← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

يقالُ. منه: تخَوَّف مالَ فلانٍ الإنفاقُ. إذا انْتَقَصَه. ونحوُ تخَوُّفِه - مِن التَّخوُّفِ - بمعنى التنقُّصِ، قولُ الشاعرِ (١): تخَوَّف السيرُ منها تامِكًا قَرِدًا … كما تخوَّف عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ (٢) [يعنى بقولهِ: تخَوَّف السيرُ. تنَقَّص سَنامَها. وقد ذكَرْنا عن الهيثمِ بن عديٍّ (٣) أنه كان يقولُ: هي لغةٌ لأَزْدِ شَنُوءةَ، معروفةٌ لهم. ومنه قولُ آخَرَ (٤): تخوُّفُ غَدْرِهم (٥) مالى وأُهدِى … سَلاسلَ في الحُلُوقِ لها صَلِيلُ] (٦) وكان الفرَّاءُ يقولُ (٧): العرب تقول: [تحَوَّفْتُه - أي: تنَقَّصْتُه - تحَوُّفًا] (٨). أي: أخَذْتُه مِن حافاتِه وأطرافِه. قال: فهذا الذي سمِعْتُه (٩)، وقد أتَى التفسيرُ

стр. 9697

بالخاءِ (١)، وهو (٢) بمعنى. قال (٣): ومثلُه ما قُرِئ بوجهيْن؛ قوله: إن لك في النهارِ سَبْحًا وسَبْخًا (٤). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن المسعوديِّ، عن إبراهيمَ بن عامرِ بن مسعودٍ، عن رجلٍ، عن عمرَ، أنه سألهم عن هذه الآيةِ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: ما نَرَى إلا أنه عندَ تنقُّصِ (٥) ما نُردِّدُه (٦) مِن الآياتِ. فقال عمرُ: ما أَرَى (٧) إلا أنه على ما تَنْتَقِصون مِن معاصى اللَّهِ. قال: فخرَج رجلٌ ممن كان عندَ عمرَ، فَلَقِى أعرابيًّا، فقال: يا فلانُ، ما فعَل ربُّك (٨)؟ قال: قد تخَيَّفْتُه؛ يعنى تنَقَّصْتُه (٩). قال: فرجَع إلى عمرَ فأَخْبَرَه، فقال: قدَّر اللهُ

стр. 9698

ذلك (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. يقولُ: إِنْ شَئتُ أَخَذْتُه على أثرِ موتِ صاحبِه، نُخَوِّفُ (٢) بذلك (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ الُخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. قال: التنقُّصِ والتَّقْريعِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: على تنقُّصٍ (٥). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (٦)، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 9699

مُجاهدٍ: ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. قال: تنقُّصٍ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، فيُعاقِبَ أو يَتَجاوزَ (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. قال: كان يقالُ: التخوُّفُ التنقُّصُ؛ يَنْتَقِصُهم مِن البُلدانِ مِن الأطرافِ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. يعنى: يَأْخُذُ العَذَابُ طائفةً، ويَتْرُكُ أخرى، و (٣) يُعَذِّبُ القريةَ ويُهْلِكُها، ويَتْرُكُ أخرى إلى جَنْبِها (٤). وقولُه: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: فإن ربَّكم إن لم يَأْخُذْ هؤلاء الذين مكَروا السيئاتِ بعذابٍ مُعَجَّلٍ لهم، وأخَذَهم بالموتِ (٥) وتنقُّصِ بعضِهم في أثرِ بعضٍ، لَرءوفٌ بخلقِه، رحيمٌ بهم، ومِن رأفتِه ورحمتِه بهم لم يَخْسِفُ بهم الأرضَ، ولم يُعَجِّلْ لهم العذابَ، ولكن يُخَوِّفُهم ويُنَقِّصُهم بموتٍ.

стр. 9700

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾. اخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأةِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بالياءِ على الخبرِ عن الذين مكَروا السيئاتِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفيين: (أَوَ لَمْ تَرَوا) بالتاءِ على الخطابِ (١). وأولى القراءتين عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قَرَأ بالياءِ، على وجهِ الخبرِ عن الذين مكَروا السيئاتِ؛ لأن ذلك في سياقِ قَصَصِهم والخبرِ عنهم، ثم عَقِبَ ذلك الخبرُ [عن ذَهابهم] (٢) عن حجةِ اللهِ عليهم، وترْكِهم النظرَ في أدلتِه، والاعتبارَ بها. فتأويلُ الكلامِ إذن: أولم يَرَ هؤلاء الذين مكَروا السيئاتِ، إلى ما خلَق اللهُ مِن جسم قائمٍ؛ شجرٍ أو جبلٍ أو غيرِ ذلك. ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾. يقولُ: يَرْجِعُ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، فهو في أولِ النهارِ على حالٍ، ثم يَتَقَلَّصُ، ثم يَعودُ إلى حالٍ أُخرى في آخرِ النهارِ. وكان جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ يقولون في اليمينِ والشَّمائلِ ما: حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾. أما اليمينُ فأولُ النهارِ، وأما الشمائلُ (٣) فآخرُ النهارِ (٤).

стр. 9701

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾. قال: الغُدُوِّ والآصالِ، إذا فاءَت الظِّلالُ - ظلالُ كلِّ شيءٍ - بالغدوِّ سجَدَت للهِ، وإذا فاءَت بالعَشِيِّ سَجَدَت للهِ (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾. يعنى: بالغدوِّ والآصالِ، تَسْجُدُ الظِّلالُ اللهِ عُدْوةً، إلى أن يَفِئَ الظلُّ، ثم تَسْجُدُ للهِ إلى الليلِ. يعنى ظلَّ كلِّ شيءٍ. وكان ابن عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ ما: حدَّثنا المثنى، قال: أخبَرنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. يقولُ: تَتَمَيَّلُ (٢). واخْتُلِف في معنى قولِه: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾. فقال بعضُهم: ظلُّ كلِّ شيءٍ سجودُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. قال: ظلُّ كلِّ شيءٍ سجودُه (٣).

стр. 9702

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، عن أبي سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. قال: سجد ظلُّ المؤمنِ طَوْعًا، وظَلُّ الكَافِرِ كَرْهًا. وقال آخرون: بل عنَى بقولِه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾: كلًّا عن اليمينِ والشَّمائلِ في حالِ سجودِها. قالوا: وسجودُ الأشياءِ غيرُ ظلالِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، وحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قالا: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، في قولِ اللَّهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. قال: إذا فاء الفيءُ توَجَّه كلُّ شيءٍ ساجدًا قِبَلَ القبلِة؛ مِن نَبْتٍ أو شجرٍ. قال: فكانوا يَسْتَحِبُّون الصلاةَ عند ذلك (١). حدَّثني المثنى، قال: أخبرَنا الِحمَّانيُّ، قال: ثنا يحيى بن يَمانٍ، قال: ثنا شَريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. قال: إذا زالت الشمسُ سجَد كلُّ شيءٍ للهِ (٢). وقال آخرون: بل الذي وصَف اللهُ بالسجودِ في هذه الآيةِ، ظلالُ الأُشياءِ، فإنما يَسْجُدُ ظلالُها دونَ التي لها الظِّلالُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. قال: هو

стр. 9703

سجودُ الظِّلالِ؛ ظلالِ (١) كلِّ شيءٍ؛ ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن دَابَّةٍ (٢)؛ سجودُ ظِلالِ الدَّوابِّ، وظلالِ كلِّ شيءٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. ما خلَق مِن (٤) شيءٍ، عن يمينِه وشَمائلِه (٥) - فلفظُ ﴿مَا﴾: لفظٌ عن اليمينِ والشَّمائلِ - قال: ألم تَرَ أنك إذا صلَّيْتَ الفجرَ، كان ما بيَن مَطْلِع الشمسِ إلى مَغْرِبها ظلًّا، ثم بَعث اللهُ عليه الشمسَ دليلًا (٦)، وقبَض اللهُ الظلَّ (٧). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ أَخْبَر في هذه الآيةِ، أن ظلالَ الأشياءِ هي التي تَسْجُدُ. وسجودُها مَيَلانُها ودَوَرانُها مِن جانبٍ إلى جانبٍ، وناحيةٍ إلى ناحيةٍ، كما قال ابن عباسٍ. يقالُ ذلك: سجَدَت النخلةُ. إذا مالت. وسجَد البعيرُ. وأسْجَدَ إِذا مَيَّل (٨) للركوبِ. وقد بيَّنا معنى السجودِ في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه. وقولُه: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾. يعنى: وهم صاغرون. يقال منه: دخَر فلانٌ للهِ

стр. 9704

يَدْخَرُ دَخَرًا ودُخُورًا. إذا ذلَّ له وخضَع. ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ (١): فلم يَبْقَ إِلا داخِرُ في مُخَيَّسٍ (٢) … ومُنْجَحِرٌ في غيرِ أَرضِك في جُحْرِ (٣) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾. أي: صاغِرون (٥). حدَّثنا ابن عبدٍ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه. وأما توحيدُ اليمينِ (٦) في قولِه: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾. فَجَمَعَها؛ فإن ذلك إنما جاء كذلك لأن معنى الكلامِ: أولم يَرَوْا إلى ما خلَق اللهُ مِن شيءٍ، يَتَفَيَّأُ

стр. 9705

ظلالُ ما خلَق مِن شيءٍ عن يمينِه - أي: ما خلَق (١) - وشمائِله. فلفظُ ﴿مَا﴾ لفظٌ واحدٌ ومعناه معنى الجمعِ، فقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾. بمعنى: عن يمينِ ما خلَق. ثم رجَع إلى معناه في الشَّمائلِ. وكان بعضُ أهل العربيةِ يقولُ (٢): إنما تَفْعَلُ العربُ ذلك؛ لأن أكثرَ الكلامِ مُواجَهةُ الواحدِ الواحدَ، فيُقالُ للرجلِ: خُذْ عن يمينكِ. قال: فكأنه إذا وحَد ذهَب إلى واحدٍ من القومِ، وإذا جمَع فهو الذي لا مَسْأَلَةَ (٣) فيه. واسْتُشْهِد لفعلِ (٤) العربِ ذلك، بقولِ الشاعرِ (٥): بِفي الشامِتينَ الصَّخْرُ إن كان هَدَّنى (٦) … رَزِيَّةُ شِبْلَىْ مُخْدِرٍ في الضَّراغِمِ (٧) فقال: بفِى الشامِتينِ، ولم يَقُلْ: بأفْواهِ. وقولِ الآخرِ (٨): [الواردون [وتَيْمٌ] (٩) في ذرا] (١٠) سبأ … قد عَضَّ أَعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ ولم يَقُلْ: جلودُ.

стр. 9706

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وللهِ يَخْضَعُ [ويَخْشَعُ] (١) ويَسْتَسْلِمُ لأمرِه ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن دابَّةٍ تَدِبُّ عليها، والملائكةُ التي (٢) في السماواتِ، وهم لا يَسْتَكْبِرون عن التذلُّلِ له بالطاعةِ، والذين لا يُؤمِنون بالآخرةِ، قلوبُهم مُنْكِرةٌ، وهم مُسْتَكْبِرون، وظِلالُهم تَتَفَيَّأُ عن اليمينِ والشَّمائلِ سُجَّدًا للهِ، وهم داخرون. وكان بعضُ نحويى أهلِ البصرةِ يقولُ: اجْتُزِئ بذكرِ الواحدِ مِن الدوابِّ عن ذكرِ الجميعِ، وإنما معنى الكلامِ وللهِ يَسْجُدُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن الدوابِّ والملائكةِ، كما يقالُ: ما أتانى مِن رجلٍ. بمعنى: ما أتاني مِن الرجالِ. وكان بعضُ نحويى الكوفةِ يقولُ (٣): إنما قيل: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾. لأن "ما" وإن كانت قد (٤) تكونُ على مذهبِ "الذي" فإنها غيرُ مُؤَقَّتَةٍ، فَإِذَا أُبْهِمَت غَيرَ مؤقتةٍ أشْبَهَت الجزاءَ، والجزاءُ يَدْخُلُ "مِن" فيما جاء مِن اسمٍ بعدَه من النكرةِ، فيقالُ: مَن ضرَبه من رجلٍ فاضْربِوه. ولا تَسْقُطُ "مِن" من هذا الموضعِ؛ كراهيةَ أن تُشْبِهَ أن تكونَ حالًا لـ "مَن" و "ما"، فجعَلوه بـ "مِن" بـ (مِن) ليَدُلُّ على أنه تفسيرٌ لـ "ما" و "من"؛ لأنهما غيرُ مُؤَقَّتَتَينِ (٥)، فكان دخولُ "مِن" فيما بعدَهما تفسيرًا لمعناها، وكان دخولُ "مِن" أَدَلُّ على ما لم يُوَقَّتْ مِن "مَن" و "ما"، فلذلك لم تُلْقَيا (٦).

стр. 9707

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَخافُ هؤلاء الملائكةُ التي في السماواتِ، وما في الأرضِ من دابَّةٍ، ربَّهم مِن فوقِهم، أن يُعَذِّبَهم إن عَصَوْا أَمرَه، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. يقولُ: ويَفْعَلون ما أمَرَهم اللهُ به، فيُؤَدُّون حقوقَه، ويَجْتَنِبون سَخَطَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال اللهُ لعبادِه: لا تَتَّخِذوا لى شريكًا، أيُّها الناسُ، ولا تَعْبُدوا معبودَيْن؛ فإنكم إذا عبَدْتُم معىَ غيرى، جعَلْتُم لى شريكًا ولا شريكَ لى، إنما هو إله واحد، ومعبودٌ واحدٌ، وأنا ذلك، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. يقولُ: فإياىَ فاتَّقوا، وخافوا عقابى بمعصيتِكم إياىَ إن عصَيْتُمونى وعبَدْتُم غيرى، أو أشْرَكْتُم في عبادتِكم لي شريكًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وللَّهِ ملكُ ما في السماواتِ والأرضِ مِن شيءٍ، لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك، هو الذي خلَقَهم، وهو الذي يَرْزُقُهم، وبيدِه حياتُهم وموتُهم. وقولُه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وله الطاعةُ والإخلاصُ دائمًا ثابتًا واجبًا. يقالُ منه: وصَب الدِّينُ يَصِبُ وُصُوبًا ووَصَبًا، كما قال الدِّيليُّ (١).

стр. 9708

لا أبْتَغِى (١) الحمدَ القليلَ بقاؤُه … يومًا بذَمِّ الدهرِ أَجْمَعَ واصِبَا ومنه قولُ اللهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩]. وقولُ حسَّان (٢): غيَّرَتْه الريحُ تَسْفِى به … وهَزِيمٌ رَعْدُه واصِبُ فأما مِن الألم، فإنما يقالُ: وصِب الرجلُ يَوْصَبُ وَصَبًا، وذلك إذا أَعْيَا ومَلَّ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): لا يَغْمِزُ السَّاقَ مِن أَيْنٍ ولا وَصَبٍ … ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِه الصَّفَرُ وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ الواصبِ: فقال بعضُهم: معناه ما قلنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عن الأغَرِّ بن الصَّبَّاحِ، عن خليفةَ بن حُصَيْنٍ، عن أبي نَضْرةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا (٤). حدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا شَريكٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عن يَعْلَى بن النُّعمانِ، عن

стр. 9709

عكرمةَ، قال: دائمًا. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائمًا (١). حدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: وَلَهُ الدَّينُ وَاصِبا له. قال: دائما. حدَّثني المثنى، قال: أخبرَنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، عن جويبرٍ، الضحاكِ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. أي: دائمًا، فإن (٢) الله ﵎ لم يَدْعُ شيئًا مِن خلقِه إلا عبَدَه (٣)، طائعًا أو كارهًا. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا، ألا تَرَى أنه يقولُ: ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩].

стр. 9710

أي: دائمٌ (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا، والواصبُ الدائمُ (٢). وقال آخرون: الواصبُ في هذا الموضعِ الواجبُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن قيسٍ، عن يَعْلَى بن النعمانِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: واجبًا (٣). وكان مجاهدٌ يقولُ: معنى الدِّينِ في هذا الموضعِ الإخلاصُ. وقد ذكَرْنا معنى الدينِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغْنَى عن إعادتِه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ جميعًا (٥)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: الإخلاصُ (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن

стр. 9711

مجاهدٍ، قال: الدينُ الإخلاصُ. وقولُه: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفغيرَ اللَّهِ أَيُّها الناسُ ﴿تَتَّقُونَ﴾. أي: تَرْهَبون وتَحْذَرون أن يَسْلُبَكم نعمة اللهِ عليكم، بإخلاصِكم العبادةَ لربِّكم، وإفرادِكم الطاعةَ له، وما لكم نافعٌ سواه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾. اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ الفاءِ في قولِه: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُ البَصْرِيين: دخَلَتِ الفاءُ، لأن (ما) بمنزلةِ "مَن" فجعل الخبرَ بالفاءِ. وقال بعضُ الكُوفيين (١): "ما" في معنى جزاءٍ، ولها فعلٌ مُضْمَرٌ، كأنك قلتَ: ما يَكُنْ بكم مِن نعمةٍ فمن اللهِ؛ لأن الجزاءَ لا بدَّ له مِن فعل مجزومٍ، إن ظهرَ فهو جزمٌ، وإن لم يَظْهَرْ فهو مُضْمَرٌ، كما قال الشاعرُ: إِنِ العَقْلُ في أموالِنا لا نَضِقُ به … ذِراعًا وإن صبرًا فنَعْرِفُ للصبرِ وقال: أراد إن يَكُنِ العقلُ، فأَضْمَره، قال: وإن جعَلْتَ "ما بكم" في معنى "الذي" جاز، وجعَلْتَ صِلَتَه "بكم" و"ما" في موضع رفعٍ بقولِه: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾. وأدْخَل الفاءَ، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. وكلُّ اسمٍ وُصِل مثلَ "مَن" و "ما" و "الذي" فقد يَجوزُ دخولُ الفاءِ في خبرِه؛ لأنه مضارعٌ للجزاءِ، والجزاءُ قد يُجابُ بالفاءِ، ولا يَجوزُ: أخوك فهو قائمٌ؛ لأنه اسمٌ غير موصولٍ، وكذلك تقولُ: ما لَك لى. فإن قلت: ما لَك. جاز أن تقولَ: ما لك فهو لى. وإن أَلْقَيْتَ الفاءَ فصوابٌ.

стр. 9712

وتأويلُ الكلامِ: ما يكَنْ بكم في أبدانِكم، أيُّها الناسُ، مِن عافيةٍ وصحةٍ وسلامةٍ، وفي أموالِكم مِن نَماءٍ [فمِن اللهِ، هو] (١) المُنعِمُ بذلك عليكم لا غيرُه؛ لأن ذلك إليه وبيدِه، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرّ﴾. يقولُ: إذا أصابكم في أبدانِكم سَقَمٌ ومرضٌ، وعلةٌ عارضةٌ، وشدَّةٌ مِن عيشٍ، ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾. يقولُ: فإلى اللَّهِ تَصْرُخون بالدعاءِ، وتَسْتَغِيثون به؛ ليَكْشِفَ ذلك عنكم. وأصلُه: مِن جُؤَارِ الثورِ، يقال منه: جأَر الثورُ يَجْأَرُ جُؤَارًا. وذلك إذا رفَع صوتًا شديدًا، مِن جُوعٍ أو غيرِه، منه قولُ الأَعْشَى (٢): وما أَيْبُلِيٌّ (٣) على هَيْكلٍ (٤) … بناه وصَلَّب فيه وصارا يُراوِحُ مِن صَلواتِ المَلِيـ … ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا. يعنى بالجُوَارِ: الصياحَ؛ إما بالدعاءِ، وإما بالقراءةِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ] (٥)، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.

стр. 9713

قال: تَضْرَعون دُعاءً (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، ﵄، قال: الضُّرُّ السَّقَمُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إذا وهَب لكم ربُّكم العافيةَ، ورفَع عنكم ما أصابكم مِن المرضِ في أبدانِكم، ومن الشدةِ في معاشِكم، وفرَّج البلاءَ عنكم، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: إذا جماعةٌ منكم يَجْعَلُون للَّهِ شريكًا في عبادتهِم، فيَعْبُدون الأوثانَ، ويَذْبَحون (٢) لها الذبائحَ؛ شكرًا لغيرِ من أنعَم عليهم بالفرجِ مما كانوا فيه مِن الضُّرِّ ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: ليَجْحَدوا الله نعمتَه، فيما آتاهم مِن كشفِ الضرِّ عنهم، ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وهذا مِن اللَّهِ وعِيدٌ لهؤلاء الذين وصَف صفتَهم في هذه الآياتِ، وتهديدٌ لهم، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: تمتَّعوا في هذه الحياةِ الدنيا إلى أن تُوافِيَكم آجالُكم، وتَبْلُغوا الميقاتَ الذي وقَّته لحياتِكم (٣) وتمتُّعِكم فيها، فإنكم مِن ذلك ستَصِيرون إلى ربِّكم، فتَعْلَمون بلقائِه

стр. 9714

وَبالَ ما كسَبَت أيديكم، وتَعْرِفون سوءَ [مَغَبَّةِ أمرِكم] (١)، وتَنْدَمون [حينَ لا يَنْفَعُكم النَّدمُ] (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَجْعَلُ هؤلاء المشركون مِن عَبَدةِ الأوثانِ، لما لا يَعْلَمون منه ضَرًّا ولا نفعًا، ﴿نَصِيبًا﴾. يقولُ: حظًّا وجزءًا (٣) ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ مِن الأموالِ؛ إشراكًا (٤) منهم له بالذي يَعْلَمون أنه خلَقَهم، وهو الذي يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم دونَ غيرِه، كالذى حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾. قال: يَعْلَمون أن الله خلَقَهم، ويَضُرُّهم ويَنْفَعُهم، ثم يَجْعَلون لما لا يَعْلَمون أنه يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم، نصيبًا مما رزَقْناهم (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾. وهم مُشْرِكو العربِ. جعَلوا لأوثانِهم نصيبًا مما رزَقْناهم (٦)، وجزءًا مِن أموالِهم يَجْعَلونه لأوثانِهم (٧). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَيَجْعَلُونَ

стр. 9715

لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾. قال: جعَلوا لآلهتِهم التي ليس لها نصيبٌ ولا شيءٌ، جعَلوا لها نصيبًا مما قال اللهُ مِن الحرثِ والأنعامِ، يُسَمُّون عليها أسماءَها، ويَذْبَحون لها. وقولُه: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهِ أَيُّها المشركون الجاعِلون للآلهةِ والأندادِ نصيبًا مما (١) رزَقْناكم، شركًا باللهِ وكفرًا، ليَسْأَلنَّكم اللهُ يومَ القيامةِ عما كنتم في الدنيا ﴿تَفْتَرُونَ﴾. يعنى: تَخْتَلقون مِن الباطلِ والإفْكِ على اللهِ، بدَعْواكم له شريكًا، وتصْييركِم لأوثانِكم فيما رزَقكم نصيبًا، ثم لَيُعاقِبَنَّكم (٢) عُقوبةً تكونُ جزاءً لكفرِكم نعمَه، وافترائِكم عليه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن جَهْلِ هؤلاء المشركين باللهِ (٣) وخُبْثِ فعلِهم، وقبحِ فرْيتِهم على ربِّهم، أنهم يَجْعَلون لمن خلَقَهم ودبَّرهم وأنْعَم عليهم، فاسْتَوْجَب بنعمِه عليهم الشكرَ، واسْتَحَق عليهم الحمدَ - البناتِ. ولا يَنْبَغِى أن يكونَ للَّهِ ولدٌ ذكرٌ ولا أنثى، ﴿سُبْحَانَهُ﴾. يُنَزِّهُ (٤) ﷻ بذلك نفسَه، عما أضافوا إليه ونسَبوه مِن البناتِ، فلم يَرْضَوْا بجهلِهم إذ أضافوا إليه ما لا يَنْبَغى إضافتُه إليه، ولا يَنْبَغى أن يكونَ له مِن الولدِ، أن يُضِيفوا إليه ما يَشْتَهونه لأنفسِهم، ويُحِبُّونه لها، ولكنهم أضافوا إليه ما يَكْرَهونه لأنفسِهم، ولا يَرْضَوْنه لها من البناتِ، ما يَقْتُلُونها إذا

стр. 9716

كانت لهم. وفي "ما" التي في قولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾. وجهان مِن العربيةِ؛ النصبُ عطفًا بها (١) على البناتِ، فيكونُ معنى الكلامِ، إذا أريد ذلك (٢): ويَجْعَلون للهِ البناتِ، ولهم البنينَ الذين يَشْتَهونهم (٣)، فتكونُ ﴿مَا﴾ للبنين. والرفعُ، على أن الكلامَ مبتدأٌ من قولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾، فيكونُ معنى الكلامِ: يَجْعَلُون للهِ البناتِ، ولهم البنونَ (٤). وقولُه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾. يقولُ: وإذا بُشِّر أحدُ هؤلاء الذين جعَلوا للَّهِ البناتِ، بولادةِ ما يُضِيفُه إليه من ذلك له، ظلَّ وجهُه مسْودًّا، مِن كراهتِه له، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يقولُ: قد كظَم الحزنَ، وامْتَلأ غَمًّا بولادتِه له، فهو لا يُظْهِرُ ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، يقولُ: يَجْعَلُون للَّهِ البناتِ، تَرْضَوْنهن (٥) لى، ولا تَرْضَوْنهن (٦) لأنفسِكم، وذلك أنهم كانوا في الجاهليةِ إذا وُلِد للرجلِ منهم جاريةٌ، أمسَكها على هُونٍ، أو دسَّها في الترابِ، وهى

стр. 9717

حيَّةٌ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. وهذا صَنيعُ مشركي العرب، أخبَرهم اللهُ بخُبْثِ صنيعِهم، فأما المؤمنُ فهو حَقيقُ أَن يَرْضَى بما قسَم اللهُ له، وقضاءُ اللهِ خيرٌ مِن قضاءِ المرءِ (٢) لنفسِه، ولعَمْرِى ما يَدْرِى أنه خيرٌ؛ لرُبَّ جاريةٍ خيرٌ لأهلِها مِن غلامٍ. وإنما أخْبَركم الله بصنيعِهم؛ لتَجْتَنِبوه (٣) وتَنْتَهوا عنه، وكان أحدُهم يَغْذُو كلبَه، ويَئِدُ ابنتَه (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال: ابن عباسٍ: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: حزينٌ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: الكَظيمُ الكَمِيدُ (٦). وقد بينَّا ذلك بشواهِده في غيرِ هذا الموضعِ (٧). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَتَوَارَى﴾ هذا المُبَشَّرُ بولادةِ الأنثى مِن الولدِ له ﴿مِنَ

стр. 9718

الْقَوْمِ﴾ فَيَغِيبُ عن أبصارِهم، ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ يعنى: مِن مَساءتِه إياه، مُمَيِّلًا (١) بين أن يُمْسِكَه ﴿عَلَى هُونٍ﴾ أي: على هَوانٍ. وكذلك ذلك في لُغةِ قريشٍ، فيما ذُكِر لى، يقولون للهَوانِ: الهُونَ. ومنه قولُ الُحطَيْئةِ (٢): فلمَّا خَشِيتُ الهُونَ والعَيْرُ (٣) مُمْسِكٌ … على رَغْمِه ما أَثْبَتَ الحَبْلَ حافِرُهْ (٤) وبعضُ بنى تَمِيمٍ جعَل الهُونَ مصدرًا للشيءِ الهَيِّنِ؛ ذكَر الكِسائيُّ أنه سمِعهم يقولون: إن كنتَ لَقليلَ هَوْنِ المُؤنةِ منذُ اليومِ. قال: وسمِعْتُ الهَوانَ في مثلِ هذا المعنى، سمِعْتُ منهم قائلًا يقولُ لبعيرٍ له: ما به بأسٌ غيرُ هَوانِه. يعني: خفيفَ الثمنِ. فإذا قالوا: هو يَمْشِى على هَوْنِه. لم يقولوه إلا بفتح الهاءِ، كما قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (٥) [الفرقان: ٦٣]. ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾. يقولُ: يَدْفِنُه حيَّا في الترابِ، فيَئِدُه، كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾. يقولُ (٦): يَئِدُ ابنتَه (٧). وقولُه: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. يقولُ: ألا ساء الحكمُ الذي يَحْكُمُ هؤلاء المشركون، وذلك أن جعَلوا للهِ ما لا يَرْضَوْن لأنفسِهم، وجعَلوا لما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم شِرْكًا فيما رزَقَهم اللهُ، وعبَدوا غيرَ مَن خَلَقَهم، وأَنْعَم عليهم.

стр. 9719

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه أن قولَه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. والآيةَ التي بعدَها مثلٌ ضرَبه (١) لهؤلاء المشركين الذين جَعلوا للهِ البناتِ، فبيَّن بقولِه: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أَنه مَثَلٌ، وعَنَى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: للذين لا يصدِّقون بالمَعادِ والثوابِ والعقابِ من المشركين و ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾. وهو القبيحُ من المثلِ، وما يسوءُ (٢) مَن ضُرب له ذلك (٣) المثلُ، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. يقولُ: وللهِ المثلُ الأعلى، وهو الأفضلُ والأطيبُ، والأحسنُ والأجملُ، وذلك التوحيدُ والإذعانُ له بأنه لا إلهَ غيرُه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. قال: شهادةُ ألا إلهَ إلا اللهُ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: الإخلاصُ والتوحيدُ.

стр. 9720

وقولُه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والله (١) ذو العزةِ التي لا يمتنِعُ عليه معها عقوبةُ هؤلاء المشركين الذين وصَف صفتَهم في هذه الآياتِ، ولا عقوبةُ من أراد عقوبتَه على معصيتِه إيَّاه، ولا يتعذَّرُ عليه شيءٌ أراده وشاءه؛ لأن الخلقَ خلقُه، والأمرَ أمرُه، الحكيمُ في تدبيرِه، فلا يدخُلُ تدبيرَه خَلَلٌ ولا خطأٌ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولو يُؤاخِذُ اللهُ عصاةَ بنى آدمَ بمعاصيهم ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾. يعنى: على الأرضِ، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ تدِبُّ عليها، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾. يقولُ: ولكنَّه بحلمِه يؤخِّرُ هؤلاء الظلمةَ، فلا يعاجِلُهم بالعقوبةِ، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: إلى وقتِهم الذي وَقَّت لهم، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾. يقولُ: فإذا جاء الوقتُ الذي وَقَّت لهلاكِهم، ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاكِ ﴿سَاعَةً﴾ الله فيُمْهَلون، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قبلَه (٢) حتى يستوفُوا آجالَهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، قال: كاد الجُعَلُ (٣) أن يُعذِّبَ بذنبِ بنى آدمَ. وقرأ:

стр. 9721

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ حكيمٍ الخزاعيُّ، قال: ثنا محمدُ بن جابرٍ الحنفيُّ (٢)، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبي سلَمة، قال: سمِع أبو هريرةَ رجلًا وهو يقولُ: إن الظالمَ لا يضرُّ إلا نفسَه. قال: فالتفتَ إليه فقال: بلى، واللهِ إن الحُبارى (٣) لتموتُ في وَكْرِها هَزْلًا (٤) بظلمِ الظالمِ (٥). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا أبو عُبيدة الحدَّادُ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ السَّدُوسيُّ، عن الزُّبيرِ بن عديٍّ، قال: قال ابن مسعودٍ: خطيئةُ ابن آدمَ قتَلت الجُعَلَ (٦). حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، قال: قال عبدُ اللهِ، كاد الجُعَلُ أن يهلِكَ في جُحْرِه بخطيئةِ

стр. 9722

ابن آدمَ (١). حدَّثني المُثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزُّهْريِّ: قال اللهُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. قال: نرى أنه إذا حضَر أجلُه فلا يُؤخَّرُ ساعةً ولا يقدَّمُ، وما لم يحضُرْ أجله، فإن الله يؤخَّرُ ما شاء، ويقدَّمُ ما شاء (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويجعَلُ هؤلاء المشركون للهِ ما يكرَهونه لأنفسِهم [مِن البناتِ] (٣)، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾. يقولُ: وتقولُ ألسنتُهم الكذبَ وتفتريه؛ ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾. و ﴿أَنَّ﴾ في موضعِ نصبٍ؛ لأنها ترجمةٌ عن الكذبِ. وتأويلُ الكلامِ: ويجعَلون للهِ ما يكرهونه لأنفسِهم، ويزعُمون أن لهم الحسنى، الذي يكرهونه لأنفسِهم البناتُ يجعَلونهن للهِ تعالى، وزعَموا أن الملائكةَ بناتُ اللهِ. وأما ﴿الْحُسْنَى﴾ التي جعَلوها لأنفسِهم، فالذكورُ من الأولادِ، وذلك أنهم كانوا يَئِدون الإناثَ من أولادِهم، ويستبْقون الذكورَ منهم، ويقولون: لنا الذكورُ وللهِ البناتُ. وهو نحوُ قولِه (٤): ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 9723

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثنة المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ قال: قولُ قريشٍ: لنا البنونَ، وللهِ البناتُ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن [ابن جريجٍ] (٢)، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: قولُ كفارِ قريشٍ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾. أي: يتكلَّمون بأن لهم الُحسنى. أي: الغِلْمانَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾. قال: الغِلمانَ (٣). وقولُه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حقًّا واجبًا أن لهؤلاء القائلين: للهِ البناتُ. الجاعلين له ما يكرَهونه لأنفسِهم، ولأنفسِهم الحسنى - عندَ اللهِ يومَ القيامةِ النارَ. وقد بيَّنَّا تأويلَ قولِ اللهِ: ﴿لَا جَرَم﴾. في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا

стр. 9724

بشواهِده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (١). ورُوى، عن ابن عباس في ذلك ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا جَرَم﴾. يقولُ: بلى (٢). وقولُه: ﴿لَا جَرَم﴾. كان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: لم تُنصَبْ ﴿جَرَمَ﴾ بـ ﴿لَا﴾، كما نُصِبتِ الميمُ من قولِه: لا غلامَ لك. قال: ولكنها نُصِبت لأنها فعلٌ ماضٍ، مثلُ قولِ القائلِ: قعَد فلانٌ وجلَس. والكلامُ: ﴿لَا﴾ [ردٌّ لكلامِهم، أي] (٣): ليس الأمرُ هكذا ﴿جَرَمَ﴾ الله: كسَب، مثلُ قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١]. ونحوُ ذلك. وكان بعضُهم يقولُ: نصبُ ﴿جَرَمَ﴾ بـ ﴿لَا﴾، وإنما هو بمعنى: لابدَّ، ولا محالةَ. ولكنها كثُرت في الكلامِ حتى صارت بمنزلِة "حقًّا". وقولُه: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنهم مُخَلَّفون متروكون في النارِ، مَنْسِيُّون فيها. واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال أكثرُهم بنحوِ ما قلنا في ذلك. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ

стр. 9725

مُفْرَطُونَ﴾. قال: مَنسيُّون مُضَيَّعون (١). حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه. حدَّثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا بَهْرُ بنُ أسدٍ، عن شعبةَ، قال: أخبرني أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبير مثلَه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: متْروكون في النارِ، مَنسيُّون فيها. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال حصينٌ: أخبَرنا عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثِله. حدَّثني المثنى، قال: أخبرنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: مَنسيُّون. حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (٢)، قال: ثنا ورقاءُ، وحدثنى المثنى، قال: أخبَرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).

стр. 9726

حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عَبْدةُ وأبو معاويةَ وأبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: متروكون (١) في النارِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن القاسمِ، عن، عن مجاهدٍ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾. قال: مَنْسِيُّون. حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبى، عن الحسينِ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. يقولُ: مضاعون. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا بَدَلٌ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ، قال: سمعتُ داودَ ابنَ أبى هندٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: منسيُّون في النارِ. وقال آخرون: معنى ذلك: أنهم مُعَجَّلون إلى النارِ، مقدَّمون إليها. وذهَبوا في ذلك إلى قولِ العربِ: أَفْرَطْنَا فلانًا في طلبِ الماءِ. إذا قدَّموه لإصلاحِ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ (٢)، وتسويةِ ما يحتاجون إليه عندَ ورودِهم عليه، فهو مُفْرَطٌ. فأما المتقدَّمُ نفسُه فهو فارِطٌ، يقالُ: قد فرَط فلانٌ أصحابَه يَفْرُطُهم فَرْطًا وفُروطًا. إذا تقدَّمهم. وجمعُ فارطٍ فُرَّاطٌ، ومنه قولُ القُطَاميِّ (٣). واسْتَعْجَلونا وكانوا مِن صحابتِنا … كما تَعَجَّل فُرَّاطٌ لوُرَّادِ (٤) ومنه قولُ النبيِّ ﷺ : "أنا فرَطُكم على الحوضِ" - أي: متقدِّمُكم إليه وسابقُكم - "حتى ترِدوه" (٥).

стр. 9727

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ يقولُ: مُعَجَّلون إلى النارِ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: قد أُفرِطوا في النارِ. أي: مُعجِّلون (١). وقال آخرون: معنى ذلك: مُبْعَدون في النارِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن أشْعَثَ السَّمَّانِ، عن الربيعِ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: مُخْسَئون مُبْعَدون (٢). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي اخترناه؛ وذلك أن الإفراطَ الذي هو بمعنى التقديمِ، إنما يقالُ في من (٣) قُدِّم مُقَدَّمًا لإصلاحِ ما يُقَدَّمُ إليه، إلى وقتِ ورودِ من قَدَّمه عليه، وليس بمُقَدَّمٍ من قُدِّم إلى النارِ مِن أهلِها، لإصلاحِ شيءٍ فيها، لواردٍ يردُ عليها فيها، فيوافِقَه مُصْلَحًا، وإنما يُقَدَّمَ مَن قُدِّم إليها لعذابٍ يعجَّلُ له. فإذ كان [ذلك معنى] (٤) الإفراطِ، الذي هو تأويلُ التعجيلِ، ففسَد أن يكونَ له وجهٌ في الصحةِ صحَّ المعنى الآخرُ، وهو الإفراطُ الذي بمعنى التخليفِ والتركِ. وذلك أنه يُحْكَى عن العربِ: ما أفْرَطتُ ورائى أحدًا. أي: ما خلَّفتُه، وما فرَّطتُه. أي: لم أُخَلِّفْه.

стр. 9728

واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الِمصْرين الكوفِة والبصرةِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بتخفيفِ الراءِ وفتحِها، على معنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه (١)، من: أفْرَط فهو مُفْرَطٌ. وقد بيَّنتُ اختلافَ قرأةِ (٢) ذلك كذلك في التأويلِ. وقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ: (وأنهم مُفَرِّطون). بكسرِ الراءِ وتشديدِها (٣)، بتأويلِ: أنهم مفرِّطون في أداءِ الواجبِ كان للهِ عليهم في الدنيا، من طاعتِه (٤) وحقوقِه، مضيِّعو ذلك، من قولِ اللهِ تعالى: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. وقرأ نافعُ بنُ أبى نُعيمٍ: (وأنهم مُفْرِطون). بكسرِ الراءِ وتخفيفِها (٥). حدَّثني بذلك يونس، عن ورْشٍ، عنه. بتأويلِ: أنهم مُفْرِطون في الذنوبِ والمعاصى، مُسْرِفون على أنفسِهم، مُكْثِرون منها (٦). من قولِهم: أفْرَط فلانٌ في القولِ. إذا تجاوَز حدَّه وأسْرَف فيه. والذي هو أولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ قراءةُ الذي ذكَرنا قراءتَهم من أهلِ العراقِ، لموافقتِها تأويلَ أهلِ التأويلِ الذي ذكَرنا قبلُ، وخروجِ القراءاتِ الأُخَرِ عن تأويلِهم (٧). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ

стр. 9729

الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُقْسِمًا بنفسِه ، لنبيِّه محمدٍ ﷺ : والله يا محمدُ، لقد أرْسلنا رسلًا من قبلِك إلى أمِمها، بمثلِ ما أرْسَلناك إلى أمتِك، من الدعاءِ إلى التوحيدِ للهِ، وإخلاصِ العبادةِ له، والإذعانِ له بالطاعةِ، وخلعِ الأندادِ والآلهةِ، ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: فحسَّن لهم الشيطانُ ما كانوا عليه (١) من الكفرِ باللهِ وعبادةِ الأوثانِ، مُقِيمين، حتى كذَّبوا رسلَهم، وردُّوا عليهم ما جاءوهم به من عندِ ربِّهم، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾. يقولُ: فالشيطانُ ناصرُهم اليومَ في الدنيا، وبئس الناصرُ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرةِ عندَ ورودِهم على ربِّهم، فلا ينفَعُهم حينَئذٍ ولايةُ الشيطانِ، ولا هي نفَعتهم في الدنيا، بل ضرَّتهم فيها، وهى لهم في الآخرةِ أضرُّ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وما أَنْزَلنا يا محمدُ عليك كتابَنا، وبعَثناك رسولًا إلى خلقِنا، إلا لتُبيِّنَ لهم ما اخْتَلفوا فيه من دينِ اللَّهِ، فتعرِّفَهم الصوابَ منه، والحقَّ من الباطلِ، وتقيمَ عليهم بالصوابِ منه حجةَ اللَّهِ التي (١) بعَثك بها. وقولُه: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. [يقولُ: ﴿وَهُدًى﴾] (٢)، بيانًا من الضلالةِ، يعنى بذلك الكتابَ، ورحمةً لقومٍ يؤمنون به، فيصدِّقون بما فيه،

стр. 9730

ويُقِرُّون بما تضمَّن من أمرِ اللهِ ونهِيه، ويعمَلون به. وعطَف [بـ "الهدى"] (١) على موضعِ ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ (٢)؛ لأن موضعَها نصبٌ. وإنما معنى الكلامِ: وما أَنْزَلنا عليك الكتابَ إلا بيانًا للناسِ فيما اخْتَلفوا فيه، و (٣) هدًى ورحمةً. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُنبِّهَ خَلْقِه على حُججِه عليهم في توحيدِه، وأنه لا تَنْبِغى الألوهةُ إلا له، ولا تصلُحُ العبادةُ لشيءٍ سواه: أيُّها الناسُ، و (٤) معبودُكم الذي له العبادةُ دونَ كلِّ شيءٍ، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. يعنى: مطرًا. يقولُ: فَأَنْبَت بما أَنْزَل من ذلك الماءِ من السماءِ الأرضَ (٥) الميتةَ التي لا زرعَ بها (٦) ولا عُشْبَ، ولا تُنبتُ (٧)، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعدَما هي ميتةٌ لا شيءَ فيها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في إحيائِنا الأرضَ بعدَ موتِها، بما أنزلنا من السماءِ من ماءٍ، لدليلًا واضحًا، وحجةً قاطعةً عُذْرَ من فكَّر فيه، ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. يقولُ: لقومٍ يسمَعون هذا القولَ فيتدبَّرونه ويعقِلونه، ويطيعون الله بما دلّهم عليه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ

стр. 9731

بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن لكم أيُّها الناسُ لعظةً في الأنعامِ التي نُسْقيكم (١) مما في بطونِه. واختلفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ (٢) أهلِ مكةَ والعراقِ والكوفةِ والبصرةِ - سوى عاصمٍ - ومِن أهلِ المدينةِ أبو جعفرٍ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بضمِّ النونِ (٣)، بمعنى أنه أسقاهم شرابًا دائمًا. وكان الكِسائيُّ يقولُ: العربُ تقولُ: أَسقيناهم نهرًا (٤)، وأسقيناهم لبنًا. إذا [جعَله له] (٥) شُرْبًا دائمًا، فإذا أرادوا أنهم أَعْطَوْه شَرْبَةً قالوا: سقيناهم (٦)، فنحن نَسْقِيهم (٧). بغير ألفٍ. وقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ - سوى أبى جعفرٍ - ومِن أهلِ العراقِ عاصمٌ: (نَسقيكم). بفتح النونِ (٨)، من: سقاه اللهُ، فهو يَسْقِيه. والعربُ قد تُدْخِلُ الأَلفَ فيما كان من السقى غيرَ دائمٍ، وتَنْزِعُها فيما كان دائمًا، وإن كان أشهرُ الكلامَين عندَها ما قال الكِسائيُّ. يَدلُّ على ما قلنا من ذلك قولُ لَبِيدٍ في صفةِ سحابٍ (٩):

стр. 9732

سَقَى قَوْمِى (١) بنى مَجْدٍ وأَسْقَى … نُميْرًا والقبائلَ من هِلالِ فجمَع اللغتين كلتيهما في معنًى واحدٍ. فإذ كان ذلك كذلك، فبأيةِ القراءتين قرأ القارئُ فمصيبٌ، غيَر أن (٢) أعجبَ القراءتين إليَّ قراءةُ ضمِّ النونِ؛ لِمَا ذكَرْتُ من أن أكثرَ الكلامَين عندَ العربِ فيما كان دائمًا من السقى: أسقى، بالألفِ، فهو يُسْقِى. و [أن ما] (٣) أسقى اللهُ عبادَه من بطونِ الأنعامِ، فدائمٌ لهم غيرُ منقطِعٍ عنهم. وأما قولُه: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. وقد ذكَر الأنعامَ قبلَ ذلك، وهى جمعٌ، والهاءُ في البطونِ مُوحدةٌ، فإن لأهل العربيةِ في ذلك أقوالًا؛ فكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ يقولُ (٤): النَّعَمُ والأنعامُ شيءٌ واحدٌ؛ لأنهما جميعًا جمعان، فردَّ الكلامَ في قولِه: ﴿مِمَّا فِي [بُطُونِهِ﴾ إلى] (٥) التذكيرِ، مرادًا به معنى النَّعَم، إذ كان يؤدِّى عن الأنعامِ. ويَستشهِدُ (٦) لقولِه (٧) ذلك برجزِ بعضِ الأعرابِ (٨): إذا رأيْتَ أَنْجُمًا مِنَ الأَسَدُ

стр. 9733

جَبْهَتَهُ (١) أَوِ الخَرَاتَ (٢) والكَتَدْ (٣) بال سُهَيْلٌ فِي الفَضِيخُ (٤) فَفَسَدْ وطابَ الْبَانُ اللِّقاحِ فَبَرَدْ ويقولُ: رجَع بقولِه: فبَرد. إلى معنى اللبنِ؛ لأن اللبنَ والألبانَ يكونُ (٥) في معنَى واحدٍ. وفي تذكيرِ النَّعَمِ قولُ الآخرِ (٦): أكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ يُلْقحُهُ قَوْمٌ وتَنْتِجُونَهُ فذكَّر النَّعَمَ. وكان غيُره منهم يقولُ (٧): إنما قال: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. لأنه أراد: مما في بطونِ ما ذكَرْنا. ويُنشِدُ في ذلك رَجزًا لبعضِهم (٨):

стр. 9734

مِثْلُ الفِراخِ نتَقَتْ (١) حَوَاصِلُهُ وقولَ الأسودِ بن يَعْفُرَ (٢): إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كلاهِما … يُوفى المَخَارِمَ (٣) يَرْقُبَانِ (٤) سَوَادِى فقال: كلاهما. ولم يقلْ: كلتاهما. وقولَ الصَّلَتَانِ العَبْدِيِّ (٥): إِنَّ السَّمَاحَةَ والمُرُوءَةَ ضُمَّنَا … قَبْرًا بمَرْوَ على الطَّرِيقِ الوَاضِحِ وقولَ الآخرِ (٦): وعَفْرَاءُ أَدْنَى (٧) النَّاسِ مِنِّي مَوَدَّةً … وعَفْرَاءُ عَنِّي المُعْرِضُ المُتَوَانِى ولم يقل: المعرضةُ المتوانيةُ. وقولَ الآخرِ (٨): إذِ (٩) النَّاسُ ناسٌ والبِلادُ بغِبْطَةٍ (١٠) … وَإِذْ أُمُّ عَمَّارٍ صَدِيقٌ مُساعِفُ (١١) ويقولُ: كلُّ ذلك على معنى: هذا الشئُ، وهذا الشخصُ، والسوادُ. وما

стр. 9735

أشبه ذلك، ويقولُ: من ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكْرُه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨]. بمعنى: هذا الشيءٌ الطالعُ. وقولُه: ﴿[كَلَّا إِنَّهَا] (١) تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١، ١٢]. ولم يقلْ: ذَكَرها؛ لأن معناه: فمن شاء ذكر هذا الشئَ. وقولُه: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٥،٣٦]، ولم يقلْ: جاءت. وكان بعضُ البصريين يقولُ: قيل: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. لأن المعنى: نُسقيكم من أيِّ الأنعامِ كان في بطونِه اللبنُ (٢). ويقولُ: "فيه اللبنُ" مضمَرٌ. يعنى: أنه يُسقى من أيِّها كان ذا لبنٍ؛ وذلك لأنه ليس لكُلِّها لبنٌ، وإنما يُسقى من ذواتِ اللبن. والقولان الأوّلان أصحُّ مخرجًا على كلامِ العربِ من هذا القولِ الثالثِ. وقولُه: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾. يقولُ: نُسقيكم لبنًا نُخرجُه لكم من بين فَرْثٍ ودمٍ ﴿خَالِصًا﴾. يقولُ: خلَص من مخالطةِ الدمِ والفَرْثِ فلم يختلِطا به، ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾. يقولُ: يَسوعُ لمن شرِبه، فلا يَغُصُّ به كما يَغَصُّ الغاصُّ ببعضِ ما يأكلُه من الأطعمةِ. وقيل: إنه لم يَغَصَّ أحدٌ باللبنِ قَطُّ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكم أيضًا أيها الناسُ عِبرةٌ فيما نُسقيكم من ثمراتِ النخيلِ والأعنابِ، ما (٣) تتِخذون منه سَكَرًا ورزقًا حسنًا، مع ما نُسقيكم من بطونِ
следующие страницы →