← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

بناتِه، ولكنْ كُنَّ مِن أُمتِه، وكلُّ نبيٍّ أبو أمَّتِه (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي [نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٢) في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال: أمَرهم أن يتزوَّجوا النساءَ، لم يَعْرِضْ عليهم سِفاحًا (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: قال أبو بشرٍ: سمِعتُ ابنَ أبي نجيحٍ يقولُ في قولِه: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال (٤): ما عَرَض عليهم نِكاحًا ولا سِفاحًا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال: أمَرهم أن يَتزوَّجوا النساءَ، وأراد نبيُّ اللَّهِ أن يَقِيَ أضيافَه ببناتِه (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرَنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: يعني التزويجَ (٦). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ شَبيبٍ الزَّهْرانيُّ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِ (٧) لوطٍ:

стр. 8577

﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: يعني نساءَهم (١)، هنَّ بَناتُه، هو نبيُّهم، وقال: في بعضِ القراءةِ: (النَّبِيُّ أوْلى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ) (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾: قالوا: أوَ لم نَنْهَك أن تُضَيِّفَ العالمين؟ قال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ إِنْ كنتُم فاعِلين، ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (٣)؟ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لمَّا جاءت الرسلُ لوطًا أقبَل قومُه إليهم حينَ أُخْبِروا بهم، يُهْرَعون إليه، فيَزْعُمون، واللَّهُ أعلمُ، أن امرأةَ لوطٍ هي التي أخبرَتْهم بمكانِهم، وقالت: إن عندَ (٤) لوطٍ لَضَيْفًا (٥) ما رأيتُ أحسنَ ولا أجملَ منهم قَطُّ. وكانوا يَأْتون الرجالَ شهوةً مِن دونِ النساءِ، فاحشةٌ لم يَسْبِقُهم بها أحدٌ من العالمين. فلما جاءوه قالوا: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أي: ألم (٦) نَقُلْ لك: لا يَقْرَبَنَّك أحدٌ؟ فإنا لن نَجِدَ عندَك أحدًا إلا فَعَلْنا به الفاحشةَ. قال: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، فأنا أَفْدِي ضَيْفي منكم بهنَّ، ولم يَدْعُهم إلا إلى الحلالِ مِن النكاحِ.

стр. 8578

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾. قال: النساءُ. واختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ القرأةِ برفعِ: ﴿أَطْهَرُ﴾، على أن جَعَلوا "هنَّ" اسمًا، و ﴿أَطْهَرُ﴾ خبرَه، كأنه قال (١): بناتي أطهرُ لكم مما تُريدون مِن الفاحشةِ مِن الرجالِ. وذُكِر عن [عيسى بنِ عمرَ] (٢) البصريِّ أنه كان يقرأُ ذلك: (هُنَّ أَطْهَرَ لكم) بنصبِ "أطهرَ" (٣). وكان بعضُ نحويِّي أهلِ (٤) البصرةِ يقولُ: هذا لا يكونُ، إنما يُنْصَبُ خبرُ الفعلِ الذي لا يَسْتَغْني عن خبرٍ (٥)، إذا كان بينَ الاسمِ والخبرِ هذه الأسماءُ المضمرةُ. وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ يقولُ: مَن نَصَبه جَعَله نكرةً خارجةً مِن المعرفةِ، فيكونُ (٦) قولُه: ﴿هُنَّ﴾ (٧). عمادًا للفعلِ، فلا يُعْمِلُه. وقال آخرُ منهم: مسموعٌ مِن العربِ: هذا زيدٌ إياه بعينِه. قال (٧): فقد جَعَله

стр. 8579

خبرًا (١) لهذا، مثلَ قولِك: كان عبدُ اللَّهِ إياه بعينِه (٢). وإنما لم يَجُزْ أن يقَعَ الفعلُ ههنا؛ لأن التقريبَ (٣) ردُّ كلامٍ، فلم يَجْتَمِعا؛ لأنه يَتناقَضُ؛ لأن ذلك إخبارٌ عن معهودٍ، [وهذا إخبارٌ عن] (٤) ابتداءِ ما هو فيه: هأنذا حاضرٌ، أو (٥) زيدٌ هو العالمُ. فيناقِضُ (٦) أن يُدخِلَ المعهودَ على الحاضرِ؛ فلذلك لم يَجُزْ. والقراءةُ التي لا أستجيزُ خلافَها في ذلك الرفعُ: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾؛ لإجماعِ الحجةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليه، مع صحتِه في العربيةِ، وبُعْدِ النصبِ فيه مِن الصحةِ. وقولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾. يقولُ: فاخشَوُا اللَّهَ، أيُّها الناسُ، واحْذَروا عقابَه في إتْيانِكم الفاحشةَ التي تَأْتونها وتَطْلُبونها، ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾. يقولُ: ولا تُذِلُّوني بأن تَرْكَبوا مني في ضَيْفي ما يَكْرَهون أن تَرْكَبوه منهم. والضيفُ في لفظِ واحدٍ في هذا الموضعِ، بمعنى جميعٍ (٧)، والعربُ تُسَمِّي الواحدَ والجمعَ ضيفًا، بلفظِ واحدٍ، كما قالوا: رجلٌ عَدْلٌ، وقومٌ عَدْلٌ.

стр. 8580

وقولُه : ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾؟ يقولُ: أليس منكم رجلٌ ذو رُشْدٍ، يَنْهَى مَن أراد ركوبَ الفاحشةِ مِن ضَيْفي، فيحولَ بينَهم وبينَ ذلك؟ كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾. أي: رجلٌ يعرِفُ الحقَّ، [يأمرُ بالمعروفِ] (٢)، ويَنْهَى عن المنكرِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾. يقولُ : قال قومُ لوطٍ للوطٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا لوطُ ﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾؛ لأنهن لسنَ لنا أزواجًا. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾. أي: مِن أزواجٍ (٤). ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾. يقولُ: قالوا: وإنك لتعلمُ يا لوطُ أنّ حاجتَنا في غيرِ بناتِك، وأنّ الذي نريد هو ما تَنْهانا عنه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 8581

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾. إنا نريدُ الرجالَ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾. أي: إن بُغْيتَنا لغيرُ ذلك (٢). فلمَّا لم يَتَناهَوا، ولم يَرُدَّهم قولُه، ولم يَقْبَلوا منه شيئًا مما عرَض عليهم مِن أمرِ (٣) بناتِه قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾. يقولُ : قال لوطٌ لقومِه حينَ أَبَوا إلا المُضِيَّ لِما قد جاءوا له مِن طلبِ الفاحشةِ، ويئِس (٤) مِن أن يَسْتَجِيبوا له إلى شيءٍ مما عرَض عليهم: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ بأنصارٍ تَنْصُرُني عليكم، وأعوانٍ تُعِينُني، ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ: أو أنضَمُّ إلى عشيرةٍ مانعةٍ تَمْنَعُني منكم، لحُلْتُ بينَكم وبينَ ما جئتُم تُرِيدونه مِنِّي في أضْيافي. وحُذِف جوابُ لو لدَلالةِ الكلامِ عليه، وأن معناه مفهومٌ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 8582

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: قال لوطٌ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ: إلى جُنْدٍ (١) شديدٍ، لَقاتَلْتُكم (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. قال: العشيرةُ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. قال: العشيرةُ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. قال: إلى ركنٍ مِن الناسِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قولُه: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. قال: بَلَغَنا أنه لم يُبْعَثُ نبيٌّ بعدَ لوطٍ إلا في ثَرْوَةٍ (٥) مِن قومِه (٦)، حتى النبيُّ ﷺ (٧). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ

стр. 8583

قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. أي: عشيرةٍ تَمْنَعُني أو شيعةٍ تَنْصُرُني، لحَلْتُ بينَكم وبينَ هذا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. قال: يعني به العشيرةَ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، أن هذه الآيةَ لمَّا نَزَلت: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. [قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "رَحِمَ اللَّهُ لوطًا، لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ"] (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "رَحِمَ اللَّهُ أخي لوطًا، لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ، فلأيِّ شيءٍ اسْتَكانَ" (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدةُ وعبدُ الرحيمِ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "رحمةُ اللَّهِ على لوطٍ إن كان لَيَأْوِي إلى ركنٍ شديدٍ، إذ قال لقومِه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. ما بَعَث اللَّهُ بعدَه (٣) مِن نبيٍّ إلا في ثَرْوةٍ من قومِه". قال محمدٌ: والثَّرْوةُ الكثرةُ والمَنَعَةُ (٤).

стр. 8584

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ (١)، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (٢). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (٣). حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ، قال: ثنا بكرُ بنُ مُضَرَ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن يونسَ، ابنِ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ الزهريِّ، قال: أخبرَني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، قال: "رحِم اللَّهُ لوطًا، لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ" (٤). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ وسعيدِ بنِ المسيبِ، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، قال (٥). فذَكَر مثلَه (٦).

стр. 8585

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال في قولِه: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (١)﴾ "قد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ (١) ". يعني اللَّهَ ، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "فما بعَث اللَّهُ بعدَه مِن نبيٍّ إلا في ثَرْوةٍ مِن قومِه" (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن أبي يونسَ، سَمِع أبا هريرةَ يحدِّثُ (٣) عن النبيِّ ﷺ قال: "رَحِمَ اللَّهُ لوطًا، فإنه كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ" (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ؛ [سعيدُ بنُ الحكمِ] (٥)، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي الزنادِ، عن أبيه، عن عبدِ الرحمنِ الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (٦). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان إذا قرَأ هذه الآيةَ، أو أتَى على هذه الآيةِ قال: "يرحَمُ (٧) اللَّهُ لوطًا، إن كان ليَأْوِي إلى ركنٍ شديدٍ". وذُكِر لنا أن اللَّهَ لم يَبْعَثْ نبيًّا بعدَ

стр. 8586

لوطٍ، ﵇، إلا في ثَرْوةٍ مِن قومِه، حتى بَعَث اللَّهُ نبيَّكم في ثروةٍ مِن (١) قومِه (٢). يقالُ: من (١) ﴿آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: أويتُ إليك، فأنا آوِي إليك أَوْيًا. بمعنى صِرْتُ إليك وانضَمَمْتُ، كما قال الراجزُ (٣): يَأْوِي إِلى رُكْنٍ مِن الأَرْكَانِ في عَدَدٍ طَيْسٍ (٤) ومَجْدٍ بَانِ وقيل: إن لوطًا لمَّا قال [هذا القولَ] (٥)، وَجَدَت الرسلُ عليه لذلك. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: قال لوطٌ لهم (٦): ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. فَوَجَد عليه الرُّسُلُ، وقالوا (٧): إن رُكْنَك لشديدٌ (٨). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾.

стр. 8587

يقولُ : قالت الملائكةُ للوطٍ لمَّا قال لوطٌ لقومِه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. ورَأَوا ما لَقِيَ مِن الكَرْبِ بسببِهم منهم: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾، أُرْسِلنا لإهْلاكِهم، وإنهم لن يَصِلوا إليك، وإلى ضَيْفِك بمَكْروهٍ، فهَوِّنُ عليك الأمرَ، ﴿فَأَسْرِ (١) بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. يقولُ: فاخرُجْ مِن بينِ أظْهُرِهم أنت وأهلُك ببقيةٍ مِن الليلِ. يقالُ منه: أَسْرى وسَرَى، وذلك إذا سارَ بليلٍ، ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾. واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَأَسْرِ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المكيِّين والمدنيِّين: (فاسْرِ)، وصلٌ؛ بغيرِ همزِ الألفِ، مِن "سَرَى". وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿فَأَسْرِ﴾ (٢) بهمزِ الألفِ، مِن "أَسْرى" (٣). والقولُ في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما أهلُ قُدْوةٍ في القراءةِ، وهما لغتان مشهورتان في العربِ، معناهما واحدٌ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك. وأما قولُه: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾. فإن عامةَ القرأةِ مِن الحجازِ والكوفةِ، وبعضَ أهلِ البصرةِ، قَرءوا بالنصبِ: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (٤)، بتأويلِ: فأسْرِ بأهلِك إلا امرأتَك، وعلى أن لوطًا أُمِر أن يسْرِيَ بأهْلِه سِوى زوجتِه؛ فإنه نُهِي أن يسْرِيَ بها،

стр. 8588

وأُمِر بتَخْليفِها مع قومِها. وقرَأ ذلك بعضُ البصريِّين (١): (إلَّا امْرَأَتُكَ) رفعًا، بمعنى: ولا يَلْتفِتْ منكم أحدٌ إلا امرأتُك، [وإن] (٢) لوطًا قد أخرجَها معه، وأنه نُهِي لوطٌ ومَن معه ممن أَسْرى معه، أن يَلْتفِتَ سِوى زوجتِه، وإنها التفتَتْ، فهَلَكت لذلك. وقولُه: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾. يقولُ: إنه مصيبٌ امرأتَك ما أصابَ قومَك مِن العذابِ ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾. يقولُ: إن موعدَ قومِك للهلاكِ (٣) الصبحُ. فاسْتَبْطَأ ذلك منهم لوطٌ، وقال لهم: بل عَجِّلوا لهم الهلاكَ. فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. أي: عندَ الصبحِ نزولُ العذابِ بهم. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. أي: إنما ينزلُ بهم مِن صُبْحِ ليلتِك هذه، فامضِ لِما تؤمَرُ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: فمَضَتِ الرُّسُلُ مِن عندِ إبراهيمَ إلى لوطٍ، فلما أَتَوا لوطًا، وكان مِن أمرِهم ما ذَكَر اللَّهُ ، قال جبريلُ للوطٍ: يا لُوطُ، ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١]. فقال لهم لوطٌ: أهْلِكوهم الساعةَ. فقال له جبريلُ ﵇: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ

стр. 8589

بِقَرِيبٍ﴾؟ فأُنزِلت على لوطٍ: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟ قال: فأَمَره أن يسْرِيَ بأهلِه بِقِطْعٍ مِن الليلِ، ولا يَلْتَفِتَ منهم أحدٌ إلا امرأتَه. قال: فسارَ، فلما كانت الساعةُ التي أُهْلِكوا فيها أَدْخَل جبريلُ جناحَه فرفَعَها (١) حتى سَمِع أهلُ السماءِ صِياحَ الدِّيَكةِ ونُباحَ الكلابِ، فجَعَل عالِيَها سافلَها، وأمطَرَ عليها حجارةً مِن سِجِّيلٍ. قال: وسَمِعَت امرأةُ لوطٍ الهَدَّةَ (٢)، فقالت: واقَوماه! فأَدْرَكَها حجرٌ فقَتَلها (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، قال: كان لوطٌ أَخَذ على امرأتِه أن لا تُذِيعَ (٤) شيئًا مِن سِرِّ أضْيافِه. قال: فلما دخَل عليه جبريلُ، ﵇، ومَن معَه، رَأَتهم (٥) في صورةٍ لم تَرَ مثلَها [قَطُّ، فانطَلَقت] (٦) تَسْعى إلى قومِها، فأتَتِ النادِيَ، فقالت بيدِها هكذا، وأقْبَلوا يُهْرَعون مَشْيًا بينَ الهرولةِ والجَمْزِ (٧)، فلما انتَهَوا إلى لوطٍ، و (٨) قال لهم لوطٌ ما قال اللَّهُ في كتابِه، قال جبريلُ: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾. قال: فقال بيدِه، فطَمَس أعيُنَهم، قال (٨): فجَعَلُوا يَطْلُبونهم، يَلْمَسُون الحيطانَ

стр. 8590

وهم لا يُبْصِرون (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن حذيفةَ، قال: لمَّا بَصُرتْ بهم - يعني بالرُّسُلِ - عجوزُ السَّوْءِ امرأتُه انطَلَقَت فأَنْذرَتهم، فقالت: قد تَضَيَّفَ لوطًا قومٌ، ما رأيتُ قومًا أحسنَ منهم (٢) وجوهًا. قال: ولا أعْلَمُه إلا قالت: ولا (٣) أشدَّ بياضًا، وأطيبَ ريحًا. قال: فأَتَوه يُهْرَعون إليه، كما قال اللَّهُ ، فأَصْفَقَ (٤) لوطٌ البابَ. قال: فجَعَلوا يُعالجونه. قال: فاسْتأْذَنَ جبريلُ ربَّه في عقوبتِهم، فأَذِن له، فصَفَقَهم (٥) بجَناحِه، فتَرَكَهم عُمْيانًا يَتَرَدَّدون في أخبثِ ليلةٍ (٦) أَتَت عليهم قطُّ، فأخبَروه: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ … ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: ولقد ذُكِر لنا أنه كانت مع لوطٍ حينَ خَرَجَ مِن القريةِ امرأتُه، ثم سَمِعَت الصوتَ، فالتفَتَت، وأرسَل اللَّهُ عليها حجرًا فأهْلَكَها (٧). وقولُه: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾: فأرادَ نبيُّ اللَّهِ ما هو أعجلُ مِن ذلك، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، عن سعيدِ بنِ بشيرٍ، عن قتادةَ، قال: انطَلَقت امرأتُه - يعني امرأةَ لوطٍ - حينَ رَأَتهم - يعني حينَ رأتِ الرسلَ - إلى قومِها، فقالت: إنه قد ضافَه

стр. 8591

الليلةَ قومٌ ما رأيتُ مثلَهم قطُّ أحسنَ وجوهًا، ولا أطيبَ ريحًا، فجاءوا يُهْرَعون إليه، فبادَرَهم لوطٌ إلى أن يَرْحَمَهم (١) على البابِ، فقال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١]. فقالوا: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠]. فدَخَلوا على الملائكةِ، فتَناوَلَتهم الملائكةُ، فطَمَسَت أعينَهم. فقالوا: يا لوطُ، جِئْتَنا بقومٍ سَحَرةٍ سَحَرونا، كما أنت حتى نصبحَ (٢). قال: فاحتَمَل جبريلُ قُرَيَّاتِ لوطٍ الأربعَ، في كلِّ قريةٍ مائةُ ألفٍ، فرَفَعَهم على جَناحِه بينَ السماءِ والأرضِ، حتى سَمِع أهلُ السماءِ الدنيا أصواتَ دِيَكتِهم، ثم قَلَبهم، فجَعَل اللَّهُ عاليَها سافلَها (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال حذيفةُ: لمَّا دَخَلوا عليه، ذَهَبَت (٤) عجوزُه، عجوزُ السَّوْءِ، فأَتَتْ قومَها، فقالت: لقد تَضيَّفَ لوطًا الليلةَ قومٌ ما رأيتُ قومًا (٥) قطُّ أحسنَ وجوهًا منهم. قال: فجاءوا يُسْرِعون، فعاجَلَهم لوطٌ (٦)، فقامَ مَلَكٌ فَلَزَّ (٧) البابَ، يقولُ: فَسَدَّه، واسْتأذَنَ جبريلُ في عقوبتِهم، فأُذِنَ له، فضَرَبهم جبريلُ بجَناحِه، فتَرَكَهم عُميًا فباتُوا بشَرِّ ليلةٍ. ثم قالُوا: (إِنَّا رُسُل رَبِّك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتُك (٨)). قال: فبَلَغَنا أنها

стр. 8592

سَمِعَت صوتًا، فالتفَتَت فأصابَها حجرٌ، وهي شاذَّةٌ من القومِ، معلومٌ مكانُها (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن حذيفةَ بنحوِه، إلا أنه قال: فعالجهم (٢) لوطٌ (٣). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لمَّا قال لوطٌ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. بسَط حينَئذٍ جبريلُ جَناحَه (٤)، ففَقَأَ أعينَهم، وخَرَجوا يدوسُ بعضُهم في آثارِ (٥) بعضٍ عُميانًا، يقولون: النَّجَاءَ النَّجَاءَ؛ فإنّ في بيتِ لوطٍ أَسْحَرَ قومٍ في الأرضِ. فذلك قولُه: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]. وقالوا للوطٍ: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (٦)، واتَّبِعْ أدبارَ أهلِك. يقولُ: سِرْ بهم، ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥]. فأَخْرَجَهم اللَّهُ إلى الشامِ. وقال لوطٌ: أهْلِكوهم الساعةَ. فقالوا: إنا لم نؤمَرْ إلا بالصبحِ، أليس الصبحُ بقريبٍ؟! فلما أن كان السَّحَرُ خَرَج لوطٌ وأهلُه معه (٧) امرأتُه. فذلك قولُه: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ (٨) [القمر: ٣٤].

стр. 8593

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، أنه سَمِع وهبَ بنَ منبهٍ يقولُ: كان أهلُ سَدُومَ الذين فيهم لوطٌ [قومَ سَوْءٍ] (١) قد اسْتَغْنَوا عن النساءِ بالرجالِ، فلما رأى اللهُ ذلك، بَعَث الملائكة ليُعَذِّبوهم، فأَتَوا إبراهيمَ، فكان مِن أمرِه وأمْرِهم ما ذَكَره اللهُ فى كتابِه، فلما بَشَّروا سارَةَ بالولدِ، قاموا وقامَ معهم إبراهيمُ يَمْشى، قال: أخْبِروني، لِمَ بُعِثْتم وما خَطْبُكم؟ قالوا: إنا أُرْسِلنا إلى أهلِ سَدومَ لنُدمِّرَها؛ فإنهم (٢) قومُ سَوْءٍ، قد اسْتَغْنَوا بالرجالِ عن النساءِ. قال إبراهيمُ: أرأيتم (٣) إنْ كان فيهم خمسون رجلًا صالحًا؟ قالوا: إذن لا نُعذِّبُهم. [فلم يَزَلْ] (٤) يَنْقُصُ حتى قال: أهلُ البيتِ؟ قالوا: فإن كان فيها بيتٌ صالحٌ. قال: فلوطٌ وأهلُ بيتِه؟ قالوا: إن امرأتَه هَوَاها معهم، فلما يَئِس إبراهيمُ انصَرَف، ومَضَوا إلى أهلِ سَدُومَ، فَدَخَلوا على لوطٍ، فلما رأَتْهم (٥) امرأتُه أَعْجَبَها حُسْنُهم وجمالُهم، فأرسَلَت إلى أهلِ القريةِ: إنه قد نَزَل بِنا قومٌ لم نَرَ (٦) قطُّ أحسنَ منهم ولا أجملَ. فَتَسامعوا بذلك، فغَشَوا دارَ لوطٍ مِن كلِّ ناحيةٍ، وتَسَوَّروا عليهم الجدرانَ، فلَقِيَهم لوطٌ، فقال: يا قومِ، لا تَفْضَحونِ في ضَيْفى، وأنا أزوِّجُكم بناتى، فهنَّ أطهرُ لكم. فقالوا: لو كُنَّا نريدُ بناتِك لقد عَرَفْنا مكانَهنَّ. فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. فوَجَد عليه الرُّسُلُ، وقالوا: إن رُكْنَك لشديدٌ، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ

стр. 8594

غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾. فمَسَح أحدُهم أعينَهم بجَناحِه (١)، فطَمَس أبصارَهم، فقالوا: سُحِرْنا، انْصَرِفوا بنا حتى نرجِعَ إليه. فكان مِن أمرِهم ما قد قَصَّ اللهُ تعالى في القرآنِ (٢) فأدْخَل ميكائيلُ، وهو صاحبُ العذابِ، جَناحَه، حتى بَلَغ أسفلَ الأرضِ، فقَلَبَها، ونَزَلت حجارةٌ من السماءِ، فتَتَبَّعَت مَن لم يكنْ منهم في القريةِ حيثُ كانوا، فأهْلَكَهم اللهُ (٣)، ونَجَّى لوطًا وأهلَه، إلا امرأتَه (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ و (٥) عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن حُذيفةَ، دَخَل حديثُ بعضِهم في بعضٍ، قال: كان إبراهيمُ، ﵇، يأتِيهم فيقولُ: وَيْحَكم! أَنْهاكم عن اللهِ أنْ تَعَرَّضوا لعقوبتِه. [فلم يطيعوا] (٦)، حتى إذا بَلَغ الكتابُ أجلَه لمحِلِّ عذابِهم، وسطواتِ الربِّ بهم، قال: فانتَهَت الملائكةُ إلى لوطٍ وهو يعملُ فى أرضٍ له، فدَعاهم إلى الضيافةِ، فقالوا: إنا مُضَيِّفوك الليلةَ. وكان اللهُ تعالى ذكرُه عهِد إلى جبريلَ ﵇، أن لا يُعَذِّبَهم حتى يَشْهَدَ عليهم لوطٌ ثلاثَ شهاداتٍ، فلما تَوَجَّه بهم لوطٌ إلى الضيافةِ، ذكَر ما يعملُ قومُه مِن الشرِّ والدَّوَاهى العظامِ، فمشَى معهم ساعةً ثم التَفتَ إليهم، فقال: أمَا تَعْلَمون ما يعملُ أهلُ هذه القريةِ! ما أعلمُ على وجه الأرضِ شَرًّا منهم، أين أذهبُ بكم! إلى قومى وهم شَرُّ خلقِ اللهِ! فالتفت جبريلُ إلى الملائكةِ، فقال: احْفَظوا، هذه

стр. 8595

واحدةٌ. ثم مَشَى ساعةً، فلما تَوسَّطَ القريةَ وأشْفَقَ عليهم، واسْتَحْيى منهم، قال: أمَا تَعْلَمون ما يعملُ أهلُ هذه القريةِ! ما (١) أعلمُ على وَجْهِ الأَرضِ شَرًّا منهم، إن قومى شَرُّ خلقِ اللهِ. فالتفتَ جبريلُ إلى الملائكةِ، فقال: احْفَظوا، هاتان ثِنْتان. فلما انتَهَى إلى بابِ الدارِ بَكَى حياءً منهم، وشَفَقَةً عليهم، وقال: إن قومى شَرُّ خلقِ اللهِ، أَمَا تَعْلَمون ما يعملُ أهلُ هذه القريةِ! ما أعلمُ على وَجْهِ الأَرضِ أهلَ قريةٍ شرًّا منهم. فقال جبريلُ للملائكةِ: احْفَظوا، هذه ثلاثٌ، قد حَقَّ العذابُ. فلما دَخَلُوا ذَهَبَت عجوزُه، عجوزُ السَّوْءِ، فصعدت، فَلَوَّحت بِثَوْبِها، فأتاها الفُسَّاقُ يُهْرَعون سِراعًا. قالوا: ما عندَكِ؟ قالت: ضَيَّفَ لوطٌ الليلةَ قومًا (٢) ما رأيتُ قطُّ (٣) أحسنَ وجوهًا منهم، ولا أطيبَ ريحًا منهم. فهُرِعوا يُسارِعون (٤) إلى البابِ، فعالجهم (٥) لوطٌ على البابِ، فدافَعوه طويلًا، هو داخلٌ وهم خارجٌ، يُناشِدُهم اللهَ ويقولُ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. فقامَ المَلكُ فَلَزَّ بالبابِ (٦)، يقولُ: فَسَدَّه، واسْتأْذَنَ جبريلُ في عقوبتِهم، فأَذِنَ اللهُ له، فقامَ في الصورةِ (٧) التي يكونُ فيها في السماءِ، فنَشَرَ جَناحَه، ولجبريلَ جَناحان، وعليه وِشاحٌ (٨) مِن دُرٍّ منظومٍ، وهو بَرَّاقُ الثنايا، أَجْلى الجَبينِ، ورأسُه حُبُكٌ حُبُكٌ (٩) مثلُ المرجانِ، وهو

стр. 8596

اللؤلؤُ، كأنه الثلجُ، وقَدَماه إلى الحضرةِ، فقال: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾، امْضِ (١) يا لوطُ مِن البابِ، ودَعْنى وإياهم. فتنَحَّى لوطٌ عن البابِ، فخَرَج عليهم، فنَشَر جَناحَه، فضَرَب به وجوهَهم ضربةً شَدَخ أعينَهم، فصاروا عُمْيًا، لا يعْرِفون الطريقَ، ولا يهْتَدون إلى بيوتِهم، ثم أَمَر لوطًا، فاحْتَمَل بأهلِه مِن ليلتِه، قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لمَّا قال لوطٌ لقومِه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. والرُّسُلُ تسمعُ ما يقولُ وما يقالُ له، ويَرَون ما هو فيه مِن كَرْبِ ذلك، فلما رَأَوا ما بَلَغَه قالُوا: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾. أى: بشيءٍ تكرهُه، ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. أى: إنما ينزلُ بهم العذابُ مِن صبحِ ليلتِك هذه، فامْضِ لِما تؤمَرُ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، أنه حَدَّث، أن الرسلَ عند ذلك سَفَعُوا (٤) في وجوهِ القومِ (٥) الذين جاءوا لوطًا من قومِه يُراودونه عن ضَيْفه، فرَجَعوا عُميانًا. قال: يقولُ اللهُ :

стр. 8597

﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ (١) [القمر: ٣٧]. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: بطائفةٍ من الليلِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بطائفةٍ مِن الليلِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: جوفِ الليلِ (٤). وقولُه: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر: ٦٥]. يقولُ: واتَّبِعْ أدبارَ أَهْلِك، ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾. كان (٥) مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾. قال: لا ينظُرْ وراءَه أحدٌ، ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (٦).

стр. 8598

ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه كان يقرأُ: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا امْرأتَكَ). حدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا امْرَأَتَكَ) (١). وهذا يدلُّ على صحةِ القراءةِ [في المرأةِ] (٢) بالنصبِ. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاءَ أَمْرُنَا بالعذابِ، وقضاؤُنا فيهم بالهلاكِ، ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾. [يعنى: عالىَ] (٣) القريةِ (٤) سَافِلَهَا، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾. يقولُ: وأرسَلنا عليها ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾. واختَلف أهلُ التأويلِ فى معنى ﴿سِجِّيلٍ﴾؛ فقال بعضُهم: هو بالفارسيةِ: سنكَ وكِلْ (٥).

стр. 8599

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: بالفارسيةِ، أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها طينٌ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: فارسيةٌ أُعْرِبت سنكَ وكلْ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: السِّجِّيلُ الطينُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعكرمةَ: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قالا: من طينٍ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال:

стр. 8600

ثنى عبدُ الصمدِ، عن وهبٍ، قال: سِجِّيلٌ بالفارسيةِ: سنك وكل. حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾: أما السِّجِّيلُ فقال ابنُ عباسٍ: هو بالفارسيةِ: سنْك وجِلْ، سَنْك هو الحجرُ، والجِلْ (١) هو الطينُ. يقولُ: أَرْسَلْنا عليهم حجارةً من طينٍ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: طينٌ فى حجارةٍ (٢). وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: السماءُ الدنيا، قال: والسماءُ الدنيا اسمُها سجِّيلٌ (٣)، وهى التى أنزلَ اللهُ على قومِ لوطٍ (٤). وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من البصريِّين يقولُ: السِّجِّيلُ، هو مِن الحجارةِ، الصلبُ الشديدُ، ومِن الضربِ، ويستشهدُ على ذلك بقولِ الشاعرِ: ضَرْبًا تَوَاصَى به الأَبْطالُ سِجِّيلَا (٥) وقال: بعضُهم يُحوِّلُ اللامَ نونًا.

стр. 8601

وقال آخرُ منهم: هو "فِعِّيل"، من قولِ القائلِ: أسْجَلْتُه: أرسلتُه، فكأنه مِن ذلك. أي: مُرْسَلةٌ عليهم. وقال آخرُ منهم: هو مِن سَجَلْتُ له سَجْلًا. مِن العطاءِ، فكأنه قيل: مُنِحوا ذلك البلاء فأُعْطُوه. وقالوا: أَسْجَلَه: أَهْمَلَه (١). وقال بعضُهم: بل هو من السِّجِلِّ؛ لأنه كان فيها عَلَمٌ كالكتابِ. وقال آخرُ منهم: بل هو طينٌ يُطْبَحُ كما يُطْبَخُ الآجُرُّ، ويُنشِدُ بيتَ الفضلِ بنِ عباسٍ (٢): مَنْ يُسَاجِلْنى يُسَاجِلْ ماجِدًا … يملأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ (٣) فهذا مِن: سَجَلْتُ له سَجْلًا: أعطيتُه. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا ما قاله المفسرون، وهو أنها مِن طينٍ، وبذلك وَصَفها اللهُ في كتابِه في موضعٍ آخَرَ، وذلك قولُه: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣، ٣٤]. وقد رُوِيَ عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقولُ: هي فارسيةٌ ونَبَطِيَّةٌ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: "سجيلٌ (٤) " فارسيةٌ ونَبَطيةٌ: سج إيل. فذهَب سعيدُ بنُ جبيرٍ في ذلك إلى أن اسمَ الطينِ بالفارسيةِ جل لا إيل، وأن

стр. 8602

ذلك لو كان بالفارسيةِ لكان سِجْل لا سِجِّيل؛ لأن الحجرَ بالفارسيةِ يُدْعَى: سنج، والطينَ: جل، فلا وجه لكون الياءِ فيها وهي فارسيةٌ. وقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ عندَنا في ذلك في أولِ الكتابِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). وقد ذُكر عن الحسنِ البصريِّ أنه قال: كان أصلُ الحجارةِ طينًا، فشُدِّدَت. وأما قولُه: ﴿مَنْضُودٍ﴾. فإن قتادةَ وعكرمةَ يقولان فيه ما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعكرمةَ: ﴿مَنْضُودٍ﴾. يقولُ: مصفوفة (٢). وقال الربيعُ بنُ أنسٍ فيه ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ فى قوله: ﴿مَنْضُودٍ﴾. قال: قد نُضِد بعضُه على بعضٍ (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللهِ الهُذَليِّ: أما قولُه: ﴿مَنْضُودٍ﴾. فإنها في السماءِ مَنضودةٌ مُعَدَّةٌ، وهى مِن عُدَّةِ اللهِ التي أعَدَّ للظلَمةِ (٤). وقال بعضُهم: منضودٌ: يَتْبَعُ (٥) بعضُه بعضًا عليهم. قال: فذلك نَضْدُه.

стр. 8603

والصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قاله الربيعُ بنُ أنسٍ، وذلك أن قولَه: ﴿مَنْضُودٍ﴾. من نعتِ: ﴿سِجِّيلٍ﴾. لا مِن نعتِ الحجارةِ، وإنما أُمْطِر القومُ حجارةً مِن طينٍ، صفةُ ذلك الطينِ، أنه نُضِد بعضُه إلى بعضٍ، فصُيِّر حجارةً، ولم يُمْطَروا الطينَ، فيكونَ موصوفًا بأنه تَتابَع على القومِ بمَجيئِه. وإنما كان جائزًا أن يكونَ على ما تأوَّله هذا المتأوِّلُ، لو كان التنزيلُ بالنصبِ "منضودةً" (١)، فيَكونَ من نعتِ الحجارةِ حينَئذٍ. وأما قولُه: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾. فإنه يقولُ: مُعَلَّمةً عندَ اللهِ، أَعْلَمَها اللهُ، والمسوَّمةُ من نعتِ الحجارةِ، ولذلك نُصِبَت وأُنِّثَتْ (٢). وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾. قال: مُعَلَّمةً. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).

стр. 8604

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال ابنُ جريجٍ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: لا تُشاكِلُ حجارةَ الأرضِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعكرمةَ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾. قالا: مُطَوَّقةً، بها نَضْحٌ (٢) مِن حُمْرةٍ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: عليها سِيما معلومةٌ، حدَّث بعضُ مَن رآها أنها حجارةٌ مُطَوَّقَةٌ عليها، أو بها نَضْحٌ مِن حُمرةٍ، ليست كحجارتِكم (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿مُسَوَّمَةً﴾. قال: عليها سِيما خُطوطٍ (٥). حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾. قال: المسوَّمةُ المختَّمةُ. وأما قولُه: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، فإنه يقولُ تعالى ذكرُه مُتهَدِّدًا مُشْركي قريشٍ: وما هذه الحجارةُ التى أمْطَرْتُها على قومِ لوطٍ مِن مشركي قومِك يا محمدُ ببعيدٍ أن يُمْطَروها، إن لم يَتُوبوا مِن شركِهم. وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 8605

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو عَتَّابٍ (١) الدَّلَّالُ سهلُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبانُ بنُ تَغْلِبَ (٢)، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. قال: أن يُصِيبَهم ما أصاب القومَ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. قال: يُرْهِبُ بها قريشًا (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. يقولُ: ما أجار اللهُ منها ظالمًا بعدَ قومِ لوطٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ

стр. 8606

وعكرمةَ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. يقولُ: لم [يَبْرأْ منها ظالمٌ] (١) بعدَهم (٢). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ (٣)، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابنِ شَوْذَبٍ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، قال: يعنى ظالمي هذه الأمةِ، ثم قال: واللهِ ما أجار منها ظالمًا بعدُ (٤). حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو (٥)، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. يقولُ: مِن ظَلَمةِ العربِ، إن لم يؤمنوا (٦) فيُعَذَّبوا بها (٧). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ بنِ عبدِ اللهِ، قال: يقولُ: وما هى مِن ظَلَمةِ أمتِك ببعيدٍ، فلا يَأْمَنُها منهم ظالمٌ. وكان قلْبُ الملائكةِ عالىَ أرضِ (٨) سَدُومَ سافلَها كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ، قال: أخذَ جبريلُ

стр. 8607

قومَ لوطٍ من سَرْحِهم ودورِهم، و (١) حمَلهم بمواشيهم وأمتعتِهم، حتى سمِع أهلُ السماءِ نُباحَ كلابِهم، ثم أكْفَأَها (٢). وحدَّثنا به أبو كريبٍ، مرةً أخرى، عن مجاهدٍ، قال: أدخَل جبريلُ جناحَه تحتَ الأرضِ السُّفلَى من قومِ لوطٍ، ثم أخذَهم بالجناحِ الأيمنِ، فأخذَهم من سَرْحِهم ومواشيهم، ثم رفعها (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ كان يقولُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾. قال: لما أصبحوا غدا جبريلُ على قريتِهم، ففتَقها من أركانِها، ثم أدخل جناحَه، ثم حمَلَها على خوافى (٤) جناحيه (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، قال: حدَّثني هذا ابنُ أبي نجيحٍ عن إبراهيمَ بنِ أبى بكرٍ، قال: ولم يسمعْه ابنُ أبي نجيحٍ من (٦) مجاهدٍ، قال: فحملها على خوافى جناحيه بما فيها، ثم صعِد بها إلى السماءِ، حتى سمِع أهلُ السماءِ نُباحَ كلابِهم، ثم قَلَبها، فكان أوَّلَ ما سقَط منها شِرافُها (٧)، فذلك قولُ اللهِ : ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا

стр. 8608

حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال مجاهدٌ: فلم يُصِبْ قومًا ما أصابَهم؛ إن اللهَ طمَس على أعْينهم، ثم قلب قريتَهم، وأمطر عليهم حجارةً مِن سجيلٍ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بلغنا أن جبريلَ ﵇ أخَذ بعُرْوةِ القريةِ الوُسْطَى، ثم ألوى بها إلى السماءِ، حتى سمِع أهلُ السماءِ ضواغِيَ (٢) كلابهم، ثم دمَّر بعضَها على بعضٍ، فجعل عاليَها سافلَها، ثم أتْبعهم (٣) الحجارةَ. قال قتادةُ: وبلَغنا أنهم كانوا أربعةَ آلافِ ألفٍ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنَّ جبريلَ ﵇ أخذ بعرْوَتِها الوُسْطَى، ثم أَلْوَى بها إلى جَوِّ السماءِ، حتى سمِعَت الملائكةُ ضَواغيَ كلابِهم، ثم دمَّر بعضَها على بعضٍ، ثم أتبع شُذَّانَ (٥) القومِ صخرًا. قال: وهى ثلاثُ قرًى يقالُ لها: سَدُومُ. وهى بينَ المدينةِ والشامِ. قال: وذُكِر لنا أنه كان فيها أربعةُ آلافِ ألفٍ. وذُكِر لنا أن إبراهيمَ ﵇ كان يُشرِفُ (٦)، يقولُ: سَدُومُ، يومٌ [مَا لكِ] (٧)!

стр. 8609

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، قال: لما أصبحوا، يعني قومَ لوطٍ، نزَل جبريلُ فاقتلَع الأرضَ من سبعِ أَرَضِينَ، فحملَها حتى بلغ بها السماءَ الدنيا، [حتى سَمِع أهلُ السماءِ نُباحَ كلابِهم وأصواتَ ديوكِهم، ثم قلبها فقتلهم] (١)، فذلك حين يقولُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]. المنقلبةَ حينَ أهوى بها جبريلُ الأرضَ، فاقتلَعها بجناحَيه (٢)، فمَن لم يمتْ حين أسقَط (٣) الأرضَ، أمطَر اللهُ عليه وهو تحت الأرضِ الحجارةَ، ومن كان منهم شاذًّا فى الأرضِ، وهو قولُ اللهِ : فـ ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. ثم تَتَبَّعهم في القرى، فكان الرجلُ [يتحدَّثُ فيأتيه] (٤) الحجرُ فيقتلُه، فذلك قولُ اللهِ : ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، وأبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قالا (٦): بلَغنا أن جبريلَ ﵇ لما أصبح نشَر جناحَه، فانتسَف به أرضَهم بما فيها من قصورِها ودوابِّها وحجارتِها وشجرِها وجميعِ ما فيها، فضمَّها فى جناحِه، فحواها وطواها في جوفِ جناحِه، ثم صعِد بها إلى السماءِ الدنيا، حتى سَمِع سكانُ السماءِ أصواتَ الناسِ

стр. 8610

والكلابِ، وكانوا أربعةَ آلافِ ألفٍ، ثم قلَبها فأرسَلها إلى الأرضِ منكوسةً، دَمْدَم بعضَها على بعضٍ، فجعَل عاليَها سافلَها، ثم أتبَعها حجارةً من سِجِّيلٍ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ ابنُ كعبٍ القُرَظيُّ، قال: حُدِّثْتُ أن [الله بعَث] (١) جبريلَ ﵇ إلى المؤتفكةِ؛ قريةِ لوطٍ ﵇، التي كان لوطٌ فيها، فاحتَملها بجناحَيه، ثم أَصعَدَ (٢) بها، حتى إنَّ أهلَ السماءِ الدنيا لَيسمعون نابحةَ (٣) كلابِها وأصواتَ دَجاجِها، ثم كفَأها على وجهِها، ثم أتبَعَها اللهُ بالحجارةِ، يقولُ اللهُ: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. فأهْلكها اللهُ وما حولَها من المؤتفكاتِ، وكنّ خمسَ قُرَيَّاتٍ (٤): [صبعةُ، وصعرةُ، وعمرةُ (٥)] (٦)، ودوما، وسدُومُ. وسدومُ هي القريةُ العظمى، ونجَّى اللهُ لوطًا ومن معه مِن أهلِه، إلا امرأتَه كانت فيمن هلَك (٧). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ

стр. 8611

بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإلى ولدِ (١) مدين أخاهم شعيبًا، فلما أتاهم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: أطيعوه، وتذلَّلُوا له بالطاعةِ لما أمرَكم به ونهاكم عنه، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. يقولُ: ما لكم مِن معبودٍ (٢) يستحقُّ عليكم العبادةَ غيرَه، ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾. يقولُ: ولا تنقُصوا الناسَ حقوقَهم في مِكيالكم وميزانِكم؛ ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. واختلف أهلُ التأويلِ فى الخيرِ الذى أخبَر اللهُ عن شعيبٍ أنه قال لمدينَ إنه يَراهم به؛ فقال بعضُهم: كان ذلك رُخْصَ السعرِ، وحذَّرهم غَلَاءَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ موسى، عن زياد (٣) بنِ عمرٍو، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: رُخْصُ السعرِ، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾. قال: غلاءُ سعرٍ (٤). حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو (٥) البصريُّ (٦)، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا صالحُ بنُ رستمَ، عن الحسنِ، وذكَر قومَ شعيبٍ، قال:

стр. 8612

﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: رُخْصُ السعرِ. [حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ (١) بن عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، عن أبي عامرٍ الخزازِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: الغنى ورُخْصُ السعرِ] (٢). وقال آخرون: عنَى بذلك: إني أرى لكم مالًا وزينةً مِن زِيَنِ الدُّنيا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: يعنى خيرَ الدنيا وزينتَها (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: أبصَر عليهم قِشْرًا (٤) من قِشْرِ الدنيا وزينتِها (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: في دُنياكم، كما قال اللهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]. سمَّاه اللهُ خيرًا؛ لأنَّ الناسَ يُسمون المالَ خيرًا (٦). وأَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ: ما أخبَر اللهُ عن شعيبٍ أنَّه قال لقومِه، وذلك قولُه لهم: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. يعنى: بخيرِ الدنيا، وقد يدخلُ في

стр. 8613

خيرِ الدنيا المالُ وزينةُ الحياةِ الدنيا، ورُخْصُ السعرِ، ولا دَلالةَ على أنَّه عَنى بقيلِه ذلك بعضَ خيراتِ الدنيا دونَ بعضٍ، فذلك على كلِّ معانى خيراتِ الدنيا التي ذكَر أهلُ العلمِ أنهم كانوا أُوتوها، وإنما قالَ ذلك شعيبٌ؛ لأنَّ قومَه كانوا في سَعَةٍ من عيشِهم، ورخصٍ من أسعارِهم، كثيرةً أموالُهم، فقال لهم: لا تَنقُصوا الناسَ حقوقَهم فى مكاييلِكم وموازينِكم، فقد وسَّع اللهُ عليكم ورزَقَكم، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بمخالفتِكم أمرَ اللهِ وبخسِكم الناسَ أموالَهم في مكاييلِكم وموازينِكم، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾. يقولُ: أَن يَنزِلَ بكم عذابُ يومٍ محيطٍ بكم عذابُه، فجعَل "المحيطَ" نعتًا لليوم، وهو [من نعتِ العذابِ] (١)؛ إذ كان مفهومًا معناه، وكان العذابُ في اليومِ، فصار كقولِهم: بعضُ (٢) جُبَّتِك متخرِّقةٌ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: بالعدلِ، وذلك بأن تُوفُّوا أهلَ الحقوقِ التى هى مما يُكالُ أو يُوزنُ حقوقَهم، على ما وجَب لهم مِن التمامِ بغيرِ بخسٍ، ولا نقصٍ. وقولُه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: ولا تَنقُصوا الناسَ حقوقَهم التي يجبُ عليكم أن تُوَفوهم، كيلًا أو وزنًا أو غيرَ ذلك.

стр. 8614

كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عليُّ بنُ صالحِ بنِ حيٍّ، قال: بلَغنى في قولِه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. قال: لا تَنقُصوهم. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: لا تَظلِموا الناسَ أشياءَهم (١). وقولُه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: ولا تَسيروا في الأرضِ تَعملون فيها بمعاصى اللهِ. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. قال: لا تَسيروا في الأرضِ (٢). وحُدِّثْتُ عن المسيبِ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: لا تَسْعَوا في الأرضِ مُفْسدين. يعني: نقصانَ الكيلِ والميزانِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ما أبْقاه اللهُ لكم بعدَ أن توفُّوا الناسَ حقوقَهم، بالمكيالِ والميزانِ بالقسطِ، فأحلَّه لكم، خيرٌ لكم من الذى يبقى لكم، ببخسِكم الناسَ من حقوقِهم بالمكيالِ والميزانِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقول: إن كنتم مصدّقين بوعدِ اللهِ ووعيدهِ، وحلالهِ وحرامهِ. وهذا

стр. 8615

قولٌ رُوى عن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ غير مرتضًى عند أهلِ النقلِ. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ (٢) خَيْرٌ لَكُمْ﴾. [قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم] (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾. قال: طاعةُ اللهِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن
следующие страницы →