← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

فحَمَل فيه بَنِيه الثلاثةَ - سامٌ وحامٌ ويافثُ - ونساءَهم (٢)، وستةَ أناسٍ ممن كان آمَن به، فكانوا عشرةَ نفرٍ؛ نوحٌ وبَنوه وأزواجُهم، ثم أدخَل ما أمَره (٣) به مِن الدوابِّ، وتَخلَّفَ عنه ابنُه يامٌ، وكان كافرًا (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ (٥)، عن يوسفَ بنِ مِهْرَانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سمعتُه يقولُ: كان أوَّلُ ما حَمَل نوحٌ في الفلكِ مِن الدوابِّ الدُّرَّةَ (٦)، وآخرُ ما حَمَل الحمارَ، فلما أدْخَل (٧) الحمارَ وأدخَل صدرَه، تعلَّق (٨) إبليسُ بذنبِه، فلم تستقلَّ رجلاه، فجَعل نوحٌ يقولُ: ويحك! ادخُلْ. فينهَضُ فلا يستطيعُ، حتى قال نوحٌ: ويحك! ادخُلْ وإن كان الشيطانُ معك. قال: كلمةٌ زَلَّتْ عن لسانِه، فلما قالها نوحٌ خَلَّى الشيطانُ سبيلَه، فدَخَل ودخَل الشيطانُ معه، فقال له نوحٌ: ما أدْخَلَك عليَّ (٩) يا عدوَّ اللَّهِ؟ فقال: ألم تقُلْ: ادخُلْ وإن كان الشيطانُ معك؟ قال: اخرُجْ عني يا عدوَّ اللَّهِ. فقال: ما لك بدٌّ مِن أن تَحْمِلَني. فكان - فيما يَزْعمون - في ظهرِ الفلكِ، فلما اطمأنَّ نوحٌ في الفلكِ، وأدخَل فيه مَن آمَن به، وكان ذلك في الشهرِ (١٠) مِن السنةِ

стр. 8472

التي دَخَل فيها نوحٌ بعدَ ستِّمائةِ سنةٍ مِن عمرِه، لسبعَ عشْرةَ ليلةً مَضَت مِن الشهرِ. فلما دَخَل وحَمَل معه مَن حَمَل، تَحرَّك ينابيعُ الغَوْطِ (١) الأكبرِ، وفُتِحَ أبوابُ السماءِ، كما قال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١، ١٢]. فدَخَل نوحٌ ومَن معه الفلكَ، وغَطَّاه عليه وعلى مَن معه بطبقِه (٢)، فكان بينَ أن أَرسلَ اللَّهُ الماءَ، وبينَ أن احْتمل الماءُ الفلكَ، أربعون يومًا وأربعون ليلةً، ثم احْتمل الماءُ، كما يزعُمُ أهلُ التوراةِ، وكَثُر الماءُ واشتدَّ وارتفعَ، يقولُ اللَّهُ جلّ ذكرُه لمحمدٍ ﷺ : ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]. والدُّسُرُ المساميرُ؛ مساميرُ الحديدِ، فجعلت الفلكُ تَجْري به وبمَن معه في موجٍ (٣) كالجبالِ، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ الذي هَلَكَ فيمَن هلكَ، ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ حينَ رأى نوحٌ مِن صِدْقِ موعد ربِّه ما رأى، فقال: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾. وكان شقيًّا قد أضمَر كفرًا، ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، وكان عَهِدَ الجبالَ، وهي حِرْزُ مِن الأمطارِ إذا كانت، فظنَّ أن ذلك كما كان يعهَدُ، قال نوحٌ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾، وكَثُرَ الماءُ حتى طَغَى وارتفعَ فوقَ الجبالِ، كما يزعمُ أهلُ التوراةِ، بخمسةَ عشرَ ذراعًا، فبادَ ما على وجهِ الأرضِ مِن الخلقِ، مِن كلِّ شيءٍ فيه الروحُ أو شجرٍ، فلم يَبْقَ شيءٌ من الخلائقِ إلا نوحٌ ومَن معه في الفلكِ، وإلا عُوجُ بنُ عُنُقَ، فيما يزعمُ أهلُ الكتابِ، فكان بينَ أن أرسلَ اللَّهُ الطوفانَ، وبين أن غاضَ الماءُ، ستةَ

стр. 8473

أشهرٍ وعشرَ ليالٍ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعانَ، قال ابنُ حميدٍ: قال سلمةُ: وحدَّثني حسنُ بنُ عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، قال: سمعتُه يقولُ: لما آذَى نوحًا في الفلكِ عَذِرةُ الناسِ، أُمِر أن يمسَحَ ذَنَبَ الفيلِ، فمسَحَه، فخَرَج منه خِنْزيران، وكَفَى عنه ذلك، وإن الفأرَ توالَدَت في الفلكِ، فلما آذَتْه، أُمِر أن يأمرَ الأَسدَ يَعْطِسُ، فَعَطَسَ، فَخَرَج من مَنْخَريه هِرَّان يأكُلان عنه الفأرَ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا كان نوحٌ في السفينةِ، قَرَضَ الفأرُ حبالَ السفينةِ، فَشَكا نوحٌ، فأوحَى اللَّهُ إليه، فمسَح ذَنَبَ الأسدِ، فخرَج سِنَّوْران، وكان في السفينةِ عَذِرةٌ، فشكا ذلك إلى ربِّه، فأوحى اللَّهُ إليه، فمسَح ذَنَبَ الفيلِ، فخرَج خِنْزيران. حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزَجانيُّ، قال: ثنا الأسودُ بنُ عامرٍ، قال: أخبرَنا سفيانُ بنُ (٢) سعيدٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه. حُدِّثْتُ عن المسيَّبِ، عن (٣) أبي رَوْقٍ، عن الضّحّاكِ، قال: قال [سلمان الفارسي] (٤): عَمِل نوحٌ السفينةَ في أربعمائةِ سنةٍ، وأنبت السَّاجَ أربعين سنةً، حتى

стр. 8474

كان طولُه أربعَمائةِ (١) ذراعٍ، والذراعُ إلى المَنْكِبِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أيُّها القومُ، إذا جاء أمرُ اللَّهِ، مَن الهالكُ؟ ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾. يقولُ: الذي يأتيه عذابُ اللَّهِ مِنَّا ومنكم يُهِينُه ويُذِلُّه، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. يقولُ: وينزِلُ به في الآخرةِ مع ذلك، عذاب دائمٌ لا انقطاعَ له، مقيمٌ عليه أبدًا. وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾. يقولُ: ويصنَعُ نوحٌ الفلكَ حتى إذا جاء أمرُنا الذي وعدناه أن يجيءَ قومَه، مِن الطوفانِ الذي يُغْرِقُهم. وقولُه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: انْبجَسَ الماءُ مِن وجهِ الأرضِ، وفارَ التنورُ، وهو وجهُ الأرضِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا العوامُ بنُ حوشبٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: التنورُ وجهُ الأرضِ. قال: قيل له: إذا رأيتَ الماءَ على وجهِ الأرضِ فاركَبْ أنت ومَن

стр. 8475

اتَّبَعَك (١). قال: والعربُ تُسمِّي وجهَ الأرضِ تَنُّورَ الأرضِ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن العوامِ، عن الضحاكِ بنحوِه. حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبرَنا الشيبانيُّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: وجهُ الأرضِ (٣). حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الشيبانيِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال (٤): وجهُ الأرضِ. وقال آخرون: هو تنويرُ الصبحِ. من قولِهم: نَوَّرَ الصبحُ تَنْويرَا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ (٥)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن زيادٍ (٦) مولى أبي جُحَيفةَ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ - رضي الله

стр. 8476

عنه - قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: هو تنويرُ الصبحِ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ وإسحاقُ بنُ إسرائيل، قالا: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن زيادٍ مولى أبي جُحَيفةَ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: تنويرُ (٢) الصبحِ. حدَّثنا حمادُ بنُ يعقوبَ، قال: أخبرَنا ابنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن مولى أبي جُحَيفةَ - أُراه قد سَمَّاه - عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: تنويرُ (٣) الصبحِ. حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن ابنِ إسحاقَ، عن رجلٍ مِن قريشٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: طلعَ الفجرُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٤)، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن رجلٍ قد سمَّاه، عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ قولَه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: إذا طلعَ الفجرُ. وقال آخرون: [معنى ذلك] (٥): وفارَ أعْلَى الأرضِ وأشرفُ مكانٍ فيها بالماءِ. وقال: التنورُ أشرفُ الأرضِ.

стр. 8477

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: كنا نُحَدَّثُ أنه أعلى (١) الأرضِ وأشرفُها، وكان عَلَمًا بينَ نوحٍ وبينَ ربِّه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمعتُ قتادةَ في (٣) قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: أشرفُ الأرضِ وأرفعُها، فارَ الماءُ منه. وقال آخرون: هو التنورُ الذي يُخْتَبَرُ (٤) فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: إذا رأيتَ تَنُّورَ أهلِك يخرُجُ منه الماءُ، فإنه هلاكُ قومِك (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي محمدٍ، عن الحسنِ، قال: كان تنورًا من حجارةٍ كان لحواءَ، حتى صار إلى نوحٍ. قال: فقيل له: إذا رأيتَ الماءَ يفورُ مِن التنورِ فاركَبْ أنت وأصحابُك (٦).

стр. 8478

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: حينَ انْبَجَسَ الماءُ، وأُمِر نوحٌ أن يركَبَ هو ومَن معه في الفلكِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: انبجسَ الماءُ منه؛ آيةً (١) أن يركَبَ بأهلِه ومَن معه في السفينةِ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: آيةً (٣) أن يركَبَ أهلُه ومَن معه (٤) في السفينةِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن (٥) ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: آيةً (٦) بأن يركبَ بأهلِه ومَن معهم في السفينةِ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: نَبَعَ الماءُ في التنورِ، فعَلِمَتْ به امرأتُه فأخبرَته. قال: وكان ذلك في ناحيةِ الكوفةِ (٧). قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا عليُّ بنُ ثابتٍ، عن السَّرِيِّ بنِ إسماعيلَ، عن

стр. 8479

الشعبيِّ أنه كان يحلِفُ باللَّهِ (١): ما فارَ التنورُ إلا مِن ناحيةِ الكوفةِ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن النضرِ أبي عمرَ الخَزَّازِ (٣)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه (٤): ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: فارَ التنورُ بالهندِ (٥). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: كان آيةً لنوحٍ إذا خَرَجَ منه الماءُ، فقد أتَى الناسَ الهلاكُ والغَرَقُ. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ في معنى "فارَ": نَبَعَ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: نَبَعَ (٦). قال أبو جعفرٍ ﵀: وفورانُ الماءِ سَوْرَةُ دَفْعَتِه، يقالُ منه: فارَ الماءُ يَفُورُ [فَوْرًا وفُؤورًا وفَوَرانًا] (٧). وذاك إذا سارت دَفْعَتُه. وأَوْلى هذه الأقوالِ عندَنا بتأويلِ قولِه: ﴿التَّنُّورُ﴾. قولُ مَن قال: هو التنورُ

стр. 8480

الذي يُخْبَزُ فيه؛ لأن ذلك هو المعروفُ مِن كلامِ العربِ، وكلامُ اللَّهِ لا يُوَجَّهُ إلا إلى الأغلبِ الأشهرِ مِن معانيه عندَ العربِ، إلا أن تقومَ حجةٌ (١) على شيءٍ منه بخلافِ ذلك، فيُسَلَّمَ لها. وذلك أنه جل ثناؤُه إنما خاطَبَهم بما خاطَبَهم به، لإفهامِهم معنى ما خاطَبَهم به. قلنا لنوحٍ، حينَ جاء عذابُنا قومَه الذي وَعَدْنا نوحًا أن نعذِّبَهم به، وفارَ التنورُ الذي جَعَلْنا فَوَرَانَه بالماءِ آيةَ مجيءِ عذابِنا، بينَنا وبينَه، لهلاكِ قومِه: ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾. يعني في الفلكِ، ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ: مِن كُلٍّ ذكرٍ وأنثى اثنين (٢). كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. قال: ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صِنفٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: فالواحدُ زوجٌ، والزوجين ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صنفٍ. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. قال: ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صنفٍ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن

стр. 8481

مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ: مِن كلِّ صنفٍ اثنين. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: يعني بالزوجين اثنين؛ ذكرًا وأنثى. وقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن الكوفيين: الزوجان في كلامِ العربِ: الاثنان. قال: ويقالُ: عليه زَوْجَا نعالٍ (١). إذا كانت عليه نعلان، ولا يقالُ: عليه (٢) زوجُ نعالٍ. وكذلك: عندَه زوجَا حَمامٍ، وعليه زوجَا قيودٍ. وقال: ألا تسمعُ إلى قولِه: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥]. فإنما هما اثنان. وقال بعضُ البصريِّين مِن أهلِ العربيةِ في قولِه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. قال: فجَعَل الزوجين، الضَّرْبَين؛ الذكورَ والإناثَ. قال: وزعم يونسُ أن قولَ الشاعرِ (٣): وأنتَ امْرُؤٌ تَغْدُو على كلِّ غِرَّةٍ … فَتُخْطِئُ فيها مَرَّةً وتُصِيبُ يعني به الذئبَ. قال: فهذا أشذُّ مِن ذلك (٤). وقال آخرُ منهم: الزوجُ اللونُ. قال: وكلُّ ضربٍ يُدْعَى لونًا. واسْتَشْهد ببيتِ

стр. 8482

الأعشى في ذلك (١): وكلُّ زَوْجٍ مِن الدِّيباجِ يَلْبَسُهُ … أبو قُدامةَ مَحْبُوًّا (٢) بِذاك مَعَا وبقول لَبيدٍ (٣): بذي (٤) بَهْجَةٍ كَنَّ المَقَانِبُ (٥) صَوْبهُ (٦) … وَزَيَّنَهُ أَزْوَاجُ نَوْرٍ مُشَرَّبِ وذُكِر أن الحسنَ قال في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]: السماءُ زوجٌ والأرضُ زوجٌ، والشتاءُ زوجٌ والصيفُ زوجٌ، والليلُ زوجٌ، والنهارُ زوجٌ، حتى يصيرَ الأمرُ إلى اللَّهِ الفردِ، الذي لا يُشْبِهُه شيءٌ. وقولُه: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾. يقولُ: واحمِلْ أهلَك أيضًا في الفلكِ. يعني بالأهلِ: ولدَه ونساءَه وأزواجَه. ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾. يقولُ: إلا مَن قلتُ فيهم (٧): إني مُهْلِكُه مع مَن أُهْلِكُ مِن قومِك. ثم اختَلفوا في الذي اسْتَثْناه اللَّهُ مِن أَهلِه؛ فقال بعضُهم: هو بعضُ نساءِ نوحٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ:

стр. 8483

﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾. قال: العذابُ، هي امرأتُه كانت من (١) الغابِرين في العذابِ (٢). وقال آخرون: بل هو ابنُه الذي غَرِقَ. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن المسيَّبِ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾. قال: ابنُه (٣) غَرِقَ في مَن غَرِقَ. وقولُه: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾. يقولُ: واحملْ معهم مَن صَدَّقَك واتَّبَعَك مِن قومِك. يقولُ اللَّهُ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. يقولُ: وما أقرَّ بوحدانيةِ اللَّهِ مع نوحٍ مِن قومِه إلا قليلٌ. واختلفوا في عددِ الذين كانوا آمَنوا معه، فَحَمَلَهم معه في الفلكِ؛ فقال بعضُهم في ذلك: كانوا ثمانيةَ أنفسٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. قال: ذُكِرَ لنا أنه لم يتمَّ في السفينةِ إلا نوحٌ وامرأتُه وثلاثةُ بَنيه، ونساؤُهم، فجميعُهم ثمانيةٌ (٤).

стр. 8484

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا يحيى بنُ عبد الملكِ بنِ أبي غَنِيَّةَ (١)، عن أبيه، عن الحكمِ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. قال: نوحٌ، وثلاثةُ بَنيه، وأربعُ كَنائنِه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: حُدِّثتُ أن نوحًا حَمَلَ معه (٣) بَنيه الثلاثةَ، وثلاثَ نسوةٍ لبَنيه، وامرأةَ نوحٍ، فهم ثمانيةٌ بأزواجِهم، وأسماءُ بنيه: يافثُ، وسامٌ، وحامٌ. وأصابَ حامٌ زوجتَه في السفينةِ، فدَعا نوحٌ أن تُغَيَّرَ نُطْفتُه، فجاء بالسودانِ (٤). وقال آخرون: بل كانوا سبعةَ أنفسٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. قال: كانوا سبعةً؛ نوحٌ، وثلاثُ كنائنَ له، وثلاثةُ بنينَ (٥). وقال آخرون: كانوا عشرةً سوى نسائِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لمَّا فارَ التنورُ، حمل

стр. 8485

نوحٌ في الفلكِ مَن أمَره اللَّهُ به، وكانوا قليلًا كما قال اللَّهُ، فحَمَل (١) بنيه الثلاثةَ؛ سامٌ وحامٌ ويافتُ، ونساءَهم، وستةَ أَناسيَّ ممن كان آمن (٢)، فكانوا عشرةَ نفرٍ بنوحٍ وبَنيه وأزواجِهم (٣). وقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، قال ابنُ عباسٍ: حمَل نوحٌ معه في السفينةِ ثمانين إنسانًا (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ: كان (٥) بعضُهم يقولُ: كانوا ثمانين. يعني القليلَ الذي قال اللَّهُ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٤). حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنى حسينُ بنُ واقدٍ الخُراسانيُّ، قال: ثنى أبو نَهِيكٍ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كان في سفينةِ نوحٍ ثمانون رجلًا، أحدُهم جُرْهُمٌ (٦). والصوابُ مِن القولِ في ذلك، أن يقالَ كما قال اللَّهُ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا

стр. 8486

قَلِيلٌ﴾، يَصِفُهم بأنهم كانوا قليلًا، ولم يُحَدَّ (١) عددُهم بمقدارٍ ولا خبرٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ صحيحٍ. فلا ينبغي أن يُتَجاوزَ في ذلك حدُّ اللَّهِ، إذ لم يكنْ لمَبْلَغِ عددِ ذلك حدٌّ مِن كتاب اللَّهِ، أو أثرٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال نوحٌ: اركَبوا في الفُلكِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾. وفي الكلامِ محذوفٌ قد استُغْنِي بدَلالةِ ما ذُكر مِن الخبرِ عليه عنه، وهو قولُه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. فحَمَلهم نوحٌ فيها، وقال لهم: اركَبوا فيها. فاستُغنى بدَلالةِ قولِه: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ عن (٢) حملِه إياهم فيها، فتُرِك ذكرُه. واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾. فقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (بسمِ اللَّهِ مُجْرَاهَا ومُرساها) بضمِّ الميمِ في الحرفين كليهما (٣). وإذا قُرِئ كذلك، كان مِن أَجْرَى وأَرْسَى، وكان فيه وجهان من الإعرابِ؛ أحدُهما الرفعُ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ إجراؤُها وإرساؤُها. فيكونُ المُجْرَى والمُرْسَى مرفوعَين حينَئذٍ بالباءِ التي في قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. والآخرُ النصبُ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ عندَ إجْرائِها وإرْسائِها [أو وقتَ (٤) إجرائِها وإرسائِها] (٥).

стр. 8487

فيكونُ قولُه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. كلامًا مُكْتَفِيًا بنفسِه، كقولِ القائلِ عندَ ابتدائِه في عملٍ يعملُه: باسمِ اللَّهِ. ثم يكونُ المُجْرَى والمُرْسَى منصوبَين على ما نصَبت العربُ قولَهم: الحمدُ للَّهِ سِرارَك وإهلالَك. يعنون الهلالَ أولَه وآخرَه. كأنهم قالوا: الحمدُ للَّهِ أولَ الهلالِ وآخرَه. ومسموعٌ منهم أيضًا: الحمدُ للَّهِ ما إهلالَك إلى سِرارِك. وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، بفتحِ الميمِ مِن ﴿مَجْرَاهَا﴾، وضَمِّها مِن ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ (١)، فجعلوا ﴿مَجْرَاهَا﴾ مصدرًا مِن جَرَى يَجْرِي مَجْرًى. و ﴿وَمُرْسَاهَا﴾، مِن أرسَى يُرْسِي إِرساءً. وإذا قُرِئ ذلك كذلك كان في إعرابِهما مِن الوجهين نحوُ الذي فيهما إذا قُرِئا: (مُجرَاها ومُرساها)، بضمِّ الميمِ فيهما على ما بيَّنتُ. ورُوِي عن أبي رجاءٍ العُطارديِّ، أنه كان يقرأُ ذلك: (بسمِ اللَّهِ مُجْرِيها وَمُرْسِيها) بضمِّ الميمِ فيهما، ويُصَيِّرُهما نعتًا للَّهِ (٢). وإذا قُرِئا كذلك، كان فيهما أيضًا وجهان مِن الإعرابِ، غيرَ أن أحدَهما الخفضُ، وهو الأغلبُ عليهما مِن وَجْهيِ الإعرابِ؛ لأن معنى الكلامِ على هذه القراءةِ: بسمِ اللَّهِ مُجْرِي الفلكِ ومُرسِيها. فالمُجْرِي نعتٌ لاسمِ اللَّهِ. وقد يَحْتَملُ أن يكونَ نصبًا، وهو الوجهُ الثاني؛ لأنه يَحسُنُ دخولُ الألفِ واللامِ في المُجْرِي والمُرْسِي، كقولِك: بسم اللَّهِ المُجْرِيها والمُرْسِيها. وإذا حُذِفتا نُصِبتا على الحالِ، إذ (٣) كان فيهما معنى النَّكرةِ وإن كانا مضافَين إلى المعرفةِ. وقد ذُكِر عن بعضِ الكوفيِّين أنه قرَأ ذلك: (مَجْراها ومَرْساها)، بفتحِ الميمِ

стр. 8488

فيهما جميعًا (١) مِن جرَى ورَسا، كأنه وجَّهه إلى أنه: في حالِ جَرْيِها، وحالِ رُسُوِّها. وجعل كلتا الصفتَين للفُلْكِ، كما قال عنترةُ (٢): فصَبَرتُ [نفسًا عندَ ذلك] (٣) حُرَّةً … تَرْسُو إذا نَفْسُ الجبانِ تَطَلَّعُ والقراءةُ التي نختارُها في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ بفتح الميمِ ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ بضمِّ الميمِ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ حِينَ تَجْري وحينَ تُرْسِي. وإنما اخترتُ الفتحَ في ميمِ ﴿مَجْرَاهَا﴾ لقربِ ذلك مِن قولِه: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾. ولم يقلْ: تُجْرَى بهم. ومَن قرَأ: (بِسْمِ اللَّهِ مُجْراها). كان الصوابُ على قراءتِه أن يقرأَ: (وهي تُجْرَى بهم). وفي إجماعِهم على قراءةِ: (تَجْرِي). بفتحِ التاءِ دليلٌ واضحٌ على أن الوجهَ في ﴿مَجْرَاهَا﴾ فتحُ الميمِ. وإنما اخْترنا الضمَّ في ﴿مُرْسَاهَا﴾ لإجماعِ الحجةِ مِن القَرَأةِ على ضمِّها، ومعنى قولِه: ﴿مَجْرَاهَا﴾، مسيرُها. ﴿وَمُرْسَاهَا﴾: وَقْفُها، من: وقَفها اللَّهُ وأَرْساها. وكان مجاهدٌ يقرأُ ذلك بضمِّ الميمِ في الحرفين جميعًا. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (بسم اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها) قال: حينَ يَركَبون ويُجْرُون ويُرْسُون (٤).

стр. 8489

[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: بِسمِ اللَّهِ حينَ يَرْكَبون ويُجْرون ويُرْسُون] (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن وَرقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: (بسم اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها) قال: بسمِ اللَّهِ حِينَ يُجْرُون وحينَ يُرْسُون. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: (ارْكَبُوا فيها بسمِ اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها). قال: إذا أراد أن تُرْسِيَ قال: باسمِ اللَّهِ. فأرسَت. وإذا أرادَ أن تَجريَ قال: باسمِ اللَّهِ. فجَرت (٢). وقولُه: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إن ربي لساتِرٌ ذنوبَ مَن تَابَ وأَنابَ إليه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يعذِّبَهم بعدَ التوبةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾: والفلكُ تَجْري بنوحٍ ومَن معه فيها، ﴿فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ يامٌ ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ عنه، لم يَرْكبْ معه الفلكَ: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ الفلكَ، ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ

стр. 8490

مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال ابنُ نوحٍ لما دَعاه نوحٌ إلى أن يَركبَ معه السفينةَ، خوفًا عليه مِن الغَرَقِ: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾. يقولُ: سأصيرُ إلى جبلٍ أتحصَّنُ به مِن الماءِ، فيَمْنَعُني منه أن يُغْرِقَني. ويعني بقولِه: ﴿يَعْصِمُنِي﴾: يمنعُني، مثلَ عِصامِ القربةِ الذي يُشَدُّ به رأسُها، فيمنعُ الماءَ أن يسيلَ منها. وقولُه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾. يقولُ: لا مانعَ اليومَ مِن أمرِ اللَّهِ الذي قد نزَل بالخلقِ مِن الغرقِ والهلاكِ إِلا مَن رَحِمَنا، فأنْقَذَنا منه، فإنه الذي يمنعُ مَن شاء مِن خلقِه ويعصِمُ. فـ "مَنْ" في موضعِ رفعٍ؛ لأن معنى الكلامِ: لا عاصم يَعصِمُ اليومَ مِن أمرِ اللَّهِ إلا اللَّهُ. وقد اختلف أهلُ العربيةِ في موضعِ "مَن" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (١): هو في موضعِ نصبٍ؛ لأن المعصومَ بخلافِ العاصمِ، والمرحومَ معصومٌ. قال: كأن (٢) نصْبَه بمنزلةِ قولِه: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]. قال: ومَن استجازَ "اتِّباعُ الظَّنِّ"، والرفعَ في قولِه (٣): وبَلْدةٍ ليس بها أَنِيسُ … إلا اليَعافِيرُ وإلا العِيسُ لم يجزْ له الرفعُ في "مَنْ"؛ لأن الذي قال: إلا اليعافيرُ. جعلَ أنيسَ البرِّ اليعافيرَ وما أشْبَهَها. وكذلك قولُه: "إِلَّا اتِّبَاعُ الظَّنِّ" يقولُ: علمُهم ظَنٌّ. قال:

стр. 8491

وأنت لا يجوزُ لك في وجهٍ أن تقولَ: المعصومُ هو عاصمٌ في حالٍ. ولكن لو جعَلْتَ العاصمَ في تأويلِ معصومٍ؛ [كأنَّك قلتَ] (١): لا معصومَ اليومَ مِن أَمرِ اللَّهِ. لجازَ رفعُ "مَنْ". قال: ولا يُنْكَرُ أن يَخْرُجَ المفعولُ على فاعلٍ، ألا تَرى قولَه: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]. معناه - واللَّهُ أعلمُ - مدفوقٌ. وقولُه: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، معناها: مَرْضيَّةٌ. قال الشاعرُ (٢): دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها … واقْعُدْ فإنك أنتَ الطَّاعِمُ الكاسِي ومعناه: المكسوُّ. وقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، على: لكنْ مَن رَحِم. ويجوزُ أن يكونَ على: لا ذا عِصْمةٍ. أي: معصومٌ. ويكونُ ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ رفعًا، بدلًا من العاصمِ. ولا وجهَ لهذه الأقوالِ التي حَكَيناها عن هؤلاء؛ لأن كلامَ اللَّهِ تعالى ذكرُه إنما يُوَجَّهُ إلى الأفصحِ الأشهرِ مِن كلامٍ مَن نزَل بلسانِه، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيلٌ. ولم يضطرَّنا شيءٌ إلى أن نجعلَ عاصمًا في معنى معصومٍ، ولا أن نجعلَ "إلا" بمعنى "لكن"، إذ كنا نجدُ لذلك في معناه - الذي هو معناه في المشهورِ مِن كلامِ العربِ - مَخْرجًا صحيحًا، وهو (٣) ما قلنا مِن أن معنى ذلك: قال نوحٌ: لا عاصمَ اليومَ مِن أمرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَنا، فأنْجانا مِن عذابِه. كما يقالُ: لا مُنْجِيَ اليومَ مِن عذابِ اللَّهِ إلا اللَّهُ، ولا مُطْعِمَ اليومَ مِن طعامِ زيدٍ إلا زيدٌ. فهذا هو الكلامُ المعروفُ، والمعنى المفهومُ.

стр. 8492

وقولُه: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. يقولُ: وحالَ بينَ نوحٍ وابنِه موجُ الماءِ، فغَرِقَ، فكان ممن أهْلَكَه اللَّهُ بالغرقِ مِن قومِ نوحٍ ﷺ . القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال اللَّهُ للأرضِ [بعدَ ما] (١) تَناهى أمرُه في هلاكِ قومِ نوحٍ، بما أهْلَكَهم به مِن الغرقِ: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾، أي: تَشَرَّبي. مِن قولِ القائلِ: بَلِع فلانٌ كذا يَبْلَعُه، و (٢) بَلَعَه يَبْلَعُه. إذا ازْدَرَدَه (٣). ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، يقولُ: أقْلِعي عن (٤) المطرِ، أمْسِكي، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، ذهَبت به الأرضُ ونَشِفَته، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْر﴾. يقولُ: قُضِي أمرُ اللَّهِ، فَمَضَى بهلاكِ قومِ نوحٍ، ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، يعني الفُلْكَ اسْتَوت، أرْسَت (٥) على الجودِيِّ، وهو جبلٌ، فيما ذُكِرَ، بناحيةِ المَوصِلِ أو الجزيرةِ، ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، يقولُ: قال اللَّهُ: أبْعَدَ اللَّهُ القومَ الظالمين، الذين كفَروا باللَّهِ مِن قومِ نوحٍ. حدَّثنا عبادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن عثمانَ بنِ مَطرٍ، عن عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الغفورِ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "في أولِ يومٍ مِن رجبٍ رَكِبَ نوحٌ السفينةَ، فصامَ هو وجميعُ مَن معه، وجَرَتْ السفينةُ ستةَ أشهرٍ، فانْتَهَى ذلك إلى المُحَرَّمِ، فأرْسَتِ السفينةُ على الجُودِيِّ يومَ عاشوراءَ، فصامَ

стр. 8493

نوحٌ، وأمَرَ جميعَ مَن معه مِن الوحشِ والدوابِّ، فَصَامُوا شكرًا للَّهِ" (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: كانت السفينةُ أعْلاها للطيرِ، ووَسَطُها للناسِ، وفي أسفلِها السباعُ، وكان طولُها في السماءِ ثلاثين ذراعًا، ودُفِعَت مِن عينِ وَرْدةَ (٢) يومَ الجُمعةِ لعشرِ ليالٍ مَضَين مِن رجبٍ، وأَرْسَت على الجوديِّ يومَ عاشوراءَ، ومَرَّت بالبيتِ، فَطافَت به سبعًا، وقد رفَعه اللَّهُ مِن الغرقِ، ثم جاءت اليمنَ، ثم رجَعت (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن قتادةَ، قال: هبَط نوحٌ مِن السفينةِ يومَ العاشرِ مِن المحرَّمِ، فقال لمَن معه: مَن كان منكم اليومَ صائمًا فليُتِمَّ صومَه، ومَن كان مفطرًا فليَصُمْ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي مَعْشرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ قال: ما (٤) كان (٥) زمنَ نوحٍ شبرٌ مِن الأرضِ، إلا (٦) إنسانٌ يَدَّعِيه (٣).

стр. 8494

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أنها - يعني الفُلكَ - استقلَّت بهم في عشرٍ خَلَون من رجبٍ، وكانت في الماءِ خمسين ومائةَ يومٍ، واسْتقرَّت على الجوديِّ شهرًا، وأُهبِطَ بهم في عشرٍ مِن المحرمِ يومَ عاشوراءَ (١). وبنحوِ ما قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ قال: نَقَصَ. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ قال: هلاكُ قومِ نوحٍ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نَشِفَتْه الأرضُ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ يقولُ: أمْسِكي. ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ يقولُ: ذَهَب

стр. 8495

الماءُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ الغُيوضُ ذهابُ الماءِ. ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾. قال: جبلٌ بالجزيرةِ، تشامَخت الجبالُ مِن الغرقِ، وتواضَعَ هو للهِ؛ فلم يغرَقْ، [وأُرسِيت] (٣) عليه (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾. قال: الجوديُّ جبلٌ بالجزيرةِ (٥)، تَشامَخَت الجبالُ يومئذٍ من الغرقِ وتطاوَلت، وتَواضَعَ هو للهِ؛ فلم يَغرَقْ، [وأَرسَت] (٦) سفينةُ نوحٍ عليه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾. يقولُ: على الجبلِ، واسمُه

стр. 8496

الجُوديُّ (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾. قال: جبلٌ بالجزيرةِ، شَمَخت الجبالُ، وتواضَع حينَ أرادتْ أن ترفأَ عليه سفينةُ نوحٍ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾: أبقاها اللهُ لنا بوادي أرضِ الجزيرةِ عِبرةً وآيةً (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾: هو جبلٌ بالمَوصلِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكرَ لنا أن نوحًا بعثَ الغرابَ لينظرَ إلى الماءِ، فوجدَ جِيفةً فوقعَ عليها، فبعَث الحمامةَ فأتَته بورقِ الزيتونِ، فأُعطِيَتِ الطوقَ الذي في عنُقِها، وخضابَ رِجليها (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما أرادَ اللهُ أن يَكُفَّ ذلك - يعني الطوفانَ - أرسلَ ريحًا على وجهِ الأرضِ، فسكَن الماءُ، واستدَّت (٥) ينابيعُ الأرضِ الغمرَ الأكبرَ، وأبوابُ السماءِ. يقولُ اللَّهُ تعالى (٦): ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ

стр. 8497

ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، إلى ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فَجَعَل الماءُ (١) ينقُصُ ويغيضُ ويُدبِرُ. وكان استواءُ الفلكِ على الجوديِّ - فيما يزعُمُ أهلُ التوراةِ - في الشهرِ السابعِ لسبعَ عشْرَةَ ليلةً مضَت منه، في أوّلِ يومٍ من الشهرِ العاشرِ رُئِي رءوسُ الجبالِ، فلما مَضَى بعد ذلك أربعون يومًا (٢)، فتَح نوحٌ كُوَّةَ الفلكِ التي صنَع فيها، ثم أرسلَ الغرابَ لينظرَ له ما فعلَ الماءُ، فلم يرجِعْ إليه، فأرسلَ الحمامةَ فرجَعت إليه، ولم يَجدْ لرجلَيها موضعًا، فبسط يدَه للحمامةِ فأخَذها، ثم مكَث سبعةَ أيامٍ، ثم أرسَلها لتنظُرَ له، فرجَعت حينَ أمست وفي فِيها ورقُ زيتونةٍ، فعَلِم نوحٌ أن الماءَ قد قلَّ عن (٣) وجهِ الأرضِ، ثم مكَث سبعةَ أيامٍ، ثم أرسَلها فلم ترجِعْ، فعَلِمَ نوحٌ أن الأرضَ قد برَزتْ، فلما كمَلت السنةُ فيما بينَ أن أرسَل اللهُ الطوفانَ إلى أن أرسلَ نوحٌ الحمامةَ، ودخَل يومٌ واحدٌ من الشهرِ الأوَّلِ مِن سنةِ اثنتين - برَز وَجهُ الأرضِ، وظهَر اليَبَسُ، وكشَف نوحٌ غِطاءَ الفلكِ، ورأى وجهَ الأرضِ، وفي الشهرِ الثاني مِن سنةِ اثنتَين في سبعٍ وعشرين ليلةً منه، قيل لنوحٍ: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ: يزعُمُ ناسٌ أن مَن غَرِقَ مِن الولدان مع آبائهم، وليس كذلك، إنما الولدان بمنزلة الطير وسائر من أغرَقَ الله بغير ذنب، ولكن

стр. 8498

حضَرتْ آجالُهم فماتوا لآجالِهم، والمُدرِكون (١) مِن الرجالِ والنساءِ كان الغَرَقُ عقوبةً مِن اللهِ لهم في الدنيا، ثم مصيرُهم إلى النارِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ونادى نوحٌ ربَّه، فقال: ربِّ إنك وَعَدتَّني أن تُنَجِّيَني مِن الغرقِ والهلاكِ وأهلي، وقد هلَك ابنِي، وابنِي من أهلي، ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا خُلفَ له، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ بالحقِّ، فاحكم لي بأن تَفيَ لي (٢) بما وعدتَّني، من أن تُنَجِّي لي أهلي، وتُرجِعَ إليَّ ابني. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾. قال: أحكمُ الحاكمين بالحقِّ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ: يا نوحُ، إن الذي غرَّقتُه فأهلكتُه، الذي تذكُرُ أنه مِن أهلِك، ليس مِن أهلِك. واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، فقال بعضُهم: معناه: ليس مِن ولدِك، هو مِن غيرِك. وقالوا: كان ذلك مِن حِنثٍ (٤).

стр. 8499

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: لم يكن ابنَه (١). حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. قال: ابنَ امرأتِه (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أصحابِه (٣)، ابنُ أبي عَروبةَ فيهم، [عن] (٤) الحسنِ، قال (٥): واللهِ ما هو بابنِه (٦). قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. قال: هذه بلغةِ طَيِّئٍ (٧)، لم يكنِ ابنَه، كان ابنَ امرأتِه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عَوفٍ ومنصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: لم يكن ابنَه. وكان يقرؤُها: (إنه عمِل غيرَ صالحٍ) (٨).

стр. 8500

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ قال: كنتُ عندَ الحسنِ، فقال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾: لعَمرُ اللهِ ما هو ابنَه. قال: قلتُ: يا أبا سعيدٍ، يقولُ اللَّهُ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وتقولُ: ليس بابنِه؟! قال: أفرأيت قولَه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾؟ قال: قلتُ: إنه ليس مِن أهلِك الذين وعدتُك أن أُنَجِّيَهم معك، ولا يختلِفُ أهلُ الكتابِ أنه ابنُه. قال: إن أهلَ الكتابِ يَكذِبون (١). حدَّثنا بشرٌ: قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقرأُ هذه الآيةَ: (إنه ليس من أهْلِكَ إنه عَمِلَ غيرَ صالحٍ). فقال عندَ ذلك: واللهِ ما كان ابنَه (٢). ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]. قال سعيدٌ: فذكرتُ ذلك لقتادةَ، قال: ما كان يَنبغي له أن يَحلِفَ. حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال: تَبَيَّنَ لنوحٍ أنه ليس بابنِه (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال: بيَّن اللهُ لنوحٍ أنه ليس بابنِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 8501

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال ابنُ جريجٍ في قولِه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. قال: ناداه وهو يحسَبُه أنه ابنُه، وكان وُلِدَ على فراشِه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُويرٍ (١)، عن أبي جعفرٍ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: لو كان مِن أهلِه لنَجا. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، سَمِعَ (٢) عُبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: نَرى أن ما قَضى رسولُ اللهِ ﷺ : "الولدُ للفِراشِ". [مِن أجلِ ابنِ نوحٍ] (٣) (٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ابنِ عَونٍ، عن الحسنِ، قال: لا واللهِ ما هو بابنِه. وقال آخرون: معنى ذلك: ليس من أهلك الذين وعدتُك أن أُنجِّيَهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي عامرٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. قال:

стр. 8502

هو ابنُه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن الضحاكِ، قال: قال ابنُ عباسٍ: هو ابنُه، ما بَغتِ (١) امرأةُ نبيٍّ قطُّ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي عامرٍ الهمدانيِّ، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما بَغتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ، قال: وقولُه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾: الذين وعدتُك (٢) أن أُنجِّيَهم معك (٣). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ وغيرِه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو ابنُه، غيرَ أنه خالَفه في العملِ والنيةِ. قال عكرمةُ في بعضِ الحروفِ: (إنه عَمِلَ عملًا غيرَ صالحٍ)، والخيانةُ تكونُ على غيرِ بابٍ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان عكرمةُ يقولُ: كان ابنَه، ولكن كان مخالفًا له في النيةِ والعملِ، فمِن ثُمَّ قيل له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.

стр. 8503

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ وابنُ عُيينةَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قَتَّةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يُسألُ - وهو إلى جنبِ الكعبةِ - عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]. قال: أمَا إنه لم يكنْ بالزِّنى، ولكن كانت هذه تخبرُ الناسَ أنه مجنونٌ، وكانت هذه تَدُلُّ على الأضيافِ، ثم قرَأ: (إِنَّه عَمِل غيرَ صالحٍ) (١). قال ابنُ عُيينةَ: وأخبَرني عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ أنه سأَل سعيدَ بنَ جبيرٍ عن ذلك، فقال: كان ابنَ نوحٍ، إن اللهَ لا يَكذِبُ، قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ (٢). قال: وقال بعضُ العلماءِ: ما فجَرتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ. قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عَمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال اللهُ وهو الصادقُ - وهو ابنُه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سعيدٍ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما بَغَتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: سألتُ أبا بشرٍ عن قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: ليس مِن أهلِ دينِك، وليس ممن وعدتُك أن أُنجِّيَهم (٣). قال يعقوبُ: قال: هشيمٌ: كان عامةُ ما كان يحدِّثُنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ

стр. 8504

جبيرٍ. [حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن يعقوبَ بنِ قيسٍ، قال: أتَى سعيدَ بنَ جبيرٍ] (١) رجلٌ فقال: يا أبا عبدِ اللهِ، الذي ذكَر اللهُ في كتابِه، ابنُ نوحٍ، ابنُه هو؟ قال: نعم واللهِ، إن نبيَّ اللَّهِ أمَره أن يَركبَ معه في السفينة فعصَى، فقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾. قال: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ لمعصيةِ (٢) نبيِّ اللهِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه جاء إليه رجلٌ فسأَله، فقال: أرأيتَك ابنَ نوحٍ، ابنُه؟ فسبَّحَ طويلًا، ثم قال: لا إله إلا اللهُ، [يحدِّثُ اللهُ محمدًا] (٤): ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وتقولُ: ليس منه! ولكن خالَفه في العملِ، فليس منه مَن لم يؤمِنْ. حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي هارونَ الغَنَويِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. قال: أشهدُ أنه ابنُه، قال اللهُ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، قالا: هو ابنُه.

стр. 8505

حدَّثني فضَالةُ بنُ الفضلِ (١) الكوفيُّ، قال: قال بَزِيعٌ: سأل رجلٌ الضحاكَ عن ابنِ نوحٍ، فقال: ألَا تَعجَبون إلى هذا الأحمقِ، يسألُني عن ابنِ نوحٍ، وهو ابنُ نوحٍ، كما قال اللهُ: قال نوحٌ لابنِه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ أنه قرأ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وقولَه: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: يقولُ (٢): ليس هو مِن أهل ولايتِك، ولا ممن وعدتُك أن أنجِّيَ مِن أهلِك، ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال: يقولُ: كان عملُه في شركٍ (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: هو والله ابنُه لصُلبِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: ليس مِن أهلِ دينِك، ولا ممن وعدتُك أن أنجِّيَه. وكان ابنَه لصُلبِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. يقولُ: ليس ممن وَعَدناه النجاةَ. حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. يقولُ: ليس مِن أهلِ ولايتِك، ولا ممن وَعَدتُك أن أُنجِّيَ مِن أهلِك، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ

стр. 8506

صَالِحٍ﴾ (١): كان عملُه في شركٍ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حيَّانَ، عن جعفرِ بنِ بُرقانَ، عن ميمونٍ وثابتِ بنِ الحجاجِ، قالا: هو ابنُه، وُلِدَ على فراشِه. وأولى القولين في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: إنه ليس مِن أهلِك الذين وعدتُك أن أُنجِّيَهم، لأنه كان لدينِك مُخالفًا وبي كافرًا، وكان ابنَه لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد أخبَر نبيَّه محمدًا ﷺ أنه ابنُه، فقال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. وغيرُ جائزٍ أن يخبرَ أنه ابنُه، فيكونَ بخلافِ ما أخبَر. وليس في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ دَلالةٌ على أنه ليس بابنِه، إذ كان قولُه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ محتملًا مِن المعنى ما ذكَرنا، ومحتملًا أنه ليس من أهل دينِك، ثم يحذفُ الدينُ، فيقالُ: إنه ليس مِن أهلِك، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. فإن القرأةَ اختلفت في قراءتِه؛ فقرأته عامةُ قرَأةِ الأمصارِ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ بتنوينِ ﴿عَمَلٌ﴾، ورفعِ ﴿غَيْرُ﴾ (٣)؛ واختلَف الذين قَرءوا ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: إن مسألتَك إياي هذه عملٌ غيرُ صالحٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال: إن مسألتَك إياي هذه، عملٌ غيرُ صالحٍ.

стр. 8507

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ أي: سوءٌ، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. يقولُ: سؤالُك عما ليس لك به علمٌ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن حمزةَ الزياتِ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال: سؤالُك إياي عملٌ غيرُ صالحٍ، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. وقال آخرون: بل معناه: إن الذي ذكرتَ أنه ابنُك، فسألتَني أن أُنَجِّيَه، عملٌ غيرُ صالحٍ؛ أي: إنه لغيرِ رِشدةٍ. وقالوا: الهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾ عائدةٌ على الابنِ (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ أنه قرأ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال: ما هو واللهِ بابنِه (٤). ورُوِي عن (٥) جماعةٍ مِن السلفِ أنهم قَرَءوا ذلك: (إنَّهُ عَمِلَ غيرَ صالحٍ)، على وجهِ الخبرِ عن الفعلِ الماضي، و (غيرَ) منصوبةٌ (٦). وممن رُوِي عنه أنه قرَأَ ذلك

стр. 8508

كذلك ابنُ عباسٍ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قتَّةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ: (عمِلَ غيرَ صالحٍ). ووجَّهوا تأويلَ ذلك إلى ما حدَّثنا به ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُندَرٌ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: (إِنَّه عَمِلَ غيرَ صالحٍ). قال: كان مخالفًا له في النيةِ والعملِ (٢). ولا نعلمُ هذه القراءةَ قرَأ بها أحدٌ مِن قرَأةِ الأمصارِ إلا بعضَ المتأخرين، واعتَلَّ في ذلك بخبرٍ رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قرَأ ذلك كذلك - غيرِ صحيحِ السندِ، وذلك حديثٌ رُوِيَ عن شهرِ بنِ حوشَبٍ؛ فمرةً يقولُ: عن أمِّ سلمةَ. ومرةً يقولُ: عن أسماءَ بنتِ يزيدَ. ولا نعلمُ [أيَّةَ يُريدُ] (٣)، ولا نعلمُ لشَهرٍ سماعًا يَصحُّ عن أمِّ سلَمَةَ (٤).

стр. 8509

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا (١) ما عليه قرَأةُ الأمصارِ؛ وذلك رفعُ ﴿عَمَلٌ﴾ بالتنوينِ، ورفعُ ﴿غَيْرُ﴾، بمعنى: إن سؤالَك إيَّاي ما تَسألنيه في ابنِك - المُخالفِ دينَك، المُوالي أهلَ الشركِ بي؛ مِن النجاةِ مِن الهلاكِ، وقد مَضَتْ إجابتي إياك في دعائِك: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ما قد مضَى، مِن غيرِ استثناءِ أحدٍ منهم - عملٌ غيرُ صالحٍ؛ لأنه مسألةٌ منك إليَّ أن لا أفعلَ ما قد تقدَّمَ مني القولُ بأني أفعله في إجابتي مسألتَك إياي فِعْلَه. فذلك هو العملُ غيرُ الصالحِ. وقولُه: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. نهيٌ من اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه نوحًا أن يسألَه عن أسبابِ أفعالِه التي قد طَوَى علمَها عنه وعن غيرِه مِن البشرِ. يقولُ له تعالى ذكرُه: إني يا نوحُ قد أخبرتُك عن سؤالِك سببَ إهلاكي ابنَك الذي أهلكتُه، فلا تَسألنِ بعدَها عما (٢) قد طوَيتُ علمَه عنك مِن أسبابِ أفعالي، وليس لك به علمٌ: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [في مسألتِك إياي عن ذلك. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾] (٣) ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: أن تبلُغَ الجهالةُ بك أن لا أَفِيَ لك بوعدٍ وعدتُك، حتى تسألَني ما ليس لك به علمٌ، ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤). واختلفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. فقرأ ذلك عامةُ قرَأَةِ الأمصارِ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بكسرِ النونِ

стр. 8510

وتخفيفِها (١)، ونَحَوْا بكسرِها إلى الدَّلالةِ على الياءِ التي هي كنايةُ اسمِ اللهِ: فلا تسألْني (٢). وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين، وبعضُ أهلِ الشامِ: (فلا تسألَنَّ) بتشديدِ النونِ وفتحِها (٣)، بمعنى: فلا تَسألنَّ يا نوحُ ما ليس لك به علمٌ. والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا، تخفيفُ النونِ وكسرُها؛ لأن ذلك هو الفصيحُ مِن كلامِ العربِ، المستعملُ بينَهم (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا نبيَّه محمدًا ﷺ عن إنابةِ نوحٍ، ﵇، [إليه بالتوبةِ] (٥) مِن زَلَّتِه، في مسألتِه التي سألها ربَّه في ابنِه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾. أي أستجيرُ بك أن أتكلَّفَ مسألتَك ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾، مما قد استأثرتَ بعلمِه، وطويتَ علمَه عن خلقِك، فاغفِرْ لي زلَّتي في مسألتي إياك ما سألتُك في ابني، وإن أنت لم تغفِرْها لي وتَرحمْني فتُنقِذْني مِن غضبِك ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. يقولُ: مِن الذين غَبَنوا أنفسَهم حظوظَها وهَلَكوا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ﴾ مِن الفلكِ إلى الأرضِ، ﴿بِسَلَامٍ
следующие страницы →