← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: معتدلٌ عندَ اللهِ منكم أيها الناسُ، الذي أسرَّ القولَ والذي جهَر به، والذي ﴿هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ في ظلمتِه بمعصيةِ اللهِ، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. يقولُ: وظاهرٌ بالنهارِ في ضوئِه، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك، سواءٌ عنده سِرُّ خلقِه وعلانيتُهم؛ لأنه لا يَسْتَسِرُ عندَه شيءٌ ولا يَخْفَى. يُقَالُ منه: سَرَب يَسْرُب سُروبًا. إذا ظهرَ، كما قال قيسُ بنُ الخَطِيمِ (١): أَنَّى سَرَبْتِ (٢) وكنتِ غيرَ سَروبِ … وتُقَرِّبُ الأَحْلامُ غيرَ قَرِيبٍ (٣). يَقُولُ: كيف سرَبتِ (٤) بالليل بُعد هذا الطريقِ، ولم تَكُونِى تَبْرُزِين وتَظْهَرِين. وكان بعضُهم يَقُولُ: هو السالكُ في سِرْبِه: أي في مَذهبِه ومكانِه. واختلَف أهلُ العلم بكلامِ العربِ في السرْبِ؛ فقال بعضُهم: هو آمنٌ في سَربِه، بفتحِ السينِ، فقال (٥) بعضُهم: هو آمنٌ في سِربِه، بكسرِ السين. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ

стр. 9172

مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. يقولُ: هو صاحبُ رِيبةٍ مستخفٍ بالليلٍ، وإذا خرَج بالنهارِ أرى الناس أنه بريءٌ من الإثمِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. قال: ظاهرٌ (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن عوفٍ، عن أبي رجاءٍ في قولِه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. قال: إن الله أعلمُ بهم (٣)، سواءٌ من أسرَّ القولَ، ومن جهَر به، ومن هو مستخفٍ بالليلِ، وساربٌ بالنهارِ. حدَّثنا الحسنُ (٤) بنُ محمدٍ، قال: ثنا عليٌّ بنُ عاصمٍ، عن عوفٍ، عن أبي رجاءٍ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. قال: من هو مستخفٍ في بيتِه، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. ذاهبٌ على وجهه؛ علمُه فيهم واحدٌ (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾. يَقولُ: السرُّ والجهْرُ عندَه سواءٌ، ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (٦). أما المستخفى ففى بيتِه، وأما الساربُ: الخارجُ بالنهارِ، حيثما كان المستخفِى غيبُه الذي يَغِيبُ فيه،

стр. 9173

والخارجُ عندَه سواءٌ. قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصَيفٍ، في قولِه: ﴿مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. [قال: راكبٌ رأسَه في المعاصى] (١)، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. قال: ظاهرٌ بالنهارِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾: كلُّ ذلك عندَه ﵎ سواءٌ، السرُّ عندَه علانيةٌ، قولَه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: أي: في ظلمةِ الليلِ، ﴿وَسَارِبٌ﴾: أي ظاهرٌ بالنهارِ (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿وَسَارِبٌ﴾. قال: ظاهرٌ بالنهارِ. و "مَن" في قولِه: ﴿مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. رفعٌ؛ الأولى منهنّ بقوله سواءٌ، والثانيةُ معطوفةٌ على الأولى، والثالثةُ على الثانيةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾.

стр. 9174

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: للَّهِ تعالى ذكرُه مُعَقِّباتٌ. قالوا: و (١) الهاءُ في قولِه: ﴿لَهُ﴾ من ذكرِ اسمِ اللَّهِ، والمعقِّباتُ: التي تَتعَقَّبُ (٢) على العبدِ، وذلك أن ملائكةَ الليلِ إذا صَعِدت بالنهارِ، أعقَبتها ملائكةُ النهارِ، فإذا انقضى النهارُ، صعِدت ملائكةُ النهارِ، ثم أعقَبتها ملائكةُ الليلِ. وقالوا: و (١) قيل: معقِّباتٌ. والملائكةُ جمعُ مَلَكٍ، مذكرٌ غيرُ مؤنثٍ، وواحدُ الملائكةِ معقِّبٌ، وجماعتُها مُعقِّبةٌ، ثم جُمِع جمعُه، أعنى جمعَ معقِّبٍ بعدَما جُمِع معقبةً، فقيلَ: معقِّباتٌ. كما قيل: أبناواتُ سعدٍ، ورجالاتُ بنى فلانٍ، جمعُ رجالٍ. وقولُه: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. [يعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: من قُدَّامِ هذا المستخفى بالليلِ، والساربِ (٣) بالنهارِ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾] (٤): من وراءِ ظهرِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ - يعنى ابنَ زاذانَ -، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: الملائكةُ (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ السلامِ بن صالحٍ القُشَيريُّ، قال: ثنا

стр. 9175

عليُّ بنُ جريرٍ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ، عن كنانةَ العدويِّ، قال: دخَل عثمانُ بنُ عفَّانَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أخبِرْنى عن العبدِ كم معه من مَلَكٍ؟ قال: "مَلَكٌ على يمينِك؛ على حسناتِك، وهو أمينٌ (١) على الذي على الشِّمالِ، فإذا عمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْرًا، وإذا عمِلْتَ سيِّئَةً، قال الذي على الشِّمالِ للذى على اليَمينِ: أكْتُبُ؟ قال: لا، لعَلَّه يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ويَتوبُ. فإذا قال ثَلاثًا، قال: نعم، اكْتُبْ، أرَاحَنا اللَّهُ منه، فبئْسَ القَرِينُ، ما أقَلَّ مُرَاقَبَتَه للَّهِ، وأقَلَّ اسْتِحْياءَه منَّا. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. ومَلَكانِ من بين يَديْك ومن خَلْفِك، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. ومَلَكٌ قابِضٌ على ناصيتِكَ، فإذا تَوَاضَعْتَ للَّهِ رفَعك، وإذَا تَجَبَّرْتَ على اللَّهِ قَصَمك، ومَلَكانِ على شَفَتَيْك ليس يَحْفَظان عليك إلا الصَّلاةَ على مُحَمَّدٍ، ومَلَكٌ قائمٌ على فِيك، لا يَدَعُ الحَيَّةَ تَدْخُلُ فِي (٢) فِيك، ومَلَكانِ على عينيك، فهؤلاء عَشَرَةُ أمْلاكٍ على كُلَّ آدَميٍّ، ينزِلُونَ مَلائِكَةُ [اللَّيْلِ على مَلائِكَةِ] (٣) النَّهارِ؛ [لأن ملائكةَ الليلِ سوى ملائكةِ النهارِ] (٤)، فهؤلاء عِشْرُون مَلَكًا على كُلَّ آدَمِىٍّ، وَإبْليِسُ بالنَّهارِ، وولَدُه باللَّيْلِ" (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ [وَمِنْ خَلْفِهِ﴾] (٦): الملائكةُ

стр. 9176

﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ﴾. قال: مع كلِّ إنسانٍ حَفَظةٌ يَحفَظونه من أمرِ اللَّهِ. قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: فالمعقباتُ هنَّ (٢) من أمرِ اللَّهِ، وهى الملائكةُ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: ملائكةٌ يَحْفَظونه من بين يديه ومن خلفِه، فإذا جاء قَدَرُه خَلَّوا عنه (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، فإذا جاء القدَرُ خَلَّوا عنه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ،

стр. 9177

قال: الحفَظَةُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: ملائكةٌ. حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا يَعْلى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. قال: ملائكةُ الليلِ يَعْقُبون ملائكةَ النهارِ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: هذه ملائكةُ الليلِ يَتَعَاقَبُون فيكم بالليلِ والنهارِ، وذُكِر لنا أنهم يَجْتَمِعُون عندَ صلاةِ العصرِ وصلاةِ الصبحِ. وفى قراءةِ أبيِّ بن كعبٍ: (له معقِّباتٌ من بين يديه، ورقيبٌ من خلفِه، يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ) (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾. قال: ملائكةٌ يَتَعَاقَبونه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: الملائكةُ. قال ابن جريجٍ: معقِّباتٌ، قال: الملائكةُ تَعَاقبُ الليلَ والنهارَ، وبلَغنا أن النبيَّ ﷺ قال: "يَجْتَمِعُون (٣) فيكم عندَ صلاةِ العصرِ وصلاةِ الصبحِ". وقولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال ابن جريجٍ: مثلُ قولِه: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. قال:

стр. 9178

الحسناتُ من بين يدَيْه، والسيئاتُ من خلفِه؛ الذي عن يمينِه يكتُبُ الحسناتِ، والذي عن شمالِه يكتُبُ السيئاتِ. حدَّثنا سَوّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ ليثًا يحدِّثُ عن مجاهدٍ، أنه قال: ما من عبدٍ إلا له (١) ملَكٌ مُوَكَّلٌ بِحفظِه في نومِه ويقظتِه، من الجنِّ والإنسِ والهوامِّ، فما منها شيءٌ يأتيه يُريدُه إلا قال: وراءَك. إلا شيئًا يَأْذَنُ اللَّهُ فيه، فيُصِيبُه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: يعنى: الملائكةُ. وقال آخرون: بل عنَى بالمعقِّباتِ في هذا الموضعِ: الحرسَ الذي يتعاقبُ على الأميرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفَاعيُّ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: [ذكَر مَلِكًا] (٣) من ملوكِ الدنيا له حرسٌ، من دونِه حرسٌ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. يعنى: وليُّ

стр. 9179

السُّلطانِ (١) يَكُونُ عليه الحرسُ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن شَرَقيٍّ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: هؤلاء الأمراءُ (٣). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عمرُ (٤) بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: المواكبُ من بين يدَيْه ومن خلفِه (٥). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: [ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ] (٦) في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: هو السلطانُ [المحترسُ من أمرِ اللَّهِ] (٧)، وهم أهلُ الشركِ (٨). وأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ قولُ مَنْ قال: الهاءُ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. من ذِكرِ "مَنْ" التي في قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. وأن

стр. 9180

المعقِّباتِ من بين يديه ومن خلفِه، هي حَرَسُه وجَلاوِزَتُه (١) كما قال ذلك من ذكَرنا قولَه. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصوابِ؛ لأن قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. أقربُ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. منه إلى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾؛ فهى لقربِها منه أولى بأن تكُونَ من ذكْرِه، وأن يكُونَ المعنيُّ بذلك هذا، مع دَلالةِ قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. على أنهم المعنِيُّون بذلك، وذلك أنه جلَّ ثناؤُه ذكَر قومًا أهلَ معصيةٍ له وأهلَ رِيبةٍ، يَسْتَخْفُون بالليلِ، ويَظْهَرُون بالنهارِ، ويَمْتَنِعُون عندَ أنفسِهم بحرسٍ يَحْرُسُهم، ومَنَعَةٍ تَمْنَعُهم من أهلِ طاعتِه، أن يَحُولوا بينَهم وبينَ ما يَأْتُون من معصيةِ اللَّهِ، ثم أخبَر أن اللَّهَ تعالى ذكرُه إذا أراد بهم سوءًا لم يَنْفَعْهم حرسُهم، ولا يَدْفَعُ عنهم حِفْظُهم. وقولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذا الحرفِ على نحوِ اختلافِهم في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. فمَنْ قال: المعقباتُ هي الملائكةُ. قال: الذين يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ هم أيضًا الملائكةُ. ومَنْ قال: المعقباتُ هي الحرسُ والجلاوزةُ من بنى آدمَ، قال: الذين يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ هم أولئك الحرسُ. واختلَفوا أيضًا في معنى قولِه: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. فقال بعضُهم: حِفْظُهم إياه: من أمرِه. وقال بعضُهم: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: بأمرِ اللَّهِ.

стр. 9181

ذكرُ مَن قال: الذين يَحْفَظُونه هم الملائكةُ. ووَجَّه قولَه: بأمرِ اللَّهِ. إلى معنى: أن حفظَها إياه من أمرِ اللَّهِ حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: بإذنِ اللَّهِ، فالمعقِّباتُ: هي (١) من أمرِ اللَّهِ، وهى الملائكةُ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الملائكةُ الحَفَظةُ، وحِفْظُهم إياه من أمرِ اللَّهِ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: ثنى عبدُ الملكِ، عن ابن عبيدِ اللَّهِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الحَفَظَةُ هم من أمرِ اللَّهِ. قال: ثنا عليٌّ - يعنى ابنَ عبدِ اللَّهِ بن جعفرٍ - قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ رقباءُ (٤)، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. من أمرِ اللَّهِ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ (٥). قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الجارودِ، عن ابن عباسٍ:

стр. 9182

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾. رقيبٌ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الملائكةُ من أمرِ اللَّهِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الملائكةُ من أمرِ اللَّهِ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الحَفَظةُ. ذكرُ مَن قال: عُنِى بذلك: يَحْفَظُونه بأمرِ (٢) اللَّهِ حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أي بأمرِ اللَّهِ (٣). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: وفى بعضِ القراءةِ (٤): (بأمرِ اللَّهِ) (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ،

стр. 9183

عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: مع كلِّ إنسانٍ حفظةٌ يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ. ذكرُ مَنْ قال: تَحْفَظُه الحرسُ من بنى آدمَ من أمرِ اللَّهِ حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. يعنى: وليُّ السلطانِ (١) يَكُونُ عليه الحرسُ، يحفَظُونه من بين يديه ومن خلفِه، يَقُولُ اللَّهُ : يَحْفَظُونَه من أمرِى، فإنى إذا أردتُ بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له، وما لهم من دونِه من والٍ (٢). حدَّثني أبو هريرةَ الضُّبَعيُّ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، قال: ثنا شعبةُ (٣)، عن شَرَقيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الجلاوزةُ (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ، وأمرُ اللَّهِ: الجنُّ ومَنْ يَبْغِى أذاه ومكروهَه قبلَ مجئِ قضاءِ اللَّهِ، فإذا جاء قضاؤُه خَلَّوا بينَه وبينَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو هريرةَ الضُّبَعيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا ورقاءُ، عن منصورٍ، طلحةَ، عن إبراهيمَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: من الجنِّ (٥). حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا المعتمِرُ، قال: سمِعتُ ليثًا يُحَدِّثُ عن

стр. 9184

مجاهدٍ أنه قال: ما من عبدٍ إلا له (١) ملَكٌ مُوَكَّلٌ بحفظِه في نومِه ويقظتِه من الجنِّ والإنسِ والهوامِّ، فما منهم شيءٌ يأتيه يُرِيدُه، إلا قال: وراءَك. إلا شيئًا يَأْذَنُ اللَّهُ فيه (٢) فيُصِيبُه (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن محمدِ بن زيادٍ الأَلْهَانيِّ، عن يزيدَ بن شُرَيحٍ، عن كعبِ الأحبارِ، قال: لو تجلَّى لابنِ آدمَ كلُّ سهلٍ وحَزْنٍ، لرأَى على (٤) كلِّ شيءٍ من ذلك شياطينَ (٥)، لولا أن اللَّهَ وكَّلَ بكم ملائكةً يَذُبُّون عنكم في مطعمِكم ومشربِكم وعوراتِكم، إذنْ لتُخُطِّفتم (٦). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا عُمارةُ بنُ أبى حفصةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: جاء رجلٌ مِن مُرادٍ إلى عليٍّ ﵁ وهو يصلِّي، فقال: احترِسْ، فإن ناسًا من مُرادٍ يُرِيدُون قتلَك. فقال: إن مع كلِّ رجلٍ مَلَكين يَحْفَظَانه مما لم يُقَدَّرْ، فإذا جاء القدَرُ خَلَّيا بينَه وبينَه، وإن الأجلَ جُنَّةٌ حصينةٌ (٦). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن الحسنِ بن ذَكوانَ، عن أبى غالبٍ، عن أبي أُمامةَ، قال: ما من آدميٍّ إلا ومعه مَلَكٌ (٧) يَذُودُ عنه، حتى يُسْلِمَه للذى قُدِّر له (٦).

стр. 9185

وقال آخرون: معنى ذلك: يَحْفَظُون (١) عليه من (٢) اللَّهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: يَحْفَظُون عليه من اللَّهِ. قال أبو جعفرٍ: يعنى ابن جريجٍ بقولِه: يحفَظُون عليه. الملائكةَ الموكَّلةَ بابنِ آدمَ؛ بحفظِ حسناتِه وسيئاتِه، وهى المعقِّباتُ عندَنا، تَحْفَظُ على ابن آدمَ حسناتِه وسيئاتِه من أمرِ اللَّهِ. وعلى هذا القولِ يَجِبُ أن يَكُون معنى قولِه: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أن الحَفَظَةَ من أمرِ اللَّهِ، أو تحفَظُ بأمرِ اللَّهِ، ويجِبُ أن تكونَ الهاءُ التي في قولِه: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾. وُحِّدت وذُكِّرت. وهى مرادٌ بها الحسناتُ والسيئاتُ؛ لأنها كنايةٌ عن ذِكْرِ "من" الذي هو مستخفٍ بالليلِ، وساربٌ بالنهارِ، وأن يَكُونَ المستخفى بالليلِ، أُقيم ذكرُه مُقامَ الخبرِ عن سيئاتِه وحسناتِه، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. وكان عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ يقُولُ في ذلك خلافَ هذه الأقوالِ كلِّها. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَار﴾. قال: أتى عامرُ بنُ الطفيلِ، وأرْبَدُ بنُ رَبيعةَ (٣) إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال عامرٌ: ما تَجْعَلُ لى إنْ أنا اتبَعتُك؟ قال: "أنتَ فارِسٌ

стр. 9186

أُعْطِيك أعِنَّةَ الخَيْلِ" قال: فقط (١)! قال: "فما تَبْغى؟ " قال: لى الشرقُ ولك الغربُ. قال: "لا". قال: فلى الوَبَرُ، ولك المدَرُ. قال: "لا". قال: لأَمْلأَنَّها عليك إذنْ خَيلًا ورجالًا. قال: "يَمْنَعُكَ اللَّهُ ذَاكَ، [وابنا قَيْلةَ] (٢). يريدُ الأوسَ والخزرجَ، قال: فخرَجا، فقال عامرٌ لأرْبَدَ: إن كان الرجلُ لنا لمُمَكَّنًا (٣)، لو قتلناه ما انتطحت فيه عنزان، ولَرضُوا بأن نَعْقِلَه لهم، [وأحبوا السِّلمَ] (٤)، وكَرِهوا الحربَ إذا رأَوا أمرًا قد وقَع. فقال الآخرُ: إن شئتَ. فتشاورا، وقال: ارجِعْ وأنا أَشْغَلُه عنك بالمجادلةِ، وكن وراءَه، فاضرِبْه بالسيفِ ضربةً واحدةً. فكانا كذلك، واحدٌ وراءَ النبيِّ ﷺ ، والآخرُ قال: افصُصْ علينا (٥) قَصصَك. قال: "ما [تَقُولُ؟ " قال: قرآنُك] (٦). فجعَل يجادِلُه ويَسْتَبْطِئُه، حتى قال له: ما لك حُشِمتَ (٧)؟ قال: وضَعتُ يدى على قائمِ سيفى فيبِست (٨)، فما قَدَرْتُ على أن أُحْلِىَ ولا أُمِرَّ (٩) ولا أحرِّكَها. قال: فخرَجا؛ فلما كانا بالحرَّةِ سمِع بذلك سعدُ بنُ مُعاذٍ وأُسيدُ بنُ حُضَيرٍ، فخرَجا إليهما (١٠)، على كلِّ واحدٍ منهما لأْمَتُه، ورمُحه بيدِه، وهو متقلِّدٌ سيفَه، فقالا لعامرِ بن

стр. 9187

الطفيلِ: يا أعورُ جئتنا (١) يا أبلَخُ (٢)، أنت الذي تشرُطُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟! لولا أنك في أمانٍ من رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ما رِمْتَ (٣) المنزلَ حتى نضرِبَ (٤) عنقَك، ولكن لا تُسْتبقَيَنَّ. وكان أشدَّ الرجلين عليه أُسيدُ بنُ حُضَيرٍ، فقال: لو كان أبوه حيًّا لم يَفْعَلْ بى هذا. ثم قال لأربدَ: اخرُجْ أنت يا أربدُ إلى ناحيةِ عَدَنةَ (٥)، وأَخْرُجُ أنا إلى نجدٍ، فنجمَعُ الرجالَ، فنلتقِى عليه. فخرَج أربدُ حتى إذا كان بالرَّقَمِ (٦) بعَث اللَّهُ سحابةً من الصيفِ فيها صاعقةٌ فأحرَقته. قال: وخرَج عامرٌ، حتى إذا كان بوادٍ يقالُ له: الجُرَيرُ (٧). أرسَل اللَّهُ عليه الطاعونَ، فجعَل يَصِيحُ: يا آلَ عامرٍ، أغُدَّةٌ كغُدَّةِ البَكْرِ (٨) تَقْتُلُنى؟ [يا آلَ] (٩) عامرٍ، أَغُدَّةٌ كغُدةِ البَكْرِ تَقْتُلُنى، وموتٌ أيضًا في بيتِ سَلُوليةٍ، وهى امرأةٌ من قيسٍ. فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ فقرَأ (١٠) حتى بلَغ: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾. تلك المعقِّباتُ من أمرِ اللَّهِ، هذا مقدَّمٌ ومؤخرٌ؛ لرسولِ اللَّهِ ﷺ لا معقباتٌ يَحْفَظُونه من بين يديه ومن خلفِه، تلك المعقباتُ من أمرِ اللَّهِ، وقال لهذين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ فقرأ حتى

стр. 9188

بلَغ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٣، ١٤]. قال: وقال لَبيدٌ في أخيه أربَدَ، وهو يَبْكِيه (١): أخشَى على أربدَ الحُتُوفَ (٢) ولا … أرهبُ نَوْءَ السِّمَاكِ (٣) والأَسَدِ فجَّعنى الرعدُ والصواعقُ (٤) بالـ … ـفارسِ يومَ الكريهةِ النجُدِ (٥) قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله ابن زيدٍ في تأويلِ هذه الآيةِ، قولٌ بعيدٌ من تأويلِ الآيةِ، مع خلافِه أقوالَ من ذكَرنا قولَه من أهلِ التأويلِ، وذلك أنه جعَل الهاءَ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. من ذكرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولم يَجرِ له في الآيةِ التي قبلَها، ولا في التي قبلَ الأخرى ذكرٌ، إلا أن يَكُونَ أراد أن يردُّها على قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. فإن كان أراد (٦) ذلك، فذلك بعيدٌ لما بينَهما من الآياتِ، بغيرِ ذكرِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . وإذا كان كذلك، فكونُها عائدةً على "مَن" التي في (٧) قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. أقربُ؛ لأنه قبلَها، والخبرُ بعدَها عنه، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ

стр. 9189

الكلامِ: سواءٌ منكم أيها الناسُ من أسرَّ القولَ ومن جَهَر به عند ربِّكم، ومن هو مستخفٍ بفسقِه وريبتِه (١) في ظلمةِ الليلِ، وساربٌ يَذْهَبُ ويَجِئُ في ضوءِ النهار، ممتنعًا بجندِه وحَرَسِه الذين يَتَعَقَّبُونه من أهلِ طاعةِ اللَّهِ، أن يَحُولُوا بينَه وبينَ ما يأتى من ذلك، وأن يُقِيموا حدَّ اللَّهِ عليه، وذلك قولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بقومٍ من عافيةٍ ونعمةٍ، فيُزِيلُ ذلك عنهم ويُهْلِكُهم، حتى يُغَيِّرُوا ما بأنفسِهم من ذلك، بظلمِ بعضِهم بعضًا، واعتداءِ بعضِهم على بعضٍ، فيُحِلَّ (٢) بهم حينئذٍ عقوبتَه وتغييرَه. وقولُه: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. يقولُ: وإذا أراد اللَّهُ بهؤلاء الذين يسْتَخْفُون بالليلِ، ويَسْرُبون (٣) بالنهارِ، لهم [جندٌ و] (٤) مَنَعَةٌ من بين أيديهم ومن خلفِهم، يَحْفَظُونهم من أمرِ اللَّهِ، - هلاكًا وخزيًا (٥) في عاجلِ الدنيا، ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. يقولُ: فلا يَقْدِرُ على ردِّ ذلك عنهم أحدٌ غيرُ اللَّهِ. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾. يقولُ: وما لهؤلاء القومِ - والهاءُ والميمُ في "لهم" من ذكرِ (٦) القومِ الذين في قولِه: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ - من دونِ اللَّهِ من والٍ (٧) يَليهم، ويَلِى أمرَهم وعقوبتَهم.

стр. 9190

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: السُّوءُ الهَّلكةُ. ويقولُ: كلُّ جُذامٍ وبرصٍ وعَمًى وبلاءٍ عظيمٍ فهو "سُوءٌ" مضمومُ الأوّلِ، وإذا فُتِح أولُه فهو مصدرُ "سُؤْت"، ومنه قولُهم: رجلُ سَوْءٍ. واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ: معنى قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾: ومن هو ظاهرٌ بالليلِ، من قولِهم: خَفَيْتُ الشئَ، إذا أظهرتَه، وكما قال امرؤُ القيسِ (١): فإن تَكْتُمُوا الداءَ لا نَخْفِه … وإن تَبْعَثُوا الحربَ لا نَقْعُدِ وقال: وقد قُرِئ: (أكادُ أَخْفِيها) (٢) [طه: ١٥]. بمعنى: أُظْهِرُها. وقال في قولِه: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: الساربُ هو المتوارِى. كأنه وجَّهَه إلى أنه صار في السَّرَبِ بالنهارِ مستخفيًا. وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ والكوفةِ: إنما معنى ذلك ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾، أي مستَتِرٌ بالليلِ، من الاستخفاءِ، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، وذاهبٌ بالنهارِ، من قولِهم: سَرَبَت الإبلُ إلى الرَّعْى. وذلك ذهابُها إلى المراعى، وخروجُها إليها وقيل: إن السُّروبَ بالعشيِّ، والسُّروحَ بالغداةِ. واختلَفوا أيضًا في تأنيثِ "معقِّبات"، وهى صفةٌ لغيرِ الإناثِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إنما أُنِّثَتْ لكثرةِ ذلك منها، نحوَ نَسَّابةٍ وعلّامةٍ، ثم ذُكِّر؛ لأن المعنى مذكرٌ، فقال: يَحْفَظُونه.

стр. 9191

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما هي ملائكةٌ مُعَقِّبةٌ، ثم جُمِعت معقباتٍ، فهو جمعُ جمعٍ، ثم قيل: يَحْفَظُونه؛ لأنه للملائكةِ. وقد تقدَّم قولُنا في معنى المستخفى بالليلِ والساربِ بالنهارِ. وأما الذي ذكرناه عن نحويِّى البصريين في ذلك فقولٌ - وإن كان له في كلامِ العربِ وجهٌ - خلافٌ لقولِ أهلِ التأويلِ، وحَسْبُه (١) من الدلالةِ على فسادِه خروجُه عن قولِ جميعِهم. وأما المعقباتُ، فإن التعقيبَ في كلامِ العربِ العَودُ بعدَ البدءِ، والرجوعُ إلى الشئِ بعدَ الانصرافِ عنه، من قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠]، أي: لم يَرْجِعْ، وكما قال سَلَامةُ بنُ جَنْدلٍ (٢): وكَرُّنا الخيلَ في آثارِها رُجُعًا … كُسَّ السَّنابِكِ من بدءٍ وتَعقيبِ يعنى: في غزوٍ ثانٍ عَقَّبوا؛ وكما قال طَرَفَةُ (٣): ولقد كنتُ عليكم عاتِبًا … فعَقَبْتُم بِذَنُوبٍ غيرِ مُرّْ يعنى بقولِه: عَقَبتم: رجَعْتم. وأتاها التأنيثُ عندَنا، وهى من صفةِ الحَرَسِ الذين يحرُسُون المستخفىَ بالليلِ والساربَ بالنهارِ؛ لأنه عُنِى بها حَرَسٌ معقِّبةٌ، ثم جُمِعت المعقبةُ، فقيل: معقباتٌ. فذلك جمعُ جمعِ المعقِّبِ، والمعقبُ: واحدُ المعقبةِ، كما قال لبيدٌ (٤):

стр. 9192

حتى تهَجَّرَ في الرَّواحِ وهَاجَهُ … طَلَبَ المُعَقِّبِ حَقَّه المظلومُ والمعقباتُ جمعُها، ثم قال: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾. فردَّ الخبرَ إلى تذكيرِ الحرسِ والجندِ. وأما قولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. فإن أهلَ العربيةِ اختلَفوا في معناه؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: معناه: له معقباتٌ من أمرِ اللَّهِ يَحْفَظُونه، وليس من أمرِه، إنما هو تقديمٌ وتأخيرٌ. قال: ويَكُونُ يَحْفَظونه ذلك الحفظَ مِن أمرِ اللَّهِ وبإذنِه، كما تقولُ للرجلِ: أجَبتُك مِن دعائِك إياى، وبدعائِك إياى. وقال بعضُ نحويِّى البصريين: معنى ذلك: يَحْفَظونه عن أمرِ اللَّهِ، كما قالوا: أطعَمنى مِن جوعٍ وعن جوعٍ، وكسانى من عُرْىٍ وعن عُرْىٍ. وقد دلَّلنا فيما مضَى على أن أولى القولِ بتأويلِ ذلك: أن يكونَ قولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ مِن صفةِ حَرَسِ هذا المسْتَخفِى بالليلِ، وهى تَحْرُسُه ظنًّا منها أنها تَدْفَعُ عنه أمرَ اللَّهِ، فأخبَر تعالى ذكرُه، أن حَرَسَه تلك لا تُغْنِى عنه شيئًا إذا جاءه أمرُه، فقال: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾: يعنى أن الربَّ هو الذي يُرِى عبادَه البَرقَ. وقولُه: ﴿هُوَ﴾ كنايةُ اسمِه جلَّ ثناؤُه. وقد بيَّنا معنى البرقِ فيما مضَى، وذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا

стр. 9193

الموضعِ (١). وقولُه: ﴿خَوْفًا﴾. يقولُ: خوفًا للمسافرِ مِن أذاه. وذلك أن البرقَ الماءُ في هذا الموضعِ، كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرَنا موسى بنُ سالمٍ أبو جهضَمٍ، مولى ابن عباسٍ، قال: كتَب ابن عباسٍ إلى أبى الجَلْدِ يسألُه عن البرقِ، فقال: البرقُ الماءُ (٢). وقولُه: ﴿وَطَمَعًا﴾. يقولُ: وطمَعًا للمُقيمِ أن يُمْطَرَ فَيَنْتَفِعَ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. يقولُ: خوفًا للمسافرِ في أسفارِه؛ يَخافُ أذاه ومشقتَه، وطَمَعًا للمقيمِ؛ يَرْجُو بَرَكتَه ومنفعتَه، ويَطْمعُ في رزقِ اللَّهِ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: خوفًا للمسافرِ، وطمعًا للمقيمِ (٤). وقولُه: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾: ويثيرُ السحابَ الثَّقالَ بالمطرِ، ويُبْدِئُه، يقالُ منه: أنشَأ اللَّهُ السحابَ، إذا أبدَأه، ونشَأ السحابُ: إذا بدَأ. يَنْشَأُ نَشْئًا، والسحابُ في هذا الموضعِ وإن كان في لفظٍ واحدٍ، فإنها جمعٌ، واحدتُها سحابةٌ، ولذلك (٥) قال: ﴿الثِّقَالَ﴾، فنعَتها بنعتِ الجمعِ، ولو كان جاء: السحابَ الثقيلَ. كان جائزًا، وكان توحيدًا للَفظِ السحابِ، كما قيل: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠].

стр. 9194

وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾. قال: الذي فيه الماءُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا (٢) عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾. قال: الذي فيه الماءُ. وقولُه: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾. قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا معنى الرعدِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣). وذُكِرَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا سمِع صوتَ الرعدِ، قال كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا جعفرٌ، قال: بلَغنا أن

стр. 9195

النبيَّ ﷺ كان إذا سمِع صوتَ الرعدِ الشديدَ، قال: "اللَّهُمَّ لَا تَقْتلْنا بغضَبِك، ولَا تُهْلِكُنا بعذَابِك، وعافِنا قبلَ ذلك" (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبيه، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ، رفَع الحديثَ: "أنه كان إذا سمِع الرعدَ قال: "سُبحانَ مَن يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِه" (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مَسْعَدةُ بنُ اليَسَعِ الباهليُّ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ، ﵁، كان إذا سمِع صوتَ الرعدِ، قال: سبحانَ مَن سَبَّحْتَ لهُ (٣). قال: ثنا إسماعيلُ ابن عُليَّةَ، عن الحكَمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنه كان إذا سمِع الرعدَ، قال: سبحانَ الذي سَبَّحْتَ له (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا يَعْلَى بنُ الحارثِ، قال: سمِعتُ أبا صخرةَ يُحَدِّثُ عن الأسودِ بن يزيدَ، أنه كان إذا سمِع الرعدَ، قال: سبحانَ مَن سَبَّحْتَ له. أو: سبحانَ الذي يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِه، والملائكةُ مِن خِيفتِه (٥).

стр. 9196

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، وعبدِ الكريمِ، عن طاوسٍ، أنه كان إذا سمِع الرعدَ، قال: سبحانَ مَن سبحتَ له (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن (٢) ميسرةَ، عن الأوزاعيِّ، قال: كان ابن أبى زكريا يقولُ: مَن قال حينَ يَسْمَعُ الرعدَ: سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه، لم تُصِبْه صاعقةٌ (٣). ومعنى قولِه: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾: ويُعَظِّمُ اللَّهَ الرعدُ ويُمَجِّدُه، فيُثْنِى عليه بصفاتِه، ويُنَزِّهُه مما أضاف إليه أهلُ الشركِ به، ومما وصَفوه به، مِن اتخاذِ الصاحبةِ والولدِ، تعالى ربُّنا وتَقَدَّس. وقولُه: ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾. يقولُ: وتُسَبِّحُ الملائكةُ مِن خيفةِ اللَّهِ ورَهْبَتِه. وأما قولُه: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾، فقد بيَّنا معنى الصاعقةِ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه، بما فيه الكفايةُ مِن الشواهدِ، وذكَرْنا ما فيها مِن الروايةِ (٤). وقد اخْتُلف فيمَن أُنْزِلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلت في كافرٍ مِن الكفارِ، ذكَر اللَّهَ تعالى وتَقَدَّس، بغيرِ ما يَنْبَغى ذكرُه (٥)، فأرسَل عليه صاعقةً أهْلَكَتْه.

стр. 9197

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا أبانُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا أبو عمرانَ الجَوْنيُّ، عن عبدِ الرحمنِ بن صُحارٍ (١) العبديِّ، أنه بلَغه أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ بعَث إلى جبَّارٍ (٢) يَدْعوه، فقال: أرأيتم ربَّكم، أذَهَبٌ هو، أم فِضةٌ [هو، أم لُؤْلُؤٌ] (٣) هو؟ قال: فبينا هو يُجادِلُهم، إذ بعَث اللَّهُ سحابةً فرعَدت، فأرسَل اللَّهُ (٤) عليه صاعقةً، فذهَبت بقِحْفِ (٥) رأسِه، فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٦). حدَّثني المُثَنَّى، قال (٧): ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبي بكرِ بن عياشٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: جاء يهوديٌّ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: أخبِرْنى عن ربِّك، مِن أيِّ شيءٍ هو؟ مِن لؤلؤٍ أو من ياقوتٍ؟ فجاءت صاعقةٌ فأخَذته، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٨). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن ليثٍ، عن

стр. 9198

مجاهدٍ مثلَه. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا محمدُ، حدَّثْنى، مَن هذا الذي تَدْعو إليه؟ أيَاقوتٌ هو، أذهَبٌ هو، أم ما هو؟ قال: فنزَلت على السائلِ الصاعقةُ فأحْرَقَته، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية (١). حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الوهابِ، قال: ثنى عليُّ بنُ أبى سارةَ الشَّيْبَانيُّ، قال: ثنا ثابتٌ البُنانيُّ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بعَث النبيُّ ﷺ مرَّةً رجلًا إلى رجلٍ من فراعنةِ العربِ: أنِ: "ادْعُهُ لى". فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنه أعتَى مِن ذلك. قال: "اذْهَبْ إليه فادْعُه". قال: فأتاه، فقال: رسولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعوك. فقال: مَن رسولُ اللَّهِ؟ وما اللَّهُ؟ أمِن ذَهَبٍ هو، أم مِن فضةٍ، أم مِن نُحاسٍ؟ قال: فأتى الرجلُ النبيَّ ﷺ فأخبرَه، فقال: "ارْجِعْ إَليه فادْعُه". قال: فأتاه فأعاد عليه، وردَّ عليه مثلَ الجوابِ الأوّلِ، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبَره، فقال: "ارْجِعْ إليه فادْعُه". قال: فرجَع إليه، فبينما هما يتراجَعان الكلامَ بينَهما، إذ بعَث اللَّهُ سحابةً بحيالِ رأسِه، فرعَدت، فوقَعت منها صاعقةً، فذهَبت بقِحْفِ رأسِه، فأنزَل الله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٢). وقال آخرون: نزَلت في رجلٍ مِن الكفارِ أنكَر القرآنَ، وكذَّب النبيَّ ﷺ .

стр. 9199

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن رجلًا أنكَر القرآنَ، وكذَّب النبيَّ ﷺ ، فأرسَل اللَّهُ عليه صاعقةً فأهلَكته، فأنزل اللَّهُ فيه: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (١). وقال آخرون: نزَلت في أَرْبَدَ أخى لَبيدِ بن ربيعةَ، وكان هَمَّ بقتلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ هو وعامرُ بنُ الطفيلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: نزَلت، يَعْنى قولَه: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ في أرْبَدَ أخى لبيدِ بن ربيعةَ؛ لأنه قَدِم أرْبَدُ وعامرُ بنُ الطفيلِ بن مالكِ بن جعفرٍ على النبيِّ ﷺ ، فقال عامرٌ: يا محمدُ، أَأُسْلِمُ وأكونُ الخليفةَ من بعدِك؟ قال: ["لا". قال] (٢): فأكونُ على أهلِ الوَبَرِ وأنتَ على أهلِ المَدَرِ؟ قال: "لا". قال: فما ذاك؟ قال: "أُعْطِيك أعِنَّةَ الخيلِ تُقاتِلُ عليها، فإنك رجلٌ فارسٌ". قال: أو ليستْ أعنَّةُ الخيلِ بيَدِى، أما واللَّهِ لأَمْلأنَّها عليك خيلًا ورجالًا (٣) مِن بنى عامرٍ. و (٤) قال لأربَدَ: إما أن تَكْفِيَنيه وأضربَه بالسيفِ، وإما أن أكْفِيكَه وتضربَه بالسيفِ. قال أربدُ: اكْفِنيهِ (٥) وأضربُه. فقال الطفيلُ: يا محمدُ، إن لى إليك حاجةً. قال: "ادْنُ". فلم يَزَلْ يَدْنُو،

стр. 9200

ويقولُ النبيُّ ﷺ : "ادْنُ". حتى وضَع يَدَيه على ركبتيْه، وحنَى عليه، واستلَّ أرْبَدُ السيفَ، فاسْتَلَّ منه قليلًا؛ فلما رأى النبيُّ ﷺ بَرِيقَه، تعوَّذ بآيةٍ كان يَتَعَوَّذُ بها، فيَبِسَت يدُ أربدَ على السيفِ، فبعَث اللَّهُ عليه صاعقةً فأحْرَقَتْه (١)، فذلك قولُ أخيه (٢): أخشى على أرْبَدَ الحتوفَ ولا … أرْهَبُ نَوْءَ السماكِ والأسَدِ فجَّعَنى البرقُ (٣) والصواعقُ بالـ … فارسِ يومَ الكَريهةِ النَّجُدِ (٤) وقد ذكَرتُ قبلُ خبرَ عبدِ الرحمنِ بن زيدٍ بنحوِ هذه القصةِ (٥). وقولُه: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾. يقولُ: وهؤلاء الذين أصابهم اللَّهُ بالصواعقِ، أصابهم بها (٦) في حالِ خُصومتِهم في اللَّهِ لرسولِه ﷺ . وقولُه: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ شديدةٌ مُماحلتُه في عقوبةِ مَن طغَى عليه وعَتَا، وتمادى في كفرِه. والمِحالُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: ما حَلتُ فلانًا. فأنا أُماحِلُه مُماحلةً ومِحالًا، وفَعَلْتُ منه: مَحَلتُ أَمْحَلُ محْلًا: إذا عرَّض رجلٌ رجلًا لما يُهْلِكُه؛ ومنه قولُه: (٧): "وماحلٌ مُصَدَّقٌ" (٨)؛ ومنه قولُ أعشى

стр. 9201

بنى ثعلبةَ (١): فَرْعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصُنِ المجـ … ـدِ غزيرُ النَّدى شديدُ المِحالِ (٢) هكذا كان يُنشِدُه مَعْمرُ بنُ المثنَّى، فيما حُدِّثتُ عن (٣) عليِّ بن المغيرةِ عنه، وأما الرواةُ بعد فإنهم يُنشِدُونه: فرعُ فرعٍ يَهْتَزُّ (٤) في غُصُنِ المجـ … ـدِ كثيرُ (٥) النَّدى عظيمُ المِحَالِ وفسَّر ذلك مَعمرُ بنُ المثنى، وزعَم أنه عَنَى به العقوبةَ والمكرَ والنكالَ؛ ومنه قولُ الآخرِ (٦): ولبَّس بينَ أقوامٍ فكلٌّ … أعدَّ له الشَّعَازِبَ (٧) والمِحالا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ ﵁: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، قال: شديدُ الأخذِ (٨).

стр. 9202

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. قال: شديدُ القوَّةِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. أي: القوَّةِ والحيلةِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ يعنى الهلاكَ، قال: إذا محَل فهو شديدٌ. وقال قتادةُ: شديدُ الحيلةِ (٣). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ، عن عكرمةَ: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. قال (٤): جدالُ أربَدَ، ﴿هُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. قال: ما أصاب أربدَ مِن الصاعقةِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: شديدُ الحَوْلِ (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. قال: شديدُ القُوَّةِ، المِحالُ: القوَّةُ. والقولُ الذي ذكَرناه عن قتادةَ في تأويلِ المِحالِ أنه الحيلةُ، والقولُ الذي ذكَره

стр. 9203

ابن جريجٍ عن ابن عباسٍ يَدُلان على أنهما كانا يقرأان: (وهُوَ شَدِيدُ المحَالِ) بفتح الميمِ؛ لأن الحيلةَ لا يأتى مصدرُها مِحالًا بكسرِ الميمِ، ولكن قد يأتى على تقديرِ المَفْعَلةِ منها، فيكونُ مَحالةً، ومن ذلك قولُهم: المرءُ يَعْجِزُ لا مَحالةَ. والمَحالةُ في هذا الموضعِ المفْعَلةُ من الحيلةِ. فأما بكسرِ الميمِ، فلا تكونُ إلا مصدرًا من: ماحَلتُ فلانًا أُماحِلُه مِحالًا. والمماحلةُ بعيدةُ المعنى مِن الحيلةِ، ولا أعلمُ أحدًا قرَأه بفتحِ الميمِ. فإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بتأويلِ ذلك ما قلنا مِن القولِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ (١) مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: للَّهِ مِن خلقِه الدعوةُ الحقُّ. والدعوةُ هي الحقُّ، كما أُضِيفت الدارُ إلى الآخرةِ في قولِه: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى (٢). وإنما عنَى بالدعوةِ الحقِّ توحيدَ اللَّهِ، وشهادةَ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ. وبنحوِ الذي قلنا تأوَّله أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ (٣).

стр. 9204

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ (١). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ ﵁: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: التوحيدُ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ليست تَنْبَغى لأحدٍ غيرِه، لا يَنْبَغى أن يقالَ: فلانٌ إلهُ بنى (٣) فلانٍ (٢). وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والآلهةُ التي يَدْعونها المشركون أربابًا وآلهةً. وقولُه: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾. يقولُ: مِن دونِ اللَّهِ. وإنما عنَى بقولِه: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ الآلهةَ، أنها مقصِّرةٌ عنه، وأنها لا تكونُ إلهًا، ولا يجوزُ أن يكونَ إلهًا إلا اللَّهُ الواحدُ القهارُ، ومنه قولُ الشاعرِ (٤):

стр. 9205

أتُوعدُنى وراءَ بنى رِياحٍ … كذَبتَ لتَقْصُرَنَّ يدَاك دُونى يعنى: لتَقْصُرنَّ يَداك عنِّي. وقولُه: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾. يقولُ: لا تُجيبُ هذه الآلهةُ التي يَدْعُوها هؤلاء المشركون آلهةً، بشيءٍ يُريدونه، مِن نفعٍ أو دفعِ ضُرٍّ (١)، ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾. يقولُ: لا يَنْفَعُ داعىَ الآلهةِ دعاؤه إيَّاها، إلا كما يَنْفَعُ باسطَ كفَّيه إلى الماءِ بسطُه إياهما (٢) إليه مِن غيرِ أن يَرْفعَه إليه في إناءٍ (٣)، ولكن ليرتفِعَ إليه (٤) بدعائِه إياه (٥)، وإشارتِه (٦) إليه، وقبضِه (٧) عليه، والعربُ تَضْرِبُ لمن سعَى فيما لا يُدْرِكُه مثلًا بالقابضِ على الماءِ، كما قال بعضُهم (٨): فإنى وإياكم وشَوْقًا إليكُمُ … كقابضِ ماءٍ لم تَسِقُه (٩) أنامِلُه يَعْنى بذلك: أنه ليس في يدِه مِن ذلك، إلا كما في يدِ القابضِ على الماءِ؛ لأن القابضَ على الماءِ لا شيءَ في يدِه. وقال آخَرُ (١٠):

стр. 9206

فأصبَحتُ ممَّا كان بينى وبينَها … [مِن الوُدِّ مثلَ القابضِ] (١) الماءَ باليدِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾. قال: كالرجلِ العطشانِ يَمُدُّ يدَه إلى البئرِ ليَرتَفِعَ الماءُ إليه، وما هو ببالغِه (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبَابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه. ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾: يدعو الماءَ بلسانِه، ويشيرُ إليه بيدِه، ولا يأتيه أبدًا (٣). قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرَنى الأعرجُ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾: يَدْعوه ليأتيَه، وما هو بآتيه، كذلك لا (٤) يَستجيبُ مَن هو دونَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾: يَدْعو الماءَ بلسانِه، ويُشِيرُ إليه بيدِه، فلا يأتيه أبدًا. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن

стр. 9207

مجاهدٍ؛ قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، مثلَ حديثِ الحسنِ، عن حجاجٍ. قال ابن جريجٍ: وقال الأعرجُ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾. قال: يَدْعوه لأنْ يأتيَه، وما هو بآتيه، فكذلك لا يَسْتَجيبُ مَن (١) دونَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾. وليس ببالغِه حتى يَتَمَزَّعَ عنقُه، ويَهْلِكَ عَطَشًا. قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. هذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ؛ أي هذا الذي يَدْعو مِن دونِ اللَّهِ هذا الوَثَنَ وهذا الحَجَرَ، لا يَستَجيبُ له بشيءٍ أبدًا، ولا يَسُوقُ إليه خيرًا، ولا يَدْفَعُ عنه سوءًا، حتى يأتيَه الموتُ، كمثَلِ هذا الذي بسَط ذراعَيْه إلى الماءِ ليَبْلُغَ فاه، ولا يَبْلُغُ فاه، ولا يَصِلُ ذلك إليه، حتى يموتَ عَطَشًا (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: والذين يَدْعون مِن دونِه لا يَسْتَجِيبون لهم بشيءٍ، إلا كباسطِ كفَّيْه إلى الماءِ؛ ليتناولَ خيالَه فيه، وما هو ببالغِ ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾. فقال: هذا مَثَلُ

стр. 9208

المشركِ مع اللَّهِ غيرَه، فمثَلُه كمثَلِ الرجلِ العطشانِ الذي يَنْظُرُ إلى خيالِه في الماءِ مِن بعيدٍ، فهو يريدُ أن يَتَناولَه ولا يَقْدِرُ عليه (١). وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ إلى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. يقولُ: مَثَلُ الأوثانِ الذين يُعْبَدُون مِن دونِ اللَّهِ، كمثلِ رجلٍ قد بلَغه العَطَشُ، حتى كرَبه الموتُ، وكفَّاه في الماءِ قد وضَعهما لا يَبْلغان فاه. يقولُ اللَّهُ: لا تَسْتجيبُ له (٢) الآلهةُ، ولا تَنْفَعُ الذين يَعْبُدونها، حتى يَبْلُغَ كفَّا هذا فاه، وما هما ببالغتَين فاه أبدًا. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾. قال: لا يَنْفعونهم بشيءٍ إلا كما يَنْفَعُ هذا بكفَّيه، يعنى بَسْطَهما إلى ما لا يُنالُ أبدًا. وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ وليس الماءُ ببالغٍ فاه ما قام (٣) باسطًا كفَّيْه لا يَقْبِضُهما، ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لمن اتخَذ مِن دونِ اللَّهِ إلهًا أنه غيرُ نافعِه، ولا يَدْفَعُ عنه سوءًا، حتى يموتَ على ذلك (٤).

стр. 9209

وقوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. يقولُ: وما دعاءُ مَن كفَر باللَّهِ ما يَدْعو مِن الأوثانِ والآلهةِ، ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. يقولُ: إلا في غيرِ استقامةٍ ولا هُدًى؛ لأنه يُشْرِكُ باللَّهِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن امتنَع هؤلاء الذين يَدْعون مِن دونِ اللَّهِ الأوثانَ والأصنامَ للَّهِ شركاءَ؛ من إفرادِ الطاعةِ وإخلاصِ العبادةِ له، فللهِ يَسْجُدُ مَن في السماواتِ مِن الملائكةِ الكرامِ، ومَن في الأرضِ مِن المؤمنين به طوعًا، فأما الكافرون به، فإنهم يَسْجُدون له كَرْها حينَ يُكْرَهون على السجودِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. فأما المؤمنُ فيَسْجُدُ طائعًا، وأما الكافرُ فيَسْجُدُ كارِهًا (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، قال: كان ربيعُ بنُ خُثَيمٍ إذا تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. قال: بلى يا ربّاه (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. قال: مَن دخَل طائعًا هذا طوعًا، وكَرْهًا مَن لم يَدخُلْ إلا بالسيفِ (٢).

стр. 9210

وقوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. يقولُ: ويَسْجُدُ أيضًا ظلالُ كلِّ مَن سجَد للَّهِ طوعًا وكَرْهًا، بالغَدَواتِ والعَشَايا، وذلك أن ظِلَّ كلِّ شخصٍ فإنه يَفئُ بالعشيِّ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. يَعْنى: حينَ يَفِئُ ظلُّ أحدِهم عن يمينِه أو شمالِه (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، قال في تفسيرِ مجاهدٍ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. قال: ظِلُّ المؤمنِ يَسْجُدُ طوعًا وهو طائعٌ، وظِلُّ الكافرِ يَسْجُدُ طوعًا (٢) وهو كارِهٌ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. قال: ذُكِر أن ظلالَ الأشياءِ كلِّها تسجدُ له، وقرَأ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. قال: تلك الظلالُ تَسْجُدُ للَّهِ (٤).
следующие страницы →