أهواءَهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا يا محمد رُسُلًا مِن قَبْلِكَ إِلى أَم قد خَلَتْ مِن قبل أُمَّتِك، فجعلناهم بشرًا مثلك؛ لهم أزواجٌ يَنْكِحُون، وذرِّيَّةٌ (١) أَنْسَلوهم، ولم نَجْعَلْهم ملائكةً لا يَأْكُلون ولا يَشْرَبون ولا ينكحون، فنَجْعَلَ الرسول إلى قومك من الملائكة مثلهم (٢)، ولكن أرسَلْنا إليهم بشرًا مِثلَهم، كما أرسَلْنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرًا مثلَهم، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يَقولُ تعالى ذكرُه: وما يَقْدِرُ رسولٌ أَرسَلَه الله إلى خلقِه أن يَأْتي أمته بآية وعلامةٍ؛ من تسييرِ الجبال، ونقل بلدة من مكانٍ إلى مكان آخر، وإحياءِ الموتى، ونحوها من الآياتِ ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقول: إلا بأمرِ اللهِ الجبال بالسير، والأرضَ بالانتقال، والميِّت بأن يَحْيَا، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. يقولُ: لكلِّ أَجَلِ أَمْرٍ قضاه اللَّهُ كتاب قد كتبه فهو عنده.
وقد قيل معناه: لكل كتاب أنزله اللهُ مِن السماء أجلٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بن يوسفَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. يقولُ: لكلِّ كتابٍ يَنْزِلُ مِن السماءِ أَجلٌ، فيَمْحو
стр. 9277
الله ذلك ما يشاءُ ويُنْبِتُ، وعنده أم الكتاب (١).
قال أبو جعفرٍ: وهذا، على هذا القول، نظيرُ قول الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. وكان أبو بكر ﵁ يقرؤُه (٢): (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بالمَوْتِ) (٣)؛ وذلك أن سكرةَ الموتِ تأتى بالحقِّ، والحق يأتى بها، فكذلك الأجَلُ له كتاب، وللكتاب أجل.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: يَمْحو الله ما يشاءُ مِن أمورِ عبادِه فيُغَيِّرُه، إلا الشقاء والسعادةَ، فإنهما لا يُغَيَّران.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى (٤) بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: يُدبِّرُ اللَّهُ أمر العبادِ، فيَمْحُو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة والموت [والحياة] (٥)(٦).
стр. 9278
حدثنا [ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي ليلى] (١)، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: كلَّ شيءٍ غير السعادة والشقاءِ، فإنهما قد فرغ منهما.
حدثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا يزيد، وحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، عن سفيانَ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، يقولُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: إلا الشقاءَ والسعادةَ، والحياة والموت (٢).
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيم الفضل بن دكينٍ وقَبِيصة، قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: قال ابن عباسٍ: إلا الحياةَ والموتَ، والشقاء والسعادةَ (٣).
حدثني المثنَّى، قال: ثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: يُقَدِّرُ اللَّهُ أَمَرَ السَّنةِ في ليلةِ القَدْرِ إِلا الشقاء والسعادة، والموت والحياة.
стр. 9279
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: إلا الحياة والموت، والسعادة والشقاوة، فإنهما لا يَتَغَيَّران (١).
حدثنا عمرٌو، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا معاذ (٢) بن عقبةَ، عن منصور، عن مجاهد مثله.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد مثله.
قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، قال: قلتُ لمجاهد: إن كنتَ كتَبْتَنى سعيدًا فأنبتنى، وإن كنتَ كتَبْتَنى شَقِيًّا فَامْحُنى. قال: الشقاء والسعادةُ قد فُرِغ منهما.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهدٍ ح قال: ثنا سعيد بن سليمان، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: اللَّهُ يُنْزِلُ كُلَّ شيءٍ في السنة في ليلة القدرِ، فيَمْحُو ما يشاءُ مِن الآجال والأرزاقِ والمقاديرِ، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما ثابتان (٣).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: سألتُ مجاهدا فقلت: أرأيتَ دعاءَ أحدِنا يقولُ: اللهم إن كان اسمى في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان
стр. 9280
في الأشقياءِ فامْحُه منهم واجْعَلْه في السعداءِ. فقال: حَسَنٌ. ثم أتيتُه بعد ذلك بحَوْلٍ أو أكثر من ذلك، فسألته عن ذلك فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٢) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: ٣، ٤]. قال: يُقضى في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ مِن رزقٍ أو مصيبةٍ، ثم يُقَدِّمُ ما يشاءُ، ويُؤخِّرُ ما يشاءُ، فأما كتاب الشقاء والسعادة فهو ثابت لا يُغَيَّرُ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: أن الله يمحو ما يشاءُ ويُثبتُ مِن كتاب سوى أمِّ الكتاب الذي لا يُغَيَّرُ منه شيء.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني المثَنَّى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حمادٌ، عن سليمان التيمي، عن عكرمةَ، عن ابن عباس: أنه قال في هذه الآية: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: كتابان؛ كتابٌ يَمْحو منه ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وعنده أمُّ الكتابِ (٢).
حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سهل بن يوسفَ، قال: ثنا سليمان التيميُّ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: الكتاب كتابان؛ كتابٌ (٣) يَمْحو الله منه ما يشاءُ ويُثْبِتُ، وعنده أم الكتاب.
قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا حماد بن سلمةَ، عن سليمان التيميِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثله.
стр. 9281
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمان، عن أبيه، عن عكرمة، قال: الكتاب كتابان ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يمحو كل ما يشاء، ويُثْبت كل ما أراد.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّام، عن الأعمش، عن شقيق أنه كان يَقُولُ: اللهم إن كنتَ كتَبْتَنا أشقياء فامْحُنا واكتبنا سعداءَ، وإن كنتَ كتبتنا سعداء فأثْبِتْنا، فإنك تُمْحو ما تشاءُ وتُثْبِتُ، وعندَك أم الكتابِ (٢).
حدثنا عمرو، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الأعمش، عن أبي وائلٍ، قال: كان مما يكثرُ أن يَدْعُوَ بهؤلاء الكلمات: اللهمَّ إن كنتَ كتَبْتَنا أشقياء فامْحُنا واكتُبْنا سعداءَ، وإن كنتَ كتَبْتَنا سعداء فأثْبِتْنا، فإنك تَمْحو ما تشاءُ وتُثْبِتُ، وعندك أمُّ الكتاب.
قال: ثنا معاذ بن هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي حكيمة، عن أبي عثمان النهديِّ، أن عمر بن الخطاب قال وهو يَطوفُ بالبيت ويبْكى: اللهم إن كنتَ كَتَبْتَ عليَّ شِقْوَةً أو ذنبًا فامْحُه، فإنك تَمحو ما تشاءُ وتُثْبِتُ، وعندك أم الكتاب، فاجْعَلْه سعادةً ومغفرةً.
قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيه، عن أبي حَكيمةَ، عن أبي عثمانَ، قال: وأحسَبُني
стр. 9282
قد سمعتُه مِن أبي عثمان مثله.
قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قُرَّةُ بن خالد، عن عِصْمة [أبي حكيمةَ] (١)، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر ﵁ مثله مثلَه (٢).
حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا أبو حكيمةَ، قال: سمِعت أبا عثمان النهديَّ، قال: سمعت عمرَ بن الخطاب ﵁ يقولُ وهو يَطوفُ بالكعبة: اللهم إن كنتَ كتَبْتَنى في أهل السعادة فأثْبِتنى فيها، وإن كنت كتَبْتَ عليَّ الذنب والشِّقرة فامْحُنى وأثْبِتنى في أهل السعادة، فإنك تَمحو ما تشاءُ وتُثْبتُ، وعندك أم الكتابِ.
قال: ثنا الحجاج بن المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن خالد الحذّاءِ، عن أبي قلابةَ، عن ابن مسعود، أنه كان يقولُ: اللهم إن كنتَ كتَبْتَني في أهلِ (٣) الشقاءِ فامْحُنى، وأثْبِتنى في أهل السعادة (٤).
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: هو الرجلُ يعملُ الزمانَ بطاعةِ اللهِ، ثم يَعُودُ لمعصية الله، فيَموتُ (٥) على
стр. 9283
ضلالِه، فهو الذي يَمْحُو. والذي يُثْبِتُ؛ الرجلُ يَعْمَلُ بطاعة (١) الله، وقد (٢) سبَق له خيرٌ حتى يموت وهو في طاعةِ اللهِ، فهو الذي يُثْبِتُ (٣).
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن هلالِ بن حُمَيدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُكَيمٍ (٤)، عن عبد الله، أنه كان يقولُ: اللهم إن كنت كتَبْتَني في السعداءِ فأثْبِتنى في السعداء، فإنك تَمحو ما تشاءُ وتُثبتُ، وعندك أم الكتابِ (٥).
حدثني المثنَّى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي حمزةَ، عن إبراهيم، أن كعبًا قال لعمر ﵁: يا أمير المؤمنين، لولا آيةٌ في كتابِ اللَّهِ لأنْبَأْتُك ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قولُ اللَّهِ: ﴿يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ (٦).
حدثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاكَ يَقُولُ في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] الآية. يقولُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ: أَنْسَخُ ما شِئْتُ، وأَصْنعُ مِن الأفعالِ ما شِئْتُ، إن شِئْتُ زِدْتُ فيها، وإن شِئْتُ نَقَصْتُ (٧).
حدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا عفّانُ، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا الكلبيُّ
стр. 9284
قال: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: يَمْحَى مِن الرزق ويزيدُ فيه، ويَمْحَى من الأجل ويزيدُ فيه. قلت: من حدَّثك؟ قال: أبو صالح، عن جابر بن عبدِ اللهِ بن رئابٍ الأنصاريِّ، عن النبي ﷺ . فقدم الكلبي بعد، فسئل عن هذه الآية: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: يَكْتُبُ القول كلَّه، حتى إذا كان يومُ الخميسِ، طرح منه كلَّ شيءٍ ليس فيه ثوابٌ ولا عليه عقابٌ، مثل قولك: أكلتُ، شَرِبتُ، دخَلتُ، خرجتُ، ونحو ذلك من الكلام وهو صادق، ويُثْبِتُ ما كان فيه الثواب وعليه العقاب (١).
حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الوهابِ، قال: سمعتُ الكلبيَّ، عن أبي صالحٍ نحوه، ولم يجاوز أبا صالح (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك أن اللَّهَ يَنْسَخُ ما يشاءُ مِن أحكام كتابه، ويُثْبِتُ ما يشَاءُ منها فلا يَنْسَخُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ﴾، قال: من القرآنِ. يقولُ: يُبَدِّلُ الله ما يشاءُ فيَنْسَحُه، ويُنْبِتُ ما يشاءُ فلا يُبَدِّلُه، ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب: الناسخ والمنسوخُ، وما يُبَدِّلُ وما يُثْبِتُ، كلُّ ذلك
стр. 9285
في كتاب (١).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾: هي مثل قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: ١٠٦]. وقوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. أي جملة الكتاب وأصله (٢).
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ (٣) ويُثْبِتُ ما يشاءُ، وهو الحكيمُ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الكتاب وأصله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: بما ينزِّل على الأنبياءِ، وَيُثْبِتُ ما يشاء مما يُنَزِّلُ على الأنبياء. قال: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: لا يُغَيَّرُ ولا يُبَدَّلُ (٤).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. قال: يَنْسَخُ. قال: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: الذِّكْرُ (٥).
وقال آخرون: معنى ذلك أنه يَمْحُو من قد حان أجلُه، ويُثبِتُ مَن لم يَجِئْ أجلُه إلى أجلِه.
стр. 9286
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسن في قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: يَمْحُو مَن جاء أجلُه فذهَب، والمثبتُ الذي هو حيٌّ يجرى إلى أجلِه (١).
حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا عوف، قال: سمعتُ الحسن يقولُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. قال: مَن جاء أجلُه، ﴿وَيُثْبِتُ﴾. قال: مَن لم يَجِئْ أجلُه إلى أجله.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسن نحوَ حديث ابن بشار.
قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. قال: آجالُ بني آدم في كتابٍ، ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِن أجله ﴿وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.
قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قولَ اللهِ: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾: قالت قريشٌ حين أُنْزِل: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣٨]: ما نراك يا محمد تَمْلِكُ مِن شيءٍ، ولقد فرغ من الأمر. فأنزلت هذه الآية تخويفا ووعيدًا لهم، إنّا إن شِئْنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونُحْدِثُ في كلِّ رمضانَ، فنَمْحو ونُثْبِتُ ما نشاءُ من أرزاق الناسِ ومصائبهم، وما نُعطيهم، وما نَقْسِمُ لهم (٢).
стр. 9287
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد نحوه.
وقال آخرون: معنى ذلك: ويَغْفِرُ ما يشاءُ من ذنوب عباده، ويترك ما يشاءُ فلا يَغْفِرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرو، عن عطاءٍ، عن سعيد في قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: يُثبِتُ في البطن الشقاء والسعادة وكلَّ شيء [هو كائن] (١)، فيَغْفِرُ منه ما يشاءُ، ويُؤَخِّرُ ما يشاءُ (٢).
وأولى الأقوال التي ذَكَرتُ في ذلك بتأويلِ الآية وأشبهها بالصواب، القولُ الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد، وذلك أن الله تعالى ذكرُه توعد المشركين الذين سأَلوا رسول الله ﷺ الآيات بالعقوبةِ، وتهددّهم بها، وقال لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. يُعْلِمُهم بذلك أن لقضائه فيهم أجلًا مُثبَتًا في كتابٍ، هم مؤخَّرون إلى وقتِ مجئِ ذلك الأجل، ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجلُ، [مَحى الله ما شاء] (٣)، ممن قد دنا أجله، وانقَطع رزقه، أو حان (٤) هلاكه، أو اتضاعُه من رفعةٍ، أو هلاك مالٍ، فيَقْضِى ذلك في خلقِه، فذلك
стр. 9288
مَحْوُه، ويُثبت ما شاء ممن بقى أجله، وأُكُلُه ورزقه، فيَتْرُكُه على ما هو عليه، فلا يَمْحُوه.
وبهذا المعنى جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ ، وذلك ما حدثني محمد بن سهل بن عسكرٍ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن زيادةَ بن محمد، عن محمد بن كعبٍ القرظيِّ، عن فَضالةَ بن عُبيدٍ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يَفْتَحُ الذِّكر في ثلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِن الليل؛ في الساعة الأولى منهن يَنْظُرُ في الكتاب الذي لا يَنْظُرُ فيه أحدٌ غيرُه، فيَمْحُو ما يشاءُ ويُثْبِتُ". ثم ذكر ما في الساعتين الآخرتين (١).
حدثنا موسى بن سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الليث، قال: ثنا زيادة بن محمد، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن الله يَنزِلُ في ثلاث ساعاتٍ يَبْقَين من الليل؛ يَفْتَحُ الذِّكرَ في الساعةِ الأولى الذي لم يَرَهُ أحدٌ غيرُه، يَمحو ما يشاء ويُثبِتُ ما يشاء" (٢).
حدثني محمد بن سهل بن عسكرٍ، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إن للَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا، مسيرة خمسمائة عامٍ، من دُرّةٍ بيضاءَ، لها دفَّتان من ياقوت، والدفتان لوحان الله، كل يوم ثلاثمائة
стр. 9289
وستون لحظةً، يَمْحُو ما يشاءُ ويُثْبِتُ، وعنده أم الكتاب.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: ثنى رجلٌ، عن أبيه، عن قيس بن عبّادٍ، أنه قال: العاشر من رجبٍ هو يومُ يمحو الله فيه ما يشاءُ (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه وعنده الحلال والحرام.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيمَ، قال: ثنا محمد بن عقبة، قال: ثنا مالك بن دينارٍ، قال: سألت الحسن، قلت: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾؟ قال: الحلال والحرام. قال: قلت له: فما ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟ قال: هذه أمُّ القرآنِ. وقال آخرون: معناه: وعنده جملة الكتاب وأصله.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: جملة الكتاب وأصلُه.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثله (٢).
стр. 9290
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ، قال: سمعت الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: كتاب عند ربِّ العالمين (١).
حدثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاق بن يوسفَ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: جملة الكتاب وعلمُه، يعنى بذلك ما يَنْسَخُ منه وما يُثْبِتَ (٢).
حدثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب؛ الناسخ والمنسوخُ، وما يبدِّلُ وما يُثْبِتُ، كل ذلك في كتاب.
وقال آخرون في ذلك ما حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمان، عن أبيه، عن سيارٍ (٣)، عن ابن عباس، أنه سأل كعبًا عن أمِّ الكتابِ فقال: عِلم الله ما هو خالق وما خلقُه عاملون، فقال لعِلْمِه: كن كتابًا. فكان كتابا (٤).
وقال آخرون: هو الذكرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ - قال أبو جعفرٍ: لا أدرى فيه ابن جريجٍ أم لا - قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال:
стр. 9291
الذكر (١).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: وعنده أصل الكتاب وجملته، وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يَمْحُو ما يشاءُ ويُثبتُ ما يشاء، ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. فكان بيِّنًا أن معناه: وعنده أصلُ المثبت منه والمَمْحُو، وجملته في كتاب لديه.
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وَيُثْبِتُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ (٢) المدينة والكوفةِ: (ويُثَبِّتُ) بتشديد الباءِ (٣)، بمعنى: ويَتْرُكُه ويُقرُّه على حالِه، فلا يَمْحُوه. وقرَأه بعضُ المكيين وبعضُ البصريين وبعض الكوفيين: ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بالتخفيف (٤)، بمعنى: يَكْتُبُ.
وقد بيَّنَّا قبل أن معنى ذلك عندنَا: إقراره مكتوبًا وترْكُ مَحْوِه، على ما قد بَيَّنَّا، فإذا كان ذلك كذلك، فالتثبيتُ به أولى، والتشديد أصوبُ من التخفيف، وإن كان التخفيفُ قد يَحْتَمِلُ توجيهَه في المعنى إلى التشديد، والتشديد إلى التخفيف، لتقارب معنيَيْهِما.
وأما المحْوُ، فإن للعرب فيه لُغتيْن؛ فأما مُضَرُ فإنها تقولُ: مَحَوتُ الكتاب أمْحُوه مَحْوًا، وبه التنزيل، ومَحَوتُه (٥) أمحاه محوًا. وذُكِر عن بعض قبائلِ ربيعة أنها
стр. 9292
تقولُ: مَحَيْتُ أمْحِي.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ : وإما نُرِيَنَّك يا محمد في حياتك بعضَ الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم، أو نَتوفَّينَّك قبل أن نُرِيَك ذلك، فإنما عليك أن تَنتهى إلى طاعة ربِّك فيما أمرك به من تبليغهم رسالته، لا طلبُ صلاحِهم ولا فسادِهم، وعلينا محاسبتهم، فمجازاتهم بأعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه أو لم يرَ هؤلاء المشركون من أهل مكةَ، الذين يَسْأَلُون محمدًا الآياتِ، أَنا نَأْتِي الأَرضَ، فنَفْتَحُها له أرضًا بعد أرضٍ، حوالَيّ أرضِهم؟ أفلا يخافون أن نَفْتَح له أرضهم، كما فتحنا له غيرها؟
ذكر من قال ذلك
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمد بن الصبّاح، قال: ثنا هشيم، عن حصينٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: أو لم يَرَوا أنا نَفْتَحُ لمحمد الأرض بعد الأرض (١)؟
стр. 9293
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. يَعْنى بذلك ما فتَح الله على محمدٍ. يقولُ: فذلك نُقصانُها (١).
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سلمة بن نُبَيطٍ، عن الضحاك، قال: ما تَغَلَّبَ (٢) عليه من أرض العدوِّ (٣).
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، قال: كان الحسنُ يقولُ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: هو (٤) ظهور المسلمين على المشركين (٥).
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيد بن سليمانَ، قال: سمعت الضحاك [يقولُ في] (٦) قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِن أَطْرَافِهَا﴾: يعنى أن نبيَّ الله ﷺ كان يُنْتَقَصُ له ما حولَه مِن الأَرْضِين، يَنْظُرون إلى ذلك فلا يَعْتَبِرون، قال الله في سورةِ "الأنبياءِ": ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ تَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]: بل نبيُّ الله ﷺ وأصحابه هم الغالبون (٧).
стр. 9294
وقال آخرون: بل معناه: أولم يَروا أنا نأتى الأرضَ فنُخرِبُها؟ أوَلا يخافون أن نَفْعَلَ بهم وبأرضهم مثل ذلك، فنُهْلِكهم ونُخْرِبَ أَرضَهم؟
ذكر من قال ذلك
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عليُّ بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عكرمةَ، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: أو (١) لم يَرَوْا إلى القريةِ تَخْرَبُ حتى يكونَ العُمْرانُ في ناحية (٢)؟
قال: ثنا حجاج بن (٣) محمدٍ، عن ابن جريجٍ، عن الأعرج، أنه سمع مجاهدًا يقولُ: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. . قال: خرابُها (٤).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد مثله.
قال: وقال ابن جريجٍ: خرائها وهلاك الناس.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي جعفر الفراء، عن عكرمة قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: نُخْرِبُ (٥) مِن أطرافها.
وقال آخرون: بل معناه: نَنْقُصُ مِن بَرَكَتِها وثمرتِها وأهلها بالموت.
стр. 9295
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. يقولُ: نقصانُ أهلها وبَرَكتِها (١).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: في الأنفسِ وفى الثمرات وفى خراب الأرضِ.
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ القَنادِ، عمن سمع الشعبيَّ، قال: لو كانت الأرضُ تَنْقُصُ، لضاق عليك حُشُّك (٢)، ولكن تَنْقُصُ الأنفسُ (٣) والثمرات (٤).
وقال آخرون: معناه: أنا نأتى الأرضَ نَنْقُصُها من أهلها، فنَتَطرَّفُهم بأخذِهم بالموت.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: موتُ أهلها (٥).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: الموتُ (٦).
стр. 9296
حدثني المثنَّى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هارون النحويُّ، قال: ثنا الزبير بن الحارث، عن عكرمة في قوله: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: هو الموتُ. ثم قال: لو كانت الأرضُ تَنْقُصُ، لم نجد مكانًا نَجلس فيه (١).
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: كان عكرمة يقولُ: هو قَبْضُ الناسِ (٢).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: سُئِل عكرمةُ عن نقص الأرضِ، قال: قَبْضُ الناسِ.
حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا جرير بن حازمٍ، عن يَعْلَى بَنِ حكيم، عن عكرمة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: لو كان كما يقولون لما وجد أحدكم جُبًّا يَخْرَأُ فيه.
حدثنا الفضل بن الصباح، قال: [ثنا إسماعيل ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاء، قال] (٣): سُئل عكرمة وأنا أسمع عن هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: الموتُ.
وقال آخرون: نَنْقُصُها من أطرافها بذَهَابِ فقهائها وخيارِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلحة بن عمرو، عن
стр. 9297
عطاء، عن ابن عباس، قال: ذهابُ علمائها وفقهائها وخيار أهلها (١).
قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن مجاهد، قال: موتُ العلماء (٢).
وأوْلَى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قولُ مَن قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بظهور المسلمين من أصحاب محمد ﷺ عليها، وقهرهم أهلها، أفلا يَعْتَبرون بذلك، فيخافون ظهورهم على أرضهم، وقهرهم إياهم؟ وذلك أن الله توعد الذين سأَلوا رسولَه الآيات من مشركي قومه بقوله: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾. ثم وبَّخَهُم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم بما يُعاينون مِن فعلِ اللَّهِ بضُرَبائِهم من الكفار، وهم مع ذلك يسألون الآياتِ، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بقهر أهلها والغَلَبة عليها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بما يرون مِن ذلك!
وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾. يقولُ: والله هو الذي يَحْكُمُ فيَنْفُذُ حكمه، ويَقْضِى فيَمْضِى قضاؤُه، وإذا جاء هؤلاء المشركين باللَّهِ مِن أهل مكةَ حكم الله وقضاؤُه، لم يستطيعوا ردَّه.
ويعنى بقولِه: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾: [لا رادَّ لحكمهِ] (٣).
стр. 9298
والمعقِّب في كلام العرب هو الذي يَكُرُّ على الشيء.
وقوله: ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. يقولُ: والله سريعُ الحسابِ، يُحْصى أعمال هؤلاء المشركين، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها (١)، وهو من وراء جزائهم عليها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: قد مكَر الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأممِ التي سلَفت، بأنبياء الله ورسله، ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾. يقولُ: فلله أسباب المكرِ جميعًا، وبيده وإليه، لا يَضُرُّ مكرُ مَن مَكَر منهم أحدًا، إلا مَن أراد اللَّهُ ضُرَّه به. يقولُ: فلم يَضُرَّ الماكرون بمكرهم إلا من شاء الله أن يَضُرَّه ذلك، وإنما ضَرُّوا به أنفسهم؛ لأنهم أسْخَطوا ربَّهم بذلك على أنفسهم، حتى أهلَكهم ونجَّى رسله. يقولُ: فكذلك هؤلاء المشركون من قريش يَمكرون بك يا محمد، والله مُنجِّيك من مكرهم، ومُلْحِقٌ ضُرَّ مكرهم بهم دونَك.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾. يقولُ: يَعْلَمُ ربُّك يا محمد ما يعمَلُ هؤلاء المشركون من قومك، وما يَسْعَون (٢) فيه من المكرِ بك، ويَعْلَمُ (٣) جميعَ أعمال الخلق كلهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها، ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. يقول: وسيَعْلَمون إذا قدموا على ربِّهم يوم القيامة لمن عاقبة الدار الآخرة، حينَ يَدْخُلون النار ويَدْخُلُ المؤمنون بالله ورسوله الجنة.
стр. 9299
واختَلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته قرأةُ المدينة وبعضُ أهل البصرةِ: (وَسَيَعْلَمُ الكافرُ). على التوحيد (١). وأما قرأة الكوفة فإنهم قرءوه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾. على الجمع (٢).
والصواب من القراءة في ذلك (٣) القراءةُ على الجمع: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾؛ لأن الخبر جرى قبل ذلك عن جماعتهم، وأُتْبِع بعده الخبر عنهم، وذلك قوله: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾. وبعده قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾.
وقد ذُكر أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وَسَيَعْلَم الكافِرُون) (٤)، وفي قراءةِ أُبيٍّ: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (٥). وذلك كلُّه دليلٌ على صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللَّهِ مِن قومك يا محمد: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾؛ تكذيبًا منهم لك، وجحودا لنبوّتك، فقلْ لهم إذا قالوا ذلك: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾. يقولُ: قُلْ حسبيَ اللَّهُ، ﴿شَهِيدًا﴾. يعني شاهدًا، ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: عليَّ وعليكم، بصدقى وكذبِكم، ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾
стр. 9300
فـ ﴿مَنْ﴾ إذا قُرئ كذلك في موضعِ خفضٍ، عطفًا به على اسم الله، وكذلك قرأ به قرأة الأمصار، بمعنى: والذين عندهم علمُ الكُتُبِ (١) التي نزلت قبلَ القرآنِ كالتوراة والإنجيل، وعلى هذه القراءة فسَّر ذلك المفسرون.
ذكرُ الرواية بذلك
حدثني عليُّ بن سعيدٍ الكنديُّ، قال: ثنا أبو مُحَيَّاةَ؛ يحيى بن يعلى، عن عبد الملكِ بن عميرٍ، عن ابن أخى عبدِ اللهِ بن سلام، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ: نزلت فيَّ: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (٢).
حدثنا الحسين بن عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا شعيبُ بن صفوان، قال: ثنا عبد الملكِ بن عميرٍ، أن محمد بن يوسفَ بن عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ، قال: قال عبد الله بن سلَامٍ: أُنزِل فيَّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (٣).
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: فالذين عندهم علم الكتاب هم أهل الكتاب، من اليهود والنصارى (٤).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد:
стр. 9301
﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. قال: هو عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ (١).
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي صالح في قوله: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ﴾. قال: رجلٌ مِن الإنسِ. ولم يُسمِّه.
حدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ (٢).
قال: ثنا يحيى بن عبّادٍ، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.
حدثنا بشر، [قال: ثنا يزيد] (٣)، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾. قال: قول مشركي قريشٍ، ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: أناسٌ مِن أهل الكتاب كانوا يَشْهَدون بالحقِّ ويُقِرُّون به، ويَعْلَمون أن محمدا رسولُ اللهِ، كنَّا (٤) نُحَدَّثُ أن منهم عبدَ اللَّهِ بنَ سَلَامٍ (٥).
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، [عن معمر] (٦)، عن
стр. 9302
قتادةَ: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. قال كان منهم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسيُّ وتميمٌ الداريُّ (١).
حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيدٍ، عن قتادة: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. قال: هو عبد الله بن سلامٍ.
وقد ذكر عن جماعةٍ من المتقدِّمين أنهم كانوا يَقْرَءونه: (وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتَابِ) (٢). بمعنى: مِن عندِ اللَّهِ عِلْمُ الكتاب.
ذكرُ مَن ذُكِر ذلك عنه
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهابِ بن عطاء، عن هارونَ، عن جعفر بن (٣) أبي وَحْشِيَّةَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (ومن عندِه عِلْمُ الكِتَابِ). يقولُ: مِن عندِ اللهِ عِلْمُ الكتابِ (٤).
حدثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، عن شعبة، عن الحَكَمِ، عن مجاهد: (وَمِنْ عِنْدِه عِلْمُ الكِتَابِ). قال: مِن عندِ اللهِ (٥).
قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن الحَكَمِ، عن مجاهد: (وَمِنْ عِندِه عِلْمُ الكِتَابِ). قال: مِن عندِ اللَّهِ عِلْمُ الكتاب (٤).
стр. 9303
وقد حدَّثنا هذا الحديث الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهد: (وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ). قال: هو الله، هكذا قرَأ الحسنُ (١): (وَمِنْ عِندِه عُلِمَ الكِتَابُ).
قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زَادَانَ، عن الحسنِ مثلَه (٢).
قال: ثنا عليٌّ، يعنى ابنَ الجَعْدِ، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسنِ: (وَمِنْ عِنْدِه عُلِمَ الكِتَابُ). قال: اللَّهُ. قال شعبةُ: فذكرت ذلك للحَكَم، فقال: قال مجاهدٌ مثلَه.
حدثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، قال: سمعتُ منصورَ بنَ زَاذَانَ يُحَدِّثُ عن الحسنِ أنه قال في هذه الآية: (ومِن عنده عُلِمَ الكتابُ). قال: مِن عندِ اللهِ.
قال: ثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: (وَمِنْ عِندِه عُلِمَ الكتابُ). قال: مِن عندِ اللهِ عُلم الكتابُ.
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، عن الحسنِ: (وَمِنْ عِندِهِ عُلِمَ الكِتَابُ). قال: من عندِ اللهِ عُلِمَ الكتابُ، هكذا قال ابن عبد الأعلى.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: كان الحسن يَقْرَؤُها: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَمِنْ عِندِهِ عُلِمَ الْكِتَابُ). يَقُولُ: مِن
стр. 9304
عندِ اللَّهِ عُلِمَ الكتاب وجملتُه.
هكذا حدَّثنا به بشرٌ: (عُلِمَ الكتابُ). وأنا أحْسَبُه وَهِم فيه، وأنَّه (ومن عندِه عِلْمُ الكتابِ)؛ لأن قوله: وجملتُه. اسمٌ، لا يُعْطَفُ باسم على فعلٍ ماضٍ.
حدَّثنا الحسن، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن هارونَ: (ومن عندِه عِلْمُ الكتابِ). يقُولُ: مِن عندِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحجاج بن المنهالِ، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشرٍ، قال: قلتُ لسعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: أهو عبدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قال: هذه السورة مكيةٌ، فكيف يكونُ عبد الله بنَ سلَام؟! قال: وكان يَقْرَؤُها (ومن عنده عِلْمُ الكتاب). يقول: مِن عندِ اللَّهِ (١).
حدثنا الحسن، قال: ثنا سعيد بن منصورٍ، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشرٍ، قال: سأَلتُ سعيد بن جبير عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. أهو عبدُ اللَّهِ بنُ سلامٍ؟ قال: فكيف وهذه السورة مكيةٌ؟! وكان سعيدٌ يَقْرَؤُها (ومِن عندِه عِلْمُ الكتاب)] (١).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عبّادٌ، عن عوفٍ، عن الحسن، وجويبرٍ عن الضحاكِ بن مزاحِمٍ قالا: (ومن عنده عِلْمُ الكتاب). قال: مِن عندِ الله.
وقد روى عن رسول الله ﷺ خبرٌ بتصحيحِ هذه القراءة وهذا التأويل، غيرَ أن في إسنادِه نظرًا، وذلك ما حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى عبّادُ بنُ
стр. 9305
العوّامِ، عن هارونَ الأعور، عن الزهري، عن سالم بن عبدِ اللَّهِ، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قرأ: (ومن عنده عِلْمُ الكتاب): عندَ اللهِ عِلْمُ الكتاب (١).
وهذا خبر ليس له أصل عندَ الثقاتِ مِن أصحاب الزهري، فإذا كان ذلك كذلك، وكانت قرأةُ الأمصارِ مِن أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهى: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب مما (٢) خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحق بالصواب.
آخر تفسير سورة الرعد، والحمد لله صادق الوعدِ
стр. 9306
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسيرُ سورةِ إبراهيمَ ﵇
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾.
قال أبو جعفر الطبريُّ: قد تقدَّم منا البيانُ عن معنى قوله: ﴿الر﴾ فيما مضَى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (١).
وأما قوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ﴾. فإن معناه: هذا كتابٌ أنزلناه إليك يا محمدُ، يعنى القرآن. ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، يقول: لتَهْدِيَهم به مِن ظلماتِ الضلالة والكفر إلى نور الإيمان وضيائه، وتُبَصِّرَ به أهل الجهل والعَمَى سُبُلَ الرشادِ والهُدَى.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾. يعنى: بتوفيق ربِّهم لهم بذلك، ولطفه بهم، ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. يعنى: إلى طريق الله المستقيم، وهو دينه الذي ارْتَضَاه وشرعه لخلقه.
و"الحميدُ" فعيلٌ، صُرِف مِن مفعول إلى فعيلٍ، ومعناه: المحمود بآلائه، وأضاف تعالى ذكره إخراج الناسِ من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم لهم بذلك، إلى نبيِّه ﷺ ، وهو الهادى خلقَه، والموفِّقُ مَن أحبَّ منهم للإيمان؛ إذ كان منه دعاؤُهم إليه، وتعريفُهم ما لهم فيه وعليهم، فبيِّنٌ بذلك صحة قول أهل الإثبات الذين
стр. 9307
أضافوا أفعالَ العباد إليهم كسبًا، وإلى الله جل ثناؤُه إنشاءً وتدبيرًا، وفساد قولِ أهلِ القَدَرِ الذين أنكروا أن يكونَ للَّه في ذلك صنعٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ في قوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أي من الضلالة إلى الهُدَى (١).
القول في تأويل قوله عزّ ذكرُه: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾.
اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك (٢)، فقرأته عامة قرأةِ المدينة والشامِ: (اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ). برفعِ اسمِ الله على الابتداء، وتصييرِ قولِه: ﴿الَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ خبرَه.
وقرأته عامَّةُ قرأة أهل العراقِ والكوفةِ والبصرة: ﴿اللَّهِ الَّذِى﴾. بخفض اسم الله، على إتباع ذلك ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وهما خفضٌ.
وقد اختلَف أهلُ العربية في تأويله إذا قُرِئ كذلك، فذُكر عن أبي عمرِو بن العلاء، أنه كان يَقْرَؤُه بالخفضِ، ويَقُولُ: معناه: بإذن ربهم إلى صراط الله (٣) العزيز الحميدِ، الذي له ما في السماواتِ، ويَقُولُ: هو مِن المؤخَّرِ الذي معناه
стр. 9308
التقديم. ويُمثِّله بقول القائل: مَرَرْتُ بالظريف عبد الله. والكلام الذي يوضع مكان الاسم النعتُ، ثم يُجْعَلُ الاسم مكان النعتِ، فيَتْبَعُ إعرابه إعراب النعتِ الذي وُضِع موضع الاسم، كما قال بعض الشعراء:
لو كنتُ ذا نَبْلٍ وذا شَرِيبٍ (١) … ما خِفْتُ شَدَّات (٢) الخبيث الذيبِ
وأما الكسائي فإنه كان يقولُ، فيما ذُكر عنه: مَن حَفَض أراد أن يَجْعَلَه كلاما واحدًا، وأتبع الخفض الخفض. وبالخفضِ كان يَقْرَأُ.
والصوابُ مِن القول في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرأة، معناهما واحدٌ، فبأيتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ، وقد يجوزُ أن يكون الذي قرأه بالرفعِ، أراد معنى من خفض في إتباع الكلام بعضه بعضا، ولكنه رفع لانفصالِه من الآية التي قبلَه، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالِهُم﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١١، ١١٢].
ومعنى قوله: ﴿اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: الله الذي يملكُ جميعَ ما في السماوات وما في الأرضِ، يقول لنبيه محمد ﷺ : أنزلنا إليك هذا الكتابَ، لتَدْعُوَ عبادى إلى عبادة من هذه صفتُه، ويدعوا عبادةَ مَن لا يَمْلك لهم ولا لنفسه ضَرًّا ولا نفعًا من الآلهة والأوثانِ. ثم توعد جلَّ ثناؤُه مَن كَفَر به ولم يَسْتَجِبْ لدعاءِ رسوله إلى ما دعاه إليه من إخلاص التوحيد له، فقال: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ: الوادى الذي يَسيلُ من صديد
стр. 9309
أهلِ جهنم لمن جحد وحدانيته، وعبد معه غيرَه، مِن عذابِ اللَّهِ الشديدِ.
القول في تأويل قوله عزّ ذكرُه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾.
يعنى جلّ ثناؤُه بقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾: الذين يختارون الحياةَ الدنيا ومتاعها ومعاصىَ الله فيها، على طاعة الله. وما يُقَرِّبُهم إلى رضاه من الأعمال النافعة في الآخرةِ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ويَمْنعون من أراد الإيمان بالله واتباع رسوله، على ما جاء به من عندِ الله، من الإيمان به واتباعه. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. يقولُ: ويَلْتَمِسون سبيل الله، وهى دينُه الذي ابتَعَث به رسوله، ﴿عِوَجًا﴾: تحريفا وتبديلا بالكذب والزور، و"العِوَج"، بكسرِ العَيْنِ وفتحِ الواوِ: في الدين والأرضِ وكلِّ ما لم يَكُنْ قائمًا، فأما في كلِّ ما كان قائما كالحائطِ والرُّمْحِ والسِّنِّ، فإنه يقالُ بفتح العين والواوِ جميعًا؛ "عَوَج". يقولُ اللَّهُ عزَّ ذكرُه: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالِ بَعِيدٍ﴾ يعنى هؤلاء الكافرين الذين يَسْتَحِبُّون الحياة الدنيا على الآخرةِ. يقولُ: هم في ذَهاب عن الحقِّ بعيدٍ، وأخذٍ على غير هدًى، وجَوْرٍ عن قصد السبيل.
وقد اختلف أهلُ العربية في وجهِ دُخول "على" في قوله: ﴿عَلَى الْآخِرَةِ﴾، فكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: أوصَل الفعلَ بـ (على)، كما قيل (١): ضربوه في السيفِ. يريدُ بالسيفِ، وذلك أن هذه الحروفَ يُوصَلُ بها كلِّها وتحذفُ، نحو قولِ العربِ: نزَلتُ زيدًا، ومررتُ زيدا، يريدون: مررتُ به، ونزلتُ عليه.
وقال بعضُهم: إنما أدخل ذلك؛ لأن الفعل يؤدِّى عن معناه من الأفعال (٢)،
стр. 9310
ففى قوله: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [معناه: يؤثرون بالحياة الدنيا] (١) على الآخِرَةِ. ولذلك أُدخلت "على". وقد بيَّنتُ هذا ونظائره في غير موضعٍ مِن الكتابِ بما أغنى عن الإعادة (٢).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا إلى أمةٍ من الأمم يا محمد من قبلك، ومن قبل قومك، رسولا إلا بلسان الأمة التي أرسلناه إليها ولغتهم، ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. يقولُ: ليُفْهِمَهم ما أرسله الله به إليهم من أمره ونهيِه، ليُثْبِتَ حجة الله عليهم، ثم التوفيق والخِذلان بيدِ اللَّهِ، فيُخَذِّلُ عن قبول ما أتاه به رسوله من عنده من شاء منهم، ويُوفِّقُ لقبوله من شاء؛ ولذلك رفع ﴿فَيُضِلُّ﴾؛ لأنَّه أُريد به الابتداء لا العطف على ما قبلَه، كما قيل: ﴿لِنُبَيَّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥]. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يَمتنِعُ مما أراده من ضلال أو هدايةٍ مَن أراد ذلك به، و ﴿الْحَكِيمُ﴾ (٣) في توفيقه للإيمانِ مَن وفَّقه له، وهدايته له من هداه إليه، وفى إضلالِه مَن أضلَّ عنه، وفي غير ذلك من تدبيره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
стр. 9311
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾: أي بلغة قومه ما كانت، قال الله : ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ الذي أُرسل إليهم، ليتخذَ بذلك الحجةَ، قال اللَّهُ : ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا وحججِنا من قبلك يا محمدُ، كما أرسلناك إلى قومك بمثلها من الأدلة والحُجَجِ، كما حدَّثنا محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ ح وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ الأشيبُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد ح وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾. قال: بالبينات (٢).
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾. قال: التسعِ الآيات؛ الطوفانِ وما معه (٣).
стр. 9312
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا [عبد اللهِ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح] (١)، عن مجاهد: ﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾. قال: التسع البينات.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
وقوله: ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: كما أنزَلنا إليك يا محمدُ هذا الكتابَ، لتُخْرِجَ الناسَ مِن الظلماتِ إلى النورِ بإِذْنِ رَبِّهم. ويعنى بقوله: ﴿أَن أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أَنِ ادعُهم من الضلالة إلى الهُدى، ومن الكفرِ إلى الإيمان، كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّور﴾. يقولُ: من الضلالة إلى الهدى (٢).
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة مثله (٣).
وقوله: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. يقولُ : وعظهم بما سلَف من يعمى عليهم في الأيامِ التي خلَت. فاجتُزئَ بذكر الأيام من ذكر النعم التي عناها؛ لأنها أيامٌ كانت معلومةً عندَهم، أنعم الله عليهم فيها نعمًا جليلةً؛ أنقذهم فيها من آل فرعون، بعد ما كانوا فيما كانوا من العذاب المهين، وغرَّق عدوهم فرعونَ وقومَه، وأَوْرَثَهم أرضَهم وديارهم وأموالهم.
стр. 9313
وكان بعضُ أهل العربية يقولُ: معناه خوِّفهم بما نزل بعاد وثمود وأشباههم مِن العذابِ، وبالعفو عن الآخرين. قال: وهو في المعنى كقولك: خُذهم بالشدَّةِ واللين.
وقال آخرون منهم (١): قد وجَدنا لتسمية النعم بالأيام شاهدًا في كلامهم. ثم اسْتَشْهَد لذلك بقول عمرو بن كلثوم (٢).
وأيام لنا غُرٍّ طِوَالٍ … عصَينا المَلْكَ فيها أن نَدِينا
وقال: فقد يكون إنما جعَلها غرًّا طوالًا؛ لإنعامهم على الناس فيها. قال: فهذا شاهد لمن قال: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ بنِعَمِ اللهِ، ثم قال: وقد يكون تسميتها غرًّا، لعُلُوِّهم على الملِكِ وامتناعهم فأيامهم غرٌّ لهم، وطوالٌ على أعدائهم.
قال أبو جعفر: وليس للذى قال هذا القائلُ (٣)؛ مِن أن في هذا البيت دليلا على أن الأيامَ معناها النعم - وجهٌ؛ لأن عمرو بن كلثوم إنما وصف ما وصف مِن الأيام بأنها غرٌّ، لعزِّ عشيرته فيها، وامتناعهم على الملكِ من الإذعانِ له بالطاعة، وذلك كقول الناس: ما كان لفلانٍ قطُّ يومٌ أبيضُ. يعنون بذلك أنه لم يَكُنْ له يوم مذكورٌ بخير، وأما وصفه إياها بالطُّولِ، فإنها لا توصف بالطول إلا في حال شدَّةٍ، كما قال النابغة (٤):
كِلِيني لهمٍّ يا أُميمَةَ ناصب … وليلٍ أُقاسيه بطيءِ الكواكبِ
فإنما وصَفها عمرٌو بالطولِ لشدةِ مكروهها على أعداء قومه، ولا وجه لذلك
стр. 9314
غير ما قلت.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يحيى بن طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيل بن عياضٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بأنعُمِ الله.
حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيدِ، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيانَ، عن عبيد المكتب، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَكِرْهُم بِأَيَّام اللَّهِ﴾. قال: بنعمِ الله (١).
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد مثله.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبثرٌ، عن حصين، عن حصين، عن مجاهد مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ح وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن (٢)، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بنعم الله (٣).
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ،
стр. 9315
عن مجاهد مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
حدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بالنعم التي أنعم بها عليهم؛ أنجاهم من آل فرعونَ، وفلق لهم البحرَ، وظلَّل عليهم الغمامَ، وأنزَل عليهم المنَّ والسلوى (١).
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حبيب بن حسان، عن سعيدِ بن جبير: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بنِعَمِ اللَّهِ (٢).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة (٣): ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ذكِّرْهم بنعَمِ الله عليهم.
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بِنِعَمِ اللَّهِ (٤).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ اللَّهِ: ﴿وَذَكَّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: أيامه التي انتقم فيها من أهل معاصيه من الأمم، خوِّفْهم بها، وحذِّرهم إياها، وذكِّرهم أن يُصيبهم ما أصاب الذين من قبلهم.
حدثني المثنَّى، قال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا محمد بن أبانٍ، عن أبي