← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.

стр. 9241

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن عكرمةَ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: الجنةُ (١). قال: ثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: الجنةُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. قال: لما خلَق اللَّهُ الجنةَ وفرَغ منها، قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. وذلك حينَ أعْجَبتْه (٣). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: الجنةُ. وقال آخرون: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: شجرةٌ في الجنةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن

стр. 9242

موسى بن سالمٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: شجرةٌ في الجنةِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأشعثِ بن عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بن حَوْشبٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: شجرةٌ في الجنةِ يقولُ لها: تَفَتَّقى لعبدى عمَّا شاء. فتَتَفَتَّقُ (٢) له عن الخيلِ بسرُوجِها ولُجُمِها، وعن الإبلِ بأزِمَّتِها، وعمَّا شاء مِن الكِسوةِ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن شهرِ بن حَوْشبٍ، قال طوبى شجرةٌ في الجنةِ، كلُّ شجرِ الجنةِ منها، أغْصَانُها مِن وراِء سورِ الجنةِ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن الأشعثِ بن عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بن حَوْشبٍ، عن أبي هريرةَ، قال: في الجنةِ شجرةٌ يقالُ لها: طوبى. يقولُ اللَّهُ لها: تَفَتَّقى. فذكَر نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى، عن ابن (٥) ثورٍ (٦). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الجبارِ، قال: ثنا مرْوانُ، قال: أخبَرنا العلاءُ، عن شِمْرِ بن عطيةَ في قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: هي شجرةٌ في الجنةِ يقالُ لها: طوبى. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن

стр. 9243

منصورٍ، عن حسانَ بن (١) أبى الأشْرِسِ، عن مُغيثِ بن سُمَىٍّ، قال: طوبى شجرةٌ في الجنةِ، ليس في الجنةِ دارٌ إلا فيها غُصْنٌ، منها، فيجيءُ الطائرُ فيقعُ، فيدْعوه فيأكلُ مِن أحدِ جنْبَيْه قَدِيدًا (٢)، ومِن الآخرِ شِواءً، ثم يقولُ: طِرْ. فيطيرُ (٣). قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن بعضِ أهلِ الشامِ، قال: إن ربَّك أخَذ لُؤلُوةً فوضَعها على راحتَيْه، ثم دَمْلَجها بينَ كفَّيْه، ثم غرَسها وَسْطَ أهلِ الجنةِ، ثم قال لها: امتدِّي حتَّى تَبْلغى مرضاتى. ففعَلتْ، فلما اسْتوتْ تَفَجَّرت مِن أصولِها أنهارُ الجنةِ، وهى طوبى (٤). حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ الصنعانيُّ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ أنه سمِع وهبًا يقولُ: إن في الجنةِ شجرةً يقالُ لها: طوبى. يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها؛ زَهْرُها رِياطٌ (٥)، ووَرَقُها بُرُودٌ، وقُضبانُها عَنْبرٌ، وبَطْحاؤُها ياقوتٌ، وتُرابُها كافورٌ، ووَحْلُها مِسْكٌ، يَخْرُجُ مِن أصلِها أنهارُ الخمرِ واللبنِ والعسلِ، وهى مجلِسٌ لأهلِ الجنةِ، فبيْنا هم في مجلِسِهم إذ أتَتْهم ملائكةٌ مِن ربِّهم، يَقُودون نُجُبًا مَزمومةً بسلاسلَ مِن ذهَبٍ، وُجوهُها كالمصابيحِ مِن حُسْنِها، ووَبَرُها كَخَزِّ المِرْعِزَّى (٦) مِن لينِه، عليها رِحالٌ ألواحُها مِن ياقوتٍ، ودُفوفُها من ذهبٍ،

стр. 9244

وثيابُها مِن سندسٍ وإِسْتَبْرَقٍ، فيُنيخُونَها ويَقولون: إِنَّ رَبَّنا أرسلَنا إليكم لتَزورُوه وتسلِّموا عليه. قال: فيرْكَبونها - قال: فهى أسرعُ مِن الطائرِ، وأوطأُ مِن الفِراشِ - نُجُبًا من غيرِ مَهَنةٍ (١)، يَسيرُ الرجلُ إلى جنبِ أخيه وهو يُكَلِّمُه ويُناجيه، لا تصيبُ أُذُنُ راحلةٍ منها أُذُنَ صاحبتِها، ولا بَرْكُ راحلةٍ بَرْكَ صاحبتِها، حتى إن الشجرةَ لتَتَنحَّى عن طُرُقِهم لئلا تفرِّقَ بينَ الرجلِ وأخيه، قال: فيأتون إلى الرحمنِ الرحيمِ، فيُسْفِرُ لهم عن وجهِه الكريمِ حتى يَنْظُروا إليه، فإذا رأَوْه قالوا: اللهمَّ أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ، وحُقَّ لك الجلالُ والإكرامُ. قال: فيقولُ ﵎ عندَ ذلك: أنا السلامُ ومنى السلامُ، وعليكم حَقَّتْ رحمتى ومَحَبَّتي، مرحبًا بعبادى الذين خَشَوْني بغيبٍ وأطاعوا أمرى. قال: فيقولون: ربَّنا إنا لَم نَعْبُدُك حقَّ عبادتِك، ولم نُقَدِّرْكَ حَقَّ قَدْرِكَ، فأْذَنْ لنا بالسجودِ قُدَّامَك. قال: فيقولُ اللَّهُ: إنها ليستْ بدارِ نَصَبٍ ولا عِبادةٍ، ولكنها دارُ مُلْكٍ ونعيمٍ، وإنى قد رفَعتُ عنكم نَصَبَ العبادةِ، فَسَلُونى ما شئتُم، فإِنَّ لِكُلِّ رجلٍ مِنكم أَمنيَّتَه، فيَسْأَلونه، حتى إنَّ أقصرَهم أمنيةً لَيقولُ: ربِّ تنافَس أهلُ الدنيا في دنياهم، فتضايَقوا فيها، ربِّ فآتِنى كلَّ شيءٍ كانوا فيه مِن يومِ خَلَقْتَها إلى أن انْتهت الدنيا. فيقولُ اللَّهُ: لقد قَصَّرَتْ بك اليومَ أمنيتُك، ولقد سأَلْتَ دونَ منزلتِك، هذا لك منى، وسأُتْحِفُك بمنزِلتي؛ لأنه ليس في عطائى نَكَدٌ ولا تَصْرِيدٌ (٢). قال: ثم يقولُ: اعرِضوا على عبادى ما لم تَبْلُغْ أمانيُّهم، ولم يَخْطُرْ لهم على بالٍ. قال: فيَعْرِضون عليهم حتى يَقْضُوهم أمانيَّهم التي في أنفسِهم، فيكونُ فيما يَعْرِضون عليهم بَرَاذِينُ مُقَرَّنَةٌ؛ على كلِّ أربعةٍ منها سريرٌ مِن ياقوتةٍ واحدةٍ، على كلِّ سريرٍ منها قبَّةٌ مِن ذَهَبٍ مُفْرَغةٌ، في كلِّ قبةٍ منها فُرُشٌ مِن فُرُشِ الجنةِ مُظَاهِرَةٌ، في كلِّ قبةٍ منها جاريتان من الحُورِ العِينِ، على كلِّ جاريةٍ مِنهن ثوبان مِن ثيابِ الجنةِ، ليس في الجنةِ لونٌ إلا وهو

стр. 9245

فيهما، ولا رِيحٌ طَيِّبةٌ إلا قد عَبِقتَا (١) به، يَنْفُذُ ضَوْءُ وجوهِهما غِلَظَ القبةِ، حتى يَظُنُّ مَن يَراهما أنهما مِن دونِ القبةِ، يرَى مُخَّهما مِن فوقِ سُوقِهما كالسلكِ الأبيضِ مِن ياقوتةٍ حمراءَ، يَرَيان له مِن الفضلِ على صَحابتِه كفضلِ الشمسِ على الحجارةِ أو أفضلَ، ويَرى هو لهما مثلَ ذلك، ثم يَدْخُلُ إليهما فيُحيِّيانه ويُقَبِّلانه ويُعانِقانِه، ويَقولانِ له: واللَّهِ ما ظننَّا أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ مثلَك. ثم يَأْمرُ اللَّهُ الملائكةَ فيَسيرون بهم صفًّا في الجنةِ، حتى يَنْتَهىَ كلُّ رجلٍ منهم إلى منزلتِه التي أُعِدَّتْ له (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عليُّ بنُ جريرٍ، عن حمادٍ، قال: شجرةٌ في الجنةِ، في (٣) دارِ كلِّ مؤمنٍ غُصْنٌ منها. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن حسانِ بن أبى الأشرسِ، عن مُغيثِ بن سُمَىٍّ، قال: طوبى شجرةٌ في الجنةِ، لو أن رجلًا ركِب قلُوصًا؛ جَذَعًا أو جَذَعةً ثم دار بها، لم يَبْلُغِ المكانَ الذي ارتَحَل منه، حتى يَمُوتَ هَرَمًا، وما مِن أهلِ الجنةِ مَنْزلٌ إلا فيه (٤) غصنٌ مِن أغصانِ تلك الشجرةِ، متدلٍّ عليهم، فإذا أرادوا أن يأكُلوا مِن الثمرةِ تَدَلَّى إليهم، فيأكُلون منه ما شاءوا، ويجِيءُ الطيرُ فيأكُلون منه قدِيدًا وشِواءً ما شاءوا، ثم يَطيرُ (٤). وقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ بنحوِ ما قال مَن قال: هي شجرةٌ.

стр. 9246

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني سليمانُ بنُ داودَ القُومَسيُّ، قال: ثنا أبو توبةَ الربيعُ بنُ نافعٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ سلَّامٍ، عن زيدٍ، أنه سمِع أبا سلَّامٍ، قال: ثنا عامرُ بنُ زيدٍ البِكَاليُّ، أنه سمِع عُتْبةَ بنَ عبدٍ السلميَّ (١) يقولُ: جاء أعرابيٌّ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن في الجنةِ فاكهةً؟ قال: "نعم، فيها شجرةٌ تُدْعى طوبى، هي تطابقُ الفِردوسَ". قال: أيَّ شجرِ أرضِنا تُشْبِهُ؟ قال: "ليستْ تُشْبِهُ شيئًا مِن شجرِ أرضِك، ولكن أتَيْتَ الشامَ؟ ". فقال: لا يا رسولَ اللَّهِ. فقال: "فإنها تُشْبِهُ شجرةً تُدْعَى الجَوْزةَ، تَنْبُتُ على ساقٍ واحدةٍ، ثم يَنْتَشِرُ أعلاها". قال: ما عِظَمُ أصلِها؟ قال: "لو ارْتَحَلَتْ جَذَعةٌ مِن إبلِ أهلِك ما أحاطتْ بأصلِها حتى تَنْكَسِرَ تُرْقُوَتاها هَرَمًا" (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ شبيبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ الجَريرِيُّ، عن فُراتِ بن أبى الفُراتِ، عن معاويةَ بن قُرَّةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : " ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: شجرةٌ غرَسَها اللَّهُ بيدِه، ونفَخ فيها مِن رُوحِه، تَنْبُتُ (٣) بالحُلِيِّ والحُلَلِ، وإن أغصانَها لتُرى مِن وراءِ سُورِ الجنةِ" (٤).

стр. 9247

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، أن درَّاجًا حدَّثه، أن أبا الهيثمِ حدَّثه، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أن رجلًا قال له: يا رسولَ اللَّهِ، ما طوبى؟ قال: "شجرةٌ في الجنةِ مسيرةُ مائةِ سنةٍ، ثيابُ أهلِ الجنةِ تَخْرُجُ مِن أكمامِها" (١). فعلى هذا التأويلِ الذي ذكَرنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ الروايةَ به، يَجِبُ أن يَكونَ القولُ في رفعِ قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. خلافَ القولُ الذي حكيْناه عن أهلِ العربيةِ فيه، وذلك أن الخبرَ عن رسولِ ﷺ من أن طُوبى اسمُ شجرةٍ في الجنةِ، فإذ كان (٢) كذلك فهو اسمٌ لمعرفةٍ، كزيدٍ وعمرٍو، وإذ كان (٣) كذلك، لم يكنْ في قولِه: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. إلا الرفعُ عطفًا به على ﴿طُوبَى﴾. وأما قولُه: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. فإنه يقولُ: وحُسْنُ منقلَبٍ. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. قال: حُسْنُ مُنْقَلَبٍ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾.

стр. 9248

يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا (١) أرسَلْناك يا محمدُ في جماعةٍ مِن الناسِ، يَعْنى: إلى جماعةٍ قد خلَتْ مِن قبلِها جماعاتٌ على مثلِ الذي هم عليه، فمضَت - ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: لتبلِّغَهم ما أرسلتُكَ به إليهم مِن وَحْيِى الذي أوحيتُه إليك، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. يقولُ: وهم يَجْحَدُون وحدانيةَ اللَّهِ ويكذِّبون بها، ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾. يقولُ: إِن كَفَر هؤلاء الذين أرسلتُكَ إليهم يا محمدُ بالرحمنِ، فقُلْ أنت: اللَّهُ ربي لا إلهَ إلا هو عليه توكَّلْتُ، ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. يقولُ: وإليه مرجعى وأَوْبَتَى. وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: تُبتُ مَتَابًا وتَوبةً. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ زمنَ الحديبيةِ حين صالَح قريشًا كتَب: هذا ما صالَح عليه محمدٌ رسولُ اللَّهِ ﷺ . فقال مشركو قريشٍ: لئن كُنتَ رسولَ اللَّهِ ثم قاتَلْناك لقد ظلَمْناك، ولكنِ اكْتُبْ: هذا ما صالَح عليه محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ. فقال أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ : دَعْنا يا رسولَ اللَّهِ نُقاتِلُهم. فقال: "لا، ولكنِ اكْتُبوا [كما يُريدون] (٢)؛ إنى محمدُ (٣) بنُ عبدِ اللَّهِ"، فلما كتب الكاتبُ (٤): بسمِ اللَّهِ

стр. 9249

الرحمنِ الرحيمِ. قالت قريشٌ: أما الرحمنُ فلا نَعْرِفُه. وكان أهلُ الجاهليةِ يَكْتُبون: باسمِك اللهمَّ. فقال أصحابُه: يا رسولَ اللَّهِ، دَعْنا نُقاتِلْهم. قال: "لا، ولكن اكتُبوا [كما يُريدون] (١) " (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قولُه: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ﴾ الآية. قال: هذا لما كاتَب رسولُ اللَّهِ ﷺ قريشًا في الحديبيةِ، كتَب: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. قالوا: لا تَكْتُبِ الرحمنَ، وما ندرى ما الرحمنُ؟ ولا نَكْتُبُ (٣) إلا: باسمِك اللهمَّ. قال اللَّهُ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. الآية. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وهم يَكْفُرون بالرحمنِ ولو أنّ قرآنًا سُيِّرت به الجبالُ. أي: يَكْفُرون باللَّهِ ولو سَيَّر لهم الجبالَ بهذا القرآنِ. وقالوا: هو مِن المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وجعَلوا جوابَ "لو" مقدَّمًا قبلَها. وذلك أن الكلامَ على معنى قبلِهم: ولو أنَّ هذا القرآنَ [سُيِّرت به] (٤) الجبالُ أو قُطِّعت به الأرضُ لكفَروا بالرحمنِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي،، قال: ثنى أبي، عن

стр. 9250

أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. قال: هم المشركون مِن قريشٍ، قالوا لرسولِ اللَّهِ ﷺ : لو وسَّعتَ لنا أوديةَ مكةَ، وسيَّرتَ جبالَها، فاحترَثْناها، وأحيَيْتَ مَن مات منا، أو (١) قَطِّعْ به الأرضَ، أو (١) كَلِّمْ به الموتى. فقال اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾: قولُ كفارِ قريشٍ لمحمدٍ: سَيِّرْ جبالَنا تَتَّسِعْ لنا أرضُنا، فإنها ضيقةٌ، أو قرِّبْ لنا الشامَ، فإنا نَتَّجِرَ إليها، أو (١) أخْرِجْ لنا آباءَنا مِن القبورِ نُكلِّمْهم. فقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، [وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٤) بنحوِه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. قال ابن جريجٍ: وقال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ (٥): قالوا: لو فَسَحْتَ عنا

стр. 9251

الجبالَ، أو أجْرَيتَ لنا الأنهارَ، أو كلَّمتَ به الموتى. فنزَل ذلك. قال ابن جريجٍ: وقال ابن عباسٍ: قالوا: سَيِّرْ بالقرآنِ الجبالَ، قَطِّعْ بالقرآنِ الأرضَ، أخرِجْ به موتانا (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن كثيرٍ: قالوا: لو فَسَحْتَ عنا الجبالَ، أو أجْرَيتَ لنا الأنهارَ، أو كلَّمتَ به الموتى. فنزَل: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقال آخرون: بل قولُه (٢): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾. كلامٌ مبتدأٌ، مُنْقَطِعٌ عن قولِه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. قال: وجوابُ "لو" محذوفٌ، استُغْنِى بمعرفةِ السامعين المرادَ مِن الكلامِ عن (٣) ذكرِ جوابِها. قالوا: والعربُ تَفْعلُ ذلك كثيرًا، ومنه قولُ امرئ القيسِ (٤): فلو أنها نَفْسٌ تموتُ سريحةً (٥) … ولكنها نَفْسٌ تَقَطَّعُ (٦) أَنْفُسًا وهو آخرُ بيتٍ في القصيدةِ (٧)، فتُرِك الجوابُ اكتفاءً بمعرفةِ سامعِه مرادَه. وكما قال الآخرُ (٨): فأُقسمُ لو شيءٌ أتانا رسولُه … سواك ولكن لم نَجِدْ لك مَدْفَعا

стр. 9252

ذكرُ مَن قال نحوَ معنى ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾: ذُكِر لنا أن قريشًا قالوا: إنْ سَرَّكَ يا محمدُ اتباعُك، أو أن (١) نَتَّبِعَك، فسَيِّرْ لنا جبالَ تِهامةَ، أو زِدْ لنا في حَرَمِنا، حتى نَتَّخِذَ قطائعَ نَخْتَرِفُ (٢) فيها، أو أحْيِ لنا فلانًا وفلانًا - ناسًا ماتوا في الجاهليةِ - فأنزَل اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. يقولُ: لو فُعِل هذا بقرآنٍ قبلَ قرآنِكم، لفُعِل بقرآنِكم. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ أن كفارَ قريشِ قالوا للنبيِّ ﷺ : أذهِبْ عنا جبالَ تِهامةَ حتى نَتَّخِذَها زرعًا فتكونَ لنا أرَضين، أو أحْيِ لنا فلانًا وفلانًا يُخْبِروننا: حقٌّ ما تقولُ؟ فقال اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. يقولُ: لو كان فُعِل [ذلك بشيءٍ مِن الكتبِ] (٣) فيما مضَى كان ذلك (٤). حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتْ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية. قال: قال كفارُ قريشٍ لمحمدٍ ﷺ : سَيِّرْ لنا الجبالَ كما سُخِّرت لداودَ، أو قَطِّعْ لنا الأرضَ كما قُطِّعت لسليمانَ، فاغْتَدَى (٥) بها شهرًا وراح بها

стр. 9253

شهرًا، أو كَلِّمْ لنا الموتى كما كان عيسى يُكَلِّمُهم. يقولُ: لم أُنزِلْ بهذا كتابًا، ولكن كان شيئًا أعطيتُه أنبيائي ورسلي (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية. قال: قالوا للنبيِّ ﷺ : إن كنت صادقًا فسيَّرْ عنا هذه الجبالَ واجعلْها حُروثًا كهيئةِ أرضِ الشامِ ومصرَ والبلدانِ، أو ابْعَثْ موتانا فأخبِرْهم، فإنهم قد ماتوا على الذي نحن عليه. فقال اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. لم يُصْنَعْ ذلك بقرآنٍ قَطُّ ولا كتابٍ فيُصْنَعَ ذلك بهذا القرآنِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾. اختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾؛ فكان بعضُ أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أَن معناه: ألم يَعْلَمُ ويَتَبَيَّنْ؟ ويَسْتَشْهِدُ لقيلِه ذلك ببيتِ سُحَيمِ بن وَثِيلٍ الرياحيِّ (٢): أقولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يَأْسِيرونَنى … أَلم تَيْأْسُوا أَنِي ابْنُ فَارِسِ زَهْدمِ (٣) ويُروى: يَيْسِرونني. فمَن رواه: يَيْسُرِوننى. فإنه أراد: يَقْتسِمونني (٤). مِن الميسرِ، كما يُقْسَمُ الجَزورُ. ومَن رواه: يَأْسرونني، فإنه أراد الأسْرَ. وقال: عنَى

стр. 9254

بقولِه: ألم تَيْأَسُوا: ألم تَعْلَموا. وأنشَدوا أيضًا في ذلك (١): ألم يَيْأسِ الأقوامُ أني أنا ابنُه … وإن كنت عن أرضِ العشيرةِ نائيا وفسَّروا معنى (٢) قولِه: ألم يَيْأَسُ: ألم يَعْلَمُ ويَتَبَيَّنْ. وذُكِر عن ابن الكلبيِّ أن ذلك لغةٌ لحيٍّ من النجَعِ يقالُ لهم: وَهْبيلٌ، تقولُ: ألم تَيْأسْ كذا. بمعنى: ألم تَعْلَمُه. وذُكر عن القاسمِ بن معنٍ أنها لغةُ هوازنَ، وأنهم يقولون: يَئِستُ كذا: علمتُ. وأما بعضُ الكوفيين فكان يُنْكِرُ ذلك، ويَزْعُمُ أنه لم يَسْمَعْ أحدًا مِن العربِ يقولُ: يَئِسْت. بمعنى: علِمتُ. ويقولُ: هو في المعنى وإن لم يَكُنْ مسموعًا "يَئِستُ" بمعنى "علِمتُ". يَتَوجَّهُ إلى ذلك أن اللَّهَ قد أوقع إلى المؤمنين أنه لو شاء لهدَى الناسَ جميعًا، فقال: ألم (٣) يَيْأَسوا علمًا. يقولُ: يُؤيسُهم العلمُ. فكان فيه العلمُ مضمرًا، كما يقالُ: قد (٤) يَئِستُ منك ألا تُفْلِحَ علمًا. كأنه قيل: علِمتُه علمًا. قال: وقولُ الشاعرِ (٥): حتى إذا يَئِسَ الرماةُ وأرْسَلُوا … غُضْفًا دَواجِنَ قافِلًا أَعْصامُها (٦) معناه: حتى إذا يئِسوا من كلِّ شيءٍ مما يمكنُ إلا (٧) الذي ظهَر لهم، أرسَلوا.

стр. 9255

فهو في معنى: حتى إذا علِموا أَنْ ليس وجهٌ إلا الذي رأَوْا، وانتهى عِلْمُهم، فكان ما سواه يأسًا. وأما أهلُ التأويلِ، فإنهم تأوّلوا ذلك بمعنى: أفلم يعلَمْ ويتبيَّنْ. ذكرُ مَن قال ذلك منهم حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي (١) إسحاقُ الكوفيِّ، عن مولًى يُخبرُ (٢) أن عليًّا ﵁ كان يَقْرَأُ (٣): (أفلم يَتَبَيَّنِ الذين آمَنوا) (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن هارونَ، عن حنظلةَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾. يقولُ: أفلم يَتَبَيَّنْ. حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن الزبيرِ بن الخِرِّيتِ (٥)، أو يَعْلى بن حكيمٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنه كان يَقْرَؤُها: (أَفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا). قال: كتَب الكاتبُ الأخرى وهو ناعسٌ (٦). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال:

стр. 9256

في القراءةِ الأولى - زعَم ابن كثيرٍ وغيرُه: (أفلم يَتَبَيَّنْ). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: ألم يَتَبَيَّنْ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: يَعْلَمُ (١). حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: أفلم يَتَبَيَّنُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: ألم يَتَبَيَّنِ الذين آمَنوا. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: ألم يَعْلَمِ الذين آمَنوا. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: ألم يَعْلمِ الذين آمَنوا. والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قالَه أهلُ التأويلِ: إن تأويلَ ذلك: أفلم يَتَبَيَّنْ ويَعْلَمْ؟ لإجماعِ أهلِ التأويلِ على ذلك، والأبياتِ التي أنشَدناها فيه. فتأويلُ الكلامِ إذَنْ: ولو أنّ قرآنًا سوى هذا القرآنِ كان سُيِّرت به الجبالُ، لسُيِّر بهذا القرآنِ، أو قُطِّعت به الأرضُ، لقُطِّعت بهذا، أو كُلِّم به الموتى، لَكُلِّم بهذا،

стр. 9257

ولم (١) يُفعلْ ذلك (٢) بقرآنٍ قبلَ هذا القرآنِ فيُفعلَ (٣) بهذا. ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. يقولُ: ذلك كلُّه إليه وبيدِه، يَهْدِى مَن يشاءُ إلى الإيمانِ فيُوَفِّقُه له، ويُضِلُّ مَن يشاءُ فيَخْذُلُه، أفلم يَتَبَيَّنِ الذين آمنوا باللَّهِ ورسولِه إذ طمِعوا في إجابتي مَن سأَل نبيَّهم مِن تسييرِ الجبالِ عنهم، وتقريبِ أرضِ الشامِ عليهم، وإحياءِ موتاهم، أن لو يشاءُ اللَّهُ لهدَى الناسَ جميعًا إلى الإيمانِ به، من غيرِ إيجادِ آيةٍ، ولا إحداثِ شيءٍ مما (٤) سأَلوا إحداثَه؟ يقولُ تعالى ذكرُه: فما معنى محبتِهم ذلك، مع علمِهم بأن الهدايةَ والإهلاكَ إليَّ ويبدِى، أنْزَلتُ آيةً أو لم أُنْزِلْهَا، أَهْدِى مَن أشاءُ بغيرِ إِنزالِ آيةٍ، وأُضِلُّ مَن أرَدتُ مع إنزالِها؟ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا يَزَالُ﴾ يا محمدُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن قومِك ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ مِن كفرِهم باللَّهِ، وتكذيبِهم إياك، وإخراجِهم لك مِن بين أظْهُرِهم، ﴿قَارِعَةٌ﴾. وهى ما يَقْرَعُهم مِن البلاءِ والعذابِ والنِّقَم، بالقتلِ أحيانًا، وبالجدوبِ (٥) والقَحْطِ أحيانًا، ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أنت يا محمدُ. يقولُ: أو تَنْزِلُ أنت ﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ بجيشِك وأصحابِك ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ الذي وعدَك فيهم. وذلك ظهورُك عليهم، وفتحُك أرضَهم، وقهرُك إياهم بالسيفِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ منجزُك يا محمدُ ما وعَدك مِن الظهورِ عليهم؛

стр. 9258

لأنه لا يُخْلِفُ وعدَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو داودَ (١)، قال: ثنا المسعوديُّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: سَرِيَّةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: محمدٌ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾. قال: فتحُ مكةَ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه، غيرَ أنه لم يَذْكُرْ سَرِيةً. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا المسعوديُّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه (٣) تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: القارعةُ السَّرِيةُ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: هو محمدٌ ﷺ ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: فتحُ مكةَ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو غسانَ، قال: ثنا زهيرٌ، أن خُصَيفًا حدَّثهم، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: نزَلت بالمدينةِ في سرايا النبيِّ ﷺ ، ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أنت يا محمدُ

стр. 9259

﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن النضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: سَرِيةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: أنت يا محمدُ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. يقولُ: عذابٌ مِن السماءِ يَنْزِلُ عليهم، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾: يعنى نزولَ رسولِ اللَّهِ ﷺ بهم وقتالَه إياهم (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾: تُصابُ منهم سَرِيةٌ، أو تُصابُ منهم مصيبةٌ، أو يحُلُّ محمدٌ قريبًا من دارِهم. وقولَه ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾. قال: الفتحُ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى نَجيحٍ: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾: يعنى النبىَّ ﷺ . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ الحسنِ، عن شبابةَ.

стр. 9260

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿قَارِعَةٌ﴾. قال: السرايا (١). قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الغفارِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَارِعَةٌ﴾. قال: مصيبةٌ مِن محمدٍ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: أنت يا محمدُ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾. قال: الفتحُ (٢). قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَارِعَةٌ﴾. قال: كتيبةٌ. قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: سريةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: أنت يا محمدُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ أي: بأعمالِهم أعمالِ السوءِ. و (٣) قولَه: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ أنت يا محمدُ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: ووعدُ اللَّهِ فتحُ مكةَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَارِعَةٌ﴾. قال: وقيعةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: يعنى النبيَّ ﷺ ، يقولُ: أو تَحُلُّ أنت قريبًا من دارِهم. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا محمدُ بنُ طلحةَ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: سريةٌ.

стр. 9261

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: السرايا، كان يَبْعثُهم النبيُّ ﷺ ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ أنت يا محمدُ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾. قال: فتحُ مكةَ (١). قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن بعضِ أصحابِه، عن مجاهدٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: كتيبةٌ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: قارعةٌ مِن العذابِ. وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾: تحُلُّ (٢) القارعةُ قريبًا مِن دارِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: أو تَحُلُّ القارعةُ قريبًا مِن دارِهم (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: أو تَحُلُّ القارعةُ. وقال آخرون في قولِه: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: هو يومُ القيامةِ.

стр. 9262

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ حكيمٍ، عن رجلٍ قد سمّاه، عن الحسنِ في قولِه: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾. قال: يومُ القيامةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يا محمدُ، إن يَسْتَهزِئُ هؤلاء المشركون مِن قومِك، ويَطْلُبوا منك الآياتِ، تكذيبًا منهم ما جئتَهم به، فاصبِرْ على أذاهم لك، وامضِ لأمرِ ربِّك في إنذارِهم (١) والإعذارِ إليهم، فلقد استهزَأت أممٌ مِن قبلِك قد خلَت فمضَت - برسلٍ، فأطَلْتُ لهم في المَهَلِ، ومدَدتُ لهم في الأجلِ، ثم أحلَلتُ بهم عذابي ونِقْمتى حين تمادَوا في غيِّهم وضلالِهم، فانْظُرْ كيف كان عقابي إياهم حين عاقبتُهم، ألم أُذِقْهم أليمَ العذابِ، وأجعلْهم عبرةً لأولى الألبابِ؟ والإملاءُ في كلامِ العربِ الإطالةُ، يقالُ منه: أَمْلَيْتُ لفلانٍ. إذا أطَلتَ له في المَهَلَ. ومنه المُلاوةُ مِن الدهرِ، ومنه قولُهم: تملَّيْتَ حبيبًا (٢)، ولذلك قيل لليلِ والنهارِ: الملَوان. لطولِهما، كما قال ابن مُقْبِلٍ (٣): ألا يا ديارَ الحيِّ بالسَّبُعانِ … ألحَّ عليها بالبِلَى الملَوانِ وقيل للخَرْقِ الواسِعِ مِن الأرضِ: مَلًا. كما قال الشاعرُ (٤):

стр. 9263

فأَخْضَلَ (١) منها كلُّ بالٍ وعيِّنِ (٢) … وَجيفُ (٣) الرَّوايا بالمَلا المتباطنِ لطولِ ما بين طرَفيه وامتدادِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفالربُّ الذي هو دائمٌ لا يَبِيدُ ولا يَهْلِكُ، قائمٌ بحفظِ (٤) أرزاقِ جميعِ الخلقِ، مُتَضَمِّنٌ لها، عالمٌ بهم وبما يَكْسِبونه مِن الأعمالِ، رقيبٌ عليهم، لا يَعْزُبُ عنه منه (٥) شيءٌ أينما كانوا، كمن هو هالكٌ بائدٌ، لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَفْهَمُ شيئًا، ولا يَدْفَعُ عن نفسِه ولا عمن يَعْبُدُه ضَرًّا، ولا يَجْلِبُ إليهما نفعًا، كلاهما سواءٌ؟! وحذَف الجوابَ في ذلك، فلم يَقُلْ - وقد قيل: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ -: ككذا وكذا. اكتفاءً بعلمِ السامعِ بما ذكَر (٦) عما ترَك ذكرَه، وذلك أنه لما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ عُلِم أن معني الكلامِ: كشركائِهم التي اتخَذوها آلهةً. كما قال الشاعرُ (٧): تَخَيَّري خُيِّرتِ [أمَّ عالِ] (٨)

стр. 9264

بينَ قصيرٍ شَبرُه (١) تِنبالِ (٢) أذاك أم مُنْخرِقُ السربالِ (٣) ولا يزالُ آخرَ الليالي متلفَ مالٍ ومُفِيدَ مالِ ولم يَقُلْ - وقد قال: شَبْرُه تنبالِ -: وبين كذا وكذا. اكتفاء منه بقوله: أذاك أم مُنْخَرِقُ السِّربال. ودلالة الخبر عن المنخرق السربال على (٤) مرادِه في ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: ذلكم ربُّكم ﵎، قائمٌ على بنى آدمَ بأرزاقهم وآجالهم، وحفِظ عليهم - والله - أعمالهم. حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾. [قال: الله قائمٌ على كلِّ نفس] (٥). حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 9265

أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: يعني بذلك نفسَه. يقول: هو معكم أينما كنتم، فلا يَعْمَلُ عاملٌ إلا والله (١) حاضره (٢). ويقال: هم الملائكةُ الذين وُكِّلوا ببنى آدمَ (٣). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: و (٤) على رزقهم، وعلى طعامهم، فأنا على ذلك قائم (٥)، وهم عبيدى، ثم جعلوا لي شركاءَ (٦). حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: فهو الله، قائمٌ على كل نفس؛ بَرٍّ وفاجرٍ، يرزقهم ويَكْلؤُهم، ثم يُشرك به منهم من أشرك (٧). وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمَ بِظَاهِرِ مَّنَ الْقَوْلِ﴾. يقول تعالى ذكره: أنا القائمُ بأرزاقِ هؤلاء المشركين، والمدبِّرُ أمورهم، والحافظ عليهم أعمالَهم، وجعلوا لي شركاءَ من خلقى يَعْبُدونها دونى، قل يا محمد لهم: سَمُّوا هؤلاء الذين أشرَكْتموهم في عبادة الله. فإنهم إن قالوا: آلهةٌ. فقد كذَبوا؛ لأنَّه لا إله إلا الواحد القهَّارُ، لا شريك له. ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا

стр. 9266

يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ يقولُ: أَتُخْبِرونه بأنَّ في الأرضِ إلهًا، ولا إله غيرُه في الأرضِ ولا في السماءِ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثت عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾: ولو سمَّوْهم آلهةً لكذَبوا، وقالوا في ذلك غيرَ الحقِّ؛ لأنَّ اللَّهَ واحدٌ ليس له شريكٌ، قال الله: ﴿[أَمْ تُنَبَّئُونَهُ] (١) بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمَ بِظَاهِرِ مِّنَ الْقَوْلِ﴾، يقول: لا يَعْلَمُ اللَّهُ في الأرضِ إلها غيرَه (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾: واللَّهُ خلَقهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُوهُمْ﴾: ولو سَمَّوهم كذَبوا، وقالوا في ذلك ما لا يَعْلَمُ الله، ما (٣) من إلهٍ غيرُ اللَّهِ، فذلك (٤) قوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ] (٢).

стр. 9267

[وقولُه]: ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَولِ﴾. [يقولُ تعالى ذكره: أم تُنَبِّئُونه بظاهرٍ من القولِ] (١) مسموعٍ، وهو في الحقيقة باطلٌ لا صحة له. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم قالوا: ﴿أَم بِظَاهِرٍ﴾. معناه: أم بباطلٍ. فأتَوا بالمعنى الذي تدلُّ عليه الكلمة دون البيان عن حقيقة تأويلها. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِظَاهِرِ مِّنَ الْقَوْلِ﴾: بظَنٍّ (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَم بِظَاهِرِ مِّنَ الْقَوْلِ﴾: والظاهرُ من القول هو الباطلُ (٣). حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿أَم بِظَاهِرِ مَّنَ الْقَوْلِ﴾: يقولُ: أم بباطلٍ من القولِ وكذبٍ، ولو قالوا (٤)، قالوا الباطل والكذبَ (٥). وقوله: ﴿بَلْ زُيَّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ما للَّهِ مِن

стр. 9268

شريكٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، ولكن زُيِّن للمشركين الذين يدعون من دونه إلهًا، مكرهم، وذلك افتراؤُهم وكذبُهم على الله. وكان مجاهدٌ يقولُ: معنى المكرِ هاهنا: القولُ. كأنه قال (١): يعنى: قولهم بالشرك بالله. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿بَلْ زُيَّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾. قال: قولُهم (٢). حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. وأما قوله: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيل﴾. فإن القرَأةَ اختلفت في قراءته؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ بضم الصادِ (٣)، بمعنى: وصدَّهم الله عن سبيلِه لكفرهم به. ثم جُعِلتِ الصادُ مضمومةً إذ لم يُسَمَّ فاعله. وأما عامة قرأة الحجاز والبصرة، فقرَءوه بفتح الصادِ (٤)، على معنى أن المشركين هم الذين صَدُّوا الناسَ عن سبيل الله. والصوابُ مِن القول في ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرَأ بكلِّ واحدة منهما أئمة من القرأة، متقاربتا المعنى، وذلك أن المشركين بالله كانوا مصدودين عن الإيمان به، وهم مع ذلك كانوا يَصُدُّون غيرهم، كما

стр. 9269

وصَفهم الله به بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦]. وقوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ومَن أضَلَّهُ اللَّهُ عن إصابة الحقِّ والهدى، بخذلانه إياه، فما له أحدٌ يهديه لإصابتهما (١)؛ لأن ذلك لا يُنالُ إلا بتوفيقِ الله ومعونيه، وذلك بيد الله وإليه، دونَ كلِّ أحدٍ سواه. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾. يقول تعالى ذكره: لهؤلاء الكفار الذين وصف صفتهم في هذه السورة، عذابٌ في الحياة الدنيا؛ بالقتل والإسار والآفاتِ التي يُصيبهم الله بها، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾. يقولُ: ولتعذيبُ اللهِ إياهم في الدار الآخرة أشدُّ من تعذيبه إياهم في الدنيا. و ﴿أَشَقُّ﴾. إنما هو "أفعلُ" مِن المشقة. وقوله: ﴿وَمَا لَهُم مِنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾. يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء الكفَّارِ من أحدٍ يقيهم من عذابِ اللَّهِ إذا عذَّبهم؛ لا حميم [ولا صديقٌ] (٢) ولا وليٌّ ولا نصيرٌ؛ لأنَّه ﷻ لا يُعادُّه (٣) أحدٌ فيقهره فيَتَخَلَّصه (٤) من عذابه بالقهرِ، ولا يَشْفَعُ عنده أحدٌ إلا بإذنِه (٥)، وليس يَأذَنُ لأحدٍ (٦) في الشفاعة لمن كفر به فمات على كفره قبل التوبة منه.

стр. 9270

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾. اختلف أهل العلم بكلام العرب في مُرافِعِ (١) "المثَلِ"؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفيين (٢): الرافع للمثلِ قولُه: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ في المعنى، وقال: هو كما تقولُ: حِلْيةُ فلانٍ أسمرُ و (٣) كذا وكذا. فليس الأسمرُ بمرفوعٍ بالحلية، إنما هو ابتداءٌ، أي: هو أسمرُ، هو كذا. قال: ولو دخَل "أنَّ" في مثل هذا كان صوابًا. قال: ومثله في الكلام: مثلُك أنك كذا، وأنك كذا. وقوله: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا﴾ (٤). [عبس: ٢٤، ٢٥] من وجهِ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا﴾ [محمد: ١٥]. ومن قال: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ﴾. أظهَر الاسمَ؛ لأنَّه مردود على الطعام بالخفضِ، ومستأنف، أي: طعامه أنا صبَننا، ثم فعلنا. وقال: معنى قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: صفاتُ الجنةِ. وقال بعضُ نحويى البصريين: معنى ذلك: صفة الجنة. قال: ومنه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]. معناه: ولله الصفةُ العُليا. قال: فمعنى الكلام في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتهَا الْأَنْهَارُ﴾. أو: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾. كأنه قال: وَصْفُ الجنةِ صفةٌ تجرى من تحتها الأنهار، أو صفةٌ فيها أنهارٌ. والله أعلم.

стр. 9271

قال: ووجه آخرُ، كأنه إذا قيل: مثلُ الجنة. قيل: الجنةُ التي وُعِد المتقون. قال: وكذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، كأنه قال: بالله الرحمن الرحيم. والله أعلم. قال: وقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]: في ذاتِ اللَّهِ، كأنه عندنا قيل (١): في اللهِ. قال: وكذلك قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. إنما المعنى: ليس كشيءٍ، وليس مثله شيءٌ؛ لأنَّه لا مثل له. قال: وليس هذا كقولك للرجل: ليس كمثلك أحدٌ. لأنَّه يجوز أن يكون له مثل، والله لا يجوز ذلك عليه. قال: ومثلُه قول لبيدٍ (٢): * إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما * قال: وفُسِّر لنا أنه أراد: السلام عليكما. قال (٣): [وقال] (٤) أوسُ بنُ حَجَرٍ (٥): وقتلَى كرامٍ كمِثْلِ الجُذُوعِ … تَغَشَّاهُمُ سَبَلٌ (٦) مُنْهمرْ قال: والمعنى عندنا: كالجذوعِ؛ لأنَّه لم يُرِدْ أَن يَجْعَلَ للجذوعِ مِثْلا ثم يُشبِّهَ القتلى به. قال: ومثله قولُ أُمَيَّةَ (٧): رجُلٌ (٨) وثَوْرٌ تحت رِجْلِ يمينه … والنَّسرُ للأُخرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ

стр. 9272

قال: فقال: تحتَ رجلِ يمينِه. كأنه قال: تحت رجله. أو: تحتَ رجلِه اليمنى. قال: وقولُ لبيدٍ (١): أضلَّ صوارَه (٢) وتَضَيَّفَتْه … نَطوفٌ (٣) أمرها بيدِ الشَّمالِ كأنه قال: أمرُها بالشَّمالِ، وإلى الشَّمالِ. وقولُ لبيد أيضًا (٤): * حتى إذا ألْقَت يدًا في كافرٍ (٥) * فكأنه قال: حتى وقَعت في كافرٍ. وقال آخر منهم (٦): هو من المكفوفِ عن خبرِه. قال: والعربُ تَفْعَلُ ذلك. قال: وله معنًى آخرُ: للذين استجابوا لربِّهم الحسنى مَثَلُ الجنةِ، موصولٌ، صفةٌ لها على الكلام الأوّل. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: ذكر المثلَ فقال: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ﴾. والمراد الجنةُ، ثم وُصفت الجنةُ بصفتها، وذلك أن مَثَلَها إنما هو صفتها، وليست صفتها شيئًا غيرَها. وإذ كان ذلك كذلك، ثم ذكر المثل، فقيل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾، ومَثَلُها صفتها وصفة الجنة، فكان وصفها كوصف المثلِ، وكان كأن الكلام جرى بذكر الجنة، فقيل: الجنةُ تجرى من تحتها الأنهارُ. كما قال الشاعرُ (٧):

стр. 9273

أرى مرَّ السنينَ أخَذن منى … كما أخَذ السِّرارُ مِن الهلالِ فذكَر "المرَّ"، ورجع في الخبر إلى "السنينَ". وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾. يعنى: ما يُؤكَلُ (١) فيها. يقولُ: هو دائمٌ لأهلها، لا يَنْقَطِعُ عنهم، ولا يزول، ولا يَبيدُ، ولكنه ثابتٌ إلى غير نهايةٍ. ﴿وَظِلُّهَا﴾. يقولُ: وظلُّها أيضًا دائمٌ؛ لأنَّه لا شمسَ فيها. ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا﴾. يقولُ: هذه الجنةُ التي وصف جلَّ ثناؤُه عاقبةُ الذين اتَّقَوْا اللَّهَ، فاجتنبوا معاصيَه وأدَّوا فرائضَه. وقوله: ﴿وَعُقْبَى الكَافِرِينَ النَّارُ﴾. يقولُ: وعاقبة الكافرين باللَّهِ النارُ. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)﴾. يقول تعالى ذكره: والذين أنزَلنا إليهم الكتابَ ممن آمن بك واتَّبعك يا محمدُ، يَفْرَحون بما أُنزِل إليك منه، ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾. يَقولُ: ومِن أهلِ الملل المتحزِّبين عليك، وهم أهلُ أديانٍ شتَّى، مَن يُنْكِرُ بعضَ ما أُنزِل إليك، فقل لهم: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾ أيها القومُ، ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ وحدَه دونَ ما سواه، ﴿وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾: [وأجعلَ] (٢) له شريكًا في عبادتي، فأعبد معه الآلهة والأصنامَ، بل أُخْلِصُ له الدين حنيفًا مسلمًا، ﴿إلَيْهِ أَدْعُوا﴾. يقول: إلى طاعته وإخلاص العبادة له أدعو الناسَ، ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾. يقولُ: وإليه مَصِيرى. وهو "مَفْعَلٌ"، من

стр. 9274

قولِ القائلِ: آب يَئُوبُ أَوْبًا وَمآبًا. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَهُمُ الكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾: أولئك أصحاب محمد ﷺ ، فرحوا بكتابِ الله وبرسوله وصدَّقوا به. قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾: يعني اليهود والنصارى (١). حدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾. قال: مِن أهل الكتابِ. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: من أهل الكتاب، والأحزاب أهلُ الكُتُبِ، [تَفَرُّقُهم تحزُّبُهم] (٢). قوله: ﴿وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ [الأحزاب: ٢٠]. قال: لتحزُّبِهم على النبي ﷺ . قال ابن جريجٍ: وقال غيرُ (٣) مجاهد: ﴿يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾. قال: بعض القرآنِ. حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:

стр. 9275

﴿وَإِلَيْهِ مَئَابِ﴾. قال (١): إليه مصيرُ كلِّ عبدٍ (٢). حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. قال: هذا مَنْ آمَن برسولِ اللهِ ﷺ من أهل الكتاب، فيَفْرَحون بذلك. وقرَأ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠]. وفى قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾. قال: الأحزاب الأمم؛ اليهود والنصارى والمجوسُ، منهم من آمن به، ومنهم من أنكره (٣). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾. يقول تعالى ذكره: وكما أنزلنا عليك الكتابَ يا محمد فأنكره بعضُ الأحزابِ، كذلك أيضًا أنزَلنا الحكم والدين حكمًا عربيًّا. وجعَل ذلك عربيًّا ووصَفه به؛ لأنَّه أُنزل على محمد ﷺ وهو عربيٌّ، فنُسب الدين إليه، إذ كان عليه أُنْزِل، فكذَّب به الأحزابُ. ثم نهاه جلَّ ثناؤه عن تَرْكِ ما أنزل إليه، واتباعِ الأحزاب، وتَهَدَّده على ذلك إن فعله فقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ يا محمدُ ﴿أَهْوَاءَهُم﴾: أهواء هؤلاء الأحزابِ ورضاهم ومحبتهم، وانتقلت من دينك إلى دينهم، ما لك مَن يَقِيك عذابَ اللَّهِ إِن عذَّبَك على اتباعك أهواءهم، وما لك ناصر يَنْصُرُك، فيَسْتَنْقِذَك من الله إن هو عاقبك. يقولُ: فاحْذَرْ أَن تَتَّبِعَ

стр. 9276

أهواءَهم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾. يقول تعالى ذكرُه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا يا محمد رُسُلًا مِن قَبْلِكَ إِلى أَم قد خَلَتْ مِن قبل أُمَّتِك، فجعلناهم بشرًا مثلك؛ لهم أزواجٌ يَنْكِحُون، وذرِّيَّةٌ (١) أَنْسَلوهم، ولم نَجْعَلْهم ملائكةً لا يَأْكُلون ولا يَشْرَبون ولا ينكحون، فنَجْعَلَ الرسول إلى قومك من الملائكة مثلهم (٢)، ولكن أرسَلْنا إليهم بشرًا مِثلَهم، كما أرسَلْنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرًا مثلَهم، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يَقولُ تعالى ذكرُه: وما يَقْدِرُ رسولٌ أَرسَلَه الله إلى خلقِه أن يَأْتي أمته بآية وعلامةٍ؛ من تسييرِ الجبال، ونقل بلدة من مكانٍ إلى مكان آخر، وإحياءِ الموتى، ونحوها من الآياتِ ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقول: إلا بأمرِ اللهِ الجبال بالسير، والأرضَ بالانتقال، والميِّت بأن يَحْيَا، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. يقولُ: لكلِّ أَجَلِ أَمْرٍ قضاه اللَّهُ كتاب قد كتبه فهو عنده. وقد قيل معناه: لكل كتاب أنزله اللهُ مِن السماء أجلٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بن يوسفَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. يقولُ: لكلِّ كتابٍ يَنْزِلُ مِن السماءِ أَجلٌ، فيَمْحو

стр. 9277

الله ذلك ما يشاءُ ويُنْبِتُ، وعنده أم الكتاب (١). قال أبو جعفرٍ: وهذا، على هذا القول، نظيرُ قول الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. وكان أبو بكر ﵁ يقرؤُه (٢): (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بالمَوْتِ) (٣)؛ وذلك أن سكرةَ الموتِ تأتى بالحقِّ، والحق يأتى بها، فكذلك الأجَلُ له كتاب، وللكتاب أجل. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: يَمْحو الله ما يشاءُ مِن أمورِ عبادِه فيُغَيِّرُه، إلا الشقاء والسعادةَ، فإنهما لا يُغَيَّران. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى (٤) بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: يُدبِّرُ اللَّهُ أمر العبادِ، فيَمْحُو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة والموت [والحياة] (٥) (٦).

стр. 9278

حدثنا [ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي ليلى] (١)، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: كلَّ شيءٍ غير السعادة والشقاءِ، فإنهما قد فرغ منهما. حدثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا يزيد، وحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، عن سفيانَ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، يقولُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: إلا الشقاءَ والسعادةَ، والحياة والموت (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيم الفضل بن دكينٍ وقَبِيصة، قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: قال ابن عباسٍ: إلا الحياةَ والموتَ، والشقاء والسعادةَ (٣). حدثني المثنَّى، قال: ثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: يُقَدِّرُ اللَّهُ أَمَرَ السَّنةِ في ليلةِ القَدْرِ إِلا الشقاء والسعادة، والموت والحياة.

стр. 9279

حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: إلا الحياة والموت، والسعادة والشقاوة، فإنهما لا يَتَغَيَّران (١). حدثنا عمرٌو، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا معاذ (٢) بن عقبةَ، عن منصور، عن مجاهد مثله. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد مثله. قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، قال: قلتُ لمجاهد: إن كنتَ كتَبْتَنى سعيدًا فأنبتنى، وإن كنتَ كتَبْتَنى شَقِيًّا فَامْحُنى. قال: الشقاء والسعادةُ قد فُرِغ منهما. حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهدٍ ح قال: ثنا سعيد بن سليمان، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: اللَّهُ يُنْزِلُ كُلَّ شيءٍ في السنة في ليلة القدرِ، فيَمْحُو ما يشاءُ مِن الآجال والأرزاقِ والمقاديرِ، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما ثابتان (٣). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: سألتُ مجاهدا فقلت: أرأيتَ دعاءَ أحدِنا يقولُ: اللهم إن كان اسمى في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان

стр. 9280

في الأشقياءِ فامْحُه منهم واجْعَلْه في السعداءِ. فقال: حَسَنٌ. ثم أتيتُه بعد ذلك بحَوْلٍ أو أكثر من ذلك، فسألته عن ذلك فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٢) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: ٣، ٤]. قال: يُقضى في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ مِن رزقٍ أو مصيبةٍ، ثم يُقَدِّمُ ما يشاءُ، ويُؤخِّرُ ما يشاءُ، فأما كتاب الشقاء والسعادة فهو ثابت لا يُغَيَّرُ (١). وقال آخرون: معنى ذلك: أن الله يمحو ما يشاءُ ويُثبتُ مِن كتاب سوى أمِّ الكتاب الذي لا يُغَيَّرُ منه شيء. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثَنَّى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حمادٌ، عن سليمان التيمي، عن عكرمةَ، عن ابن عباس: أنه قال في هذه الآية: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: كتابان؛ كتابٌ يَمْحو منه ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وعنده أمُّ الكتابِ (٢). حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سهل بن يوسفَ، قال: ثنا سليمان التيميُّ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: الكتاب كتابان؛ كتابٌ (٣) يَمْحو الله منه ما يشاءُ ويُثْبِتُ، وعنده أم الكتاب. قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا حماد بن سلمةَ، عن سليمان التيميِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثله.
следующие страницы →