الإبانة
عن أسباب الإعانة على صلاة الفجر وقيام الليل
د. رقية بنت محمد المحارب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه، ونستعينُه، ونستهديه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضِلَّ له، ومَن يُضللْ فلا هاديَ له؛ وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه (١) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:١٠٢]
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:١]
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:٧٠، ٧١]
أمَّا بعد..
فإنَّا في زمانٍ كَثُرت في الفتنُ، وفشت فيه الذنوبُ، وتجافى الناسُ عن دينِهم إلا من رحِمَ ربُّك، حتَّى صارَ القابضُ على دينِه كالقابضِ على الجمرِ.
стр. 2
وبُعدُ الناسِ عن دينهم شرٌ لهم، ووبالٌ عليهم، وتقرُّبهم إلى اللهِ بالطاعاتِ وعملِ الخيراتِ والحرصِ عليها خيرٌ لهم، ونجاةٌ من عذابِ اللهِ وسخطِه، ولن يزيدوا في مُلكِ الله شيئًا؛ إنما يُنقذون أنفسَهم من النَّارِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:٦]
ولقد اقتضت حكمةُ العليم ِالخبيرِ أن يخلقَ الجنةَ والنارَ، ويخلقَ لكلٍّ أهلاً؛ فأهلُ الجنةِ هم أهلُ الطاعةِ والإيمانِ، وأهلُ النارِ هم أهلُ الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ، وذلك غايةُ العدلِ من اللهِ، فما كان اللهُ ليُضيعَ إيمانَ المؤمنين، ويُهملَ الكفارَ دون عقابٍ ولا جزاءٍ.
ولكنَّ اللهَ سبحانه إذ خلق جنَّتَه وجعل لدخولِها عملاً؛ جعل هذا العملَ ميسورًا سهلاً وهو كذلك لمن يسَّره اللهُ عليه، وأخذَ بأسبابِه، أما مَن اتَّبعَ هواه، واقتفى أثرَ الشيطانِ، وتمنَّى على اللهِ الأمانيَّ؛ فليس بميسورٍ، إلا أن يتوبَ إلى اللهِ، ويحاربَ الشيطانَ بكلِّ الوسائلِ التي يستطيعها.
والعملُ الصالحُ ينقسمُ قسمين:
قسمٌ لا ينفكُّ المسلمُ عنه، فلا بدَّ من الإتيانِ به، ولا يُعذَرُ المرءُ بتركِه، وهذا عليه المعوَّلُ في دخولِ الجنَّةِ والنجاةِ من النَّارِ، وذلك كالإيمانِ باللهِ سبحانَه، وملائكتِه، وكتبِه، ورسلِه، واليومِ الآخرِ، وبالقدرِ خيرِه وشرِّه، وإقامةِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ بيتِ اللهِ الحرامِ لمن استطاعَ إليه سبيلاً.
стр. 3
وقسمٌ يأتي به المسلمُ على قدرِ طاقتِه، وليس بمكلَّفٍ به حتمًا، ولا يأثمُ بتركِه، وإنما يزدادُ بفعلِه عند اللهِ قُربًا، وجزاءُ هذا العملِ الازديادُ في الأجرِ والثوابِ والارتقاءُ في درجاتِ الجنَّةِ، فإنَّها درجاتٌ؛ مابين الدرجةِ والتي تليها كما بينَ السماءِ والأرضِ.
وهذا القسمُ يتمثَّلُ في النوافلِ والسُّننِ ومكارمِِ الأخلاقِ.
وقد قدَّم اللهُ القسمَ الأولَ على الثَّاني وجعلَ القربَ من اللهِ لا يكون إلا به، ثم يزدادُ بالثَّاني محبةً وقربةً، وقد بيَّن ذلك الحديثُ النبويُّ القدُسيُّ الصحيحُ الذي يرويه المصطفى ﷺ عن ربِّه فيقول: (يقول اللهُ : ماتقرَّب إليَّ عبدي بأحبَّ مما افترضتُه عليه، ولا يزالُ عبدي يتقرُّبُ إليَّ بالنوافلِ حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يبصرُ به، ويدَه التي يبطشُ بها، ورِجلَه التي يمشي بها، ولَئِن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه) متفق عليه.
فمن ذا الذي لا يريدُ قربَ اللهِ، ومن ذا الذي لا يريدُ أن يكونَ اللهُ لهُ مُحبًّا؟!، وهل يفرطُ الحبيبُ في حفظِ حبيبِه أو نصرتِه أو عطائِه؟!، الكُلُّ يتمنى ذلكَ، ولكن؛ هل كلٌّ يستطيعُ أن يتقرَّبَ إلى اللهِ بالفرائضِ، ويزدادَ تنفُّلاً حتى يُحِبَّه اللهُ ويكونَ سمعَه وبصرَه فلا يسمعُ إلا باللهِ، ولايبصرُ إلا به؟!
إنَّ هذا الفضلَ لا يمكن أن يُسدى هكذا دون بذلٍ أو تعبٍ، وهل يتفوقُ الكسلانُ، أو هل ينجحُ المهملُ؟!
لا بدَّ من البذلِ، لا بدَّ من الجهادِ للنفسِ والشيطانِ.
وإنِّي لأهمسُ في آذانِ إخواني.. الحياةُ كلُّها تعبٌ، ولا راحةَ فيها لأحدٍ، ويؤكد ذلكَ قولُه تعالى: (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) [طه:١١٧] .
стр. 4
فلمَ لا يكونُ تعبُنا محقِّقًا لنتيجةٍ ... ؟! نتيجةٍ عظيمةٍ، لا تزولُ ولا تحولُ، إنَّها الجنَّةُ، الجنَّةُ التي لم ترَ عينٌ ولم تسمعْ أُذنٌ ولم يخطرْ على قلبِ بشرٍ نعيمُها.
ومن كان تعبُه للدُّنيا كثيرًا فتعبُه للآخرةِ قليلٌ، ومن هذه حالُه؛ ضَحِكَ قليلاً، وبكى كثيرًا.
إنَّ الناسَ اليومَ قد قصَّروا كثيرًا في طلبِ الآخرةِ، وأكبُّوا على الدُّنيا وتعبوا في طلبِها. فكم من عبدٍ يسهرُ ليلَه في التفكيرِ في مشروعِه التجاريِّ، ويقومُ الفجرَ لمتابعةِ بنيانِه أو تجاراتِه. وكم من شابٍّ وشابةٍ يقومان قبلَ الفجرِ للمذاكرةِ للامتحانِ!! ولكنَّهم ينامون ملءَ جفونِهم عن صلاةِ الفجرِ، بل ولا يفكَّرون أن يقوموا من الليلِ ساعةً أو عشرَ ساعةٍ. إذا لم يستدعِهم إلى القيامِ شيءٌ من أمورِ الدُّنيا.
لقد قصَّرَ الناسُ في هذه الأيامِ في طاعةِ ربِّهم!! ومن مشاهِدِ هذا التقصيرِ، التقصيرُ في صلاةِ الفجرِ.. فلا تكاد ترى شابًّا مستيقظًا مع الأذانِ لصلاةِ الفجرِ يريد أن يُدركَ تكبيرةَ الإحرامِ أو يدركَ ركعتي الفجرِ التي هي خيرٌ من الدُّنيا وما فيها. فضلاً على أن ترى شابًّا صافًّا قدميه في مصلَّاه قبلَ الفجرِ بساعةٍ يرجو رحمةَ ربّهِ ويحذرُ الآخرةَ، يُناجي مولاه ويشكو إليه حالَه وفقرَه وضَعفَه، ويسألُه من خيرِ الدُّنيا والآخرةِ.
إنَّ هذا التقصيرَ في صلاةِ الفجر وحضورِها، وهذا التفريطُ في قيامِ الليلِ الذي هو خيرُ عبادةٍ بعدَ الفرائضِ، جعلني أحاولُ نصحَ إخواني وأخواتي خلالَ هذه الرسالةِ لنناقشَ معًا أسبابَ هذا التقصيرِ، وكيفيةَ تحاشيه، لعلَّ اللهَ أن يرفعَ عن هذه الأمةِ ما حلَّّ بها من الفُرقةِ والفتنِ، أو يقبضنا على خيرٍ ويلحقنا بالصَّالحين.
وسأتناولُ في رسالتي هذه النقاطَ التاليةَ:
- تهاونَ النّاس في صلاةِ الفجرِ.
- الترغيبَ في حضورِ الفجرِ جماعةً والترهيبِ من تركِها.
- فضلَ قيامِ اللَّيلِ.
стр. 5
- فيما يعودُ على المسلمِ من قيامِ الليلِ في الدُّنيا والآخرةِ.
- الأسبابَ المعينةَ على قيامِ الليلِ.
- الترهيبَ من تركِ قيامِ الليلِ.
- ما جاء عن رسولِ اللهِ ﷺ في قيامِ الليلِ.
- بعضَ الآثارِ عن السَّلفِ الصَّالحِ في قيامِ الليلِ.
فصلٌ
في تهاونِ النَّاسِ في صلاةِ الفجرِ
أعتقد أنَّه لا يُخالفني أحدٌ في أنَّ حضورَ صلاةِ الفجرِ جماعةً، أو أداءَها في وقتها أقلُّ من غيرِه من الفروضِ؛ فمن يرى المصلين في صلاةِ المغربِ أو العشاءِ، ويراهم في صلاةِ الفجرِ؛ يدركْ مدى التهاونِ في صلاةِ الفجرِ، وكم نسبة المتهاونين فيها.
إنّ مؤدِّي صلاةِ الفجرِ لا يبلغون ربعَ (١) مؤدِّي صلاةِ المغربِ - مثلاً- فلمَ ذلك؟!
أليستا في الفرضيِّةِ سواءٌ؟ أليستا في الأجرِ سواءٌ؟! بل خُصَّت صلاةُ الفجرِ بشرفِ شهودِ اللهِ لها، وبأنَّها صلاةٌ مشهودةٌ، ومن صلَّاها جماعةً فكأنَّما صلَّى الليلَ كلَّه، كما أخبرَ بذلك المصطفى ﷺ ، وشرفُ شهودِ صلاةِ الفجرِ أخبر عنه سبحانه بنصِّ الآيةِ، حيث قال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء:٧٨] ، قال المفسرون: قرآنُ الفجرِ، صلاةُ الصبحِ، وسمِّيت بذلك لكثرةِ ما يُقرأ فيها من القرآنِ، ومشهودًا: أي تشهده ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ (٢) .
إنَّ هذا التفريطَ مدعاةٌ لغضبِ الربِّ سبحانه، فإنَّه ينزلُ إلى السماءِ الدُّنيا في ثُلثِ الليلِ الأخيرِ حتى يُصلَّى الفجرُ. فكيف لا يغضبُ اللهُ تعالى وهو يرى من عبادِه الزهدَ في لقائِه، وإيثارَ النومِ والراحةِ على القيامِ لمناجاتِه وسؤاله، وهو المتفضلُ ذو الجلالِ والإكرامِ.
стр. 6
أين نحنُ من رسولِ اللهِ ﷺ ؟ الذي غُفرَ له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّرَ، وكان يقومُ حتى تتفطَّرَ قدماه، فيُقالُ له، فيقولُ: أفلا أكونُ عبدًا شكورًا.
روى المغيرةُ بنُ شعبةَ –﵁ قال: (قام رسولُ الله ﷺ حتى تفطرت قدماه فقيل له: أمَا قد غُفر لك ما تقدم من ذنبِك وما تأخر؟، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا) متفق عليه،
قال الغزاليُّ –﵀:" يظهرُ من معناه أنَّ ذلك كنايةٌ عن زيادةِ الرُّتبةِ، فإنَّ الشكرَ سببُ المزيدِ، قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:٧] " (١) .
يظهرُ من هذا الحديثِ مدى حرصِ المصطفى – ﷺ على عبادةِ ربِّه، ومع هذا فلم تزل تتنزَّلُ عليه الآياتُ التي هي أشدُّ على صدرِه من وقعِ الجبالِ (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا) [المزمّل:٥] .
اللهُ أكبرُ!! كيف نتصوَّرُ تلقِّي رسولِ اللهِ ﷺ لقولِه تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا * إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) [الإسراء:٧٣-٧٥]
كيف نتصوَّرُ تلقِّي رسولِ اللهِ ﷺ لقولِه تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر:٦٥]
كيف نتصوَّرُ تلقِّيه ﷺ لقولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة:٦٧]
стр. 7
بل كيف نتصوَّرُ تلقِّيه ﷺ لقولِه تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [الأنفال:٦٧،٦٨]
اللهُ أكبرُ؛ كيف يتحمَّلُ رسولُ اللهِ ﷺ تلقّيَ هذه الآيةِ؟! إنَّه الصبرُ.. إنَّه الصلاةُ.. إنَّه الإيمانُ العظيمُ الراسخُ.. إنَّه الاجتهادُ والمجاهدةُ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، وليقامَ شرعُ اللهِ في الأرضِ.. إنه كمالُ المحبةِ.. وكفى!!.
كمالُ المحبةِ الذي يجعله ﷺ يقومُ الليلَ وثلثيه ونصفَه وثُلثَه.. يرتل القرآنَ ترتيلاً، باكيًا، خاشعًا، خائفًا على أمتِه. إنَّ هذا الوقوفَ بين يدي اللهِ في هدأةِ العيونِ وظُلَمِ الليالي والسكونِ؛ لهو أكبرُ دليلٍ على محبةِ الرسولِ ﷺ لربِّه تعالى، مع أنَّه غَفرَ له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّرَ. إنَّها لذةُ المناجاةِ للحبيبِ التي لا يعرفُها إلا من ذاقَها.
إنّ هذه الوقفةَ والمناجاةَ تحقِّقُ لذةً في القلبِ أثناءَها وبعدَها، ونورًا في الوجهِ على الرغمِ من السَّهَرِ؛ حيث يشعرُ العبدُ بالغِبطةِ والسَّعادةِ. وسرُّ ذلك رضا اللهِ حيث يضحكُ ويعجبُ لمن يترك فراشَه الوثيرَ، وزوجتَه الحسناءَ، رغبةً فيما عند اللهِ وطلبًا لمرضاته.
وكيف لا يرضى وهو الذي يقولُ: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) [النساء:١٤٧]
إن شكرتمُ!!
تأملي أختي، وتأملْ أخي هذه الكلمةَ وتأملْ قولَه ﷺ : (أفلا أكون عبدًا شكورًا) .
стр. 8
شكورًا بماذا؟ بالقيامِ بالعبادةِ والعملِ لا باللسانِ والقلبِ فقط، فهل نحنُ نشكرُ اللهَ على نعمِه التي لا تُحصى بالقيامِ ولو ساعةً أو ربعَ ساعةٍ؟!
كثيرٌ منا يردد الشكرَ بقلبِه وعلى لسانِه فإذا ذكَّرَ بالشكرِ بالعملِ قال: اللهُ يهدينا ويعفو عنا.
نعم.. الدعاءُ بالهدايةِ والعفوِ مطلوبٌ.. ولكن هل بذلنا أسبابَ الهدايةِ والعفوِ.. وهل نريد أن نبذلَها؟!
إن كُنَّا نريد أن نبذلَها حقًّا, فلنتعاونْ على بيانِ أسبابِ القيامِ، ونتعاون كذلك على العملِ بها، ونسألُ المولى الغنيَّ الكريمَ أنْ يعلِّمَنا ما ينفعُنا وينفعَنا بما علَّمنا، ولا يكون همُّنا نيلَ العلمِ لمماراةِ السفهاءِ، والرياءَ والسمعةَ.
فصلٌ
في الترغيبِ في حضور الفجر جماعةً والترهيبِ من تركها
أخي المؤمنُ إنَّ من أعظمِ الأسبابِ المعينةِ على القيامِ لصلاةِ الفجرِ؛ معرفتَك للأجرِ العظيمِ الذي يحظى به مُصلِّي الفجرِ شاهدًا.. أيُّ في أولِ الوقتِ.. وكذلك في الجماعةِ.
وقد جاءت النصوصُ بالحثِّ على إقامةِ الصلواتِ في وقتِها جماعةً في المساجدِ، وتفضيلِ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ المنفردِ، وفضلِ الخطى إلى المساجدِ.
ومن هذه النصوصِ:
قولُ النبيِّ ﷺ : (صلاةُ الرجلِ في جماعةٍ تضعُف على صلاتِه في بيتِه وفي سوقِه خمساً وعشرين ضعفًا، ذلك إذا توضأ فأحسنَ الوضوءَ ثم خرجَ إلى المسجدِ لا يخرجُه إلا الصلاةُ لم يخطُ خطوةً إلا رُفعت له بها درجةٌ، وحُطَّ عنه بها خطيئةٌ، فإذا صلَّى لم تزلِ الملائكةُ تصلِّي عليه، ما دام في مصلَّاه ما لم يحدث، اللَّهم ارحمه، ولا يزال في صلاةٍ ما انتظر الصلاةَ) متفق عليه.
وعن ابنِ مسعودٍ ﵁ يرفعه: (من سرَّه أن يلقى اللهَ غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاءِ الصلواتِ حيث يُنادى بهنَّ، فإنَّ اللهَ تعالى شرع لنبيِّكم ﷺ سنَنَ الهدى وإنهنَّ من سننِ الهدى) رواه مسلم.
стр. 9
ومن كان شديدَ التعلُّقِ بالمساجدِ لأداءِ الصلاةِ مع الجماعةِ فيها، فإنَّ اللهَ سيظلُّه بظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه. فعن أبي هريرةَ –﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: (سبعةٌ يظلهم اللهُ بظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه،.. وذكر منهم ... ورجلٌ قلبُه معلَّقٌ بالمساجدِ) متفق عليه.
ويزيدُ فضلُ الجماعةِ بزيادةِ المصلين، فقد قال الرسولُ ﷺ : (وإنّ صلاةَ الرجلِ مع الرجلِ أزكى من صلاتِه وحدَه، وصلاتُه مع الرجلين أزكى من صلاتِه مع الرجلِ، وما هو أكثرُ فهو أحبُّ إلى اللهِ تعالى) أخرجه أبو داوود وحسنه الألباني.
وكان اهتمامُ النبيِّ ﷺ بصلاةِ الجماعةِ اهتمامًا شديدًا. فلم يتركها حتى في ساحاتِ القتالِ في أشدِّ الأحوالِ وأخطرِها، ولكن كانت هيئةُ الصلاةِ وكيفيتُها تتكيَّفُ بحسب الأوضاعِ، وكان حريصًا عليها حتى مع شدةِ مرضِه – ﷺ فقد كان يوصي بها ويسألُ عنها، وقال: (من صلَّى أربعين يومًا في جماعةٍ يدركُ التكبيرةَ الأولى كتب اللهُ له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق) أخرجه الترمذي وصححه الألباني.
أما صلاةُ الفجرِ خاصةً فقد تميَّزتْ بفضائلَ عديدةٍ، زيادةً في الترغيبِ في حضورِها، فمن كان عليها محافِظًا كان لغيرِها أحفظ.
قال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء:٧٧] ، فأمرَ بإقامةِ الصلواتِ ثم خصَّ بالذكرِ صلاةَ الفجرِ بأنَّها مشهودةٌ، تشهدها وتحضرها ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ، وذلك زيادةٌ في فضلِها وبركتِها.
стр. 10
وقال سبحانه: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة:٢٣٨] . والصلاةُ الوسطى اختُلف فيها على أقوالٍ؛ منها أنَّها صلاةُ الفجرِ، ومنها أنَّها صلاةُ العصرِ وهو رأيُ الجمهورِ لما ثبت عند البخاريِّ ومسلمٍ وأهلِ السننِ وغيرِهم من حديثِ عليٍّ –﵁ قال: (كنَّا نراها الفجرَ حتى سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول يومَ الأحزابِ: (شغلونا عن الصلاةِ الوسطى صلاةِ العصرِ ملأَ اللهُ أجوافَهم وقبورَهم نارًا) .
وقال النبيُّ ﷺ : (من صلَّى الصبحَ فهو في ذمةِ اللهِ، فلا يطلبنَّكم اللهُ من ذمتِه بشيءٍ، فإنَّ من يطلبه من ذمتِه بشيءٍ يدركه، ثم يكبّه على وجهِه في نارِ جهنمَ) رواه مسلمٌ، أي: هو في أمانِ اللهِ وجوارِه، فلا ينبغي لأحدٍ أن يتعرَّضَ له بضرٍّ أو أذىً، فمن فعل ذلك فاللهُ يطلبه بحقِّهِ، ومن يطلبه لم يجد مفرًّا ولا ملجأ (١) .
وقال النبيُّ – ﷺ : (من صلَّى العشاءَ في جماعةٍ فكأنمَّا قام نصفَ الليلِ ومن صلَّى الصبحَ في جماعةٍ فكأنَّما قام الليلَ كلَّه) رواه مسلم.
وقال ﷺ : (من صلَّى البردين دخلَ الجنةَ) متفق عليه، والبردان: الفجرُ والعصرُ.
وقال: (لن يلجَ النارَ أحدٌ صلَّى قبلَ طلوعِ الشمسِ وقبلَ غروبِها) رواه مسلم.
وقال: (بشِّر المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجدِ بالنورِ التامِّ يومَ القيامة) أخرجه أبو داوود والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.
وعن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ اللهِ – ﷺ : (لو يعلم الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأولِ ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا ولو يعلمون ما في التَّهجيرِ لاستقبوا إليه ولو يعلمون ما في صلاةِ العشاءِ –العتمةِ-، وصلاة الفجرِ – الصبحِ-، لأتوهما ولو حبوًا) متفق عليه.
стр. 11
ومن حافظَ على صلاةِ الفجرِ جماعةً فإنَّه يبرأ من صفاتِ المنافقين وأن يكونَ منهم، لأنَّ صلاةَ الفجرِ ثقيلةٌ على المنافقين. لحديثِ: (إن أثقلَ صلاةٍ على المنافقين صلاةُ العشاء وصلاةُ الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا) متفق عليه.
كما أنَّ الحفاظَ على صلاةِ الفجرِ سببٌ معينٌ رؤيةِ اللهِ تعالى يومَ القيامةِ، فعن جريرٍ –﵁ قال: كنَّا جلوسًا عندَ النبيِّ – ﷺ إذ نظرَ إلى القمرِ ليلةَ البدرِ فقال: (أمَا إنَّكم سترون ربَّكم كما ترون هذا لا تضامون ولا تضاهون في رؤيتِه، فإن استطعتم أن لا تُغلَبوا على صلاةٍ قبلَ طلوعِ الشمسِ وقبلَ غروبِها فافعلوا، ثم قال: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) رواه البخاري.
وقد أخبرَ النبيُّ – ﷺ بأنَّ سنةَ الفجرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، فكيف بصلاةِ الفجرِ نفسِها؟! قال رسولُ اللهِ – ﷺ : (ركعتا الفجرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها) رواه مسلم.
ومن أراد التكثُّرَ من الخيراتِ وزيادةَ الحسناتِ، جلس بعد أن يصليَ الفجرَ يذكرُ اللهَ تعالى حتى تطلعَ الشمسُ وهو في مصلَّاه، فقد قال النبيُّ – ﷺ (من صلَّى الفجر في جماعةٍ ثم قعد يذكر اللهَ حتى تطلعَ الشمسُ ثم صلى ركعتين كانت له كأجرِ حجةٍ وعمرةٍ تامة تامة تامة) رواه الترمذي وحسنه الألباني.
ونلحظ في هذا الحديثِ أن النبيَّ – ﷺ قد نصَّ على أنَّ الصلاةَ تكون في جماعةٍ ليتمَّ له الأجرُ المذكورُ.
كلُّ هذه الأجورِ لمن أقام صلاتَه وأحسنها كما أراد اللهُ؛ واللهُ يضاعفُ لمن يشاء.
стр. 12
أما أصحابُ نومِ اللَّيالي والكُسالى عن صلاةِ الفجرِ، فهؤلاءِ وصفَهم القرآنُ بالنفاقِ، قال تعالى: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا) [النساء:١٤٢] .
وعليك أن تنظرَ في عقوبةِ تاركِ حضورِ الجماعةِ، وصلاةِ الفجر، وكيف رهَّب رسولُ اللهِ – ﷺ من ذلك ليَجِلَ قلبُك وتخافَ من التفريطِ، وقد جمعتُ بعضَ النصوصِ المفيدةِ في ذلك، منها:
١- قولُه تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم:٥٩] ، واختلفَ أهلُ العلمِ في المرادِ بإضاعتِهم الصلاةَ فقال بعضُهم: تأخيرُها عن وقتِها وقال بعضُهم: الإخلالُ بشروطِها وقيل: إضاعتُها في غيرِ الجماعاتِ، وكلُّ هذه الأقوالِ تدخلُ في الآيةِ (١) .
٢- قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) [الماعون:٤،٥] ، ساهون:إما عن وقتِها الأولِ فيؤخِّرونها إلى آخرِه دائمًا أو غالبًا، وإما عن أدائِها بأركاِنها وشروطِها على الوجهِ المأمورِ به، وإما عن الخشوعِ فيها والتدبُّرِ لمعانيها فاللَّفظُ يشملُ ذلك كلَّه (٢) .
٣- عن أبي هريرةَ –﵁ قال: قال رسولُ اللهِ – ﷺ : (لقد هممتُ أن آمرَ فِتيتي فيجمعوا لي حُزمًا من حطبٍ، ثم آتي قومًا يصلُّون في بيوتِهم ليست بهم عِلَّةٌ فأحرِّقُها عليهم) رواه مسلم.
٤- عن ابن عباسٍ –﵄ قال: قال رسولُ اللهِ – ﷺ : (من سمع النداءَ فلم يمنعْه من اتباعه عذرٌ، قالوا: وما العذرُ؟ قال: خوفٌ أو مرضٌ. لم تُقبل منه صلاتُه التي صلَّى) رواه أبو داوود وابن حبان في صحيحه وصححه الألباني.
стр. 13
٥- وفي حديثٍ لابن مسعودٍ –﵁ مرفوعًا قوله: (ولو أنَّكم صلَّيتم في بيوتِكم كما يصلِّي هذا المتخلِّفُ في بيتِه لتركتم سنةَ نبيِّكم ولو تركتم سنَّةَ نبيِّكم لضللتُم) رواه مسلم.
٦- وفي حديثِ الرُّؤيا التي رآها النبيُّ ﷺ وقال فيه: (..وإنَّا أتينا على رجلٍ مضطجعٍ وإذا آخرُ قائمٌ عليه بصخرةٍ وإذا هو يهوي بالصخرةِ لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجرُ ... أما الرجلُ الأولُ الذي أتيت يُثلغ رأسُه بالحجرِ فإنَّه الرجلُ يأخذُ القرآنَ فيرفضه وينامُ عن الصلاة المكتوبة) رواه البخاري.
٧- وعن أبي الدَّرداءِ – ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ – ﷺ يقول: (ما من ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاةُ إلا قد استحوذ عليهم الشيطانُ فعليك بالجماعةِ، فإنما يأكل الذئبُ القاصيةَ) رواه أبو داوود والنسائي وحسنه الألباني.
فاحذر يا عبدَاللهِ أن تلحقَ بك هذه العقوباتُ، وتبوء بالإثمِ والضلالِ، وإنَّ الخيرَ كلَّ الخيرِ في متابعةِ رسولِ اللهِ – ﷺ ، والشرُّ كلُّ الشرِ في مخالفةِ أمرِه (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:٦٣]
стр. 14
فإلى أيِّ الفريقين تريد أن تنضمَّ ومعَ أيِّهم تريد أن تحشرَ؟! هما فريقان لا ثالثَ لهما، ليسوا سواءً في العملِ؛ وليسوا سواءً في الجزاءِ، قال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [السجدة:١٨-٢١]
تنبَّه يا أخي لهذا، فإنَّه موعظةٌ لك. فإن لم تتذكرْ وتَعُدْ إلى ربِّك وتحافِظْ على صلاتِك وتتقرب إليه بذلك؛ فاحذر أن تكونَ ممَّن قال اللهُ فيه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) [السجدة:٢٢]
ولو تأملنا حالَ السلفِ –رضوانُ اللهِ عليهم- لرأينا شدةَ عنايتِهم بحضورِ الجماعةِ؛ فلا تكاد تفوتُ أحدَهم تكبيرةُ الإحرام، ثم نرى عنايتَهم كذلك بقيامِ الليلِ. فبعد أن أتمُّوا الفرائضَ جعلوا يتلمَّسون النوافلَ، بل ويُعاتبُ بعضُهم بعضًا على تركِ قيامِ الليلِ. فضلاً عن صلاةِ الفجرِ، لذا كانت لهم قيادةُ العالمِ، والعزةُ والسِّيادةُ، فلو عادَ المسلمون اليومَ إلى سالفِ عهدِهم؛ لعادت لهم السيادةُ، وذلك بعدَ أن تكتملَ الصفوفُ في صلاةِ الفجرِ.
يمشون نحو بيوتِ اللهِ إذ سمعوا ... اللهُ أكبرُ في شوقٍ وفي جَذَلِ
أرواحُهم خشعت للهِ في أدبٍ ... قلوبهم من جلال الله في وَجلِ
نجواهمُ ربّنا جئناك طائعة ... نفوسُنا وعصينا خادعَ الأملِ
إذا سجى الليلُ قاموهُ وأعينُهم ... من خشية اللهِ مثل الجائدِ الهطِلِ
стр. 15
هم الرجالُ فلا يُلهيهمُ لعبُ ... عن الصلاةِ ولا أكذوبةُ الكسلِ.
فصلٌ
في فضلِ قيامِ اللَّيلِ
من رحمةِ اللهِ تعالى أنْ شرعَ لنا النوافلَ لتكمِّلَ ما في الفرائضِ من نقصٍ، ولتزيدَ في الموازين من الحسناتِ، فجعل اللهُ للفرائضِ من جنسِها نوافلَ، فالصلاةُ -وهي عمودُ الدِّينِ كانت خمسَ صلواتٍ مفروضة، لا يجب علينا غيرُها إلا أن نطَّوع-جعل اللهُ لها نوافلَ تكمِّلها، فأفضلُ الصلاةِ بعدَ المكتوبةِ قيامُ اللَّيلِ، ومن الذي يدَّعي أنَّ فرائِضَه قد كَمُلت حتى يستغنيَ عن التنفُّلِ. فعن أبي هريرةَ ﵁ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ ، يقول: (إنَّ أوَّلَ ما يُحاسب به العبدُ يومَ القيامةِ من عملِه صلاتُه، فإنَّ صلحت فقد أفلحَ وأنجحَ، وإن فسدت فقد خاب وخسر فإن انتَقَصَ من فريضتهِ شيءٌ قال الرَّبُّ : انظروا هل لعبدِي من تطوُّعٍ، فيكمل بها ما انتَقَصَ من الفريضةِ ثم يكونُ سائرُ عملِه على ذلك) رواه الترمذي وأبو داوود وابن ماجه وصححه الألباني.
وقال ﷺ فيما يرويه عن ربِّه : (وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقربُ إليَّ بالنوافلِ حتى أحبَّه فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به ... ) رواه البخاري.
стр. 16
وقد افترضَ اللهُ في أوَّلِ الأمرِ قيامَ اللَّيلِ، فقام النبيُّ – ﷺ وأصحابُه حولاً، وذلك في قولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا) [المزمل:١،٢] ، كما قالت عائشةُ –﵂: (فإنَّ اللهَ افترض قيامَ الليلِ في أوَّلِ هذه السورةِ فقام نبيُّ الله – ﷺ وأصحابُه حولاً وأمسك اللهُ خاتمتَها اثني عشر شهرًا، حتى أنزلَ اللهُ في آخرِ هذه السورةِ التخفيفَ، فصار قيامُ الليلِ تطوعًا بعدَ فريضةٍ) رواه مسلم.
وقال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) [الإسراء:٧٨،٧٩] بعدَ الأمرِ بالصلواتِ الخمسِ، ذكر اللهُ الأمرَ بالتهجُّدِ في الليلِ، أي: قم بعدَ نومِك. والتهجُّد لا يكون إلا بعدَ النومِ، (نافلةً لك) أي: زيادةً لك،يريد فضيلةً زائدةً على سائرِ الفرائضِ فرضها اللهُ عليك، وذهبَ آخرون إلى أنَّ الوجوبِ صار في حقِّه منسوخًا كما في حقِّ أمَّته، فصارت نافلةً، وهو قولُ مجاهدٍ وقتادةَ، لأنه الله قال: (نَافِلَةً لَكَ) ولم يقل عليك (١) .
وقال تعال: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) [الطور:٤٩]
وقال تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا) [الإنسان:٢٦]
стр. 17
هذه كلُّها أوامرُ للنَّدبِ في قيامِ الليلِ كما دلت عليه السنةُ المطهرةُ؛ فعليك أن تسارعَ إلى القيامِ بما أوجبَ اللهُ عليك، فإنَّه أحبُّ ما تقربتَ به إليه، وأنتَ عبدٌ ضعيفٌ فقيرٌ إلى عفوِ ربِّك وغناه وجزائِه ومثوبتِه، فبادر إلى التنفُّلِ في جوفِ الليلِ فإنَّه أفضلُ الصلاةِ بعدَ الفريضةِ، وتذكَّر أنَّ قيامَ الليلِ صفةُ عبادِ اللهِ المؤمنين الذين امتدحهم وأثنى عليهم. ووصفَ ما أعدَّه اللهُ لهم من نعيمٍ وما لهم من ثوابٍ في محكمِ كتابِه في آياتٍ متعددةٍ منها قولُه تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) هذه صفتُهم وهذا عملُهم، أما جزاؤهم فإنَّه أعظمُ مما قدَّموا: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:١٦،١٧]
فأيُّ نعيمٍ هذا وأيُّ جزاءٍ وأيُّ مثوبةٍ، العملُ لها سهلٌ ميسورٌ، وقليلٌ إذا قرن بما له من جزاءٍ. وحينما يقومُ المرءُ المسلمُ بهذا العملِ ويستحضرُ ذلك الجزاءَ فإنه لا يجدُ تعبًا ولا كللاً، بل يجد اللَّذةَ التي تحلِّقُ به في جوِّ السماءِ ليعيشَ في السعادةِ التي لا ينالها إلا أصحابُ الليالي الساهرةِ في عبادةِ اللهِ.
أصحاب هذه الليالي أخبرنا الله عن مشهد من مشاهد لياليهم، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) [الإسراء:١٠٧-١٠٩] .
стр. 18
ويكشفُ القرآنُ عن مشهدٍ آخرَ يبيِّنُ حالَ هؤلاءِ بأنَّهم (كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات:١٧،١٨] وبأنهم (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) [الفرقان:٧٤] .
أخي.. أختي: لتعلما أنَّ هذه صفاتُ المؤمنين المحبين لربِّهم. فقد وصفهم اللهُ تنويهًا بعظم عَملِهم، ودلالة على أنَّ قيامَ الليلِ من أعظمِ القُربِ إلى اللهِ ، وكان أولَّ الموصوفين بهذا رسولُنا الكريمُ – ﷺ قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) [المزمل:٢٠]
فلَنَا في هؤلاء أسوةٌ حسنةٌ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب:٢١]
ولأجلِ أن تحبَّ قيامَ الليلِ وترغبَ في أدائِه والمحافظةِ عليه؛عليك أن تبحثَ في فضلِه ومنزلتِه عند اللهِ، ولأجلِ أن لا تتكلَّفَ البحثَ فقد جمعت لك عددًا من الأحاديثِ الثابتةِ عن رسولِ الله – ﷺ في فضلِ قيامِ الليلِ، وذلك مثلاً لا حصرًا:
١- عن أبي هريرةَ –﵁ قال: قال رسولُ اللهِ – ﷺ : (أفضلُ الصيامِ بعدَ رمضانَ شهرُ اللهِ المحرمُ، وأفضلُ الصلاةِ بعد الفريضةِ صلاةُ الليلِ) رواه مسلم.
٢- عن عبدِ اللهِ بن عمرِو بن العاصِ –﵄ أنَّ رسولَ الله- ﷺ قال: (أحبُّ الصلاةِ إلى اللهِ صلاةُ داوودَ، كان ينامُ نصفَ الليلِ ويقومُ ثلثَه وينامُ سدسَه، ويصومُ يومًا ويفطر يومًا) متفق عليه.
стр. 19
٣- عن سالمِ بن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ بنِ الخطابِ ﵃ عن أبيه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: (نعمَ الرجلُ عبدُ اللهِ لو كان يصلِّي من الليلِ) قال سالمٌ: فكان عبدُ الله بعد ذلك لا ينام من الليلِ إلا قليلاً. متفق عليه.
٤- وعن سهلِ بن سعدٍ ﵄ قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ فقال: (يا محمدُ عش ما شئتَ فإنك ميتٌ، واعمل ماشئت فإنك مجزيٌّ به، وأحببْ من شئتَ فإنك مفارقُه، واعلم أنَّ شرفَ المؤمنِ قيامُ الليلِ، وعزُّه استغناؤه عن الناس) رواه الحاكم والطبراني وحسنه الألباني.
٥- عن جابرٍ ﵁ قال: سُئل رسولُ الله ﷺ : أيُّ الصلاةِ أفضلُ؟ قال: (طولُ القنوتِ) رواه مسلم. والقنوتُ: القيامُ.
٦- قربُ اللهِ من عبدِه الذي يقوم الليلَ ففي الحديثِ: (أقربُ ما يكون الربُّ من العبدِ في جوفِ الليلِ الآخرِ فإنَّ استطعتَ أن تكونَ ممن يذكرُ للهَ في تلك الساعة فكُن) رواه الترمذي وصححه الألباني.
٧- ويخبرُ النبيُّ ﷺ أنَّ صاحبَ القرآنِ الذي يقوم به ويتلوه يُغبَط لعِظَمِ أجرِه، فعن ابنِ عمرَ ﵄ أن النبيَّ ﷺ قال: (لا حسدَ إلا في اثنتين رجلٍ آتاه اللهُ القرآن فهو يتلوه آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ ... ) متفق عليه.
إنَّ العالمَ بفضلِ قيامِ الليلِ لا يستوي معَ من لا يعلم، (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ) [الزمر:٩]
فلتكن من أولي الألبابِ الذي يتذكَّرون فإنَّ هذه الآياتِ والأحاديثَ في قيامِ الليل ذكرى لنا، فهل نكونُ من أولي الألباب؟!
стр. 20
فصلٌ
فيما يعُودُ على المسلم من قيامِ الليل في الدُّنيا والآخِرةِ
ذُكرت الدُّنيا قبلَ الآخرةِ لأنَّ جزاءَ الدُّنيا ولذَّتَها قريبةٌ ملموسةٌ نعيشُها الآنَ، وهذه الدارُ زمنًا تُقدَّمُ على الآخرةِ، وإلَّا فإنَّ عِظَمَ جزاءِ الآخرةِ وخلودَها أدعى للتَّقديمِ، ولكن لعلَّ التأخيرَ يكونُ أقوى ليبقى في الذِّهنِ الجزاءُ والثوابُ الأُخرويُّ.
ما يعود على المسلمِ من قيامِه في الدُّنيا:
١- القيامُ ينهى صاحبَه عن الذنوبِ والمعاصي وفعلِ المنكراتِ، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت:٤٥] وقيل لرسولِ اللهِ ﷺ : (إن فلانًا يصلي بالليلِ فإذا أصبح سرق، قال: سينهاه ما يقول) رواه أحمدُ وابنُ حبان وصححه الألباني.
والصلاةُ مطلقاً تنهى عن الفحشاءِ، ولكنَّ قيامَ الليلِ له ميزةٌ في نهي صاحبِه، لأنَّه حين يقومُ يناجي ربَّه تعرضُ له أعمالُه فيخاف أن لا يقبلَ منه بسببِها فيتركَ ما يعملُ من المعاصي.
٢- أنه يطرد الداءَ من الجسدِ، وأولُ داءٍ يطردُه داءُ العجزِ والكسلِ، قال ﷺ : (عليكم بقيامِ الليلِ فإنَّه دأبُ الصالحين قبلَكم، فإنَّ قيامَ الليلِ قربةٌ إلى اللهِ وتكفيرٌ للذنوبِ ومطردةٌ للداءِ عن الجسدِ ومنهاةٌ عن الإثمِ) أخرجه الترمذي والبيهقي، وقال العراقي: إسناده حسن، وحسنه الألباني.
стр. 21
٣- في قيامِ الليلِ يحصل العبدُ على كلِّ خيرٍ لدنياه، فإنَّ في الليلِ ساعةً لا يوافقها عبدٌ يسأل الله تعالى خيرًا من أمرِ دنياه وآخرتِه إلا أعطاه إيَّاه، فعن جابرٍ –﵁ أنَّ رسولَ اللهِ – ﷺ قال: (إنَّ من الليلِ ساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ يسأل اللهَ خيرًا إلا أعطاه إيَّاه، وذلك كلَّ ليلةٍ) أخرجه مسلم. فانظروا يا عبادَ الله كم في قيامِ الليلِ من مصالحِ دنياكم،بل فيه مصالحُ دنياكم كلُّها، لأنَّك يا عبدَ اللهِ لا تعلمُ ما سينفعُك من دنياك مما سيضرُّك، فكم من تجارةٍ تساهمُ فيها وتتحسَّرُ عندما تخسرها، وكم من بيتٍ تبنِيه ويخربُ، وكم من تعبٍ في مذاكرةٍ لامتحانٍ ترسبُ فيه، أو يلغى، وكم من زوجةٍ تدفع مهرَها وتُمنِّي نفسَك بها، لا تُوفَّقُ فيها.. وهكذا حالُ دنياك. فلو سألتَ اللهَ في ساعةِ الاستجابةِ التوفيقَ في أمورِكَ كلِّها، وقمتَ بين يدَي ربِّك قبلَ أن تُقدمَ على عملِك سائلاً إيَّاه أن لا يضيعَ تعبَك، وأن يوفِّقَك لما يرضيك، لَمَا ندِمتَ أبدًا، حينئذٍ تطمئنُّ إلى أنَّ مالِكَ الدُّنيا المعطي الباسطَ وليُّك وكافيك وحسبُك، فكيف تحزنُ أو كيف تقلقُ وإيِّاه دعوتَ وعليه توكَّلتَ؟! فهو مُجري السَّحابِ ومذلِّلُ الصِّعابِ ومدبِّرُ الكونِ ومقسِّمُ الأرزاقِ. فيا عزبًا تريدُ الزواجَ،؛ قم فاسأل ربَّك زوجةً صالحةً تسعدك..ويا مريضًا؛ قم فاسأل ربََّك شفاءً من مرضِك.. ويا متاجرًا؛ قم فاسأل ربك أن يُربِحَك.. وهل يستغني أحدٌ عن اللهِ؟! ومن يستغني يستغنِ اللهُ عنه، واللهُ الغنيُّ ونحنُ الفقراءُ إليه. أيعلمُ عبدٌ أنَّ اللهَ هو الغنيُّ ويؤمنُ بذلك ثم يزهدُ فيما عندَه!! لا والله أبدًا.
أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطي ... ولكن لها أمد وللأمد انقضاء
стр. 22
٤- قيامُ الليلِ يورثُ صاحبَه لذةً في القلبِ، وقد حكى ذلك كثيرٌ من السلف: قال ابنُ المنكدرِ: ما بقي من لذَّاتِ الدُّنيا إلا ثلاثٌ: قيامُ الليلِ، ولقاءُ الأخوانِ، والصلاةُ في جماعةٍ. وقال أبو سليمانَ –﵀: أهلُ الدُّنيا في ليلِهم ألذُّ من أهلِ اللَّهوِ في لهوِهم، ولولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدُّنيا. وقال آخرُ: لو يعلمُ الملوكُ ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف. وقال آخر: إن لي وردًا بالليل لو تركته لخارت قواي. قال الغزالي-﵀ في بيان ما يعود على قائم الليل من اللَّذة: "وأما النقل فيشهد له أحوالُ قوّام الليل في تلذذهم بقيام الليل واستقصارِهم له كما يستقصرُ المحبُّ ليلةَ وصالِ الحبيب، حتى قيل لبعضهم: كيف أنت والليل؟ قال: ماراعيته فقط يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملتُه بعدُ. وقال آخر: أنا والليل فرسا رهان؛ مرة يسبقني إلى الفجر، ومرة يقطعني عن الفكر، وقيل لبعضهم: كيف الليل عليك؟ فقال: ساعة أنا فيها بين حالتين، أفرح بظلمته إذا جاء وأغتم بفجره إذا طلع ما تم فرحي به قط. وقال علي ابن بكار: منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر، قال الفضيل بن عياض: إذا غربتْ الشمسُ فرحتُ بالظلام لخلوتي بربي، وإذا طلعتْ حزنتُ لدخول الناس عليّ" (١) .
٥- صاحبُ قيامِ الليلِ يصبحُ طيِّبَ النفسِ نشيطًا يُعان على عملِه سائرَ يومِه. قال رسولُ اللهِ – ﷺ : (يعقد الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم إذا هو نام ثلاثَ عقدٍ، يضرب مكانَ كلِّ عقدةٍ: عليك ليلٌ طويلٌ فارقد، فإن استيقظ ذكرَ اللهَ انحلت عقدةٌ، فإن توضأ انحلت عقدةٌ، فإن صلى انحلت عقدةٌ، فأصبح نشيطاً طيبَ النفسِ، وإلا أصبح خبيثَ النفسِ كسلانَ) متفق عليه.
стр. 23
وصدَقَ الصادقُ المصدوقُ، فترى أصحابَ القيامِ لا يبدو عليهم الكسلُ بل يبدون ذووا نشاطٍ وحيويةٍ، بينما ترى أصحابَ النومِ إلى الصباحِ وقد تورَّمت أعينُهم من النومِ لا يكادون يمدُّون أيديَهم أو يثنون أرجلَهم إلا شعروا بالكسلِ والتعبِ، وما ذاك النشاطُ لصاحبِ القيامِ إلا عونٌ من اللهِ تعالى لمناجاتِه وتقرُّبِه إليه حتى أصبحَ بصرَه وسمعَه ويدَه ورجلَه.. قوةٌ يمنحها اللهُ له لا يجدُها غيرُه. لذا فلا تعجب إذا قرأتَ عن الصحابةِ وتبعهِم من السلفِ الصالحِ الذين يبيتون لربِّهم سجدًا وقيامًا، وإذا أصحبوا كانوا فرسانًا يخوضون غمارَ المعاركِ ويركبون الصِّعابَ لا يغلبهم أحدٌ من أصحابِ النومِ الطويلِ والرقادِ المريحِ.
٦- صلاحُ الأبناءِ من نتائجِ قيامِ الآباءِ في الليالي الباردةِ، فإذا قام العبدُ يصلِّي يسأل اللهَ أن يصلحَ له في ذرِّيتهِ ويحفظَهم حتى بعدَ مماتِه، قال تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) [الكهف:٨٢]
نعم.. رحمهما اللهُ برحمةِ أبيهما الذي كان يسألُ اللهَ لهما –طوالَ حياتِه- الحفظَ والصلاحَ.
٧- أصحابُ القيامِ والتهجدِ على الرُّغم من أنَّهم أقلُّ نومًا من غيرِهم؛ إلا أنَّهم يكتسبون نورًا في وجوهِهم سائرَ يومِهم وعندَ موتِهم. وقد حكى كثيرٌ من السَّلفِ أنَّهم يجدون النورَ في وجهِ صاحبِ القيامِ في حياتِه وعندَ مماتِه. قيل للحسنِ –﵀: ما بالُ المتهجِّدين من أحسنِ النَّاسِ وجوهًا؟ قال: لأنَّهم خَلَوا بالرَّحمنِ فألبسَهم نورًا من نورِه.
стр. 24
٨- سعةُ الرزقِ سمةُ أصحابِ القيامِ، يرزقهم اللهُ من حيث لا يحتسبون، ذلك لأنَّهم صبروا على قيامِ الليلِ واحتسبوه واتقوا اللهَ ، وقد وعدَ اللهُ من اتَّقاه واحتسبَ عندَه الأجرَ أن يرزقَه من حيث لا يحتسب ولا يشعر. ويجعل له مخرجًا من الضِّيقِ الذي يلمُّ به، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق:٢،٣] .
٩- القيامُ بالليلِ بالقرآنِ معينٌ على تثبيتِ القرآنِ في الصدرِ، فعن ابنِ عمرَ –﵄ قال رسولُ اللهِ- ﷺ : (وإذا قام صاحبُ القرآنِ فقرأه بالليلِ والنهارِ ذكَرَه وإذا لم يقُم به نسِيَه) رواه مسلم.
ويقول اللهُ تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً) [المزمل:٦] بعد قوله: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا) [المزمل:٥] قال الحسنُ: أثبتُ في القراءةِ وأقوى في القراءةِ (١) .
١٠- أصحابُ القيامِ مجابوا الدعوةِ إذا استنصروا اللهَ نصَرَهم،وإذا استعاذوه أعاذَهم، لأنَّهم تقرَّبوا إلى اللهِ بالفرائضِ والنوافلِ، وأحبُّ النوافلِ إلى اللهِ قيامُ الليلِ، وقد وعَدَ من تقرَّب إليه بالنَّصرِ والعوذِ.
وعن عبادةِ بنِ الصامتِ –﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (من تعارَّ من الليلِ فقال: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، الحمدُ للهِ وسبحانَ اللهِ ولا إله إلا اللهُ واللهُ أكبرُ ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ ثم قال: اللَّهم اغفر لي أو دعا استُجيب له فإن توضَّأ وصلَّى قُبلت صلاتُه) رواه البخاري
стр. 25
وهذا ليس كلُّ ما يناله أصحابُ قيامِ الليلِ من خيرِ الدُّنيا بل جزءٌ منه وما عندَ اللهِ خيرٌ، ولكني ذكرتُه ليستحضرَه المؤمنُ حين يغالبه الشيطانُ ويكسله ويأمره بالنومِ والتفريطِ في القيامِ، فإنَّ استحضارَه آنذاك منفعةٌ عظيمةٌ مجديةٌ لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيدٌ.
أمَّا ما ينالُه أصحابُ القيامِ في الآخرةِ فأعظمُ وأعظمُ، بل لا يساوي ما ناله في الدُّنيا شيئًا بجانِبِه، ومما يناله القائمُ في الآخرةِ:
١- رضا اللهِ ، فإنَّ اللهَ يضحكُ للعبدِ يتركُ فراشَه الوثيرَ وزوجَه الحسناءَ يقوم يصلِّي وقد وردَ ذلك في الحديثِ، عن أبي الدرداءِ- ﵁ قال: قال رسولُ الله – ﷺ : (ثلاثةٌ يحبُّهمُ اللهُ ويضحكُ إليهم ويستبشرُ بهم.. وذكرَ منهم والذي له امرأةٌ حسناءُ وفراشٌ لينٌ حسنٌ فيقومُ من الليلِ، فيقول: يذر شهوتَه ويذكرني ولو شاء رقد) رواه الطبراني وقال المنذري إسناده حسن.
وضَحِكَه دليلُ رضاه، جعلنا اللهَ وإيَّاكم ممن تقرُّ أعينُهم برؤيةِ ربِّهم ورضاه وضَحِكِه. كما أنَّ اللهَ يَعجب ويباهي الملائكةَ بقائمِ الليلِ: فعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ –﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ (عجب ربُّنا من رجلين: رجلٍ ثار عن وطائِه ولحافِه من بين حبِّه وأهلِه إلى صلاتِه فيقول اللهُ لملائكتِه: انظروا إلى عبدي ثارَ عن فراشِه ووطائِه من بين حبِّه وأهلِه إلى صلاتِه رغبةً فيما عندي وشفقةً مما عندي) رواه الطبراني والبيهقي وابن حبان وصححه الألباني والأرنؤوط.
стр. 26
٢- جنةُ المأوى التي لا يُعلم ما أُخفي فيها مِمَّا لم ترَ عينٌ ولم تسمع أذنٌ ولم يخطر على قلبِ بشرٍ، ذلك هو النعيمُ الحقُّ الذي ينتظرُه، قال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:١٥،١٦] وعن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ –﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ : (يا أيُّها الناسُ أفشوا السَّلامَ، وأطعموا الطعامَ، وصلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ تدخلوا الجنَّةَ بسلامٍ) رواه الترمذي وصححه الألباني.
وعن عليٍّ –﵁ قال: قال رسولُ اللهِ – ﷺ : (إنَّ في الجنةِ غرفًا يُرى ظاهرُها من بطونِها وبطونَها من ظهورِها فقام أعرابيٌّ فقال: لمن هي يا رسولَ الله؟ قال: لمن أطابَ الكلامَ وأطعمَ الطَّعامَ وأدامَ الصِّيامَ وصلَّى بالليلِ والناسُ نيامٌ) رواه الترمذي وحسنه الألباني.
وهل أعظمُ من هذا شيءٌ..؟! أيُّ لذةٍ تحصل عليها ساعةً من الليلِ تنام فيها عن القيامِ لربِّك حين ينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا. أي لذةٍ هذه تستحقُّ أن تضيعَ بها لذةَ النعيمِ والخلدِ في دارِ المقامةِ. الدارُ التي من دَخَلها نَعِمَ فلم يبأس، وفَرِحَ فلم يحزن، وسَعِدَ فلم يشقَ، ورَضِيَ فلم يسخط (أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [آل عمران:١٧٠]
стр. 27
(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء:١٠١-١٠٣] إنَّك أخي لو قرأتَ شيئًا عن نعيمِ الجنَّةِ الذي يفوق الوصفَ لطار قَلبُك ترجو أن تكون من أهلِها، فلِمَ لا تكونُ من أهلِها؟! ما الذي يمنعك؟!
إنَّه الشيطانُ الذي توعدَّكَ حسدًا لتكونَ معه في الأسفلين، فشَمِّر عن ساعِد الجدِّ بعداوتِه، وإيَّاكَ أنْ تستجيبَ له أو تقبلَ إغراءَه فتتركَ القيامَ فتكونَ من النادمين.
٣- رحمةُ اللهِ تعالى للعبدِ الذي يقوم من الليلِ يصلِّي.. قال ﷺ : (رَحِم اللهُ رجلاً قام من اللَّيل فصلَّى وأيقظَ امرأتَه، فإن أبت نضحَ في وجهِها الماءَ، ورَحِم اللهُ امرأةً قامت من الليلِ فصلَّت وأيقظت زوجَها، فإن أبى نضحت في وجهِه الماءَ) رواه أبو داوود وقال الألباني (حسن صحيح) .
فهذا الحديثُ يدلُّ على تساوي الرجلِ والمرأةِ في العبادةِ أداءً لحقِّ اللهِ، وتساويهما في الجزاءِ استحقاقًا لرحمةِ اللهِ.
٤- من يصلِّي ركعتين يُكتب في الذاكرين اللهَ كثيرًا. فانظر يا رعاك اللهُ عِظم القيامِ، حيث صلاة ركعتين في جوفِ الليلِ تُلحقُ صاحبَها بالذاكرين اللهَ كثيرًا، فما ظنُّك بمن صلَّى أكثرَ من ذلك. قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إذا أيقظ الرجلُ أهلَه من الليلِ فصلَّيا –أو صلَّى- ركعتين جميعًا، كُتبا في الذاكرين والذاكرات) رواه أبود داوود وصححه الألباني.
стр. 28
٥- قيامُ الليلِ بالقرآنِ يُخرجُ صاحبَه من مسمَّى الغافلين، ويُكسبه الأجرَ الوفيرَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ –﵄ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (من قام بعشرِ آياتٍ لم يكتبْ من الغافلين، ومن قام بمائةِ آيةٍ كُتب من القانتين، ومن قام بألفِ آيةٍ كُتب من المقنطرين) رواه أبو داوود وصححه الألباني.
المقنطرين: أي المالكين مالاً كثيرًا والمرادُ كثرةُ الأجرِ (١) .
قال ابنُ حجر: من سورةِ تباركَ إلى آخرِ القرآنِ ألفُ آيةٍ.
٦- الهمُّ بالصلاةِ والقيامِ، والعزمُ عليه، وبذلُ الأسبابِ له موجبٌ للأجرِ والثوابِ، ولو لم يقم صاحبُه، بل ونومُه عليه صدقةٌ، قال ﷺ : (ما من امرئٍ تكون له صلاةٌ بالليلِ فغلبه عليها النومُ إلا كُتب له أجرُ صلاتِه وكان نومُه صدقةً عليه) رواه أبو داوود وصححه الألباني.
٧- نيلُ ما يرجوه العبدُ في الآخرةِ من المغفرةِ والرحمةِ والنعيمِ والخلدِ وكلِّ ما سألِ، لأنَّ في الليلِ ساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ يسأل الله خيرًا من أمرِ الدُّنيا والآخرةِ إلا أعطاه. كما وردَ ذلك في الحديثِ الصحيحِ: (إنَّ في الليلِ لساعةً لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ يسأل اللهَ خيرًا من أمرِ الدُّنيا والآخرةِ إلا أعطاه إيَّاه وذلك كُلَّ ليلةٍ) رواه مسلم.
٨- قائمُ الليلِ يشهدُ نزولَ اللهِ إلى السماءِ الدُّنيا في ثلثِ الليلِ الأخيرِ، حيث ينزلُ إلى السماءِ الدُّنيا فيسأل سبحانه: هل من سائلٍ فأعطيَه؟ هل من مستغفرٍ فأغفرَ له؟.
وهناك الفوزُ في دارِ الخلدِ حيث يجد العبدُ ما سأله في جوفِ الليلِ من المغفرةِ والرحمةِ.
стр. 29
٩- وقيامُ الليلِ مكفِّرٌ للسيئاتِ والخطايا، كما قال ﷺ لمعاذٍ –﵁: (ألا أدلُّكَ على أبوابِ الخيرِ الصومُ جنةٌ والصدقةُ تطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النارَ وصلاةُ الرجلِ من جوفِ الليلِ ثم تلا (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) حتى بلغ (يَعْمَلُونَ)) رواه الترمذي وصححه الألباني.
١٠- النورُ يومَ القيامةِ، عن أبي الدرداءِ، عن النبيِّ – ﷺ قال: (من مشى في ظلمةِ الليلِ إلى المساجدِ لقي اللهَ بنورٍ يومَ القيامةِ) رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه وصححه الألباني.
١١- حين يجدُ أصحابُ النومِ والتفريطِ الضَّنكَ والضِّيقَ في قبورِهم، يجد صاحبُ الليلِ والتهجدِ والقرآنِ السعةَ والراحةَ والسرورَ في قبرِه، فإنَّه يجيءُ إليه عملُه الصالِحُ في أحسنِ صورةٍ يجالسُه ويؤانسُه ويجد ما كان يقرأه من قرآنٍ أنسًا ونعيمًا في قبرِه.
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ:
(إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ... إلى أن قال – في وصف حال المؤمن في القبر -:
فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ.
стр. 30
قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ. فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ. فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ. فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي) رواه أحمد (٤/٣٦٢) وصححه الألباني في "أحكام الجنائز" (١٥٦) .
هذه بعضُ عوائدِ وفوائدِ قيامِ الليل، إذا استحضرها العبدُ قبلَ نومِه عزمَ على القيامِ، وإن استحضرها عندَ إفاقتِه نشطَ عليه.
فصل
في الأسباب المعينة على قيام الليل
إنَّ اللهَ تعالى جعل لكلِّ شيءٍ سببًا، وقيامُ الليلِ له أسبابٌ تعين عليه، فمن أراد أن يقومَ فلا بدَّ أن يأخذَ بالأسبابِ التي تعينه وتمكِّنُه من القيامِ بعونِ اللهِ.
وسأذكرُ في هذه الرسالةِ جملةً من الأسبابِ بالدليلِ والبرهانِ قدرَ ما أستطيعُ، وأسألُ اللهَ أن ينفعَ بها من قرأها:
١- الاستعانةُ باللهِ تعالى: كما أنَّ جميعَ الأمورِ من عباداتٍ وأخلاقٍ وأمورِ معاشٍ تتطلبُ الاستعانةَ باللهِ سبحانه، فإنَّ قيامَ الليلِ من ألزمها، وذلك أنَّ صاحبَه ومريدَه يهمُّ به وهو مستيقظٌ فإذا نامَ تمكَّنَ الشيطانُ منه وعقد على قافيتِه بثلاثِ عقدٍ، فإذا كان العبدُ مستعينًا باللهِ، كان اللهُ له عونًا على عدوِّه إبليس فلا يجعلُ له سلطانًا عليه ما دام على ربِّه متوكلاً وبه مستعينًا، قال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل:٩٩]
стр. 31
وإن العبدَ ليستعينُ باللهِ عدةَ مراتٍ في اليومِ والليلةِ حينما يقرأُ الفاتحةَ ويقول: إيَّاك نعبدُ وإيَّاك نستعينُ، فعليك أن تستحضرَ طلبَ الاستعانةِ حين تقرأُ هذه الآيةَ ولا سيَّما في أولِ القيامِ فإنَّه شاقٌّ إلا على من استعان باللهِ، وليتذكَّرْ قولَه تعالى وهو يجاهدُ نفسَه على القيامِ: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:٦٩]
٢- تصحيحُ العقيدةِ والنظرُ في سلامتِها، فعلى مريدِ القيامِ أن ينظرَ في مدى إيمانِه باللهِ سبحانه، وينظر في هذا الإيمانِ هل اكتملت جوانبُه وأركانُه حقًّا حقًّا، وصدقًا صدقًا، فلا يكون الأمرُ مجردَ كلامٍ وتلفُّظٍ باللسانِ، وإنما يَقِر في القلبِ، فيكون بالله مُعلقًا قلبه، يعيش دنياه لآخرتِه، يؤمنُ برسلِ اللهِ ويصدِّقُ ما جاؤوا به، فلا ينكرْ أحدًا منهم أو آيةً من آياتِهم ومعجزةً من معجزاتِهم، ويؤمنُ بمحمدٍ ﷺ ، ويحبُّه ويحبُّ ما جاء به، يحبُّه اتباعًا لا هَوَسًا شعرًا ونثرًا وعِشقًا!! فإنَّ أصحابَ المحبةِ الصادقةِ هم أهلُ العملِ والمتابعةِ والاقتداءِ، وليسوا أهلَ البدعِ والمخالفةِ والأهواءِ.
وينظر في إيمانِه بالملائكةِ، هل يستحضرُ رقابتَهم له، ويتذكرُ أنَّ عليه مَلَكينِ مكلَّفَين به يكتبان حسناتِه وسيئاتِه، فلا ينطق بغيرِ رضا اللهِ وذكرِه، وإذا نطق بغيرِ ذلك تذكَّر واستغفر، ويؤمن بالملائكةِ جميعًا وخلقِهم وصفتِهم كما أخبر اللهُ عنهم، ولا يُنكرْ مما دلَّ عليه الشرعُ شيئًا؛ فمثلاً يؤمنُ بأنَّ الذي يتوفَّى الأنفسَ بإذنِ ربِّه الملكُ، ملَكُ الموتِ الموكَّلُ بها فإذا وضع جنبَه واستشعر أنَّ الملكَ يقبض روحَه وقد لا ترجع، واستحضر كم من عبدٍ نام فلم يستيقظ، وَجِل قلبُه وارتعدت أطرافُه، ووجد همًّاً يبعثُه على الاهتمامِ بطاعةِ ربِّه والمسارعةِ للعملِ له والقيامِ لملاقاتِه ومناجاتِه ورجاءِ ثوابِه.
стр. 32
يؤمنُ باليومِ الآخرِ فيرجو الجنةَ ويحذر الآخرةَ وعقابَها، وهذا الإيمانُ من أعظمِ الدوافعِ على قيامِ الليلِ. قال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) [الزمر:٩] .
يؤمنُ بالقدر خيرِه وشرِّه، فلا يجزع لما فاته ولا ما أصابه، ولا يسبّ قدرَ الله، ولا يعترضُ عليه أو يشكوه، فإنما يسبُّ ربَّه ويشكو ربَّه، وهل قدَّر عليه إلا الله؟!
وكلُّ هذا الإيمانِ يكون نابعًا من إيمانِه بكتابِ ربِّه وما جاء فيه من الخبرِ والأمرِ، فإذا قام وقرأ القرآنَ، وكان على يقينٍ وإيمانٍ بأنه كلامُ ربِّه واستحضر أن اللهَ يحادثُه ويُكَلِّمُه؛ خشعَ له واقشعرَ له جلدُه، قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر:٢٣]
٣-محبةُ اللهِ والتعلُّقُ به سبحانَه، لأنَّ من أحبَّ أحدًا حرص على لقائِه وحديثِه والاستماعِ إليه، فلا يشكو إلا له، ولا يأنسُ إلا بحديثِه، فإذا تحدَّث غيرُه لم يزدْ لحديثِ ربِّه إلا حبًّا وتعلقًا وشوقًا.
باللهِ عليك يا أخي أليس لك أحدٌ تحبُّه وتحبُّ مجلسَه وحديثَه؟ تجده قريبًا إلى قلبِك.. سلْ ... نفسَك إلى أيِّ مدىً تحترم موعدَه لك.. هب أنه غاب عنك ووعدَك لقاءً بعدَ حينٍ.
ألستَ تنتظرُ حين موعده وتذكرُه وتهيءُ نفسَك لاستقبالِه؟! لو طلبَ منك أحدٌ سواه أن تأتيَه في هذا الوقت اعتذرتَ إليه ولم تُجب دعوتَه.. بل قد تُحرِّصُ أهلَك أن يذكِّروك أو يوقِظوك إن كان وقتَ نومٍ، لحرصِك على أن لا تفِّوتَ لحظةَ لقائِه.. سلْ نفسَك يا أخي.. من هذا الذي تحرصُ عليه هذا الحرصَ؟!
стр. 33
أهو رزَقَك؟! أهو يشفيك؟! أهو يؤمِّنُك من فزعِك؟! أهو سببُ وجودِك وخالقُك؟! أهو أبدعَكَ وسوَّاك وعدلَك، وفي أحسنِ صورةٍ ركَّبك؟! أهو وعدَك أنَّ ما سألتَه أعطاك؟! .. لا واللهِ لا يفعلُ ذلك لك، وماله من ذلك من شيءٍ بل هو مخلوقٌ مثلُك، يحتاجُ إلى ما تحتاجُ إليه.
بل إن وعدَك الليلَ فكَّرتَ في لقائِه النهارَ، وإن وعدَك النهارَ فكَّرت في لقائِه الليلَ.. هذا إذا كان لك حبيبًا وقريبًا، ويزيدُ حرصُك وينقصُ بحسب محبتِكَ له وقربِه منك..
وعلى هذا فإنَّ من يحبُّ اللهَ ويحرصُ على لقائِه، وعلى مقدارِ ما يُكِنُّ العبدُ من محبةٍ لربِّه، وما يَقِر في قلبِه من حبِّ اللهِ؛ يكونُ حبُّه للقائِه وشوقُه لموعدِ نزوله.. وأنسُه بحديثه.
وكلُّ واحدٍ يختلفُ عن الآخرِ في حرصِه على لقاءِ الله فمنهم من يقومُ له ثُلُثَ الليلِ، ومنهم من يقومُ رُبُعَه، ومنهم من يقومُ ساعةً، ومنهم من يقومُ نصفَها وربعَها وعشرَها، وهؤلاء يختلفون في محبَّتِهم للهِ كلٌّ بحسبِ عملِه.
وكيف يُثبِتُ العبدُ محبتَه للهِ ويدَّعي ذلك وهو عن لقائِه غافلٌ ولمناجاتِه قالٍ، ولكلامِه هاجرٌ؟!
فالكلُّ عند الادِّعاءِ يدَّعي محبةَ اللهِ. ولكن عند الجزاءِ لا يقرُّ اللهُ لمدَّعي محبتِه، وإنما يقرُّ لأهلِ طاعتِه ورضاه، جعلنا اللهُ منهم.
وسأضربُ لك أخي مثالاً يقرِّبُ ما أقول ويثبته:
سافرت إلى بلدٍ غيرِ بلدك، ولك في بلدِك أهلٌ وأقاربٌ وأصدقاءُ وأخبرتَهم بيومِ عودتِك، وأنَّك تنتظر منهم لقياهم لك.
стр. 34
فلمَّا قدمتَ في موعدِك وجدتَ أحدَهم ينتظرُك عندَ الطائرةِ بذَلَ كلَّ ما يستطيعُ حتى سُمحَ له بالدخولِ لذلك المكانِ، ووجدتَ آخرَ ينتظرك في صالةِ الانتظارِ قدم قبلَ موعدِك بساعةٍ.. وآخرُ وصل للتوِّ، ورابعٌ انتظرك في بيتِك، وخامسٌ جاءك بعدَ وصولِك، وسادسٌ جاءك بعدَ مضيِّ يومٍ من وصولِك.. وسابعٌ لقيتَه في السوقِ فسلَّم عليك وحيَّاك وادَّعى الشوقَ إليك والانتظارَ لقدومِك.
ألستَ تصنِّفُ محبةَ هؤلاءِ بحسب إقدامِهم عليكَ؟!
وهل تصدِّق ذاك الذي لقيتَه في السوقِ لو ادَّعى أنَّه يحبُّك أكثرَ ممن استقبلك عندَ الطائرة؟!
لا أظنُّك تصدق..
إذن فمن ينامُ ملءَ جَفنيه ثم يدَّعي أنَّه يحبُّ اللهَ أكثرَ ممن يهجرُ فراشَه وراحتَه إلى لقاءِ ربِّه ومناجاتِه. إنَّ من تكون هذه حاله لا يمكن أن يكونَ يحبُّ ربَّه أكثر، واللهُ سبحانَه أعلمُ بأهلِ محبَّتِه.
٤ - محبةُ الرسولِ – ﷺ الصادقةُ، والحرصُ على متابعتِه والاقتداءِ به ورجاءُ الله بذلك (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب:٢١] وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران:٣١] .
٥ - شدةُ الخوفِ من اللهِ واستحضارُ غضبِه على من فرَّطَ في لقائهِ ومن تهاونَ في صلاةِ الفجرِ، وهذا الخوفُ يتأتَّى بالعلمِ بأحاديثِ الوعيدِ الذي يُكسبُ القلبَ خشيةَ اللهِ، وهذا سببٌ من الأسبابِ التي كانت تدفعُ السلفَ الصالحَ للقيامِ للهِ .
إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهمُ وهمُ ركوعُ
أطار الخوفُ نومَهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع
لهم تحت الظلام وهم سجودٌ ... أنينٌ منه تنفرج الضلوع
стр. 35
وهذا الخوف إذا قُرِنَ بقِصَرِ الأمل كان عونًا للعبد على ذكر القيام ومداومتِه.
٦ - استحضارُ العبدِ شهودَ الله لصلاتِه وحضورَه إياها، وسماعَه لتلاوته واستجابتَه لدعائِه وقبولَ توبتِه واستغفارِه، فإنَّ اللهَ سبحانَه ينزلُ ثلثَ الليلِ الأخيرِ إلى السماءِ الدُّنيا، فيُعطي من سأل ويجيبُ من دعا ويغفرُ لمن استغفر، وقد ثبت ذلك في الحديثِ الذي رواه أبو هريرةَ –﵁ أنَّ رسولَ اللهِ – ﷺ قال: (ينزلُ اللهُ ﵎ إلى السماءِ الدُّنيا كلَّ ليلةٍ حين يمضي ثلثُ الليلِ الأولِ فيقول: أنا الملك أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيبَ له، من ذا الذي يسألني فأعطيَه من ذا الذي يستغفرني فأغفرَ له) أخرجه مسلم.
٧ سلامةُ القلبِ للمسلمين فلا يحقد على أحدٍ بل ويبيت وهو لا يحمل على أحدٍ ضغينةً ولا وزرًا، فإذا وجد في نفسِه من ذلك شيئًا أحلَّهم قبل أن ينامَ وجعل ذلك صدقةً عليهم، فإذا تصدَّقَ بمظلمتِه على المسلمين تصدَّقَ اللهُ عليه ورَحِمَه وبعثَه ليحصِّلَ خيرًا مما تصدَّقَ به.
٨ الابتعادُ عن المعاصي والذنوبِ، والإقبالُ على الطاعاتِ والحسناتِ، والإكثارُ منها سائرَ اليومِ، يسهِّلُ قيامَ الليلِ، لأنَّ من حفِظ اللهَ في يقظتِه حفظه اللهُ في منامِه، ومن كان على طاعةٍ سائرَ يومِه سهُل عليه القيامُ بالطاعاتِ في الليلِ، وقد قال أحدُهم: اليومُ الذي أصومُ فيه أيسر عليَّ في القيام بعدَه في الليلِ من الأيامِ التي لا أصومُ فيها، لأنَّي أشعرُ أنَّ قلبي أكثرُ رقةً. وكما قيل: الحسنةُ تجرُّ أختَها.
٩ الإعراضُ عن فضولِ الدُّنيا، فإنَّ التعلُّقَ بالدُّنيا والنومَ معَ التفكيرِ فيها يُبعدُ التفكيرَ في الآخرةِ، فلا يجتمعُ ضدان.
١٠ اجتنابُ كثرةِ الأكلِ والشربِ والخلطةِ بلا حاجةٍ، لأنَّ ذلك يورثُ غفلةَ القلبِ، وامتلاءُ البطنِ يمنع من القيامِ، فالأكلُ الكثيرُ يستوجبُ النومَ الكثيرَ.*
стр. 36
١١ الابتعادُ عن الأعمالِ الشاقةِ والمرهِقةِ للجسدِ بلا فائدة، والتي يحتاج الجسدُ بعدَها إلى راحةٍ ونومٍ مستغرقٍ.
١٢ إلزامُ النفسِ الهمَّ بالقيامِ وهذا الهمُّ لا يتأتَّى إلا بصدقِ الطلبِ والحرصِ، سُئل المحاسبي عن الدليلِ على أنَّ الهمَّ يوقظ صاحبَه، فقال: "الدليلُ على ذلك أنَّ العبدَ قد ينام الليالي الكثيرةَ، فلا يستيقظ إلا بقربِ وقتِ صلاةِ الفجرِ أو بعدَه، حتى إذا عرضت له حاجةٌ من حوائجِ الدُّنيا يهتمُّ بأن ينالَها، ويحذرُ أن تفوتَه إن لم يدلج لها، فإذا نام مهتمًا بالقيامِ وقد ألزم قلبَه الحذرَ من أن يذهبَ به النوم ُفيفوتَه البكورُ تيقَّظَ في الليلِ مرارًا لغيرِ الوقتِ الذي ينتبه له، يحرِّكه الاهتمامُ والحذرُ اللذان نام وهما في قلبِه، فإذا كان الاهتمامُ والحذرُ لأمرِ الدنيا يوقظان عقلَه وينبهانِه بعدَ ما نام وذهب عقلُه؛ فهما أولى أن يوقظاه لأمرِ الآخرةِ وهو يقظان لم ينم.
стр. 37
وشتانَ بين المطلوبين هذا يطلب قليلاً فانيًا مكدرًا بالغمومِ والأمراضِ والأسقامِ، ومن بعدِه يختمُ له بالموتِ، ومن بعدِ الموتِ ينظر فيه بعدَما ذهبت لذتُه ومنفعتُه، وبقي السؤالُ بين يدي اللهِ تعالى، حتى يُسألَ عنه: ماذا صنع فيه؟ ثم العفوُ أو العذابُ عليه، ومع هذه الأسبابِ المكدرةِ في الدُّنيا والآخرةِ لن ينالَ من ذلك إلا ماقدر له، وهذا يهتمُّ لطلبِ باقٍ كثيرٍ لا يفنى، مع نعيمٍ مقيمٍ وعيشٍ سليمٍ قد أُزيلت عنه الأمراضُ والأسقامُ، ورُفعت عنه الهمومُ والغمومُ والأحزانُ، ولا يختم بموتٍ أبدًا،ولا حسابَ ولا تبعةَ فيه عليه، والمولى راضٍ عنه، هو مسرورٌ بما يتقلَّبُ فيه من نعيمِ الآخرةِ، باقٍ فيه أبدًا، ولا يشاءُ إلا بلغت فيه مشيئتُه في حياةٍ ليس فيها موتٌ، ونعيمٌ لا يخاف عليه أبدًا الفوت، مجاورُ القدوسِ الأعلى في دارِه، لا يخاف سخطَه بعدَ رضاه ثم ما رضي له بذلك حتى أكملَ ذلك له بغايةِ الكرامةِ، وقرَّبه إليه في الزيارةِ، وأنجزَ له ما وعدَه من الرؤيةِ والنظرِ إلى وجهِهِ الكريمِ ، إذ يقول جلَّ من قائلٍ: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر:٥٤،٥٥] فأعظِم به من مجلسٍ، وأكرِم به من زائرٍ ومزورٍ، وناظرٍ ومنظورٍ إليه، ومقبِلٍ ومقبَلٍ عليه، مترددٌ فيما بين نعيمِه ولذاتِه، والنظرِ إلى وجهِهِ جلَّ وعزَّ، فشتانَ ما بين الهمَّتين، وشتانَ ما بين الغايتين، فإذا كان هذا النائمُ يوقظُه اهتمامُه لهذا الفاني المنغَّصِ المكدَّرِ بعد ذهابِ عقلِه، فالهمُّ للباقي الهنيءِ السليمِ، والحذر من فوتِه مع الحلولِ في العذابِ الأليمِ؛ أولى أن يتيقَّظَ له العقلُ، ولم يذهب بنومٍ، فإذا اهتم وحذر تيقظ" (١) .
стр. 38
١٣ التيقُّنُ من القيامِ والقدرةِ عليه وعلى الوترِ بعدَ النومِ وذلك أفضلُ لقولِه تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا) [المزمل:٦] .
قال بعضُ المفسرين: " (إنَّ ناشئةَ الليلِ) : أي ساعات الليلِ وأوقاته التي فيها التفرغُ والصفاءُ، وما ينشئُه المرءُ من طاعةٍ وعبادةٍ يقوم لها من مضجعِه بعد هدأةٍ من الليل، (هي أشد وطئًا) أي: هي أشدُّ على المصلِّي وأثقلُ من صلاةِ النهارِ، لأنَّ الليلَ جُعل للنومِ والراحةِ، فقيامُه على النفسِ أشدُّ وأثقلُ، ومن شأنِ هذه الممارسةِ الصعبةِ أن تقويَ النفوسَ، وتشدَّ العزائمَ، وتصلبَ الأبدانَ" (١) .
وصلاةُ الليلِ مشهودةٌ وذلك أفضلُ، فإن لم يتيقَّن العبدُ من القدرةِ على القيامِ فإنَّه يشرعُ له أن يصليَ قبلَ أن ينامَ.
عن جابرٍ ﵁ قال رسولُ اللهِ – ﷺ : (من خافَ أن لا يقومَ من آخرِ الليلِ، فليوتر أولَه، ومن طَمِع أن يقومَ آخرَه فليوتر آخرَ الليلِ، فإنَّ صلاةَ آخرِ الليلِ مشهودةٌ وذلك أفضلُ) رواه مسلم.
وما ذاك إلا لأنَّ من لم يتقين القيامَ وفاتَه الوترُ ليلتَه كلَّها فاته خيرٌ كثيرٌ، ومن ثم يتكرَّرُ هذا مراتٍ حتى يسهلَ عليه التفويتُ والتضييعُ،لأنَّ المرءَ حين يقصِّر لأولِ مرةٍ يجد في قلبِه غمًّا وهمًّا، فإن عاد مرةً أخرى خفَّ هذا الهمُّ والاغتمامُ، فإذا تكرَّر نقصَ ونقصَ حتى يذهب،فلا يحزنُ لفواتِ القيامِ فيُحرمَ القيامَ كلَّه.
١٤ أن يسعى إلى وضعِ ما ينبِّهُه كتوقيتِ الساعةِ المنبِّهةِ أو تكليفِ أحدٍ أهلِه أو جيرانِه أو أصدقائِه بإيقاظِه.
стр. 39
فإذا كان ممن لا يشعرُ بتصرفاتِه وهو نائمٌ فليُبعد منبِّهَهُ ويجعل بينه وبينه حائلاً فلا يستطيعُ إغلاقَه إلا ببذلِ جهدٍ، كوضعِه على نافذةٍ مرتفعةٍ أو خزينةِ ملابسٍ عاليةٍ فلا يتمكن من الوصول إليها إلا بالصعودِ على كرسيٍّ ونحوِه، فيكون بعد ذلك قد استيقظ تمامًا، وهذا بلا ريبٍ لا يضطرُ إليه إلا من تكررَ منه إغلاقُ المنبِّهِ والنومُ مرةٍ ومراتٍ، أو يستخدمُ التوقيتَ لإطفاءِ التكييفِ فيضبطه مثلاً قبلَ وقتِ قيامِه فيضايقه ذلك فيستيقظ.
١٥ أن يتعاونَ مع أحدٍ أهلِ بيتِه على القيامِ لأنَّ الشيطانَ أغلبُ على الواحدِ منه على الاثنين، والتعاونُ أدعى للتنافسِ، وأدومُ للعملِ لا سيما إذا كان التعاونُ بينَ الزوجِ وزوجتِه، قال رسولُ اللهِ- ﷺ : (رَحِمَ اللهُ رجلاً قامَ من اللَّيلِ فصلَّى وأيقظَ امرأتَه فإن أبت نضَحَ في وجهِها الماءَ، ورَحِمَ اللهُ امرأةً قامت من اللَّيلِ فصلَّت وأيقظت زوجَها فإن أبى نضَحَت في وجهِه الماءَ) رواه أبو داوود وقال الألباني: حسن صحيح.
وعن أمِّ سلمةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ﵂: أنَّه استيقظَ ليلةً فزعًا، يقول: (سبحانَ اللهِ، ماذا أنزل اللهُ من الخزائنِ؟ وماذا أُنزل من الفتنِ؟ من يوقظ صواحبَ الحجراتِ، يريد أزواجَه، لكي يصلِّين؟ رُبَّ كاسيةٍ في الدُّنيا، عاريةٌ في الآخرةِ) رواه البخاري.
وكان أبو هريرةَ وامرأتُه وخادمُه يقَسِّمون الليلَ ثلاثًا. يصلِّي هذا، ثم يوقظُ هذا.
стр. 40
١٦ العزيمةُ على من تكلِّفه بإيقاظِك أن لا يتركَك حتى تستيقظَ ويتأكدَ من استيقاظِك، ولو دعاه ذلك إلى نضحِ الماءِ في وجهِك لما في ذلك من طردٍ للشيطانِ وحضورٍ للعقلِ، وعليك أن لا تغضبَ إن فعلَ ذلك، حتى لا تفترَ عزيمتُه على إيقاظِك، فإنَّك لو تعلم مقدارَ ما أيقظك صاحبُك له لقبَّلت رأسَه أن أيقظَك ولو أراقَ عليك الماءَ. ولعلِّي أضربُ مثلاً يقرِّب المعنى للقلوبِ، بأصحابٍ ناموا في بيتِ ملِكٍ وعدَهم وعدًا، وهو منجزٌ وعدَه لهم أن يعطيَهم مسألتَهم ويسمع شكواهم فيُشكيهم ويأخذ حقَّهم ممن ظلمَهم، ويصفح عن حقوقِه التي قصَّروا فيها باعتذارِهم منه، فلما أدركَهم التعبُ وكان موعدُ الملكِ متأخرًا ناموا وأمروا من يستيقظُ منهم أن يوقظَهم، فلما قَرُب موعدُ الملكِ وجاء ينظر مَن بمجلسِه، إذا هذا المستيقظُ يوقظُ أصحابَه فلما غلبَهم النومُ تركهم خشيةَ أن ينغِّصَ عليهم نومَهم، فلما ذهب الملكُ وفات الموعدُ وأخذ كلُّ حاضرٍ نصيبَه ذهبوا يعاتبون هذا الذي لم يوقظهم وقصَّر في الإلحاحِ عليهم، ولو كان أراقَ عليهم الماءَ وهم مدركون لِما له سيقومون وما سينالهم من النصيبِ الوافرِ لما تضايقوا ولا عاتبوه، وإنما عاتبوه لتقصيرِه. وهكذا الحريصُ على قيامِ الليلِ يعزِمُ على صاحبِه أو أهلِه أن يوقظوه، ولو كان ذلك مزعجًا له، ولو فرَّطوا في إيقاظِه لعاتبَهم على ذلك.
١٧ اتباعُ السنةِ في النومِ، وذلك في وقتِ النومِ، وكيفيةِ الاضطجاعِ وغيرِها، كما يلي: