← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإلى ولدِ (١) مدين أخاهم شعيبًا، فلما أتاهم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: أطيعوه، وتذلَّلُوا له بالطاعةِ لما أمرَكم به ونهاكم عنه، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. يقولُ: ما لكم مِن معبودٍ (٢) يستحقُّ عليكم العبادةَ غيرَه، ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾. يقولُ: ولا تنقُصوا الناسَ حقوقَهم في مِكيالكم وميزانِكم؛ ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. واختلف أهلُ التأويلِ فى الخيرِ الذى أخبَر اللهُ عن شعيبٍ أنه قال لمدينَ إنه يَراهم به؛ فقال بعضُهم: كان ذلك رُخْصَ السعرِ، وحذَّرهم غَلَاءَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ موسى، عن زياد (٣) بنِ عمرٍو، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: رُخْصُ السعرِ، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾. قال: غلاءُ سعرٍ (٤). حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو (٥) البصريُّ (٦)، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا صالحُ بنُ رستمَ، عن الحسنِ، وذكَر قومَ شعيبٍ، قال:

стр. 8612

﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: رُخْصُ السعرِ. [حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ (١) بن عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، عن أبي عامرٍ الخزازِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: الغنى ورُخْصُ السعرِ] (٢). وقال آخرون: عنَى بذلك: إني أرى لكم مالًا وزينةً مِن زِيَنِ الدُّنيا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: يعنى خيرَ الدنيا وزينتَها (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: أبصَر عليهم قِشْرًا (٤) من قِشْرِ الدنيا وزينتِها (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: في دُنياكم، كما قال اللهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]. سمَّاه اللهُ خيرًا؛ لأنَّ الناسَ يُسمون المالَ خيرًا (٦). وأَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ: ما أخبَر اللهُ عن شعيبٍ أنَّه قال لقومِه، وذلك قولُه لهم: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. يعنى: بخيرِ الدنيا، وقد يدخلُ في

стр. 8613

خيرِ الدنيا المالُ وزينةُ الحياةِ الدنيا، ورُخْصُ السعرِ، ولا دَلالةَ على أنَّه عَنى بقيلِه ذلك بعضَ خيراتِ الدنيا دونَ بعضٍ، فذلك على كلِّ معانى خيراتِ الدنيا التي ذكَر أهلُ العلمِ أنهم كانوا أُوتوها، وإنما قالَ ذلك شعيبٌ؛ لأنَّ قومَه كانوا في سَعَةٍ من عيشِهم، ورخصٍ من أسعارِهم، كثيرةً أموالُهم، فقال لهم: لا تَنقُصوا الناسَ حقوقَهم فى مكاييلِكم وموازينِكم، فقد وسَّع اللهُ عليكم ورزَقَكم، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بمخالفتِكم أمرَ اللهِ وبخسِكم الناسَ أموالَهم في مكاييلِكم وموازينِكم، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾. يقولُ: أَن يَنزِلَ بكم عذابُ يومٍ محيطٍ بكم عذابُه، فجعَل "المحيطَ" نعتًا لليوم، وهو [من نعتِ العذابِ] (١)؛ إذ كان مفهومًا معناه، وكان العذابُ في اليومِ، فصار كقولِهم: بعضُ (٢) جُبَّتِك متخرِّقةٌ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: بالعدلِ، وذلك بأن تُوفُّوا أهلَ الحقوقِ التى هى مما يُكالُ أو يُوزنُ حقوقَهم، على ما وجَب لهم مِن التمامِ بغيرِ بخسٍ، ولا نقصٍ. وقولُه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: ولا تَنقُصوا الناسَ حقوقَهم التي يجبُ عليكم أن تُوَفوهم، كيلًا أو وزنًا أو غيرَ ذلك.

стр. 8614

كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عليُّ بنُ صالحِ بنِ حيٍّ، قال: بلَغنى في قولِه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. قال: لا تَنقُصوهم. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: لا تَظلِموا الناسَ أشياءَهم (١). وقولُه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: ولا تَسيروا في الأرضِ تَعملون فيها بمعاصى اللهِ. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. قال: لا تَسيروا في الأرضِ (٢). وحُدِّثْتُ عن المسيبِ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: لا تَسْعَوا في الأرضِ مُفْسدين. يعني: نقصانَ الكيلِ والميزانِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ما أبْقاه اللهُ لكم بعدَ أن توفُّوا الناسَ حقوقَهم، بالمكيالِ والميزانِ بالقسطِ، فأحلَّه لكم، خيرٌ لكم من الذى يبقى لكم، ببخسِكم الناسَ من حقوقِهم بالمكيالِ والميزانِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقول: إن كنتم مصدّقين بوعدِ اللهِ ووعيدهِ، وحلالهِ وحرامهِ. وهذا

стр. 8615

قولٌ رُوى عن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ غير مرتضًى عند أهلِ النقلِ. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ (٢) خَيْرٌ لَكُمْ﴾. [قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم] (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾. قال: طاعةُ اللهِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن

стр. 8616

مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: طاعةُ اللهِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، نحوَه. وقال آخرون: معنى ذلك: حَظُّكم من ربِّكم خيرٌ لكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: حظُّكم من ربِّكم خيرٌ لكم (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: حَظُّكم مِن اللهِ خيرٌ لكم (٣). وقال آخرون: معناه: رزقُ اللهِ خيرٌ لكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عمن ذَكَره، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾. قال: رزقُ اللهِ (٤). وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: الهلاكُ في

стр. 8617

العذابِ، والبقيةُ في الرحمةِ. وإنما اخترتُ في تأويلِ ذلك القولَ الذى اخترتُه؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه إنما تقدَّمَ إليهم بالنهيِ عن بخسِ [الناسِ أشياءَهم في] (١) المكيالِ والميزانِ، وإلى تركِ التطفيفِ في الكيلِ، والبخسِ فى الميزانِ، دعاهم شعيبٌ، فتعقيبُ ذلك بالخبرِ عما لهم من الحظِّ في الوفاءِ في الدنيا والآخرةِ أَولَى، مع أن قولَه: ﴿بَقِيَّتُ﴾. إنما هي مصدرٌ من قولِ القائلِ: بَقَّيْتُ بَقِيَّةً من كذا. فلا وجهَ لتوجيه معنى ذلك إلا إلى: بقيةُ اللهِ التي أبقاها لكم، مما لكم بعدَ وفائِكم الناسَ حقوقَهم، خيرٌ لكم من بقيتِكم من الحرامِ الذى يبقى لكم من ظلمِكم الناسَ، ببخسِكم إياهم في الكيلِ والوزنِ. وقولُه: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. يقولُ: وما أنا عليكم أيُّها الناسُ برقيبٍ، أرقُبُكم عندَ كيلِكم ووزنِكم: هل توفون الناسَ حقوقَهم أم تظلِمونهم؟ وإنما عليّ أن أبلِّغَكم رسالةَ ربى، فقد أبلَغتكموها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ (٢) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ شعيبٍ له (٣): ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ﴾ عبادةَ ﴿مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأوثانِ والأصنامِ ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ

стр. 8618

فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ مِن كسرِ الدراهمِ وقَطْعِها، وبَخْسِ الناسِ في الكيلِ والوزنِ، ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾: وهو الذى لا يحمِلُه الغضبُ أن يفعَلَ ما لم يكنْ ليفعَلَه في حالِ الرضا، ﴿الرَّشِيدُ﴾. يعني: رشيدُ الأمرِ في أمرِه إياهم أن يتركوا عبادةَ الأوثانِ. كما حدَّثنا محمودُ بنُ خِدَاشٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ خالدٍ الخياطُ (١)، قال: ثنا داودُ بنُ قيسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ فى قولِ اللهِ: ﴿أَصَلَاتُكَ (٢) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾. قال: كان مما نهاهم عنه حذفُ الدراهمِ. أو قال: قطعُ الدراهمِ. الشكُّ مِن حمادٍ (٣). حدَّثنا [سهلُ بنُ موسى] (٤) الرازيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، عن أبي مودودٍ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيِّ يقولُ: بلغنى أَنَّ قومَ شعيبٍ عُذِّبوا في قطعِ الدراهمِ، ثم (٥) وجَدتُ ذلك فى القرآنِ: ﴿أَصَلَاتُكَ (٦) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٧). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن محمدِ ابنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قال: عُذِّبَ قومُ شعيبٍ في قطعِهم الدراهمَ، فقالوا: ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ (٦) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا

стр. 8619

مَا نَشَاءُ﴾ (١)؟ ثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ خالدٍ الخياطُ، عن داودَ بنِ قيسٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ في قولِه: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾. قال: كان مما نهاهم عنه حذفُ الدراهمِ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾؟ قال: نهاهم عن قطعِ الدنانيرِ والدراهمِ، فقالوا: إنما هي أموالُنا نفعلُ فيها ما نشاءُ؛ إن شِئْنا قطَّعْناها، وإن شِئْنا حرَّقناها، وإن شئنا طرَحْناها (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: وأخبَرنى داودُ بنُ قيسٍ المرِّيُّ أنه سمِع زيد بنَ أسلمَ يقولُ فى قولِ اللهِ: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾؟ قال زيدٌ: كان مِن ذلك قطعُ الدراهمِ. وقولُه: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾. كان الأعمشُ يقولُ في تأويلِها ما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ عن الأعمشِ في قولِه:

стр. 8620

﴿أَصَلَاتُكَ﴾. قال: قراءتُك (١). فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ أن نترُكَ ما يعبدُ آباؤنا، أو أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاءُ. وإنما كان شعيبٌ نهاهم أن يفعَلوا فى أموالِهم ما قد ذكَرتُ أنه نهاهم عنه فيها؟ قيلَ: إنَّ معنى ذلك بخلافِ ما توهَّمتَ. وقد اختلَف أهلُ العربيةِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُ البصريين: معنى ذلك: أصلواتُك تأمرُك أن نترُكَ ما يعبُدُ آباؤُنا، أو أن نترُكَ أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاءُ، وليس معناه: تأمُرُك أن نَفعلَ فى أموالِنا ما نشاءُ، لأنه ليس بذا أمرهم. وقال بعضُ الكوفيين نحوَ هذا القولِ، قال (٢): وفيها وجهٌ آخرُ يجعَلُ الأمرَ كالنهيِ، كأنه (٣) قال: أصلاتُك تأمُرُك بذا، وتنهانا عن ذا؟ فهي حينئذٍ مردودةٌ، على أن الأُولى [لا إضمارَ فيها] (٤)، [كأنك قلتَ: تأمُرُك (٥) أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاءُ. كما تقولُ: أضرِبُك أن تسئَ. كأنَّه قال: أنهاكَ أن تسئَ. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن "أن" الأُولى] (٦) منصوبةٌ بقولِه "تأمرُك"، وأنَّ الثانيةَ منصوبةٌ عطفًا بها على "ما" التي في قولِه: ﴿مَا يَعْبُدُ﴾. وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلامِ: أصلاتُك (٧) تأمُرُك أن نترُكَ ما يعبُدُ

стр. 8621

آباؤنا، أو أن نترُكَ أن نفعَلَ فى أموالِنا ما نشاءُ. وقد ذُكِر عن بعضِ القرَأَةِ أنه قرَأه (ما تشاءُ (١))، فمَن قرَأ ذلك كذلك فلا مُؤْنةَ (٢) فيه، وكانت "أن" الثانيةُ حينَئذٍ معطوفةً على "أن" الأُولى. وأما قولُهم لشعيبٍ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾. فإنهم أعداءُ اللهِ، قالوا له ذلك استهزاءً به، وإنما سفَّهوه وجهَّلوه بهذا الكلامِ. وبما قلنا مِن ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾. قال: يستهزِئون (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: المستهزِئون يستهزِئون به (٤): ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.

стр. 8622

يقولُ تعالى ذكرُه: قال شعيبٌ لقومِه: يا قومِ، أرأيتُم إن كنتُ على بيانٍ وبرهانٍ من ربِّى فيما أدعوكم إليه من عبادةِ اللهِ، والبراءةِ مِن عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، وفيما أنهاكم عنه مِن إفسادِ المالِ، ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾. يعنى: حلالًا طيبًا، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾. يقولُ: وما أريدُ أن أنهاكم عن أمرٍ، ثم أفعلَ خلافَه، بل لا أفعلُ إلا ما آمُرُكم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾. يقولُ: لم أكنْ لأنهاكم عن أمرٍ ثم أركبَه وآتِيَه، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾. يقول: ما أريدُ فيما أمرُكم به وأنهاكم عنه، إلا إصلاحَكم وإصلاحَ أمرِكم، ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾. يقولُ: ما قدرْتُ على إصلاحِه، لئلا ينالَكم مِن اللهِ عقوبةٌ مُنكِّلةٌ بخلافِكم أمرَه، ومعصيتِكم رسولَه، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: وما إصابتى الحقَّ في (١) محاولتي (٢) إصلاحَكم وإصلاحَ أمرِكم إلا باللهِ، فإنه هو المعينُ على ذلك، إن لا يُعِنِّى عليه لم أُصِبِ الحقَّ فيه (٣). وقولُه: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. يقولُ: إِلى اللهِ أفوِّضُ أمرِى، فإنه ثقتى، وعليه اعتمادى في أمورِى. وقولُه: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: وإليه أُقبِلُ بالطاعةِ، وأرجِعُ بالتوبةِ. كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال: أرجعُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى

стр. 8623

نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. [وحدَّثني المُثَنَّى قال: ثنا] (١) إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ قال: وإليه (٢) أرجعُ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال: أرجعُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قِيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾. يقولُ: لا يَحْمِلَنَّكم عداوتى وبغضى وفراقُ الدينِ الذي أنا عليه، على الإصرارِ على ما أنتم عليه من الكفر باللهِ، وعبادةِ الأوثانِ، وبَخسِ الناسِ في المكيالِ والميزانِ، وتركِ الإنابةِ والتوبةِ، فيصيبَكم ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغَرَقِ، ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من العذابِ، ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الرجفةِ، ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ﴾، الذين ائتفكتْ بهم الأرضُ ﴿مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ هلاكُهم، [فلا تتعظوا به وتعتبروا] (٤). يقولُ: فاعتبروا بهؤلاء، واحذروا أن يُصيبَكم بشقاقي مثلُ

стр. 8624

الذي أصابَهم. كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾. يقولُ: لا يحملنَّكم فراقى ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ الآيةَ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾. يقولُ: لا يحملَنَّكم شقاقى (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾. قال: عداوتي وبَغْضائى وفراقي. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. قال: إنما كانوا حديثًا منهم قريبًا بعدَ (٣) قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. قال: إنما كانوا حديثي عهدٍ قريبٍ بعدَ قومِ نوحٍ وعادٍ (٥) وثمودَ (٦).

стр. 8625

قال أبو جعفرٍ: وقد يَحتمِلُ أن يقالَ: معناه: وما دارُ قومِ لوطٍ منكم ببعيدٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾. يقولُ تعالَى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا﴾ أيها القومُ ﴿رَبَّكُمْ﴾ من ذنوبِكم بينَكم وبينَ ربِّكم، التى أنتم عليها مقيمون، من عبادةِ الآلهةِ والأصنامِ، وبَخْسِ الناسِ حقوقَهم في المكاييل والموازينِ. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: ثم ارجعوا إلى طاعتِه والانتهاء إلى أمرِه ونهيِه. ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾. يقولُ: هو رحيمٌ بمن تاب وأنابَ إليه، أن يعذِّبَه بعد التوبةِ. ﴿وَدُودٌ﴾. يقولُ: ذو محبةٍ لمن أناب وتاب إليه، يَوَدُّه ويحبُّه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: قال قومُ شعيبٍ لشعيبٍ: ﴿يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾. أى ما نعلمُ حقيقةَ كثيرٍ مما تقولُ وتخبرُنا به، ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. ذُكِر لنا (١) أنَّه كان ضريرًا، فلذلك قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ الأسديُّ، قال: ثنا أَسِيدُ (٢) بنُ زيدٍ (٣)، قال:

стр. 8626

أخبرَنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. قال: كان أعمى (١). حدَّثنا عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنى إبراهيمُ بنُ مهديٍّ المِصِّيصيُّ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن سفيانَ، [عن سالمٍ] (٢)، عن سعيدٍ مثلَه (٣). حدَّثني أحمد بن الوليد الرمليُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ زيادٍ وإسحاقُ بنُ المنذرِ، وعبدُ الملكِ بنُ يزيدَ (٤)، قالوا: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، مثلَه (٥). حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ ومحمدُ بنُ الصباحِ، قالا: سمعنا شريكًا، يقولُ فى قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. قال: أعمى (٥). حدَّثنى أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: حدَّثنا سَعْدُويَهْ، قال: ثنا عبادٌ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه (٦). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ قولَه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. قال: كان ضعيفَ البصرِ. قال سفيانُ: وكان يقالُ له: خطيبُ

стр. 8627

الأنبياءِ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمّانيُّ، قال: ثنا عبادٌ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. قال: كان ضريرَ البصرِ (٢). وقولُه: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾. يقولُ: يقولون: ولولا [أنَّا نَتَّقي] (٣) عشيرَتَك وقومَك لرجَمْناك، يعنون: لسبَبْناك. وقال بعضُهم: معناه لقتلناك (٤). ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾. قال: قالوا: لولا أنا (٥) نَتَّقِى قومَك ورهطَك لرجمناك (٦). وقولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾. يعنون: ما أنت ممن يَكْرُمُ علينا، فيَعْظُمَ علينا إذلالُه وهَوَانُه، بل ذلك علينا هَينٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾.

стр. 8628

يقولُ تعالى ذِكرُه: قال شعيبٌ لقومِه: يا قومِ أَعْزَزْتُم قومَكم، فكانوا أعزَّ عليكم مِنَ اللهِ، واستخفَفْتُم بربِّكم، فجعَلتموه خَلْف ظهورِكم، لا تأتمرون لأمرِه، ولا تخافون عقابَه، ولا تعظِّمونه حقَّ عظمتِه. يقالُ للرجلِ إذا لم يقضِ حاجةَ الرجلِ: نبذَ حاجتَه وراءَ ظهرِه. أى: ترَكَها لا يلتفتُ إليها، وإذا قضاها قيل: جعَلها أمامَه ونُصْبَ عينيه. ويقال: ظَهَرتَ بحاجتي، وجَعَلتَها ظِهْرِيَّةً أى: خلفَ ظهرِك، كما قال الشاعرُ (١): وَجَدْنا بنى البَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظُّهْرِ بمعنى أنهم يَظْهَرون بحوائجِ الناسِ، فلا يلتفتون إليها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. وذلك أن قومَ شعيبٍ ورهطَه كانوا أعزَّ عليهم مِنَ اللهِ، وصغُر شأنُ اللهِ عندهم عزَّ ربُّنا وجلَّ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: قَصًى (٣).

стр. 8629

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. يقول: عزَّزْتم (١) قومَكم، وأظهَرْتُم بربِّكم (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: قال: لم تراقبوه في شيءٍ، إنما تراقبون قومى ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: لا تخافونه (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: أعزَزْتُم قومَكم، واغترَرْتُم بربِّكم (٤). قال أبو جعفرٍ: سمعتُ إسحاقَ بن أبى إسرائيلَ، قال: قال سفيانُ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: كما يقولُ الرجلُ للرجلِ: خلَّفتَ حاجتي خلفَ ظهرِك، فـ ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ استخفَفْتُم بأمرِه، فإذا أراد الرجلُ قضاءَ حاجةِ صاحبِه جعَلها أمامَه بين يديه، ولم يستخِفَّ بها. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:

стр. 8630

﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: الظِّهرِيُّ: الفضلُ. مثلُ الحمَّالِ (١) يخرجُ معه بإبلٍ ظَهَاريَّةٍ فضلٍ، لا يَحْمِلُ عليها شيئًا، إلا أن يُحتاج إليها. قال: فيقولُ: إنما ربُّكم عندَكم مثلُ هذا إن احتجْتُم إليه، وإن لم تحتاجوا إليه فليس بشيءٍ (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: واتخذتُم ما جاءَ به شعيبٌ وراءَكم ظِهريًّا، فالهاءُ التى فى قولِه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾. على هذا القولِ (٣)، مِن ذِكرِ ما جاء به شعيبٌ ﵇. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: تركتُم ما جاء به شعيبٌ (٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: نَبذوا أمرَه (٥). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: نبَذتُم أمرَه (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: هم رهطُ شعيبٍ،

стр. 8631

تَرْكُهم ما جاء به وراءَ ظهورِهم ظِهريًّا. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ. عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: استثناؤُهم رهطَ شعيبٍ و (١) تَرْكُهم ما جاءَ به شعيبٌ وراءَ ظهورِهم ظهريًّا (٢). وإنما اختَرْنا القولَ الذى اختَرْناه في تأويلِ ذلك لقربِ قولِه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ مِن قولِه: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾. فكانت الهاءُ التي في قولِه ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ بأن تكونَ مِن ذِكرِ اللهِ؛ لقربِ جوارِها منه، أشبهُ وأَوْلَى. وقولُه: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. يقولُ: إِنَّ رَبِّي محيطٌ علمُه بعمَلِكم، فلا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، وهو مجازيكم على جميعِه عاجلًا وآجلًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. يقولُ: على تمكُّنِكم، يقالُ منه: الرجلُ يعملُ على مَكينَتِه ومَكِنتِه (٣). أى على اتئاده، ومَكُن الرجلُ يمكُن مَكْنًا ومَكانةً ومكانًا.

стр. 8632

وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ في معنى قولِه: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: على منازِلكم. فمعنى الكلامِ إذن: ويا قومِ اعملوا على تمَكُّنِكم من العملِ الذى تعملونَه، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على تُؤَدةٍ مِن العملِ الذى أعملُه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّنا الجانى على نفسِه المخطئُ عليها، والمصيبُ فى فعله المحسنُ (١) إلى نفسِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾. يقولُ تعالَى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ نبيِّه شعيبٍ لقومِه: الذي يأتيه منا ومنكم أيُّها القومُ ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾. يقولُ: يُذِلُّه ويهينُه. ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾. يقولُ: ويُخزِى أيضًا الذى هو كاذبٌ في قيلِه وخبرِه منا ومنكم. ﴿وَارْتَقِبُوا﴾، أى انتَظِرُوا وتَفَقَّدُوا، من "الرِّقْبةِ"، يقالُ منه: رَقَبْتُ فلانًا أرقُبُه رِقبةً. وقولُه: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾. يقولُ: إنى أيضًا ذو رِقبةٍ لذلك العذابِ معكم، وناظرٌ إليه بمَن هو نازلٌ منا ومنكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ولما جاءَ قضاؤُنا فى قومِ شعيبٍ بعذابِنا، نجَّيْنا شعيبًا رسولَنا، والذين آمنُوا به، فصدَّقوه على ما جاءَهم به مِن عندِ ربِّهم، مع شعيبٍ، من عذابِنا الذي بَعَثْنا على قومِه، برحمةٍ مِنا له، ولمن آمَن به، واتَّبَعه على ما جاءَهم به من عندِ ربِّهم، وأخَذتِ الذين ظَلموا الصيحةُ مِن السماءِ أخمَدتْهم فأهلَكتْهم، بكفرِهم بربِّهم، وقيلَ: إنَّ جبريلَ ﵇، صاحَ بهم صيحةً

стр. 8633

أخْرَجَتْ أرْواحَهم مِن أجسامِهم، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ على ركبِهم، وصَرْعَى بأفنيتِهم. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾. يقولُ : كأن لم يَعِشْ (١) قومُ شُعَيبٍ الذين أَهْلَكَهم اللهُ بعذابِه، حينَ أصبَحوا في ديارِهم جاثِمِين، قبلَ ذلك، ولم يَعْمُروها (٢)، من قولِهم: غَنِيتُ بمكانِ (٣) كذا. إذا أقمتَ به، ومنه قولُ النابغةِ: غَنِيَتْ بذلكَ إِذْ هُمُ لَكَ (٤) جِيرَةٌ … منْها بعَطْفِ رِسالَةٍ وتَوَدُّدِ (٥) وكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عَليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. قال: يقولُ: كأن لم يعيشُوا فيها (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (٧). حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (٦).

стр. 8634

وقولُه: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: أَلَا أَبْعَد اللهُ مَدْيَنَ مِن رحمتِه بإحلالِ نِقْمَتِه بهم (١)، ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. يقولُ: كما بَعِدَت من قبلِهم ثمودُ من رحمتِه، بإنزالِ سُخْطِه بهم. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾. يقولُ : ولقد أرسَلنا موسى بأدلتِنا على توحيدِنا، وحُجَّةٍ تُبِين لمَن عايَنَها وتأمَّلَها بفِكْرٍ (٢) صحيحٍ، أنها تدلُّ على توحيدِ اللهِ، وكَذِبِ كُلِّ مَن ادَّعَى الربوبيةَ دونَه، وبُطُولِ قولِ مَن أشرَك معه في الأُلوهَةِ غيرَه ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾. يعنى: وإلى أشرافِ جُندِه وأتْباعِه (٣)، ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾. يقول: فكذَّبَ فرعونُ وملؤُه موسى، وجحَدُوا وحدانيةَ اللهِ، وأبَوا قبولَ ما أَتاهم به موسى من عندِ اللهِ، واتَّبَع مَلَأُ فرعونَ [أمرَ فرعونَ] (٤) دونَ أمرِ اللهِ، وأطاعُوه في تكذيبِ موسى، وردّ ما جاءهم به مِن عندِ اللهِ عليه. يقول : ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. يعنى: أنه لا يُرْشِدُ أمرُ فرعونَ مَن [قبِلَه منه] (٥) في تكذيبِ موسى، إلى خيرٍ، ولا يهدِيه إلى صلاحٍ، بل يُورِدُه نارَ جهنمَ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾.

стр. 8635

يقولُ : يَقْدُمُ فرعونُ قومَه يومَ القيامةِ يقُودُهم، فيمضِى بهم إلى النارِ، حتى يُورِدَهموها، ويُصلِيَهم سَعِيرَها، ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾. يقولُ: وبِئْسَ الوِرْدُ الذى يَرِدُونه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. [قال: فرعونُ يقدُمُ قومَه يومَ القيامةِ] (١)، يمضِى بين أيديهم، حتى [يهجُمَ بهم على] (٢) النار (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: يقودُ قومَه يومَ القيامةِ، فأورَدَهم النارَ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: أَضلَّهم، فأورَدَهم النارَ (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ فى قولِه: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾.

стр. 8636

قال: الورودُ (١) الدخولُ (٢). حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾. كان ابنُ عباسٍ يقولُ: الورودُ (٣) فى القرآنِ أربعةُ أورادٍ: في "هود" قولُه: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾، [ووِرْدٌ فى] (٤) "مريم" ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، ووِرْدٌ فى "الأنبياء" ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ووِرْدٌ أيضًا فى "مريم" ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]. كان ابنُ عباسٍ يقولُ: كلُّ هذا (٥) الدُّخُولُ، واللهِ ليَرِدنَّ جهنمَ كلُّ بَرٍّ وفاجرٍ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٦) [مريم: ٧٢]. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾. يقولُ : وأتبَعَهم اللهُ ﴿فِي هَذِهِ﴾، يعني في هذه الدنيا، مع العذابِ الذي عجَّلَه لهم فيها، من الغَرَقِ فى البحرِ، لعنةً (٧) ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: وفى يومِ القيامةِ أيضًا يُلْعَنُون لَعنةً أُخرَى.

стр. 8637

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: لعنةً أخرى. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: زِيدُوا بلعنتِه (١) لعنةً أُخرَى، فتلك لعنتان. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. قال: لعنةً (٢) في إثْرِ اللعنةِ. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: زِيدوا لعنةً أخرى، فتلك لعنتان (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾. قال: في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَرْدِفوا بلعنةٍ أخرى زِيدُوها، فتانِك (٤) لعنتان.

стр. 8638

وقولُه: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. يقولُ: بئس العَوْنُ المُعانُ اللعنةُ المَزيدةُ فيها أخرى منها (١). وأصلُ "الرِّفْدِ" العَوْنُ، يقالُ منه: رفَد فلانٌ فلانًا عندَ الأميرِ يَرْفِدُه رِفْدًا، بكسرِ الراءِ، وإذا فُتِحَت فهو السَّقْيُ فى القَدَحِ العظيمِ، والرَّفْدُ: القَدَحُ الضخمُ، ومنه قولُ الأعشى (٢): رُبَّ رَفْدِ هرَقْتَه ذلك اليو … مَ وأَسْرَى مِن مَعْشَرٍ أَقْتَالِ (٣) ويقالُ: رفَد فلانٌ حائطَه. وذلك إذا أسْنَده بخشبةٍ؛ لئلا يَسْقُطَ. و "الرَّفْدُ" بفتحِ الراءِ المصدرُ، يقالُ منه: رفَدَه يَرْفِدُه رَفْدًا. و "الرِّفْد": اسمُ الشيءِ الذى يُعْطاه الإنسانُ، وهو "المَرْفَدُ". وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. قال: لعنةُ (٤) الدنيا والآخرةِ (٥).

стр. 8639

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. قال: لعَنَهم اللهُ في الدنيا، وزِيد لهم فيها لعنةً (١) في الآخرةِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. قال: لعنةٌ فى الدنيا، وزِيدوا فيها لعنةً في الآخرةِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. يقولُ: ترادَفَت (٣) عليهم اللعنتان مِن اللهِ؛ لعنةٌ فى الدنيا، ولعنةٌ في الآخرةِ (٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ، قال: أصابَتْهم لعنتان فى الدنيا، رَدِفَتْ (٥) إحداهما الأخرى، فهو قولُه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ (٦). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : هذا القَصَصُ الذي ذكَرْناه لك في هذه

стр. 8640

السورةِ، والنبأُ الذى أنْبَأْناكَه فيها مِن أخبارِ القرى التى أهْلَكْنا أهلَها بكفرِهم باللهِ، وتكذيبِهم رسلَه ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ فنُخْبِرُك به. ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾. يقولُ: [من هذه القرى التي قصَصنا نبأَها عليك ما هو ﴿قَائِمٌ﴾. يقولُ: منها قائمٌ بنيانُه غيرُ منهَدِمٍ، بائدٌ أهلُه] (١) هالكٌ، ومنها قائمٌ بنيانُه عامرٌ، ومنها حَصِيدٌ بنيانُه، خَرابٌ مُتَداعٍ، قد تَعَفَّى أثرُه، دارسٌ. من قولِهم: زَرْعٌ حَصِيدٌ. إذا كان قد اسْتُؤْصِل قَطْعُه، وإنما هو محصودٌ، ولكنه صُرِف إلى فَعيلٍ، كما قد بيَّنا في نظائرِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. يعنى بالقائمِ قُرًى عامرةً، والحصيدِ قُرًى خامدةً (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. قال: قائمةٌ (٣) على عروشِها، ﴿وَحَصِيدٌ﴾: مُسْتَأْصَلةٌ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ يُرَى

стр. 8641

مكانُه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾ لا يُرَى له أثرٌ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾. قال: خاوٍ على عروشِه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾: مُلْتَزِقٌ بالأرضِ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ: ﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. قال: خرَّ بنيانُه (٢). وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. قال: الحصيدُ الذى قد خَرَّ (٣) بنيانُه. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. منها قائمٌ يُرَى أثرُه، وحَصِيدٌ قد بادَ لا يُرَى أَثَرُه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾. يقولُ : وما عاقَبْنا أهلَ هذه القُرَى التي اقتصَصْنا نبأَها عليك يا محمدُ، بغيرِ استحقاقٍ منهم عقوبتَنا، فنكونَ بذلك (٥) قد وضَعْنا عقوبتَناهم في غيرِ

стр. 8642

موضعِها، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: ولكنهم أوْجبوا لأنفسِهم بمعصيتِهم اللهَ وكفرِهم به عقوبتَه وعذابَه، فأحَلُّوا بها ما لم يَكُنْ لهم أن يُحِلُّوه بها، وأوْجَبوا لها ما لم يَكُنْ لهم أن يوجِبوه لها (١)، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: فما دفَعت عنهم آلهتُهم التي يعبُدُونها (٢) مِن دونِ اللهِ، ويَدْعُونها (٣) أربابًا، من عقابِ اللهِ وعذابِه، إذ (٤) أحَلَّه بهم ربُّهم، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾، ولا ردَّت عنهم شيئًا منه، ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ يا محمدُ. يقولُ: لمَّا جاء قضاءُ ربِّك بعذابِهم، فحقَّ عليهم عقابُه، ونزَل بهم سَخَطُه، ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. يقولُ: وما زادَتْهم آلهتُهم عندَ مَجِيءِ أمرِ ربِّك هؤلاء المشركين بعقابِ اللهِ غيرَ تخسيرٍ وإهلاكٍ وتدميرٍ. يقالُ منه: تبَّبْتُه أُتَبِّبُه تَتْبِيبًا، ومنه قولُهم للرجلِ: تَبًّا لك. كما قال جريرٌ (٥): عَرَادَةُ (٦) من بَقِيَّة قومِ لوطٍ … ألا تَبًّا لِمَا فَعَلُوا (٧) تَبَابا وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا سعيدُ بنُ سَلَّامٍ أبو الحسنِ البصريُّ، قال: ثنا

стр. 8643

سفيانُ، عن [نُسَيْرِ بنِ ذُعْلُوقٍ] (١)، عن ابنِ عمرَ في قولِه: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال: غيرَ تَخْسِيرٍ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (٣): ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال: تَخْسِيرٍ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: غيرَ تخسيرٍ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٤) مثلَه (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ يقولُ: غيرَ تخسيرٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال: غيرَ تخسيرٍ (٦). وهذا الخبرُ مِن اللهِ ، وإن كان خبرًا منه عمَّن مضَى مِن الأممِ قبلنَا، فإنه وعيدٌ من اللهِ لنا أيتُها الأُمَّةُ، أنا إن سلَكْنا سبيلَ الأممِ قبلَنا في الخلافِ عليه

стр. 8644

وعلى رسولِه، سلَك بنا سبيلَهم في العقوبةِ، وإعلامٌ منه لنا أنه لا يَظْلِمُ أحدًا مِن خلقِه، وأن العبادَ هم الذين يَظْلِمون أنفسَهم. كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، قال: اعْتَذَر -يعنى ربُّنا جلَّ ثناؤُه- إلى خلقِه، فقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾. مما ذكَرْنا لك من عذابِ مَن عذَّبْنا من الأممِ، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال: ما زادهم (١) الذين كانوا يَعْبُدونهم غيرَ تَتْبيبٍ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾. يقولُ : وكما أخَذْتُ، أَيُّها الناسُ، أهلَ هذه القرى التي اقْتَصَصْتُ عليك نبأَ أهلِها، بما أخَذْتُهم به من العذابِ، على خلافِهم أمرِى، وتكذيبِهم رسلي، وجُحودِهم آياتِى، فكذلك أخْذى القرى وأهلَها، إِذا أَخَذْتُهم بعقابي، وهم ظَلمةٌ لأنفسِهم بكفرِهم باللهِ، وإشراكِهم به غيرَه، وتكذيبِهم رسلَه، ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: إِن أَخْذَ ربِّكم بالعقابِ مَن أَخَذه، ﴿أَلِيمٌ﴾. يقولُ: مُوجِعٌ، شديدُ الإيجاعِ. وهذا أمرٌ مِن اللهِ ، تحذيرٌ لهذه الأمَّةِ أن تسلكَ في معصيتِه طريقَ مَن قبلَهم مِن الأممِ الفاجرةِ، فيَحِلَّ بها (٣) ما حلَّ بهم مِن المَثُلاتِ.

стр. 8645

كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن بُرَيْدِ (١) بنِ أبي بُرْدةَ، عن أبيه، عن أبي موسى، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن اللهَ يُمْلى -وربما (٢) قال: يُمْهِلُ- للظالمِ (٣)، حتى إذا أخَذه لم يُفْلِتْه" (٤)، ثم قرَأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (٥). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: إن اللهَ حذَّر هذه الأمةَ سَطْوتَه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٦). وكان عاصمٌ الجَحْدريُّ يَقْرَأُ ذلك: (وكذلك أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ (٧) أَخَذ القُرَى) (٨). وذلك قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها مَصاحفَ المسلمين وما عليه قرأةُ الأمصارِ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾.

стр. 8646

يقولُ : إن فى أخْذِنا مَن أخَذْنا مِن أهلِ القرى التي قصَصْنا خبرَها عليكم أيُّها الناسُ ﴿لَآيَةً﴾، يقول: لعِبرةً وعِظَةً لمن خاف عقابَ اللهِ وعذابَه في الآخرةِ من عبادِه، وحجةً عليه لربِّه، وزاجِرًا يَزْجُرُه عن أن يَعْصِيَ اللهَ ويُخالِفَه فيما أمَره ونهاه. وقيل: بل معنى ذلك: إن فيه عبرةً لمن خاف عذابَ الآخرةِ؛ إنّ اللهَ سيَفِى له بوَعْدِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾: إنا سوف نَفِي لهم بما وعَدْناهم في الآخرةِ، كما وفَّيْنا للأنبياءِ أنا نَنْصُرُهم (١). وقولُه: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾. يقولُ : هذا اليومُ، يعنى يومَ القيامةِ، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾، يقولُ: يَحْشُرُ اللهُ له الناسَ مِن قبورِهم، فيَجْمَعُهم فيه للجزاءِ والثوابِ والعقابِ، ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. يقولُ: وهو يومٌ تَشْهَدُه الخلائقُ، لا يَتَخَلَّفُ عنه منهم أحدٌ، فيُنْتَقَمُ حينَئذٍ ممن عصَى اللهَ، وخالَف أمرَه، وكذَّب رسلَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبى بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. قال: يومُ

стр. 8647

القيامةِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن عكرمةَ، مثلَه. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسُفَ المَكِّيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الشاهدُ محمدٌ ﷺ ، والمشهودُ يومُ القيامةِ. ثم قرَأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (٢) حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاج بن المنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عليِّ بنِ زيدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ القيامةِ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. حُدِّثْتُ عن المسيبِ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. قال: ذاك يومُ القيامةِ، يَجْتَمِعُ فيه الخلقُ كلُّهم، ويَشْهَدُه أهلُ السماءِ وأهلُ الأَرضِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾. يقولُ : وما نُؤَخِّرُ يومَ القيامةِ عنكم؛ أن نَجيئَكم به إلّا [لأنّ اللهَ قضَى] (٤) له أجلًا، فعدَّه وأحصاه، فلا يَأْتى به إلا لأجلِه ذلك، لا يَتَقَدَّمُ مجيئُه قبلَ

стр. 8648

ذلك، ولا يَتَأَخَّرُ عنه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ (١) لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾. يقولُ : يومَ يأتى يومُ القيامةِ أيُّها الناسُ، وتقومُ الساعةُ، لا تتكَلَّمُ (٢) نفسٌ إلا بإذنِ ربِّها. واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ، بإثباتِ الياءِ فيها (يومَ يَأْتى لا تَكَلَّمُ نفسٌ) (٣). وقرأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ وبعضُ الكوفيين، بإثباتِ الياءِ فيها في الوَصْلِ، وحذفِها في الوقفِ (٤). وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهل الكوفةِ بحذف الياءِ فى الوصلِ والوقفِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٥). والصوابُ مِن القراءةِ عندى فى ذلك: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ بحذفِ الياءِ في الوصلِ والوقفِ؛ اتِّباعًا لخطِّ المصحفِ (٦)، وأنها لغةٌ معروفةٌ لهذيلٍ، تقولُ: ما أَدْرِ ما تقولُ.

стр. 8649

ومنه قولُ الشاعرِ (١): كَفَّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ درهمَا … جُودًا وأخرى (٢) تُعْطِ بالسيفِ الدَّمَا وقيل: ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾. وإنما هو: لا تَتَكَلَّمُ. فحُذِفت إحدى التاءين؛ اجْتِزاءً بدلالةِ الباقيةِ (٢) منهما عليها. وقولُه: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. [يقولُ: فمِن هذه النفوسِ التي لا تتكَلَّمُ يومَ القيامة إلا بإذن ربِّها، شقيٌّ وسعيدٌ] (٣)، وعاد (٤) على النفسِ، وهى فى ذِكْرِ (٥) واحدةٍ، بذكرِ الجميعِ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ [لأن النفسَ وإن كانت في لفظِ واحدةٍ، فإنها بمعنى الجميعِ، فلذلك قيل: ﴿فَمِنْهُمْ] (٦) شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ [من هذه النفوسِ] (٦)، ﴿فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ (٧) وهو أولُ نُهاقِ الحمارِ وشِبْهِه، ﴿وَشَهِيقٌ﴾. وهو آخرُ نَهِيقِه إذا ردَّده فى الجوفِ عندَ فراغِه مِن نُهاقِه، كما قال رُؤْبةُ بنُ العَجَّاجِ (٨): حشْرَج (٩) في الجوفِ سحِيلًا أو شَهَقْ

стр. 8650

حتى يُقالَ ناهِقٌ وما نهَقْ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. يقولُ: صوتٌ (١) شديدٌ، وصوتٌ ضعيفٌ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] (٣)، عن أبي العاليةِ فى قولِه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. قال: الزفيرُ في الحَلْقِ، والشهيقُ في الصدرِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ ابن أنسٍ، عن أبى العاليةِ بنحوِه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: صوتُ الكافرِ فى النارِ صوتُ الحمارِ، أولُه زَفيرٌ، وآخرُه شَهِيقٌ (٤). حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ ومحمدُ بنُ مَعْمَرٍ البَحْرانيُّ ومحمدُ بن المُثَنَّى ومحمدُ ابنُ بَشَّارٍ، قالوا: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ سفيانَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ
следующие страницы →