← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.

стр. 9871

بِيعُوا دِرْعِي، فاقْضُوا عَنِّى دَيْنِي، فإن لم يَفِ (١)، فبيعوا فَرَسى، فإن لم تَفِ (٢) فبيعوا غُلامِي، وأُوصيكم بخواتيمِ سورةِ "النحلِ": ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ لمّا نزَلت هذه الآيةُ قال: "بَلْ نَصْبِرُ" (٣). آخرُ تفسيرِ سورةِ "النحلِ"

стр. 9872

تفسيرُ سورةِ بنى إسرائيلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾: تنزيهًا للذى أسرَى بعبدِه وتَبْرئةً له مما يقولُ فيه المشركون مِن أنَّ له مِن خلقِه شريكًا، وأن له صاحبةً، وولدًا، وعلوًّا له وتعظيمًا عما أضافوه إليه، ونسَبوه من جهالاتِهم وخطأِ أقوالِهم. وقد بيَّنتُ فيما مضَى قبلُ أن قولَه: ﴿سُبْحَانَ﴾. اسمٌ وُضِع موضعَ المصدرِ، فنُصِب لوُقوعِه موقعَه، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). وقد كان بعضُهم يقولُ: نُصِب لأنه غيرُ موصوفٍ. وللعربِ في التسبيحِ أماكنُ تَسْتَعْمِلُه فيها؛ فمنها الصلاةُ، كان كثيرٌ من أهلِ التأويلِ يتأوَّلُون قولَ اللهِ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]: فلولا أنه كان مِن المصلِّين. ومنها الاستثناءُ، كان بعضُهم يتأَوَّلُ قولَ اللهِ تعالى: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا

стр. 9873

تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]: لولا تَسْتَثْنون. ويَزْعُمُ أن ذلك لغةٌ لبعضِ أهلِ اليمنِ، ويَسْتَشْهِدُ لصحةِ تأويلِه ذلك بقولِه: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧، ١٨]. قال: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ فذكَّرهم تركَهم الاستثناءَ. ومنها النورُ، وكان بعضُهم يتأوّلُ في الخبرِ الذي رُوِى عن النبيِّ ﷺ : "لولا ذلك لأحْرَقَت سُبُحاتُ وجهِه ما أدرَكَت مِن شيءٍ" (١). أنه عنَى بقولِه: "سُبُحاتُ وجهِه": نورُ وجهِه. وبنحو الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن عثمانَ بنِ مَوْهَبٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه سُئِلَ عن التسبيحِ أن يقولَ الإنسانُ: سبحانَ اللهِ. قال: "إنزاهُ (٢) اللهِ عن السُّوءِ" (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدةُ بنُ سليمانَ، عن الحسنِ بنِ صالحٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: سبحان اللهِ. قال: إنكافُ اللهِ (٤).

стр. 9874

وقد ذكَرنا من الآثارِ في ذلك ما فيه الكفايةُ فيما مضَى من كتابِنا هذا قبلُ (١). والإسراءُ والسُّرَى: سيرُ الليلِ. فمن قال: أسرَى. قال: يُسْرى إسراءً. ومن قال: سَرَى. قال: يَسْرِى سُرًى. كما قال الشاعرُ (٢): وليلةٍ ذاتِ دُجًى سرَيتُ ولم يَلِتْني عن سُراها لَيْتُ ويُروى: ذاتِ ندًى سرَيتُ. ويَعْنى بقولِه: ﴿لَيْلًا﴾: من الليلِ. وكذلك كان حُذيفةُ بنُ اليمانِ يَقْرَؤُها. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عياشٍ، ورجلٌ يُحدِّثُ عندَه (٣) بحديثِ حينَ أُسرى بالنبيِّ ﷺ ، فقال له: لا تَجِيءُ بمثلِ عاصمٍ ولا زِرٍّ، قال: قرَأ حذيفةُ: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِن اللَّيْلِ مِن المسجِدِ الْحَرَامِ إِلى المَسْجِدِ الأقْصَى). وكذا قرَأ عبدُ اللهِ (٤). وأمَّا قولُه: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. فإنه اختُلِف فيه وفي معناه؛ فقال بعضُهم: يَعْنى مِن الحَرَمِ. وقال: الحرمُ كلُّه مسجدٌ. وقد بَيَّنَّا ذلك في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا (٥). وقال: ذُكِر (٦) أن النبيَّ ﷺ كان ليلةَ أُسْرِى به إلى المسجدِ الأقصَى كان نائمًا فى بيتِ أمِّ هانئٍ ابنةِ أبي طالبٍ.

стр. 9875

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ السائبِ، عن أبي صالحٍ باذانَ (١)، عن أمِّ هانئٍ بنتِ أبي طالبٍ، في مَسْرَى النبيِّ ﷺ أنها كانت تقولُ: ما أُسرِى برسولِ اللهِ ﷺ إلا وهو في بيتي نائمٌ عندى تلك الليلةَ، فصلى العشاءَ الآخرةَ، ثم نام ونِمنا، فلما كان قُبَيلُ الفجرِ، أهبَّنا (٢) رسولُ اللهِ ﷺ ، فلما صلَّى الصبحَ وصلَّينا معه قال: "يا أمَّ هانئٍ، لقد صلَّيتُ معكم العشاءَ الآخرةَ كما رأيتِ بِهذا الوادى، ثم جئتُ بيتَ المقدسِ فصلَّيتُ فيه، ثم صلَّيتُ صلاةَ الغداةِ معكم الآنَ كما تَرَيْن" (٣). وقال آخرون: بل أُسرى به من المسجدِ، وفيه كان حينَ أُسرِى به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ [وابنُ أبى] (٤) عديٍّ، عن سعيدِ ابنِ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن [مالكِ بنِ] (٥) صَعْصَعةَ (٦) رجلٍ مِن

стр. 9876

قومِه، قال: قال نبيُّ اللهِ ﷺ : "بينا (١) أنا عندَ البيتِ بينَ النائمِ واليقظانِ، إذ سمِعتُ قائلًا يقولُ: أحدُ الثلاثةِ. فأُتيتُ بطَستٍ مِن ذهَبٍ فيها من ماءِ زمزمَ، فشرَح صدرى إلى كذا وكذا". قال قتادةُ: قلتُ: ما يعني به؟ قال: إلى أسفلِ بطنِه. قال: "فاستُخرِج قلبي، فغُسِل بماءِ زمزمَ، ثم أُعيد مكانَه، ثم (٢) حُشِى إيمانًا وحكمةً، ثم أُتيتُ بدابةٍ أبيضَ (٣) يُقالُ له: البراقُ. فوقَ الحمارِ ودونَ البغلِ، يَقَعُ خَطْوُه أقصى (٤) طرْفِه، فحُمِلتُ عليه، ثم انطلَقنا حتى أتَيْنا (٥) السماءَ الدنيا"، ثم ذكَر الحديثَ (٦). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، [عن مالكٍ، يعنى] (٧) ابن صعصعةَ، رجلٍ مِن قومِه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه. حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ، رجلٍ من قومِه، قال: قال نبيُّ اللهِ ﷺ . ثم ذكَر نحوَه (٨). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: ثني عمرُو (٩)

стр. 9877

ابنُ عبيدٍ (١)، عن الحسنِ بنِ أبي الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "بينا أنا نائمٌ في الحِجْرِ جاءَنى جبريلُ، فهمَزنى بقدَمِه (٢)، فجلَستُ فلم أرَ شيئًا، فَعُدْتُ لمَضْجَعي، فجاءَني الثانيةَ، فهمَزنى بقدمِه، فجلَستُ فلم أرَ شيئًا، فَعُدْتُ لمَضْجَعي، فجاءَنِي الثالثةَ (٣)، فهمَزنى بقدَمِه، فجلَستُ، فَأَخَذَ بعَضُدى فقُمْتُ معه، فخرَج بي (٣) إلى بابِ المسجدِ، فإذا دابةٌ أبيضُ (٤) بينَ الحمارِ والبغلِ، له في فَخِذَيه جناحان يَحْفِرُ (٥) بهما رجلَيه، يَضَعُ يدَه في منتهى طرْفِه، فحمَلني عليه ثم خرَج معى (٣) لا يفوتُنى ولا أفوتُه" (٦). حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن سليمانَ (٧) بنِ بلالٍ، عن شَريكِ بنِ أبى نمرٍ، قال: سمِعتُ أنسًا يُحَدِّثُنا عن ليلةِ المَسْرَى برسولِ اللهِ ﷺ من مسجدِ الكعبةِ، أنه جاءه ثلاثةُ نفرٍ قبلَ أن يُوحَى إليه، وهو نائمٌ في المسجدِ الحرامِ، فقال أوّلُهم: أيُّهم هو؟ قال أوسطُهم: هو خيرُهم. فقال أحدُهم: خُذُوا خيرَهم. فكانت تلك الليلةَ، فلم يَرَهم حتى جاءوا ليلةً أخرى فيما يرَى قلبُه (٨)، والنبيُّ ﷺ تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبُه، وكذلك الأنبياءُ تنامُ أعينُهم ولا تنامُ قلوبُهم. فلم يُكَلِّموه حتى احتَمَلوه فوضَعوه عند بئرِ زمزمَ، فتولاه منهم جبريلُ عليه

стр. 9878

السلامُ، فشقَّ ما بينَ نحرِه إلى لَبَّتِهِ، حتى فرَغ من صدرِه وجوفِه، فغسَله مِن ماءِ زمزمَ حتى أنقَى جوفَه، ثم أتى بطَستٍ مِن ذهبٍ فيه تَوْرٌ (١) محشوًّا (٢) إيمانًا وحكمةً، فحشا به جوفَه وصدرَه ولغادِيدَه (٣)، ثم أطبَقه (٤) ثم عرَج به إلى السماءِ الدنيا، فضرَب بابًا مِن أبوابِها، فناداه أهلُ السماءِ: مَن هذا؟ قال: هذا جبريلُ. قيل: مَن معك؟ قال: محمدٌ. قال (٥): أو قد بُعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا (٦): فمرحبًا به وأهلًا. فيَسْتَبشِرُ به أهلُ السماءِ، لا يَعْلَمُ أهلُ السماءِ بما يريدُ اللهُ في (٧) الأرضِ حتى يُعْلِمَهم، فوجَد في السماءِ الدنيا آدمَ، فقال له جبريلُ: هذا أبوك. فسلَّم عليه، فردَّ عليه، فقال: مرحبًا بك وأهلًا بابنى، فنعم الابنُ أنت. [ثم مضَى به إلى السماءِ الثانيةِ، فإذا هو فى السماءِ الثانيةِ] (٨) بنهرَين يَطَّرِدان (٩)، فقال: ما هذان النهران يا جبريلُ؟ قال: هذا النيلُ والفراتُ عنصرُهما (١٠). ثم مضى (١١) به إلى السماءِ الثالثةِ (١٢)، فإذا هو

стр. 9879

بنهرٍ [آخرَ عليه قصرٌ] (١) من لؤلؤٍ وزَبَرْجدٍ (٢)، [فذهَب يشُمُّ ترابَه] (٣)، فإذا هو مسكٌ (٤)، فقال: يا جبريلُ، ما هذا النهرُ؟ قال: هذا الكوثرُ الذي خبَأ لك ربُّك (٥). [ثم عرَج به إلى السماءِ الثالثةِ، فقالت له الملائكةُ مثل ما قالت له فى الأولى [من هذا معك، محمدٌ؟ قال: نعم. قالوا: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه] (٦). قالوا: فمرحبًا به وأهلًا. ثم عرَج به إلى الرابعةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، ثم عرَج به إلى الخامسةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، ثم عرَج به إلى السادسةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، ثم عرَج به إلى السابعةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، وكلُّ سماءٍ فيها أنبياءُ قد سماهم أنسٌ، فوعَيت منهم إدريسَ في الثانيةِ، وهارونَ في الرابعةِ، وآخرَ فى الخامسةِ لم أحفظِ اسمَه، وإبراهيمَ في السادسةِ، وموسى في السابعةِ بتفضيلِ كلامِه اللهَ (٧)، فقال موسى: ربِّ (٨)، لم أظنَّ أَن يُرْفَعَ عليَّ أحدٌ. ثم علا به [فوق ذلك] (٩) بما لا يَعْلَمُه إلا اللهُ، حتى جاء سدرةَ المنتهى، ودنا (١٠) الجبَّارُ ربُّ العزّةِ، فتَدَلَّى، فكان قابَ قوسَين أو أدنى، فأوحى [إلى عبدِه] (١١)

стр. 9880

ما شاء، وأوحى اللهُ إليه (١) فيما أوحى خمسين صلاةً على أمتِه كلَّ يومٍ وليلةٍ، ثم هبَط حتى بلَغ موسى فاحتبسَه، فقال: يا محمدُ، ماذا عهِد إليك ربُّك؟ قال: "عهِد إليَّ خمسين صلاةً على أمتى كلَّ يومٍ وليلةٍ" قال: إن أمتَك لا تَسْتطيعُ ذلك (٢)، فارْجِعْ فليُخَفِّفْ عنك وعنهم. فالتفتَ إلى جبريلَ كأنه يَسْتَشِيرُه في ذلك، فأشار إليه أن نعَم، فعاد به جبريلُ حتى أتى (٣) الجبَّارَ وهو مكانَه، فقال: "يا ربِّ خفِّفْ عنا، فإن أُمتى لا تستطيعُ هذا". فوضَع عنه عشرَ صلواتٍ، ثم رجَع إلى موسى ﵇، فاحتَبسه، فلم يَزَلْ يردِّدُه موسى إلى ربِّه حتى صارَت إلى خمسِ صلواتٍ، ثم احتبَسه عند الخمسِ، فقال: يا محمدُ قد واللهِ راودتُ بني إسرائيلَ على أدنى مِن هذه الخمسِ، فضعُفوا (٤) وترَكوه، فأمتُّك أضعفُ أجسادًا وقلوبًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجعْ فليخفِّفْ عنك ربُّك. كلَّ ذلك يلتفتُ إلى جبريلَ ليُشيرَ عليه، ولا يكرهُ ذلك جبريلُ، فرفَعه عند الخمسِ، فقال: "يا ربِّ، إن أمَّتى ضعافٌ أجسادُهم وقلوبُهم، وأسماعُهم (٥)، فخفِّفْ عنا". قال الجبَّارُ ﷻ (٦): يا محمدُ. قال (٧): "لبَّيكَ وسعدَيكَ"، فقال: إنى لا يُبدَّلُ القولُ لديَّ (٨)، كما كتَبتُ عليك في أمِّ الكتابِ، ولك بكلِّ حسنةٍ عشرُ أمثالِها، وهى خمسون فى أمِّ الكتابِ، وهي خمسٌ عليك. فرجَع إلى موسى، فقال: كيف فعلتَ؟ فقال: "خفَّف؛ أعطانا بكلِّ حسنةٍ عشرَ أمثالِها". قال: قد واللهِ راودتُ بنى إسرائيلَ على أدنى من هذا فترَكوه، فارجعْ

стр. 9881

فليخفِّفْ عنك أيضًا، قال: "يا موسى قد واللهِ استحيَيْتُ مِن ربِّي مما اختَلَفْتُ (١) إليه". قال: فاهبِطْ باسمِ اللهِ. فاستيقَظ وهو في المسجدِ الحرامِ (٢). وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللهَ أخبَر أنه أَسْرى بعبدِه من المسجد الحرامِ، والمسجدُ الحرامُ هو الذى يتعارَفُه الناسُ بينهم إذا ذكَروه. وقولُه: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ يعنى: إلى مسجدِ (٣) بيتِ المقدسِ. وقِيل له: الأقْصَى؛ لأنه أبعدُ المساجدِ التي تُزارُ، ويُبتَغى فى زيارتِه الفضلُ بعد (٤) المسجدِ الحرامِ. فتأويلُ الكلامِ: تنزيهًا للهِ، وتبرئةً له مما نحَله المشركونَ من الأشراكِ والأولادِ (٥) والصاحبةِ، وما يجلُّ عنه ﷻ ، الذي سار بعبدِه ليلًا من بيتِه الحرامِ إلى بيتِه الأَقْصى. ثم اختلَف أهلُ العلمِ فى صفةِ إسراءِ اللهِ ﵎ بنبِيِّه ﷺ من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأَقْصى؛ فقال بعضُهم: أَسْرى اللهُ بجسدِه، فسار به ليلًا على البُراقِ من بيتِه الحرامِ إلى بيتِه الأَقْصى حتى أَتَاهُ، فَأَراهُ ما شاء أن يُرِيَه من عجائبِ أمرِه وعبرِه وعظيمِ سُلطانِه، فجُمعِتْ له به الأنبياءُ، فصلَّى بهم هُنالِكَ،

стр. 9882

وعُرج به إلى السماءِ حتى صُعِد به فوق السَّماواتِ السبعِ، وأَوْحى إليه هنالِك ما شاء أن يُوحِيَ، ثم رَجَع إلى المسجدِ الحرامِ من ليلتِهِ، فصلَّى به صلاةَ الصبحِ. ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ بعضِ الرواياتِ التي رُوِيَتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ بتصحيحِه حدَّثَنَا يونُسُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونُسُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرَنى ابنُ المسيَّبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن رسولَ الله ﷺ أُسرى به على البُراقِ، وهى دابَّةُ إبراهيمَ التي كان يَزورُ عليها البيتَ الحرامَ، يَقَعُ حافرُها مَوضِعَ طرْفِها، قال: فمرّتْ بعِيرٍ من عيراتِ قريشٍ بوادٍ من تلك الأوديةِ، فنفَرتِ العِيرُ، وفيها بَعيرٌ عليه غرارَتانِ؛ سوداءُ، وزرقاءُ، حتى أتى رسولُ اللهِ ﷺ إيلياءَ، فأُتى بقدحين؛ قدحِ خمرٍ، وقدحِ لبنٍ، فأخذَ رسولُ اللهِ ﷺ قدحَ اللبنِ، فقال له جبريلُ: هُديتَ إلى الفطرةِ، لو أخذتَ قدحَ الخَمرِ غَوَتْ أمتُك؟ قال ابنُ شهابٍ: فأخبرنى ابنُ المسيَّبِ أن رسولَ اللهِ ﷺ لَقِيَ هناك إبراهيمَ وموسى وعيسى، فنعَتَهم رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: "فأمَّا مُوسى فَضَرْبٌ رَجِلُ الرأسِ كأنه مِن رجالِ شَنُوءَةَ، وأما عيسى فرجلٌ أحمرُ كأنَّما خرَج مِن ديماسٍ (١)، فأشبهُ مَن رأيتُ به عروةُ بنُ مسعودٍ الثقفيُّ، وأما إبراهيمُ فأنا أشبَهُ ولدِه بهِ". فلما رجَع رسولُ اللهِ ﷺ حدَّث قريشًا أنه أُسرى به، قال عبدُ اللهِ: فارتدَّ ناسٌ كثيرٌ بعد ما أسلَموا (٢).

стр. 9883

قال أبو سلمةَ: فأُتى أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، فقيل له: هل لك في صاحبِك، يزعُمُ أنه أُسرى به إلى بيتِ المقدسِ، ثم رجَع في ليلةٍ واحدةٍ! قال أبو بكرٍ: أَوَ قال ذلك؟ قالوا (١): نعم. قال: فأَشهدُ إن كان قال ذلك لقد صدَق. قالوا: أفتشهدُ أنه جاء الشامَ في ليلةٍ واحدةٍ؟ قال: إني أُصدِّقُه بأبعدَ من ذلك، أُصدِّقُه بخبرِ السماءِ (٢). قال أبو سلمةَ: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ اللهِ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ : يقولُ: "لما كذَّبتْني قريشٌ قُمتُ، فمثَّل اللهُ لى بيتَ المقدسِ، فَطَفِقتُ أُخبِرُهم عن آياتِه وأنا أنظرُ إليه" (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، عن أبيهِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ هاشمِ بنِ عتبةَ بن أبي وقاصٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: لما جاء جبريلُ ﵇ بالبراقِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فكأنها [صرَّت أذنيها] (٥)، فقال لها جبريلُ: مهْ يا براقُ، فواللهِ (٦) إن ركِبكِ مثلُه. فسار

стр. 9884

رسولُ اللهِ ﷺ ، فإذا هو بعجوزٍ تانئٍ (١) على جنبِ الطريقِ -قال أبو جعفرٍ: ينبغى أن [تكونَ: تانئةٍ] (٢). ولكن أُسقِطَ منها التأنيثُ - فقال: "ما هذه يا جبريلُ؟ " قال: سِرْ يا محمدُ. قال (٣): فسار ما شاء اللهُ أن يسيرَ، فإذا شيءٌ يدعوه، [مُتَنحيًّا عن الطريقِ يقولُ] (٤): هلُمَّ يا محمدُ. قال جبريلُ: سرْ يا محمدُ. فسار ما شاء اللهُ أن يسيرَ، قال: ثم لقيَه خلقٌ مِن الخلقِ (٥)، فقال أحدُهم: السلامُ عليك يا أوَّلُ، والسلامُ عليك يا آخرُ، والسلامُ عليك يا حاشرُ. فقال له جبريلُ: ارْدُدِ السلامَ يا محمدُ. قال: فردّ السلامَ، ثم لقيَه الثانى، فقال له مثلَ مقالةِ [الأولِ، ثم لقيه الثالثُ فقال له مثلَ مقالةِ] (٦) الأوَّلين، حتى انتهى إلى بيتِ المقدسِ، فعرَض عليه الماءَ واللبنَ والخمرَ، فتناول رسولُ الله ﷺ اللبنَ، فقال له جبريلُ: أصبتَ يا محمدُ الفطرةَ، ولو شرِبتَ الماءَ لغَرِقتَ وغَرِقتْ أمتُك، ولو شرِبتَ الخمرَ لغوَيتَ وغَوَتْ أمتُك. ثم بُعِث له آدمُ فمَن دونه مِن الأنبياء، فأمَّهم رسولُ اللهِ ﷺ تلكَ الليلةَ، ثم قال له جبريلُ: أما العجوزُ التي رأيتَ (٧) على جانبِ الطريقِ، فلم يبقَ من الدنيا إلا (٨) ما بقىَ مِن (٩) تلك العجوزِ، وأما الذى أراد أن تميلَ إليه، فذاك عدوُّ اللهِ إبليسُ، أراد أن تميلَ إليه وأما الذين سلَّموا عليك، فذاك إبراهيمُ ومُوسى وعِيسى (١٠).

стр. 9885

حدَّثنى عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّيَاحِيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه -شكَّ أبو جعفرٍ- فى قولِ اللهِ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ ومعه ميكائيلُ، فقال جبريلُ لميكائيلَ: ائتني بطَستٍ مِن ماءِ زمزمَ كيما أطهرَ قلبَه، وأشرحَ له صدرَه. قال: فشقّ عنه (١) بطنَه، فغسَله ثلاثَ مرّاتٍ، واختلَف إليه ميكائيلُ بثلاثِ طِساسٍ (٢) من ماءِ زمزمَ، فشرَح صدرَه، ونزَع ما كان فيه من غلٍّ، ومَلأه حلمًا (٣) وعلمًا وإيمانًا ويقينًا وإسلامًا، وختَم بين كتفَيه بخاتمِ النبوةِ، ثم أتاه بفرسٍ فحُمِل عليه، كلُّ خطوةٍ منه منتهى بصرِه (٤)، أو (٥) أقصى بصرِه. قال: فسار وسار معه جبريلُ ﵇، فأتى على قومٍ يزرَعون في يومٍ ويحصُدون في يومٍ، كلما حصَدوا عاد كما كان، فقال النبيُّ ﷺ : "يا جبريلُ ما هذا؟ " قال: هؤلاء المجاهدون في سبيلِ اللهِ، تُضاعَفُ لهم الحسنةُ بسبعِمائةِ ضعفٍ، وما أنفَقوا من شيءٍ فهو يُخلِفُه، وهو خيرُ الرازقينَ. ثم أتى على قومٍ تُرضَخُ رءوسُهم بالصخرِ، كلما رُضِخَتْ عادتْ كما كانت، ولا يُفتَّرُ عنهم من ذلكَ شيءٌ، فقال: "ما هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال:

стр. 9886

هؤلاء الذين تتثاقلُ رءوسُهم عن الصلاةِ المكتوبةِ. ثم أتى على قومٍ على أقبالِهم رِقاعٌ، وعلى أدبارِهم رِقاعٌ، يَسرَحونَ كما تسرحُ الإبلُ والغنمُ، ويأكلون الضريعَ والزقُّومَ ورَضْفَ جهنمَ وحجارتَها، قال: "ما هؤلاء يا جبرِيلُ؟ " قال: هؤلاء الذين لا يؤدُّون صدقاتِ أموالِهم، وما ظلَمهم اللهُ شيئًا، وما اللهُ بظلامٍ للعبيدِ. ثم أتى على قومٍ بينَ أيديهم لحمٌ نضيجٌ [في قدورٍ، و] (١) لحمٌ آخرُ [نِيءٌ قذرٌ] (٢) خبيثٌ، فجعَلوا يأكلونَ من النِّيءِ (٣) الخبيثِ (٤) ويدَعونَ النضيجَ الطَّيبَ، فقال: "ما هؤلاءِ يا جبريلُ؟ " قال: هذا الرجلُ مِن أمَّتِك، تكونُ عندَه المرأةُ الحلالُ الطَّيبُ، فيأتى امرأةً خبيثةً فيبيتُ عندَها حتى يُصبحَ، والمرأةُ تقومُ من عندِ زوجِها حلالًا طيبًا، فتأتى رجلًا خبيثًا فتبيتُ معه حتى تُصبحَ. قال: ثم أتى على خشبةٍ على (٥) الطريقِ لا يمرُّ بها ثوبٌ إلا شقَّتْه، ولا شيءٌ إلا خرَقتْه، قال: "ما هَذَا يا جبريلُ؟ " قال: هذا مثَلُ أقوامٍ مِن أُمَّتِك يقعُدونَ على الطريقِ فيقطَعونه. ثم تلا (٦): ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦]. ثم أتى على رجلٍ قد جمَع حُزْمةً (٧) عظيمةً لا يستطيعُ حمْلَها، وهو يزيدُ

стр. 9887

عليها، فقال: "ما هذا يا جبريلُ؟ " قال: هذا الرجلُ من أُمَّتِك تكونُ عليه (١) أماناتُ الناسِ لا يقدِرُ على أدائِها، وهو (٢) يريدُ أن [يحملَ عليها] (٣). ثم أتى على قومٍ تُقْرَضُ ألسنتُهم وشفاهُهم بمقاريضَ مِن حديدٍ، كلما قُرِضتْ عادتْ كما كانتْ، لا يُفَتَّرُ عنهم مِن ذلك شيءٌ، قال: "ما هؤلاء يا جبريلُ؟ " قال: هؤلاء (٤) خطباءُ الفتنةِ (٥). ثم أتى على جُحْرٍ صغيرٍ يخرُجُ منه ثورٌ عظيمٌ، فجعَل الثورُ يريدُ أن يَرجِعَ مِن حيثُ خرَج فلا يستطيعُ، فقال: "ما هَذَا يا جبريلُ؟ " قال: هذا الرجلُ يتكلَّمُ بالكلمةِ العظيمةِ، ثم يَنْدَمُ عليها، فلا يَسْتطيعُ أَن يَرُدَّها. ثم أتى على وادٍ، فوجد ريحًا طيبةً باردةً، و (٦) ريحَ المسكِ، وسمِع صوتًا، فقال: "يا جبريلُ، ما هذه الريحُ الطيبةُ الباردةُ ريحُ (٧) المسكِ؟ وما هذا الصوتُ؟ " قال: هذا صوتُ الجنةِ تقولُ: يا ربِّ، آتِنى ما وعدْتَني، فقد كَثُرَتْ غُرَفى، وإستبرقى وحَريرى، وسُندسى وعَبقريِّى، ولُؤلؤى ومَرجَاني، وفِضَّتي وذهبي، وأكوابِي وصِحافي وأَباريقى، وفَواكهى ونَخلى ورُمّاني، ولَبنى وخَمرى، فآتِني ما وعدْتَنى. فقال: لكِ كلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ، ومؤمنٍ ومؤمنةٍ، ومَن آمَن بي وبرسلي، وعمِل صالحًا ولم يُشركْ بي، ولم يتخذْ من دونى أندادًا، ومَن خشيَنى فهو آمنٌ،

стр. 9888

ومَن سأَلني أعطيتُه، ومَن أقرَضنى جزَيْتُه، ومَن توكَّل عليَّ كفيتُه، إنى أنا اللهُ لا إلهَ إلا أنا، لا أُخلفُ الميعادَ، وقد أفلَح المؤمنونَ، وتبارَك اللهُ أحسنُ الخالقينَ. قالتْ: قد رضيتُ. ثم أتى على وادٍ فسمِع صوتًا منكَرًا، ووجَد ريحًا منتنةً، فقال: "ما هذه الريحُ يا جبريلُ؟ وما هذا الصوتُ؟ " قال: هذا صوتُ جهنمَ، تقولُ: يا ربِّ، آتنِى ما وعدْتَني، فقد كثُرتْ سلاسلي وأغْلالى، وسَعيرى وجَحِيمي، وضَريعي وغَسَّاقي، وعذابي وعِقابي، وقد بَعُدَ قَعْرى، واشتدَّ حرِّى، فآتِني ما وعدتنى. قال: لكِ كلُّ مشركٍ ومشركةٍ، وكافرٍ وكافرةٍ، وكلُّ خبيثٍ وخبيثةٍ، وكلُّ جَبَّارٍ لا يؤمنُ بيومِ الحسابِ. قالت: قد رضِيتُ. قال: ثم سَار حتى أتى بيتَ المقدسِ، فنزل فربَط فرسَه إلى صخرةٍ، ثم دخَل فصلَّى مع الملائكةِ، فلما قُضِيَتِ الصلاةُ، قالوا: يا جبريلُ، مَن هذا معكَ؟ قال: محمدٌ. فقالوا: أَوَ قد أُرْسِل محمدٌ (١)؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنعم الأخُ، ونعم الخليفةُ، ونعم المَجِيءُ جاء. قال: ثم لَقِيَ أرواحَ الأنبياءِ فأثنَوا على ربِّهم، فقال إبراهيمُ: الحمدُ للهِ الذى اتخذني خليلًا، وأعطاني مُلكًا عظيمًا، وجعلنى أمَّةً قانتًا للهِ يُؤتمُّ بى، وأنقَذنى من النارِ، وجعلَها عليَّ بردًا وسلامًا. ثم إن مُوسى أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذى كلَّمني تكليمًا، وجعَل هلاكَ آلِ فرعونَ ونجاةَ بني إسرائيلَ على يديَّ، وجعَل من أمَّتِى قومًا يَهدُون بالحقِّ (٢) وبه يعدِلون (٣). ثم إن داودَ ﵇ أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذي جعَل لى

стр. 9889

ملكًا عظيمًا، وعلَّمنى الزّبورَ، وألان لىَ الحديدَ، وسخَّر ليَ الجبالَ يسبِّحنَ والطيرَ، وأعطانى الحكمةَ وفَصْلَ الخطابِ. ثم إن سليمانَ أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذي سخَّر ليَ الرياحَ، وسخَّر لى الشياطينَ يعملونَ (١) ما شئتُ مِن محاريبَ وتماثيلَ وجفانٍ كالجوابِ وقدورٍ راسياتٍ، وعلَّمنى منطقَ الطيرِ، وأتاني مِن كلِّ شيءٍ فضلًا، وسخَّر لى جنودَ الشياطينِ والإنسَ والطيرَ، وفضَّلني على كثيرٍ مِن عبادِه المؤمنينَ، وآتاني ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحدٍ مِن بعدى، وجعَل ملكى ملكًا طيبًا ليس عليَّ فيهِ حسابٌ. ثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذى جعَلني كلمتَه، وجعَل مَثَلِى مَثَلَ آدمَ خَلَقه مِن ترابٍ، ثم قال له: كنْ. فيكونُ، وعلَّمنى الكتابَ والحكمةَ والتوراةَ والإنجيلَ، وجعَلنى أخلُقُ مِن الطينِ كهيئةِ الطيرِ فأنفُخُ فيه فيكونُ طيرًا بإذنِ اللهِ، وجعَلنى أبرئُ الأكمهَ والأبرصَ وأُحيى الموتى بإذنِ اللهِ، ورفَعنى وطهَّرنى، وأعاذَنى وأُمِّى مِن الشيطانِ الرجيمِ، فلم يكنْ للشيطانِ علينا سبيلٌ. قال: ثم إن محمدًا ﷺ أثنى على ربِّه، فقال: "كلُّكم (٢) أَثْنَى على ربِّه، وأنا مُثنٍ علَى ربِّي". فقال: "الحمدُ للهِ الذى أرسلَنى رحمةً للعالمينَ، وكافةً للناسِ بشيرًا ونَذيرًا، وأنزَل عليَّ الفرقانَ فيه تبيانُ كُلِّ (٣) شَيءٍ، وجعَل أمَّتى خيرَ أمةٍ أُخرِجتْ للناسِ، وجعَل أمَّتى أمةً (٤) وسطًا، وجعلَ أمَّتى همُ الأولين وهم الآخرين، وشرَح لي صدرِي، ووضَع عنى وِزْرِى، ورفَع لى ذكرِى، وجعَلنى فاتحًا خاتِمًا". قال إبراهيمُ: بهذا فضَلكم محمدٌ. قال أبو جعفرٍ، وهو الرازيُّ: خاتمُ النبوّةِ، وفاتحٌ بالشفاعةِ يومَ القيامةِ.

стр. 9890

ثم أُتى (١) بآنيةٍ ثلاثةٍ مغطاةٍ أفواهُها، فأُتى بإناءٍ منها فيه ماءٌ، فقيل: اشرَبْ. فشرِب منه يسيرًا، ثم دُفِع إليه إناءٌ آخرُ فيه لبنٌ، فقيل له: اشرَبْ. فشرِب منه حتى رَوِيَ، ثم دُفع إليه إناءٌ آخرُ فيه خمرٌ، فقِيل له: اشربْ. فقال: "لا أريدُه، قد رَوِيتُ". فقال له جبريلُ ﷺ : أما إنها ستُحرَّم على أُمَّتِك، ولو شرِبتَ منها لم يتبعْكَ مِن أُمَّتِكَ إِلَّا قليلٌ (٢). ثم صعِد (٣) به إلى السماءِ (٤)، فاستفتَح (٥)، فقِيل: مَن هذا [يا جبريلُ] (٦)؟ فقال: محمدٌ. قالوا: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نَعَمْ. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجيءُ جاء. فدخَل فإذا هو برجلٍ تامِّ الخَلْقِ لم يَنقُصْ مِن خَلْقِه شيءٌ، كما يَنْقُصُ مِن خلقِ الناسِ، على يَمينِه بابٌ يَخْرُجُ منه ريحٌ طيِّبةٌ، وعن شمالِه بابٌ يَخرُجُ منه ريحٌ خبيثةٌ، إذا نظَر إلى البابِ الذي عن يمينِه ضحِك واستبشَر، وإذا نظَر إلى البابِ الذى عن شمالِه بكَى وحزِن، فقلتُ: "يا جبريلُ، مَن هذا الشيخُ التامُّ الخلقِ الذى لم يَنقُصْ مِن خلقِه شيءٌ، وما هذانِ البابانِ؟ " قال: هذا أبوكَ آدمُ، وهذا البابُ الذى عن يمينِه بابُ الجنةِ، إذا نظَر إلى مَن يَدخُلُه مِن ذُرِّيَّتِه ضحِك واستبشَر، والبابُ الذى عن شِمالِه بَابُ جَهَنَّمَ، إِذا نظَر إلى من يدخُلُه مِن ذرِّيَّتِه بكَى وحزِن. ثم صعِد به جبريلُ ﷺ إلى السَّماءِ الثَّانيةِ، فاستفتَح، فقِيل: مَن هذا (٧)

стр. 9891

معَك؟ قال: محمدٌ رسولُ اللهِ. فقالوا: وقد أُرسِل محمدٌ (١)؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعمَ المَجيءُ جاء. قال: فإذا هو بشابَّينِ، فقال: "يا جبريلُ، مَن هذان الشابَّانِ؟ " قال: هذا عيسى ابنُ مريمَ، ويحيى بنُ زكريا، ابنا الخالةِ. قال: فصَعِد به إلى السَّماءِ الثَّالثة، فاستفتَح، فقالوا: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قالوا: ومَن معَك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أَوَ (٢) قد أُرسِل (٣)؟ قال: نَعَمْ. قالوا: حيَّاه اللهُ من أخٍ ومِن خليفةٍ، فنعم الأخُ، ونعم الخليفةُ، ونعم المَجيءُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ قد فُضِّل على الناسِ كلِّهم في الحُسْنِ، كما فُضِّل القمرُ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ، قال: "مَن هذا يا جبريلُ الذي فُضِّل على النَّاسِ في الحُسْنِ؟ " قال: هذا أخوكَ يوسُفُ. ثم صعِد به إلى السماءِ الرابعةِ، فاستفتَح، فقِيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قالوا: ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أوَ (٢) قد أُرسِل (٣)؟ قال: نَعَمْ. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجيءُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ، قال: "مَن هذا يا جبريلُ"؟ قال: هذا إدريسُ رفَعه اللهُ مكانًا عليًّا. ثم صعِد به إلى السَّماءِ الخامسةِ، فاستفتَح (٤)، فقالوا: مَن هذا؟ فقال: جبريلُ. قالوا: [ومَن] (٥) معَكَ؟ قال: محمدٌ. قالوا: أوَ (٢) قد أُرسِل (٣)؟ قال: نعم.

стр. 9892

قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجيءُ جاء. ثم دخَل، فإذا هو برجلٍ جالسٍ، وحوله قومٌ يقُصُّ عليهم، قال: "مَن هذا يا جبريلُ، ومَن هؤلاءِ الذين حولَه؟ " قال: هذا هارونُ المُحبَّبُ في قومِه، وهؤلاءِ بنو إسرائيلَ. ثم صَعِد به إلى السماءِ السادسةِ، فاستفتَح (١)، فقِيل له: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قالوا: ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أوَ (٢) قد أُرسِل (٣)؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ من أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونعم المَجيءُ جاء. فإذا هو برجلٍ جالسٍ، فجاوَزه، فبكَى الرجلُ، فقال: "يا جبريلُ مَن هذا؟ " قال: موسى. قال: " [فما بالُه] (٤) يبكي؟ " قال: تَزَعُمُ بنو إسرائيلَ أنى أَكْرَمُ بني آدمَ على اللهِ، وهذا رجلٌ مِن بني آدمَ قد خلَفني في دنيا، وأنا في أُخرَى، فلو أنه بنفسِه لم أبالِ، ولكن مع كلِّ نبيٍّ أُمَّتُه. قال: ثم صَعِد به إلى السماءِ السابعةِ، فاستفتَح (٥)، فقِيل له (٦): مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قيل (٧): ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أو (٢) قد أُرسل (٣)؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ من أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجئُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ أشمطَ (٨) جالسٍ عند بابِ الجنةِ على كرسيٍّ،

стр. 9893

وعندَه قومٌ جلوسٌ بيضُ الوجوهِ، أمثالُ القراطيسِ، وقومٌ في ألوانِهم شيءٌ، فقام هؤلاء الذين في ألوانِهم شيءٌ، فدخَلُوا نهرًا فاغتسَلوا فيه، فخرَجُوا وقد خلَص مِن ألوانِهم شيءٌ، ثُم دخَلوا نهرًا آخرَ، فاغتسَلوا فيه، فخرَجوا وقد خلَص من ألوانِهم شيءٌ، ثم دخلوا نهرًا آخرَ فاغتسَلوا فيه، فخرَجوا وقد خلَص مِن ألوانِهم (١)، فصارتْ مثلَ ألوانِ أصحابِهم، فجاءوا فجلَسوا إلى أصحابِهم، فقال: "يا جبريلُ، من هذا الأشطُ؟ ثم من هؤلاءِ البيضُ وجوهُهم؟ ومَن هؤلاءِ الذين في ألوانهم شيءٌ؟ وما هذه الأنهارُ التي دخَلوا فجَاءوا وقد صفَتْ ألوانُهم؟ " قال: هذا أبوكَ إبراهيمُ، أوَّلُ مَن شَمِط على الأرضِ، وأما هؤلاءِ البيضُ الوجوهِ فقومٌ لم يَلْبِسُوا إيمانَهم بظلمٍ، وأما هؤلاءِ الذين في ألوانِهم شيءٌ، فقومٌ خلَطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا فتابوا، فتاب اللهُ عليهم، وأما الأنهارُ فأوَّلُها رحمةُ اللهِ، وثانيها نعمةُ اللهِ، والثالثُ: سقاهم ربُّهم شرابًا طهورًا. قال: ثم انتهَى إلى السِّدرةِ، فقِيل له: هذه السدرةُ يَنتهِى إليها كلُّ أحدٍ خلا مِن أُمَّتِك على سُنَّتِك. فإذا هي شجرةٌ يَخرُجُ مِن أصلِها أنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسنٍ، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّرْ طعمُه، وأنهارٌ من خمرٍ لذةٍ للشاربين، وأنهارٌ من عسلٍ مُصفًّى. وهى شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعينَ عامًا لا يقطَعُها، والورقةُ منها مُغَطِّيةٌ للأمةِ (٢) كلِّها. قال: فغشِيها نورُ الخَلاقِ ، وغشِيتْها الملائكةُ أمثالُ الغربانِ حينَ يقعنَ على الشجرِ (٣). قال: فكلَّمه عندَ ذلك، فقال له: سلْ. فقال: "اتخذتَ إبراهيمَ خليلًا، وأعطيتَه مُلكًا عظيمًا، وكلَّمتَ موسى تكليمًا، وأعطَيتَ

стр. 9894

داودَ مُلكًا عظيمًا، وألنت له الحديدَ، وسخَّرت له الجبالَ، وأعطَيتَ سليمان مُلكًا عظيمًا، وسخَّرت له الجنَّ والإنسَ والشياطينَ، وسخَّرتَ له الرياحَ، وأعطَيتَه ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وعلَّمتَ عيسى التَّوراة والإنجيلَ، وجعلته يُبرِئُ الأكمة والأبرصَ ويُحيى الموتى بإذن الله، وأعذْتَه وأمَّه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيلٌ". فقال له ربُّه: قد اتخذتُك (١) خليلًا - وهو مكتوبٌ (٢) في التوراة: حبيبُ الرحمن (٣) - وأرسلتُك إلى الناس كافَّةً بشيرًا ونذيرًا، وشرَحتُ لك صدرَك، ووضَعتُ عنك وزرَك، ورفعتُ لك ذكرك، فلا أُذكَرُ إلا ذُكِرتَ معى، وجعلتُ أمَّتَك أمةً وَسَطًا، وجعلتُ أمَّتَك هم الأوّلين وهم الآخرين، وجعلتُ أمَّتَك لا تجوزُ لهم خُطبةٌ، حتى يشهدوا أنك عبدى ورسولى، وجَعَلْتُ مِن أُمَّتِك أقوامًا قلوبُهم أناجيلُهم، وجعلتُك أوَّلَ النَّبيينَ خَلْقًا، وآخرهم بَعْثًا، وأَوَّلَهم (٤) يُقْضَى له، وأعطَيتُك سبعًا من المثاني لم يُعطَها نبيٌّ قبلك، وأعطيتُك الكوثر، وأعطيتُك ثمانيةَ أسهمٍ؛ الإسلامَ، والهجرة والجهاد، والصدقةَ، والصلاةَ، وصومَ رمضانَ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجعلتُك فاتحًا وخاتمًا. فقال النبيُّ ﷺ : "فَضَّلَنِي رَبِّي بسِتٍّ؛ أَعْطَانِى فَوَاتحَ الكَلِم وَخَواتِيمَه، وَجَوامِعَ الحَدِيثِ، وَأَرْسَلَنِي إلى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا ونَذِيرًا، وقَذَفَ فِي قُلُوبِ عَدُوِّي الرُّعْبَ مِن مَسِيرِةِ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائمُ ولَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ كُلُّها طَهُورًا ومَسْجِدًا".

стр. 9895

قال: "وفَرَضَ عَلَيَّ (١) خَمْسِينَ صَلاةً". فلما رجع إلى موسى، قال: بِمَ أُمِرْتَ يا محمد؟ قال: "بخمسين صلاةً". قال: ارجعْ إلى ربِّك فاسأَله التَّخفيف؛ فإن أمَّتَك أَضْعَفُ الأُمم، فقد لَقِيتُ مِن بَنى إسرائيل شِدَّةً، قال: فرجع النبيُّ ﷺ إلى ربِّه فسأله التَّخفيف، فوضَع عنه عَشْرًا، ثم رجع إلى موسى، فقال: بكم أُمِرتَ؟ قال: "بأربعين". قال: ارجِعْ إلى ربِّك فاسألْه التَّخفيف، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لقيتُ من بني إسرائيل شِدَّةً. قال: فرجع إلى ربِّه، فسأله التَّخفيف، فوضَع عنه عشرًا، فرجَع إلى موسى، فقال: بكم أُمِرتَ؟ قال (٢): "أُمِرْتُ بثلاثِينَ". فقال له موسى: ارجعْ إلى ربِّك فاسأَلْه التَّخفيف، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ مِن بني إسرائيلَ شِدَّةً. قال: فرجع إلى ربِّه فسَأَله التَّخفيف؛ فوضَع عنه عشرًا، فرجع إلى موسى فقال: بكم أُمرت؟ قال: "أُمِرتُ (٣) بعشرينَ". قال: ارجع إلى ربِّك فاسأَلْه التَّخفيفَ، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ من بني إسرائيل شِدَّة. قال: فرجع إلى ربِّهِ فسأَله التَّخفيفَ فوضَع عنه عشرًا. فرجع إلى موسى، فقال: بكم أمرتَ؟ قال: "بعشرٍ". قال ارجعْ إلى ربِّك فاسألْه التَّخْفِيفَ؛ فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ مِن بنى إسرائيلَ شِدَّةً. قال: فرجَع على حياء إلى ربِّه فسأله التخفيف، فوضع عنه خمسًا، فرجع إلى موسى، فقال: بكم أُمِرتَ؟ قال: "بخمس". قال: ارجعْ إلى ربِّك فاسألْه التَّخفيفَ، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ من بني إسرائيل شِدَّةً. قال: قد رجعتُ إلى ربَّي حتى استَحْيَيْتُ فما أنا راجعٌ إليه. فقيل له: أمَّا إِنك كما صبَرتَ نفسَك على خَمْسِ

стр. 9896

صَلَواتِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْزِينَ عنكَ خمسين صلاةً، فإن كلَّ حسنةٍ بعشرِ أمثالها. قال: فرضِي محمدٌ ﷺ كُلَّ الرِّضا. قال (١): فكان موسى أشدَّهم عليه حين مرّ به، وخيرَهم له حِينَ رجَع إليه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عبيد الله، قال: أخبرنا أبو النَّضْرِ هاشمُ بنُ القاسم، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيع بن أنسٍ، عن أبي العالية أو غيره - شكٍّ أبو جعفرٍ -، - عن أبي هريرة في قوله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ ، فذكر نحو حديثِ عليّ بن سَهْلٍ، عن حجَّاجٍ، إلا أنه قال: جاء جبريلُ (٣) معه ميكائيلُ، وقال (٤): كما تروحُ (٥) الأنعام [إلى الضَّرِيعِ] (٦)، وقال في كلِّ موضعٍ: قال عليٌّ: "ما هؤلاء": "من هؤلاءِ (٧) "، وقال في موضع: تُقرَضُ ألسنتُهم: تُقَصُّ ألسنتُهم. وقال أيضًا في موضعٍ قال عليٌّ فيه: ونِعْمَ الخليفةُ: [ونعم الخليفةُ] (٨). وقال في ذكرِ الخمرِ، فقال:

стр. 9897

"لا أُرِيدُه، قد رَويتُ". قال: جبريلُ: [قد أصبتَ الفطرة يا محمدُ، إنها ستُحَرَّمُ] (١) على أُمَّتِك. وقال في سدرة (٢) المُنتهى أيضًا: هذه السَّدْرَةُ المنتهى، إليها يَنتَهى كلُّ أحدٍ خلا على سبيلك مِن أُمَّتِك. وقال أيضًا في الورقة منها تُظِلُّ الخلقَ كلَّهم: تَغْشَاها الملائكةُ مثل الغِرْبانِ حينَ يَقَعْنَ على الشجرة، من حُبِّ اللهِ. وسائرُ الحديثِ نحوُ (٣) حديث عليٍّ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي هارونَ العَبْدِيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، وحدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، قال: أخبَرنا أبو هارونَ العَبْدِيُّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ - واللَّفْظُ لحديث الحسنِ بن يَحيى - في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. قال: ثنا النبيُّ ﷺ عن ليلة أُسرى به، فقال نبيُّ الله: "أُتِيتُ بدايَّةٍ هي أشبهُ الدوابِّ بالبغل، له أُذنان مضْطَربتانِ، وهو البُراقُ، وهو الذي كان تركبُه الأنبياءُ قَبْلِي، فركبتُه، فانطلق بي يَضَعُ يدَه عندَ مُنتَهى بَصَرِه، فسمِعتُ نِداء عن يَمينى: [يا محمدُ] (٥)، علَى رِسْلِك أسألْك. فمضَيْتُ ولم أُعرِّجْ عليه، ثم سمعتُ نداءً عن شمالي: يا محمدُ، على رسْلِك أسألْك. فمضَيتُ ولم أَعرِّجْ عليه، ثم استقبلت امرأةً (٦) عليها من كلِّ زينة (٧)

стр. 9898

الدُّنيا رافعةً يدها، تقولُ (١): على رسْلِك أسألْك. فمضَيتُ ولَمْ أَعَرِّجْ عَلَيْها، ثُمَّ أَتيتُ بيتَ المقدس - أو قال: المسجدَ الأقْصَى - فنزَلتُ عن الدَّابَّةِ فأوثَقتُها بالحلقة التي كانت الأنبياءُ تُوثِقُ بها، ثم دخَلتُ المسجدَ فصلَّيتُ فيه، فقال لي جبريلُ: ماذا رأيت في وجهك. فقُلتُ: سمِعتُ نِداءً عن يَمينى، أن يا محمدُ، على رِسْلِك أسألكَ. فمضَيتُ ولم أُعرِّج عليه". قال: ذاك داعِى اليهودِ، أَمَا إِنك لو وقَفتَ عليهِ تهوَّدَتْ أُمَّتُكَ. قال: ثم سمِعتُ نداءً عن يسارى، أنْ يا محمدُ، على رِسْلِك أسألك، فمَضَيتُ ولم أُعرِّجْ عليه. قال: ذاك داعى النَّصارى، أما إنك لو وقَفتَ عليه لتَنصَّرتْ أمَّتُك. قلتُ: ثم استقْبَلَتنى امرأةٌ عليها من كلِّ زينة (٢) الدُّنيا رافعةً يدَها، تقولُ: على رسْلك أسألْك. فمضَيتْ ولم أُعرِّجْ عليها. قال: تلك الدُّنيا تزيَّنَتْ لكَ، أَمَا إِنَّك لو وقفت عليها [لاختارت أمَّتُك] (٣) الدُّنيا على الآخرة. ثم أُتِيتُ بإناءين أحدُهما فيه لبنٌ، والآخرُ فيه خمرٌ، فقيل لي: اشرَبْ أيَّهُما شئت. فأخذتُ اللبن فشربتُه. قال: أصبتَ الفِطرة - أو قال: أخَذْتَ الفِطرة - ". قال معمرٌ: وأخبرني الزُّهريُّ، عن ابن المسيَّبِ، أنه قيل له: أمَّا إِنَّك لو أخَذتَ الخمرَ غُوتْ أُمَّتُك. قال أبو هارون في حديث أبي سعيد: "ثم جيء بالمعراج الذي تَعرُجُ فيه أرواحُ بنى آدمَ، فإذا أحسَنُ ما رأيتُ، ألم تر إلى المَيِّتِ كيف يَحُدُّ بصره إليه! فعُرج بنا فيه حتى انتَهَينا إلى باب السماءِ الدُّنيا، فاستفتح جبريلُ، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قيل (٤): ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قيل: أو قد أُرسل إليه؟ قال: نعم.

стр. 9899

ففتحوا وسلَّموا عليَّ، وإذا ملَكٌ مُوَكَّلٌ يَحرُسُ السماءَ يقالُ له: إسماعيلُ. معه سبعُون ألف ملكٍ، معَ كلِّ ملَكٍ منهم مائةُ ألفٍ، ثم قرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، وإذا أنا برجل كهيئتِهِ يومَ خلقه الله لم يَتَغيَّرُ منهُ شيءٌ، فإذا هو تُعرَضُ عليه أرواحُ ذُرِّيَّته، فإذا كان رُوحَ مُؤمنٍ قال: رُوحٌ طيِّبٌ، وريحٌ طيِّبةٌ، اجعَلوا كتابَه في علِّيِّينَ. وإذا كان رُوحَ كافرٍ قال: روحٌ خبيثةٌ، ورِيحٌ خبيثةٌ، اجعَلوا كتابه في سِجِّينٍ (١). فقلتُ: يا جبريلُ من هذا؟ قال: أبوك آدمُ. فسلَّم عليَّ ورحَّب بى (٢)، وقال: مرحبًا بالنبيِّ الصَّالح [والولد الصَّالح] (٣). ثُمَّ نظَرتُ فإذا أنا بقوم لهم مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإبل، وقد وُكِّل بهم مَن يَأْخُذُ بمَشَافِرِهم، ثم يَجْعَلُ فِي أَفواههم صَخْرًا مِن نارٍ يَخرُجُ مِن أسافِلِهم، قلتُ: يا جبريلُ مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكُلون أموال اليَتامَى ظُلْمًا. ثم نظَرتُ فإذا أنا بقوم يُحذَى (٤) مِن جُلُودِهم ويُرَدُّ في أفواههم، ثم يُقالُ: كُلُوا كما أكَلْتُم. فإذا أكرَهُ ما خلق الله لهم ذلك. قلتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هؤلاء الهمَّازُونَ اللمَّازونَ الذين يأكُلُونَ (٥) لحومَ النَّاسِ (٦). ثم نَظَرتُ فإذا أنا بقومٍ على مائدةٍ عليها لحمٌ مشويٌّ كأحسن ما رأيتَ مِن اللَّحم، وإذا حولهم جيفٌ، فجعَلُوا يَميلُونَ على الجيف يأكُلونَ مِنها ويَدَعُونَ ذلكَ اللَّحمَ. قلتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: هؤلاءِ الزُّناةُ عَمَدوا إلى مَا حَرَّم الله عليهم، وتركوا ما أحلَّ الله لهم. ثُمَّ نظَرتُ فإذا أنا بقومٍ لهم بُطونٌ كأنها البُيوتُ وهى على

стр. 9900

سابِلة آل فرعونَ، فإذا مرَّ بهم آلُ فرعونَ ثارُوا (١)، فيَمِيلُ بأحدهم بطنُه فيَقَعُ، فيَتَوطَّؤُهم آلُ فرعون بأرجُلِهم، وهم يُعرضونَ على النَّارِ غُدوًّا وعَشِيًّا. قلتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هؤلاء أكلَةُ الرِّبَا، ربًا في بُطُونِهم، فمثلُهُم كمثل الذي يَتَخبَّطُه الشَّيطانُ من المسِّ. ثُمَّ نظَرتُ فإذا أنا بنساءٍ مُعلَّقاتٍ بثُدِيِّهِنَّ، ونساءٍ مُنَكَّساتٍ بأَرْجُلِهِنَّ. قلتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هنَّ اللاتى يَزْنِينَ ويَقتُلنَ أولادَهنَ". قال: "ثُمَّ صعدنا إلى السَّماءِ الثَّانية، فإذا أنا بيوسفَ وحوله تَبَعٌ مِن أُمَّتِه، ووجهُه كالقمر ليلة البدر، فسلَّم عليَّ ورحَّب بي، ثُمَّ مضَينا إلى السَّماءِ الثَّالثة، فإذا أنا بابنى الخالَةِ؛ يَحيى وعِيسى، يُشْبِهُ أحدُهما صاحبَه؛ ثِيابَهما وشَعَرَهما، فسلَّما عليَّ ورحَّبَا بي. ثُمَّ مضَينا إلى السَّماءِ الرَّابعةِ، فإذا أنا بإدريسَ، فسلَّم عليَّ ورحَّب، وقد قال الله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]. ثم مضينا إلى السماءِ الخامسة، فإذا أنا بهارونَ المحبَّبِ في قومه، و (٢) حولَه تَبَعٌ كثيرٌ مِن أُمَّتِه - فوصفه النبيُّ ﷺ - طويلُ اللِّحيةِ، تَكَادُ لحيَتُه تَمَسُّ سُرَّتَه، فسلَّم عليَّ ورحَّب، ثم مضَينا إلى السَّماءِ السَّادسة، فإذا أنا بموسى بن عِمْرانَ - فوصَفه النبيُّ ﷺ فقال: كثيرُ الشَّعَرِ، لو كان عليه قَمِيصانِ خرَج شَعَرُه منهما. قال موسى: تَزِعُمُ النَّاسُ أَنى أكرمُ الخَلْقِ على الله، فهذا أكرمُ على الله منِّى، ولو كان وحدَه لم أكُنْ أُبَالى، ولكنْ كلُّ نبيٍّ ومن تبعه مِن أُمَّتِه. ثم مضينا إلى السَّماءِ السَّابعة، فإذا أنا بإبراهيم وهو جالسٌ مُسنِدٌ ظهرَه إِلى البيت المعمور، فسلَّم عليَّ وقال: مرحبًا بالنبيِّ الصَّالحِ [والولد الصَّالحِ] (٣). فقيل: هذا مكانُكَ ومكانُ أُمَّتِك، ثُمَّ تَلا: ﴿إنَّ

стр. 9901

أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. ثم دخلتُ البيتَ المعمورَ فصلَّيتُ فيه، وإذا هو يدخلُه كلَّ يومٍ سبْعُونَ أَلفَ ملَكِ، لا يَعودُون إلى يوم القيامةِ، ثم نظَرتُ فإذا أنا بشجرةٍ، إن كانت الورقةُ منها لمُغَطِّيةً هذه الأُمَّةَ، فإذا في أصلها عينٌ تَجرِى فانشعبتْ شُعْبَتين. فقلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: أمَّا هذا فهو نَهرُ الرَّحمةِ، وأمَّا هذا فهو الكَوثَرُ الذي أعطَاكَهُ الله. فاعْتَسَلتُ في نهر الرَّحمةِ فغُفِر لى ما تقدَّم من ذنبي وما تأخَّر، ثم أخَذتُ على الكوثر حتى دخلتُ الجنَّةَ؛ فإذا فيها مَا لا عَينٌ رَأَتْ، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطَر على قلب بشرٍ، وإذا فيها رُمَّانٌ كأنه جلودُ الإبل المُقَتَّبة، وإذا فيها طيرٌ كأنها البُخْتُ". فقال أبو بكرٍ: إن تلك الطير لناعمةٌ. قال: "آكِلُها (١) أَنعَمُ مِنها يا أبا بكر، وإني لأرجو أن تأكل منها، ورأيتُ فيها جاريةً، فسألتُها: لمن أنتِ؟ فقالت: لزيد بن حارثةَ". فبشَّر بها رسولُ الله ﷺ زيدًا. قال: "ثم إن الله أمَرنى بأمرِه، وفرَض عليَّ خمسين صلاةً. فمَررتُ عَلَى موسى، فقال: بمَ أمَرك ربُّك؟ قلتُ: فرض عليَّ خمسين صَلاةً. قال: ارجعْ إلى ربِّك فاسْأَله التخفيفَ؛ فإن أمتك لن يَقُوموا بهذا. فرجعتُ إلى ربى فسأَلْتُه (٢) فوضَع عنى عشرًا، ثم رجعتُ إلى موسى، فلم أزَلْ أرجعُ إلى ربى إذا مررتُ بموسى حتى فرَض عليَّ خمسَ صلواتٍ، فقال موسى: ارْجِعْ إلى ربِّك فاسألْه التخفيف. فقلتُ: قد رجَعتُ إلى ربى حتى استحييْتُ - أو قال: قلتُ: ما أنا براجعٍ - فقيل لى: إن لك بهذه الخمس صلواتٍ خمسين صلاةً، الحسنةُ (٣) بعشر أمثالها، ومَن همَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبت (٤)

стр. 9902

حسنةً، ومَن عملها كُتبت (١) عشرًا، ومَن هَمَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلُها لم تُكْتَبْ شيئًا، فإن عملها كُتبت واحدةً" (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، قال: ثنى رَوْحُ بنُ القاسم، عن أبي هارون عُمارة بن جُوين العبديِّ، عن أبي سعيد الخدريِّ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: وثنى أبو جعفرٍ، عن أبي هارونَ، عن أبي سعيدٍ، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "لما فرَغتُ مما كان في بيت المقدس، أتى بالمعراج، ولم أرَ شيئًا قطُّ أحسنَ منه، وهو الذي يَمُدُّ إليه ميِّتُكم عينيه إذا حضَر، فأصعَدني صاحبي فيه، حتى انتهى إلى بابٍ مِن الأبواب يقالُ له: بابُ الحَفَظةِ، عليه ملَكٌ يقالُ له: إسماعيلُ. تحتَ يديه اثنا عشر ألفَ ملَكٍ، تحتَ يدَى كلِّ ملَكٍ منهم اثنا عشَرَ ألْفَ ملَكٍ". فقال رسولُ الله ﷺ حين حدَّث هذا الحديث: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. ثم ذكر نحوَ حديثِ معمرٍ، عن أبي هارون، إلا أنه قال في حديثه: قال: "ثم دخَل بي الجنةَ فرأيتُ فيها جاريةً لعساء (٣)، فسألتُها لمن أنتِ؟ وقد أعجَبَتنى حين رأيتُها، فقالت: لزيد بن حارثة". فبشَّر بها رسولُ اللهِ ﷺ زيدَ بنَ حارثةَ. ثم انتهى حديثُ ابن حميدٍ، عن سلمة إلى ههنا (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن

стр. 9903

الزهريِّ، عن ابن المسيِّبِ، عن أبي هريرة، أن رسولَ اللهِ ﷺ وصف لأصحابه ليلةَ أُسرى به إبراهيمَ وموسى وعيسى، فقال: "أما إبراهيمُ فلم أرَ رجلًا أشبه بصاحبكم منه، وأما موسى فرجلٌ آدمُ طُوَالٌ جعدٌ أَقْنى (١)؛ كأنه من رجالٍ شَنُوءَةَ، وأما عيسى فرجلٌ أحمرُ بين القصير والطويل، سَبْطُ الشَّعَرِ، كثيرُ خيلان (٢) الوجه، كأنه خرج من ديماسٍ، كأن رأسَه يَقْطرُ ماءً، وما به ماءٌ، أشبَهُ مَن رأيتُ به عروةُ بنُ مسعودٍ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن رسول الله ﷺ بنحوه، ولم يقل: عن أبي هريرة (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ أُتى بالبُراقِ ليلةَ أُسرِى به مُسرَجًا ملجمًا ليركبَه، فاستصعَب عليه، فقال له جبريلُ: ما يَحمِلُك على هذا، فوالله ما ركبك أحدٌ قطُّ أكرمُ على اللهِ مِنه. فقال: فارفَضَّ عرقًا (٥).

стр. 9904

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾: أُسْرِى بنبيِّ اللهِ عشاءً مِن مكة إلى بيت المقدس، فصلَّى نبيُّ اللهِ فيه، وأَرَاه اللهُ مِن آياته وأمَره ما شاء ليلةَ أُسرِى به، ثم أصبح بمكة. ذكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "حُملتُ على دابَّةٍ يُقال لها: البُراقُ. فوقَ الحمار ودون البغل، [يَقَعُ خَطوُه عندَ أَقصَى طَرْفِه] (١) ". فحدَّث نبيُّ اللهِ بذلك أهل مكة، فكذَّب به المشركونَ وأنكَروه، وقالوا: يا محمدُ تُخبِرُنا أنك أتَيتَ بيتَ المقدس، وأقبَلتَ من ليلتك، ثم أصبَحتَ عندنا بمكة، فما كنتَ تجيئُنا [وتأتى به قبل] (٢) اليوم مع هذا! فصدَّقه أبو بكرٍ، فسُمِّى أبو بكر الصديق من أجل ذلك. حدَّثنا ابن أبي الشَّوارب، قال: ثنا عبدُ الواحد بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ، قال: لما كان ليلةُ أُسرِى برسول الله ﷺ أتى بدابَّةٍ يُقالُ لها: البُراقُ. دونَ البغل وفوق الحمار، تَضَعُ حافرها عند منتهى طرفها (٣)، فلما أتَى بيت المقدس أتى بإناءين؛ إناءٍ من لبنٍ، وإناءٍ مِن خمرٍ. قال (٤): فشَرِب اللبن، قال: فقال له جبريلُ: هُدِيتَ وهُدِيتْ أَمَّتُك (٥). وقال آخرون ممن قال: أسرى بالنبيِّ ﷺ إلى المسجد الأقصى بنفسه وجسمه:

стр. 9905

أُسرِى به ﵇، غير أنه لم يدخُلْ بيت المقدس، ولم يُصَلِّ فيه، ولم يَنزِلْ عن البُراقِ حتى رجع إلى مكةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى عاصمُ بنُ بَهْدَلةَ، عن زِرَّ بن حُبيشٍ، عن حذيفة بن اليمان، أنه قال في هذه الآية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. قال: لم يُصَلِّ فيه رسولُ الله ﷺ ، ولو صلَّى فيه لكُتِب عليكم الصلاةُ فيه كما كُتب عليكم الصلاةُ عند الكعبة (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: سمعتُ أبا بكر بنَ عَيَّاشٍ، ورجلٌ يُحدِّثُ عندَه بحديث حينَ أُسرى بالنبيِّ ﷺ ، فقال له: لا تَجيءُ بمثل عاصمٍ ولا زِرٍّ. قال: قال حذيفةُ لزرِّ بن حُبيشٍ - قال: وكان زِرٌّ رجلًا شريفًا مِن أشرافِ العرب - قال: قرأ حذيفةُ: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [مِنَ اللَّيْلِ] (٢) مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بارَكنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) - وكذا قرأ عبدُ اللهِ - قال: وهذا كما يقولون: إنه دخل المسجد فصلَّى فيه، ثم دخل فربَط دابتَه. قال: قلتُ: والله قد دخَله. قال: من أنت؟ فإنى أعرِفُ وجهَك ولا أدرى ما اسمُك. قال: قلتُ: زِرُ بنُ حُبيشٍ. قال: ما [علمُك بهذا] (٣)؟ قال: قلتُ: مِن قِبَلِ القرآن. قال: من أخذ بالقرآن أفلَح. قال: فقلتُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ

стр. 9906

الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. قال: فنظر إلى، فقال: يا أصلعُ (١)، هل تُرى دَخَلَه؟ قال: قلتُ: لا والله. قال حذيفةُ: أجَلْ، والله الذي لا إله إلا هو ما دخله، ولو دخَله لوجَبتْ عليكم صلاةٌ فيه، لا والله ما نزل عن البُراق حتى رأى الجنة والنار، وما أعدَّ الله في الآخرةِ أجمع. وقال: تدرى ما البُراق؟ قال: دابةٌ دونَ البغل وفوقَ الحمار، خطوُه مدُّ البصر (٢). وقال آخرون: بل أُسرِى برُوحِه ولم يُسْرَ بجسدِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يعقوبُ بن عُتبةَ بن المغيرة بن الأخنسِ، أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سُئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رُؤيا مِن اللهِ صادقةً (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، قال: ثنى بعضُ آل أبي بكرٍ، أن عائشةَ كانت تقولُ: ما فُقد جسدُ رسول الله ﷺ ، ولكنَّ الله أسرى برُوحه (٤).

стр. 9907

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال ابن إسحاق: فلم يُنكرْ ذلك [من قولهما؛ لقول] (١) الحسن: إن هذه الآية نزلت [في ذلك] (٢): ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. ولقولِ اللهِ في الخبر عن إبراهيم إذ قال لابنِه: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]. ثم مضَى على ذلك، فعرَفتُ أن الوحى يأتى الأنبياء مِن اللهِ أيقاظًا ونيامًا. وكان (٣) رسولُ الله ﷺ يقولُ: "تنامُ عَيني وقلبى يقظانُ". فاللَّهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان قد جاءه، وعايَن فيه مِن أمرِ اللهِ ما عايَن، على أيِّ حالاتِه كان، نائمًا أو يقظانَ، كلُّ ذلك حقٌّ وصدقٌ (٤). والصوابُ مِن القول في ذلك عندنا أن يُقالَ: إن الله أسرَى بعبده محمدٍ ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرتْ به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ ، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلَّى هنالك بمَن صلَّى من الأنبياء والرُّسل، فأراه ما أراه من الآيات، ولا معنى لقولِ مَن قال: أُسرِى برُوحه دون جسده؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن في ذلك ما يُوجِبُ أن يكونَ ذلك كان (٥) دليلًا على نُبُوَّتِه، ولا حُجَّةً له على رسالته، ولا كان الذين أنكَروا حقيقةً ذلك من أهل الشرك، كانوا يَدْفَعون به عن صدقِه فيه، إذ لم يكن مُنكَرًا عندهم، ولا عند أحدٍ من ذوى الفطرة الصحيحة من بني آدم،

стр. 9908

أن يرى الرائِي منهم في المنام ما على مسيرة سنةٍ، فكيف ما هو على مسيرة شهرٍ أو أقلَّ؟ وبعدُ، فإن الله إنما أخبرَ في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبِرْنا أنه أسرى برُوحِ عبدِه، وليس جائزًا لأحدٍ أن يتعدَّى ما قال الله إلى غيره. فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك جائزٌ، إذ كانت العربُ تَفْعَلُ ذلك في كلامها، كما قال قائِلُهم (١): حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتي عَناقًا … وما هي وَيْبَ غيرك بالعَناقِ يعني: حسبتَ بُغَامَ راحلَتى صوتَ عَنَاقٍ. فحذَف "الصوت" واكتفى منه بـ "العَناقِ"، فإن العرب تَفْعَلُ ذلك فيما كان مفهومًا مرادُ المتكلِّم منهم به من الكلام، فأما فيما لا دلالة عليه إلا بظهوره، ولا يُوصَلُ إلى معرفة مرادِ المتكلِّم إلا ببيانِه، فإنها لا تَحذِفُ ذلك، ولا دَلالَةَ تَدلُّ على أن مراد الله من قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، أسرَى برُوح عبده. بل الأدلةُ الواضحةُ والأخبارُ المتتابعةُ عن نبيِّ الله ﷺ أن الله أسرَى به على دابَّةٍ يُقالُ لها: البراقُ. ولو كان الإسراءُ برُوحِه لم تكن الرُّوحُ محمولةً على البراقِ، إذ كانت الدوابُّ لا تحملُ إلا الأجسام، إلا أن يقول قائل: إنَّما معنى قولنا: أُسرِى برُوحه: رأى في المنام أنه أُسرى بجسده على البراق، فيُكذِّبَ حينئذٍ بمعنى الأخبار التي رُويتْ عن رسول الله ﷺ أن جبريل حمله على البراق؛ لأن ذلك إذا كان منامًا على قولِ قائلِ هذا القولِ، ولم تكنِ الروحُ عندَه مما تَركَبُ الدَّوابَّ، ولم يُحمل على البراق جسمُ النبيِّ ﷺ ، لم يَكُن النبيُّ ﷺ ، على قوله، حُمل على البراق؛ لا جسمُه ولا شيءٌ منه، وصار الأمرُ عندَه كبعض أحلام

стр. 9909

النائمين، وذلك دفعٌ لظاهرِ التنزيل، وما تتابَعت به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ ، وجاءت به الآثارُ (١) عن الأئمةِ من الصحابةِ والتابعين. وقولُه: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذي جعَلنا حولَه البركةَ لسكانِه في معايشِهم وأقواتِهم وحروثِهم وغروسِهم. وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كي نُرِيَ عبدنا محمدًا ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ: مِن عِبَرنا وأدِلَّتِنا وحُجَجنا. وذلك هو ما قد ذكرتُ في الأخبار التي رؤيتُها أنفًا، أن رسول الله ﷺ أُريَه في طريقه إلى بيت المقدس، وبعد مصيره إليه من عجائب العبر والمواعظ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾: ما أَراه الله من الآيات والعبر في طريق بيت المقدس. وقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذي أسرى بعبدِه هو السميعُ لما يقولُ هؤلاء المشركون من أهل مكةَ في مسرى محمدٍ ﷺ من مكةَ إلى بيت المقدسِ، ولغير ذلك من قولِهم وقولِ غيرِهم، البصيرُ بما يَعْمَلون من الأعمالِ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك، ولا يَعزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، بل هو محيطٌ بجميعه علمًا، ومُحصِيه عددًا، وهو لهم بالمرصاد، ليَجزِى جميعهم بما هم أهلُه. وكان بعضُ البَصريين يقولُ: كُسِرت ﴿إنَّهُ﴾ من قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ لأن معنى الكلام: قلْ يا محمدُ: سُبْحانَ الذي أسرَى بعبدِه، وقل: إنه هو السَّميعُ البصيرُ.

стр. 9910

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا (١) مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سبحانَ الذي أسرَى بعبده ليلًا وآتى موسى الكتابَ. ورَدَّ الكلام إلى: ﴿وَآتَيْنَا﴾. وقد ابتدَأه بقوله: ﴿أَسْرَى﴾. لما قد ذكرنا قبلُ فيما مضَى مِن فعل العرب في نظائر ذلك من ابتداء الخبر بالخبر عن الغائب، ثم الرجوع إلى الخطاب وأشباهه (٢). وعنَى بالكتاب الذي أُوتى موسى، التوراة. ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: وجعلنا الكتاب - الذي هو التوراةُ - بيانًا للحقِّ، ودليلًا لهم على محجَّةِ الصواب فيما افترَض الله عليهم، وأمرَهم به، ونهاهم عنه. وقولُه: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾. اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والكوفة: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ بالتاء (٣) بمعنى: وآتينا موسى الكتاب بألا [تَتَّخِذوا يابني] (٤) إسرائيل. من دوني وكيلًا. وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرة: (أَلَّا يَتَّخِذُوا) بالياء (٥)، على الخبر عن بني إسرائيل، بمعنى: وجعَلْناه هدًى لبنى إسرائيل، ألا يتخذ بنو إسرائيل من دوني وكيلًا. وهما قراءتان صحيحَتا المعنى، متَّفقَتانِ غيرُ مختلفتين، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ
следующие страницы →