← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويعبُدُ هؤلاء المشركون باللهِ من دونه أوثانًا لا تملكُ لهم رزقًا من السماواتِ؛ لأنها لا تَقدِرُ على إنزالِ قَطْرٍ منها لإحياءِ مَوَتَانِ الأَرَضِينَ، ﴿وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: ولا تملكُ لهم أيضًا رزقًا من الأرضِ؛ لأنها لا تَقْدِرُ على إخراجِ شيءٍ من نباتِها وثمارِها لهم، ولا شيئًا مما عدَّد تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ أنه أنعَم بها عليهم، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. يقولُ: ولا تملكُ أوثانهم شيئًا من السماواتِ والأرضِ، بل هي وجميعُ ما في السماواتِ والأَرضِ اللَّهِ مِلْكُ، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. يقولُ: ولا تقدرُ على شيءٍ. وقولُه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. يقولُ: فلا تُمثِّلوا للَّهِ الأمثالَ، ولا تُشَبِّهوا له الأشباهَ، فإنه لا مِثْلَ له ولا شِبْهَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: الأمثالُ الأشباهُ (١). وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: يعنى اتخاذَهم الأصنامَ، يقولُ: لا تجعَلوا معى إلهًا غيرِى، فإنه لا إلهَ غيرِى (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ

стр. 9767

دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. قال: هذه الأوثانُ التي تُعبَدُ من دونِ اللهِ، لا تملكُ لمن يعبدُها رزقًا، ولا ضرًّا ولا نفعًا، ولا حياةً ولا نشورًا. وقولَه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. فإنه أَحَدٌ صَمَدٌ، لم يَلِدْ، ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ، ﴿إِنَّ (١) اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). [وقولُه: ﴿[إِنَّ اللَّهَ] (٣) يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾] (٤). يقولُ: واللَّهُ أيها الناسُ يعلمُ خطأَ ما تمثِّلون وتضرِبون من الأمثالِ، وصوابَه، وغيرَ ذلك من سائرِ الأشياءِ، وأنتم لا تعلَمون صوابَ ذلك من خطئِه. واختلَف أهلُ العربيةِ في الناصِبِ قولَه: ﴿شَيْئًا﴾؛ فقال بعضُ البصريين: هو منصوبٌ على البدلِ من "الرزقِ"، وهو في معنى: لا يملِكون رزقًا قليلًا ولا كثيرًا. وقال بعضُ الكوفيين (٥): نصَب ﴿شَيْئًا﴾ بوقوعِ "الرزق" عليه، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]. أي: تَكْفِتُ (٦) الأحياءَ والأمواتَ. ومثلُه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ (٧) فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤ - ١٦]. قال: ولو كان الرزقُ مع الشيءِ لجاز خفضُه: لا يملكُ لهم (٨) رزقَ شيءٍ من السماواتِ.

стр. 9768

ومثلُه: (فجزاءُ مثل (١) ما قتل من النَّعَمِ) [المائدة: ٩٥]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وشَبَّه لكم (٢) شبهًا أيُّها الناسُ؛ للكافرِ من عبيدِه، والمؤمنِ به منهم. فأمّا مثَلُ الكافِرِ، فإنه لا يَعمَلُ بطاعةِ اللهِ، ولا يأتى خيرًا، ولا يُنفِقُ في شيءٍ من سبيلِ اللَّهِ ماله، لغلبةِ خِذلانِ اللَّهِ عليه، كالعبدِ المملوكِ الذي لا يقدِرُ على شيءٍ فيُنفقه. وأما المؤمنُ باللَّهِ، فإنه يعملُ بطاعتِه (٣)، وينفقُ في سبيلِه ماله، كالحرِّ الذي آتاه الله مالًا، ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾. يقولُ: بِعِلْمٍ من الناسِ وغيرِ علمٍ، ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾. يقولُ: هل يستوى العبدُ الذي لا يملكُ شيئًا ولا يقدرُ عليه، وهذا الحرُّ الذي قد رزَقه الله رزقًا حسنًا، فهو يُنفقُ كما وصف؟ فكذلك لا يستوى الكافرُ العاملُ بمعاصى اللَّهِ، المخالفُ أمرَه، والمؤمنُ العاملُ بطاعتِه وبنحوِ ما (٤) قلنا في ذلك [كان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ] (٥). ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا

стр. 9769

عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾: هذا مثلٌ ضربه اللهُ للكافِرِ، رزَقه اللهُ (١) مالًا، فلم يقدِّم فيه خيرًا، ولم يعملْ فيه بطاعةِ اللهِ، قال اللهُ تعالى ذكْرُه: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾. فهذا المؤمنُ، أعطاه اللهُ، مالًا، فعمِل (٢) فيه بطاعةِ اللهِ، وأَخَذ بالشكرِ، ومعرفةِ حقِّ (٣) اللهِ، فأثابه اللهُ على ما رزَقه الرزقَ المقيمَ الدائمَ لأهلِه في (٤) الجنةِ، قال الله تعالى ذكرُه: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤]؟ واللهِ ما يستويان، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. قال: هو الكافرُ (٦) لا يعملُ بطاعةِ اللهِ، ولا يُنفقُ خيرًا، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: المؤمنُ يطيعُ الله في نفسِه وماِله (٧). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾: يعنى الكافرَ، أنه لا يستطيعُ أن يُنفقَ نفقةً في سبيلِ اللَّهِ، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾: يعنى المؤمنَ، وهذا المثلُ في النفقةِ (٨).

стр. 9770

وقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: الحمدُ الكاملُ للهِ خالصًا، دون ما تَدْعُون أيها القومُ من دونِه من الأوثانِ، فإياه فاحْمَدُوا دونها. وقولُه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ما الأمرُ كما تفعلون، ولا القولُ كما تقولون، ما للأوثانِ عندهم من يد ولا معروفٍ فتُحمَدَ عليه، إنما الحمدُ للهِ، ولكنَّ أكثرَ هؤلاء الكفرة الذين يعبدونها، لا يعلَمون أن ذلك كذلك، فهم بجهلِهم بما يأتون ويَذَرون، يجعَلونها للهِ شركاءَ في العبادةِ والحمدِ. وكان مجاهدٌ يقولُ: ضرب اللهُ هذا المثلَ، والمثلَ الآخرَ الذي (١) بعدَه لنفسِه وللآلهةِ التي تُعبدُ من دونِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾. وهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه لنفسِه وللآلهةِ التي تُعبدُ من دونِه، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. يعنى بذلك الصنمَ، أنه لا يسمعُ شيئًا، ولا ينطق، لأنه إما خشبٌ منحوتٌ، وإما نُحاسٌ مصنوعٌ، لا يقدرُ على نفعٍ لمن خدَمه، ولا دفع ضُرٍّ عنه، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾. يقولُ: وهو عِيالٌ على ابن عمِّه وحُلفائِه وأهلِ ولايتِه، فكذلك الصنمُ كُلٌّ على من يعبدُه، يحتاجُ أن يحملَه، ويضعهَ، ويخدُمه، كالأبكمِ من الناسِ الذي لا يقدرُ على شيءٍ، فهو كُلٌّ على أوليائه من بنى أعمامِه

стр. 9771

وغيرِهم، ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾. يقولُ: حيثما يوجِّهُه لا يأتِ بخير؛ لأنه لا يفهمُ ما يُقال له، ولا يقدرُ أن يُعبِّرُ عن نفسِه ما يريدُ، فهو لا يَفهمُ، ولا يُفْهَمُ عنه، فكذلك الصنمُ، لا يعقِلُ ما يقالُ له، فيأتمرَ لأمرِ مَن أمرَه، ولا ينطِقُ فيأمرَ (١) وينهي. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾. يعنى: هل يستوى هذا الأبكمُ الكَلُّ على مولاه، الذي لا يأتي بخيرٍ حيث تَوجَّه، ومن هو ناطقٌ متكلمٌ، يأمرُ بالحقِّ ويدعو إليه، وهو اللهُ الواحدُ القهارُ، الذي يدعو عبادَه إلى توحيدِه وطاعته؟ يقولُ: لا يستوى هو تعالى ذكرُه والصنمُ الذي صفتُه ما وصَف. وقولُه: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: وهو مع أمرِه بالعدلِ، على طريقٍ من الحقِّ في دعائه إلى العدلِ وأمرِه به مستقيمٍ، لا يَعْوَجُّ (٢) عن الحقِّ ولا يزولُ عنه. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في المضروبِ له هذا المثلُ؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحوِ الذي قلنا فيه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. قال: هو الوثَنُ، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾. قال: اللهُ يأمرُ بالعدلِ ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣).

стр. 9772

وكذلك كان مجاهدٌ يقولُ، إلا أنه كان يقولُ: المثلُ الأوّلُ أيضًا ضرَبه اللهُ لنفسه وللوثَنِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ. قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾، و ﴿رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾، و ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: كلُّ هذا مَثَلُ إله الحقِّ، وما يُدعَى من دونِه من الباطلِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾. قال: إنما هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ. وقال آخرون: بل كلا المَثَلين للمؤمنِ والكافرِ. وذلك قولٌ يُروى عن ابن عباسٍ، وقد ذكرْنا الروايةَ عنه في المثلِ الأوّلِ في موضعِه. وأما في المثلِ الآخرِ، فحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: يعني بالأبكمِ الذي هو كَلٌّ على مولاه: الكافرَ، وبقولِه: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ

стр. 9773

بِالْعَدْلِ﴾: المؤمن. وهذا المثلُ في الأعمالِ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ الصَبّاحِ البزارُ، قال: ثنا يحيى بنُ إسحاقَ السَّيْلَحِينى، قال: ثنا حمادٌ، عن عبدِ اللَّهِ بن عثمانَ بن خُثَيْمٍ (٢)، عن إبراهيمَ بن (٣) عكرمةَ بن (٤) يَعْلى (٥) بن أميةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾. قال: نزَلت في رجلٍ من قريشٍ وعبدِه. وفي قولِه: ﴿مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال: هو عثمانُ بنُ عفانَ. قال: والأبكمُ الذي أينما يُوَجَّهُ (٦) لا يأْتِ بخيرٍ، ذاك مولى عثمانَ بن عفَّانَ، كان عثمانُ ينفقُ عليه ويكفُلُه، ويَكفِيه المئونةَ (٧)، وكان الآخَرُ يكرهُ الإسلامَ ويأباه، وينهاه عن الصدقةِ والمعروفِ، فنزَلت فيهما (٨)

стр. 9774

وإنما اختَرنا القولَ الذي اخترناه في المَثَلِ الأوّلِ؛ لأنه تعالى ذكرُه مثَّل مثَلَ الكافر بالعبدِ الذي وصف صفته، ومَثَّل مَثَلَ المؤمن بالذي (١) رزقه رزقا حسنًا، فهو يُنفقُ مما رزَقه سرًّا وجهرًا، فلم يجز أن يكونَ ذلك (٢) لله مثلًا، إذ كان اللهُ إنما مثَّل الكافرَ الذي [حرَمَه التوفيقَ فخذله عن طاعتِه، بالعبدِ الذي] (٣) لا يقدرُ على شيءٍ، بأنه لم يرزقْه رزقًا ينفقُ منه سرًّا، ومثَّل المؤمنَ الذي وفَّقهُ (٤) لطاعتِه فهداه لرشدِه، فهو يعملُ بما يرضاه اللهُ، كالحرِّ الذي بسَط له في الرزقِ، فهو ينفقُ منه سرًّا وجهرًا، واللَّهُ تعالى ذكْرُه هو الرازقُ غيرُ المرزوقِ، فغيرُ جائزٍ أن يُمَثَّلَ إفضالُه وجُودُه، بإنفاقِ المرزوقِ الرزقَ الحسنَ. وأما المثَلُ الثاني، فإنه تمثيلٌ منه تعالى ذكرُه مَنْ مثَلُه الأبكَمُ الذي لا يقدرُ على شيءٍ، والكفارُ لا شكَّ أن منهم من له الأموالُ الكثيرةُ، ومن يضُرُّ أحيانًا الضرَّ العظيمَ بفسادِه (٥)، فغيرُ كائنٍ ما لا يقدرُ على شيءٍ، كما قال تعالى ذكْرُه، مثلًا لَمن يقدرُ على أشياءَ كثيرةٍ. فإذ كان ذلك كذلك كان أولى المعانى به تمثيلَ ما لا يقدِرُ على شيءٍ، كما قال تعالى ذكرُه، بمثلِه (٦) مما (٧) لا يقدِرُ على شيءٍ، وذلك الوثنُ الذي لا يقدِرُ على شيءٍ، بالأبكمِ الكَلِّ على مولاه الذي لا يقدرُ على شيءٍ، كما قال ووصَف.

стр. 9775

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وللهِ أيها الناسُ مِلْكُ ما غاب عن أبصارِكم في السماواتِ والأرضِ، دونَ آلهتِكم التي تَدْعون من دونِه، ودونَ كلِّ ما سواه، لا يملكُ ذلك أحدٌ سواه، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾. يقولُ: وما أمْرُ قيامِ القيامةِ والساعةِ التي يُنشرُ فيها الخلقُ للوقوفِ في موقفِ القيامةِ، إلا كنظرةٍ من البصرِ؛ لأن ذلك إنما هو أن يقالَ له كنْ فيكونُ. كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾: والساعةُ كلمحِ البصرِ أو أقربُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾. قال: هو أن يقولَ: كُنْ. فهو كلمحِ البصرِ، فأمرُ الساعةِ كلمحِ البصرِ أو أقربُ (١). و [يعنى بقولِه] (٢): ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾: [أو هو أقرب] (٣) مِن لمحِ البصرِ. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: إن الله على إقامةِ الساعةِ في أقربَ من لمحِ البصرِ قادرٌ، و (٤) على ما يَشَاءُ مِن الأَشياء كلِّها، لا يَمتَنِعُ عليه شيءٌ أراده.

стр. 9776

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ أعْلَمَكم ما لم تكونوا تَعْلَمُون مِن بعدِ ما أَخْرَجَكُم مِن بطونِ أمهاتِكم لا تَعْقِلون شيئًا ولا تَعْلَمون، فرزَقَكم عقولًا تَفْقَهون بها، وتُمَيِّزُون بها الخيرَ من الشرِّ، وبصَّركم [بها ما] (١) لم تكونوا تُبْصِرون (٢)، وجعَل لكم السمعَ الذي تَسْمَعون به الأصواتَ، فيَفْقَهُ بعضُكم عن بعضٍ ما تَتَحاوَرون به بينَكم، والأبْصارَ التي تُبْصِرون بها الأشخاصَ، فتَتَعارَفون بها، وتُمَيِّزون بها بعضًا من بعضٍ ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾. يقولُ: والقلوبَ التي تَعْرِفون بها الأشياءَ فتَحْفَظونها، وتُفَكِّرون فتَفْقَهون بها، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: فعَلْنا ذلك بكم، فاشْكُرُوا اللَّهَ على ما أنعم به عليكم من ذلك، دونَ الآلهة والأنداد، فجَعَلْتُم له شُركاء (٣) في الشكرِ، ولم يَكُنْ له فيما أنْعَم به عليكم مِن نعمةٍ شريكٌ. وقولُه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. كلامٌ مُتَناهٍ، ثم ابْتُدِئ (٤) الخبرُ، فقيل: وجعَل اللهُ لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ. وإنما قلنا: ذلك كذلك؛ لأن الله تعالى ذكرُه جعَل لعبادِه (٥) السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ قبلَ أن يُخْرِجَهم مِن بطونِ أمهاتِهم، وإنما أعطاهم العلمَ والعقلَ بعدَ ما أخْرَجَهم مِن بطونِ أمهاتِهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي

стр. 9777

جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين: ألم تَرَوْا (١) أَيُّها المشركون باللَّهِ ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾. يعنى: في هَواءِ السماءِ، بينَها وبينَ الأرضِ. كما قال إبراهيمُ بنُ عِمْرانَ الأنصاريُّ (٢): وَيْلُمِّها (٣) مِن هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً … ولا كهذا الذي في الأرضِ مَطْلوبُ يعني: في هَواء السماءِ. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾. يقولُ: ما طَيَرانُها في الجوِّ إلا باللهِ، وبتسخيره إياها لذلك (٤)، ولو سلَبها ما أعطاها مِن الطيرانِ، لم تَقْدِرْ على النهوضِ ارتفاعًا. وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: إن في تسخيرِ اللهِ الطيرَ، وتَمْكِينهِ لها الطيرانَ في جوِّ السماءِ، لَعلاماتٍ ودَلالاتٍ، على أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنْ (٥) لا حظَّ للأصنامِ والأوثانِ في الألوهةِ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يعنى: لقومٍ يُقِرُّون بِوجْدانِ ما تُعايِنُه أبصارُهم، وتُحِسُّه حَواسُّهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مُسَخَّرَاتٍ فِي

стр. 9778

جَوِّ السَّمَاءِ﴾. أي: في كَبِدِ السماءِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ التي هي مِن الحَجَرِ والمَدَرِ، ﴿سَكَنًا﴾ تَسْكُنون أيامَ مُقامِكم في دُورِكم وبلادِكم، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ وهى البيوتُ مِن الأنْطاعِ (٢)، والفَساطِيطِ (٣) من الشَّعَرِ والصوفِ والوَبَرِ، ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾. يقولُ: تَسْتَخِفُّون حمْلَها ونقْلَها ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ من بلادِكم وأمصارِكم [لأسفارِكم، ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ في بلادِكم وأمصارِكم] (٤)، ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا﴾. وبنحوِ الذي قلنا في معنى السكنِ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ جميعًا، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾. قال: تَسْكُنون فيه (٥).

стр. 9779

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وأما الأشعارُ فجمعُ شَعَرٍ، تُثَقَّلُ عينُه وتُخَفَّفُ، وواحدُ الشَّعَرِ شَعَرَةٌ. وأما الأثاثُ فإنه متاعُ البيتِ، لم يُسْمَعْ له بواحدٍ، وهو في أنه لا واحدَ له مثلُ المتاعِ. وقد حُكِى عن بعضِ النحويِّين أنه كان يقولُ: واحدُ الأثاثِ أثاثةٌ. ولم أَرَ أهلَ العلمِ بكلامِ العربِ يَعْرِفون ذلك، ومِن الدليلِ على أن الأثاثَ هو المتاعُ قولُ الشاعرِ (١): أهاجَتْك (٢) الظَّعائنُ (٣) يومَ بانُوا … بذِى الرِّئْيِ (٤) الجميلِ مِن الأثاثِ ويُرْوَى: بذى الزِّيِّ، وأنا أَرَى أن (٥) أصلَ الأثاثِ اجتماعُ (٦) بعضِ المتاعِ إلى بعضٍ، حتى يَكْثُرَ، كالشَّعَرِ الأثِيثِ، وهو الكثيرُ المُلْتَفُّ، يقالُ منه: أَثَّ شَعَرُ فلانٍ يَئِثُّ أثًّا. إذا كثُر والْتَفَّ واجْتَمع. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 9780

أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَثَاثًا﴾. قال (١): يعنى بالأثاثِ المالَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَثَاثًا﴾. قال: متاعًا (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن (٤) ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَثَاثًا﴾. قال: هو المالُ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ حربٍ الرازيُّ، قال: أخبرَنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن حميدِ بن عبدِ الرحمنِ في قولِه: ﴿أَثَاثًا﴾. قال: الثيابُ. وقولُه: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، فإنه يعنى: أنه جعَل ذلك لهم بلاغًا، يَتَبَلَّغون (٦) ويَكْتَفُون به إلى حينِ آجالِهم للموتِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، فإنه يعنى: زينةً، يقولُ: يَنْتَفِعون به إلى حينٍ (٧).

стр. 9781

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾. قال: إلى الموتِ (١). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن (٢) ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾: إلى أجَلٍ وبُلْغةٍ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ومن نعمةِ اللهِ عليكم، أيُّها الناسُ، أن جعَل لكم مما خلَق مِن الأشجارِ وغيرِها ظِلالًا، تَسْتَظِلُّون بها مِن شدةِ الحرِّ، وهى جمعُ ظِلٍّ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِمَّا خَلَقَ﴾. قال: الشجرُ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ إِى واللهِ، مِن الشجرِ ومِن غيرِها (٤).

стр. 9782

وقولُه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾. يقولُ: وجعَل لكم مِن الجبالِ مواضعَ تَسْكُنون (١) فيها، وهي جمعُ كِنٍّ (٢). كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾. يقولُ: غِيرانًا (٣) مِن الجبالِ يُسْكَنُ فيها. [وقولُه] (٤): ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. يعني: ثيابَ القطنِ والكَتَّانِ والصوفِ وقُمُصَها (٥). كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ مِن القطنِ والكَتَّانِ والصوفِ (٥). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن (٦) ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. قال: القطنُ والكَتَّانُ (٧). وقولُه: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. يقولُ: ودُروعًا تَقِيكم بأسَكم، والبأسُ هو الحربُ، والمعنى: تَقِيكم في بأسِكم السلاحَ أن يَصِلَ إليكم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ مِن هذا الحديدِ (٨).

стр. 9783

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. قال: هي سرابيلُ مِن حديدٍ (١). وقولُه: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما أعْطاكم ربُّكم هذه الأشياءَ التي وصَفَها في هذه الآياتِ؛ نعمةً منه بذلك عليكم، فكذا يُتِمُّ نعمتَه عليكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: لتَخْضَعوا للهِ بالطاعةِ، وتَذِلَّ منكم بتوحيدِه النفوسُ، وتُخْلِصوا له العبادةَ. وقد رُوى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ: (لَعَلَّكُم تَسْلَمون) بفتحِ التاءِ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن حَنْظلةَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، قال: كان ابن عباس يقولُ: (لَعَلَّكُم تَسْلَمون). قال: يعنى: مِن الجراحِ. حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيُّ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابن عباسٍ، أنه قرَأَها: (لَعَلَّكُمْ تَسلَمون). قال (٢): مِن الجِراحاتِ (٣). قال أحمدُ بنُ يُوسُفَ: قال أبو (٤) عبيدٍ: يعنى بفتحِ التاءِ واللامِ. فتأويلُ الكلامِ على قراءةِ ابن عباسٍ هذه: كذلك يُتِمُّ نعمتَه عليكم، بما جعَل لكم من السَّرابيلِ التي تَقِيكم بأسَكم؛ لِتَسْلَموا مِن السلاحِ في حروبِكم.

стр. 9784

والقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بخلافِها بضمِّ التاءِ مِن قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. وكسرِ اللامِ مِن أَسْلَمْت تُسْلِمُ يا هذا؛ لإجماعِ الحُجةِ مِن قرَأةِ الأمصارِ عليها. فإنْ قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ فخصَّ بالذكرِ الحرَّ دونَ البردِ، وهى تَقِى الحرَّ والبردَ؟ أم كيف قيل: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾، وترَك ذكرَ ما جعَل لهم مِن السهلِ؟ قيل له: قد اخْتُلِف في السببِ الذي مِن أجلِه جاء التنزيلُ كذلك، وسنَذْكُرُ ما قيل في ذلك، ثم نَدُلُّ على أولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ. فرُوِى عن عطاءٍ الخُراسانيِّ في ذلك ما حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عثمانَ بن عطاءٍ، عن أبيه قال: إنما نزل القرآنُ على قدرِ معرفتِهم، ألا تَرَى إلى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾، وما جعَل لهم مِن السهولِ أعظمُ وأكثرُ، ولكنهم كانوا أصحابَ جبالٍ، ألا تَرَى إلى قولِه: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨١]، وما جعَل لهم مِن غيرِ ذلك أعظمُ منه وأكثرُ، ولكنهم كانوا أصحابَ وَبَرٍ وشَعَرٍ، ألا تَرَى إلى قولِه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]؛ يُعَجِّبُهم مِن ذلك، وما أنزل من الثلج أعظمُ وأكثرُ، ولكنهم كانوا لا يَعرِفون به، ألا تَرَى إِلى قولِه: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، وما تَقِى من البردِ أكثرُ وأعظمُ، ولكنهم كانوا أصحابَ حرٍّ (١). فالسببُ الذي مِن أجلِه خصَّ اللهُ تعالى ذكرُه السرابيلَ بأنها تَقِى الحرَّ دونَ

стр. 9785

البردِ - على هذا القولِ - هو أن المخاطَبِين بذلك كانوا أصحابَ حرٍّ، [فذكر اللهُ] (١) تعالى ذكرُه بذلك (٢) نعمتَه عليهم، بما يَقِيهم مكروهَ ما به عرَفوا مكروهَه، دونَ ما لم يَعْرِفوا مبلغَ مَكْروهِه، وكذلك ذلك في سائرِ الأحرفِ الأُخَرِ. وقال آخرون: ذكَر ذلك خاصةً اكتفاءً بذكرِ أحدِهما مِن ذكرِ الآخرِ؛ إذ كان معلومًا عندَ المخاطبينِ به معناه، وأن السرابيلَ التي تَقِى الحرَّ تَقِى أيضًا البردَ. وقالوا: ذلك موجودٌ في كلامِ العربِ مستعملٌ، واسْتَشْهَدوا لقولِهم بقولِ الشاعرِ (٣): وما أَدْرِى إِذا يَمَّمْتُ وَجْهًا … أُرِيدُ الخيرَ أيُّهما يَلِيني فقال: أيُّهما يَلِينى. يُرِيدُ الخيرَ [أو الشرَّ، وإنما ذكَر الخيرَ؛ لأنه إذا أراد الخيرَ] (٤)، فهو يَتَّقِى الشرَّ. وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: إن القومَ خُوطِبوا على قدرِ معرفتهم، وإن كان في ذكر بعض ذلك (٥) دَلالةٌ على ما تُرِك ذكرُه، لمن عرَف المذكورَ والمتروكَ، وذلك أن الله تعالى ذكرُه إنما عدَّد نعمَه التي أَنْعَمها على الذين قُصِدوا بالذكرِ في هذه السورةِ دونَ غيرِهم، فذكَر أياديَه عندَهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فإن أدْبَر هؤلاء المشركون يا محمدُ عما

стр. 9786

أَرْسَلْتُك به إليهم مِن الحقِّ، فلم يَسْتَجيبوا لك، وأعْرَضوا عنه، فما عليك مِن لَومٍ ولا عَذَلٍ؛ لأنك قد أدَّيْتَ ما عليك في ذلك، إنه ليس عليك إلا بلاغُهم ما أُرْسِلْتَ به. ويعنى بقولِه: ﴿الْمُبِينُ﴾. الذي يُبَيِّنُ لمن سمِعه حتى يَفْهَمَه. وأما قولُه: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفُوا في المَعْنيِّ بالنعمةِ التي أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن هؤلاء المشركين أنهم يُنْكِرونها مع معرفتِهم بها؛ فقال بعضُهم: هو النبيُّ ﷺ ، عرَفوا نبوتَه، ثم جحَدوها وكذَّبوه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾. قال: محمدٌ ﷺ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن السديِّ مثلَه. وقال آخرون: بل معني ذلك: أنهم يَعْرِفون أن ما عدَّد اللهُ تعالى ذكرُه في هذه السورةِ من النعمِ مِن عندِ اللهِ، وأن الله هو المُنْعِمُ بذلك عليهم، ولكنهم يُنْكِرون ذلك، فيَزْعُمون أنهم وَرِثوه عن آبائِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنا المثنى، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللِه، عن وَرْقاءَ جميعًا، عن

стр. 9787

ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾. قال: هي المساكنُ والأنعامُ، وما يُرْزَقون منها، والسرابيلُ مِن الحديدِ والثيابِ، تَعْرفُ هذا كفارُ قريشٍ، ثم تُنْكِرُه، بأن تقولَ: هذا كان لآبائِنا، [فروِّحونا إياه] (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: فورَّثونا إياها. وزاد في الحديثِ عن ابن جريجٍ، قال ابن جريجٍ: قال عبدُ الله بن كثير: يَعْلَمون أن الله خلقهم، وأعطاهم ما أعطاهم، فهو معرفتهم نعمته، ثم إنكارُهم إيَّاها كفرُهم بعدُ (٢). وقال آخرون في ذلك، ما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عمرٍو، عن أبي إسحاقَ الفَزَارِيِّ، عن ليثٍ، عن عونِ بن عبدِ اللهِ بن عتبةَ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾، قال: إنكارُهم إياها، أن يقول الرجلُ: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلانُ ما أَصَبْتُ كذا وكذا (٣). وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفارَ إذا قيل لهم: مَن رزَقَكم؟ أقَرُّوا بأن الله هو الذي رزَقَهم، ثم يُنْكرون ذلك بقولهم: رُزِقْنا ذلك بشفاعةِ آلهتِنا. وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، وأشْبهُها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عُنِى بالنعمةِ التي ذكَرها اللهُ في قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾. النعمةُ عليهم بإرسالِ محمدٍ ﷺ إليهم، داعيًا إلى ما بعَثَه بدعائِهم إليه، وذلك أن هذه الآيةَ بينَ آيتين،

стр. 9788

كلتاهما خبرٌ عن رسولِ اللهِ، وعما بُعِث به، فأولى ما بينَهما أن يكونَ في معنى ما قبلَه وما بعدَه، إذ لم يكنْ معنًى يَدُلُّ على انصرافِه عما قبلَه وعما بعدَه، فالذى قبلَ هذه الآيةِ قولُه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾، وما بعدَه ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وهو رسولُها. فإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الآيةِ: يَعْرِفُ هؤلاء المشركون باللهِ نعمةَ اللهِ عليهم يا محمدُ بك، ثم يُنكِرونك، ويَجْحَدون نبوّتك، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: وأكثرُ قومِك الجاحِدون نبوّتَك، لا (١) المُقِرُّون بها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَعْرِفون نعمةَ اللهِ ثم يُنْكِرونها اليومَ، ويَسْتنكِرون ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وهو الشاهدُ عليها بما أجابَت داعيَ اللهِ، وهو رسولُهم الذي أُرْسِل إليهم، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: ثم لا يُؤْذَنُ للذين كفَروا في الاعتذارِ، فيَعْتَذِروا مما كانوا باللهِ وبرسولِه يَكفُرون، ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ فيُترَكوا [والرجوعَ] (٢) إلى الدنيا، فيُنِيبوا ويَتُوبوا، وذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وشاهدُها نبيُّها، على أنه قد بلَّغ رسالاتِ ربِّه، قال اللهُ تعالى:

стр. 9789

﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ (١) [النحل: ٨٩] القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا عايَن الذين كذَّبوك يا محمدُ، وجحَدوا نُبوَّتَك، والأممُ الذين كانوا على منهاجِ مُشْركي قومِك - عذابَ اللهِ، فلا يُنْجِيهم مِن عذابِ اللهِ شيءٌ؛ لأنهم لا يُؤْذَنُ لهم فيَعْتَذِرون، فيُخَفَّفُ (٢) عنهم العذابُ، بالعذرِ الذي يَدَّعُونه، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يقولُ: ولا يُرْجَئون للعقابِ (٣)؛ لأن وقتَ التوبةِ والإنابةِ قد فات، فليس ذلك وقتًا لهما، وإنما هو وقتٌ للجزاءِ على الأعمالِ، فلا يُنْظُرُ بالعِتابِ ليُعْتَبَ بالتوبةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا رأى المشركون باللهِ يومَ القيامةِ ما كانوا يَعْبُدون مِن دونِ اللهِ؛ من الآلهةِ والأوثانِ وغيرِ ذلك، قالوا: ربَّنا هؤلاء شركاؤُنا في الكفرِ بك، والشركاءُ الذين كنا نَدْعُوهم آلهةً مِن دونِك، قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَأَلْقَوْا﴾. يعنى شركاءَهم الذين كانوا يَعْبُدونهم مِن دونِ اللهِ ﴿الْقَوْلَ﴾ يقولُ: قالوا لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيُّها المشركون، ما كنا نَدْعوكم إلى عبادتِنا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 9790

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾. قال: حدَّثوهم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٢)، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وألْقَى المشركون إلى اللهِ يومَئذٍ ﴿السَّلَمَ﴾. يقولُ: اسْتَسْلَموا يومَئذٍ، وذلُّوا لحُكْمِه فيهم، ولم تُغْنِ عنهم آلهتُهم - التي كانوا يَدْعُون في الدنيا مِن دونِ اللهِ، وتبَرَّأت منهم - ولا (٣) قومُهم، ولا عَشائرُهم الذين كانوا في الدنيا يُدافِعون عنهم. والعربُ تقولُ: أَلْقَيْتُ إليه كذا. تعنى بذلك: قلتُ له. وقولُه: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: وأَخْطَأَهُم مِن آلِهتِهم ما كانوا يَأْمُلُون مِن الشفاعةِ عندَ اللهِ بالنجاةِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 9791

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾. يقولُ: ذَلُّوا واسْتَسْلَموا يومَئِذٍ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين جحَدوا يا محمدُ نبوَّتَك، وكذَّبوك فيما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك، وصَدُّوا عن الإيمانِ باللهِ وبرسولِه من (٢) أراده - زِدْناهم عذابًا يومَ القيامةِ في جَهَنَّمَ، فوقَ العذابِ الذي هم فيه قبلَ أن يُزادُوه. وقيل: تلك الزيادةُ التي وعَدَهم اللهُ أن يَزِيدَهموها عَقاربُ وحَيَّاتٌ. [وقد قال مثلَ ذلك أهلُ التأويلِ] (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾. قال: عقاربَ لها أنيابٌ كالنَّخْلِ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن

стр. 9792

مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ وابنُ عيينةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾. قال: زيدوا عقاربَ لها أنيابٌ كالنخلِ الطِّوالِ (٢). حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزْجانيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن عبدِ اللهِ بن مرةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ نحوَه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ قال: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾. قال: أَفَاعِىَ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبد اللهِ قال: أفاعِيَ في النارِ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ مثلَة (٥). حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى والفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قالا: ثنا جعفرُ بنُ عَونٍ، قال:

стр. 9793

أخبَرنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عُميرٍ، قال: إن لجهنمَ [جِبابًا فيها] (١) حيَّاتٌ أمثالُ البُخْتِ (٢)، وعقاربُ أمثالُ البِغالِ الدُّهْمِ (٣)، يَسْتَغِيثُ أهلُ النارِ [إلى تلك الجِبابِ أو] (٤) الساحلِ، فتَثِبُ إليهم: فتَأْخُذُ بشِفاهِهم (٥) وشِفارِهم إلى أقدامِهم، فيَسْتَغِيثون منها إلى النارِ، فيقولون (٦): النارَ النارَ. فتَتْبَعُهم حتى تَجِدَ (٧) حرَّها فتَرْجِعُ. قال: وهى فى أسرابٍ (٨). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني حُيَىُّ بنُ عبدِ اللهِ، عن أبي عبد الرحمنِ الحُبُلىِّ (٩)، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو، قال: إن لجهنمَ سواحلَ فيها حياتٌ وعَقارِبُ، أعناقُها كأعناقِ البُخْتِ (١٠). وقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾. يقولُ: زِدْناهم ذلك العذابَ على ما بهم مِن العذابِ، بما كانوا يُفْسِدون، بما كانوا في الدنيا يَعْصُون اللهَ، ويَأْمُرون عبادَه بمعصيتِه، فذلك كان إفسادَهم، [اللهم إنا نَسْأَلُك (١١) العافية، يا مالكَ الدنيا والآخرةِ الباقيةِ] (١٢).

стр. 9794

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾. يقولُ: نَسْأَلُ نبيَّهم الذي بَعثْناه إليهم، للدعاءِ إلى طاعتِنا، وقال: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ لأنه تعالى ذكرُه، كان يَبْعَثُ إلى الأُممِ (١) أنبياءَها منها، ماذا أجابوكم، وما ردُّوا عليكم؟ ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وجِئْنا بك يا محمدُ شاهدًا على قومِك وأمتِك الذين أرْسَلْتُك إليهم، بِمَ أجابوك؟ وماذا عمِلوا فيما أَرْسَلْتُك به إليهم؟ وقولُه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: نُزِّل عليك يا محمدُ هذا القرآنُ بيانًا لكلِّ ما بالناسِ إليه الحاجةُ، مِن معرفةِ الحلالِ والحرامِ، والثوابِ والعقابِ، ﴿وَهُدًى﴾ مِن الضلالةِ، ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن صدَّق به، وعمِل بما فيه مِن حدودِ اللهِ، وأمرِه ونهيِه، فأحلَّ حلالَه، وحرَّم حرامَه. ﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وبشارةً لمن أطاع اللهَ، وخضَع له بالتوحيدِ. وأذْعَن له بالطاعةِ، يُبَشِّرُه بجِزيلِ ثوابِه في الآخرةِ، وعظيمِ كرامتِه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، قال: ثنا أبانُ بنُ تَغْلِبَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: مما

стр. 9795

أحَلَّ وحرَّم. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن أبانِ بنِ تَغْلِبَ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: مما أحَلَّ لهم، وحرَّم عليهم (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: ما أمَر به، وما نهَى عنه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ في قولِه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: ما أُمِروا به، ونُهُوا عنه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن رجلٍ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: أُنْزِل في هذا القرآنِ كلُّ علمٍ، وكلُّ شيءٍ قد بُيِّن لنا في القرآنِ، ثم تلا هذه الآيةَ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله يأْمُرُ فى هذا الكتابِ الذي أنزَله إليك يا محمدُ ﴿بِالْعَدْلِ﴾، وهو الإنصافُ، ومن الإنصافِ الإقرارُ بمَن أنْعم علينا بنعمتِه، والشكرُ له على أفضالِه، ونُولِى الحمدَ أهلَه. وإذا كان ذلك هو العدلَ، [ولم] (٤) يَكُنْ

стр. 9796

للأوثانِ والأصنامِ عندنا يدٌ (١) تَسْتَحِقُّ الحمدَ عليها - كان جهلًا بنا حمدُها وعبادتُها، وهى لا تُنْعِمُ فتُشْكَرَ، ولا تَنْفَعُ فتُعْبَدَ، فلزِمَنا أن نَشْهَدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ولذلك قال مَن قال: العدلُ في هذا الموضعِ شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. قال: شهادةُ أن لا إلهَ إلا الله (٢). وقولُه: ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾. فإن الإحسانَ الذى أمَر به تعالى ذكرُه -مع العدلِ الذى وصَفْنا صفتَه- الصبرُ للهِ على طاعتِه فيما أمَر ونهَى، في الشدةِ والرخاءِ، والمَكْرَه والمَنْشَطِ، وذلك هو أداءُ فرائضِه. كما حدَّثني المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾. يقولُ: أداءِ الفرائضِ (٣). وقولُه: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾. يقولُ: وإعطاءِ ذى القربى الحقَّ الذي أوْجَبه اللهُ عليك، بسببِ القرابةِ والرحمِ. كما حدَّثني المثنى وعلىٌّ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾. يقولُ: الأرحامِ (٣).

стр. 9797

وقولُه: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾: الفحشاءُ (١) في هذا الموضعِ الزنى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾. يقولُ: الزنى (٢). وقد بيَّنا معنى الفحشاءِ بشواهدِه فيما مضَى قبلُ (٣). وقولُه: ﴿وَالْبَغْيِ﴾ قيل: عُنِى بالبَغْيِ في هذا الموضعِ الكِبْرُ والظلمُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْبَغْيِ﴾. يقولُ: الكِبْرِ والظلمِ (٢). وأصلُ البغيِ التَّعَدِّى، ومجاوزةُ القَدْرِ والحدِّ مِن كلِّ شيءٍ. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ (٤). وقولُه: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: يُذَكِّرُكم، أَيُّهَا الناسُ، ربُّكم؛ لتَذَّكَّروا فتُنِيبوا إلى أمرِه ونهِيه، وتَعْرِفوا الحقَّ لأهلِه. كما حدَّثني المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ: عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَعِظُكُمْ﴾. يقولُ: يُوصِيكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢). وقد ذُكِر عن ابنِ عُيينةَ أنه كان يقولُ في تأويلِ ذلك: إن معنى العدلِ في هذا الموضعِ استواءُ السَّريرةِ والعَلانيةِ، من كلِّ عاملٍ للهِ عملًا، وإن معنى الإحسانِ أن

стр. 9798

تكونَ سريرتُه أحسنَ مِن علانيتِه، وإن الفحشاءَ والمنكرَ أن تكونَ علانيتُه أحسنَ مِن سريرتِه. وذُكِر عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ، ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا مُعتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ منصورَ بنَ المُعتمرِ (١)، عن عامرٍ، عن شُتَيْرِ بنِ شَكَلٍ، قال: سَمِعْتُ عبدَ اللهِ يقولُ: إن أجمعَ آيةٍ في القرآنِ في سورةِ النحلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ إِلى آخرِ الآيةِ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ، عن شُتَيْرِ بنِ شَكَلٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ يقولُ: إن أجمعَ آيةٍ في القرآنِ لخيرٍ أو لشرٍّ آيةٌ في سورةِ النحلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: هو ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الآية، إنه (٣) ليس مِن خُلُقٍ حسنٍ كان أهلُ الجاهليةِ يعملون به [ويَسْتَحْسِنونه] (٤)، إلا أمَر اللهُ به، وليس مِن خُلُقٍ سيِّءٍ كانوا يَتَعايَرونه بينهم، إلا نهَى اللهُ عنه، وقدَّم فيه، وإنما نهَى عن سَفاسِفِ (٥) الأخلاقِ

стр. 9799

ومَذامِّها (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَوْفُوا بميثاقِ اللهِ إذا واثَقْتُموه، وعقدِه إذا عاقَدْتُموه، فَأَوْجَبْتُم به على أنفسِكم حقًّا لمن عاقَدْتُموه به، وواثقْتُموه (٢) عليه، ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. يقولُ: ولا تُخالِفوا الأمرَ الذي تَعاقَدْتُم فيه الأيمانَ، يعنى بعدَ ما شدَدْتُم الأيمانَ على أنفسِكم، فتَحْنَثُوا في أيمانِكم، وتَكْذِبوا فيها، وتَنْقُضوها بعدَ إبرامِها، يقالُ منه: وكَّد فلانٌ يمينَه يُوَكِّدُها توكيدًا. إذا شدَّدها، وهى لغةُ أهلِ الحجازِ، وأما أهلُ نجدٍ، فإنهم يقولون: أكَّدْتُها أُؤَكِّدُها تأكيدًا. وقولُه: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾. يقولُ: وقد جَعَلْتُم اللهَ بالوفاءِ بما تعاقَدْتُم عليه على أنفسِكم راعيًا، يَرْعَى المُوَفِّيَ منكم بعهدِ اللهِ الذي عاهَد على الوفاءِ به والناقضَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ على اختلافٍ بينَهم فيمَن عُنِى بهذه الآيةِ، وفيما أُنْزِلَت؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها الذين بايَعوا (٣) رسول الله ﷺ على الإسلامِ، وفيهم أُنْزِلَت. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسَدىُّ، قال: ثنا عبيدُ (٤) اللهِ بنُ موسى، قال:

стр. 9800

أخبَرنا [ابنُ أبي ليلى، عن مَزِيدةَ] (١) قولَه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قال: أُنْزِلَت هذه الآيةُ في بيعةِ النبيِّ ﷺ ، كان مَن أَسْلَم بايَع على الإسلامِ، فقال (٢): ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ هذه البيعةِ التي بايعْتُم على الإسلامِ، ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ البيعةَ، فلا يَحْمِلُكم قلةُ محمدٍ ﷺ وأصحابِه، وكثرةُ المشركين أن تَنْقُضوا البيعةَ التى بايعْتُم على الإسلامِ، وإن كان فيهم قلةٌ، والمشركين فيهم كثرةٌ (٣). وقال آخرون: نزَلت فى الحِلْفِ الذى كان أهلُ الشركِ تحالَفوا في الجاهليةِ، فأَمَرَهم اللهُ فى الإسلامِ أن يُوفُوا به، ولا يَنْقُضوه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. قال: تغليظِها في الحِلْفِ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاء جميعًا، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه.

стр. 9801

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. يقولُ: بعد تشديدِها وتغليظِها (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: هؤلاء قومٌ كانوا حُلفاءَ لقومٍ (٢) تَحالَفوا، وأعْطَى بعضُهم العهدَ، فجاءهم قومٌ فقالوا: نحن أكثرُ وأعزُّ وأَمْنعُ، فانْقُضوا عهدَ هؤلاء وارْجِعوا إلينا، ففعَلوا، فذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ - ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]. هى أربَى: أكثرُ، مِن أجلِ أن كان هؤلاء أكثرَ مِن أولئك، نقَضْتُم العهدَ فيما بينَكم وبينَ هؤلاء، فكان هذا في هذا. حدَّثنى ابنُ البَرْقىِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرَنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: سألْتُ يحيى بنَ سعيدٍ، عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. قال: العهودَ. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكْرُه أمَر في هذه الآيةِ عبادَه بالوفاءِ بعهودِه، التى يَجْعَلونها على أنفسِهم، ونهاهم عن نقضِ الأيمانِ بعدَ توكيدِها على أنفسِهم لآخرين، بعقودٍ تكونُ بينَهم بحقٍّ، مما لا يَكْرَهُه اللهُ. وجائزٌ أن تكونَ نزَلَت فى الذين بايَعوا (٣) رسولَ اللهِ ﷺ بنهيِهم عن نقضِ بَيْعتِهم؛ حذرًا مِن قلةِ عددِ المسلمين، وكثرةِ عددِ المشركين، وأن تكونَ نزَلَت في الذين أرادوا الانتقالَ بحِلْفِهم عن حلفائِهم؛ لقلةِ عددِهم، في آخرين لكثرةِ عددِهم.

стр. 9802

وجائزٌ أن تكونَ في غيرِ ذلك، ولا خبرَ تَثْبُتُ به الحجةُ أنها نزَلَت في شيءٍ، ولا دَلالة في كتابٍ، ولا حجةَ عقْل، أىُّ ذلك عُنِى بها، ولا قولَ في ذلك أولى بالحقِّ مما (١) قلنا؛ لدلالةِ ظاهرِه عليه، وأن الآيةَ كانت قد تَنْزِلُ (٢) لسببٍ مِن الأسبابِ، ويكونُ الحكمُ بها عامًّا فى كلِّ ما كان بمعنى السبب الذي نزلَت فيه. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾. قال: وكيلًا (٣). وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ، أيُّها الناسُ، يَعْلَمُ ما تَفْعَلون فى العهودِ التي تُعاهِدون اللهَ مِن الوفاءِ بها، والأحلافِ والأيمانِ التي تُؤَكِّدونها على أنفسِكم؛ أتَبرُّون فيها (٤) أم تَنْقُضونها، وغيرَ ذلك مِن أفعالِكم، مُحْصٍ ذلك كلَّه عليكم، وهو مُسائِلُكم عنها وعما عمِلْتُم فيها، يقولُ (٥): فاحْذَروا اللهَ أن تَلْقَوه، وقد خَالَفْتُم فيها أمرَه ونهيَه، فتَسْتَوْجِبوا بذلك منه ما لا قِبَلَ لكم به من أليمِ عقابِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه - ناهيًا عبادَه عن نقضِ الأيمانِ بعدَ توكيدِها، وآمِرًا بوفاءِ

стр. 9803

العهودِ، ومُمثِّلًا ناقضَ ذلك بناقضةِ غَزْلِها مِن بعدِ إبرامِه، وناكِثتِه مِن بعدِ إحكامِه -: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ أيُّها الناسُ في نقضِكم أيمانَكَم بعدَ توكيدِها، وإِعطائِكم اللهَ بالوفاءِ بذلك العهودَ والمواثيقَ، ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾، يعنى: مِن بعدِ إبرامٍ. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: القوةُ ما غُزِل على طاقةٍ واحدةٍ ولم يُثَنَّ. وقيل: إن التي كانت تَفْعَلُ ذلك امرأةٌ حمقاءُ معروفةٌ بمكةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾، قال: خَرْقاءُ كانت بمكةَ، تَنْقُضُه بعد ما تُبْرِمُه (١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بن الزبيرِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، عن صَدَقةَ، عن السدىِّ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾. قال: هي خَرْقاءُ بمكةَ، كانت إذا أبْرَمَت غزلَها نقَضَته (٢). وقال آخرون: إنما هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لمن نقَض العهدَ، فشبَّهه بامرأةٍ تَفْعَلُ هذا الفعلَ، وقالوا: فى معنى: ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾، نحوًا مما قلنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ. قولَه: ﴿وَلَا تَكُونُوا

стр. 9804

كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾: فلو سمِعْتُم بامرأةٍ نقَضَت غزلَها مِن بعدِ إبرامِه لَقَلْتُم: ما أحْمقَ هذه! وهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لمن نكَث عهدَه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾، قال: غزلُها: حبلُها، تَنْقُضُه بعد إبرامِها إياه، ولا تَنْتَفِعُ به بعدُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾. قال: نقَضَت حبلَها مِن بعدِ إبرامِ قوةٍ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لمن نقَض العهد الذي يُعْطِيه، ضرَب اللهُ هذا له مثلًا بمثلِ التي عَزَلَت ثم نقَضَت غزلَها، فقد أعطاهم، ثم رجَع، فنكَث العهدَ الذى أعطاهم (٣). وقولُه: ﴿أَنْكَاثًا﴾. يعنى: أنْقاضًا، وكلُّ شيءٍ نُقِض بعدَ الفتلِ فهو أنْكاثٌ، واحدُها نِكْثٌ، حبلًا كان ذلك أو غزلًا، يقال منه: نَكَثَ فلانٌ هذا الحبلَ

стр. 9805

فهو يَنْكُثُه نَكْثًا، والحبلُ مُنْتَكِثٌ إذا انْتَقَضَت قُواه. وإنما عُنِى به في هذا الموضع نَكْثُ العهدِ والعقدِ. وقولُه: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تَجْعَلون أيمانَكم التي تَحْلِفون بها على أنكم مُوفُون بالعهدِ لمن عاقَدْتُموه؛ ﴿دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: خَديعةً وغُرورًا؛ ليَطْمَئِنُّوا إليكم، وأنتم مُضْمِرون لهم الغدرَ، وتركَ الوفاءِ بالعهدِ، والنُّقْلة عنهم إلى غيرِهم مِن أجلِ أن غيرَهم أكثرُ عددًا منهم. والدَّخَلُ فى كلامِ العربِ كلُّ أمرٍ لم يَكُنْ صحيحًا، يقالُ منه: أنا أعلمُ دَخَلَ فلانٍ ودُخْلُلَه ودُخْلَلَه، وداخلةَ أمرِه ودَخْلَتَه ودَخِيلتَه (١). وأما قولُه: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾. فإن قولَه: ﴿أَرْبَى﴾. أفْعَلُ مِن الرِّبا، يقال: هذا أرْبَى من هذا، وأرْبَأُ (٢) منه، إذا كان أكثرَ منه، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): وأَسْمَرَ خَطَّيٍّ (٤) كأَنَّ كُعوبَه … نَوَى القَسْبِ (٥) قد أَرْبَى (٦) ذِراعًا على العَشْرِ وإنما قيل (٧): أرْبَى فلانٌ مِن هذا. وذلك للزيادةِ التي يَزِيدُها على غريمِه، على
следующие страницы →