← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن لكم أيُّها الناسُ لعظةً في الأنعامِ التي نُسْقيكم (١) مما في بطونِه. واختلفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ (٢) أهلِ مكةَ والعراقِ والكوفةِ والبصرةِ - سوى عاصمٍ - ومِن أهلِ المدينةِ أبو جعفرٍ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بضمِّ النونِ (٣)، بمعنى أنه أسقاهم شرابًا دائمًا. وكان الكِسائيُّ يقولُ: العربُ تقولُ: أَسقيناهم نهرًا (٤)، وأسقيناهم لبنًا. إذا [جعَله له] (٥) شُرْبًا دائمًا، فإذا أرادوا أنهم أَعْطَوْه شَرْبَةً قالوا: سقيناهم (٦)، فنحن نَسْقِيهم (٧). بغير ألفٍ. وقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ - سوى أبى جعفرٍ - ومِن أهلِ العراقِ عاصمٌ: (نَسقيكم). بفتح النونِ (٨)، من: سقاه اللهُ، فهو يَسْقِيه. والعربُ قد تُدْخِلُ الأَلفَ فيما كان من السقى غيرَ دائمٍ، وتَنْزِعُها فيما كان دائمًا، وإن كان أشهرُ الكلامَين عندَها ما قال الكِسائيُّ. يَدلُّ على ما قلنا من ذلك قولُ لَبِيدٍ في صفةِ سحابٍ (٩):

стр. 9732

سَقَى قَوْمِى (١) بنى مَجْدٍ وأَسْقَى … نُميْرًا والقبائلَ من هِلالِ فجمَع اللغتين كلتيهما في معنًى واحدٍ. فإذ كان ذلك كذلك، فبأيةِ القراءتين قرأ القارئُ فمصيبٌ، غيَر أن (٢) أعجبَ القراءتين إليَّ قراءةُ ضمِّ النونِ؛ لِمَا ذكَرْتُ من أن أكثرَ الكلامَين عندَ العربِ فيما كان دائمًا من السقى: أسقى، بالألفِ، فهو يُسْقِى. و [أن ما] (٣) أسقى اللهُ عبادَه من بطونِ الأنعامِ، فدائمٌ لهم غيرُ منقطِعٍ عنهم. وأما قولُه: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. وقد ذكَر الأنعامَ قبلَ ذلك، وهى جمعٌ، والهاءُ في البطونِ مُوحدةٌ، فإن لأهل العربيةِ في ذلك أقوالًا؛ فكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ يقولُ (٤): النَّعَمُ والأنعامُ شيءٌ واحدٌ؛ لأنهما جميعًا جمعان، فردَّ الكلامَ في قولِه: ﴿مِمَّا فِي [بُطُونِهِ﴾ إلى] (٥) التذكيرِ، مرادًا به معنى النَّعَم، إذ كان يؤدِّى عن الأنعامِ. ويَستشهِدُ (٦) لقولِه (٧) ذلك برجزِ بعضِ الأعرابِ (٨): إذا رأيْتَ أَنْجُمًا مِنَ الأَسَدُ

стр. 9733

جَبْهَتَهُ (١) أَوِ الخَرَاتَ (٢) والكَتَدْ (٣) بال سُهَيْلٌ فِي الفَضِيخُ (٤) فَفَسَدْ وطابَ الْبَانُ اللِّقاحِ فَبَرَدْ ويقولُ: رجَع بقولِه: فبَرد. إلى معنى اللبنِ؛ لأن اللبنَ والألبانَ يكونُ (٥) في معنَى واحدٍ. وفي تذكيرِ النَّعَمِ قولُ الآخرِ (٦): أكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ يُلْقحُهُ قَوْمٌ وتَنْتِجُونَهُ فذكَّر النَّعَمَ. وكان غيُره منهم يقولُ (٧): إنما قال: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. لأنه أراد: مما في بطونِ ما ذكَرْنا. ويُنشِدُ في ذلك رَجزًا لبعضِهم (٨):

стр. 9734

مِثْلُ الفِراخِ نتَقَتْ (١) حَوَاصِلُهُ وقولَ الأسودِ بن يَعْفُرَ (٢): إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كلاهِما … يُوفى المَخَارِمَ (٣) يَرْقُبَانِ (٤) سَوَادِى فقال: كلاهما. ولم يقلْ: كلتاهما. وقولَ الصَّلَتَانِ العَبْدِيِّ (٥): إِنَّ السَّمَاحَةَ والمُرُوءَةَ ضُمَّنَا … قَبْرًا بمَرْوَ على الطَّرِيقِ الوَاضِحِ وقولَ الآخرِ (٦): وعَفْرَاءُ أَدْنَى (٧) النَّاسِ مِنِّي مَوَدَّةً … وعَفْرَاءُ عَنِّي المُعْرِضُ المُتَوَانِى ولم يقل: المعرضةُ المتوانيةُ. وقولَ الآخرِ (٨): إذِ (٩) النَّاسُ ناسٌ والبِلادُ بغِبْطَةٍ (١٠) … وَإِذْ أُمُّ عَمَّارٍ صَدِيقٌ مُساعِفُ (١١) ويقولُ: كلُّ ذلك على معنى: هذا الشئُ، وهذا الشخصُ، والسوادُ. وما

стр. 9735

أشبه ذلك، ويقولُ: من ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكْرُه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨]. بمعنى: هذا الشيءٌ الطالعُ. وقولُه: ﴿[كَلَّا إِنَّهَا] (١) تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١، ١٢]. ولم يقلْ: ذَكَرها؛ لأن معناه: فمن شاء ذكر هذا الشئَ. وقولُه: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٥،٣٦]، ولم يقلْ: جاءت. وكان بعضُ البصريين يقولُ: قيل: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. لأن المعنى: نُسقيكم من أيِّ الأنعامِ كان في بطونِه اللبنُ (٢). ويقولُ: "فيه اللبنُ" مضمَرٌ. يعنى: أنه يُسقى من أيِّها كان ذا لبنٍ؛ وذلك لأنه ليس لكُلِّها لبنٌ، وإنما يُسقى من ذواتِ اللبن. والقولان الأوّلان أصحُّ مخرجًا على كلامِ العربِ من هذا القولِ الثالثِ. وقولُه: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾. يقولُ: نُسقيكم لبنًا نُخرجُه لكم من بين فَرْثٍ ودمٍ ﴿خَالِصًا﴾. يقولُ: خلَص من مخالطةِ الدمِ والفَرْثِ فلم يختلِطا به، ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾. يقولُ: يَسوعُ لمن شرِبه، فلا يَغُصُّ به كما يَغَصُّ الغاصُّ ببعضِ ما يأكلُه من الأطعمةِ. وقيل: إنه لم يَغَصَّ أحدٌ باللبنِ قَطُّ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكم أيضًا أيها الناسُ عِبرةٌ فيما نُسقيكم من ثمراتِ النخيلِ والأعنابِ، ما (٣) تتِخذون منه سَكَرًا ورزقًا حسنًا، مع ما نُسقيكم من بطونِ

стр. 9736

الأنعامِ من (١) اللبنِ الخارجِ من بين الفرثِ والدمِ. وحُذف من قولِه: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ الاسمُ، والمعنى ما وصفتُ، وهو: ومن ثمراتِ النخيلِ والأعنابِ ما تتخذون منه. لدلالةِ "مِنْ" عليه؛ لأن "مِنْ" تدخلُ في الكلام مُبَعِّضةً، فاستُغنى بدَلالتِها ومعرفةِ السامعين، بما تَقتضى (٢) من ذكْرِ الاسمِ معها. وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ (٣): معنى الكلامِ: ومن ثمراتِ النخيلِ والأعنابِ شيءٌ تتخذون منه سَكَرًا. ويقولُ: إنما ذُكِّرت الهاءُ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾. لأنه أُريد بها الشئُ. وهو عندنا عائدٌ على المتروكِ، وهو "ما". وقولُه: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾. من صِفَة "ما" المتروكةِ. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾؛ فقال بعضهم: عنَى بالسَّكَرِ الخمرَ، وبالرزقِ الحسنِ التمرَ والزبيبَ. وقال: إنما نزلت هذه الآيةُ قبل تحريمِ الخمرِ، ثم حُرَّمت بعدُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أيوبُ بن جابرٍ الحنفيُّ (٤)، عن الأسودِ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا

стр. 9737

حَسَنًا﴾. قال: السَّكَرُ ما حُرَّم من شرابِه، والرزقُ الحسنُ ما أُحِلَّ من ثمرتِه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ وسعيدُ (٢) بنُ الربيعِ الرازيُّ، قالا: ثنا ابن عُيينةَ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾، قال: الرزقُ الحسنُ ما أُحلّ من ثمرتِها، والسَّكَرُ ما حُرِّم من ثمرتِها. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن الأسودِ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٣). حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن عمرِو بن سفيان، عن ابن عباسٍ بنحوِه (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأسود بن قيسٍ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه. حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأسودِ بن قيسٍ، قال: سِمعت رجلًا يحدِّثُ عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: السَّكَرُ ما حُرَّم من ثمرتَيهما، والرزقُ الحسنُ ما أُحلّ من ثمرتيهما. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ صالحٍ، عن

стр. 9738

الأسودِ بن قيسٍ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غسانَ، قال: ثنا زهيرُ (١) بنُ معاويةَ، قال: ثنا الأسودُ بن قيسٍ، قال: ثني عمرُو بنُ سفيانَ، قال: سمِعت ابنَ عباسٍ يقولُ - وذُكِرتْ عنده هذه الآيةُ: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ - قال: السَّكَرُ ما حُرِّم منهما، والرزقُ الحسنُ ما أُحل منهما. حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن عمرِو بن سفيانَ البصريِّ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: فأما الرزقُ الحسنُ فما أُحِلَّ من ثمرتِهما (٢)، وأما السَّكَرُ فما حُرِّم من ثمرتِهما (٢). حدَّثني المثنى، قال: أخبرنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن الأسودِ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: السَّكَرُ حَرامُه، والرزقُ الحسنُ حَلَالُه. حدَّثني المثنَّى، قال: أخبرنا العباسُ بنُ أبى (٣) طالبٍ، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأسودِ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: السَّكَرُ ما حرُم من ثمرتِهما، والرزقُ الحسنُ ما حلَّ [من ثمرتِهما] (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الرزقُ الحسنُ الحلال، والسَّكَرُ

стр. 9739

الحرامُ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: ما حُرِّم من ثمرتَيْهما، وما أُحِلَّ من ثمرتَيْهما. حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: السَّكَرُ خمرٌ، والرزقُ الحسنُ الحلالُ (١). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مِسْعَرٍ وسفيانَ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الرزقُ الحسنُ الحلالُ، والسَّكَرُ الحرامُ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: السَّكر الحرامُ، والرزقُ الحسنُ الحلالُ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: نزَل هذا وهم يشربَون الحمرَ، فكان هذا قبل أن ينزلَ تحريمُ الخمرِ. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن

стр. 9740

المغيرةِ، عن إبراهيمَ والشعبِّى وأبى رزينٍ، قالوا: هي منسوخةٌ. في هذه الآيةِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ عَرَفةَ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، عن سعيدٍ، عن الُمغيرةِ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ وأبي رزينٍ بمثلِه. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: هي منسوخةٌ، نسخَهَا تحريُم الخمرِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْدَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: ذكَر اللهُ نعمتَه في السَّكَرِ قبل تحريمِ الخمرِ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن منصورٍ وعوفٍ، عن الحسنِ، قال: السَّكَرُ ما حرَّم اللهُ منه، والرزقُ الحسنُ (٣) ما أحَلَّ الله منه (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن الحسنِ، قال: الرزقُ الحسنُ الحلالُ، والسَّكَرُ الحرامُ.

стр. 9741

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلَمةَ، عن الضحاكِ، قال: الرزقُ الحسنُ الحلالُ، والسَّكَرُ الحرامُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي كُدينةً يحيى بن المهلَّبِ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: السَّكَرُ الخمرُ، والرزقُ الحسنُ الرُّطَبُ (١) والأعنابُ. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾. قال: هي الحمرُ قبل أن تُحرَّمَ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾. قال: الخمرَ قبلَ تحريِمها، ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: طعامًا (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: أما السَّكَرُ فخمورُ هذه الأعاجمِ، وأما الرزقُ الحسنُ فما تنتبِذون وما تُخَلِّلون وما تأكُلُون، ونزَلت هذه الآيةُ و [لم تُحرَّمِ] (٣) الخمرُ يومَئِذٍ، وإنما جاء تحريُمها بعد ذلك في سورةِ "المائدةِ". حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبدةُ بن سليمانَ، قال: قرأتُ على ابن أبي

стр. 9742

عروبةَ (١)، قال: هكذا سمِعتُ قتادةَ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. ثم ذكَر نحوَ حديثِ بشرٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَكَرًا﴾. قال: هي خمورُ الأعاجم، ونُسخت في سورةِ "المائدة"، والرزقُ الحسنُ؛ قال (٢): ما تَنتبِذون وتُخلِّلون وتأكُلُون (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: وذلك أن الناسَ كانوا يُسمُّون الخمرَ سَكَرًا، وكانوا يشربونها. قال ابن عباسٍ: مرَّ رجالٌ بوادى السكرانِ الذي كانت قريشٌ تجتمعُ (٤) فيه [إِذا تَلَقَّوْا مسافريهم] (٥)، إذا جاءوا من الشامِ، وانطلَقوا معهم يُشيِّعونهم حتى يبلُغوا وادىَ السكرانِ ثم يرجِعوا منه - ثم سمّاها الله بعد ذلك الخمرَ حين حرِّمت. وقد كان ابن عباسٍ يزعُمُ أنها الخمرُ، وكان يزعمُ أن الحبشةَ يُسمُّون الخلَّ السَّكَرَ. قولُه: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: يعنى بذلك الحلالَ؛ التمرَ والزبيبَ، وما كان حلالًا لا يُسْكِرُ (٦). وقال آخرون: السَّكَر بمنزلةِ الخمرِ في التحريمِ، وليس بخمرٍ. وقالوا: هو نَقيعُ (٧) التمرِ والزبيبِ إذا اشتدَّ وصار يُسكِرُ شاربَه.

стр. 9743

ذكرُ من قال ذلك حدثَّنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو في قولِه: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال ابن عَباسٍ: كان هذا قبل أن ينزِلَ تحريمُ الحمرِ، والسَّكَرُ حرامٌ مثلُ الخمرِ، وأما الحلالُ منه، فالزبيبُ والتمرُ والخلُّ ونحوُه. حدَّثني المثنَّى وعليُّ بن داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾: فحرَّم اللهُ بعد ذلك - لا يعنى: بعدَ ما أنزَل في سورةِ "البقرةِ" من ذكْرِ الخمرِ والميسرِ والأنصابِ والأزلامِ - السَّكَرَ مع تحريمِ (١) الخمرِ؛ لأنه منه، قال: "وَرِزْقًا حَسَنًا". فهو الحلالُ من الخلِّ والنبيذِ وأشباهِ ذلك، فأقرَّه اللهُ وجعَله حلالًا للمسلمين (٢). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن موسى، قال: سألت مُرَّةَ عن السَّكَرِ فقال: قال عبدُ اللَّهِ: هو خمرٌ (٣). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي فروةَ، عن (٤) عبد الرحمنِ بن أبى ليلى، قال: السَّكرُ خمرٌ (٥). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثمِ، عن

стр. 9744

إبراهيم، قال: السَّكَر خمرٌ. حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا حسنُ بنُ صالحٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ وأبى رزينٍ، قالا: الشُّكَرُ خمرٌ (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾: يعنى ما أسكَر من العنبِ والتمرِ، ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: يعنى ثمرتَها. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: الحلالُ ما كان على وجهِ الحلالِ، حتى غيَّروها فجعَلوا منها سَكَرًا. وقال آخرون: السَّكَرُ هو كلُّ (٢) ما كان حلالًا شربه؛ كالنبيذِ الحلالِ، والخلِّ، والرُّبِّ (٣)، والرزقُ الحسنُ التمرُ والزبيبُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني داودُ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: أبو رَوْقٍ ثنى قال: قلتُ للشعبيِّ: أرأيتَ (٤) قولَه تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾. أهو هذا السُّكَرُ الذي الله تصنعُه النَّبَطُ؟ قال: لا، هذا خمرٌ، إنما السَّكَرُ الذي قال اللهُ تعالى ذِكرُه؛ النبيذُ والخلُّ، والرزقُ الحسنُ التمرُ والزبيبُ.

стр. 9745

حدَّثني يحيى بنُ داودَ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: وذكَر مجالدٌ، عن عامرٍ نحوَه. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَندلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: ما كانوا يتخِذون من النخلِ؛ النَّبيذُ، والرزقُ الحسنُ ما كانوا يصنَعون من الزبيبِ والتمرِ. حدَّثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَنْدَلٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الشعبيِّ، قال: قلتُ له: ما تتخِذون منه سَكَرًا؟ قال: كانوا يصنَعون من النبيذِ والخلِّ. قلت: والرزقُ الحسنُ؟ قال: كانوا يصنَعون من التمرِ والزبيبِ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ وأحمدُ بنُ بشيرٍ، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، قال: السَّكَرُ النبيذُ، والرزقُ الحسنُ التمرُ الذي كان يؤكَلُ. وعلى هذا التأويلِ، الآية غيرُ منسوخةٍ، بل حكمُها ثابتٌ. وهذا التأويلُ عندى هو أولى الأقوالِ بتأويلِ هذه الآيةِ، وذلك أن السَّكَرَ في كلامِ العربِ على أحدِ أوجهٍ أربعةٍ؛ أحدها: ما أسكَر من الشرابِ. والثاني: ما طُعِم (١) من الطعام. كما قال الشاعرُ (٢): جَعَلْتَ غَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرًا أي طعمًا. والثالثُ: السُّكُونُ، من قولِ الشاعرِ (٣): وجَعَلَتْ عينُ الحَرُورِ تَسْكُرُ

стр. 9746

وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى (١). والرابعُ: المصدرُ من قولِهم: سكر فلان يسكرُ سُكْرًا وسَكْرًا وسَكَرًا. فإذ كان ذلك كذلك، وكان ما يُشْكِرُ من الشرابِ حرامًا، بما قد دلَّلْنا عليه في كتابِنا المسمى: "لطيفُ القول في أحكامِ شرائعِ الإسلامِ"، وكان غيرَ جائزٍ لنا أن نقولَ: هو منسوخٌ؛ إذ كان المنسوخُ هو ما نفَى حكمه الناسخُ، وما لا يجوزُ اجتماعُ الحكمِ به وناسخهِ، ولم يكنْ في حكمِ اللهِ تعالى ذكرُه بتحريمِ الخمرِ دليلٌ على أن السَّكَرَ الذي هو غيرُ الخمر وغيرُ ما يُسكِرُ من الشرابِ - حرامٌ، إذ كان السَّكَرُ أحدُ معانيه عندَ العربِ ومن نزل بلسانِه القرآنُ، هو كلُّ ما طُعم، ولم يكنْ مع ذلك، إذ لم يكنْ في نفسِ التنزيلِ دليلٌ على أنه منسوخٌ، أو (٢) ورد بأنه منسوخٌ خبرٌ من الرسولِ، ولا أجمعت عليه الأمةُ، فوجَب (٣) القولُ بما قلنا، من أن معنى السَّكَرِ (٤) في هذا الموضع هو كلُّ ما حلَّ شربه، مما يُتَّخذُ من ثمرِ النخلِ والكَرْمِ، إذ (٥) فسد أن يكون معناه الخمرُ أو ما يُسكرُ من الشرابِ، وخرَج من أن يكونَ معناه السَّكَرُ نفسه - إذ كان السَّكَرُ ليس مما يُتخذُ من النَّخْلِ والكَرْمِ (٦) - ومن أن يكونَ بمعنى السُّكونِ. وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: [إن فيما] (٧) وصفْنا لكم من

стр. 9747

نَعَمِنا التي أتيناكم أيها الناسُ من الأنعامِ والنخلِ والكرمِ، لدلالةً واضحةً وآيةً بيِّنةً لقومٍ يعقِلون عن اللهِ تعالى حُججَه، ويفهمون عنه مواعظَه، فيتعظون بها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾. يقول تعالى ذكْرُه: وألهَم ربُّك يا محمدُ النحل إيحاءً إليها؛ ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾، يعنى: مما يَبْنُون من السقوفِ فرفَعوها بالبناءِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مروانُ، عن إسحاقَ التميميِّ، وهو ابن أبى الصباحِ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. قال: ألهَمها إلهامًا (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: بلَغنى في قولِه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. قال: قذَف في أنفسِها (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن أصحابِه قولَه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. قال: قذف في أَنفُسِها، ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾.

стр. 9748

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الآية. قال: أمَرها أن تأكلَ من الثمراتِ، وأمَرها أن تتبعَ سبلَ ربِّها ذُلُلًا (١). وقد بيَّنا معنى الإيحاءِ، واختلافِ المختلفين فيه، فيما مضَى بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، وكذلك معنى قولِه: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ (٢). وكان ابن زيدٍ يقولُ في معنى ﴿يَعْرِشُونَ﴾. ما حدَّثني به (٣) يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَعْرِشُونَ﴾. قال: الكَرْمُ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ثُمَّ كُلِي﴾ أيتُها النحلُ ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾. يقولُ: فاسلُكى طُرُقَ رَبِّك ﴿ذُلُلًا﴾. يقولُ: مُذَلَّلةً لكِ. والذُّلُلُ: جمعُ ذَلُولٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ ذكر من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 9749

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. قال: لا يَتوعَّرُ عليها مكانٌ سَلكَتْه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. قال: طُرُقًا ذُلُلًا. قال: لا يتوعَّرُ عليها مكانٌ سلكتْه. وعلى هذا التأويلِ الذي تأوَّله مجاهدٌ، "الذُّلُلُ" من نعتِ "السُّبل". فالتأويلُ على قولِه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾: الذُّلُلَ لكِ، لا يتوعَّرُ عليكِ سبيلٌ سلَكتِه. ثم أُسقِطت الألفُ واللامُ، فنُصِب (٢) على الحالِ. وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. أي: مطيعةً. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذُلُلًا﴾. قال: مطيعةً (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. قال: الذُّلولُ الذي يُقادُ ويُذهَبُ به حيث أراد صاحبُه. قال: فهم يَخرُجون بالنحلِ يَنتجِعون بها ويذهبون، وهى تَتبعُهم. وقرأ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا

стр. 9750

خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُم﴾ (١) الآية [يس:٧١، ٧٢]. فعلى هذا القولِ، الذُّلُل من نعتِ "النحل". وكلا القولين غيرُ بعيدٍ من الصوابِ في الصحةِ وجهان مُخرَّجان، غيرَ أنّا اخترنا أن يكونَ نعتًا (٢) لـ "السُّبُل"؛ لأنها إليها أقربُ. وقولُه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يخرُجُ من بطونِ النحلِ شرابٌ، وهو العسلُ، مختلفٌ ألوانه؛ لأن فيه أبيضَ وأحمرَ وأسحرَ (٣)، وغير ذلك من الألوانِ. قال أبو جعفرٍ: أسحرُ: ألوانٌ مختلفةٌ، مثل: أبيضُ يَضرِبُ إلى الحمرةِ. وقولُه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ فيما عادت عليه الهاءُ التي في قولِه: ﴿فِيهِ﴾؛ فقال بعضهم: عادت على القرآنِ، وهو المرادُ بها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: ثنا المحاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. قال: في القرآنِ شفاءٌ (٤). وقال آخرون: بل أُريد بها العسلُ.

стр. 9751

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾: ففيه شفاءٌ - كما قال اللهُ تعالى - من الأدواءِ، وقد كان يُنَهى عن تغْريقِ (١) النحلِ وعن قتلِها. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فذكَر أن أخاه اشتكَى بطنه، فقال النبيُّ ﷺ : "اذْهَبْ فَاسْقِ أَخَاكَ عَسَلًا". ثم جاءه فقال: ما زاده إلا شدةً. فقال النبيُّ ﷺ : "اذْهَبْ فَاسْقِ أَخَاكَ عَسَلًا، فَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ". فسقاه، فكأنّما نَشِط من عقالٍ (٢). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ . فذكر نحوَه (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قال: شفاءان؛ العسلُ شفاءٌ من كلِّ داءٍ، والقرآنُ شفاءٌ لما في الصدورِ (٤).

стр. 9752

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾: يعنى العسلَ. وهذا القولُ - أعنى قول قتادة - أولى بتأويل الآيِة؛ لأن قولَه: ﴿فِيهِ﴾. في سياقِ الخبرِ عن العسلِ، فأن تكونَ الهاءُ من ذكرِ العسلِ، إذ كانت في سياقِ الخبرِ عنه، أولى من غيرِه. وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في إخراجِ اللهِ من بطونِ هذه النحلِ الشرابَ المختلفَ، الذي هو شفاءٌ للناسِ لدلالةً وحجةً واضحةً على مَن سخَّر النحلَ، وهداها لأكلِ الثمراتِ التي تأكُلُ، واتخاذِها البيوتَ التي تُنْحتُ من الجبالِ والشجرِ والعروشِ، وأخرَج من بطونِها ما أخرَج من الشفاءِ للناسِ، أنه الواحدُ الذي ليس كمثلِه شيءٌ، وأنه لا ينبغي أن يكونَ له شريكٌ، ولا تَصِحُّ الألوهةُ إِلَّا له. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ خلَقكم أيها الناسُ وأوجَدكم ولم تكونوا شيئًا، لا الآلهةُ التي تعبُدون من دونه، فاعبدوا الذي خلَقكم دونَ غيره، ﴿ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾. يقولُ: ثم يقبضُكم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾. يقولُ: ومنكم مَن يَهْرَمُ، فيصيرُ إلى أرذل العمرِ. وهو أردوه، يقالُ منه: رَذُل الرجلُ وفَسُل، يرذُلُ رَذَالةً ورُذُولةً (١)، ورَذَلْتُه أنا. وقيل: إنه يصيرُ كذلك في خمسٍ وسبعين سنةً.

стр. 9753

حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الضِّراريُّ (١)، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا أسدُ بنُ عمرانَ (٢)، عن سعد بن طريف، عن الأصبغِ بن (٣) نُباتةَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾. قال: خمسٌ وسبعون سنةً (٤). وقولُه ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ يقولُ: إنما نردُّه إلى أرذلِ العمرِ ليعودَ جاهلًا (٥) كما كان في حالِ طفولتِه وصباه، ﴿بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. يقولُ: لئلا يَعلَم شيئًا بعدَ علمٍ كان يعلَمُه في شبابِه، فذهَب ذلك بالكبرِ ونَسِي، فلا يَعلَمُ منه شيئًا، وانسلَخ مِن عقلِه، فصار من بعدِ عقلٍ كان له، لا يعقِلُ شيئًا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: إن الله الذي (٦) لا ينسى، ولا يتغيرُ علمُه، عليم بكلِّ ما كان ويكونَ، قديرٌ على ما شاء، لا يجهَلُ شيئًا، ولا يُعجزه شيءٌ أراده. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ أيها الناسُ فضَّل بعضَكم على بعضٍ في الرزقِ الذي رزَقكم في الدنيا، فما الذين فضَّلهم اللهُ على غيرِهم بما رزَقهم ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى

стр. 9754

مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. يقولُ: بمشركى مماليكهم فيما رزقهم من المالِ (١). والأزواج، ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. يقولُ: حتى يستووا (٢) هم في ذلك وعبيدُهم. يقولُ تعالى ذكرُه: فهم لا يرضَون بأن يكونوا هم ومماليكُهم فيما رزَقتُهم سواءً، وقد جعَلوا عبيدى شركائى في مُلكى وسلطاني. وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه للمشركين باللهِ. وقيل: إنما عنَى بذلك الذين قالوا: إن المسيحَ ابن اللهِ. من النصارى. وقولُه: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفبنِعْمةِ اللهِ التي أنعَمها على هؤلاء المشركين من الرزقِ الذي رزَقهم في الدنيا، يَجْحَدون بإشراكِهم غيرَ اللَّهِ مِن خلقِه في سلطانِه ومُلْكِه؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. يقولُ: لم يكونوا يُشْرِكون عبيدَهم في أموالِهم ونسائهم، فكيف يُشرِكون عبيدى معى في سلطاني؟ فذلك قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣).

стр. 9755

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: هذه الآيةِ في شأنِ عيسى ابن مريمَ. يعنى بذلك نفسَه، إنما عيسى عبدٌ، فيقولُ الله: والله ما تُشركون عبيدَكم (١) في الذي لكم، فتكونوا أنتم وهم سواءً، فكيف تَرضَون لى ما (٢) لا تَرضَون لأنفسكم؟ (٣) حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (٤)، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. قال: مثَلُ آلهةِ الباطلِ مع اللهِ تعالى ذكرُه (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُون﴾: وهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ، فهل مِنكم من أحدٍ شارَك مملوكه في زوجتِه وفى فراشِه، فتَعدِلون (٦) باللَّهِ خَلْقَه وعباده؟ فإن لم ترضَ لنفسِك هذا، فاللَّهُ أحقُّ أن يُنزَّهَ منه من نفسك، ولا تَعدِلَ (٦) باللَّهِ أحدًا مِن عبادِه وخلقِه (٧).

стр. 9756

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. قال: هذا الذي فُضِّل [في المالِ] (١) والولدِ، لا يُشْرِكُ عبدَه في مالِه وزوجتِه، يقولُ: قد رضيتُ بذلك للهِ. ولم ترضَ (٢) به لنفسِك، فجعَلْتَ اللَّهِ شريكًا في مُلْكِه وخلقِه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي جعَل لكم أيها الناسُ من أنفسِكم أزواجا. يعنى أنه خلَق مِن آدمَ زوجتَه (٤) حواءَ، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾. أي: واللهُ خلق آدمَ، ثم خلَق زوجته منه، ثم جعَل لكم بنينَ وحفَدةً (٥). واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ (٦) بالحفَدَةِ؛ فقال بعضُهم: هم الأَحْتانُ، أَحْتانُ الرجلِ على بناتِه.

стр. 9757

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو معاويةَ (١)، قال: ثنا أبانُ بنُ تَغلِبَ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن ابن حُبيشٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الأَختانُ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ (٣)، عن عاصمٍ، عن [زِرٍّ، قال] (٤): سألتُ عبد الله: ما تقولُ في الحفَدَةِ؟ هم حَشَمُ الرجلِ يا أبا عبد الرحمنِ؟ قال: لا، ولكنهم الأَختانُ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا جميعًا: ثنا سفيان، عن عاصمِ بن بَهْدَلَةَ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: الحَفَدةُ الأَخْتانُ (٦). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ بإسنادِه، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه. حدَّثنا ابن بشارٍ وأحمدُ بنُ الوليدِ القرشُّي وابنُ وكيعٍ وسَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العنبريُّ ومحمدُ بنُ خالدِ (٧) بن خِداشٍ (٨) والحسنُ بن خلفٍ الواسطيُّ، قالوا: ثنا يحيى بنُ

стр. 9758

سعيدٍ القطانُ (١)، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، قال: الحفَدةُ الأَختانُ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: الحَفَدَةُ الأَخْتانُ. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن حُبيرٍ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الحَفَدَةُ الأَخْتانُ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الحَفَدَةُ الخَتَنُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الأَختانُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: الأَختانُ (٢). وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَحَفَدَةً﴾. قال: الأصهارُ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حمادٌ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن ابن (٤) مسعودٍ، قال: الحفَدةُ الأَختانُ (٥)

стр. 9759

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن عاصمٍ بن أبى النَّجُودِ، عن زِرِّ بن حُبيشٍ، قال: قال لى عبدُ اللهِ بن مسعودٍ: ما الحفَدةُ يا زِرُّ؟ قال: قلتُ: هم حُفّادُ (١) الرجلِ، من ولدِه وولدِ ولدِه. قال: لا، هم الأصهارُ (٢). وقال آخرون: هم أعوانُ الرجل وخَدَمُه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمد بن خالد بن خِدَاشٍ، قال: ثنى سَلْم بن قتيبة، عن وهبِ بن حبيبٍ الأَسَديِّ، عن أبي حمزةَ، عن ابن عباسٍ، سُئل عن قولِه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: من أعانك فقد حَفَدك، أما سمِعتَ قول الشاعرِ: حَفَدَ الوَلائِدُ [حَوْلَهُنَّ وَأُسْلِمَتْ] (٣) … بِأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأَجْمَالِ (٤) حدَّثنا هَنَّادٌ (٥)، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الحَفَدةَ الخُدّامُ (٦).

стр. 9760

حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خِداشٍ، قال: ثنى سَلْمُ بنُ قُتيبةَ، عن حازمِ بن إبراهيمّ البَجَليِّ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، قال: قال: الحَفَدَةُ الخُدّام. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عيينةَ، عن حُصينٍ، عن عكرمةَ، قال: الذين يُعينون الرجلَ من ولدِه وخدَمِه. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَحَفَدَةً﴾. قال: الحَفدةُ من خدَمك من ولدِك. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سلَّامِ بن سليمٍ وقيسٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، قال: هم الخدمُ. حدَّثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سلَّامٌ أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ مثله. حدَّثني محمدُ بنُ خالدٍ، قال: ثنى سَلْمٌ (١)، عن أبي هلالٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: البنينَ وبنى (٢) البنين؛ مَن أعانك من أهلٍ أو (٣) خادمٍ فقد حفَدك (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ، قال: هم الخَدَمُ. حدَّثني محمدُ بنُ خالدٍ وابنُ وكيعٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالوا: ثنا إسماعيلُ بن عُلَيةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحَفَدَةُ الخَدَمُ.

стр. 9761

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، وحدثنا ابن وكيعٍ، قال: قال: ثنا أبي، وحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، جميعا عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: ابنُه وخادمُه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ: قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: أنصارًا وأعوانًا وخدمًا (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زَمْعةُ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: الحفدةُ الخَدَمُ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ مرةً أُخرى، قال: ابنُه و (٤) خادمه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: مَهَنَةً يَمهَنونك ويخدُمونك من ولدِك، كرامةً أكرَمكم اللهُ بها. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ (٥) اللهِ، عن إسرائيل، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ: الحفَدةُ، قال: الأعوانُ (٦).

стр. 9762

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حُصينٍ، عن عكرمةَ، قال: الذين يُعينونه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحكَمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الحفدةُ من خدَمك من ولدِك وولدِ ولدِك (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن التيميِّ، عن أبيه، عن الحسنِ، قال: الحَفَدَةُ الخَدَمُ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصينٍ، عن عكرمةَ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: ولدُه الذين يُعِينونه. وقال آخرون: هم ولدُ الرجلِ وولدُ ولدِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَحَفَدَةً﴾. قال: هم الولدُ وولدُ الولدِ (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الحَفدَةُ البنون (٣).

стр. 9763

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثله. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: بنوك حين يَحفِدونك ويَرفِدونك ويُعِينونك ويَخدُمونك، قال جميلٌ (١): حفَد الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وَأُسْلِمَتْ … بِأَكُفِّهِنَّ أُزِمَّةُ الأَجْمَالِ (٢) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الحفَدةُ (٣) الخدمُ من ولدِ الرجلِ، هم ولدُه، وهم يخدُمونه، قال: وليس يَكونُ العبيدُ من الأزواجِ، كيف يكونُ من زوجِى عبدٌ؟ إنما الحفدةُ ولدِ الرجلِ وخَدَمُه. حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: يعنى ولدَ الرجلِ يحفِدونه ويخدُمُونه، وكانت العربُ إنما تخدُمُهم أولادُهم الذكورُ (٤). وقال آخرون: هم بنو امرأةِ الرجلِ من غيرِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. يقولُ:

стр. 9764

بنو امرأةِ الرجل ليسوا منه وقال (١): الحفدَةُ الرجلُ (٢) يعمَلُ بينَ يديِ الرجلِ، يقولُ (٣): فلانٌ يحفِدُ لنا. ويزعُمُ رجالٌ أن الحفَدةَ أَخْتانُ الرجلِ (٤). والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبَر عبادَه مُعرَّفَهم نِعمَه عليهم فيما جعَل لهم من الأزواجِ والبنين، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾، فأعلَمهم أنه جعَل لهم من أزواجِهم بنيَن وحفدةً، والحفَدةُ في كلامِ العربِ جمعُ حافدٍ، كما الكَذَبَةُ جمعُ كاذبٍ، والفَسَقةُ جمعُ فاسقٍ. والحافدُ في كلامِهم (٥) هو المتخفِّفُ في الخدمةِ والعملِ. والحَفْدُ خفةُ الرجلِ (٦) العملَ. يقالُ: مرَّ البعيرُ يَحفِدُ حَفَدَانًا. إذا مرَّ يُسرِعُ في سَيْرِه، ومنه قولُهم: إليك نسعى ونحفِدُ (٧). أي: نُسرِعُ إلى العملِ بطاعتِك. يقالُ منه: حَفَد له يَحفِدُ حَفْدًا وحُفودًا وحَفَدَانًا. ومنه قول الراعى (٨): كَلَّفْتُ مَجْهُولَهَا نُوقًا يَمَانِيَةً … إذا الحُدَاةُ على أَكْسَائِها (٩) حَفَدُوا وإذ كان معني الحفَدةِ ما ذكرنا، من أنهم المسرِعون في خدمةِ الرجلِ،

стр. 9765

المتخفِّفون فيها، وكان اللهُ تعالى ذكرُه أخبَرنا أن مما أنعَم به علينا أن جعَل لنا حَفَدَةً تحفِدُ لنا، وكان أولادنا وأزواجُنا الذين يَصلُحون للخدمةِ منا ومن غيرِنا، وأختانُنا الذين هم أزواجُ بناتِنا من أزواجِنا، وخَدَمُنا من مَماليكِنا، إذا كانوا يُحفِدوننا، فيَستحِقُّون اسم حَفَدَةٍ، ولم يكنِ اللهُ تعالى ذكرُه دلَّ بظاهرِ تنزيلِه، ولا على لسانِ رسولِه ﷺ ، ولا بحُجِة عقلٍ، على أنه عنَى بذلك نوعًا من الحفَدةِ (١) دونَ نوعٍ منهم، وكان قد أنعم بكلِّ ذلك علينا، لم يكنْ لنا أن نوجِّهَ ذلك إلى خاصٍّ من الحفَدةِ دون عامٍّ، إلا ما أجمَعتِ (٢) الأمةُ عليه أنه غيرُ داخلٍ فيهم. وإذا كان ذلك كذلك، فلكلِّ الأقوالِ التي ذكرْنا عمَّن ذكرْنا وجهٌ في الصحةِ، ومخرجٌ [في التأويلِ] (٣). وإن كان (٤) أولى بالصوابِ من القولِ ما اخترنا؛ لما بيَّنا من الدليلِ. وقولُه: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. يقولُ: ورزَقكم من حلالِ المعاشِ والأرزاقِ والأقواتِ. ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: يُحرِّم عليهم أولياءُ الشيطانِ، من البحائرِ والسوائبِ والوصائلِ، فيُصَدِّقُ (٥) هؤلاء المشركون باللهِ، ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: وبما أحلَّ اللهُ لهم من ذلك، وأنعَم عليهم بإحلالِه ﴿يَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: يُنكرون تحليلَه، ويَجحَدون أن يكونَ اللهُ أحلَّه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ

стр. 9766

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويعبُدُ هؤلاء المشركون باللهِ من دونه أوثانًا لا تملكُ لهم رزقًا من السماواتِ؛ لأنها لا تَقدِرُ على إنزالِ قَطْرٍ منها لإحياءِ مَوَتَانِ الأَرَضِينَ، ﴿وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: ولا تملكُ لهم أيضًا رزقًا من الأرضِ؛ لأنها لا تَقْدِرُ على إخراجِ شيءٍ من نباتِها وثمارِها لهم، ولا شيئًا مما عدَّد تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ أنه أنعَم بها عليهم، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. يقولُ: ولا تملكُ أوثانهم شيئًا من السماواتِ والأرضِ، بل هي وجميعُ ما في السماواتِ والأَرضِ اللَّهِ مِلْكُ، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. يقولُ: ولا تقدرُ على شيءٍ. وقولُه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. يقولُ: فلا تُمثِّلوا للَّهِ الأمثالَ، ولا تُشَبِّهوا له الأشباهَ، فإنه لا مِثْلَ له ولا شِبْهَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: الأمثالُ الأشباهُ (١). وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: يعنى اتخاذَهم الأصنامَ، يقولُ: لا تجعَلوا معى إلهًا غيرِى، فإنه لا إلهَ غيرِى (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ

стр. 9767

دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. قال: هذه الأوثانُ التي تُعبَدُ من دونِ اللهِ، لا تملكُ لمن يعبدُها رزقًا، ولا ضرًّا ولا نفعًا، ولا حياةً ولا نشورًا. وقولَه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. فإنه أَحَدٌ صَمَدٌ، لم يَلِدْ، ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ، ﴿إِنَّ (١) اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). [وقولُه: ﴿[إِنَّ اللَّهَ] (٣) يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾] (٤). يقولُ: واللَّهُ أيها الناسُ يعلمُ خطأَ ما تمثِّلون وتضرِبون من الأمثالِ، وصوابَه، وغيرَ ذلك من سائرِ الأشياءِ، وأنتم لا تعلَمون صوابَ ذلك من خطئِه. واختلَف أهلُ العربيةِ في الناصِبِ قولَه: ﴿شَيْئًا﴾؛ فقال بعضُ البصريين: هو منصوبٌ على البدلِ من "الرزقِ"، وهو في معنى: لا يملِكون رزقًا قليلًا ولا كثيرًا. وقال بعضُ الكوفيين (٥): نصَب ﴿شَيْئًا﴾ بوقوعِ "الرزق" عليه، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]. أي: تَكْفِتُ (٦) الأحياءَ والأمواتَ. ومثلُه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ (٧) فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤ - ١٦]. قال: ولو كان الرزقُ مع الشيءِ لجاز خفضُه: لا يملكُ لهم (٨) رزقَ شيءٍ من السماواتِ.

стр. 9768

ومثلُه: (فجزاءُ مثل (١) ما قتل من النَّعَمِ) [المائدة: ٩٥]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وشَبَّه لكم (٢) شبهًا أيُّها الناسُ؛ للكافرِ من عبيدِه، والمؤمنِ به منهم. فأمّا مثَلُ الكافِرِ، فإنه لا يَعمَلُ بطاعةِ اللهِ، ولا يأتى خيرًا، ولا يُنفِقُ في شيءٍ من سبيلِ اللَّهِ ماله، لغلبةِ خِذلانِ اللَّهِ عليه، كالعبدِ المملوكِ الذي لا يقدِرُ على شيءٍ فيُنفقه. وأما المؤمنُ باللَّهِ، فإنه يعملُ بطاعتِه (٣)، وينفقُ في سبيلِه ماله، كالحرِّ الذي آتاه الله مالًا، ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾. يقولُ: بِعِلْمٍ من الناسِ وغيرِ علمٍ، ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾. يقولُ: هل يستوى العبدُ الذي لا يملكُ شيئًا ولا يقدرُ عليه، وهذا الحرُّ الذي قد رزَقه الله رزقًا حسنًا، فهو يُنفقُ كما وصف؟ فكذلك لا يستوى الكافرُ العاملُ بمعاصى اللَّهِ، المخالفُ أمرَه، والمؤمنُ العاملُ بطاعتِه وبنحوِ ما (٤) قلنا في ذلك [كان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ] (٥). ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا

стр. 9769

عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾: هذا مثلٌ ضربه اللهُ للكافِرِ، رزَقه اللهُ (١) مالًا، فلم يقدِّم فيه خيرًا، ولم يعملْ فيه بطاعةِ اللهِ، قال اللهُ تعالى ذكْرُه: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾. فهذا المؤمنُ، أعطاه اللهُ، مالًا، فعمِل (٢) فيه بطاعةِ اللهِ، وأَخَذ بالشكرِ، ومعرفةِ حقِّ (٣) اللهِ، فأثابه اللهُ على ما رزَقه الرزقَ المقيمَ الدائمَ لأهلِه في (٤) الجنةِ، قال الله تعالى ذكرُه: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤]؟ واللهِ ما يستويان، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. قال: هو الكافرُ (٦) لا يعملُ بطاعةِ اللهِ، ولا يُنفقُ خيرًا، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: المؤمنُ يطيعُ الله في نفسِه وماِله (٧). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾: يعنى الكافرَ، أنه لا يستطيعُ أن يُنفقَ نفقةً في سبيلِ اللَّهِ، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾: يعنى المؤمنَ، وهذا المثلُ في النفقةِ (٨).

стр. 9770

وقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: الحمدُ الكاملُ للهِ خالصًا، دون ما تَدْعُون أيها القومُ من دونِه من الأوثانِ، فإياه فاحْمَدُوا دونها. وقولُه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ما الأمرُ كما تفعلون، ولا القولُ كما تقولون، ما للأوثانِ عندهم من يد ولا معروفٍ فتُحمَدَ عليه، إنما الحمدُ للهِ، ولكنَّ أكثرَ هؤلاء الكفرة الذين يعبدونها، لا يعلَمون أن ذلك كذلك، فهم بجهلِهم بما يأتون ويَذَرون، يجعَلونها للهِ شركاءَ في العبادةِ والحمدِ. وكان مجاهدٌ يقولُ: ضرب اللهُ هذا المثلَ، والمثلَ الآخرَ الذي (١) بعدَه لنفسِه وللآلهةِ التي تُعبدُ من دونِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾. وهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه لنفسِه وللآلهةِ التي تُعبدُ من دونِه، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. يعنى بذلك الصنمَ، أنه لا يسمعُ شيئًا، ولا ينطق، لأنه إما خشبٌ منحوتٌ، وإما نُحاسٌ مصنوعٌ، لا يقدرُ على نفعٍ لمن خدَمه، ولا دفع ضُرٍّ عنه، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾. يقولُ: وهو عِيالٌ على ابن عمِّه وحُلفائِه وأهلِ ولايتِه، فكذلك الصنمُ كُلٌّ على من يعبدُه، يحتاجُ أن يحملَه، ويضعهَ، ويخدُمه، كالأبكمِ من الناسِ الذي لا يقدرُ على شيءٍ، فهو كُلٌّ على أوليائه من بنى أعمامِه
следующие страницы →