← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9906–9945 · переход к 9911.

стр. 9906

الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. قال: فنظر إلى، فقال: يا أصلعُ (١)، هل تُرى دَخَلَه؟ قال: قلتُ: لا والله. قال حذيفةُ: أجَلْ، والله الذي لا إله إلا هو ما دخله، ولو دخَله لوجَبتْ عليكم صلاةٌ فيه، لا والله ما نزل عن البُراق حتى رأى الجنة والنار، وما أعدَّ الله في الآخرةِ أجمع. وقال: تدرى ما البُراق؟ قال: دابةٌ دونَ البغل وفوقَ الحمار، خطوُه مدُّ البصر (٢). وقال آخرون: بل أُسرِى برُوحِه ولم يُسْرَ بجسدِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يعقوبُ بن عُتبةَ بن المغيرة بن الأخنسِ، أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سُئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رُؤيا مِن اللهِ صادقةً (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، قال: ثنى بعضُ آل أبي بكرٍ، أن عائشةَ كانت تقولُ: ما فُقد جسدُ رسول الله ﷺ ، ولكنَّ الله أسرى برُوحه (٤).

стр. 9907

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال ابن إسحاق: فلم يُنكرْ ذلك [من قولهما؛ لقول] (١) الحسن: إن هذه الآية نزلت [في ذلك] (٢): ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. ولقولِ اللهِ في الخبر عن إبراهيم إذ قال لابنِه: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]. ثم مضَى على ذلك، فعرَفتُ أن الوحى يأتى الأنبياء مِن اللهِ أيقاظًا ونيامًا. وكان (٣) رسولُ الله ﷺ يقولُ: "تنامُ عَيني وقلبى يقظانُ". فاللَّهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان قد جاءه، وعايَن فيه مِن أمرِ اللهِ ما عايَن، على أيِّ حالاتِه كان، نائمًا أو يقظانَ، كلُّ ذلك حقٌّ وصدقٌ (٤). والصوابُ مِن القول في ذلك عندنا أن يُقالَ: إن الله أسرَى بعبده محمدٍ ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرتْ به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ ، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلَّى هنالك بمَن صلَّى من الأنبياء والرُّسل، فأراه ما أراه من الآيات، ولا معنى لقولِ مَن قال: أُسرِى برُوحه دون جسده؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن في ذلك ما يُوجِبُ أن يكونَ ذلك كان (٥) دليلًا على نُبُوَّتِه، ولا حُجَّةً له على رسالته، ولا كان الذين أنكَروا حقيقةً ذلك من أهل الشرك، كانوا يَدْفَعون به عن صدقِه فيه، إذ لم يكن مُنكَرًا عندهم، ولا عند أحدٍ من ذوى الفطرة الصحيحة من بني آدم،

стр. 9908

أن يرى الرائِي منهم في المنام ما على مسيرة سنةٍ، فكيف ما هو على مسيرة شهرٍ أو أقلَّ؟ وبعدُ، فإن الله إنما أخبرَ في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبِرْنا أنه أسرى برُوحِ عبدِه، وليس جائزًا لأحدٍ أن يتعدَّى ما قال الله إلى غيره. فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك جائزٌ، إذ كانت العربُ تَفْعَلُ ذلك في كلامها، كما قال قائِلُهم (١): حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتي عَناقًا … وما هي وَيْبَ غيرك بالعَناقِ يعني: حسبتَ بُغَامَ راحلَتى صوتَ عَنَاقٍ. فحذَف "الصوت" واكتفى منه بـ "العَناقِ"، فإن العرب تَفْعَلُ ذلك فيما كان مفهومًا مرادُ المتكلِّم منهم به من الكلام، فأما فيما لا دلالة عليه إلا بظهوره، ولا يُوصَلُ إلى معرفة مرادِ المتكلِّم إلا ببيانِه، فإنها لا تَحذِفُ ذلك، ولا دَلالَةَ تَدلُّ على أن مراد الله من قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، أسرَى برُوح عبده. بل الأدلةُ الواضحةُ والأخبارُ المتتابعةُ عن نبيِّ الله ﷺ أن الله أسرَى به على دابَّةٍ يُقالُ لها: البراقُ. ولو كان الإسراءُ برُوحِه لم تكن الرُّوحُ محمولةً على البراقِ، إذ كانت الدوابُّ لا تحملُ إلا الأجسام، إلا أن يقول قائل: إنَّما معنى قولنا: أُسرِى برُوحه: رأى في المنام أنه أُسرى بجسده على البراق، فيُكذِّبَ حينئذٍ بمعنى الأخبار التي رُويتْ عن رسول الله ﷺ أن جبريل حمله على البراق؛ لأن ذلك إذا كان منامًا على قولِ قائلِ هذا القولِ، ولم تكنِ الروحُ عندَه مما تَركَبُ الدَّوابَّ، ولم يُحمل على البراق جسمُ النبيِّ ﷺ ، لم يَكُن النبيُّ ﷺ ، على قوله، حُمل على البراق؛ لا جسمُه ولا شيءٌ منه، وصار الأمرُ عندَه كبعض أحلام

стр. 9909

النائمين، وذلك دفعٌ لظاهرِ التنزيل، وما تتابَعت به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ ، وجاءت به الآثارُ (١) عن الأئمةِ من الصحابةِ والتابعين. وقولُه: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذي جعَلنا حولَه البركةَ لسكانِه في معايشِهم وأقواتِهم وحروثِهم وغروسِهم. وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كي نُرِيَ عبدنا محمدًا ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ: مِن عِبَرنا وأدِلَّتِنا وحُجَجنا. وذلك هو ما قد ذكرتُ في الأخبار التي رؤيتُها أنفًا، أن رسول الله ﷺ أُريَه في طريقه إلى بيت المقدس، وبعد مصيره إليه من عجائب العبر والمواعظ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾: ما أَراه الله من الآيات والعبر في طريق بيت المقدس. وقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذي أسرى بعبدِه هو السميعُ لما يقولُ هؤلاء المشركون من أهل مكةَ في مسرى محمدٍ ﷺ من مكةَ إلى بيت المقدسِ، ولغير ذلك من قولِهم وقولِ غيرِهم، البصيرُ بما يَعْمَلون من الأعمالِ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك، ولا يَعزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، بل هو محيطٌ بجميعه علمًا، ومُحصِيه عددًا، وهو لهم بالمرصاد، ليَجزِى جميعهم بما هم أهلُه. وكان بعضُ البَصريين يقولُ: كُسِرت ﴿إنَّهُ﴾ من قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ لأن معنى الكلام: قلْ يا محمدُ: سُبْحانَ الذي أسرَى بعبدِه، وقل: إنه هو السَّميعُ البصيرُ.

стр. 9910

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا (١) مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سبحانَ الذي أسرَى بعبده ليلًا وآتى موسى الكتابَ. ورَدَّ الكلام إلى: ﴿وَآتَيْنَا﴾. وقد ابتدَأه بقوله: ﴿أَسْرَى﴾. لما قد ذكرنا قبلُ فيما مضَى مِن فعل العرب في نظائر ذلك من ابتداء الخبر بالخبر عن الغائب، ثم الرجوع إلى الخطاب وأشباهه (٢). وعنَى بالكتاب الذي أُوتى موسى، التوراة. ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: وجعلنا الكتاب - الذي هو التوراةُ - بيانًا للحقِّ، ودليلًا لهم على محجَّةِ الصواب فيما افترَض الله عليهم، وأمرَهم به، ونهاهم عنه. وقولُه: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾. اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والكوفة: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ بالتاء (٣) بمعنى: وآتينا موسى الكتاب بألا [تَتَّخِذوا يابني] (٤) إسرائيل. من دوني وكيلًا. وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرة: (أَلَّا يَتَّخِذُوا) بالياء (٥)، على الخبر عن بني إسرائيل، بمعنى: وجعَلْناه هدًى لبنى إسرائيل، ألا يتخذ بنو إسرائيل من دوني وكيلًا. وهما قراءتان صحيحَتا المعنى، متَّفقَتانِ غيرُ مختلفتين، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ

стр. 9911

فمصيبٌ (١)، غير أنِّى أُوثِرُ القراءة بالتاء (٢)؛ لأنَّها أشهرُ في القراءة وأشدُّ استفاضةً فيهم من القراءة بالياء. ومعنى الكلام: وآتيْنا موسى الكتاب (٣) هدى لبنى إسرائيل ألَّا تَتَّخذوا حفيظًا لكم سواى. وقد بيَّنا معنى "الوكيل" فيما مضَى (٤). وكان مجاهدٌ يقولُ: معناه في هذا الموضع: الشريكُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾. قال: شريكًا (٥). وكأنَّ مجاهدًا جعَل إقامة من أقامَ شيئًا سوى الله مقامَه شريكًا منه له، ووكيلًا للذي أقامَه مُقامَ اللهِ. وبنحو الذي قلنا في تأويل هذه الآية قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: جعَله الله لهم هدًى، يُخرجُهم من الظلمات إلى النور، وجعَله رحمةً لهم (٦).

стр. 9912

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سبحانَ الذي أسرَى بعبدِه ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وآتى (١) موسى الكتاب (٢) هدًى لبنى إسرائيل، يا (٣) ذرية من حمَلنا مع نوحٍ. وعنَى بالذريةِ جميعَ مَن احتَجَّ عليه جلَّ ثناؤُه بهذا القرآنِ مِن أجناسِ الأممِ، عربِهم وعجمِهم، من بنى إسرائيلَ وغيرهم، وذلك أَنَّ كلَّ مَن على الأَرضِ مِن بنى آدمَ، فهم من ذرية من حمَله الله مع نوحٍ في السفينة. وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: والناسُ كلُّهم ذريةُ من أنجى الله في تلك السفينة. ذُكر لنا أنَّه ما نَجا فيها يومئذٍ غيرُ نوحٍ وثلاثةِ بنينَ له، وامرأته وثلاثِ نسوةٍ؛ وبنوه (٤) سامٌ، وحامٌ، ويافثُ؛ فأما سامٌ فأبو العرب، وأما حامٌ فأبو الحبَش، وأما يافثُ فأبو الروم. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾. قال: بنوه ثلاثةٌ ونساؤُهم، ونوحٌ وامرأتُه (٥).

стр. 9913

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال مجاهدٌ: بنوه ونساؤُهم ونوحٌ، ولم تكنْ معهم (١) امرأتُه (٢). وقد بيَّنا هذا (٣) في غير هذا الموضع فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (٤). وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ نوحًا - والهاءُ من ذكر نوحٍ - كان عبدًا شكورًا لله على نعمه. وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي سمَّاه اللهُ مِن أجله شكورًا؛ فقال بعضُهم: سمَّاه الله بذلك لأنَّه كان يَحمَدُ الله على طعامِه إِذا طَعِمَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن التيميِّ، عن أبي عثمان، عن سلمانَ، قال: كان نوحٌ إذا لبس ثوبًا أو أكل طعامًا حمد الله، فسُمِّى عبدًا شكورًا (٥) حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، عن سعدِ (٦) بن مسعودٍ بمثله (٧).

стр. 9914

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، عن سعد بن مسعودٍ، قال: ما ليس نوحٌ جديدًا قطُّ، ولا أكَل طعامًا قطُّ، إلا حمد الله، فلذلك قال الله: ﴿عَبْدًا شَكُورًا﴾ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعتمرُ بنُ سليمان، قال: ثني سفيانُ الثوريُّ، قال: ثنى أبوك (٢)، عن أبي عثمانَ النهديِّ، عن سلمانَ، قال: إنما سُمِّى نوحٌ عبدًا شكورًا، أنَّه كان إذا لبس ثوبًا حمد الله، وإذا أكل طعامًا حمد الله (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: من بني إسرائيلَ وغيرهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. قال: إنَّه لم يُجَدِّدُ ثوبًا قطُّ إِلَّا حمد الله، ولم يُبْلِ ثوبًا قطُّ إلَّا حمد الله، وإذا شرِب شَرْبةً حمد الله، قال: الحمدُ لله الذي سقانيها على شهوةٍ ولذةٍ وصحةٍ. وليس في تفسيرها، وإذا شرب شَرْبةً قال هذا، ولكنْ بلغني ذا. حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو فَضَالةَ، عن النضر بن شُفَيٍّ، عن عِمْرانَ بن سُلَيمٍ، قال: إِنَّما سُمِّى نوحٌ عبدًا شكورًا؛ أنَّه كان إذا أكل الطعام قال: الحمد لله الذي أطعَمنى، ولو شاءَ أجاعنى. وإذا شرب قال: الحمدُ لله الذي سقاني، ولو شاء أَظمَأَنى. وإذا لبس ثوبًا قال: الحمدُ لله الذي كساني، ولو شاء أَعْرَاني. وإذا لبس نعلًا قال: الحمدُ لله الذي حذَاني، ولو شاءَ أَحْفَاني. وإذا قضَى

стр. 9915

حاجةً قال: الحمدُ لله الذي أخرَج عنى أَذَاه، ولو شاءَ حبَسه (١). وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى عبدُ الجبار بنُ عمرَ، أَنَّ ابن أبي مريم حدثه، قال: إِنَّما سَمَّى اللهُ نوحًا عبدًا شكورًا؛ أنه كان إذا خرَج البَرازُ منه قال: الحمدُ للهِ الذي سوَّغَنيك طيِّبًا، وأخرَج عنى أذاك، وأبْقَى منفعَتَكَ. وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: قال الله لنوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: ذُكِرَ لنا أنَّه لم يَسْتَجِدَّ ثوبًا قطُّ إلا حمد الله، وكان يَأْمرُ (٢) إذا استجَدَّ الرجلُ ثوبًا أن يقولَ: الحمدُ لله الذي كسانى ما أتجمَّلُ به، وأوارى به عورتي. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. قال: كان إذا لبس ثوبًا قال: الحمدُ للهِ. وإذا أخلقه قال: الحمدُ للهِ (٣). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾. وقد بيَّنا فيما مضَى قبلُ أنَّ معنى القضاء الفراغُ مِن الشيء، ثم يُستعمَلُ في كلِّ

стр. 9916

مفروغٍ منه (١). فتأويلُ الكلام في هذا الموضع: وفرَغ ربُّك إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه على موسى صلواتُ الله عليه، بإعلامه إياهم وإخباره لهم، ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾. يقولُ: لَتَعْصُنَّ الله يا معشر بنى إسرائيل، ولتخالفُنَّ أمره في بلاده مرتين، ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. يقولُ: ولَتستَكبِرُنَّ على الله باجترائكم عليه استكبارًا شديدًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: أعلَمناهم. حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، في قوله ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يَقُولُ: أعلَمناهم (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: وقضَينا على بني إسرائيل في أمِّ الكتاب، وسابقِ علمِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: هو قضاءٌ قضى

стр. 9917

عليهم (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: قضاءٌ قضَاه على القوم كما تسمَعون. وقال آخرون: معنى ذلك: أخبَرْنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾. قال: أخبَرْنا بني إسرائيل. وكلُّ هذه الأقوالِ (٢) تعُودُ معانيها إلى ما قلتُ في معنى قوله: ﴿وَقَضَيْنَا﴾. وإن كان الذي اختَرنا من التأويل فيه أشبهَ بالصواب؛ لإجماع القرأة على قراءة قوله: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾. بالتاء دون الياء، ولو كان معنى الكلام: وقضَينا عليهم في الكتاب. لكانت القراءةُ بالياء أولى منها بالتاء، ولكن معناه لما كان: أعلمناهم وأخبَرْناهم، وقلنا لهم، كانت التاءُ أشبهَ وأولى للمخاطبة. وكان إفسادُ بني إسرائيلَ في الأرضِ المرَّةَ الأولى ما حدَّثني به [موسى بنُ] (٣) هارون، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي صالحٍ، وعن أبي مالكٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرّةَ، عن عبدِ اللهِ، أن الله عهد إلى بني إسرائيل في التوراة لتُفْسِدُنَّ في الأرض مرتين؛ فكان أول الفسادين قتلُ

стр. 9918

زكريا، فبعث الله عليهم ملِكَ النَّبطِ (١) يُدعى صنحابين (٢)، فبعَث الجنودَ، وكانت أساورتُه (٣) من أهل فارسَ، فهم أولو بأسٍ شديدٍ، فتحصَّنت بنو إسرائيل، وخرَج فيهم بختُنَصَّرَ يتيمًا مِسكينًا، إنما خرج يستَطْعِمُ، وتَلَطَّف حتى دخل المدينة فأتى مجالسَهم، فسمِعهم يقولون: لو يَعلمُ عدوُّنا ما قُذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا. فخرَج بختُنَصَّرَ حين سمع ذلك منهم، واشتد القيامُ على الجيش، فرجَعوا، وذلك قولُ اللهِ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾. ثم إن بني إسرائيلَ تَجَهَّزُوا، فغزَوُا النبطَ، فأصابوا منهم واستنقَذوا ما في أيديهم، فذلك قولُ اللهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]. يقولُ: عددًا (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان إفسادُهم الذي يُفْسِدُون في الأرض مرتين - قتل زكريا ويحيى بن زكريا، سلَّط الله عليهم سابور ذا الأكتافِ ملكًا مِن ملوك فارس؛ من قِبَلِ (٥) زكريا، وسلط عليهم بُخْتَنَصَّرَ؛ من قِبَلِ يحيى (٦). حدَّثني عصامُ بن روَّادِ بن الجراحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ

стр. 9919

الثوريُّ، قال: ثنا منصورُ بنُ المعتمر، عن ربعيِّ بن حراشٍ، قال: سمعتُ حذيفة بنَ اليمان يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "إن بني إسرائيل لما اعتدوا [في السبتِ] (١) وعلوا، وقتلوا الأنبياء، بعث الله عليهم ملِك فارسَ بختَنَصَّرَ، وكان الله ملَّكه سبعَمائة سنةٍ، فسار إليهم حتى [دخل بيت] (٢) المقدس فحاصَرها وفتحها، وقتل على دم زكريا سبعينَ ألفًا، ثم سبَى أهلَها [وبني الأنبياء] (٣)، وسلب حُليَّ بيتِ المقدس، واستخرَج منها سبعينَ ألفًا ومِائة ألفِ عجَلةٍ مِن حُليٍّ حتى أورده بابل". قال حذيفةُ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، لقد كان بيتُ المقدس عظيمًا عند اللهِ؟ قال: "أجل، بناه سليمانُ بنُ داودَ من ذهبٍ ودرٍّ وياقوتٍ وزبرجدٍ، وكان بَلاطَةً ذهبًا وبَلاطةً فضةً، وعُمُدُه ذهبًا، أعطاه الله ذلك، وسخَّر له الشَّياطين يأتُونه بهذه الأشياء في طرفة عينٍ، فسار بختُنَصَّرَ بهذه الأشياء حتى نزل بها بابلَ، فأقام بنو إسرائيل في يديه مائة سنةٍ تُعذِّبُهم المجوسُ وأبناءُ المجوس، فيهم الأنبياءُ وأبناءُ الأنبياء، ثم إن الله رحمهم، فأوحى إلى ملِكِ مِن ملوكِ فارس، يُقالُ له: كورس. وكان مؤمنًا، أن سر إلى بقايا بني إسرائيلَ حتى تستَنقِذَهم. فسار كورس ببني إسرائيل وحُلِيِّ بيت المقدس حتى ردَّه إليه، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله مائة سنةٍ، ثم إنهم عادوا في المعاصى، فسلَّط الله عليهم إبطنانحوسَ (٤)، فغزَا بأبناءِ مَن غزا مع بختِنصَّرَ، فغزَا بنى إسرائيلَ، حتى أتاهم بيت المقدس، فسبَى أهلها، وأحرَق بيتَ المقدسِ، وقال لهم: يابني إسرائيل إن عدتُم في المعاصى عُدْنا عليكم بالسِّباءِ. فعادُوا في المعاصى، فسيَّر الله عليهم السِّباءَ الثالث ملِك روميَّةً، يُقال له: قاقسُ بنُ

стр. 9920

إسبايوس (١). فغزاهم في البرِّ والبحر، فسباهم، وسيَّر (٢) حُلِيَّ بيت المقدس، وأحرق بيتَ المقدس بالنيران، فقال رسولُ الله ﷺ : "هذا من صفة حُلِيِّ بيت المقدس، ويَردُّه المهديُّ إلى بيت المقدس، وهو ألفُ سفينةٍ وسبعُمائة سفينةٍ، يُرسَى بها على يافا حتى تُنقَلَ إلى بيت المقدس، وبها يَجْمَعُ الله (٣) الأولين والآخرين" (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، قال: كان مما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل وفي إحداثهم ما هم فاعلون (٥) بعده، فقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداثُ والذنوبُ، وكان الله في ذلك مُتجاوزًا عنهم، مُتعطِّفًا عليهم، محسنًا إليهم، فكان مما أَنزَل بهم في ذنوبهم ما كان قدَّم إليهم في الخبر على لسانِ، موسى، مما أنزَل بهم في ذُنوبهم فكان أول ما أَنزَل بهم من تلك الوقائع، أن ملكًا منهم كان يُدعى صديقة، وكان الله إذا ملَّك الملك عليهم، بعث (٦) نبيًّا يُسدَّدُه ويُرشدُه، ويكونُ فيما بينه وبين الله، ويُحدِثُ إليه في أمرِهم، لا يُنزِلُ عليهم الكتب، إنما يُؤمرون باتِّباع التوراة والأحكام التي فيها، ويَنهونَهم عن المعصية،

стр. 9921

ويدعُونَهم إلى ما تركوا من الطاعة. فلما ملَك ذلك الملكُ، بعث الله معه شعيا بنَ أمصيا، وذلك قبلَ مبعثِ زكريا ويحيى وعيسى، وشعيا الذي بشَّر بعيسى ومحمدٍ، فملَك ذلك الملكُ بنى إسرائيلَ وبيتَ المقدسِ زمانًا، فلما انقضَى ملكُه عظُمت فيهم الأحداثُ وشعيا معه، بعث الله عليهم سنحاريبَ ملك بابلَ، ومعه ستُّمائةِ ألفِ رايةٍ، فأقبلَ سائرًا حتى نزل نحو بيت المقدس - والملكُ مريضٌ؛ في ساقه قُرْحةٌ - فجاء النبيُّ شعيا، فقال له: يا ملك بني إسرائيل، إن سنحاريب ملِكَ بابل، قد نزَل بك هو وجنودُه (١) ستُّمائةِ ألفِ رايةٍ، وقد هابَهم الناسُ وفرقوا منهم. فكبُر ذلك على الملِكِ، فقال: يا نبيَّ الله، هل أتاك وحىٌ مِن الله فيما حدَث فتُخبِرَنا به كيف يَفعَلُ اللهُ بنا وبسنحاريبَ وجنودِه؟ فقال له النبيُّ ﵇: لم يَأتِنى وحىٌ أحدث (٢) إلى في شأنك. فبينا هم على ذلك، أوحى الله إلى شعيا النبيِّ، أن ائتِ ملك بني إسرائيل، فمرْه أن يُوصى وصيَّتَه، ويَستَخلِفَ على مُلكِه مَن شَاء مِن أهل بيته. فأتى النبيُّ شعيا ملك بني إسرائيلَ صديقة، فقال له: إن ربَّك قد أوحَى إلى أن أمرَك أن تُوصِيَ وصيتَك، وتَستَخلِفَ مَن شئتَ على مُلكك من أهل بيتِك، فإنك ميِّتٌ. فلما قال ذلك شعيا لصديقة، أقبل على القبلة، فصلَّى وسبَّح ودعَا وبكَى، فقال وهو يَبْكى ويتضرَّعُ إلى الله بقلبٍ مخلصٍ، وتوكلٍ وصبرٍ (٣)، وظنٍّ صادقٍ: اللهمَّ ربَّ الأرباب، وإله الآلهة، قدُّوسَ المتقدِّسين، يا رحمنُ يا رحيمُ، المترحمُ الرَّءوفُ، الذي لا تأخذُه سنةٌ ولا نومٌ، اذكُرْنى بعملى وفعلى وحُسنِ قضائي على بنى إسرائيل، وذلك كلُّه كان منك، فأنت أعلمُ به من نفسي، سرِّى وعلانيتي لك. وإن الرحمن استَجَاب له، وكان عبدًا صالحًا، فأوحَى الله إلى شعيا أن يُخبِرَ

стр. 9922

صديقة الملك أن ربَّه قد استجاب له وقبل منه ورحمه، وقد رأى بكاءَه، وقد أخَّر أجلَه خمسَ عشرة سنة، وأنجاه من عدوِّه سنحاريبَ ملك بابلَ وجنوده، فأتى شعيا النبيُّ [إلى ذلك الملك] (١) فأخبره بذلك، فلما قال له ذلك ذهَب عنه الوجعُ، وانقطع عنه الشرُّ والحُزنُ، وخرَّ ساجدًا وقال: يا إلهي وإله آبائي، لك سجَدتُ وسبَّحتُ، وكرَّمتُ وعظَّمتُ، أنت الذي تُعْطى المُلْكَ مَن تَشَاءُ، وتَنزِعُه من تَشاءُ، [وتُعِزُّ مَن تشاءُ] (٢)، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ، عالمُ الغيب والشَّهادة، أنت الأولُ والآخرُ، والظاهرُ والباطنُ، وأنت تَرْحَمُ وتستَجِيبُ دعوة المضْطَرين، أنت الذي أجبْتَ دَعوَتى ورحِمتَ تضرُّعى. فلما رفَع رأسَه، أوحى الله إلى شعيا أن قُلْ للمَلِكِ صديقة فيأمرَ عبدًا من عبيده بالتينة، فيأتيَه بماء التين فيَجْعَلَه على قُرحَتِه فيُشْفَى، ويُصبح وقد بَرِئَ. ففعل ذلك فشُفى. وقال الملكُ لشعيا النبيِّ: سلْ ربَّك أن يجعَلَ لنا علمًا بما هو صانعٌ بعدوِّنا هذا. قال: فقال الله لشعيا النبيِّ: قلْ له: إني قد كفَيتُك عدوَّك، وأنجيتُك منه، وإنهم سيُصبحون موتى كلُّهم إلا سنحاريب وخمسةً من كُتَّابه. فلما أصبَحوا جاءهم صارخُ يُنَبِّئُهم، فصرَخ على باب المدينة: يا ملك بنى إسرائيل، إن الله قد كفاك عدوَّك فاخرُج، فإن سنحاريب ومن معه قد هلَكوا. فلما خرَج الملكُ التمَس سنحاريبَ فلم يُوجَدْ في الموتى، فبعث الملِكُ في طلبه، فأدركه الطَّلبُ في مغارةٍ وخمسةٌ مِن كُتَّابه، أحدُهم بختُنصَّرَ، فجعلوهم في الجوامع (٣)، ثم أتوا بهم ملك بنى إسرائيلَ، فلما رآهم خرَّ ساجدًا من حين طلعتِ الشمسُ حتى [كانت العصر] (٤)، ثم قال لسنحاريب: كيف ترى فِعْلَ رَبِّنا بكم؟ ألم يَقْتُلُكم

стр. 9923

بحوله وقوَّتِه، ونحن وأنتم غافلون؟ فقال سنحاريبُ له: قد أتاني خبرُ ربِّكم، ونصرُه إيَّاكم، ورحمتُه التي رحِمكم بها قبل أن أَخرُجَ مِن بلادى، فلم أُطِعْ مُرشِدًا، ولم يُلْقِنى في الشِّقوة إلا قلَّةُ عقلى (١)، ولو سمعتُ أو عقَلتُ ما غزَوتُكم، ولكن الشِّقوة غلبَتْ عليّ وعلى من معى. فقال ملِكُ بني إسرائيل: الحمدُ للهِ ربِّ العزَّةِ الذي كفَانَاكم بما شاء، إن ربَّنا لم يُبقِك ومن معك لكرامةٍ بك عليه، ولكنه إنما أبقَاك ومَن معك لما هو شرٌّ لك، لتَزدَادوا شِقوةً في الدنيا، وعذابًا في الآخرة، ولتُخبروا من وراءكم بما لقيتُم مِن فعل ربِّنا، ولتُنذروا من بعدَكم، ولولا ذلك ما أبقَاكم، فلَدمُك ودمُ مَن معك أهونُ على اللهِ مِن دم قُرادٍ (٢) لو قتَلتُه. ثم إن ملِكَ بني إسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامعَ، وطاف بهم سبعين يومًا حولَ بيت المقدس إيليا، وكان يرْزُقُهم في كلِّ يومٍ خُبْزَتين من شعيرٍ لكلِّ رجلٍ منهم، فقال سنحاريبُ لملك بني إسرائيل: القتلُ خيرٌ مما تَفْعَلُ بنا، فافعلْ ما أُمِرت. فأمَر (٣) بهم الملكُ إلى سجن القتل، فأوحى الله إلى شعيا النبيِّ أن قُلْ لملكِ بني إسرائيل يُرْسِلْ سنحاريبَ ومَن معه ليُنْذروا من وراءَهم، وليُكْرمْهم ويَحْمِلُهم حتى يَبْلُغوا بلادهم. فبلَّغ النبيُّ شعيا الملك ذلك، ففعَل، فخرَج سنحاريبُ ومَن معه حتى قدِموا بابلَ، فلما قَدِموا جمع الناسَ فأخبَرهم كيف فعل الله بجنوده، فقال له كهَّانُه وسَحَرتُه: يا ملكَ بابلَ، قد كنا نَقُصُّ عليك خبرَ ربِّهم وخبر نبيِّهم، ووَحْيَ اللهِ إلى نبيِّهم، فلم تُطِعْنا، وهى أمَّةٌ لا يَسْتَطيعُها أحدٌ من (٤) ربِّهم. فكان أمرُ سنحاريبَ مما خُوِّفوا، ثم

стр. 9924

كفاهم الله إياه (١)؛ تذكرةً وعبرةً، ثم لبِث سنحاريبُ بعد ذلك سبعَ سنين، ثم مات (٢). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما مات سنحاريبُ اسْتُخْلِف بختُنصَّرَ ابن ابنه على ما كان عليه جدُّه يَعْمَلُ بِعَمَلِه، ويَقْضِى بقضائه، فلبث سبعَ عشرةَ سنةً، ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقة، فمرَج أمرُ بنى إسرائيل وتنافَسوا المُلك، حتى قتَل بعضُهم بعضًا عليه، ونبيُّهم شعيا معهم لا يُذْعِنون (٣) إليه، ولا يَقْبَلون منه. فلما فعلوا ذلك، قال الله - فيما بلَغنا - لشعيا: قُمْ في قومك أُوحِ على لسانك. فلما قام النبيُّ أنطق الله لسانَه بالوحي، فقال: يا سماءُ اسْتَمِعى، ويا أرضُ أنْصِتى، فإن الله يُرِيدُ أن يَقُصَّ شأنَ بني إسرائيل الذين ربّاهم بنعمتِه، واصْطَفاهم لنفسه، وخصَّهم بكرامته، وفضَّلهم على عباده، وفضَّلهم بالكرامة، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعى لها، فآوَى شاردَتَها، وجمَع ضالتَها، وجبر كسِيرتَها، وداوَى مريضَتَها، وأسمَن مهزولتَها، وحفِظ سمينتَها، فلما فعَل ذلك بطِرت، فتناطَحت كِباشُها فقتل بعضُها بعضًا، حتى لم يَبْقَ منها عَظْمٌ صحيحٌ يُجْبَرُ إليه آخرُ كسيرٌ، فويلٌ لهذه الأمة الخاطئة، وويلٌ لهؤلاء القوم الخاطئين الذين لا يَدْرُون أَنَّى (٤) جاءهم الحَيَّنُ، إن البعير مما (٥) يذكُرُ وطنَه فينتابُه، وإن الحمار مما (٥) يذكُرُ الآريَّ (٦) الذي شبع عليه فيراجعُه، وإن الثور مما (٥) يذكُرُ المَرْجَ (٧) الذي سمن

стр. 9925

فيه فينتابُه، وإن هؤلاء القومَ لا يَدْرون مِن حيثُ جاءهم الحيْنُ، وهم أولو الألباب والعقول، ليسوا ببقرٍ ولا حميرٍ، وإنى ضاربٌ لهم مثلًا فلْيَسْمعوه: قل لهم: كيف تَرَون في أرضٍ كانت خواءً زمانًا، خَرِبةً مواتًا لا عُمران فيها، وكان لها ربٌّ حكيمٌ قويٌّ، فأقبل عليها بالعمارة، وكره أن تَخْرَبَ أرضُه وهو قويٌّ، أو يُقالَ: ضيَّع وهو حكيمٌ. فأحاط عليها جدارًا، وشيَّدَ فيها قصرًا، وأنْبَط فيها نهرًا، وصفَّ فيها غراسًا من الزيتون والرُّمان والنخيل والأعناب، وألوان الثمار كلِّها، ووَلَّى ذلك واسْتَحْفَظه قيِّمًا ذا رأي وهمّةٍ، حفيظًا قويًا أمينًا، وتأنّى طَلْعَها وانْتَظَرها، فلما أطلعت جاء طَلْعُها خَرُوبًا (١)، قالوا: بئْست الأرضُ هذه، نرى أن يُهْدَمَ جدرانُها وقصرُها، ويُدْفَنَ نهرُها، ويُقْبَضَ قيِّمُها، ويُحَرَّقَ غراسُها، حتى تصير كما كانت أوّلَ مرَّةٍ، خَرِبةً مواتًا لا عُمران فيها. قال الله لهم: فإن الجدار ذمتي، وإن القصر شريعتي، وإن النهرَ كتابي، وإن القَيَّمَ نبيِّى، وإن الغراسَ هم، وإن الخَرُّوبَ الذي أطْلَع الغراسُ أعمالُهم الخبيثةُ، وإني قد قضَيتُ عليهم قضاءَهم على أنفسهم، وإنه مَثَلٌ ضربه الله لهم، يتَقَرَّبون إليّ بذبح البقر والغنم، وليس ينالُنى اللحمُ ولا أكُلُه، ويَدَعُون أن يَتَقَرَّبوا بالتقوى والكفِّ عن ذبح الأنفس التي حرَّمتُها، فأيديهم مخضوبةٌ منها، وثيابُهم مُتَزمِّلةٌ بدمائها، يُشَيِّدون لى البُيوتَ مساجدَ ويُطَهِّرون أجوافَها، ويُنَجِّسُون قلوبَهم وأجسامَهم ويُدَنِّسونها، ويُزَوِّقون لى البيوت والمساجد ويُزَيِّنونها، ويُخْرِبون عُقولهم وأحلامَهم ويُفْسِدونها، فأيُّ حاجةٍ لى إلى تشييدِ البيوتِ ولستُ (٢) أسكنُها! وأيُّ حاجةٍ إلى تزويق المساجد ولَسْتُ أَدْخُلُها! إنما

стр. 9926

أَمَرتُ برَفْعِها لأُذْكَرَ فيها وأُسبِّحَ فيها، ولتَكُونَ مَعْلَمًا لمن أراد أن يُصَلِّيَ فيها، يَقُولون: لو كان اللهُ يَقْدِرُ على أن يَجْمَعَ الفَتَنا لجمعها، ولو كان اللهُ يَقْدِرُ على أن يُفَقِّهَ قلوبَنا لأفْقَهَها. فاعمد إلى عودَين يابِسَين، ثم ائتِ بهما ناديهم (١) في أجمَعِ ما يَكُونون، فقُلْ للعودين: إن الله يَأْمُرُ كما أن تَكُونا عودًا واحدًا. فلما قال لهما ذلك، اختَلَطا فصارا واحدًا، فقال الله: قل لهم: إني قدَرتُ على أُلْفَةِ العيدانِ اليابسة وعلى أن أُولِّفَ بينها، فكيف لا أقْدرُ على أن أجمَعَ أُلْفَتَهم إن شئْتُ، أم كيف لا أقْدِرُ على أن أُفَقِّهَ قلوبَهم وأنا الذي صوَّرتُها! يقولون: صُمْنا فلم يُرْفَعْ صيامُنا، وصلَّينا فلم تُنَوَّرْ صلاتُنا، وتَصَدَّقنا فلم تَزْكُ صدقاتُنا، ودعَونا بمثل حَنينِ الحمام، وبَكَينا بمثل عُواء الذئب، في كلِّ ذلك لا نُسْمَعُ ولا يُسْتجابُ لنا. قال الله: فسَلْهُم ما الذي يَمْنَعُنى أن أستجيبَ لهم؟ ألستُ أسْمَعَ السامعين، وأبْصَرَ الناظرين، وأقْرَبَ المجيبين، وأرْحَمَ الراحمين! ألأنَّ ذاتَ يدى قلَّت! فكيف ويداى مبسوطَتان بالخير أُنْفِقُ كيف أشاءُ، ومفاتيحُ الخزائن عندى لا يَفْتَحُها ولا يُغْلِقُها غيرى، ألا وإن رحمتي وسعت كلَّ شيءٍ، إنما يَتَراحَمُ المتراحمون بفضلها، أو لأَنَّ البخلَ يَعْتَرِينَى، أو لستُ أكْرَمَ الأكرمين والفتاحَ بالخيراتِ، أَجْوَدَ مَن أَعطَى، وأَكْرَمَ مَن سُئل! لَو أَنَّ هؤلاء القومَ نظَروا لأنفسهم بالحكمة التي نوّرتُ في قلوبهم فنبَذوها، واشتروا بها الدنيا، إذَنْ لأبْصَروا من حيثُ أُتُوا، وإذن لأيْقَنوا أنَّ أنفسهم هي أعدَى العُداةِ لهم، فكيف أرْفَعُ صيامَهم وهم يُلبسونه بقولِ الزُّورِ، ويَتَقَوَّون عليه بطُعْمَةِ الحرام، وكيف أنوِّرُ صلاتهم وقلوبُهم صاغيةٌ إلى من يحاربُنى (٢) ويُحادُّنى ويَنْتَهِكُ محارمى! أم كيف تَزْكُو عندى صَدَقاتُهم وهم يتَصَدَّقون بأموال غيرهم، إنما أجُرُ (٣) عليها أهلها

стр. 9927

المغصوبين! أم كيف أستجيبُ لهم دعاءَهم، إنما هو قولٌ بألسنتهم والفعلُ من ذلك بعيدٌ وإنما أستجيبُ للوادع (١) اللَّينِ، وإنما أَسْمَعُ مِن قول [المُستعفُّ المُستكين] (٢)، وإِنَّ من علامة رضاى رضا المساكين، فلو رحموا المساكينَ، وقرَّبوا الضُّعفاءَ، وأنصَفوا المظلومَ، ونصَروا المغصوبَ، وعدَلوا للغائب، وأدَّوا إلى الأرملة واليتيم والمسكين، وكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ثم (٣) كان يَنبَغِي أن أُكَلِّمَ (٤) البشَّرَ إِذَنْ لكلَّمتُهم، وإذن لكنتُ نورَ أبصارهم، وسَمْعَ آذانِهم، ومعقولَ قلوبهم، وإذن لدعمتُ أركانهم، فكنتُ قوّةَ أيديهم وأرجلهم، وإذن لثبَّتُ ألسنتَهم وعُقولَهم، يقولون لما سمعوا كلامي، وبلَغتهم رسالاتي، بأنها أقاويلُ منقولةٌ، وأحاديثُ متوارثةٌ، وتأليفُ مما تُؤَلِّفُ السحرةُ والكهنةُ، وزعَموا أنهم لو شاءوا أن يأتُوا بحديث مثلِه فعَلوا، وأن يَطَّلعوا على الغيبِ بما تُوحِى إليهم الشياطينُ اطلعوا، وكلُّهم يَستخفى بالذي يقولُ ويُسِرُّ، وهم يَعْلَمُون أنى أعْلَمُ غيبَ السماوات والأرض، وأعلمُ ما يُبدون وما يَكْتُمون، وإني قد قضَيتُ يوم خلقتُ السماواتِ والأرضَ قضاءً أثبتُّه على نفسى، وجعَلتُ دونَه أجلًا مؤجَّلًا، لابد أنه واقعٌ، فإن صدَقوا بما يَنتَحِلون من علمِ الغيبِ، فليُخبرُوك متى أُنفِذُه، أو في أيِّ زمانٍ يكونُ، وإن كانوا يَقدرون على أن يأتوا بما يشَاءون، فليأتوا بمثل القدرة التي بها أُمْضى (٥)، فإني مُظْهِرُه على الدين كلِّه ولو كره المشركون، وإن كانوا يقدرون على أن يقولوا ما يشَاءون فليُؤَلِّفوا مِثلَ الحكمة التي أُدبِّرُ بها أمرَ ذلك القضاء إن كانوا صادقين، فإنى قد قضَيتُ يومَ خَلَقتُ السماواتِ

стр. 9928

والأرضَ أن أجعل النبوَّةَ في الأُجَراءِ، وأن أُحوِّلَ المُلكَ فِي الرِّعاءِ، والعزَّ فِي الأَذِلَّاءِ، والقوَّةَ في الضعفاء، والغنى في الفقراء، والثروة في الأقلَّاء، والمدائنَ في الفَلَواتِ، والآجامَ في المفاوز، والبَرْدِيَّ (١) في الغِيطانِ، والعلمَ في الجهلَة، والحُكم في الأميين، فسلْهم متى هذا؟ ومَن القائمُ بهذا؟ وعلى يَدَىْ مَن أَسبِّبُه (٢)؟ ومَن أعوانُ هذا الأمر وأنصارُه إن كانوا يعلمون؟ فإنى باعثٌ لذلك نبيًّا أُمَّيًّا (٣)، أعمى مِن عُمْيانٍ (٤)، ضالًا من ضالِّين (٥)، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا بصخَّابٍ في الأسواق، ولا مُتَزيِّنٍ (٦) بالفُحشِ، ولا قوالٍ للحنا، أُسدِّدُه لكلِّ جميلٍ، أَهَبُ له كلَّ خُلقٍ كريمٍ، أَجعَلُ السكينة لباسَه، والبرَّ شِعارَه، والتَّقوى ضميره، والحكمة معقوله، والصدقَ والوفاءَ طبيعتَه، والعفوَ والعِرْفَ (٧) خُلُقه، والعدل والمعروف سيرتَه، والحقَّ شريعتَه، والهدى، إمامَه، والإسلامَ ملَّتَه، وأحمدَ اسمَه، أَهدِى به بعد الضَّلالة، وأُعَلِّمُ به بعد الجهالة، وأرفعُ به بعدَ الحمالة، وأُشْهِرُ به بعد النُّكرة، وأكثِرُ به بعد القِلَّةِ، وأُغنى به بعد العيلَةِ، وأَجمعُ به بعدَ الفُرقة، وأُؤَلِّفُ به قلوبًا مختلِفةً، وأهواءً مشتَّتةً، وأممًا متفرِّقةً، وأجْعَلُ أمَّته خيرَ أُمَّةٍ أخرجت للنَّاسِ، تأمُرُ بالمعروفِ، وتَنْهَى عن المنكرِ، توحيدًا لى، وإيمانًا وإخلاصًا بي، يُصَلُّون لى قيامًا

стр. 9929

وقعودًا، وركَّعًا وسجودًا، يُقاتلون في سبيلى صفوفًا وزحوفًا، ويَخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاءَ رضوانى، أُلهمُهم التكبير والتوحيدَ، والتسبيحَ والحمدَ والمِدْحَةَ، والتمجيد (١) لى في مساجدهم ومجالسهم، ومضاجعهم ومُتَقَلَّبهم ومثوَاهم، يُكبِّرون ويهلِّلون، ويقدِّسون على رءوس الأسواق، ويُطهِّرون لى الوجوةَ والأطرافَ، ويعقِدُون الثيابَ في الأنصاف، قربانُهم دماؤُهم، وأناجيلُهم صدورُهم، رهبانٌ بالليل، لُيُوثٌ بالنهار، ذلك فضلى أُوتِيه مَن أَشاءُ، وأنا ذو الفضل العظيم. فلما فرَغ نبيُّهم شعيا إليهم من مقالته، عدوا عليه - فيما بلَغَني - ليقتُلُوه، فهرب منهم، فلقيَتْه شجرةٌ، فانفلَقتْ فدخَل فيها، وأدركه الشيطانُ فأَخَذ بهُدْبَةٍ مِن ثوبه فأرَاهم إياها، فوضَعوا المنشارَ في وسَطها فنشَرُوها حتى قطعُوها، وقطَعوه في وسَطِها (٢). قال أبو جعفرٍ: فعلى القول الذي ذكَرنا عن ابن عباسٍ من رواية السُّديِّ، وقول ابن زيدٍ، كان إفسادُ بني إسرائيل في الأرضِ المرةَ الأولى قَتْلَهم زكريا نبيَّ الله، مع ما كان سلَف مِنهم قبلَ ذلك وبعدَه، إلى أن بَعث الله عليهم من أحلَّ على يده بهم نقمتَه من معاصى الله، وعتوِّهم على ربِّهم. وأما على قول ابن إسحاق الذي روَينا عنه، فكان إفسادُهم المرّة الأولى ما وُصف مع (٣) قتلهم شعيا بنَ أمصيا نبيَّ الله.

стр. 9930

وذكر ابن (١) إسحاقَ أن بعضَ أهل العلم أخبَره أن زكريا مات موتًا ولم يُقتلْ، وأن المقتولَ إنما هو شعيا، وأن بختَنصرَ هو الذي سُلِّط على بني إسرائيلَ في المرّةِ الأولى بعد قتلهم شعيا. حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، عن سلمة عنه (٢). وأما إفسادُهم في الأرضِ المرة الآخرة، فلا اختلافَ بينَ أهل العلم أنه كان قتلَهم يحيى بنَ زكريا. وقد اختلَفوا في الذي سلَّطه الله عليهم مُنتقمًا به منهم عند ذلك، وأنا ذاكرٌ اختلافَهم في ذلك إن شاء الله. وأما قولُه: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. فقد ذكرنا قول من قال: يعنى به استكبارَهم على الله بالجراءة عليه، وخلافِهم أمرَه. وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. قال: ولَتَعلُنَّ (٣) الناسَ علوًّا كبيرًا. حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. وأما قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾. يعنى: فإذا جاء وعدُ أُولى المرَّتين اللتين

стр. 9931

يُفسدُون بهما في الأرض. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾. قال: إذا جَاء وعدُ أُولى تينك المرَّتين اللتين (١)، قضَينا إلى بنى إسرائيل: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾. وقولُه: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾. يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ (٢)﴾: وجَّهنا إليكم، وأرسلنا عليكم، ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ: ذوى بطشٍ في الحروب شديدٍ. وقولُه: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾. يقولُ: فتردَّدُوا بين الدُّور والمساكن، وذهَبوا وجاءوا. يُقالُ فيه: جَاس القومُ بين الديار وحاسُوا - بمعنًى واحدٍ - وجُسْتُ أنا أَجُوسُ جَوْسًا وَجَوَسَانًا. وبنحو الذي قُلنا في ذلك رُوى الخبرُ عن ابن عباسٍ. حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾. قال: مشَوا (٣). وكان بعضُ أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقولُ: معنى ﴿فَجَاسُوا﴾: قتلوا. ويُستَشهدُ لقوله ذلك ببيتِ حسان (٤):

стр. 9932

ومنا الذي لاقى بسيف محمدٍ … فجَاس به الأعداءُ عُرضَ العساكر وجائزٌ أن يكونَ معناه: فجاسوا خلال الديار فقتَلوهم ذاهبين وجائين. فيَصِحَّ التأويلان (١) جميعًا. ويعنى: بقوله: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾: وكان جَوْسُ القومِ الذين نَبعَثُ عليهم خلال ديارهم، وعدًا من الله لهم مفعولًا ذلك لا محالة؛ لأنه لا يُخلِفُ الميعادَ. ثم اختلَف أهلُ التأويل في الذين عنى الله بقوله: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وفيما كان من فعلهم في المرّة الأولى في بني إسرائيل حين بُعثوا عليهم، ومَن الذين بَعَث عليهم في المرّة الآخرة، وما كان من صنيعهم بهم؛ فقال بعضُهم: كان الذي بعَث الله عليهم في المرّة الأولى جالوت، وهو من أهل الجزيرة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾. قال: بعث الله عليهم جالوتَ، فجَاس خلال ديارهم، وضرب عليهم الخَراجَ والذُّلَّ، فسألوا الله أن يبعثَ لهم ملكًا يُقاتلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت، فقَاتَلوا جالوتَ، فنصَر الله بني إسرائيل، وقُتِل جالوتُ بيدَى داودَ، ورجع الله إلى بني إسرائيل مُلكهم (٢).

стр. 9933

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾: قضاءً قضَى الله على القوم كما تَسمَعون، فبعَث عليهم في الأُولى جالوتَ الجزريَّ، فسبَى وقتل، وجاسُوا خلالَ الديار كما قال الله، ثم رجَع القومُ على دَخَنِ فيهم. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ، قال: أما المرةُ الأُولى فسلَّط الله عليهم جالوتَ، حتى بعَث طالوتَ ومعه داودَ، فقتَله داودُ (١). وقال آخرون: بل بعَث عليهم في المرّة الأولى سنحاريب. وقد ذكرنا بعض قائلى ذلك فيما مضَى، ونَذكُرُ ما حضَرَنا ذكرُه ممَّن لم نذكرْه قبلُ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي المعلَّى، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ في قوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: بعث الله ﵎ عليهم في المرّة الأولى سنحاريبَ مِن أهل أَثُورَ ونِينَوى. فسألتُ سعيدًا عنها، فزَعَم أنها الموصلُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنى يعلى بنُ مسلمٍ، عن (٣) سعيد بن جبيرٍ أنه سمِعه يقولُ: كان رجلٌ من بني إسرائيلَ يقرأُ حتى إذا بلغ: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. بكى وفاضَتْ

стр. 9934

عيناه، و (١) طبَّق المصحفَ، فقال (٢): ذلك ما شاء الله من الزمان. ثم قال: أي ربِّ، أرنى هذا الرجل الذي جعلتَ هلاكَ بني إسرائيلَ على يدَيه. فأُرى في المنام مسكينًا ببابلَ، يُقالُ له: بختُنصَّرَ. فانطلق بمالٍ وأعْبُدٍ له - وكان رجلًا مُوسِرًا - فقيل له: أين تُريدُ؟ قال: أُريدُ التِّجارةَ. حتى نزَل دارًا ببابلَ، فاستكراهَا ليس فيها أحدٌ غيرُه، فجعَل يَدْعُو المساكين ويَلْطُفُ بهم حتى [لا يَأْتيه] (٣) أحدٌ (٤)، فقال: هل بقى مسكينٌ غيرُكم؟ قالوا: نعم. مسكينٌ بفجِّ آل فلانٍ مريضٌ، يُقالُ له: بختُنصر. فقال لغِلْميه: انطَلِقوا (٥). حتى أتاه، فقال: ما اسمُك؟ قال: بختُنصرَ. فقال لغلْمَتِه: احتمِلُوه. فنقَله إليه ومرَّضه حتى بَرَأ، فكَساه وأعطَاه نفقةً. ثم أَذَّن الإسرائيليُّ بالرحيل، فبكَى بختُنصرَ، فقال الإسرائيليُّ: ما يُبكيك؟ قال: أبكي أنك فعَلتَ بي ما فعَلتَ، ولا أجدُ شيئًا أجزِيكَ. قال: بلى، شيئًا يسيرًا، إن ملكت أطعتَنى. فجعَل الآخرُ يَتْبَعُه، ويقولُ: تَستَهزِئُ بى! ولا يَمنَعُه أَن يُعطيه ما سأله إلا أنه يَرَى أنه يستهزئُ به، فبكى الإسرائيليُّ، وقال: لقد علمت ما يمنعُك أن تُعطيَني ما سألتُك إلا أن الله يُريدُ أن يُنْفِذَ ما قد قضاه - وكتب في كتابه. [وضرَب الدهرُ من ضَرْبه] (٦)، فقال [يومًا صيحونُ] (٧) وهو ملكُ فارسَ ببابلَ: لو أنا بعثنا طليعةً إلى الشام؟

стр. 9935

قالوا: وما ضرَّك لو فعلت؟ قال: فمن تَرَون؟ قالوا: فلانٌ. فبعَث رجلًا وأعطَاه مائةَ ألفٍ، وخرَج بختُنصَّرَ في مَطبَخه، لا يَخْرُجُ إلا ليأكل في مطبخه، فلما قدم الشامَ رأى صاحبُ الطليعة أكثر أرض الله فرسًا ورجلًا جلدًا، فكسر ذلك في ذرعه (١)، فلم يسألْ. قال: فجعَل بختُنصَّرَ يَجلِسُ مجالس أهل الشام، فيقولُ: ما يمنعُكم أن تَغْرُوا بابلَ، فلو غزَوتُموها ما دونَ بيت مالها شيءٌ؟ قالوا: لا نُحسنُ القتال. [قال: فلو (٢) غَزَوتُم؟ قالوا: إنا لا نُحسنُ القتال] (٣) ولا نُقَاتِلُ. حتى أنفذ (٤) مجالس أهل الشام، ثم رجعوا فأخبَر الطليعةَ ملِكَهم بما رأى، وجعَل بختُنصرَ يقولُ لفوارس (٥) الملكِ: لو دعانى الملكُ لأخبَرتُه غيرَ ما أخبرَه فلانٌ. فرُفِع ذلك إليه، فدعَاه فأخبره الخبرَ، وقال: إن فلانًا لما رأى أكثر أرض اللهِ كُراعًا (٦) ورجلًا جلدًا، [كسر ذلك في ذرعه] (٧)، ولم يَسْألهم عن شيءٍ، وإنى لم أدَعْ مجلسًا بالشام إلا جالستُ أهلَه، فقلتُ لهم كذا وكذا، فقالوا لي كذا وكذا - الذي ذكر سعيدُ بنُ جبيرٍ أنه قال لهم - قال الطليعةُ لبختنصَّرَ: فضَحتَنى، لك مائةُ ألفٍ وتنزِعُ عما قلتَ؟ قال: لو أعطَيتني بيتَ مال بابلَ ما نزعتُ. و (٨) ضرَب الدهرُ مِن ضَربه، فقال الملكُ: لو بعثنا

стр. 9936

جريدة خيلٍ (١) إلى الشام، فإن وجدوا مساغًا ساغوا، وإلا امتشُّوا (٢) ما قدروا عليه. قالوا: ما ضرَّك لو فعلت؟ قال: فمَن ترونَ؟ قالوا: فلانٌ. قال: بل الرجلُ الذي أخبرني ما أخبرني. فدعا بختُنصرَ وأرسله، وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبَوا ما شاء الله، ولم يخرِّبوا ولم يقتلوا، [ورُمى في جنازة] (٣) صيحونَ (٤). قالوا: اسْتَخْلِفوا رجلًا. قالوا: على رسلِكم حتى يأتى أصحابكم فإنهم فرسانكم؛ [أن يُنغِّصوا] (٥) عليكم شيئًا. فأمهلوا (٦) جاء بختُنصرَ بالسَّبي وما معه، فقسَّمه في الناس، فقالوا: ما رأينا أحدًا أحقَّ بالملكِ مِن هذا. فملَّكوه (٧). حدَّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقولُ: ظهر بختُنصرَ على الشام، فخرَّب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشقَ، فوجد بها دمًا يغلى على كِبًا (٨). فسألهم: ما هذا الدمُ؟ قالوا: أدركنا آباءنا على هذا، وكلَّما ظهر عليه الكِبَا ظهر. قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفًا مِن المسلمين وغيرهم، فسكن (٩).

стр. 9937

وقال آخرون: يعنى بذلك قومًا من أهل فارس. قالوا: ولم يَكُنْ في المرة الأولى قتالٌ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾. قال: من جاءهم من فارس يَتَحَسَّسون (١) أخبارهم، ويَسْمَعون حديثَهم، معهم بختُنصَّرَ، فوعى أحاديثَهم من بين أصحابه، ثم رجعت فارسُ ولم يَكنْ قتالٌ، ونُصرت عليهم بنو إسرائيل، فهذا وعد الأولى. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: جندٌ جاءهم من فارس يَتَحَسَّسون (١) أخبارهم. ثم ذكر نحوَه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: ذلك، أي من جاءهم من فارس، ثم ذكر نحوه. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أدلْناكم يا بني إسرائيل على هؤلاء القوم الذين وصفهم

стр. 9938

جلَّ ثناؤُه أنه يَبْعَثُهم عليهم. وكانت تلك الإدالةُ والكرّةُ لهم عليهم، فيما ذكر السديُّ في خبره، أن بني إسرائيل غزَوْهم، وأصابوا منهم، واستَنْقَذوا ما في أيديهم منهم (١). وفى قول آخرين، إطلاقُ الملكِ الذي غزاهم ما في يديه من أسراهم (٢). وردُّ ما كان أصاب من أموالهم عليهم من غير قتالٍ. وفي قول ابن عباسٍ الذي رواه عطيةُ عنه، هي إدالهُ الله إياهم من عدوِّهم جالوتَ حتى قتَلوه (٣)، وقد ذكرنا كلَّ ذلك بأسانيده فيما مضى. ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾. يقولُ: وزدنا (٤) فيما أعطيناكم من الأموال والبنين. وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾. يقولُ: وصيَّرناكم أكثر عدد نافرٍ منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾. أي: عددًا، وذلك في زمن داود (٥). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا

стр. 9939

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا (١) وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لبنى إسرائيل فيما قضَى إليهم في التوراة: إن أحسنتم يابني إسرائيلَ، فأطَعتم الله وأصلَحتم أمرَكم، ولزمتم أمرَه ونهيَه أحسَنتم وفعلتم ما فعَلتم من ذلك لأنفسكم؛ لأنَّكم إنما تنفعون بفعلِكم (٢) ما تفعَلون من ذلك أنفسكم في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا فإن الله يدفَعُ عنكم من بغَاكم سوءًا، ويُنمِّى لكم أموالَكم، ويَزيدُكم إلى قوَّتِكم قوَّةً، وأما في الآخرة فإن الله ﵎ يُثيبُكم به جنانه. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾. يقولُ: وإن عصيتُم الله وركبتم ما نهاكم عنه حينئذٍ، فإلى أنفسكم تُسيئون؛ لأنكم تُسخِطون بذلك على أنفسكم ربَّكم، فيُسلِّطُ عليكم في الدنيا عدوَّكم، ويُمكِّنُ مِنكم مَن بغاكم سوءًا، ويُخلِّدُكم في الآخرة في العذاب المهين. وقال جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾. والمعنى: فإليها. كما قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٥] والمعنى: أَوْحَى إليها. وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: فإذا جاء وعدُ المرّة الآخرة من مَرَّتَيْ إفسادِكم يابني إسرائيلَ في الأرض، (لِيَسُوءَ (١) وُجُوهَكُمْ). يقولُ: ليسوء مجئُ ذلك الوعد للمرة الآخرة وجوهَكم فيُقبِّحَها. وقد اختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: (ليَسُوءُ (١) وُجُوهَكُمْ). فقرأ ذلك عامَّةُ قرأة أهل المدينة والبصرة: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. بمعنى: ليسوءَ العبادُ

стр. 9940

الأُلو (١) البأس الشديد الذين يبعَثُهم الله عليكم وجوهَكم (٢). واستشهد قارئو ذلك لصحة قراءتهم كذلك بقوله: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾. وقالوا: ذلك خبرٌ عن الجميع، فكذلك الواجبُ أن يكونَ قولُه: ﴿لِيَسُوءُوا﴾. وقرأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفة: (ليَسُّوءَ وُجُوهَكُمْ). على التوحيد وبالياء، وقد يحتملُ ذلك وجهين من التأويل؛ أحدُهما ما قد ذكَرتُ، والآخرُ منهما: ليسوء الله وجوهكم. فمَن وجَّه تأويل ذلك إلى: ليسوءَ مجئُ الوعدِ وجوهَكم. جعَل جوابَ قوله: ﴿فَإِذَا﴾ محذوفًا، قد استُغْنِىَ (٣) بما ظهَر عنه، وذلك المحذوفُ: "جاء". فيكونُ الكلامُ تأويلُه: فإذا جاء وعدُ الآخرة ليسوءَ وجوهَكم جاء. ومَن وجَّه تأويلَه إلى: ليسوءَ الله وجوهَكم. كان أيضًا في الكلام محذوفٌ (٤)، غير أنه (٥) سوى "جاء"، فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ: فإذا جاء وعدُ الآخرة بعَثناهم ليسوء الله وجوهَكم. فيكونُ المُضمَرُ "بعثناهم"، وذلك جوابُ "إذا" حينَئذٍ. وقرَأ ذلك بعضُ أهل العربية من الكوفيين: (لِنَسُوءَ وُجُوهَكُمْ) على وجه الخبر من الله ﵎ اسمُه عن نفسه (٦). وكان مجيءُ وعدِ المرَّة الآخرة عند قتلهم يحيى. ذِكرُ الرواية بذلك. والخبرُ عمّا جاءهم من عند الله حينئذٍ كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو،

стр. 9941

قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في الحديث الذي ذكَرنا إسناده قبلُ؛ أن رجلًا من بنى إسرائيلَ رأى في النوم أن خرابَ بيت المقدسِ وهلاك بني إسرائيل على يَدَىْ غلامٍ يتيمٍ ابن أرملةٍ من أهل بابل، يُدْعَى بُخْتُنصَّر، وكانوا يَصدُقون فتَصدُقُ رؤياهم، فأقبَل فسأَل عنه حتى نزل على أمِّه وهو يَحتطبُ، فلما جاء وعلى رأسه حزمةٌ من حطبٍ ألقاها، ثم قعَد في جانب البيت، فضمَّه، ثم أعطاه ثلاثةَ دراهمَ، فقال: اشترِ بهذا (١) طعامًا وشرابًا. فاشترى بدرهم لحمًا وبدرهمٍ خبزًا وبدرهمٍ خمرًا، فأكلوا وشربوا حتى إذا كان اليومُ الثاني فعَل به ذلك، حتى إذا كان اليومُ الثالثُ فعل ذلك، ثم قال له: إني أُحِبُّ أن تكتبَ لى أمانًا إن أنت ملَكتَ يومًا من الدهرِ. فقال: تسخَرُ بي؟ فقال: إني لا أسخَرُ بك، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندى يدًا! فكلَّمته أمُّه، فقالت: وما عليك إن كان (٢)، وإلا لم يَنقُصْك شيئًا! فكتب له أمانًا، فقال (٣): أرأيتَ إن جئتُ والناسُ حولَك قد حالوا بينى وبينك، فاجعَلْ لى آيةً تعرِفُنى بها. قال: ترفَعُ صحيفتَك على قَصَبةٍ فأعرِفُك بها. فكسَاه وأَعْطَاه، ثم إن ملك بني إسرائيلَ كان يُكرِمُ يحيى بن زكريا، ويُدْنِى مجلسَه، ويستشيرُه في أمرِه، ولا يقطَعُ أمرًا دونَه، وإنه هوىَ أن يتزوَّجَ ابنة امرأةٍ له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحِها، وقال: لستُ أَرْضاها لك، فبلَغ ذلك أمَّها فحقَدت على يحيى حينَ نهاه أن يتزوَّجَ ابنتَها، فعمَدت أمُّ الجارية حينَ جلَس الملكُ على شرابه، فألبَستْها ثيابًا رقاقًا حُمْرًا، وطيَّبْتها وألبَسْتها من الحَلْي، و (٤) ألبَستها فوق ذلك كساءً أسودَ، وأرسَلتْها

стр. 9942

إلى الملكِ، وأمرتْها أن تَسقِيَه، وأن تَعرِضَ (١) له (٢)، فإن أرادها على نفسِها أبَت عليه حتى يُعطيَها ما سأَلتْه، فإذا أعطاها ذلك سألتْه أن يأتيَ برأس يحيى بن زكريا في طَسْتٍ، ففعَلتْ، فجعَلتْ تَسقِيه وتَعرِضُ (١) له (٢)، فلما أخَذ فيه الشرابُ أرادها على نفسِها، فقالت: لا أفعَلُ حتى تُعطِينَى ما أسألُك. قال: ما (٣) تَسْأَليني؟ قالت: أسألُك أن تبعَثَ إلى يحيى بن زكريا، فأُوتَى (٤) برأسه في هذا الطَّسْتِ. فقال: ويحَك سَلِينى غيرَ هذا. فقالت له: ما أريدُ أن أسألك إلا هذا. قال: فلما أبَتْ (٥) عليه بعَث إليه، فأُتى برأسه، والرأسُ يتكلَّمُ حتى وُضِع بين يديه وهو يقولُ: لا يَحِلُّ لك (٦). فلما أصبَح إذا دمُه يَغلى، فأمَر بترابٍ فأُلقى عليه، فرقى الدمُ فوق الترابِ يغلى، فأُلقى عليه الترابُ (٧) أيضًا، فارتفع الدمُ فوقه، فلم يزَلْ يُلقَى عليه الترابُ حتى بلَغ سورَ المدينة وهو [في ذلك] (٨) يغلى وبلَغ صَيْحائينَ (٩)، فثار في الناس، وأراد أن يبعَثَ عليهم جيشًا، ويُؤمِّرَ عليهم رجلًا، فأتاه بختُنصَّرَ وكلَّمه وقال: إن الذي كنتَ أرسَلتَ تلك المرَّةَ ضعيفٌ، وإنى قد دخلتُ المدينة وسمعتُ كلام أهلها، فابعَثْني. فبعَثه، فسار بختُنصَّرَ حتى إذا بلغوا ذلك المكانَ تَحصَّنوا منه في مدائنهم،

стр. 9943

فلم يُطِقهم (١)، فلما اشتدَّ عليهم المُقامُ وجاع أصحابُه، أرادوا الرجوعَ، فخرَجت إليهم عجوزٌ من عجائز بنى إسرائيلَ، فقالت: أين أميرُ الجندِ؟ فأُتى بها إليه، فقالت له: إنه بلَغنى أنك تريدُ أن تَرجِعَ بجندِك قبل أن تَفتحَ هذه المدينةَ. قال: نعم، قد طال مُقامي، وجاع أصحابي، فلستُ أستطيعُ المقامَ فوقَ الذي كان منى. فقالت: أرأيتَك إن فتحتُ لك المدينةَ أتُعطينى ما أسألُك، فتقتلُ مَن أمَرتُك بقتله، وتَكُفُ إذا أَمَرتُكَ أَن تَكُفَّ؟ قال: نعم. قالت: إذا أصبَحت فاقسِمْ جندَك أربعة أرباعٍ، ثم أَقِمْ على كلِّ زاويةٍ ربعًا، ثم ارفَعوا بأيديكم إلى السماء فنادُوا: إِنا نستفتِحُك يا الله بدمِ يحيى بن زكريا. فإنها سوف تسَّاقَطُ. ففعَلوا، فتساقَطت المدينةُ، ودخَلوا مِن جوانبها، فقالت له: [كُفَّ يدَك] (٢)، اقتُلْ على هذا الدم حتى يَسكُن. وانطلَقتْ به إلى دم يحيى، وهو على ترابٍ كثيرٍ، فقتَل عليه، حتى سكن، سبعين ألفًا وامرأةً، فلما سكَن الدمُ قالت له: كُفَّ يدك، فإن الله ﵎ إذا قُتِل نبيٌّ لم يرضَ، حتى يُقتَلَ مَن قتَله، ومَن رضِي قتلَه. وأتاه صاحبُ الصحيفة بصحيفته، فكفَّ عنه وعن أهل بيته، وخرَّب بيتَ المقدس، وأمَر به أن تُطرَحَ فيه الجيَفُ، وقال: مَن طرح فيه جيفةً فله جزيتُه تلك السنة، وأعانه على خرابِه الرومُ من أجل أنَّ بني إسرائيل قتلوا يحيى، فلما خرَّبه بختُنصَّرَ ذهَب معه بوجوه بنى إسرائيل وسراتِهم (٣)، وذهب بدانيالَ وعَلْيا وعَزَرْيَا (٤) وميشائيلَ، هؤلاء كلُّهم من أولاد الأنبياء وذهَب معه برأس الجالوت (٥)، فلما قدِم أرضَ بابلَ وجَد صَيْحائينَ قد مات، فملَك مكانَه، وكان

стр. 9944

أكرم الناس عليه دانيالُ وأصحابُه، فحسَدهم المجوسُ (١)، فوشَوا بهم إليه، وقالوا: إن دانيالَ وأصحابَه لا يعبُدون إلهَك، ولا يأكُلون من ذبيحتِك، فدعاهم فسَألهم، فقالوا: أَجَلْ، إن لنا ربًّا نعبُدُه، ولسنا نأكُلُ مِن ذبيحتكم. فأمر بخدٍّ فخُدَّ لهم، فأُلقوا فيه، وهم ستةٌ، وأُلقى معهم [سَبُعٌ ضارٍ] (٢) ليأكُلَهم، فقال: انطلقوا فلنأكُلْ ولْنشرَبْ. فذهَبوا فأكَلوا وشربوا، ثم راحوا فوجَدوهم جلوسًا والسَّبُعُ مفترشٌ ذراعيه بينَهم، ولم يَخدِشْ منهم أحدًا، ولم يَنْكَأه (٣) شيئًا، ووجَدوا معهم رجلًا، فعدُّوهم فوجَدوهم سبعةً، فقالوا: ما بالُ هذا السابع؟ إنما كانوا ستةً! فخرج إليهم السابعُ. وكان مَلَكًا من الملائكة، فلطمه لطمةً فصار في الوحش، فكان فيهم سبعَ سنينَ، لا يراه وحشيٌّ إلا أتاه حتى يَنكِحَه، يقتصُّ منه ما كان يصنَعُ بالرجال، ثم إنه رجَع ورَدَّ الله عليه مُلكَه، فكانوا أكرم خلق الله عليه، ثم إن المجوس وشَوا (٤) به ثانيةً، فألقوا له أسدًا في بئرٍ قد ضَرِى، فكانوا يُلقُون له الصخرة فيلتقِمُها (٥)، فألقوا له دانيالَ، فقام الأسدُ في جانبٍ، ودانيالُ في جانبٍ لا يمَسُّه، فأخرَجوه، وقد كان قبل ذلك خَدَّ لهم خَدًا، فأوقَد فيه نارًا، حتى إذا أَجَّجها قذَفهم فيها، فأَطفَأَهَا اللهُ عليهم ولم يَنكَأُهم (٦) منها شيءٌ، ثم إن بختُنصرَ رأى بعد ذلك في منامه صنمًا رأسُه من ذهبٍ، وعنقُه مِن شَبَهٍ (٧)، وصدرُه من حديدٍ، وبطنُه أخلاطُ ذهبٍ وفضةٍ وقواريرَ، ورجلاه من فخَّارٍ، فبينا هو قائم ينظُرُ، إذ جاءت صخرةٌ من السماء من قبل

стр. 9945

القبلة، فكسَرت الصنمَ فجعَلتْه هشيمًا، فاستيقظ فزِعًا وأُنسيها، فدعا السحرةَ والكهنةَ، فسأَلهم، فقال: أخبرونى ما رأيتُ. قالوا: لا، بل أنتَ أخبرْنا ما رأيت فتعبُرَه لك. قال: لا أدرى. قالوا: فهؤلاء الفتيةُ الذين تُكرِّمُهم، فادعُهم فاسأَلْهم، فإن هم لم يُخْبروك بما رأيتَ فاقتُلْهم (١). فأرسل إلى دانيالَ وأصحابه، فدعاهم، فقال: أخبروني ماذا رأيتُ؟ فقال له دانيالُ: أخبرْنا ما رأيتَ فنَعبُرَه لك. قال: [لا أدرى] (٢) قد نَسيتُها. فقال له دانيالُ: كيف نعلَمُ رؤيا لم تُخبرْنا بها؟ فأمر البواب أن يقتُلَهم، فقال دانيالُ للبوَّاب: إن الملك إنما أمر بقتلنا من أجل رؤياه: فأخِّرْنا ثلاثةَ أيامٍ، فإن نحن أخبَرْنا الملكَ برؤياه وإلا فاضرِبْ أعناقَنا. فأجَّلهم فدعَوُا الله، فلمّا كان اليومُ الثالثُ أبصَر كلُّ رجلٍ مِنهم رؤيا بختُنصرَ على حدةٍ، فأتوا البوَّابَ فأخبَروه، فدخل على الملك فأخبَره، فقال: أدخِلْهم عليَّ. وكان بختُنصرَ لا يعرِفُ من رؤياه شيئًا، إلا شيئًا يذكُرونه، فقالوا له: رأيتَ كذا وكذا. فقَصُّوها عليه، فقال: صدَقتم. قالوا: نحن نَعبُرُها لك. أما الصنمُ الذي رأيتَ رأسَه مِن ذهبٍ، فإنه مُلكُك (٣)، حسنٌ مثلَ الذهب - وكان قد ملك الأرض كلَّها - وأما العنقُ مِن الشَّبَه، فهو مُلْكُ ابنك بعدَك (٤)، يملكُ فيكونُ مُلكُه حسنًا، ولا يكونُ مثل الذهبِ. وأما صدرُه (٥) من حديدٍ فهو مُلْكُ أهل فارسَ، يملكون بعد (٦) ابنك، فيكونُ مُلكُهم شديدًا مثل الحديد، وأما بطنُه الأخلاطُ، فإنه يذهَبُ
следующие страницы →