المبحث الثاني:
هل يجب الغسل بالتقاء الختانين دون إنزال ؟
ومما يشكل في هذا المبحث أحاديث جاءت لتبين موجبا من موجبات الغسل وهو الجماع، ولكن اختلفت في بيان ما يجب الغسل منه، فمنها ما يدل على أن الموجب للغسل هو نزول الماء، ومنها ما يدل على أن الموجب له التقاء الختانين فقط، أنزل أم لم ينزل.
فمما استدل به على إيجاب الغسل بإنزال الماء وعد إيجابه من التقاء الختانين أحاديث:
١- عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إن جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان: " يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره"، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ .
٢- أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار فأرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر، فقال: "لعلنا أعجلناك"، قال: نعم يا رسول الله، قال: " إذا أعجلت أو قحطت (١) فلا غسل عليك وعليك الوضوء".
٣- "إنما الماء من الماء".
ومما استدل به على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل:
حديث: " إذا جلس بين شعبه الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل".
ذكر ما استدل به على عدم وجوب الغسل من التقاء الختانين دون إنزال:
الحديث الأول:
أن زيد بن خالد الجهني أخبره: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵃ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ.
стр. 142
قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (١)
الحديث الثاني:
عن أبي سعيد الخدري: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَقَالَ «لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ» .
قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ أَقْحَطْتَ فَلاَ غُسْلَ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ» . وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ «إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ أُقْحِطْتَ" (٢) .
الحديث الثالث:
عن أبي سعيد الخدري عن النبي – ﷺ أنه قال: "إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ " (٣) .
ذكر ما استدل به على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل:
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ" (٤) .
وجه التعارض:
стр. 143
من يقرأ في حديث زيد بن خالد ﵁ وحديثي أبي سعيد –﵁؛ يجد أن هذه الأحاديث تفيد عدم وجوب الغسل من التقاء الختانين والإيلاج إذا لم ينزل، وإنما عليه الوضوء وغسل الفرج. وقد جاءت هذه الأحاديث صريحة بذلك وهي صحيحة ثابتة، كما أن من يقرأ حديث أبي هريرة –﵁ يجد أن هذا الحديث يدل على أن من جامع وجب عليه الغسل مطلقاً، سواء أنزل أم لم ينزل. وهو حديث صحيح صريح بذلك.
فلما كان هذا التعارض، وجب النظر في هذه الأحاديث ومعرفة كيف نؤلف بينها، وقد تكلم العلماء فيها بما يشفي، وهذا عرض لأقوالهم في ذلك.
أقوال العلماء في درء تعارض هذه الأحاديث:
١- ذهب الشافعي إلى النسخ، حيث أورد حديث عدم الإيجاب من طريق أبي؛ وحديث الإيجاب من طريق عائشة ﵄، ثم أورد بسنده حديث رجوع أبي عن قوله فقال: "عن أبي بن كعب أنه كان يقول: ليس على من لم ينزل غسل، ثم نزع عن ذلك أبي قبل أن يموت (١) .
ثم قال:" وإنما بدأت بحديث أبي في قوله "الماء من الماء"، ونزوعه، أن فيه دلالة على أنه سمع "الماء من الماء" عن النبي – ﷺ ولم يسمع خلافه فقال به، ثم لا أحسبه تركه إلا لأنه ثبت له أن رسول الله ﷺ قال بعده ما نسخه. وقال:" وحديث الماء من الماء ثابت الإسناد، وهو عندنا منسوخ بما حكيت، فيجب الغسل من الماء، ويجب إذا غيب الرجل ذكره في فرج المرأة حتى يواري حشفته".
стр. 144
ثم ذكر رأي من خالفه في قوله هذا ومناقشته له. قال: " فخالفنا بعض أصحاب الحديث من أهل ناحيتنا وغيرهم، فقالوا: لا يجب على الرجل إذا بلغ من امرأته ما شاء الغسل حتى يأتي منه الماء الدافق، واحتج فيه بحديث أبي بن كعب وغيره مما يوافقه، وقال: أما قول عائشة:"فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا"، فقد يكون تطوعا منهما بالغسل، ولم تقل إن النبي ﵊ قال عليه الغسل.
قال الشافعي: فقلت له الأغلب أن عائشة لا تقول إذا مس الختان الختان أو جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل وتقول فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا؛ إلا خبرا عن رسول الله بوجوب الغسل منه، قال: فيحتمل أن تكون لما رأت النبي ﷺ اغتسل اغتسلت ورأته واجبا، ولم تسمع من النبي ﷺ إيجابه، فقلت: نعم، قال: فليس هذا خبرا عن النبي ﷺ فقلت: الأغلب أنه خبر عنه.
стр. 145
قال: وأما حديث علي بن زيد فليس مما يثبته أهل الحديث وهو لا تقوم به الحجة، فقلت له: فإن أبي بن كعب قد رجع عن قوله "الماء من الماء" بعد قوله به عمرا من عمره، وهو يشبه أن لا يكون رجع إلا بخبر يثبت عن النبي ﷺ ، قال: إن هذا لأقوى فيه من غيره وما هو بالبين، وقلت له: ما أعلم عندنا من جهة الحديث شيئا أكبر من هذا، قال: فمن جهة غير الحديث؟ فقلت: نعم، قال الله جل ثناؤه: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) إلى قوله (حتى تغتسلوا (١) فكان الذي يعرفه من خوطب بالجنابة من العرب أنها الجماع دون الإنزال، ولم تختلف العامة أن الزنا الذي يجب به الحد: الجماع دون الإنزال، وأن من غابت حشفته في فرج امرأة وجب عليه الحد، وكان الذي يشبه أن الحد لا يجب إلا على من أجنب من حرام، وقلت له: قد يحتمل أن يقال حديث أبي: إذا جامع أحدنا فأكسل أن ينزل أن يقول: إذا صار إلى الجماع ولم يغيب حشفته فأكسل، فلا يكون حديث الغسل إذا التقى الختانان مخالفا له، قال: أفتقول بهذا؟ فقلت: إن الأغلب أنه إذا بلغ أن يلتقي الختانان ولم ينزل، وكذلك والله أعلم الأغلب من قول عائشة "فعلته أنا والنبي – ﷺ فاغتسلنا" على إيجاب الغسل، لأنها توجب الغسل إذا التقى الختانان.
стр. 146
قال: فماذا التقاء الختانين؟ قلت: إذا صار الختان حذو الختان وإن لم يتماسا، قال: فيقال لهذا التقاء؟ قلت: نعم، أرأيت إذا قيل التقى الفارسان، أليس إنما يعني إذا تواقفا؛ فصار أحدهما وجاه الآخر، أو اختلفت دوابهما فصار أحد الرجلين وجاه صاحبه، ويقال إذا جاوز بدن أحدهما بدن صاحبه قد خلف الفارس، قال: بلى، قلت: ويقال إذا تماسا التقيا، لأنه أقرب التقاء وبعض اللقاء أقرب من بعض، قال: إن الناس ليقولونه، قلت: وهذا كله صحيح جائز في لسان العرب، فإنما يراد بهذا أن تغيب الحشفة في الفرج حتى يصير الختان الذي خلف الحشفة حذو ختان المرأة وإنما يجهل هذا من جهل لسان العرب" (١) .
٢- ذهب ابن خزيمة إلى النسخ أيضا فقال: " باب ذكر أخبار رويت عن النبي ﷺ في الرخصة في ترك الغسل في الجماع من غير إمناء قد نسخ بعض أحكامها.
ثم أورد حديث عثمان بن عفان –﵁ الذي أوردناه في الباب ثم قال: " باب ذكر نسخ إسقاط الغسل في الجماع من غير إمناء"، وساق بإسناده حديث أبي بن كعب في إيضاح أن "الماء من الماء" كان رخصة في أول الإسلام.
ثم أورد ما يدل على الإيجاب بالتقاء الختانين فقال:" باب ذكر إيجاب الغسل بمماسة الختانين أو التقائهما وإن لم يكن أمنى".
стр. 147
وأورد في هذا الباب حديث أبي موسى الأشعري:"أنهم كانوا جلوساً، فذكروا ما يوجب الغسل. فقال من حضر من المهاجرين: إذا مس الختان الختان وجب الغسل، وقال من حضره من الأنصار: لا، حتى يدفق، قال أبو موسى: أنا آتيكم بالخبر. فقام إلى عائشة ﵂ فسلَّم ثم قال: إني أريد أن أسألك عن شيء، وأنا أستحي منه. فقالت: لا تستحي، إن تسأل عن شيء تسأل عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قال: قلت: ما يوجب الغسل؟ قالت على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان وجب الغسل" (١) .
وبهذا يتبين ما ذهب إليه ابن خزيمة من نسخ الأحاديث الثلاثة الأُول بحديث عائشة وأبي هريرة –﵄. (٢)
٣- وقد أفاض الإمام الطحاوي في هذه المسألة، فأورد حديث عثمان بإسناده، وروى معناه أيضاً من طريق أبي أيوب والزبير بن العوام وأبي بن كعب والأنصار.
وكذا أورد حديث أبي سعيد بإسناده، وكذا روى معناه عن أبي أيوب وأبي هريرة، قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن من وطيء في الفرج فلم ينزل فليس عليه غسل، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا عليه الغسل وإن لم ينزل، واحتجوا بحديث عائشة –﵂ المتقدم من عدة طرق.
قال أبو جعفر: قالوا: فهذه الآثار تخبر عن رسول الله ﷺ أنه كان يغتسل إذا جامع، وإن لم ينزل.
فقيل لهم: هذه الآثار إنما تخبر عن فعل رسول الله ﷺ وقد يجوز أن يفعل ما ليس عليه، والآثار الأول تخبر عما يجب وما لا يحب فهي أولى.
فكان من الحجة لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى؛ أن الآثار التي رويناها في الفصل الأول من هذا الباب على ضربين:
стр. 148
فضرب منهما: الماء من الماء لا غير، وضرب منهما: أن رسول الله ﷺ قال: لا غسل على من أكسل حتى ينزل.
فأما ما كان من ذلك فيه ذكر "الماء من الماء" فإن ابن عباس ﵁ قد روي عنه في ذلك أن مراد رسول الله ﷺ به قد كان غير ما حمله عليه أهل المقالة الأولى.
ثم ذكر بسنده عن ابن عباس –﵁ قوله: "الماء من الماء":" إنما ذلك في الاحتلام، إذا رأى أنه يجامع ثم لم ينزل، فلا غسل عليه".
فهذا ابن عباس قد أخبر أن وجهه غير الوجه الذي حمله عليه أهل المقالة الأولى، فضاد قوله قولهم.
وأما ما روي فيما بين فيه الأمر، وأخبر فيه بالقصد، أنه لا غسل عليه في ذلك حتى يكون الماء؛ فإنه قد روي عن النبي ﷺ خلاف ذلك.
وذكر بإسناده حديث أبي هريرة المتقدم في المبحث "إذا قعد بين شعبها..الحديث".
وذكر أيضاً بإسناده عن عائشة –﵄.
قال أبو جعفر: فهذه الآثار تضاد الآثار الأول، وليس في شيء من ذلك دليل على الناسخ من ذلك ما هو، فنظرنا في ذلك –وذكر بإسناده عن أبي بن كعب- قال: إنما كان الماء من الماء في أول الإسلام، فلما أحكم الله الأمر نهى عنه.
قال أبو جعفر: فهذا أبي يخبر أن هذا هو الناسخ لقوله "الماء من الماء"، وقد روي عنه بعد ذلك من قوله ما يدل على هذا أيضاً.
وذكر بسنده عن محمود بن لبيد: أنه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينزل، فقال زيد: يغتسل. فقلت له: إن أبي بن كعب كان لا يرى فيه الغسل، فقال زيد: إن أبيًّا قد نزع (رجع) عن ذلك قبل أن يموت.
قال أبو جعفر: فهذا أبي قد قال هذا. وقد روي عن النبي ﷺ خلاف ذلك، فلا يجوز هذا عندنا إلا وقد ثبت نسخ ذلك عنده من رسول الله ﷺ .
وكذلك عثمان وأبو هريرة قالا ذلك ورويا عن رسول الله ﷺ -خلافه، فلا يجوز هذا إلا وقد ثبت النسخ عندهما.
стр. 149
ثم ذكر ما يدل على النسخ أيضاً فروى بسنده عن سعيد بن المسيب قال: قال رجال من الأنصار يفتون أن الرجل إذا جامع المرأة ولم ينزل فلا غسل عليه، وكان المهاجرون لا يتابعونهم على ذلك.
قال:" فهذا يدل على نسخ ذلك أيضا لأن عثمان والزبير هما من المهاجرين، وقد سمعا من رسول الله ﷺ ما قد روينا عنهما في أول هذا الباب ثم قد قالا بخلاف ذلك، فلا يجوز ذلك منهما إلا وقد ثبت النسخ عندهما.
ثم قد كشف ذلك عمر بن الخطاب ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فلم يثبت ذلك عنده، فحمل الناس على غيره، وأمرهم بالغسل، ولم يعترض عليه في ذلك أحد وسلموا ذلك له؛ فذلك دليل على رجوعهم أيضا إلى قوله.
وذكر بسنده حديث عمر، قال عبيد بن رفاعة الأنصاري: كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت فتذاكرنا الغسل من الإنزال، فقال زيد: ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة. فقام رجل من أهل المجلس، فأتى عمر فأخبره بذلك. فقال عمر للرجل: اذهب أنت بنفسك فائتني به حتى تكون أنت الشاهد عليه. فذهب فجاء به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل ﵄، فقال عمر أنت عدو نفسك تفتي الناس بهذا؟! فقال زيد: أما والله ما ابتدعته، ولكني سمعته من عماي رفاعة بن رافع ومن أبي أيوب الأنصاري. فقال عمر لمن عنده من أصحاب النبي ﷺ : ما تقولون؟ فاختلفوا عليه، فقال عمر: يا عباد الله، فمن أسأل بعدكم وأنتم أهل بدر الأخيار؟ فقال له علي بن أبي طالب: فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ فإنه إن كان شيء من ذلك ظهرت عليه.
стр. 150
فأرسل إلى حفصة فسألها فقالت: لا علم لي بذلك، ثم أرسل إلى عائشة ﵂ فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال عمر ﵁ عند ذلك: لا أعلم أحدا فعله ثم لم يغتسل؛ إلا جعلته نكالا.
قال أبو جعفر: فهذا عمر قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ فلم ينكر ذلك عليه منكر.
قال الطحاوي:
وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن الجماع في الفرج الذي لا إنزال معه حدث، فقال قوم هو أغلظ الأحداث، فأوجبوا فيه أغلظ الطهارات، وهو الغسل. وقال قوم هو كأخف الأحداث، فأوجبوا فيه أخف الطهارات، وهو الوضوء.
فأردنا أن ننظر إلى التقاء الختانين: هل هو أغلظ الأشياء فنوجب فيه أغلظ ما يجب في ذلك؟
فوجدنا أشياء يوجبها الجماع، وهو فساد الصيام والحج، فكان ذلك بالتقاء الختانين وإن لم يكن معه إنزال، ويوجب ذلك في الحج الدم وقضاء الحج، ويوجب في الصيام القضاء والكفارة، في قول من يوجبها.
ولو كان جامع فيما دون الفرج، وجب عليه في الحج دم فقط، ولم يجب عليه في الصيام شيء إلا أن ينزل، وكل ذلك محرم عليه في حجه وصيامه، وكان من زنى بامرأة حد، وإن لم ينزل، ولو فعل ذلك على وجه شبهة فسقط بها الحد عنه، وجب عليه المهر.
وكان لو جامعها فيما دون الفرج، لم يجب عليه في ذلك حد ولا مهر، ولكنه يعزر إذا لم تكن هناك شبهة.
وكان الرجل إذا تزوج المرأة فجامعها جماعا لا خلوة معه في الفرج ثم طلقها، كان عليه المهر أنزل أو لم ينزل، ووجبت عليها العدة وأحلها ذلك لزوجها الأول.
ولو جامعها فيما دون الفرج لم يجب في ذلك عليه شيء، وكان عليه في الطلاق نصف المهر إن كان سمي لها مهرا، أو المتعة إذا لم يكن سمي لها مهرا.
فكان يجب في هذه الأشياء التي وصفنا، التي لا إنزال معها أغلظ ما يجب في الجماع الذي معه الإنزال، من الحدود والمهور، وغير ذلك.
стр. 151
فالنظر على ذلك، أن يكون كذلك، هو في حكم الأحداث أغلظ الأحداث، ويجب فيه أغلظ ما يجب في الأحداث، وهو الغسل.
وحجة أخرى في ذلك: أنا رأينا هذه الأشياء التي وجبت بالتقاء الختانين، فإذا كان بعدها الإنزال لم يجب بالإنزال حكم ثان، وإنما الحكم لالتقاء الختانين.
ألا ترى أن رجلا لو جامع امرأة جماع زناء، فالتقى ختاناهما، وجب الحد عليهما بذلك، ولو أقام عليهما حتى أنزل لم يجب بذلك عليه عقوبة، غير الحد الذي وجب عليه بالتقاء الختانين، ولو كان ذلك الجماع على وجه شبهة، فوجب عليه المهر بالتقاء الختانين، ثم أقام عليها حتى أنزل؛ لم يجب عليه في ذلك الإنزال شيء بعد ما وجب بالتقاء الختانين، وكان ما يحكم به في هذه الأشياء على من جامع فأنزل؛ هو ما يحكم به عليه إذا جامع ولم ينزل، وكان الحكم في ذلك هو لالتقاء الختانين لا للإنزال الذي يكون بعده.
فالنظر على ذلك، أن يكون الغسل الذي يجب على من جامع وأنزل، هو بالتقاء الختانين لا بالإنزال الذي يكون بعده.
فثبت بذلك قول الذين قالوا: إن الجماع يوجب الغسل، كان معه إنزال أو لم يكن.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وعامة العلماء رحمهم الله تعالى (١) .
٤- وقد ذكر أبو بكر الحازمي نحوا مما قدمناه من قول أبي جعفر الطحاوي، وذكر الأحاديث بأسانيده، ثم قال: " وقد صحت الأخبار في طرفي الإيجاب والرخصة، وتعذر الجمع، فنظرنا هل نجد مناصاً من غوائل التعارض من جهة التاريخ، حيث تعذر معرفته من صريح اللفظ؛ فوجدنا آثاراً تدل على ذلك وبعضها يصرح بالنسخ، فحينئذٍ تعين المصير إلى الإيجاب لتحقق النسخ في ذلك.
ثم ذكر بسنده ما يدل على النسخ من حديث أبي بن كعب المتقدم: "كان الماء من الماء شيئاً في أول الإسلام ثم ترك ذلك بعد، وأمروا بالغسل إذا مس الختان الختان". وقد أورد هذا عن أبي من قوله (٢) .
стр. 152
٥- قال ابن حجر: " منسوخ وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية. وقد ذهب الجمهور إلى أن ما دل عليه حديث الباب من الاكتفاء بالوضوء إذا لم ينزل الجامع منسوخ بما دل عليه حديث أبي هريرة وعائشة المذكوران في الباب قبله، والدليل على النسخ ما رواه أحمد وغيره من طريق الزهري عن سهل بن سعد قال: حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يقولون " الماء من الماء " رخصة كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد، صححه ابن خزيمة وابن حبان. وقال الإسماعيلي: هو صحيح على شرط البخاري، كذا قال، وكأنه لم يطلع على علته، فقد اختلفوا في كون الزهري سمعه من سهل. نعم أخرجه أبو داود وابن خزيمة أيضا من طريق أبي حازم عن سهل، ولهذا الإسناد أيضا علة أخرى ذكرها ابن أبي حاتم، وفي الجملة هو إسناد صالح لأن يحتج به، وهو صريح في النسخ. على أن حديث الغسل وإن لم ينزل أرجح من حديث الماء من الماء، لأنه بالمنطوق، وترك الغسل من حديث الماء بالمفهوم، أو بالمنطوق أيضا لكن ذاك أصرح منه. وروى ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عباس أنه حمل حديث: "الماء من الماء " على صورة مخصوصة وهي ما يقع في المنام من رؤية الجماع، وهو تأويل يجمع بين الحديثين من غير تعارض" (١) .
قلت:
ذهب أكثر أهل العلم إلى النسخ في هذه الأحاديث، وذلك بما ورد عن أبي وغيره ممن كانوا يرون الأحاديث المرخصة، فلما ثبت هذا تبين لنا أن الرخصة كانت أول الإسلام، ثم جاء الأمر بالغسل من التقاء الختانين. وأدلة من ذهب إلى النسخ -وهم الغالبية من العلماء- أقوى وأرجح. والله أعلم.
المبحث الثالث:
غسل الجمعة .
الإسلام دين يأمر بالنظافة، ويحث عليها، ومن مظاهر ذلك الوضوء خمس مرات، والاغتسال من الجنابة والاغتسال من الحيض وغيرها.
стр. 153
وكذا حرص الإسلام على احترام مشاعر الآخرين، فشرع لهم عدم إيذاء المسلمين في أماكن تجمعهم لأداء مشاعر دينهم، فنهى المسلم عن أكل البصل لدخول المسجد، وأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد.
ومما شرعه الإسلام الغسل لصلاة الجمعة، وذلك لما فيه من اجتماع المسلمين ولقائهم في هذا اليوم العظيم.
ولكن اختلف العلماء في حكم غسل الجمعة بين الوجوب والاستحباب، فذهب قوم إلى الوجوب واستدلوا بأحاديث، وذهب آخرون إلى الاستحباب واستدلوا بأحاديث أخرى.
ومما استدل به أصحاب الإيجاب حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم".
ومما استدل به أصحاب الاستحباب حديث سمرة بن جندب مرفوعاً: " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل".
فهذه الأحاديث يوهم ظاهرها التعارض.
ذكر ما استدل به الموجبون لغسل الجمعة:
عن أبي سعيد الخدري عن النبي – ﷺ قال: "الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" (١) .
ذكر ما استدل به المستحبون لغسل الجمعة:
عن سمرة –﵁ قال: قال رسول الله – ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ " (٢) .
وجه التعارض:
إن من يقرأ حديث أبي سعيد يجد أنه يصرح بوجوب الغسل يوم الجمعة على كل محتلم.
стр. 154
ومن يقرأ حديث سمرة بن جندب يرى أن غسل يوم الجمعة من الأمور المندوبة وذلك بقوله:" فهو أفضل" وهذا دليل على عدم الوجوب.
فهذه الأحاديث تتعارض في دلالتها، لذا وجب النظر فيها، والبحث عن طرق التوفيق بينها، وقد تكلم العلماء فيها.
أقوال العلماء في درء التعارض:
١- ذكر الشافعي حديث أبي سعيد الخدري –﵁ فبين معنى الوجوب وأن له معان متعددة، وليس من اللازم أن يكون على معناه الاصطلاحي. فقال:
" فاحتمل واجب لا يجزئ غيره، وواجب في الأخلاق، وواجب في الاختيار، وفي النظافة ونفي تغير الريح عند اجتماع الناس، كما يقول الرجل للرجل: وجب حقك علي إذ رأيتني موضعا لحاجتك، وما أشبه هذا، فكان هذا أولى معنييه لموافقة ظاهر القرآن في عموم الوضوء من الأحداث وخصوص الغسل من الجنابة، والدلالة عن رسول الله – ﷺ في غسل يوم الجمعة أيضا، فإن قال قائل: فاذكر الدلالة، قلت: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله قال: "دخل رجل من أصحاب رسول الله المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب، فقال عمر: أي ساعة هذه فقال يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا! وقد علمت أن رسول الله كان يأمر بالغسل" (١) .
قال الشافعي:
стр. 155
فلما علمنا أن عمر وعثمان (١) علما أن رسول الله كان يأمر بالغسل يوم الجمعة، فذكر عمر علمه وعلم عثمان، فذهب عنا أن نتوهم أن يكونا نسيا علمهما عن رسول الله في غسل يوم الجمعة، إذ ذكر عمر علمهما في المقام الذي توضأ فيه عثمان يوم الجمعة ولم يغتسل، ولم يخرج عثمان فيغتسل ولم يأمره عمر بذلك ولا أحد ممن حضرهما من أصحاب رسول الله ممن علم أمر رسول الله بالغسل معهما أو بإخبار عمر عنه، دل هذا على أن عمر وعثمان قد علما أمر النبي بالغسل على الأحب لا على الإيجاب للغسل الذي لا يجزئ غيره، وكذلك -والله أعلم- دل على أن علم من سمع مخاطبة عمر وعثمان في مثل علم عمر وعثمان، إما أن يكون علموه علما وإما أن يكونون علموه بخبر عمر كالدلالة عن عمر وعثمان، وروت عائشة الأمر بالغسل يوم الجمعة.
أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: "كان الناس عمال أنفسهم فكانوا يروحون بهيآتهم فقيل لهم: لو اغتسلتم.
قال وروي من حديث البصريين أن رسول الله قال: "من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، قال وقول أكثر من لقيت من المفتين اختيار الغسل يوم الجمعة وهم يرون أن الوضوء يجزئ منه (٢) .
стр. 156
٢- ذهب ابن خزيمة إلى الجمع بين الأحاديث بالغسل أمر ندب لا وجوب، فبعد أن ذكر أحاديث الأمر وبوب لها ذكر حديث سمرة وبوب له بقوله:" باب ذكر دليل أن الغسل يوم الجمعة فضيلة لا فريضة" كما ذكر تحت هذا الباب حديثاً آخر استدل به على الندب وهو حديث أبي هريرة –﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فدنا وأنصت واستمع غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا (١) " (٢) .
٣- وأورد الطحاوي هذه المسألة في كتابه شرح معاني الآثار ودرأ تعارض هذه الأحاديث وما في معناها، فقال بعد أن أورد أحاديث دالة على الإيجاب عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وحفصة وعائشة وجابر وأبي سعيد: "فذهب قوم إلى إيجاب الغسل يوم الجمعة واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا ليس الغسل يوم الجمعة بواجب، ولكنه مما قد أمر به رسول الله ﷺ لمعان قد كانت في عهده – ﷺ ، منها ما روي عن بن عباس ﵄ –وساق بسنده- عن عكرمة قال: سئل بن عباس عن الغسل يوم الجمعة (أواجب هو؟) قال: لا، ولكنه طهور وخير، فمن اغتسل فحسن، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ. كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان المسجد ضيقا مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وقد عرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت رياح، حتى آذى بعضهم بعضا فوجد النبي ﷺ تلك الرياح فقال: "أيها الناس إذا كان هذا اليوم، فاغتسلوا وليمس أحدكم أمثلَ ما يجد من دهنه وطيبه"، قال ابن عباس ﵁ ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم.
стр. 157
فهذا ابن عباس ﵁ يخبر أن ذلك الأمر الذي كان من رسول الله ﷺ بالغسل لم يكن للوجوب عليهم، وإنما كان لعلة ثم ذهبت تلك العلة فذهب الغسل (١) ، وهو أحد من روى عنه رسول الله ﷺ أنه كان يأمر بالغسل وقد روي عن عائشة ﵂ في ذلك شيء.
ثم ذكر ما يدل على ذلك عن عائشة ﵂ بسنده قالت: كان الناس عمال أنفسهم فيروحون بهيئاتهم فقال ﷺ : "لو اغتسلتم".
فهذه عائشة ﵂ تخبر بأن رسول الله ﷺ إنما كان ندبهم إلى الغسل، للعلة التي أخبر بها ابن عباس ﵄ وأنه لم يجعل ذلك عليهم حتما، وهي أحد من روينا عنها أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل في ذلك اليوم.
ثم أورد عن عمر بن الخطاب –﵁ ما يدل على أن ذلك لم يقع عنده موقع الفرض.
ثم ذكر بسنده ما تقدم من خطبة عمر بألفاظ متعددة متقاربة، ثم قال:"ففي هذه الآثار غير معنى ينفي وجوب الغسل.
أما أحدهما فإن عثمان لم يغتسل واكتفى بالوضوء، وقد قال عمر: قد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالغسل.
ولم يأمره عمر أيضا بالرجوع لأمر رسول الله ﷺ إياه بالغسل.
ففي ذلك دليل على أن الغسل الذي كان أمر به لم يكن –عندهما- على الوجوب، وإنما كان لعلة ما قال ابن عباس ﵄ وعائشة ﵂ أو لغير ذلك.
стр. 158
ولولا ذلك ما تركه عثمان ﵁، ولما سكت عمر ﵁ عن أمره إياه بالرجوع حتى يغتسل، وذلك بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ الذين قد سمعوا ذلك من النبي ﷺ كما سمعه عمر، وعلموا معناه الذي أراده فلم ينكروا من ذلك شيئا، ولم يأمروا بخلافه.
ففي هذا إجماع منهم على نفي وجوب الغسل.
وقد روي عن رسول الله ﷺ ما يدل على أن ذلك كان من طريق الاختيار وإصابة الفضل.
ثم ذكر بسنده حديث سمرة –﵁ المتقدم. وأورده من عدة طرق ثم قال: فبين رسول الله ﷺ في هذا الحديث أن الفرض هو الوضوء، وأن الغسل أفضل لما ينال به من الفضل لا على أنه فرض.
فإن احتج محتج في وجوب ذلك، بما روي عن علي وسعد وأبي قتادة وأبي هريرة ﵃، وذكر آثاراً من كل واحد، فذكر بسنده عن سعد قوله: "ما كنت أرى مسلما يدع الغسل يوم الجمعة ".
وبسنده عن علي قوله عندما سئل عن الغسل: "يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم الفطر ويوم الأضحى".
وبسنده عن أبي هريرة قال:"حق الله واجب على كل مسلم في كل سبعة أيام يغتسل، ويغسل منه كل شيء، ويمس طيبا إن كان لأهله".
وبسنده عن قتادة قال: "اغتسل للجمعة".
وبسنده عن عبد الرحمن بن أبزى: أن أباه كان يحدث بعد ما يغتسل يوم الجمعة فيتوضأ ولا يعيد الغسل.
ورد على هذه الآثار بقوله: أما ما روي عن علي ﵁ فلا دلالة فيه على الفرض، لأنه قرنه مع ما ليس بفرض.
وأما ما روي عن سعد من قوله: ما كنت أرى أن مسلما يدع الغسل يوم الجمعة: أي لما فيه من الفضل الكبير مع خفة مؤنته.
وأما ما روي عن أبي هريرة –﵁-فقد قرن ذلك بقوله: "وليمس طيبا إن كان لأهله" فلم يكن مسيس الطيب على الفرض، فكذلك الغسل.
فقد سمع عمر يقول لعثمان ﵄ ما ذكرناه، ولم يأمره بالرجوع بحضرته، فلم ينكر ذلك عليه، فذلك أيضا دليل على أنه عنده كذلك.
стр. 159
وأما ما روي عن أبي قتادة مما ذكرنا عنه في ذلك فهو إرادة منه للقصد بالغسل إلى الجمعة لإصابة الفضل في ذلك. وقد روينا عن عبد الرحمن بن أبزى خلاف ذلك.
وجميع ما بيناه في هذا الباب هو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، ﵏" (١) .
٤- وذهب ابن حبان إلى الجمع بين الأحاديث بأن حمل الأمر بالغسل على الندب، وقد أورد هذه المسألة بأدلتها وأحاديثها بأسانيده، وبوب لكل باب بما يناسبه، فأفاد من تبويبه فوائد في الجمع بين هذه الأحاديث، وتعزيز هذا الجمع بأحاديث أخرى. فقال:
" ذكر لفظة أوهمت عالما من الناس أن غسل يوم الجمعة فرض لا يجوز تركه" وأورد بسنده حديث ابن عمر مرفوعاً صحيح (الغسل يوم الجمعة على كل حالم من الرجال وعلى كل بالغ من النساء) .
ثم قال: " ذكر خبر ثان ذهب إليه بعض أئمتنا فزعم أن غسل يوم الجمعة واجب" وأورد حديث أبي سعيد المتقدم أول البحث.
ثم بوب بابا آخر فقال: " ذكر الخبر الدال على أن الأمر بالاغتسال للجمعة في الأخبار التي ذكرناها قبل إنما هو أمر ندب وإرشاد لعلة معلومة"، وأورد حديث ابن عمر (أن عمر بن الخطاب بينا هو يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عليه رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فناداه عمر: أي ساعة هذه؟ قال: إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء فلم أزد على أن توضأت. قال عمر: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل) .
стр. 160
قال أبو حاتم ﵁: في هذا الخبر دليل صحيح على نفي إيجاب الغسل للجمعة على من يشهدها، لأن عمر بن الخطاب كان يخطب إذ دخل المسجد عثمان بن عفان فأخبره أنه ما زاد على أن توضأ ثم أتى المسجد، فلم يأمره عمر ولا أحد من الصحابة بالرجوع والاغتسال للجمعة ثم العود إليها، ففي إجماعهم على ما وصفنا أبين البيان بأن الأمر كان من المصطفى ﷺ بالاغتسال للجمعة أمر ندب لا حتم.
ثم أورد أخباراً تؤيد ما ذهب إليه، وهي:
١- حديث أبي هريرة المتقدم: (من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم أتى.. الحديث) .
٢- حديث ابن عمر (إن لله حقا على كل مسلم أن يغتسل كل سبعة أيام يوما، فإن كان له طيب مسه) .
٣- حديث أبي سعيد المتقدم (الغسل يوم الجمعة على كل محتلم والسواك، وأن يمس من الطيب ما قدر عليه) (١) .
٥-أورد ابن الجوزي هذه الأحاديث فذكر أحاديث الإيجاب بأسانيدها ثم قال:
"والجواب: أن الناس انقسموا في هذه الأحاديث فريقين، فمنهم من قال معنى واجب: لازم في باب الاستحباب، كما يقال حقك علي واجب، وهذا اختيار أبي سليمان الخطابي، يدل عليه أنه قرنه بما لا يجب.
وذكر بسنده حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه مرفوعاً (الغسل يوم الجمعة على كل محتلم والسواك وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه) ، وحديث عائشة –﵂ (كان الناس عمال أنفسهم فكانوا يروحون كهيئتهم فقيل لهم: لو اغتسلتم) .
ثم قال: يؤكد هذا أن الصحابة لم ينكروا على من ترك الغسل. وذكر بسنده حديث عمر بن الخطاب المتقدم.
ثم قال: وهذا كله يدل على أنه إنما أمر بالغسل أمر استحباب.
وقد ذهب قوم إلى وجوبه للفظ حديث أبي سعيد، وادعوا أنه نسخ بحديث سمرة (من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل.....الحديث) .
стр. 161
وفي هذه الدعوى بعد، لأنه لا تاريخ معنا، وأحاديث الوجوب أصح والوجه ما ذكرناه: أنه مستحب ومندوب (١) .
٦- قال النووي: واختلف العلماء في غسل الجمعة فحكى وجوبه عن طائفة من السلف حكوه عن بعض الصحابة وبه قال أهل الظاهر وحكاه بن المنذر عن مالك وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ومالك وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه سنة مستحبة ليس بواجب قال القاضي وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه واحتج من أوجبه بظواهر هذه الأحاديث واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة منها حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب وقد ترك الغسل وقد ذكره مسلم وهذا الرجل هو عثمان بن عفان جاء مبينا في الرواية الأخرى ووجه الدلالة أن عثمان فعله وأقره عمر وحاضروا الجمعة وهم أهل الحل والعقد ولو كان واجبا لما تركه ولألزموه ومنها قوله ﷺ من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل حديث حسن في السنن مشهور وفيه دليل على أنه ليس بواجب ومنها قوله ﷺ لو اغتسلتم يوم الجمعة وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب لأن تقديره لكان أفضل وأكمل ونحو هذا من العبادات وأجابوا عن الأحاديث الواردة في الأمر به أنها محمولة على الندب جمعا بين الأحاديث وقوله ﷺ واجب على كل محتلم أي متأكد في حقه كما يقول الرجل لصاحبه حقك واجب على أي متأكد لا أن المراد الواجب المحتم المعاقب عليه (٢) .
٧- نقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد قوله:" وربما تأولوه تأويلاً مستكرهاً، كمن حمل لفظ الوجوب على السقوط. انتهى" (٣) .
стр. 162
قال ابن حجر: " أما ما أشار إليه ابن دقيق العيد من أن بعضهم أوله بتأويل مستكره فقد نقله ابن دحية عن القدوري من الحنفية وأنه قال: قوله واجب أي ساقط، وقوله على بمعنى عن، فيكون المعنى أنه غير لازم، ولا يخفى ما فيه من التكلف. وقال الزين بن المنير: أصل الوجوب في اللغة السقوط، فلما كان في الخطاب على المكلف عبء ثقيل كان كل ما أكد طلبه منه يسمى واجبا كأنه سقط عليه، وهو أعم من كونه فرضا أو ندبا. وهذا سبقه ابن بزيزة إليه، ثم تعقبه بأن اللفظ الشرعي خاص بمقتضاه شرعا لا وضعا، وكأن الزين استشعر هذا الجواب فزاد أن تخصيص الواجب بالفرض اصطلاح حادث. وأجيب بأن " وجب " في اللغة لم ينحصر في السقوط، بل ورد بمعنى مات، وبمعنى اضطرب، وبمعنى لزم وغير ذلك. والذي يتبادر إلى الفهم منها في الأحاديث أنها بمعنى لزم، لا سيما إذا سيقت لبيان الحكم. وقد تقدم في بعض طرق حديث ابن عمر " الجمعة واجبة على كل محتلم " وهو بمعنى اللزوم قطعا. ويؤيده: أن في بعض طرق حديث الباب: "واجب كغسل الجنابة " أخرجه ابن حبان من طريق الدراوردي عن صفوان بن سليم، وظاهره اللزوم، وأجاب عنه بعض القائلين بالندبية بأن التشبيه في الكيفية لا في الحكم" (١) .
وقال ابن حجر بعد أن أورد رواية فيها (وأن يستن، وأن يمس طيباً) :
" قال القرطبي: ظاهره وجوب الاستنان والطيب لذكرهما بالعاطف، فالتقدير الغسل واجب والاستنان والطيب كذلك، قال: وليسا بواجبين اتفاقا، فدل على أن الغسل ليس بواجب، إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد. انتهى.
стр. 163
وقد سبق إلى ذلك الطبري والطحاوي، وتعقبه ابن الجوزي بأنه لا يمتنع عطف ما ليس بواجب على الواجب، لا سيما ولم يقع التصريح بحكم المعطوف. وقال ابن المنير في الحاشية: إن سلم أن المراد بالواجب الفرض لم ينفع دفعه بعطف ما ليس بواجب عليه لأن للقائل أن يقول: أخرج بدليل فبقي ما عداه على الأصل، وعلى أن دعوى الإجماع في الطيب مردودة، فقد روى سفيان بن عيينة في جامعه عن أبي هريرة أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر (١) .
٨- قال الشيخ أحمد شاكر: "وقد رجحنا أن غسل الجمعة واجب في نفسه، أعني ليس شرطاً في صحة الصلاة، فمن لم يأت به صحت صلاته، وكان مقصرا في الواجب عليه؛ إذ ليس في الأحاديث ما يدل على شرطيته في صحة الصلاة، وبذلك يجمع بين الأحاديث" (٢) .
قلت:
بعد أن جمعت أقوال العلماء في درء هذا التعارض، تبين لي أن خير ما درئ به هو أن حديث "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" أن ذلك على سبيل التأكد، وليس على سبيل الإيجاب الاصطلاحي الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وذلك يدل عليه أحاديث كثيرة أسلفها العلماء، وأنا أشير إلى بعضها إشارة:
١- حديث خطبة عمر وقول عثمان: لم أزد على أن توضأت.
٢- حديث عائشة في سبب ندبية الغسل وفيه (لو اغتسلتم) ، فلولا تقتضي الوجوب، وإنما تدل على الحث والتحضيض.
٣- حديث سمرة (من توضأ فبها ونعمت..الحديث) .
كما أن بيان ابن عباس لعلة شرعية الغسل تدل على أنه لم يكن للجمعة مشروعية الغسل مطلقاً، فلما حصل الأذى شرع الغسل فبادر إليه المسلمون. وأن في ترك الغسل مظنة تأذي المسلمين، لذا شرع تجنب ما يؤذيهم.
стр. 164
والذي يفهم من النصوص مجتمعة أن الأصل في غسل الجمعة الندب، لما ورد من أحاديث فضله وثوابه. إلا أنه يزيد هذا الندب ويتأكد في حق من يحصل منه الأذى بترك الغسل حتى يلتحق بالواجب. أما أن يكون شرطا لصحة الصلاة فهذا مردود بأن النبي ﷺ عندما أمر بالغسل كان في صلاة جمعة، ولم يكونوا مغتسلين ولم يأمرهم بالانصراف والاغتسال مع أن في الوقت متسع فدل ذلك أنه غير شرط لصحة الصلاة. ... والله أعلم.
المبحث الرابع:
هل يجب الغسل من تغسيل الميت .
اختلف العلماء في مسألة الغسل من تغسيل الميت، هل هو واجب أم لا، ويرجع سبب هذا الاختلاف إلى الأحاديث الواردة في هذا الشأن، فبعضها يستدل به على وجوب الغسل من تغسيل الميت، وبعضها الآخر يستدل به على عدم وجوبه.
فمما يستدل به على وجوب الغسل، قوله ﷺ : "من غسل الميت فليغتسل ومن حمله فليتوضأ".
ومما يستدل به على عدم الوجوب قوله ﷺ : "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم".
فهذان حديثان مرفوعان يظهر بينهما التعارض والاختلاف.
ذكر ما استدل به على الوجوب:
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ " (١) .
ذكر ما استدل به على عدم الوجوب:
стр. 165
عن ابن عباس قال: قال النبي – ﷺ : "لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، فإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجِسٍ فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ. " (١) .
وجه التعارض:
إن من يقرأ حديث أبي هريرة –﵁ يجده يدل على أنه يجب الغسل من تغسيل الميت، وذلك أن النبي –صلى الله صلى وسلم- قال: "فليغتسل" بصيغة الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.
ومن يقرأ حديث ابن عباس –﵁ يجده يدل على نفي الوجوب، وذلك صريح من قوله" ليس عليكم في غسل ميتكم غسل" فدل ذلك على أن الحديثين متعارضان أحدهما يدل على الوجوب، والآخر يدل على نفي الوجوب، فوجب النظر في كيفية التوفيق بين هذه الأحاديث ورد التعارض عنها. وقد تكلم العلماء في هذا.
أقوال العلماء في درء التعارض:
١- درأ ابن حزم التعارض في هذه المسألة بأن أثبت حديث الإيجاب، ولم يثبت في الرخصة شيئا. أما حديث ابن عباس الذي ذكرته في الباب من رواية الحاكم، فإنه لم يورده أصلاً (٢) . وبذلك يكون ابن حزم درأ التعارض بالترجيح لأحاديث الإيجاب.
٢- استحب الشافعي الغسل من غسل الميت ولم يوجبه، فإنه ضعف حديث أبي هريرة. قال المزني: هذا الغسل ليس بمشروع، وكذا الوضوء من مس الميت وحمله لأنه لا يصح فيهما شيء. قال في المختصر: وقد أجمعوا أن من مس حريرا أو ميتة ليس عليه وضوء ولا غسل، فالمؤمن أولى. قال النووي: هذا كلام المزني، وهو قوي (٣) .
وقد خالف المزني الشافعي بقوله إن هذا الغسل ليس مشروعا.
٣- ذهب ابن قدامة من الحنابلة إلى أنه لا يجب من غسل الميت غسل ولا وضوء.
стр. 166
قال: " وهو الصحيح إن شاء الله، لأنه لم يرد فيه نص صحيح ولا هو في معنى المنصوص عليه، ولأنه غسل آدمي أشبه غسل الحي. وكلام أحمد يدل على أنه مستحب غير واجب، فإنه قال: "أحب إلي أن يتوضأ" وعلل نفي وجوب الغسل من غسل الميت بكون الخبر الوارد فيه موقوفاً على أبي هريرة، فإذا لم يوجب الغسل بقول أبي هريرة مع احتمال أن يكون مرفوعاً، فلأن لا يوجب الوضوء بقوله مع عدم هذا الاحتمال أولى، ولأن الأصل عدم وجوبه فيبقى على الأصل (١) .
٤- قال ابن حجر: " فيجمع بينه وبين الأمر في حديث أبي هريرة بأن الأمر على الندب، أو المراد بالغسل غسل الأيدي، كما صرح به في هذا. قلت: ويؤيد أن الأمر فيه للندب، ما روى الخطيب فِي ترجمة محمد بن عبد الله المخرمي من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال لي أبي: كتبت حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا لا يغتسل؟ قال: قلت: لا، قال: في ذلك الجانب شاب يقال له محمد بن عبد الله يحدث به عن أبي هشام المخزومي عن وهيب، فاكتبه عنه، قلت: وهذا إسناد صحيح وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث. والله أعلم (٢) .
٥- ومال الشوكاني إلى القول بالاستحباب لما فيه من الجمع بين الأدلة.
ورد على من قال: الجمع حاصل بغسل الأيدي بأنه غير ظاهر، لأن الأمر بالاغتسال لا يتم معناه الحقيقي إلا بغسل جميع البدن، وما وقع من إطلاقه على الوضوء في بعض الأحاديث فمجاز، لا ينبغي حمل المتنازع فيه عليه، بل الواجب حمله على المعنى الحقيقي الذي هو الأعم الأغلب، ولكنه يمكن تأييده بحديث "فحسبكم أن تغسلوا أيديكم" (٣) .
قلت:
بعد البحث في هذه المسألة تبين لي ما يلي:
стр. 167
١- أن ما ذهب إليه ابن حزم من إيجاب الغسل يسلم مع تحسيننا لحديث أبي هريرة، وهو أقوى من جميع ما فنده من أدلة خصمه، ولعله لم يطلع عليه أو لم يصله، ولو أنه اطلع عليه فلربما يكون له رأي آخر، إلا أن لا يثبت عنده، وهو عندي أثبت من حديث أبي هريرة.
ومن هنا يبقى لدينا في المسألة حديث ثابت معارض لحديث أبي هريرة، وهو حديث ابن عباس.
٢- أن ما ذهب إليه الجمهور من الجمع بين الأحاديث أولى وأصح، حيث قالوا باستحباب الغسل من غسل الميت، ومن تركه فلا شيء عليه.
ويؤيد هذا الجمع ما أوردوه من علل في عدم إيجاب الغسل فإنها علل قوية.
وقد ذكرت جمله منها فيما تقدم من أقوال العلماء. (١)
المبحث الخامس:
هل يجب دلك الرأس من غسل الجنابة .
ومن المسائل التي اختلف فيها العلماء لتعارض أدلتها: مسألة دلك الرأس أثناء الغسل.
فقد وردت أحاديث كثيرة تتعارض في ظاهرها، فبعضها يدل على أنه يجب دلك الرأس وإيصال الماء إلى كل شعرة، وبعضها الآخر يدل على أنه لا يجب ذلك، وإنما يكتفي بحثو الماء وإفاضته على جسده.
فما يدل على الوجوب:
١- "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها، فعل به كذا وكذا في النار".
٢- "كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيده ثم يفيض الماء على جلده كله".
٣- إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر".
ومما يستدل به على عدم الوجوب:
١- "كان النبي ﷺ يأخذ ثلاثة أكف، ويفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده".
٢- عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله"إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين".
ذكر ما استدل به على وجوب دلك الرأس:
الحديث الأول:
стр. 168
عن عائشة زوج النبي – ﷺ : "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ" (١) .
الحديث الثاني:
عن علي بن أبي طالب –﵁، عن النبي – ﷺ قال: " مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ". قَالَ عَلِىٌّ فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ثَلاَثًا. وَكَانَ يَجِزُّ شَعْرَهُ. ﵁ (٢) .
الحديث الثالث:
عن أبي هريرة –﵁ قال: قال رسول الله – ﷺ : "إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ " (٣) .
ذكر ما استدل به على عدم الوجوب:
الحديث الأول:
стр. 169
عن معمر بن يحيى بن سام:"حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ لِي جَابِرُِ وَأَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ يُعَرِّضُ بِالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قال: كَيْفَ الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقُلْتُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ.
فَقَالَ لِي الْحَسَنُ إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ فَقُلْتُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا" (١) .
الحديث الثاني:
عن أم سلمة –﵂ قالت: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ «لاَ إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ" (٢) .
وجه التعارض:
إن من يقرأ حديث "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل الله به كذا وكذا من النار" يستدل به على وجوب تخليل شعر الرأس حتى يصل الماء إلى كل شعرة منه، وفي ترك ذلك التغليظ الشديد والعقاب الأليم.
وكذا من يقرأ حديث صفة غسل النبي ﷺ وفيه "ثم يدخل أصابعه الماء فيخلل بها أصول شعره" يجد ذلك مؤيدا لوجوب تخليل الشعر.
وكذلك من يقرأ حديث "إن تحت كل شعرة جنابة" يستدل به على وجوب تطهير كل شعرة وإيصال الماء إلى أصلها لتطهر من الجنابة.
وهذه المعاني تتفق على وجوب تخليل شعر الرأس.
стр. 170
ومن يقرأ حديث صفة غسل النبي – ﷺ الأخرى، وفيها:
"يأخذ ثلاثة أكف ويفيضها على رأسه" يجد أن هذا الحديث يدل على عدم وجوب تخليل الشعر، لأن ثلاثة أكف لا تكفي لوصول الماء إلى جميع أصول الشعر، ومع ما علم من غزارة شعره – ﷺ وكثافته.
وكذلك من يقرأ حديث أم سلمة، وفيه الترخيص لها في عدم نقض الشعر والاكتفاء بثلاث حثيات من الماء، يجد أنه لا يجب إيصال الماء إلى جميع أصول الشعر، لا سيما إذا كان الشعر معقوصا.
وهذه معان تختلف ولا تتفق، لذا تكلم العلماء فيها، وإليك أقوالهم في درء تعارضها.
أقوال العلماء في درء التعارض:
١- ذهب ابن الجوزي إلى أنه لا يجب دلك الرأس، وإنما يجب إيصال الماء إليه، وأجاب عن أحاديث الإيجاب بقوله "هذه الأحاديث محمولة على من يمنع شعره الماء أن يصل إلى جلده" (١) .
وقال ابن عبد الهادي: "الجواب أن أكثر ما في هذه الأحاديث إيجاب وصول الماء إلى جميع البشرة والشعر، ونحن نقول به، وإذا لم يمكن ذلك إلا بالدلك في حق من رأسه متلبدا كثيرا، فإنه يجب عليه، وغالب الناس ليسوا كذلك" (٢) .
٢- قال ابن حجر في التخليل الوارد في حديث عائشة –﵂ "ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره": هذا التخليل غير واجب اتفاقاً إلا إن كان الشعر ملبداً يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله" (٣) . وجعل كلمة "يفيض" دلالة على عدم الإيجاب فقال: "واستدل به من لم يشترط الدلك وهو ظاهر" (٤) .
стр. 171
٣- قال ابن العربي: "اختلف الناس في الغسل، فقيل هو صب الماء على المغسول، وقيل هو إمرار اليد مع الماء على المحل، أو عرك المحل بعضه ببعض مع الماء، وقيل هو صب الماء خاصة، والصحيح أن الغسل هو صب الماء لإزالة شيء، فإذا زال كان غسلا وكان المحل مغسولا، ألا ترى أن غسل الإناء من ولوغ الكلب: صب الماء عليه لأنه ليس هناك شيء يزال، وقد جاء في الحديث كما تقدم في البول، فأتبعه ماء ولم يغسله، يعني لم يعركه، فتبين أن الغسل نوعان: أحدهما صب الماء لإزالة، والثاني صب الماء مع العرك" (١) .
٤- قال ابن حزم: " وليس عليه أن يتدلك: وهو قول سفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وداود، وأبي حنيفة، والشافعي، وقال مالك بوجوب التدلك". ثم ذكر دليله وحجته، حديث أم سلمة –﵂ المتقدم.
ورد على أدلة من قال بالوجوب. وذكر من أدلتهم حديث "إن تحت طل شعرة جنابة..الحديث" وضعفه، وقال: "ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة، لأنه ليس فيه إلا غسل الشعر وإنقاء البشر، وهذا صحيح ولا دليل على أن ذلك لا يكون إلا بالتدلك، بل هو تام دون تدلك " (٢) .
٥- قال النووي: "مذهبنا أن دلك الأعضاء في الغسل وفي الوضوء سنة ليس بواجب، فلو أفاض الماء عليه فوصل به ولم يمسه بيديه، أو انغمس في ماء كثير، أو وقف تحت ميزاب، أو تحت المطر ناويا فوصل شعره وبشره؛ أجزأه وضوءه وغسله، وبه قال العلماء كافة، إلا مالكا والمزني؛ فإنهما شرطاه في صحة الغسل والوضوء" (٣) .
وضعف النووي حديث "تحت كل شعرة جنابة..الحديث"، وكذا ضعف حديث علي "من ترك موضع شعرة..الحديث" (٤) .
٦- واختار الحنابلة استحباب إمرار اليد، وعدم وجوبه، بل يكفي إفاضة الماء حتى يتيقن أو يغلب على ظنه أن الماء وصل إلى البشرة، واحتجوا بحديث أم سلمة.
стр. 172
قال ابن قدامة: "ولنا قول النبي ﷺ لأم سلمة في غسل الجنابة: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" رواه مسلم، ولأنه غسل واجب فلم يجب فيه إمرار اليد كغسل الجنابة" (١) .
قلت:
بعد النظر في هذه الأحاديث تبين لي عدم تعارضها في الحقيقة. وذلك لأن ملء الأكف ثلاث مرات يبلل البشرة والرأس، ولذا أطلق عليه لفظ إفاضة، والإفاضة تدل على وصول الماء إلى كل جزء من الرأس والجسد، ولو كان المعنى وصول الماء إلى بعض أجزاء الرأس أو أغلبها لعبر بالرش، ولم يكن ذلك منه ﷺ ، بل ورد في النصوص الثابتة لفظ الإفاضة، والغسل، والصب، وكلها تعني إيصال الماء إلى كل جزء من أجزاء الجسد. ولما كان ﷺ حريصاً على وصول الماء للرأس وكانت كثافة الشعر ربما تفرق الماء بما فيها من الجفاف وبعض الدهون؛ كان ﷺ يخلل الشعر ليسهل وصول الماء إلى البشرة. أما الشعر فليس بواجب إيصال الماء إليه أو غسله، يدل على ذلك حديث أم سلمة، فإن الثلاث حثيات لا يغسلن الرأس والشعر إذا كان مضفرا، بل يبقى أجزاء من الشعر لا يصلها الماء، وهذه يعفى عنها بنص الحديث وظاهره.
كما تبين كذلك من هذا المبحث أن حديث "إن تحت كل شعرة جنابة" ضعيف لا يقوم به حجة. ولو صح من بعد ذلك؛ لما كان فيه حجة، وذلك لأن إيجاب الدلك لا يثبت بهذه الأدلة، وغاية ما تدل عليه هذه الأحاديث هو التأكيد على إيصال الماء إلى جميع أجزاء الجسد، مع التحري.
وعليه فمذهب الجمهور والظاهرية هو الراجح، وما ذهب إليه مالك من إيجاب التدلك مرجوح. ... والله أعلم.
المبحث السادس:
التستر عند الغسل في الخلوة .
وفي باب الغسل يعلمنا ﷺ الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم عند غسله.
стр. 173
ومن هذه الآداب التستر عند اغتسال المسلم وحده في الخلوة، ولكن وقع الاختلاف في هذا التستر، أهو على سبيل الوجوب أم على سبيل الإباحة؟، ومنشأ هذا الاختلاف ورود بعض الأحاديث التي تدل على وجوب التستر عند الغسل وبعضها الآخر يدل على الإباحة.
فمما يدل على الوجوب حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك"، قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: "إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها" قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خالياً، قال: "الله أحق أن يستحيا منه من الناس".
ومما يدل على الإباحة:
١- ما روي عن النبي – ﷺ أنه قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده. فقالوا: "والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر (١) "، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول: "ثوبي يا حجر" حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى فقالوا: "والله ما بموسى من بأس"، وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا، فقال أبو هريرة: "والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضربا بالحجر".
стр. 174
٢- ما روي عن النبي – ﷺ أنه قال: "بينما أيوب يغتسل عرياناً، فخر عليه جراد (١) من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك".
ذكر ما استدل به على الوجوب:
عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» . قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلاَ يَرَيَنَّهَا» . قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا قَالَ «اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ " (٢) .
ذكر ما استدل به على الإباحة:
الحديث الأول:
стр. 175
عن أبي هريرة عن النبي – ﷺ قال: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَكَانَ مُوسَى ﷺ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ ثَوْبِي يَا حَجَرُ حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ " (١) .
الحديث الثاني:
عن أبي هريرة عن النبي – ﷺ أنه قال: "بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ " (٢) .
وجه التعارض:
إن من يقرأ في حديث بهز بن حكيم، وفيه "الله أحق أن يستحيا منه من الناس" يستدل به على أن الرجل يكره له أن يتعرى وإن كان خالياً، ولأن قوله: الله أحق أن يستحيا منه من الناس، يدل على أنه كما ينبغي أن يستحيي المرء من الناس ولا يكشف عورته عندهم، فكذلك يكون الحكم إذا كان حاليا بل هو أوجب.
стр. 176
أما من يقرأ الحديثين الآخرين، حديث موسى وحديث أيوب، يجد أنه يجوز أن يتعرى المرء إذا كان خالياً، لأن هذا الفعل من أنبياء، وهم أكرم الخلق وأخشاهم لله، ولم ينههم الله عن ذلك، فدل على جواز التعري في الخلوة.
وهذان معنيان متضادان يجب التأليف بينهما. وقد تكلم فيها العلماء ودرؤوا التعارض الواقع بينهما.
أقوال العلماء في درء التعارض:
١- قال الإمام النووي: " والتستر بمئزر (١) ونحوه في حال الاغتسال في الخلوة أفضل من التكشف، والتكشف جائز مدة الحاجة في الغسل ونحوه (٢) ..، والزيادة على قدر الحاجة حرام على الأصح". وموضع الدلالة من هذا الحديث أن موسى ﵊ أغتسل في الخلوة عريانا، وهذا يتم على قول من يقول من أهل الأصول أن شرع من قبلنا شرع لنا. والله أعلم (٣) .
٢- وذهب ابن قدامة من الحنابلة إلى الجمع بين الأحاديث، وذلك بجواز الاغتسال عرياناً في الخلوة، مستدلا بحديث موسى وأيوب ﵉، واستحباب التستر، مستدلا بحديث "فالله أحق أن يستحيا منه من الناس" (٤) .
٣- قال ابن حجر: ظاهر حديث بهز يدل على أن التعري في الخلوة غير جائز مطلقا، لكن استدل على جوازه في الغسل بقصة موسى وأيوب ﵉، ووجه الدلالة منه، أنهما ممن أمرنا بالاقتداء به، وهذا إنما يأتي على رأي من يقول: شرع من قبلنا شرع لنا. والذي يظهر أن وجه الدلالة منه أن النبي ﷺ قص القصتين ولم يتعقب شيئا منهما فدل على موافقتهما لشرعنا، وإلا فلو كان فيهما شيء غير موافق لبينه، فعلى هذا يجمع بين الحديثين بحمل حديث بهز بن حكيم على الأفضل.
стр. 177
ورجح بعض الشافعية تحريمه، والمشهور عند متقدميهم كغيرهم الكراهة فقط" (١) .
قلت:
فالحاصل أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث، بل يمكن الجمع بينها بأن الغسل في الخلوة عرياناً جائز إذا لم يكن أحد بمقربة منه. وما ورد من إطلاق في حديث بهز من قوله "فالله أحق أن يستحيا منه من الناس" دال على الاستحباب والأفضلية، لأن التستر أقرب للحياء، والتكشف في الخلوة فيه تعويد على التكشف عند الناس، فإذا اعتاد المسلم التستر في الخلوة، وهاب التكشف فيه، واستحيا منه؛ فإنه أحرى أن يستحي عند الناس. وإلا فإن الله يعلم ويرى ويحيط بالإنسان في جميع أحيانه، وعلى كل حالاته.
وما ذهب إليه النووي من إباحة التكشف في حالة الحاجة فحسن، لما فيه من رفع المشقة وإزالة العنت مع أمن المحذور. وبهذا يدرأ التعارض، ويزول الإشكال. ... والله أعلم.
الباب الخامس
باب السواك.
وفيه مبحث:
حكم السواك للصائم .
اهتم الإسلام بطهارة أتباعه، وتفقدهم في سائر أحوالهم، حاثاً إياهم على التطهر والنظافة والنقاء، فهم خير أمة أخرجت للناس.
ومن ألون حرصه وعنايته أن حثهم على تنظيف أسنانهم وصيانتها من كل قذر وريح خبيث، واختار لهم بحكمته وخبرته المسواك، وهو أنفع ما على الأرض لأسنانهم وأفواههم، ودعاهم إلى استعماله، وهو شجر طيب الريح يحوي أكمل المواد وأنفعها للسان واللثة.
وقد اعتنى العلماء -رضوان الله ورحمته عليهم أجمعين- في بعض أحكامه ومسائله، وذلك لوجود أحاديث فهم بعضهم منها ما لم يفهمه الآخر، فذهب كل إلى ما فهم، واختلفوا في استنباط الحكم من هذا الحديث، فهذا يأخذ به، وذاك يتركه، وهذا يحمله الوجوب وذاك يحمله على الندب، وليس هذا يعنينا في بحثنا هذا، وإنما الذي نعنى هنا؛ هو إيراد الأحاديث التي تتعارض في ظاهرها، ويشكل على القارئ فهمها، أو الجمع بينها، أو ترجيح بعضها على بعض.
стр. 178
ومن المسائل التي اختلف فيها لأجل ما يظهر من تعارض أحاديثها؛ مسألة حكم السواك للصائم.
فقد ذهب قوم إلى أنه جائز ولا يكره، بل يستحب للصائم كغيره، واستدلوا بأحاديث، منها:
١- "رأيت رسول الله – ﷺ يستاك وهو صائم".
٢- "من خير خصال الصائم السواك".
كما ذهب آخرون إلى أنه يكره للصائم أن يتسوك، واستدلوا بأحاديث، منها:
"إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة".
ذكر ما استدل به على إباحة السواك للصائم:
الحديث الأول:
عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ. زَادَ مُسَدَّدٌ مَا لاَ أَعُدُّ وَلاَ أُحْصِى" (١) .
الحديث الثاني:
عن عائشة –﵂ قالت: قال رسول الله – ﷺ : "مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ " (٢) .
ذكر ما استدل به على كراهة السواك للصائم بعد العشي:
عن علي قال: "إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَائِمٍ تَيْبَسُ شَفَتَاهُ بِالْعَشِيِّ إِلا كَانَت نُورًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣) .
وجه التعارض:
стр. 179
إن من يقرأ في هذه الأحاديث: "رأيت رسول الله – ﷺ يستاك وهو صائم"، و "من خير خصال الصائم السواك"؛ يجدها تدل على أن الصائم يجوز له أن يستاك في أي وقت شاء، سواء كان الاستياك بالغداة أو كان بالعشي.
ومن يقرأ حديث "استاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي"؛ يجد أنه ينهى الصائم عن السواك بالعشي –أي المساء-، وهذان معنيان مختلفان، وقد تكلم العلماء فيها.
أقوال العلماء في درء التعارض:
١- قال ابن عبد البر: "اختلف الفقهاء في السواك للصائم، ورخص فيه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي وابن علية، وهو قول إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وعروة بن الزبير، ورويت الرخصة فيه عن عمر وابن عباس، وليس عن واحد منهم فرق بين أول النهار وآخره ولا بين السواك الرطب واليابس، وحجة من ذهب هذا المذهب قول رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة"، ولم يخص رمضان ولا غيره. وقد روي عنه ﷺ أنه كان يستاك وهو صائم.
وقال الشافعي: أحب السواك عند كل وضوء بالليل والنهار وعند تغير الفم، إلا أني أكرهه للصائم آخر النهار من أجل الحديث في خلوف فم الصائم. وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وروي ذلك عن عطاء ومجاهد. وأما السواك الرطب فيكرهه مالك وأصحابه، وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة، ورخص أبو حنيفة وأصحابه وجماعة، وروي ذلك عن ابن عمر وقال ابن علية في السواك: سنة للصائم والمفطر، والرطب فيه واليابس سواء، لأنه ليس بمأكول ولا مشروب. وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن السواك للصائم فقال: ما بينه وبين الظهر ويدعه بالعشي، لأنه يستحب له أن يفطر على خلوف فيه. وعن مجاهد وعطاء أنهما كرها السواك بالعشي للصائم لقول رسول الله ﷺ لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (١) .
стр. 180
٢- قال ابن القيم –﵀ بعد أن ذكر أحاديث المنع من السواك: "لو احتج عليه بعموم قوله – ﷺ : "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (١) ، لكانت حجة، وبقوله – ﷺ : "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" (٢) ، وسائر الأحاديث المرغبة في السواك من غير تفصيل، ولم يجيء في منع الصائم منه حديث صحيح" (٣) .