِضِين عما أدْعوكم (٣) إليه مِن توحيدِ اللَّهِ وتركِ عبادةِ الأوثانِ، ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾، وما على الرسولِ إلا

стр. 8524

البلاغُ، ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. يقولُ: يُهْلِكُكم ربِّي، ثم يَسْتَبْدِلُ ربِّي منكم قومًا غيرَكم، يُوحِّدونه ويُخْلِصون له العبادةَ، ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولا تَقْدِرون له على ضُرٍّ إذا أرادَ هلاكَكم (١) أو أهْلَكَكم. وقد قيل: لا يَضُرُّه هَلاكُكم إذا أهْلَكَكم، لا تُنْقِصونه شيئًا؛ لأنه سواءٌ عندَه كنتم أو لم تكونوا. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾. يقولُ: إن ربِّي على جميعِ خلقِه ذو حفظٍ وعلمٍ، يقولُ: هو الذي يَحْفَظُني مِن أن تَنالوني بسُوءٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾. يقولُ : ولمَّا جاء قومَ هودٍ عذابُنا ﴿نَجَّيْنَا﴾ منه ﴿هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ﴿مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾. يعني: بفضلٍ منه عليهم ونعمةٍ، ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. يقولُ: و (٢) نجَّيناهم أيضًا مِن عذابٍ غليظٍ يومَ القيامةِ، كما نَجَّيناهم في الدنيا مِن السَّخْطةِ التي أنزلناها (٣) بعادٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)﴾. يقولُ : [وهؤلاء] (٤) الذين أَحْلَلنا بهم نِقْمَتَنا وعذابَنا عادٌ، جَحَدوا [بحُجَجِ اللَّهِ وأدلتِه] (٥)، وعَصَوا رُسُلَه الذين أرسَلهم إليهم، للدعاءِ إلى توحيدِه واتباعِ أمرِه، ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. يعني: كلِّ مُسْتكبرٍ

стр. 8525

على اللَّهِ، جائرٍ (١) عن الحقِّ، لا يُذْعِنُ له ولا يَقْبَلُه. يقالُ منه: عَنَدَ عن الحقِّ، فهو يَعْنِدُ عُنُودًا، والرجلُ عانِدٌ وعَنُودٌ. ومِن ذلك قيل للعِرْقِ الذي ينفجِرُ فلا يَرْقأُ: عِرْقٌ عانِدٌ. أي ضارٍ، ومنه قولُ الراجزِ (٢): * إنِّي كبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدَا * حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: المُشْرِكِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾. يقولُ : وأُتبعَ عادٌ قومُ هودٍ في هذه الدنيا غَضَبًا مِن اللَّهِ وسَخْطةً يومَ القيامةِ مثلَها؛ لعنةً إلى اللعنةِ التي سَلَفَت لهم مِن اللَّهِ في الدنيا، ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾. يقولُ: أبعَدَهم اللَّهُ مِن الخيرِ. يقالُ: كفَر فلانٌ ربَّه وكفَر بربِّه، وشَكَرتُ لك وشَكَرتُك. وقيل: إن معنى ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: كَفَرُوا نعمةَ ربِّهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾. يقولُ : وأرسَلنا إلى ثمودَ أخاهم صالحًا، فقال لهم: يا قومِ، اعْبدُوا

стр. 8526

اللَّهَ وحدَه لا شريكَ له، وأَخْلِصوا له العبادةَ دونَ ما سِواه مِن الآلهةِ، فما لكم مِن إلهٍ غيرُه، يَسْتوجِبُ عليكم العبادةَ، ولا تجوزُ الألوهةُ إلا له (١)، ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: هو ابْتَدَأَ خَلْقَكم مِن الأرضِ، وإنما قال ذلك؛ لأنه خلَق آدمَ مِن الأرضِ، فخرَج الخطابُ لهم؛ إذ كان ذلك فعْلَه بمَن (٢) هم منه، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: وجَعَلكم عُمَّارًا (٣) فيها. فكان المعنى فيه: أسْكَنَكم فيها أيامَ حياتِكم، مِن قولِهم: أعْمَرَ فلانٌ فلانًا دارَه، وهي له عُمْرَى (٤). وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. قال: أعْمَرَكم فيها (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، [وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٦): ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: أعمَرَكم. وقولُه: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. يقولُ: اعْمَلوا عملًا يكونُ سببًا لسَتْرِ اللَّهِ عليكم

стр. 8527

ذنوبَكم، وذلك الإيمانُ به، وإخلاصُ العبادةِ له دونَ ما سِواه، واتِّباعُ رسولِه صالحٍ. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: ثم اتْرُكُوا مِن الأعمالِ ما يكرَهُه ربُّكم، إلى ما يَرْضاه ويُحِبُّه؛ ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾. يقولُ: إن ربِّي قريبٌ ممن أخْلَصَ له العبادةَ، ورَغِبَ إليه في التوبةِ، مجيبٌ له إذا دَعاه. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾. يقولُ : قالت ثمودُ لصالحٍ نبيِّهم: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾. أي: كُنَّا نَرْجو أن تكونَ فينا سيدًا قَبْلَ هذا القولِ الذي قلتَه لنا؛ مِن أنه مالَنا (١) إلهٌ غيرُ اللَّهِ. ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾؟ يقولُ: أتَنْهانا أن نعبدَ الآلهةَ التي كانت آباؤُنا تَعْبُدُها (٢)؟ ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٣)﴾: يَعْنون أنهم لا يَعْلَمون صحةَ ما يَدْعوهم إليه مِن توحيدِ اللَّهِ، وأن الألوهةَ لا تكونُ إلا له خالصًا. وقولُه: ﴿مُرِيبٍ﴾. أي: يُوجِبُ التُّهْمةَ، مِن: أَرَبتُه، فأنا أُرِيبُه إرابةً. إذا فعلتَ به فعلًا يوجِبُ له الرِّيبةَ، ومنه قولُ الهُذَليِّ (٤): * كُنْتُ إِذا أَتَوْتُه مِن غَيْبِ * * يَشَمُّ عِطْفِي وَيَبُرُّ (٥) ثَوْبي *

стр. 8528

* [كأنَّما أَرَبْتُه] (١) بِرَيْبِ * القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾. يقولُ : قال صالحٌ لقومِه مِن ثمودَ: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى [بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾. يقولُ: إن كنت على] (٢) برهانٍ وبيانٍ مِن اللَّهِ قد عَلِمتُه وأيقَنتُه. ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾. يقولُ: وآتَاني منه النبوَّةَ والحكمةَ والإسلامَ، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾. يقولُ: فمَن الذي يدفَعُ عنى عقابَه إذا عاقَبَني إن أنا عَصَيتُه، فيُخَلِّصَني منه، ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ بِعُذْرِكم الذي تَعْتَذِرون به؛ مِن أنكم تَعْبدون ما كان يعبدُ آباؤُكم - ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ لكم يُخْسِرُكم حُظُوظَكم مِن رحمةِ اللَّهِ. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾، يقولُ: ما تَزْدادون أنتم إلا خَسارًا (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾. يقولُ مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه مِن ثمودَ، إذ قالوا له: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ وسألوه الآيةَ على ما دَعاهم إليه: ﴿يَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ

стр. 8529

اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾. يقولُ: حُجَّةً وعلامةً، ودلالةً (١) على حقيقةِ ما أَدْعوكم إليه، ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾، فليس عليكم رزقُها ولا مُؤْنتُها، ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾. يقولُ: لا تقْتُلوها ولا تَنالوها بعَقْرٍ؛ ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾. يقولُ: فإنكم إن تَمَسُّوها بسُوءٍ يأخُذْكم عذابٌ مِن اللَّهِ غيرُ بعيدٍ فيُهْلِكْكم. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾. يقولُ : فعَقَرَت ثمودُ ناقةَ اللَّهِ. وفي الكلامِ محذوفٌ قد تُرِكَ ذكرُه؛ استغناءً بدلالةِ الظاهرِ عليه، وهو: فكَذَّبوه فعَقَروها، فقال صالحٌ لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾. يقولُ: اسْتَمْتِعوا في دارِ الدنيا بحياتِكم ثلاثةَ أيامٍ، ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾. يقولُ: هذا الأَجَلُ الذي أجَّلْتُكم وَعْدٌ مِن اللَّهِ، وَعَدَكم بانقضائِه الهلاكَ ونزولَ العذابِ بكم، ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾. يقولُ: لم يَكْذِبْكم فيه مَن أعْلَمَكم ذلك. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: وذُكِر لنا أن صالحًا حينَ أخْبَرَهم أن العذابَ أَتاهم، لَبِسوا الأنْطاعَ (٢) والأَكْسيةَ، وقيل لهم: إن آيةَ ذلك أن تَصْفَرَّ ألوانُكم أولَ يومٍ، ثم تَحْمَرَّ في اليومِ الثاني، ثم تَسْودَّ في اليومِ الثالثِ. وذُكِر لنا أنهم لمَّا عَقَروا الناقةَ نَدِموا وقالوا: عليكم الفصيلَ (٣). فصَعِدَ الفَصِيلُ القارَّةَ -

стр. 8530

والقارةُ الجبلُ - حتى إذا كان اليومُ الثالثُ، استقبلَ القبلةَ وقال: يا ربِّ أمي، [يا ربِّ أمي، يا ربِّ أمي] (١)، قال: فأُرْسِلَت الصيحةُ عندَ ذلك (٢). وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: لو صَعِدتُم القارةَ، لرأيتُم عظامَ الفصيلِ. وكانت منازلُ ثمودَ بحِجْرٍ، بينَ الشامِ والمدينةِ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾. قال: بقيةَ آجالِهم (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، أن ابنَ عباسٍ قال: لو صَعِدتُم على القارةِ لرأيتُم عظامَ الفَصيلِ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾. يقولُ : فلما جاء ثمودَ عذابُنا ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ منه، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ به (٥) ﴿مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾. يقولُ: بنعمةٍ وفضلٍ مِن اللَّهِ، ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾. يقولُ: ونَجَّيناهم مِن هَوانِ ذلك اليومِ وذُلِّه بذلك العذابِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ﴾ في بَطْشِه، إذا بَطَشَ بشيءٍ أهْلَكَه، كما أهلكَ ثمودَ حينَ بطَش بها ﴿الْعَزِيزُ﴾ فلا يَغْلِبُه غالبٌ، ولا يَقْهَرُه قاهِرٌ، بل يغلِبُ كُلَّ شيءٍ ويَقْهَرُه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 8531

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾. قال: نَجَّاه اللَّهُ برحمةٍ منه (١)، ونَجَّاه مِن خِزْيِ (٢) يومِئذٍ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن عمرِو بنِ خارجةَ، قال: قلنا له: حدِّثْنا حديثَ ثمودَ. قال: أُحدِّثُكم عن رسولِ اللَّهِ ﷺ عن ثمودَ: "كانت ثمودُ قومُ صالحٍ أَعْمَرَهم اللَّهُ في الدنيا فأطالَ أعْمارَهم، حتى جعَل أحدُهم يَبْني المسكنَ مِن المَدَرِ، فيَنْهدِمُ والرجلُ منهم حيٌّ، فلما رَأَوا ذلك اتَّخَذوا مِن الجبالِ بيوتًا فَرِهِين، فنَحَتُوها (٤) وجَوَّفوها، وكانوا في سَعَةٍ مِن معايشِهم، فقالوا: يا صالحُ، ادعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا آيةً، نعلمُ أنك رسولُ اللَّهِ. فَدَعا صالحٌ ربَّه، فأخرَج لهم الناقةَ، فكان شِرْبُها يومًا وشِرْبُهم يومًا معلومًا، فإذا كان يومُ شِرْبِها (٥) خَلَّوا عنها وعن الماءِ وحَلَبوها لبنًا، مَلَئُوا كلَّ إناءٍ ووعاءٍ وسقاءٍ (٦) حتى إذا كان يومُ شِرْبِهم صَرَفوها عن الماءِ، فلم تشربْ منه شيئًا، فمَلَئوا كلَّ إناءٍ ووعاءٍ وسقاءٍ، فأوحَى اللَّهُ إلى صالحٍ، أن قومَك سيَعْقِرون ناقتَك، فقال لهم، فقالوا: ما كُنَّا لنفعلَ. فقال: إلا تَعْقِروها أنتم أوشَك

стр. 8532

أن يولدَ فيكم مولودٌ يعقرُها (١). قالوا: ما علامةُ ذلك المولودِ، فواللَّهِ لا نجدُه إلا قَتَلناه. قال: فإنه غلامٌ أشقرُ أزرقُ أصهَبُ أحمرُ. قال: وكان في المدينةِ شيخان عزيزان مَنِيعان، لأحدِهما ابنٌ [يُرْغَبُ به] (٢) عن المناكحِ، وللآخرِ ابنةٌ لا يجدُ لها كُفُؤًا، فَجَمَعَ بينَهما مجلسٌ، فقال أحدُهما لصاحبِه: ما يمنَعُك أن تُزَوِّجَ ابنَك؟ قال: لا أجِدُ له كُفُؤًا. قال: فإن ابنتي كفؤٌ له، وأنا أزوِّجُك. فَزَوَّجَه، فوُلِدَ بينَهما ذلك المولودُ، وكان في المدينةِ ثمانيةُ رهطٍ يُفْسِدون في الأرضِ، ولا يُصلِحون، فلما قال لهم صالحٌ: إنما يَعقِرُها مولودٌ فيكم. اخْتاروا ثمانيَ نسوةٍ قوابلَ مِن القريةِ، وجَعَلوا معهنَّ شُرَطًا كانوا يَطُوفون في القريةِ، فإذا وَجَدوا المرأةَ (٣) تُمخَضُ، نَظَروا (٤) ما ولدُها؛ فإن كان غلامًا قَلَّبْنَه، فَنَظَرْنَ ما هو، وإن كانت جاريةً أَعرَضْنَ عنها، فلما وَجَدوا ذلك المولودَ صرَخ النسوةُ، وقُلنَ: هذا الذي يريدُ رسولُ اللَّهِ صالحٌ. فأرادَ الشُّرَطُ أن يأخُذوه، فحالَ جَدَّاه بينَهم وبينَه، وقالا: لو أن صالحًا أرادَ هذا قَتَلناه. فكان شَرَّ مولودٍ، وكان يَشِبُّ في اليومِ شبابَ غيرِه في الجمعةِ، ويَشِبُّ في الجمعةِ شبابَ غيرِه في الشهرِ، ويَشِبُّ في الشهرِ شبابَ غيرِه في السنةِ، فاجتمَع الثمانيةُ الذين يُفسِدون في الأرضِ ولا يُصلِحون، وفيهم الشيخان، فقالوا: استُعمِلَ (٥) علينا هذا الغلامُ؛ لمنزلتِه وشَرَفِ جَدَّيه. فكانوا (٦) تسعةً، وكان صالحٌ لا ينامُ معهم في القريةِ، كان في مسجدٍ يقالُ له: مسجدُ صالحٍ، فيه يبيتُ

стр. 8533

بالليلِ، فإذا أصبَح أتاهم، فوعَظَهم وذَكَّرهم، وإذا أمسى خَرَجَ إلى مسجدِه فباتَ فيه". قال حجاجٌ: وقال ابنُ جريجٍ: لمَّا قال لهم صالحٌ: إنه سيولَدُ غلامٌ يكونُ هلاكُكم على يدَيه. قالوا: فكيف تأمُرُنا؟ قال: آمُرُكم بقتلِهم. فقتَلُوهم إلا واحدًا. قال: فلما بَلَغ ذلك المولودُ قالوا: لو كنَّا لم نقتُلْ أولادَنا، لكان لكلِّ رجلٍ منَّا مثلُ هذا، هذا عَمَلُ صالحٍ. فائْتَمَرُوا بينَهم بقَتلِه، وقالوا: نخرُجُ مسافرين، والناسُ يَرَوننا علانيةً، ثم نرجِعُ مِن ليلةِ كذا، من شهرِ كذا وكذا، فنرصُدُه عندَ مُصلَّاه، فنقتُلُه، فلا يحسَبُ الناسُ إلا أنَّا مسافرون كما نحن. فأقبَلوا حتى دَخَلوا تحتَ صخرةٍ يرصُدُونه، فأرسَل اللَّهُ عليهم الصخرةَ فرَضَختهم (١)، فأصبَحوا رَضحًا. فانطَلَقَ رجالٌ ممن قد اطَّلَع على ذلك منهم، فإذا هم رَضخٌ، فرَجَعوا يصيحون في القريةِ: أي عبادَ اللَّهِ، أما رَضِيَ صالحٌ أن أَمَرَهم أن يَقتُلوا أولادَهم، حتى قَتَلهم؟! فاجتمَع أهلُ القريةِ على عقرِ (٢) الناقةِ أجمعون، وأحجَموا عنها إلَّا ذلك الابنَ (٣) العاشرَ. ثم رَجَعَ الحديثُ إلى حديثِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، قال: "فأرادوا أن يمكُروا بصالحٍ، فمشَوا حتى أَتَوا على سَرَبٍ (٤) على طريقِ صالحٍ، فاختبَأ فيه ثمانيةٌ (٥)، وقالوا: إذا خرَج علينا قَتَلناه، وأتينا أهلَه فبيَّتناهم. فأمَر اللَّهُ الأرضَ، فاستَوت عليهم، قال: فاجتمَعوا ومَشَوا إلى الناقةِ، وهي على حَوضِها قائمةٌ، فقال

стр. 8534

الشقيُّ لأحدِهم: ائتِها فاعقِرْها. فأتاها، فَتعاظَمَه ذلك، فأضرَبَ عن ذلك، فبَعَث آخرَ، فأعظَمَ ذلك، فجَعَل لا يبعَثُ رجلًا إلا تَعاظَمه أمرُها، حتى مَشَى (١) إليها وتَطاوَلَ فضرَبَ عُرقوبيها، فوَقَعت تَركُضُ، وأتى رجلٌ منهم صالحًا، فقال: أدرِكِ الناقةَ فقد عُقِرت. فأقبَل، وخَرَجوا (٢) يَتَلقَّونه، ويعتَذِرون إليه: يا نبيَّ اللَّهِ، إنما عَقَرها فلانٌ، إنه لا ذنبَ لنا. قال: فانظُروا هل تُدرِكون فصيلَها؟ فإن أدركتُموه، فعسى اللَّهُ أن يرفَعَ عنكم العذابَ. فخَرَجوا يَطلُبونه، ولمَّا رأى الفصيلُ أمَّه تضطرِبُ، أتَى جبلًا - يقالُ له: القَارةُ - قصيرًا، فصَعِدوا (٣) وذهَبوا ليأخُذوه، فأوحَى اللَّهُ إلى الجبلِ، فطالَ في السماءِ، حتى ما تنالُه الطيرُ. قال: ودخَل صالحٌ القريةَ، فلما رآه الفصيلُ بكَى، حتى سالت دموعُه، ثم استقبَل صالحًا، فَرَغا رَغوةً، ثم رغا أخرى، ثم رغا أخرى، فقال صالحٌ لقومِه: لكلِّ رغوةٍ أجلُ يومٍ (٤)، ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾، ألا إن آيةَ العذابِ أن اليومَ الأولَ تصبِحُ وجوهُكم مصفرَّةً، واليومَ الثانيَ محمرَّةً، واليومَ الثالثَ مسودةً. فلما أصبَحوا إذا وجوهُهم كأنها قد طُليت بالخلوقِ (٥)، صغيرُهم وكبيرُهم، ذَكَرُهم وأُنثاهم، فلما أمسَوا صاحُوا بأجمعِهم: ألا إنه (٦) قد مَضَى يومٌ من الأجلِ، وحَضَرَكم العذابُ، فلما أصبَحوا اليوم الثانيَ إذا وجوهُهم محمرَّةٌ، كأنها خُضِبت بالدماءِ، فصاحوا وضَجُّوا وبَكَوا وعَرَفوا أنه (٧) العذابُ، فلما

стр. 8535

أمسَوا صاحُوا بأجمعِهم: ألا قد مضَى يومان مِن الأجلِ وحَضَركم العذابُ. فلما أصبَحوا اليومَ الثالثَ فإذا وجوهُهم مسودَّةٌ (١)، كأنها طُلِيَت بالقارِ، فَصاحوا جميعًا: ألا قد حَضَرَكم العذابُ. فتَكفَّنوا وتحَنَّطوا، وكان حَنوطُهم الصبرَ والمَغَرَ (٢)، وكانت أكفاتُهم الأنطاعَ، ثم ألقَوا أنفسَهم بالأرضِ، فجعَلوا يُقلِّبون أبصارَهم، فينظُرون إلى السماءِ مرةً، وإلى الأرضِ مرةً، ولا يَدرون مِن حيثُ يأتيهم العذابُ؛ مِن فوقِهم مِن السماءِ أو مِن تحتِ أرجلِهم من الأرضِ، جَشَعًا (٣) وفرقًا (٤)، فلما أصبَحوا اليومَ الرابعَ، أتتهم صيحةٌ مِن السماءِ، فىها صوتُ كلِّ صاعقةٍ، وصوتُ كلِّ شيءٍ له صوتٌ في الأرضِ، فتقَطَّعت قلوبُهم في صدورِهم، فأصبَحوا في ديارِهم (٥) جاثِمين" (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: حُدِّثْتُ أنه لما أَخَذتهم الصَّيحةُ، أهلَكَ اللَّهُ مَن بينَ المشارقِ والمغاربِ منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حَرَمِ اللَّهِ، فمنَعه (٧) حَرَمُ اللَّهِ مِن عذابِ اللَّهِ. قيل: ومَن هو يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "أبو رِغالٍ" (٨). وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ ، حينَ أتَى على قريةِ ثمودَ لأصحابِه: "لا يَدخُلَنَّ أحدٌ منكم القريةَ، ولا تَشرَبوا مِن مائِهم".

стр. 8536

وأَراهم مُرتَقى الفصيلِ حينَ ارتَقى في القارةِ. قال ابنُ جريجٍ: وأخبَرني موسى بنُ عقبةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، أن النبيَّ ﷺ حينَ أتَى على قريةِ ثمودَ، قال: "لا تَدخُلوا على هؤلاء المُعذَّبين إلا أن تكونوا باكِين، فإن لم تكونوا باكِينَ فلا تَدخُلوا عليهم؛ أن يُصيبَكم ما أصابَهم". قال ابنُ جريجٍ: قال جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ: إن النبيَّ ﷺ لمَّا أتَى على الحِجْرِ، حَمِدَ اللَّهَ وأثنَى عليه، ثم قال: "أما بعدُ، فلا تسألوا رسولَكم الآياتِ؛ هؤلاء قومُ صالحٍ سألوا رسولَهم الآيةَ، فبعَث اللَّهُ لهم الناقةَ، فكانت تَرِدُ من هذا الفجِّ، وتَصدُرُ (١) من هذا الفجِّ، فتشرَبُ ماءَهم يومَ وُرُودِها" (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ لمَّا مرّ بوادي ثمودَ، وهو عامِدٌ إلى تبوكَ، قال: فأمَر أصحابَه أن يُسرِعوا السيرَ، وألا يَنزِلوا به، ولا يَشرَبوا مِن مائِه، وأخبَرهم أنه وادٍ ملعونٌ. قال: ولقد ذكِرَ لنا أن الرجلَ الموسرَ من قومِ صالحٍ كان يُعطِي المُعسِرَ منهم ما يَتَكفَّنون به، وكان الرجلُ منهم يلحَدُ لنفسِه ولأهلِ بيتِه؛ لميعادِ نبيِّ اللَّهِ صالحٍ الذي وَعَدهم، وحدَّث من رآهم بالطرقِ والأفنيةِ والبيوتِ؛ فيهم شبانٌ وشيوخٌ، أبقاهم اللَّهُ عبرةً وآيةً. حدَّثنا إسماعيلُ بنُ المتوكلِ الأشجعيُّ مِن أهلِ حمصَ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ واقدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثيمٍ، قال: ثنا أبو الطفيلِ، قال: لمَّا غزَا رسولُ اللَّهِ ﷺ غزاةَ تبُوكَ، نَزَل الحِجرَ، فقال (٣): "أيُّها

стр. 8537

الناسُ، لا تسألوا نبيَّكم الآياتِ، هؤلاء قومُ صالحٍ سألوا نبيَّهم أن يَبعَثَ لهم آيةً (١). فبَعَث اللَّهُ لهم الناقةَ (٢) آيةً، فكانت تَلِجُ عليهم يومَ وُرُودِهم [من هذا الفجِّ فتشرَبُ ماءَهم يومَ ورودِهم] (٣) الذي كانوا يتروَّون منه، ثم يَحلِبونها مثلَ ما كانوا يَتروَّون مِن مائِهم قبلَ ذلك لبنًا، ثم تخرُجُ من ذلك الفجِّ، فعتَوا عن أمرِ ربِّهم وعَقَروها، فوعَدَهم اللَّهُ العذابَ بعدَ ثلاثةِ أيامٍ". قال (٤): "وكان وعدًا مِن اللَّهِ غيرَ مكذوبٍ، فأهلَك اللَّهُ مَن كان منهم في مشارقِ الأرض ومغاربِها، إلا (٥) رجلًا واحدًا كان في حَرَمِ اللَّهِ، فمنَعَه حَرَمُ اللَّهِ مِن عذابِ اللَّهِ". قالوا: ومَن ذلك الرجلُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "أبو رِغالٍ" (٦). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ (٧) كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأصابَ الذين فَعَلوا ما لم يكنْ لهم فعلُه، مِن عَقرِ ناقةِ اللَّهِ وكفرِهم به - الصيحةُ، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: قد جَثَمتهم المَنايا، وتَرَكَتهم خمودًا بأفْنيتِهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الصَّيْحَةُ

стр. 8538

فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. يقولُ: أصبَحوا قد هَلَكوا (١). ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. يقولُ: كأن لم يَعِيشوا فيها، ولم يُعمَّروا بها (٢). كما حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأن لم يَعِيشوا فيها (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣). وقد بَيَّنا ذلك فيما مَضَى بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه (٤). وقولُه: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾. يقولُ: ألا إن ثمودَ (٥) كَفَروا بآياتِ ربِّهم فجَحَدوها، ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾. يقولُ: ألا أبعَد اللَّهُ ثمودَ (٦)؛ لنُزُولِ العذابِ بهم. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد جاءت رسلُنا مِن الملائكةِ. وهم فيما ذُكرَ، كانوا جبريلَ ومَلَكين آخرَين، وقيل: إن المَلَكين الآخرَين كانا ميكائيلَ وإسرافيلَ معه. ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. يعني إبراهيم خليلَ اللَّهِ، ﴿بِالْبُشْرَى﴾. يعني: البشارةِ.

стр. 8539

واختلَفوا في تلك البشارةِ التي أَتَوه بها؛ فقال بعضُهم: هي البِشارةُ بإسحاقَ. وقال آخرون: هي البِشارةُ بهلاكِ قومِ لوطٍ. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾. يقولُ: فسلَّموا عليه سلامًا. ونَصَبَ ﴿سَلَامًا﴾ بإعمالِ ﴿قَالُوا﴾ فيه، كأنه قيل: قالوا قولًا، وسَلَّموا تَسليمًا. ﴿قَالَ سَلَامٌ (١)﴾. يقولُ: قال إبراهيم لهم: سلامٌ. فرفَعَ ﴿سَلَامًا﴾؛ بمعنى: عليكم السلامُ، أو بمعنى: [نحنُ سِلمٌ] (٢) منكم. وقد ذُكرَ عن العربِ أنها تقولُ: سِلمٌ. بمعنى السلامِ، كما تقولُ (٣): حِلٌّ وحلالٌ، وحِرمٌ وحرامٌ. وذَكَرَ الفرَّاءُ أن بعضَ العربِ أنشَده (٤): مَرَرنا فقلنا إيهِ سلمٌ فسلَّمت … كما اكتلَّ (٥) بالبَرقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ بمعنى: سلامٌ. وقد رُوِيَ: كما انكلَّ. وقد زَعَم بعضُهم أن معناه إذا قُرِئَ كذلك: نحنُ سِلمٌ لكم. من المُسالمةِ التي هي خلافُ المحاربةِ. وهذه قراءةُ عامةِ قرأَةِ الكوفيِّين (٦).

стр. 8540

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ (١). على أن الجوابَ مِن إبراهيمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، لهم كان (٢) بنحوِ تَسليمِهم: عليكم السلامُ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنى؛ لأن السِّلمَ قد يكونُ بمعنى السلامِ على ما وصَفتُ، والسلامُ بمعنى السِّلْمِ؛ لأن التسليمَ لا يكادُ يكونُ إلا بينَ أهلِ السِّلمِ دونَ الأعداءِ، فإذا ذُكِرَ تسليمٌ مِن قومٍ على قومٍ، ورَدُّ الآخرين عليهم، دلَّ ذلك على مُسالمةِ بعضِهم بعضًا. وهما مع ذلك قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ (٣) أهلُ قُدوةٍ في القراءةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ (٤) الصوابَ. وقولُه: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. [يقولُ: فما بطَّأَ إبراهيمُ إذ تَضَيَّفته رسلُ اللَّهِ أن جاءهم بعجلٍ حنيذٍ] (٥). وأصلُه مَحنوذٌ، صُرِفَ مِن مفعولٍ إلى فَعيلٍ. وقد اختلَف أهلُ [العلمِ بالعربيةِ] (٦) في معناه؛ فقال بعضُ أهلِ البصرةِ منهم (٧): معنى المحنوذِ: المشويُّ. وقال: يقالُ منه: حنَذتُ فرسي. بمعنى: سَخَّنتُه وعَرَّقتُه. واستشهَد لقولِه ذلك ببيتِ الراجزِ (٨): * ورَهِبَا مِن حَنذِه أَن يَهرَجَا (٩) *

стр. 8541

وقال آخرُ منهم: حَنَذَ فرسَه. أي: أضمَرَه. وقال: قالوا: حنَذَه يَحنِذُه حنذًا. أي: عرَّقَه. وقال بعضُ أهلِ الكوفةِ (١): كلُّ [شيءٍ شُوى] (٢) في الأرضِ، إذا خَدَدتَ له فيها (٣) فدَفَنتَه وغَمَمتَه فهو الحَنيذُ والمحنوذُ. قال: والخيلُ تُحنَذُ إِذا أُلقيت عليها الجِلالُ (٤) بعضُها على بعضٍ لتَعرَقَ. قال: ويقالُ: إذا سَقَيتَه فأحنِذْ. يعني: أخفِسْ، يريدُ: أقِلَّ الماءَ وأكثرِ النبيذَ. قال (٥): وأما أهلُ التأويلِ فإنهم قالوا في معناه ما أنا ذاكِرُه. وذلك ما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. يقولُ: نضيجٍ (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: العجلُ حَسيلُ البقرةِ (٧)، والحنيذُ الشَّويُّ (٨) النضيجُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾. إلى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: نَضِيجٍ سخنٍ، أُنضِجَ بالحجارةِ.

стр. 8542

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: والحنيذُ النضيجُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: نَضِيجٍ. قال: وقال الكلبيُّ: الحنيذُ، الذي يُحنَذُ في الأرضِ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرٍ في قولِه: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: الحنيذُ الذي يقطُرُ ماءً وقد شُوِيَ. وقال حفصٌ: الحنيذُ مثلُ حِنَاذِ الخيلِ (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، قال: ذبَحه ثم شَواه في الرضْفِ، فهو الحنيذُ حين شواه (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو يزيدَ، عن يعقوبَ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: المشويُّ الذي يقطُرُ. حدَّثنا المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، قال: الحَنيذُ الذي يَقطُرُ ماؤُه وقد شُوِيَ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: نَضيجٍ.

стр. 8543

حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: الذي قد (١) أُنضِجَ بالحجارةِ (٢). وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: مشويٍّ. حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ أنه سَمِعَ وهبَ بنَ منبهٍ يقولُ: ﴿حَنِيذٍ﴾. يعني: شَوِيٍّ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: الحِناذُ الإنضاجُ. وهذه الأقوالُ التي ذكَرناها عن أهلِ العربيةِ وأهلِ التفسيرِ مُتقاربةُ (٣) المعاني بعضُها مِن بعضٍ. وموضعُ ﴿أَنْ﴾ من (٤) قولِه: ﴿أَنْ جَاءَ﴾. نصبٌ بقولِه: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾؛ [لأن معناه: فما لبِث بأن] (٥) (٦) جاء. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما رأى إبراهيمُ أيديَهم لا تَصِلُ إلى العجلِ الذي أتاهم

стр. 8544

به، والطعامِ الذي قَدَّمَ إليهم، نَكِرَهم، وذلك أنه لمَّا قَدَّمَ طعامَه ﵇ إليهم، فيما ذُكِر، كَفُّوا عن أكلِه؛ لأنهم لم يكونوا ممن يأكُلُه، وكان إمساكُهم عن أَكلِه عندَ إبراهيمَ، وهم ضِيفانُه، مُستنكَرًا، ولم تكن تُثْبِتُهم (١) معرفةٌ، ورَاعَه أمرُهم، وأوجَسَ في نفسِه منهم خِيفةً. وكان قتادةُ يقولُ: كان [إنكارُ إبراهيمَ] (٢) ذلك مِن أمرِهم، لما (٣) حدَّثنا به (٤) بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قَولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾: وكانت العربُ إذا نَزَل بهم ضيفٌ فلم يَطعَمْ من طعامِهم، ظنُّوا أنه لم يجئْ بخيرٍ، وأنه يُحدِّثُ نفسَه بشرٍّ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾. قال: كانوا إذا نَزَل بهم ضيفٌ فلم يأكُلْ مِن طعامِهم، ظنُّوا أنه لم يأتِ بخيرٍ، وأنه يحدِّثُ نفسَه بشرٍّ، ثم حَدَّثوه عندَ (٥) ذلك بما (٦) جاءوا (٧). وقال غيرُه في ذلك ما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ، عن جُندبِ بنِ سفيانَ، قال: لمَّا دَخَل ضيفُ إبراهيمَ ﵇، قرَّب إليهم العجلَ، فجعَلوا ينكُتون بقِداحٍ في أيديهم مِن نَبلٍ، ولا

стр. 8545

تَصلُ أيديهم إليه، نَكِرَهم عندَ ذلك (١). يقالُ منه: نكِرتُ الشيءَ أَنكِرُه، وأَنكرتُه أُنكِرُه، بمعنًى واحدٍ، ومِن "نَكِرتُ وأَنكرتُ" قولُ الأعشى (٢): وأَنكرَتني وما كان الذي نَكرت … من الحوادثِ إلا الشَّيبَ والصَّلعا فجمَع اللغتين جميعًا في البيتِ. وقال أبو ذُؤيبٍ (٣): فنَكِرنَه فنفَرنَ وامترَسَت به … هَوجاءُ هادِيةٌ وهادٍ جُرْشُعُ (٤). وقولُه : ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾. يقولُ: أحسَّ في نفسِه منهم خِيفةً وأضمَرَها. ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾. يقولُ: قالت الملائكةُ لمَّا رَأت ما بإبراهيمَ من الخوفِ منهم: لا تخَفْ منَّا وكُنْ آمِنًا، فإِنَّا ملائكةُ ربِّك أُرسلنا إلى قومِ لوطٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه] (٥): ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: سارةُ بنتُ هارانَ بنِ ناحورَ بنِ ساروغَ (٦) بنِ
следующие страницы →