← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7802

دفع إيهام تعارض أحاديث الأحكام في كتاب الطهارة

رقية المحارب

Полный текст (219 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أما من يقرأ الحديثين الآخرين، حديث موسى وحديث أيوب، يجد أنه يجوز أن يتعرى المرء إذا كان خالياً، لأن هذا الفعل من أنبياء، وهم أكرم الخلق وأخشاهم لله، ولم ينههم الله عن ذلك، فدل على جواز التعري في الخلوة. وهذان معنيان متضادان يجب التأليف بينهما. وقد تكلم فيها العلماء ودرؤوا التعارض الواقع بينهما. أقوال العلماء في درء التعارض: ١- قال الإمام النووي: " والتستر بمئزر (١) ونحوه في حال الاغتسال في الخلوة أفضل من التكشف، والتكشف جائز مدة الحاجة في الغسل ونحوه (٢) ..، والزيادة على قدر الحاجة حرام على الأصح". وموضع الدلالة من هذا الحديث أن موسى ﵊ أغتسل في الخلوة عريانا، وهذا يتم على قول من يقول من أهل الأصول أن شرع من قبلنا شرع لنا. والله أعلم (٣) . ٢- وذهب ابن قدامة من الحنابلة إلى الجمع بين الأحاديث، وذلك بجواز الاغتسال عرياناً في الخلوة، مستدلا بحديث موسى وأيوب ﵉، واستحباب التستر، مستدلا بحديث "فالله أحق أن يستحيا منه من الناس" (٤) . ٣- قال ابن حجر: ظاهر حديث بهز يدل على أن التعري في الخلوة غير جائز مطلقا، لكن استدل على جوازه في الغسل بقصة موسى وأيوب ﵉، ووجه الدلالة منه، أنهما ممن أمرنا بالاقتداء به، وهذا إنما يأتي على رأي من يقول: شرع من قبلنا شرع لنا. والذي يظهر أن وجه الدلالة منه أن النبي ﷺ قص القصتين ولم يتعقب شيئا منهما فدل على موافقتهما لشرعنا، وإلا فلو كان فيهما شيء غير موافق لبينه، فعلى هذا يجمع بين الحديثين بحمل حديث بهز بن حكيم على الأفضل.

стр. 177

ورجح بعض الشافعية تحريمه، والمشهور عند متقدميهم كغيرهم الكراهة فقط" (١) . قلت: فالحاصل أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث، بل يمكن الجمع بينها بأن الغسل في الخلوة عرياناً جائز إذا لم يكن أحد بمقربة منه. وما ورد من إطلاق في حديث بهز من قوله "فالله أحق أن يستحيا منه من الناس" دال على الاستحباب والأفضلية، لأن التستر أقرب للحياء، والتكشف في الخلوة فيه تعويد على التكشف عند الناس، فإذا اعتاد المسلم التستر في الخلوة، وهاب التكشف فيه، واستحيا منه؛ فإنه أحرى أن يستحي عند الناس. وإلا فإن الله يعلم ويرى ويحيط بالإنسان في جميع أحيانه، وعلى كل حالاته. وما ذهب إليه النووي من إباحة التكشف في حالة الحاجة فحسن، لما فيه من رفع المشقة وإزالة العنت مع أمن المحذور. وبهذا يدرأ التعارض، ويزول الإشكال. ... والله أعلم. الباب الخامس باب السواك. وفيه مبحث: حكم السواك للصائم . اهتم الإسلام بطهارة أتباعه، وتفقدهم في سائر أحوالهم، حاثاً إياهم على التطهر والنظافة والنقاء، فهم خير أمة أخرجت للناس. ومن ألون حرصه وعنايته أن حثهم على تنظيف أسنانهم وصيانتها من كل قذر وريح خبيث، واختار لهم بحكمته وخبرته المسواك، وهو أنفع ما على الأرض لأسنانهم وأفواههم، ودعاهم إلى استعماله، وهو شجر طيب الريح يحوي أكمل المواد وأنفعها للسان واللثة. وقد اعتنى العلماء -رضوان الله ورحمته عليهم أجمعين- في بعض أحكامه ومسائله، وذلك لوجود أحاديث فهم بعضهم منها ما لم يفهمه الآخر، فذهب كل إلى ما فهم، واختلفوا في استنباط الحكم من هذا الحديث، فهذا يأخذ به، وذاك يتركه، وهذا يحمله الوجوب وذاك يحمله على الندب، وليس هذا يعنينا في بحثنا هذا، وإنما الذي نعنى هنا؛ هو إيراد الأحاديث التي تتعارض في ظاهرها، ويشكل على القارئ فهمها، أو الجمع بينها، أو ترجيح بعضها على بعض.

стр. 178

ومن المسائل التي اختلف فيها لأجل ما يظهر من تعارض أحاديثها؛ مسألة حكم السواك للصائم. فقد ذهب قوم إلى أنه جائز ولا يكره، بل يستحب للصائم كغيره، واستدلوا بأحاديث، منها: ١- "رأيت رسول الله – ﷺ يستاك وهو صائم". ٢- "من خير خصال الصائم السواك". كما ذهب آخرون إلى أنه يكره للصائم أن يتسوك، واستدلوا بأحاديث، منها: "إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة". ذكر ما استدل به على إباحة السواك للصائم: الحديث الأول: عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ. زَادَ مُسَدَّدٌ مَا لاَ أَعُدُّ وَلاَ أُحْصِى" (١) . الحديث الثاني: عن عائشة –﵂ قالت: قال رسول الله – ﷺ : "مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ " (٢) . ذكر ما استدل به على كراهة السواك للصائم بعد العشي: عن علي قال: "إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَائِمٍ تَيْبَسُ شَفَتَاهُ بِالْعَشِيِّ إِلا كَانَت نُورًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣) . وجه التعارض:

стр. 179

إن من يقرأ في هذه الأحاديث: "رأيت رسول الله – ﷺ يستاك وهو صائم"، و "من خير خصال الصائم السواك"؛ يجدها تدل على أن الصائم يجوز له أن يستاك في أي وقت شاء، سواء كان الاستياك بالغداة أو كان بالعشي. ومن يقرأ حديث "استاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي"؛ يجد أنه ينهى الصائم عن السواك بالعشي –أي المساء-، وهذان معنيان مختلفان، وقد تكلم العلماء فيها. أقوال العلماء في درء التعارض: ١- قال ابن عبد البر: "اختلف الفقهاء في السواك للصائم، ورخص فيه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي وابن علية، وهو قول إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وعروة بن الزبير، ورويت الرخصة فيه عن عمر وابن عباس، وليس عن واحد منهم فرق بين أول النهار وآخره ولا بين السواك الرطب واليابس، وحجة من ذهب هذا المذهب قول رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة"، ولم يخص رمضان ولا غيره. وقد روي عنه ﷺ أنه كان يستاك وهو صائم. وقال الشافعي: أحب السواك عند كل وضوء بالليل والنهار وعند تغير الفم، إلا أني أكرهه للصائم آخر النهار من أجل الحديث في خلوف فم الصائم. وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وروي ذلك عن عطاء ومجاهد. وأما السواك الرطب فيكرهه مالك وأصحابه، وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة، ورخص أبو حنيفة وأصحابه وجماعة، وروي ذلك عن ابن عمر وقال ابن علية في السواك: سنة للصائم والمفطر، والرطب فيه واليابس سواء، لأنه ليس بمأكول ولا مشروب. وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن السواك للصائم فقال: ما بينه وبين الظهر ويدعه بالعشي، لأنه يستحب له أن يفطر على خلوف فيه. وعن مجاهد وعطاء أنهما كرها السواك بالعشي للصائم لقول رسول الله ﷺ لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (١) .

стр. 180

٢- قال ابن القيم –﵀ بعد أن ذكر أحاديث المنع من السواك: "لو احتج عليه بعموم قوله – ﷺ : "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (١) ، لكانت حجة، وبقوله – ﷺ : "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" (٢) ، وسائر الأحاديث المرغبة في السواك من غير تفصيل، ولم يجيء في منع الصائم منه حديث صحيح" (٣) .

стр. 181

٣- قال المباركفوري حاكيا مذهب من كره السواك آخر النهار: "واحتجوا على ذلك بأن في الاستياك آخر النهار إزالة الخلوف المحمود بقوله – ﷺ : "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (١) ، وأجيب بأن الخلوف- بضم الخاء المعجمة على الصحيح- تغير رائحة الفم من خلو المعدة، وذلك لا يزال ذلك بالسواك، قال ابن الهمام: "بل إنما يزيل أثره الظاهر عن السن من الاصفرار، وهذا لأن سبب الخلوف خلو المعدة من الطعام، والسواك لا يفيد شغلها بطعام ليرتفع السبب. ولهذا روي عن معاذ مثل ما قلنا. روى الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل: أتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم، قلت: أي النهار أتسوك؟، قال: أي النهار شئت، غدوة وعشية، قلت: إن الناس يكرهونه عشية ويقولون: إن رسول الله – ﷺ قال: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فقال: سبحان الله! لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لابد لفي الصائم خلوف وإن استاك. وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمدا، ما في ذلك من الخير شيء، بل إنما فيه شر، إلا من ابتلي ببلاء لا يجد منه بدا. (٢) انتهى. قلت: إسناد هذا الأثر جيد كما صرح به الحافظ في التلخيص الحبير" (٣) . قلت: بعد النظر في الأحاديث السابقة التي يتوهم تعارضها، تبين لي ما يلي: ١- أنها أحاديث ضعيفة، لا تسلم من مقال، لذا لم يحتج بها العلماء العارفون بالحديث.

стр. 182

٢- أن الأصل في السواك الندب، لحديث"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (١) ، ولم يثبت حديث صحيح يخص الصائم عن غيره، لذا احتج كثير من العلماء بهذا العموم، وأسقطوا كل ما خالفه لعدم ثبوته. وقد ترجم البخاري في صحيح لهذه المسألة بقوله: "باب سواك الرطب واليابس للصائم"، ثم أورد فيه حديث عامر بن ربيعة تعليقاً بصيغة الجزم تنبيهاً على ضعفه، واستشهد على معناه بالعموم من أحاديث الندب، ثم استشهد على صحة مذهبه بالمضمضة، فلو كان السواك يكره لكرهت المضمضة. قال ابن المنير في حاشيته: "أخذ البخاري شرعية السواك للصائم بالدليل الخاص، ثم انتزعه من الأدلة العامة التي تناولت أحوال متناول السواك وأحوال ما يستدل به، ثم انتزع ذلك من أعم من السواك، وهو المضمضة، إذ هي أبلغ من السواك الرطب" (٢) . ٣- أن من قواعد الإسلام حرصه على نظافة المسلم في كافة أحواله، ومن هذه الأحوال: حرصه على نظافة فم المسلم بأن شرع له السواك. فإن كان حرص على تنظيف الأسنان وتطييب رائحة الفم، مع احتمال وجود الريح الكريهة منه حال الفطر؛ فمن باب أولى أن يحرص على تطييب رائحة الفم مع تأكد وجود الريح. وهذا الذي اخترته من عدم كراهة السواك للصائم؛ هو ما ذهب إليه جمهور العلماء. والله أعلم. الباب السادس: باب الحيض والاستحاضة . وفيه مباحث: المبحث الأول: ما يجوز الاستمتاع به من الحائض. المبحث الثاني: المستحاضة ترد إلى العادة أو إلى التمييز. المبحث الثالث: كيف تتطهر المستحاضة للصلاة.

стр. 183

المبحث الأول: ما يجوز الاستمتاع به من الحائض . ومن محاسن هذا الدين الخالد؛ حثه الناس أن يكونوا طاهرين في كل أحوالهم، ومناحي حياتهم، فهو دين الطهر والسمو والرفعة والنقاء، فإن أصيب المسلم أو المسلمة بنجاسة، كجنابة أو حيض أو غيرها؛ أمرا بالتطهر. وفي مبحثنا هذا ترد الآية الكريمة التي تحث على النظافة والطهر في حال الحيض وتأمر باعتزال النساء خلاله، حيث يقول الحق ﵎: " ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) . غير أن الفقهاء -رحمهم الله تعالى- اختلفوا في معنى الاعتزال، فمنهم من ذهب إلى أن المقصود به النهي عن الجماع، ويبيح الاستمتاع بما دون ذلك، كما ذهب فريق آخر إلى أن المقصود اعتزال ما تحت الإزار، ويبيح الاستمتاع بما فوقه. واعلم أن لكل فريق أحاديث استدلوا بها، ويرى الناظر فيها أنها تتعارض فيما بينها. أما أحاديث الفريق الأول، فمنها: ١- "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". ٢- عن بعض أزواج النبي ﷺ "أن النبي ﷺ كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوباً". وأما أحاديث الفريق الآخر، فمنها: عن عائشة قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضا فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها أمرها أن تتزر فور حيضتها ثم يباشرها". ذكر ما استدل به على أن الرجل يجب أن يعتزل من زوجته الحائض موضع النكاح فقط: الحديث الأول:

стр. 184

عن أنس: "أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبيَّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اصْنَعُوا كُلَّ شيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ» . فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَلاَ نُجَامِعُهُنَّ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. " (١) . الحديث الثاني: عن عكرمة عن بعض أزواج النبي – ﷺ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا" (٢) .

стр. 185

ذكر ما استدل به على أن الرجل يجب أن يعتزل من زوجته الحائض ما تحت الإزار: عن عائشة قالت: "كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا قَالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟. تَابَعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ". (١) وجه التعارض: إن من يقرأ حديث "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" يجده يدل على أنه لا يحرم على الرجل من زوجته الحائض إلا موضع النكاح –أي الجماع- وهو الفرج، وما عداه فمباح له، ويدخل فيه الفخذان. وكذلك حديث "كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوباً" فهذا صريح في إباحة الفخذين في الاستمتاع. أما من يقرأ حديث عائشة "أمرها أن تتزر فور حيضتها ثم يباشرها" يجده يدل على أن الفخذين لا يجوز الاستمتاع بهما لأن الاتزار يكون ما بين السرة والركبة. وهذه المعان مختلفة، جمع بينها العلماء ودرؤوا تعارضها. أقوال العلماء في درء التعارض:

стр. 186

١- ذهب ابن حزم إلى أن الرجل يحل له من امرأته الحائض كل شيء خلا الفرج، وذكر حديث أنس المتقدم، ثم قال: " فكان هذا الخبر بصحته وبيان أنه كان أثر نزول الآية هو البيان عن حكم الله تعالى في الآية، وهو الذي لا يجوز تعديه، وأيضا فقد يكون المحيض في اللغة موضع الحيض وهو الفرج، وهذا فصيح معروف، فتكون الآية حينئذ موافقة للخبر المذكور، ويكون معناها: فاعتزلوا النساء في موضع الحيض، وهذا هو الذي صح عمن جاء عنه في ذلك شيء من الصحابة ﵃، كما روينا عن أيوب السختياني عن أبى معشر عن إبراهيم النخعي عن مسروق قال: سألت عائشة: ما يحل لي من امرأتي وهى حائض؟ قالت كل شيء إلا الفرج، وعن علي بن أبى طلحة عن ابن عباس (فاعتزلوا النساء في المحيض) قال: اعتزلوا نكاح فروجهن، وهو قول أم سلمة أم المؤمنين ومسروق والحسن وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي، وهو قول سفيان الثوري ومحمد بن الحسن والصحيح من قول الشافعي، وهو قول داود وغيره من أصحاب الحديث. قال أبو محمد: وقال من لا يبالي بما أطلق به لسانه: إن حديث عمر (١) -الذي لا يصح- ناسخ لحديث أنس - الذي لا يثبت غيره في معناه - قال: لأن حديث أنس كان متصلا بنزول الآية.

стр. 187

قال علي: وهذا هو الكذب بعينه وقفو مالا علم له به، ولو صح حديث عمر فمن له أنه كان بعد نزول الآية؟ ولعله كان قبل نزولها! فإذ ذلك ممكن هكذا فلا يجوز القطع بأحدهما، ولا يجوز ترك يقين ما جاء به القرآن وبينه رسول الله ﷺ اثر نزول الآية لظن كاذب في حديث لا يصح، مع أن الحديثين الثابتين اللذين رويناهما: أحدهما عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن القاسم بن محمد عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ قال لها: ناوليني الخمرة من المسجد، قالت فقلت: إنني حائض، فقال رسول الله ﷺ : إن حيضتك ليست في يدك" (١) ، وروينا الآخر من طريق يحيى بن سعيد القطان عن يزيد بن كيسان وأبي حازم عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ كان في المسجد فقال: يا عائشة ناوليني الثوب فقالت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك"، فهما دليل أن لا يجتنب إلا الموضع الذي فيه الحيضة وحده (٢) . ٢- ذكر ابن عبد البر هذه الأحاديث وما في معناها ودرأ تعارضها بقوله: " يحتمل أن يكون قوله ﷺ بمباشرة الحائض وهي متزرة على الاحتياط، والقطع للذريعة، ولو أنه أباح فخذها كان ذلك ذريعة إلى موضع الدم المحرم بإجماع، فنهى عن ذلك احتياطا، والمحرم بعينه موضع الأذى، ويشهد لهذا ظاهر القرآن، وإجماع معاني الآثار لئلا يتضاد وبالله التوفيق" (٣) .

стр. 188

٣- قال ابن قدامة: "الاستمتاع من الحائض بما فوق السرة وتحت الركبة جائز بالإجماع والنص، والوطء في الفرج محرم بهما، والاختلاف في الاستمتاع بما بينهما مذهب إمامنا ﵀ جوازه، وهو قول عكرمة وعطاء والشعبي والثوري وإسحاق، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يباح، لأن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض. رواه البخاري ومسلم بمعناه. وعن عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله ﷺ ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال " ما فوق الإزار " رواه البيهقي. ولنا قول الله تعالى (فاعتزلوا النساء في المحيض) وهو اسم لمكان الحيض كالمقيل والمبيت، فتخصيصه موضع الدم بالمنع يدل على إباحته فيما عداه، فإن قيل بل المحيض الحيض، بدليل قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) ، والأذى هو الحيض، وقوله تعالى (واللائي يئسن من المحيض) وإنما يئسن من الحيض. قلنا يمكن حمله على ما ذكرنا وهو أولى لوجهين: (أحدهما) أنه لو أراد الحيض لكان أمرا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية ولا قائل به، (الثاني) أن سبب نزول الآية: أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة اعتزلوها فلم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجتمعوا معها في البيت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ عن ذلك فنزلت هذه الآية، فقال النبي ﷺ : " اصنعوا كل شيء غير النكاح " رواه مسلم. وهذا تفسير لمراد الله تعالى، لأنه لا تتحقق مخالفة اليهود بإرادة الحيض لأنه لا يكون موافقا لهم، ومن السنة هذا الحديث.

стр. 189

وعن عكرمة عن بعض أزواج رسول الله ﷺ أنه كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها خرقة. رواه أبو داود. ولأنه وطء منع للأذى، فاختص بمحله كالدبر. وحديث عائشة ليس فيه دليل على تحريم ما تحت الإزار، فإن النبي ﷺ قد يترك بعض المباح تقذراً، كتركه أكل الضب. والحديث الآخر يدل بالمفهوم، والمنطوق راجح عليه" (١) . ٤- ذكر البيهقي أحاديث مباشرة الحائض فيما فوق الإزار، ثم ذكر بعدها أحاديث المباشرة فيما خلا الفرج، ثم قال: "والأحاديث التي مضت في الباب الأول أصح وأبين، ويحتمل أن يكون المراد بما عسى أن يصح من هذه الأحاديث ما هو مبين في تلك الأحاديث. والله أعلم" (٢) .

стр. 190

٥- قال النووي من الشافعية: " (أما) حكم المسألة: ففي مباشرة الحائض بين السرة والركبة ثلاثة أوجه: أصحها عند جمهور الأصحاب أنها حرام، وهو المنصوص للشافعي ﵀ في الأم والبويطي وأحكام القرآن، قال صاحب الحاوي: وهو قول أبي العباس وأبي علي بن أبي هريرة، وقطع به جماعة من أصحاب المختصرات، واحتجوا له بقوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض) وبالحديث المذكور، ولأن ذلك حريم للفرج، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يخالط الحمى. وأجاب القائلون بهذا عن حديث أنس المذكور بأنه محمول على القبلة ولمس الوجه واليد ونحو ذلك، مما هو معتاد لغالب الناس، فإن غالبهم إذا لم يستمتعوا بالجماع استمتعوا بما ذكرناه، لا بما تحت الإزار. والوجه الثاني: أنه ليس بحرام، وقال به جماعة. وهو الأقوى من حيث الدليل، لحديث أنس ﵁، فإنه صريح في الإباحة. وأما مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار فمحمولة على الاستحباب، جمعا بين قوله ﷺ وفعله، وتأول هؤلاء الإزار في حديث عمر ﵁ على أن المراد به الفرج بعينه، ونقلوه عن اللغة وأنشدوا فيه شعرا، وليست مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار تفسيرا للإزار في حديث عمر ﵁، بل هي محمولة على الاستحباب كما سبق. والوجه الثالث: إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه عن الفرج لضعف شهوة، أو شدة ورع؛ جاز، وإلا فلا. وهذا الوجه حسن" (١) .

стр. 191

٦- قال ابن حجر: " وذهب كثير من السلف والثوري وأحمد وإسحاق إلى أن الذي يمتنع من الاستمتاع بالحائض الفرج فقط، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية ورجحه الطحاوي، وهو اختيار أصبغ من المالكية، وأحد القولين أو الوجهين للشافعية واختاره ابن المنذر. وقال الثوري النووي: هو الأرجح دليلا لحديث أنس في مسلم: "اصنعوا كل شيء إلا الجماع " وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب جمعا بين الأدلة. وقال ابن دقيق العيد: ليس في حديث الباب ما يقتضي منع ما تحت الإزار لأنه فعل مجرد. انتهى. ويدل على الجواز أيضا ما رواه أبو داود بإسناد قوي عن عكرمة عن بعض أزواج النبي ﷺ أنه كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا، واستدل الطحاوي على الجواز بأن المباشرة تحت الإزار دون الفرج لا توجب حدا ولا غسلا فأشبهت المباشرة فوق الإزار. وفصل بعض الشافعية فقال: إن كان يضبط نفسه عند المباشرة عن الفرج ويثق منها باجتنابه جاز وإلا فلا، واستحسنه النووي. ولا يبعد تخريج وجه مفرق بين ابتداء الحيض وما بعده لظاهر التقييد بقولها " فور حيضتها"، ويؤيده ما رواه ابن ماجه بإسناد حسن عن أم سلمة أيضا أن النبي ﷺ كان يتقي سورة الدم ثلاثا ثم يباشر بعد ذلك، ويجمع بينه وبين الأحاديث الدالة على المبادرة إلى المباشرة على اختلاف هاتين الحالتين" (١) .

стр. 192

٧-قال الشوكاني: "الحديث الأول يدل على جواز الاستمتاع من غير تخصيص بمحل دون محل من سائر البدن غير الفرج، لكن مع وضع شيء على الفرج يكون حائلا بينه وبين ما يتصل به من الرجل، والحديث الثاني يدل على جواز الاستمتاع بما عدا الفرج، والحديث الثالث يدل على جواز الاستمتاع بما فوق الإزار من الحائض، وعدم جوازه بما عداه، فمن أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم خصص به عموم "كل شيء" المذكور في حديث أنس وعائشة، ومن لم يجوز التخصيص به فهو لا يعارض المنطوق الدال على الجواز" (١) . قلت: والذي يترجح عندي أنه يجوز أن يستمتع الرجل من امرأته الحائض بكل شيء إلا موضع الأذى، وهو الفرج، وذلك ثابت بالدليل الصحيح، وموافق لكتاب الله، حيث علل الاعتزال في الآية بالأذى، ومعلوم أن الأذى لا يعدو الفرج إذا شدت المرأة عليه بإزار ونحوه، وما ورد من أحاديث تفيد الاستمتاع بما فوق الإزار فلا تعارض حديث أنس وما في معناه، وذلك لأمور: ١- أنه يمكن الجمع بين الأحاديث بأنه يجوز الأمران، فإذا بين إباحة شيء فلا يعني أنه لا يباح أكثر منه. ٢- أنه يجوز أن يكون الإزار الوارد في الحديث الآخر ما يغطي الفرج وما حوله، ولا يغطي الفخذين بكاملهما، وذلك يدل عليه حديث ميمونة فيما رواه أبو داود بسنده عنها، قالت: "إن النبي ﷺ كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها الإزار إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين تحتجر به" (٢) . ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أنه يجوز الاستمتاع بما فوق الركبة، والله أعلم.

стр. 193

المبحث الثاني: المستحاضة ترد إلى العادة أو إلى التمييز . وفي هذا الباب مسألة تحير فيها كثير من العلماء فضلا عن الطلبة الباحثين، فجاءت أحكام متشعبة، وتعددت المسائل بما لم يتفق الفقهاء فيها على حكم، فأصبح نيل الجواب على هذه المسألة عسيرا جدا، بل لا سبيل لمعرفة جواب صحيح إلا بالنظر في سبب هذا الخلاف ودراسته والوقوف على آراء العلماء المجتهدين الذين جمعوا الأحاديث في هذه المسألة ودرسوها، وعرفوا وجه دلالتها، فنفوا التعارض عنها، وجمعوا بين مختلفها، فأزالوا إشكالها، فهي تبدو للقارئ متعارضة مختلفة، فمنها ما يقضي بأن الواجب على المستحاضة الرجوع إلى عادتها إذا زاد الدم عن مدة الحيض المعتادة، ومنها ما يقضي بأن الواجب على المستحاضة الرجوع إلى العمل بصفة الدم. فأما ما يقضي بالرجوع إلى العادة فأحاديث، منها: ما ورد عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغسلي وصلي. وأما ما يقضي بالرجوع إلى العمل بصفة الدم فحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ : "إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي". ذكر ما استدل به على أن المستحاضة إذا كانت لها أيام معروفة ردت إلى أيامها:

стр. 194

عن عائشة: "أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي" (١) . ذكر ما استدل به على أن المستحاضة ترد إلى التمييز: عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي – ﷺ : " إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاَةِ فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي" (٢) . وجه التعارض: إن من يقرأ حديث فاطمة بنت أبي حبيش وفيه "دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي" يجد أن هذا الحديث عدَّ أيام الحيض المعتادة ولم يراع تميز الدم ولونه. فعليه إذا انتهت أيام الحيض المعتادة اغتسلت وصلت، سواء كان الدم متغيراً أم كان على حاله. أما حديث فاطمة الآخر وفيه "إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي"، فمن يقرأه يجده راعى تغير الدم فجعله هو المميز بين الحيض والاستحاضة، ولم يراع أيام الحيض المعتادة. وهذان معنيان متضادان مختلفان، نحتاج إلى توفيق بينهما، وللعلماء في ذلك أقوال. أقوال العلماء في درء التعارض:

стр. 195

اختلف الفقهاء في هذه المسألة اختلافاً كبيراً، وذلك لاختلاف الأحاديث فيها، فأخذ فريق بأحاديث العادة وجعلوها أصلا، وأخذ فريق بأحاديث التمييز وجعلوها أصلا، وفرعوا في المسألة تفاريع ليس هذا محلها، وإنما أذكر هنا مذهب كل من استند على هذه الأحاديث التي أسلفناها، وأعرض عن غيرها مما استند فيها على الرأي، أو حدت حدود لم تكن في كتاب ولا سنة. ١- ذهب الحنفية إلى اعتبار العادة، ولم يعتبروا التمييز، إلا أنهم حدوا العادة بعشرة أيام، فلو أن معتادة تحيض عشرة أيام، إن زادت عن ذلك فهو استحاضة، وإن كان دما أسودَ. أما إن كانت معتادة تحيض خمسة أيام وزادت عن ذلك فهو حيض، وإن تميز اللون، حتى تنتهي العشرة أيام، فإن زاد الدم عن عشرة أيام فعادتها حيض، وما زاد استحاضة، أي تكون عادتها خمسة الأيام وما زاد فحيض. (١) والحنفية في تحديدهم الحيض بعشرة أيام قد اعتمدوا على أحاديث منها: عن أنس –﵁ قال: أدنى الحيض ثلاثة، وأقصاه عشرة (٢) ،وفي إسناده الجلد بن أيوب ضعفه الناس. * عن أبي أمامة –﵁ عن النبي – ﷺ قال: أقل الحيض ثلاث وأكثره عشر. (٣) وفيه عبد الملك الكوفي عن العلاء بن كثير لا يدرى من هو (٤) . * عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله – ﷺ : "أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام" (٥) .

стр. 196

٢- أما المالكية فيعتبرون التمييز، ولو كان بعد الطهر، وذلك إن وجد التمييز، وإن لم يوجد فتحيض خمسة عشر يوماً (١) . ٣- وحكى النووي مذهب الشافعية فقال: "مذهبنا أن العادة إذا انفردت عمل بها، وإذا انفرد التمييز عمل به، وإذا اجتمعا قدم التمييز على الصحيح" (٢) . ٤- ومذهب الإمام أحمد كمذهب الشافعي، إلا أنه يقدم العادة إذا اجتمعا. فإذا كانت المستحاضة لها عادة تعرفها، ولم يكن لها تمييز؛ فإنها تجلس العادة بلا نزاع، وإن كان لها تمييز يصلح أن يكون حيضا ولم يكن لها عادة، أو كان لها عادة ونسيتها؛ عملت بالتمييز بلا نزاع. وتارة يختلفان، إما بمداخلة بعض أحدهما في الآخر، أو مطلقاً، فالصحيح من المذهب أنها تجلس العادة، وعليه جماهير الأصحاب، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وعنه يقدم التمييز، وهو اختيار الخرقي" (٣) . هذا موجز مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة. وقد جمع بعض العلماء بين الأحاديث بما يوفق بينهما ويعملهما دون إبطال أي منهما.

стр. 197

قال ابن دقيق العيد في شرحه لحديث فاطمة بنت أبي حبيش الدال على العادة "في رواية" وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي، قال: (قوله "فإذا أقبلت" تعليق الحكم بالإقبال والإدبار، فلابد أن يكون معلوماً لها بعلامة تعرفها، فإن كانت مميزة وردت إلى التمييز، فإقبالها بدء الدم الأسود، وإدبارها: إدبار ما هو بصفة الحيض، وإن كانت معتادة وردت إلى العادة، فإقبالها: وجود الدم في أول أيام العادة، وإدبارها: انقضاء أيام العادة" (١) . وعلق الصنعاني على رواية أبي داود "دم الحيض أسود يعرف" بما يزيل التعارض والإشكال فقال: اعلم أن من جمع الرواية للصفة والعادة إشارة إلى أنهما لا يكادان يفترقان، وأن الصفة لا تكون إلا في عادة الحيض، وأنها كلما وجدت وجد الحيض، وكلما فقدت فقد، وأن التعليل على الصفة في الحيض والاستحاضة، لكنه إنما احتيج إلى بيانها في الاستحاضة لأنها محل إشكال، وأن استمرار الدم مع فقد الصفة بمنزلة أيام النقاء ممن ليست بها استحاضة (٢) . وجمع الخطابي بين الأحاديث بأن المصير إلى العادة إذا لم يتميز الدم، فإن تميز فالمصير إليه، واستدل بما رواه أبو داود "إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود..الحديث..".

стр. 198

قال: فهذا يبين لك أن الدم إذا تميز كان الحكم له، وإن كانت لها أيام معلومة، واعتبار الشيء بذاته وبخاص صفاته أولى من اعتباره بغيره من الأشياء الخارجة عنه، فإذا عدمت التمييز (١) فالاعتبار للأيام. على معنى حديث أم سلمة، أي حديث عائشة المتقدم عند البخاري. (٢) قال الشوكاني: "والأحاديث الصحيحة منها ما يقضي بأن الواجب عليها الرجوع إلى العمل بصفة الدم، ومنها ما يقضي باعتبار العادة، ويمكن الجمع بأن المراد بقوله: "أقبلت حيضتك"الحيضة التي تتميز بصفة الدم، أو يكون المراد بقوله:"إذا أقبلت الحيضة"في حق المعتادة والتمييز بصفة الدم في حق غيرها، وينبغي أن يعلم أن معرفة إقبال الحيضة قد يكون بمعرفة العادة، وقد يكون بمعرفة دم الحيض وقد يكون بمجموع الأمرين ... ".

стр. 199

قال: "وقد أطال المصنفون في الفقه الكلام في المستحاضة، واضطربت أقوالهم اضطرابا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة، فما ظنك بالنساء الموصوفات بالعي في البيان والنقص في الأديان، وبالغوا في التعسير حتى جاؤوا بمسألة المتحيرة فتحيروا، والأحاديث الصحيحة قد قضت بعدم وجودها، لأن حديث الباب ظاهر في معرفتها إقبال الحيضة وإدبارها، وكذا الحديث الآخر في الباب، فإنه صريح في أن دم الحيض يعرف ويتميز عن دم الاستحاضة، فطاحت مسألة المتحيرة ولله الحمد، ولم يبق ههنا ما يستصعب إلا ورود بعض الأحاديث الصحيحة بالإحالة على صفة الدم، وبعضها بالإحالة على العادة، وقد عرفت إمكان الجمع بينها بما سلف" (١) . قلت: وبعد هذا البيان من الإمام الشوكاني، لم يبق إشكال في هذه الأحاديث، واختفى التعارض عنها، وهذا الذي ذهب إليه هو الذي أراه صواباً. ... والله أعلم. المبحث الثالث: كيف تتطهر المستحاضة للصلاة . ويتعارض في هذا المبحث أحاديث في مسألة تطهر المستحاضة للصلاة، وتختلف أقوال الفقهاء بحسب هذه الأحاديث، فمن الفقهاء من يوجب على المستحاضة الاغتسال عند كل صلاة. وفريق ثان يوجب عليها أن تغتسل لكل صلاتين تجمعان غسلا، وتفرد للفجر غسلا. وفريق ثالث يوجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة. ولكل فريق أحاديث يحتج بها ويعارض بها الفريق الآخر. فمن الأحاديث التي يحتج بها الفريق الأول: حديث عائشة ﵂ "أن أم حبيبة بنت جحش، استحيضت في عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها بالغسل لكل صلاة".

стр. 200

ومن الأحاديث التي يحتج بها الفريق الثاني: حديث عائشة –﵂ قالت: " استحيضت امرأة على عهد رسول الله – ﷺ فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلا، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلاً، وتغتسل لصلاة الصبح غسلا، فقلت لعبد الرحمن: أعن النبي – ﷺ ؟ قال: لا أحدثك إلا عن النبي – ﷺ بشيء. ومن الأحاديث التي يحتج بها الفريق الثالث حديث فاطمة بنت أبي حبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي – ﷺ :"إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي". فهذه الأحاديث تشكل على القارئ ويظن تعارضها. ذكر ما استدل به على أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة: عن عائشة: "أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلاَةٍ" (١) . ذكر ما استدل به على أن المستحاضة تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلاً:

стр. 201

عن عائشة قالت: "اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُمِرَتْ أَنْ تُعَجِّلَ الْعَصْرَ وَتُؤَخِّرَ الظُّهْرَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً. وَأَنْ تُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً وَتَغْتَسِلَ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ غُسْلاً. فَقُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لاَ أُحَدِّثُكَ (إلا) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِشَيءٍ. (١) ذكر ما استدل به على أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة: عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي – ﷺ : " إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاَةِ فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي" (٢) وجه التعارض: إن من يقرأ حديث عائشة "أن أم حبيبة استحيضت في عهد رسول الله – ﷺ فأمرها بالغسل لكل صلاة" يجده يدل على أن الغسل لكل صلاة واجب على المستحاضة حيث أمرها بذلك رسول الله – ﷺ ، والأمر يدل على الوجوب. ومن يقرأ حديثها الثاني وفيه "فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر، وتغتسل لهما غسلا، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلا" يجده يدل على وجوب الغسل ثلاث مرات للمستحاضة في اليوم والليلة على ما فصل في الحديث وهذا يخالف معنى الحديث الأول. وأما معنى الحديث الثالث فهو يخالف هذين الحديثين، فإن فيه الأمر بالوضوء عند كل صلاة، وليس فيه الأمر بالغسل.

стр. 202

فهذه معان مختلفة، وتختلف باختلافها الأحكام، ولذا تناولها العلماء بالبحث، فكان لهم فيها أقوال بينوا بها كيف يمكن أن يدرأ هذا الاختلاف عن هذه الأحاديث. أقوال العلماء في درء التعارض: ١- ذهب الحنفية إلى أن المستحاضة يجب عليها الوضوء لوقت كل صلاة، وقد درأ الطحاوي –﵀ التعارض بين هذه الأحاديث، في كتابه الكبير شرح معاني الآثار، فذكر حديث عائشة –﵂ عن أم حبيبة، وفيه "فأمرها رسول الله – ﷺ بالغسل لكل صلاة" ثم قال: "فذهب قوم إلى أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل لكل صلاة، واحتجوا في ذلك بقول رسول الله ﷺ المروي في هذه الآثار، وبفعل أم حبيبة ﵂ بنت جحش على عهد رسول الله ﷺ ، كما نقلته عائشة –﵂ بقولها "فكانت أم حبيبة –﵂ تغتسل لكل صلاة"، وكذا قال علي وابن عباس –﵄ من بعد رسول الله – ﷺ ، وأفتيا به. فجعل أهل هذه المقالة على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: الذي يجب عليها أن تغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا تصلي به الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا تصليهما به، فتؤخر الأولى منهما وتقدم الآخرة، كما فعلت في الظهر والعصر وتغتسل للصبح غسلا.

стр. 203

وذهبوا في ذلك إلى حديث عائشة أن امرأة استحيضت على عهد رسول الله – ﷺ فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر، وتغتسل لهما غسلا..الحديث، قالوا: فبهذا نأخذ وهو أولى من الآثار الأول التي فيها ذكر الأمر بالغسل لكل صلاة، ولأنه قد روى ما يدل على أن هذا ناسخ لذلك، فذكروا حديث عائشة بسنده قالت: إنما هي سهلة ابنة سهيل بن عمرو، استحيضت وأن رسول الله ﷺ كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما أجهدها ذلك أمرها أن تجمع الظهر والعصر في غسل واحد والمغرب والعشاء في غسل واحد، وتغتسل للصبح. (١) قالوا: فدل ذلك على أن هذا الحكم ناسخ للحكم الذي في الآثار الأول، لأنه إنما أمر به بعد ذلك، فصار القول به أولى من القول بالآثار الأول. قالوا وقد روى ذلك أيضا عن علي وابن عباس –﵄، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: تدع المستحاضة الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي. واحتجوا بحديث فاطمة بنت أبي حبيش. قالوا: وقد روي ذلك أيضا عن علي–﵁ مثل ذلك. قال الطحاوي (٢) : "فأردنا أن ننظر في ذلك –أي تعارض هذه الأحاديث- لنعلم ما الذي ينبغي أن يعمل به من ذلك؟. فكان ما روى عن رسول الله ﷺ أنه أمر أم حبيبة ﵂ بنت جحش بالغسل عند كل صلاة. فقد ثبت نسخ ذلك بما قد رويناه عن رسول الله ﷺ في أمر سهلة بنت سهيل فإن رسول الله ﷺ كان أمرها بالغسل لكل صلاة, فلما أجهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل وبين المغرب والعشاء بغسل وتغتسل للصبح غسلا. فكان ما أمرها به من ذلك ناسخا لما كان أمرها به قبل ذلك من الغسل لكل صلاة."

стр. 204

وله وجه آخر من الجمع وهو التفريق بين دم الاستحاضة كثرة وقلة، حيث قال: "وكان حديث عائشة ﵂ هو الذي ليس فيه ذكر الأقراء، إنما فيه أن النبي ﷺ أمر المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل، على ما في ذلك الحديث، ولم يبين أي مستحاضة هي، فقد وجدنا استحاضة؛ قد تكون على معاني مختلفة فمنها أن يكون مستحاضة قد استمر بها الدم وأيام حيضها معروفة لها، فسبيلها أن تدع الصلاة أيام حيضها ثم تغتسل وتتوضأ بعد ذلك. ومنها أن يكون مستحاضة لأن دمها قد استمر بها فلا ينقطع عنها وأيام حيضها قد خفيت عليها فسبيلها، أن تغتسل لكل صلاة، لأنها لا يأتي عليها وقت إلا احتمل أن تكون فيه حائضا أو طاهرا من حيض أو مستحاضة فيحتاط لها فتؤمر بالغسل. ومنها أن تكون مستحاضة قد خفيت عليها أيام حيضها، ودمها غير مستمر بها ينقطع ساعة ويعود بعد ذلك، هكذا هي في أيامها كلها. فتكون قد أحاط علمها أنها في وقت انقطاع دمها إذا اغتسلت حينئذ غير طاهر من حيض طهرا يوجب عليها غسلا، فلها أن تصلي في حالها تلك ما أرادت من الصلوات بذلك الغسل إن أمكنها ذلك. فلما وجدنا المرأة قد تكون مستحاضة بكل وجه من هذه الوجوه التي معانيها مختلفة، وأحكامها مختلفة، واسم المستحاضة يجمعها، ولم نجد في حديث عائشة ﵂ ذلك بيان استحاضة تلك المرأة التي أمر النبي ﷺ لها بما ذكرنا أي مستحاضة هي؛ لم يجز لنا أن نحمل ذلك على وجه من هذه الوجوه دون غيره إلا بدليل يدلنا على ذلك. فنظرنا في ذلك هل نجد فيه دليلا؟

стр. 205

ثم ذكر بإسناده عن عائشة ﵂ أنها قالت في المستحاضة "تدع الصلاة أيام حيضها ثم تغتسل غسلا واحدا وتتوضأ عند كل صلاة"، فلما روي عن عائشة- ﵂ ما ذكرنا من قولها الذي أفتت به بعد رسول الله ﷺ وكان ما ذكرنا من حكم المستحاضة أنها تغتسل لكل صلاة، وما ذكرنا أنها تجمع بين الصلاتين بغسل، وما ذكرنا أنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، -وقد روي ذلك كله عنها-؛ ثبت بجوابها ذلك أن ذلك الحكم هو الناسخ للحكمين الآخرين، لأنه لا يجوز عندنا عليها أن تدع الناسخ وتفتي بالمنسوخ، ولولا ذلك لسقطت روايتها. فلما ثبت أن هذا هو الناسخ لما ذكرنا، وجب القول به، ولم يجز خلافها." وله ﵀ وجه آخر درأ به التعارض وهو الجمع بين الروايات واعتبارها أحوالا مختلفة حيث قال: "وقد يجوز في هذا وجه آخر: يجوز أن يكون ما روى عن رسول الله ﷺ في فاطمة بنت أبي حبيش لا يخالف ما روي عنه في أمر سهلة بنت سهيل، لأن فاطمة بنت أبي حبيش كانت أيامها معروفة، وسهلة كانت أيامها مجهولة، إلا أن دمها ينقطع في أوقات ويعود في أوقات، وهي قد أحاط علمها أنها لم تخرج من الحيض بعد غسلها إلى أن صلت الصلاتين جميعا. فإن كان ذلك كذلك فإنا نقول بالحديثين جميعا، فنجعل حكم حديث فاطمة على ما صرفناه إليه، ونجعل حكم حديث سهلة على ما صرفناه أيضا إليه. وأما حديث أم حبيبة ﵂، فقد روي مختلفا، فقد يجوز أن يكون أمرها بذلك ليكون ذلك الماء علاجا لها، لأنها تقلص الدم في الرحم، فلا يسيل.

стр. 206

وبعضهم يرويه عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل لكل صلاة. فإن كان ذلك كذلك فقد يجوز أن يكون أراد به العلاج، وقد يجوز أن يكون أراد به ما ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا، لأن دمها سائل دائم السيلان، فليست صلاة إلا يحتمل أن تكون عندها طاهرا من حيض ليس لها أن تصليها إلا بعد الاغتسال، فأمرها بالغسل لذلك. فإن كان هذا هو معنى حديثها؛ فإنا كذلك نقول أيضا فيمن استمر بها الدم ولم تعرف أيامها. فلما احتملت هذه الآثار ما ذكرنا، وروينا عن عائشة ﵂ من قولها بعد رسول الله ﷺ ما وصفنا؛ ثبت أن ذلك هو حكم المستحاضة التي لا تعرف أيامها، وثبت أن ما خالف ذلك مما روي عنها عن رسول الله ﷺ في مستحاضة استحاضتها غير استحاضة هذه، أو في مستحاضة استحاضتها مثل استحاضة هذه، إلا أن ذلك على أي المعاني كان. فما روي في أمر فاطمة ابنة أبي حبيش أولى، لأن معه الاختيار من عائشة له بعد النبي ﷺ وقد علمت ما خالفه وما وافقه من قوله، وكذلك أيضا ما رويناه عن علي ﵁ في المستحاضة أنها تغتسل لكل صلاة، وما رويناه عنه أنها تجمع بين الصلاتين بغسل، وما رويناه عنه أنها تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة؛ إنما اختلفت أقواله في ذلك لاختلاف الاستحاضة التي أفتى فيها بذلك. وأما ما رووا عن أم حبيبة ﵂ في اغتسالها لكل صلاة، فوجه ذلك عندنا أنها كانت تتعالج به.". (١)

стр. 207

٢- ذهب المالكية إلى أنه على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، وذلك استحبابا لا إيجابا. كما ذكره ابن رشد عن المالكية، وذكر مذاهب العلماء في هذه المسألة، وجعل سبب الخلاف هو اختلاف الأحاديث فقال: "في المسألة بالجملة أربعة أقوال: قول إنه ليس عليها إلا طهر واحد فقط عند انقطاع دم الحيض، وقول: إن عليها الطهر لكل صلاة. وقول إن عليها ثلاثة أطهار في اليوم والليلة، وقول إن عليها طهرا واحدا في اليوم والليلة. والسبب في اختلافهم في هذه المسألة: هو اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، وذلك أن الوارد في ذلك من الأحاديث المشهورة أربعة أحاديث: واحد منها متفق على صحته، وثلاثة مختلف فيها ... "وذكر أالأحاديث في ذلك على ما تقدم ثم ذكر وجه الجمع بين الأحاديث قال: "وأما الذين ذهبوا مذهب الجمع، فقالوا: إن حديث فاطمة ابنة أبي حبيش محمول على التي تعرف أيام الحيض من أيام الاستحاضة، وحديث أم حبيبة محمول على التي لا تعرف ذلك، فأمرت بالطهر في كل وقت احتياطا للصلاة، وذلك أن هذه إذا قامت إلى الصلاة يحتمل أن تكون طهرت، فيجب عليها تغتسل لكل صلاة. وأما حديث أسماء ابنة عميس فمحمول على التي لا يتميز لها أيام الحيض من أيام الاستحاضة، إلا أنه قد ينقطع عنها في أوقات، فهذه إذا انقطع عنها الدم وجب عليها أن تغتسل، وتصلي بذلك الغسل صلاتين، وهنا قوم ذهبوا مذهب التخيير بين حديثي أم حبيبة وأسماء واحتجوا لذلك بحديث حمنة بنت جحش وفيه: "أن رسول الله – ﷺ خيرها"، وهؤلاء منهم من قال: إن المخيرة هي التي لا تعرف أيام حيضتها، ومنهم من قال: بل هي المستحاضة على الإطلاق عارفة كانت أو غير عارفة، وهذا هو قول خامس في المسألة، إلا أن الذي في حديث حمنة ابنة جحش إنما هو التخيير بين أن تصلي الصلوات كلها بطهر واحد، وبين أن تتطهر في اليوم والليلة ثلاث مرات.

стр. 208

وأما من ذهب إلى أن الواجب أن تطهر في كل يوم مرة واحدة، فلعله إنما أوجب ذلك عليها لمكان الشك، ولست أعلم في ذلك أثرا." (١) ٣- وذهب الشافعية إلى أن المستحاضة لا يجب عليها الغسل إلا مرة واحدة بعد انقضاء حيضها، أما الصلاة فيجب عليها أن تتوضأ لكل فريضة. وضعفوا أحاديث الأمر بالغسل لكل صلاة، قال ابن حجر: "حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، تتوضأ لكل صلاة، لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة، لظاهر قوله: "ثم توضئي لكل صلاة" (٢) . ٤- وذهب الحنابلة إلى وجوب الوضوء على المستحاضة لدخول وقت كل صلاة، ويستحب غسل المستحاضة لكل صلاة. وسبب ذهابهم إلى الاستحباب فعل أم حبيبة –﵂ (٣) . فالجمهور على القول بالوضوء لكل صلاة وليس منهم من يوجب الغسل. وخالفهم الإمام ابن حزم حيث أوجب على المستحاضة الغسل والوضوء لكل صلاة، أو الغسل والوضوء لكل صلاتين، فتغتسل وتتوضأ للظهر وتتوضأ للعصر، وتغتسل وتتوضأ للمغرب وتتوضأ للعشاء وتغتسل وتتوضأ للصبح. وذلك لأنه يرى صحة أحاديث الأمر بالغسل، بل يجعلها نقلا متواتراً يوجب العلم (٤) . قلت: بعد ما تقدم من الدراسة لهذه الأحاديث والنظر في أقوال العلماء في درء تعارضها تبيت لي ما يلي: ١- أن حديث أم حبيبة منسوخ، وحديث عائشة صريح بنسخه، فلم يعد هناك تعارض بين حديث أم حبيبة والحديث الآخر. ٢- أن حديث فاطمة صريح في عدم وجوب الغسل إلا مرة واحدة، وهي عند الطهر، أما عند الصلاة فالواجب الوضوء فقط، أما ذكر الغسل بعد الطهر فلم يذكر في حديثها –رضوان الله عليها-، وذلك لعلم الرسول – ﷺ بعدم خفاء ذلك عليها، وإنما بين لها ما خفي عليها وهو ماذا يجب عليها لكل صلاة، فأمرها بالوضوء.

стр. 209

وعلى هذا فإنه يمكن أن يقال إن المستحاضة يجب عليها الوضوء لكل صلاة، ويستحب لها الغسل لكل صلاتين جمعا بين الأحاديث. ... والله أعلم. الباب السابع: التيمم. وفيه مبحث: صفة التيمم . لقد أمر الدين الإسلامي بالتيسير والتخفيف ونبذ التشديد والتعسير، فعن عائشة ﵂ قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه" (١) ، ومن مظاهر هذا التيسير والتخفيف وجود الرخص فيه. والرخص هي تخفيف من الله ، حيث كلف عباده بأحكام قد تشق عليهم في أحوال معينة، فراعى هذه المشقة، ولم يرد لعباده العنت، فرخص لهم بأن غيّر التكليف بالأمر بشيء من التحول إلى ما هو أخف منه، وذلك لأسباب معينة عينها الشارع الحكيم سبحانه. وأمثلة ذلك في الدين الإسلامي كثيرة. فمثلا: أمر الله سبحانه بصوم رمضان ثم راعى عنت المريض والمسافر، فرخص لهما الفطر، وقبل منهما قضاء ما أفطراه في أي يوم بعد زوال العذر. وكذا أمر الله عباده بغسل الرجلين في الوضوء، ورخص لهم بالمسح على الخفين في حالة لبس الخف. وكذا أمرهم بإتمام الصلاة الرباعية ورخص لهم بالقصر في السفر، وهكذا تكاليف الإسلام تتسم بالسهولة واليسر. ومن تلك الرخص التي امتن الله بها على عباده التيمم، فإنه أمر عباده بالوضوء والغسل، فلما شق عليهم بسبب عدم وجود الماء أو بسبب المرض رخص لهم بالتيمم وهو التطهر بالتراب. ولكن اختلف العلماء في صفة التيمم، وذلك لتعارض بعض الأحاديث، فمنها ما يفيد أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو حديث عمار بن ياسر "إنما يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه".

стр. 210

ومنها ما يفيد أن التيمم ضربتان، واحدة للوجه وأخرى لليدين إلى المرفقين، وهو حديث ابن عمر " التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين". ومنها ما يفيد أن التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المنكبين، وهو حديث عمار بن ياسر: أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله – ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم. ذكر ما استدل به على أن عدد ضربات التيمم واحدة للوجه والكفين: عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبْ الْمَاءَ فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ". (١) ذكر ما استدل به على أن عدد ضربات التيمم اثنتان للوجه والكفين إلى المرفقين:

стр. 211

عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ , وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ " (١) . ذكر ما استدل به على أن عدد ضربات التيمم اثنتان واحدة للوجه وأخرى لليدين إلى المناكب: عن عمار بن ياسر أنه كان يحدث: "أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّعِيدِ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ ". (٢) وجه التعارض: إن من يقرأ حديث عمار بن ياسر "إنما يكفيك هكذا فضرب النبي – ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه" يجده يدل على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين. ومن يقرأ حديث ابن عمر " التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" يجده يدل على خلاف ما يدل عليه الحديث الأول من جهتين: الأولى: عدد الضربات، حيث جعلها في الحديث الثاني ضربتان.

стр. 212

والثانية: حدّ اليد، حيث جعلت في الحديث الأول إلى الكف فقط، وجعلت في الحديث الثاني إلى المرفق. وكذلك من يقرأ حديث عمار الآخر " فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة ثم عادوا. فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم" يجده يدل على خلاف الأول من جهتين، فيتفق مع الثاني من جهة عدد الضربات، ويختلف مع الأول والثاني في حد اليد، فيجعلها إلى المناكب والآباط. وهذه معان تختلف، فوجب النظر في أسانيدها ومتونها، وقد تكلم العلماء عليها، وبينوا وجهة الصواب وكيف يدرأ التعارض. أقوال العلماء في درء التعارض: ١- قال ابن حبان في حديث التيمم إلى المناكب: "كان هذا حيث نزل أمر التيمم قبل تعليم النبي ﷺ عمارا كيفية التيمم ثم علمه ضربة واحدة للوجه والكفين لما سأل عمار النبي ﷺ عن التيمم" (١) . ٢- أورد الإمام الطحاوي حديث عمار في التيمم إلى الآباط بطرق أسلفتها ثم قال: "فذهب قوم إلى هذا فقالوا: هكذا التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المناكب والآباط. وخالفهم في ذلك آخرون فافترقوا فرقتين، فقالت فرقة منهم: التيمم للوجه واليدين إلى المرفقين. وقالت فرقة منهم: التيمم للوجه والكفين. فكان من الحجة لهذين الفريقين على الفرقة الأولى، أن عمار بن ياسر لم يذكر أن النبي ﷺ أمرهم أن يتيمموا كذلك، وإنما أخبرهم عن فعلهم، فيحتمل أن تكون الآية لما أنزلت لم تنزل بتمامها وإنما أنزل منها "فتيمموا صعيدا طيبا" ولم يبين لهم كيف يتيممون، فكان ذلك عندهم على كل ما فعلوا من التيمم، لا وقت في ذلك وقتا، ولا عضوا مقصودا به إليه بعينه، حتى نزلت بعد ذلك: "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه".

стр. 213

ومما يدل على ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: "أقبلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة له، حتى إذا كنا بالمعرس قريبا من المدينة نعست من الليل، وكانت علي قلادة تدعى السمط تبلغ السرة، فجعلت أنعس فخرجت من عنقي، فلما نزلت مع رسول الله ﷺ لصلاة الصبح، قلت: يا رسول الله، خرت قلادتي من عنقي، فقال: "أيها الناس إن أمكم قد ضلت قلادتها فابتغوها"، فابتغاها الناس، ولم يكن معهم ماء، فاشتغلوا بابتغائها إلى أن حضرتهم الصلاة، ووجدوا القلادة ولم يقدروا على ماء، فمنهم من تيمم إلى الكف، ومنهم من تيمم إلى المنكب، وبعضهم على جسده، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأنزلت آية التيمم". ففي هذا الحديث أن نزول آية التيمم كان بعدما تيمموا هذا التيمم المختلف الذي بعضه إلى المناكب، فعلمنا بتيممهم أنهم لم يفعلوا ذلك إلا وقد تقدم عندهم أصل التيمم، وعلمنا بقولها "فأنزل الله آية التيمم" أن الذي نزل بعد فعلهم هو صفة التيمم، فهذا وجه حديث عمار عندنا. ومما يدل أيضا على أن هذه الآية تنفي ما فعلوا من ذلك، أن عمار بن ياسر هو الذي روى ذلك عن النبي ﷺ قد روى غيره عنه في التيمم الذي عمله بعد ذلك خلاف ذلك. وذكر حديث عمار بالضربة للوجه والكفين. والاختلاف فيه بما روي عنه أن التيمم للوجه واليدين إلى الذراعين. ثم قال: "فلما اختلفوا في التيمم كيف هو، واختلفت هذه الروايات فيه، رجعنا إلى النظر في ذلك لنستخرج به من هذه الأقاويل قولا صحيحا، فاعتبرنا ذلك فوجدنا الوضوء على الأعضاء التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وكان التيمم قد أسقط عن بعضها، فأسقط عن الرأس والرجلين، فكان التيمم هو على بعض ما عليه الوضوء. فبطل بذلك قول من قال: إنه إلى المناكب، لأنه لما بطل عن الرأس والرجلين وهما مما يوضأ؛ كان أحرى أن لا يجب على ما لا يوضأ.

стр. 214

ثم اختلف في الذراعين هل ييممان أم لا؟ فرأينا الوجه ييمم بالصعيد كما يغسل بالماء، ورأينا الرأس والرجلين لا ييمم منهما شيء. فكان ما سقط التيمم عن بعضه سقط عن كله، وكان ما وجب فيه التيمم كان كالوضوء سواء، لأنه جعل بدلا منه، فلما ثبت أن بعض ما يغسل من اليدين في حال وجود الماء ييمم في حال عدم الماء، ثبت بذلك أن التيمم في اليدين إلى المرفقين قياسا ونظرا على ما بينا من ذلك. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله تعالى -. وقد روي ذلك عن ابن عمر وجابر ﵄" (١) . ٢- وقد ناقش ابن حزم ما استدل به الطحاوي وغيره بعد أن ذكر مذهبه في صفة التيمم وهو ضرب الأرض بالكفين ثم النفخ فيهما ومسح الوجه وظاهر الكفين إلى الكوعين. ثم ذكر ابن حزم الاختلاف في صفة التيمم وما ذهب إليه في ذلك من جعل التيمم ضربتين، وكذا مسح الآباط، وكذا المسح على اليدين إلى المرافق. وأورد أدلة كل قوم على حدة ثم استوعب هذه الأدلة بالمناقشة والرد، فقال: "

стр. 215

أما الذين قالوا: إن التيمم ضربتان، واحدة للوجه والأخرى لليدين والذراعين إلى المرافق: فإنهم احتجوا بحديث من طريق أبى أمامة الباهلي عن رسول الله ﷺ قال: "في التيمم ضربتان، ضربة للوجه وأخرى للذراعين"، وبحديث من طريق عمار: أن رسول الله ﷺ قال: "إلى المرفقين"، وبحديث من طريق ابن عمر قال: "سلم رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك فلم يرد عليه، ثم ضرب بيديه ﵇ على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل، وقال ﵇: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنى لم أكن على طهر"، ثم بحديث الأسلع قال: "قلت يا رسول الله، أصابتني جنابة، فسكت ﵇ حتى جاءه جبريل بالصعيد، فقال: "قم يا أسلع فارحل"، قال: ثم علمني رسول الله ﷺ التيمم، فضرب بكفيه الأرض ثم نقضهما ثم مسح بهما وجهه حتى أمر على لحيته، ثم أعادها إلى الأرض فمسح كفيه الأرض فدلك إحداهما بالأخرى ثم نفضهما ثم مسح ذراعيه ظاهرهما، وباطنهما". وبحديث عن أبى ذر قال: "وضع رسول الله ﷺ يديه على الأرض ثم نفضهما، ثم مسح وجهه ويديه إلى المرفقين". وبحديث ابن عمر عن الواقدي أن رسول الله ﷺ قال: "التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين". وقالوا: قد صح عن عمر بن الخطاب وعن جابر بن عبد الله وعن ابن عمر، من فتياهم وفعلهم أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة للذراعين واليدين. قالوا: والتيمم بدل من الوضوء، فلما كان يجدد الماء للوجه وماء آخر للذراعين وجب كذلك في التيمم، ولما كان الوضوء إلى المرفقين وجب أن يكون التيمم الذي هو بدله كذلك. ثم رد ابن حزم على كل ذلك، أما الأحاديث فقد أعل كل حديث مما سبق بعلة. وأما الأثر فقد رد عليه بأنه قد خالفهم علي وابن مسعود وعمار وابن عباس.
следующие страницы →