دفعُ إيهامِ تعارضِ أحاديث الأحكامِ في كتابِ الطَّهارةِ
أصل هذا الكتاب
رسالة مقدمة إلى قسم الدراسات الإسلامية ضمن متطلبات الحصول على درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية تخصص "حديث وعلومه".
إعداد: رقية بنت محمد بن محارب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حمدا كثيرا طيباً، وصلى الله على النبي الأمين رسول رب العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
فإن من فضل الله على عباده هدايتهم لسبيل الحق وإرشادهم للعلم النافع الذي به تأنس النفوس وتزكو الأرواح. وإن من أفضل وأشرف العلوم العلم بالكتاب والسنة وفهمها على وجهها الصحيح بعيدا عن الأهواء والشبه التي يدفع لها مصلحة دنيوية أو يمازجها جهالة أو تعصب مع صد عن اتباع ما عليه سلف الأمة خاصة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
стр. 2
وقد كان يهمني جدا الاختلاف بين العلماء في المسائل الفقهية وما يسببه ذلك من تفرق واختلاف بين الأمة، فنظرت فإذا الاختلاف بينهم ناشيء من اختلافهم في فهم النصوص أو من واختلاف الأحاديث في معانيها ودلالاتها فأردت أن أجمع هذه الأحاديث وأألف بينها ما استطعت لذلك سبيلا. وكان هذا الاهتمام ناشئ معي بداية في مرحلة الماجستير ولذا جعلت بحث متطلب الحصول على الماجستير في هذا الموضوع قدمت عام ١٤١٠ هـ -١٩٨٩م، وقد كان له أثر في الوقوف على مقاصد الشريعة وأسرارها وطرائق العلماء في التفقه والاستدلال وانتفعت كثيرا في الوقوف على علل الأحاديث عند تخريجها والحكم عليها، ولما رغب بعض الأخوات الاطلاع على البحث ونشره وجدت أنه لا يتناسب مع النشر بطوله وطريقته كبحث رسالة علمية لما سيكون فيه من إثقال القارئ بما لا يهمه كثيرا خاصة في الكلام على رجال الإسناد والطرق والمتابعات وأقوال العلماء في الحكم على الحديث فلخصت ذلك ببيان من أخرج الحديث وأقوال بعض أهل العلم في الحكم عليه اختصارا مع إعطاء الحكم الأخير الذي خلصت إليه كباحثة. ومن أراد التوسع فلابد أن يرجع للرسالة العلمية الأصل. ورأيت أن أذكر مقدمة البحث لتعم به الفائدة اسأل الله أن ينفع به من قرأه.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبته
رقية بنت محمد المحارب
الاثنين الخامس عشر من شهر شعبان ١٤٣١هـ
المقدمة:
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
стр. 3
فإن السنة هي المصدر الثاني للتشريع، لذا فقد لاقت من عناية المسلمين ما حفظها، ولا غرو؛ فهي قرينة القرآن، أوتيها رسول الله – ﷺ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليبين للناس ما نُزِّلَ إليهم لعلهم يعلمون فيتقون، جاءت شاملة كاملة، لكن أهل الزيغ والضلال زعموا اختلافها وتعارضها، لمَّا لم يفهموا مرادها، فتشككوا وشككوا من غير تدقيق ولا نظر، فقام من أئمة الحديث مَن بيَّنَ خطأهم وردَّ شبهتهم، فجمع بعض الأحاديث المتعارضة وردَّ تعارضها، وذلك ببيان نسخ بعضها لبعض تارة، أو ترجيح بعضها على بعض، أو التوفيق تارة أخرى.
وممن صنف في ذلك الإمام الشافعي وابن قتيبة وغيرهما، وقد طالعت هذه المصنفات رغبة مني لأن أجد درء تعارض كل حديثين متعارضين فلم أجد.
كما أن أصحاب هذه المصنفات اقتصروا على جزء يسير من الأحاديث التي حفلت بها السنة الشريفة المطهرة، فبقي كثير من الأحاديث ظاهرها التعارض، ولم يجمعوا بينها أو يفندوا تعارضها.
فعزمتُ مستعينة بالله على جمع هذه الأحاديث مستقصية لها ومحققة إياها، ولأجل ترتيب كثير من كتب السنة بحسب الكتب والأبواب الفقهية، كان كتاب الطهارة هو أول كتاب بحثت فيه عن الأحاديث المتعارضة، فوجدته كافياً لمثل هذه الرسالة حيث وقفت فيه على تسع عشرة مسألة، يتعارض فيها خمسة عشر ومائة حديث.
وقد دفعني إلى البحث في هذا الموضوع أسباب متعددة، أذكر منها:
١- أهمية البحث البالغة لخاصة المسلمين وعامتهم، حيث يزيل اللبس عن أكثر الأمور أهمية في حياة المسلم.
٢- وجود مادة هذا البحث مفرقة بين كتب الفقه والحديث.
٣- وجوب إزالة التعارض عن أحاديث رسول الله – ﷺ الذي يتراءى للقارئ حين يقف على كتب السنة.
٤- أهميته للمكتبة الحديثية والفقهية، فخلوها منه خلل لا يسده غير هذا البحث.
стр. 4
٥- الوقوف على المسائل المختلف فيها في كتاب الطهارة، مما سببه تعارض الأحاديث واختلافها، والخروج برأي راجح في كل مسألة.
٦- معرفة القواعد التي يعتمد عليها في التأليف بين الأحاديث جمعاً أو نسخاً أو ترجيحاً.
٧- معرفة صحيح الأحاديث المتعارضة من سقيمها.
٨- الرد على المشككين في سنة رسول الله ﷺ والطاعنين فيها، ودحض شبههم بما يثلج صدر كل مسلم غيور.
منهجي في هذا البحث:
اتبعت في بحثي الخطوات التالية:
١- جمع الأحاديث المتعارضة ظاهراً في كتاب الطهارة بعد أن استقرأت أحاديث هذا الكتاب مستعينة بكتب مختلف الحديث أولاً، وبكتب السنة ثانياً، كما أنني استعنت بكتب أحاديث الأحكام وشروحها ثالثاً، وبكتب الفقه رابعاً.
٢- اختيار الرواية الأنسب معنى لتكون الحديث المخرج سنداً ومتناً.
٣- ذكر الرواية المختارة بسندها ثم ذكر الكتاب والباب والجزء والصحيفة.
٤- تخريج الرواية المختارة عن نفس الصحابي، فإن كانت الرواية في الصحيحين أو أحدهما لم أبين طرق الحديث، وذلك لأن الطرق إنما تبين للإفادة منها في المتابعات وتقوية الحديث، وما كان في الصحيحين أو أحدهما فلا نحتاج فيه على بيان الطرق لصحة الحديث وثبوته. وإن كان في غير الصحيحين بينت طرق هذا الحديث بالمتابعة على سند الرواية المختارة والمصدر بها.
٥- دراسة رجال الرواية المصدر بها، ببيان عدالتهم واتصال روايتهم.
٦- ذكر أقوال العلماء في الحكم على الحديث سنداً ومتناً، وليس ذلك على سبيل الاستقصاء، وإنما على سبيل التغليب.
٧- الحكم على الحديث سنداً ومتناً بعد تتبع الطرق وأقوال العلماء، مع بيان الشواهد التي يمكن أن ترتقي بالحديث أو تغير درجته.
٨- ذكر الأحاديث المعارضة لهذا الحديث بنفس الطريقة التي قدمتها في دراسة الحديث الأول مروراً بجميع المراحل.
٩- ذكر وجه التعارض بين هذه الأحاديث.
стр. 5
١٠- ذكر أقوال العلماء في درء التعارض بين الأحاديث متوخية الأهمية وزمان العالم، فتارة أذكر قول العالم برمته، وآونة ألَُخِّصه في نقاط، ومرة أخرى أختصره اختصاراً غير مخلٍ برأيه مع الإشارة إلى التصرف فيه.
١١- أذكر ما توصلت إليه في نهاية كل مبحث.
ويشتمل هذا البحث على تمهيد وسبعة أبواب وخاتمة:
أما التمهيد فيشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: معنى التعارض وأسبابُه.
المبحث الثاني: معنى الترجيح وأسبابُه.
المبحث الثالث: المؤلفات السابقة في هذا الموضوع.
وأما الأبواب فهي:
١- باب المياه والنجاسات وفيه تسعة مباحث:
المبحث الأول: أينجس الماء بورود النجاسة عليه؟.
المبحث الثاني: أيغتسل الرجل أو يتوضأ بفضل المرأة؟.
المبحث الثالث: سؤر الكلب.
المبحث الرابع: سؤر الهر.
المبحث الخامس: ما جاء في المني.
المبحث السادس: جلود الميتة.
المبحث السابع: هل تستقبل القبلة أو تستدبر بالبول أو الغائط؟.
المبحث الثامن: كيف تطهر الأرض من البول؟.
المبحث التاسع: البول قائماً.
٢- باب الآنية وفيه مبحث:
آنية الكفار.
٣- باب الوضوء وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: هل أكل ما مست النار من نواقض الوضوء؟.
المبحث الثاني: هل يتوضأ من مسَّ ذكره أم لا؟.
المبحث الثالث: هل النوم من نواقض الوضوء؟.
المبحث الرابع: التسمية قبل الوضوء.
المبحث الخامس: هل تجب المضمضة والاستنشاق والاستنثار في الوضوء؟.
المبحث السادس: حكم تخليل اللحية الكثة في الوضوء.
المبحث السابع: الاطِّلاء بالنورة.
المبحث الثامن: التمندل (استعمال المنديل بعد الوضوء) .
٤- باب الغسل وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: ماذا يجب على الجنب إذا أراد النوم أو الأكل أو المعاودة؟.
المبحث الثاني: هل يجب الغسل بالتقاء الختانين دون إنزال؟.
المبحث الثالث: غسل الجمعة.
المبحث الرابع: هل يجب الغسل من تغسيل الميت؟.
المبحث الخامس: هل يجب دلك الرأس في غسل الجنابة؟.
стр. 6
المبحث السادس: التستر عند الغسل الخلوة.
٥- باب السواك وفيه مبحث:
حكم السواك للصائم.
٦- باب الحيض والاستحاضة، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ما يجوز الاستمتاع به من الحائض.
المبحث الثاني: المستحاضة ترد إلى العادة أو إلى التمييز.
المبحث الثالث: كيف تتطهر المستحاضة للصلاة؟.
٧- باب التيمم، وفيه مبحث:
صفة التيمم.
وأما الخاتمة فذكرت فيها ما توصلت إليه من نتائج البحث.
دفع إيهام تعارض أحاديث الأحكام
في كتاب الطهارة
د. رقية بنت محمد المحارب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التمهيد
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ويشتمل على معنى التعارض وأسبابه.
المبحث الثاني: ويشتمل على معنى الترجيح وأسبابه.
المبحث الثالث: ويشتمل على المؤلفات السابقة في هذا العلم.
المبحث الأول:
معنى التعارض وأسبابه .
معنى التعارض في اللغة:
التعارض مصدر من باب " تفاعل" الذي يقتضي فاعلين فأكثر للاشتراك في أصله المشتق منه، وأصله المشتق منه (ع ر ض) .
قال ابن فارس: " وتقول عارضت فلاناً في السير إذا سرت حياله، وعارضته مثل ما صنع إذا أتيت إليه مثل ما أتى إليك.." (١) .
وقال ابن منظور: "واعترض: انتصب ومنع وصار عارضاً كالخشبة المنتصبة في النهر والطريق ونحوها تمنع السالكين سلوكها.
ويقال: اعترض الشيء دون الشيء أي حال دونه ...
وفي التنزيل " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا" (٢) أي نصباً لأيمانكم.
قال الفراء: لا تجعلوا الحلف بالله معترضاً مانعاً لكم أن تبروا، فجعل العرضة بمعنى المعترض، ونحو ذلك ... " (٣) .
وقال الفيومي: "وعرض له أمر إذا ظهر ... وعارضت الشيء بالشيء قابلته به" (٤) .
وحاصل هذا أن للتعارض عدة معان:
стр. 7
١- المقابلة.
٢- المساواة.
٣- الظهور.
والمعنى المراد بالتعارض هنا هو المقابلة على سبيل الممانعة لأنه أنسب بالمعنى الاصطلاحي.
التعريف الاصطلاحي:
إن التعارض عند علماء الحديث يعرف بمختلف الحديث وقد عرفه الخطيب البغدادي فقال:
" معنى التعارض بين الخبرين، والقرآن من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب أحدهما منافياً لموجب الآخر" (١) .
وقال بعد هذا التعريف:
" وذلك يبطل التكليف إن كانا خبرين أمراً ونهياً وإباحة وحظراً، أو يوجب كون أحدهما صدقاً والآخر كذباً إن كانا خبرين، والنبي ﷺ منزه عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة وكل مثبتٍ للنبوة، وإذا ثبتت هذه الجملة وجب متى علم أن قولين ظاهرهما التعارض، ونفي أحدهما لموجب الآخر، أن يحمل النفي والإثبات على أنهما في زمانين أو فريقين أو على شخصين أو على صفتين مختلفتين، هذا ما لا بد منه مع العلم بإحالة مناقضته ﷺ في شيء من تقرير الشرع والبلاغ" (٢) .
كما عرفه النووي فقال:
" هو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهراً فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما " (٣) .
شرح تعريف النووي:
قوله: "حديثان" أخرج القرآن والقياس.
قوله: "متضادان" أي يدل أحدهما على ما يخالف دلالة الآخر، كأن يدل أحدهما على التحريم أو الكراهة، ويدل الآخر على الإيجاب أو الندب أو الإباحة.
قوله: "ظاهراً" أي أن التعارض لا يكون في حقيقة الأمر.
قوله: "يوفق بينهما" أي يجمع بين دلالتيهما كأن يقال فيما تعارض فيه نهي وإباحة: النهي في حال كذا؛ والإباحة في حال كذا، وذلك بالنظر في الحال التي قيل فيها الحديث.
قوله: "أو يرجح أحدهما" بإعمال أحدهما وإبطال الآخر لأمور في الأول تقوي الأخذ به.
ولما كان علماء الأصول قد تناولوا هذا المبحث بشيء من التفصيل؛ أحال المحدثون على كتب الأصوليين في هذا المبحث كثيراً.
стр. 8
قال النووي مشيراً إلى ذلك:
" وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني" (١) .
وقال صاحب توجيه النظر:
" ومبحث التعارض والترجيح من أهم مباحث أصول الفقه وأصعبها، وقد أطلق العلماء في ميدانه الفسيح الأرجاء أعنة أقلامهم، فمن أراد الاستيفاء فعليه بالكتب المبسوطة فيه، غير أنه ينبغي له أن يختار منها الكتب التي لأربابها براعة في نحو الأصول" (٢) .
لذا رأيتُ أن أذكر من تعاريف الأصوليين ما يتضح به معنى التعارض، وسأكتفي بإيراد أشملها، وأقلها من حيث الاعتراض عليها، وهو تعريف الإسنوي، حيث قال:
" التعارض بين الأمرين هو تقابلهما على وجه يمنع كل منهما مقتضى صاحبه" (٣) .
شرح التعريف:
قوله: "تقابل" جنس في التعريف يشمل كل تقابل، سواء أكان بين دليلين أم غيرهما، كتقابل شخص مع شخص.
والمراد بالتقابل هنا: هو أن يدل كل من الدليلين على منافي ما يدل عليه الآخر، وذلك كأن يدل أحدهما على الإيجاب والآخر على التحريم مثلاً.
قوله: "على وجه يمنع.....إلخ" قيد خرج به تقابل الدليلين على وجه لا يمنع ذلك، كأن يتقابل دليل مع دليل يفيد كل منهما ما يفيده الآخر ولا تتوافر فيهما شروط التعارض، وعليه فيكون كل منهما مؤكداً للآخر" (٤) .
أسباب التعارض:
ذكر الإمام الشافعي ﵀ بعض الأسباب التي من أجلها يتوهم التعارض بين الأحاديث، كما ذكر غيرُه أسباباً أخرى أضافها إلى ما ذكره الشافعي، منها:
стр. 9
١- قد يقول النبي ﷺ القول العام يريد به العام، والعام يريد به الخاص .
مثاله:
تعارض نهيه ﷺ فيما يرويه أبو هريرة ﵁ مرفوعاً: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) (١) .
وكذا قوله: (لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا) (٢) .
وكذا قوله: (إنَّ الشّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَها قَرْن الشيطان فإذا ارْتَفَعَتْ فَارَقَها فإذا اسْتوت قَارَنها فإذا زَالَت فارقها فإِذا دنت للغُروب قَارَنها فإِذا غربت فارقها) (٣) ، قال عبد الله الصنابحي -راوي الحديث-: " ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة تلك الساعة".
هذه الأحاديث في جملتها تعارض جملة من الأحاديث، كحديث ابن المسيب: (أن رسول الله ﷺ نام عن الصبح فصلاها بعد أن طلعت الشمس، ثم قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: "أقم الصلاة لذكري" (٤)(٥) .
وكحديث جبير بن مطعم: (أن رسول الله ﷺ قال: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَلا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) (٦) .
وغيرها من الأحاديث التي في معناها (٧) .
قال الشافعي:
стр. 10
" وليس يعدُّ هذا اختلافاً في الحديث، بل بعض هذه الأحاديث يدل على بعض، فجماع نهي النبي ﷺ والله أعلم- عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعدما تبدو وتبزغ، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد مغيب بعضها حتى يغيب كلها، وعن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة (١) ، وليس على كل صلاة لزمت المصلي بوجه من الوجوه، أو تكون الصلاة مؤكدة فأمر بها، وإن لم تكن فرضاً أو صلاة كان رجل يصليها فأغفلها، فإذا كانت الواحدة من هذه الصلوات صليت في هذه الأوقات بالدلالة عن رسول الله ثم إجماع الناس في الصلاة على الجنائز بعد الصبح والعصر" (٢) .
٢- أن يؤدي المخبر عنه الخبر متقصى، والخبر مختصراً:
مثاله:
تعارض حديث النهي عن الصيام في السفر وكراهية ذلك مع أحاديث إباحته:
أما أحاديث النهي فقوله ﷺ من حديث كعب بن عاصم: (لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ) (٣) .
وحديث جابر ﵁ مرفوعاً: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ وَصَامَ بَعْضُهُمْ فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ) (٤) .
стр. 11
وقد عارض الحديثين السابقين وما في معناهما من الأحاديث حديثا أنس وعائشة ﵄.
فعن أنس ﵁:
(سَافَرْنَا مع رسولِ اللَّه ﷺ فَمِنَّا الصائمُ ومنا المُفْطِرُ فلم يَعِبِ الصائمُ عَلَى المُفْطر وَلاَ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ) (١) .
وعن عائشة ﵂ (إِنَّ حَمْزَةَ قَالَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ) (٢) .
فهذه الأحاديث تتعارض في ظاهرها مع الأحاديث السابقة، ووجه الجمع بينهما أن يقال: إن الفطر في السفر رخصة وهي لمن يمرض أو يجهد، وإنما وقع التعارض لما لم يسق كعب بن عاصم جميع الحديث وإنما ساق حرفاً منه، وقد ساقه جابر ﵁ مفسراً فقال:
(كنا مع رسول الله ﷺ زمان غزوة تبوك، ورسول الله ﷺ يسير بعد أن أضحى، إذا هو بجماعة في ظل شجرة، فقال: من هذه الجماعة؟ قالوا: رجل صائم أجهده الصوم، أو كلمة نحو هذه، فقال رسول الله ﷺ : (ليس من البر أن تصوموا في السفر) (٣) .
فاحتمل: ليس من البر أن يبلغ هذا رجل بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة وقد أرخص الله له وهو صحيح أن يفطر.
ويحتمل ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم.
فكعب بن عاصم ساق حرفاً من الحديث، وجابر ساق الحديث بتمامه، فتبين سبب الحديث وبقي القادر على الصيام الذي لا يجهد بذلك على الرخصة إن شاء صام وإن شاء أفطر (٤) .
٣- عدم إدراك الراوي لاختلاف الحال:
مثاله:
стр. 12
ما وقع من تعارض في أحاديث استقبال القبلة بالبول والغائط فقد روي فيها حديثان ظاهرهما التعارض، وهما حديثا أبي أيوب وابن عمر ﵄.
فعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال:
(قال رسول الله ﷺ : "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا " (١) قال أبو أيوب: فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تعالى) (٢) .
وعن ابن عمر ﵁: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ) (٣) .
فأبو أيوب ﵁-سمع من رسول الله ﷺ النهي وجهل الحال التي ورد النهي فيها، وابن عمر ﵁ رأى فعل النبي ﷺ المخالف لقوله، فعلم أن هذه الحال- وهي حال قضاء الحاجة في البناء- غير داخلة في النهي الذي رواه أبو أيوب ﵁ ولم يعلم أبو أيوب ما علم ابن عمر ﵁ فكان ينحرف عن استقبال القبلة في المراحيض، ويستغفر الله ظاناً أن استقبال القبلة مما نهي عنه في كل مكان (٤) .
٤- بعض الرواة يدرك جواباً لسؤال، ولا يدرك السؤال فيرويه فتخالف روايتُه روايةَ من أدرك السؤال ورواهما جميعاً:
مثاله:
стр. 13
تعارض حديث أسامة بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ) (١) ، مع حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلاَ الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ وَلاَ الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَلاَ الشَّعِيرَ بِالشِّعِيرِ وَلاَ التَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَلاَ الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إِلاَّ سْوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشِّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ " (٢) .
فحديث أسامة يفيد أن الربا بالتأخير من غير تقابض هو الربا، وإن كان بغير زيادة، وأما حديث عبادة وما في معناه فيفيد خلاف ذلك، وقد بين الشافعي ﵀ سبب هذا التعارض فقال:
" قد يحتمل أن يكون أسامة ﵁ سمع رسول الله ﷺ يُسئل عن الربا في صنفين مختلفين؛ ذهب بفضة، وتمر بحنطة، فقال: (إنما الربا في النسيئة) فحفظه، فأدى قول النبي ﷺ ولم يؤدِّ مسألة السائل، فكان ما أدى منه عند سمعه أن لا ربا إلا في النسيئة" (٣) .
٥- عدم التمكن من معرفة صحيح الحديث من سقيمه، فيعارض الصحيح بالسقيم، والسقيم لا يخلو أن يكون وهماً أو غلطاً أو كذباً أو وضعاً:
مثاله:
ما ورد في سؤر الهر، فقد روي من حديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ " (٤) .
ويعارضه ما روي من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لِطهورِ
стр. 14
إِنَاءِ أَحدِكُم إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ الأُولَى بِالتُّرَابِ، وَالْهِرَّةُ مِثْلُ ذَلِكَ " (١) .
فهذه الأحاديث يظن من لم يعرف صحتَها من سقمِها تعارضَها، فإذا درس هذه الأحاديث علم ضعف الحديث الثاني وبه يتبين أنه لا تعارض بين الحديثين.
٦- عدم فهم النص، وحمله على غير ما عني به:
مثاله:
ما روي عن رسول الله ﷺ من قوله: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَة الرَّحْمَن ".
فإن هذا الحديث رواه أحد الرواة بهذا اللفظ؛ وذلك لأنه فهم فهماً خاطئاً للنص الذي سمعه وهو قوله: "
إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ " (٢) .
فإن الراوي باللفظ الأول فهم أن هاء الكناية تعود إلى لفظ الجلالة، فغير اللفظ على ما فهم، وليس ما فهمه صحيحاً؛ فإن هاء الكناية تعود إلى العبد الذي دل عليه الحديث الآخر، وذلك أن النبي -صلى الله عله وسلم- مرّ برجل يضرب ابنه أو عبده في وجهه لطماً ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال ﷺ : " إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ عَبْدَه فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ " (٣) .
وهذا يوقع في اللبس والإشكال المتحصل من رواية من لم يفهم النص.
المبحث الثاني:
معنى الترجيح وأسبابه .
أولاً: معنى الترجيح:
الترجيح في اللغة:
أصل الترجيح الراء، والجيم، والحاء، أصل يدل على الرزانة والزيادة، والميل والثقل والتذبذب.
стр. 15
يقال: رَجَحَ الشيءَ بيده، رَزَنَه ونظر ما ثقله، ورَجَحَ الميزانُ إذا ثقلت كفَّتُه بالموزون، ورَجَحَ في مجلسه يرجُحُ: ثقل فلم يخِفّ، وترَجَّحَتْ به الأرجوحة مالت، وترَجَّح: تذبذب، والترجُّحُ: التذبذب، وراجحته فرجحته أي كنت أرزنَ منه (١) .
الترجيح في الاصطلاح:
لم يعرف المحدثون الترجيح بل أحالوا في ذلك على كتب الأصول التي ذكرت له تعاريف كثيرة لعدد من العلماء اخترت أجمعها وأمنعها وهو تعريف الآمدي، عرَّفه بقوله:
" أما الترجيح فعبارة عن: اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر.
فقولنا: "اقتران أحد الصالحين" احتراز عما ليسا بصالحين للدلالة، أو أحدهما صالح والآخر ليس بصالح، فإن الترجيح إنما يكون مع تحقق التعارض ولا تعارض مع عدم الصلاحية للأمرين أو أحدهما.
قولنا: "مع تعارضهما" احتراز عن الصالحين اللذين لا تعارض بينهما، فإن الترجيح إنما يطلب عند التعارض لا مع عدمه، وهو عام بالمتعارضين مع التنافي في الاقتضاء، كالأدلة المتعارضة في الصور المختلف فيها نفياً وإثباتاً.
وقولنا: "بما يوجب العمل بأحدهما وإهمال الآخر" احتراز عما اختص به أحد الدليلين عن الآخر من الصفات الذاتية أو العرضية، ولا مدخل له في التقوية والترجيح" (٢) .
كما عرَّفه الإمام الرازي بأنه:
" تقوية أحد الطريقين على الآخر ليعلم الأقوى، فيعمل به، ويطرح الآخر ".
وقال شارحاً للتعريف:
" وإنما قلنا "طريقين" لأنه لا يصح الترجيح بين أمرين إلا بعد تكامل كونهما طريقين، لو انفرد كل واحد منهما، فإنه لا يصح ترجيح الطريق على ما ليس بطريق" (٣) .
стр. 16
ثانياً: أسباب الترجيح ووجوهه:
إن التعارض إذا وقع بين حديثين نظر؛ فإن كان بينهما نسخ-وذلك بمعرفة التاريخ- أبطل العمل بالأول وعمل بالآخر، فإن لم يعرف التاريخ نظر؛ فإن أمكن الجمع بينهما عمل به، فإن لم يمكن الجمع ولم يعرف التاريخ تعين المصير إلى ترجيح أحدهما على الآخر.
والترجيح له أسباب ووجوه كثيرة، منها ما يكون باعتبار السند، ومنها ما يكون باعتبار المتن.
وسأبدأ بذكر الأسباب التي تكون باعتبار السند، وهي إما تعود إلى الراوي وإما إلى الرواية، وإما إلى المروي، وإما إلى المروي عنه.
أما ما يعود إلى الراوي فأسباب منها:
١- أن تكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر، فما كان رواته أكثر يكون مرجحَاً، لأنه أغلب على الظن من جهة أن احتمال وقوع الغلط والكذب على العدد الأكثر أبعد من احتمال وقوعه في العدد الأقل، ولأن خبر كل واحد من الجماعة يفيد الظن.
ولا يخفى أن الظنون المجتمعة كلما كانت أكثر كانت أغلب على الظن حيث ينتهي إلى القطع، ولهذا فإنه لما كان الحد الواجب في الزنا من أكبر الحدود وآكدها؛ جعلت الشهادة عليه أكثر عددا من غيره، وأن النبي ﷺ لم يعمل بقول ذي اليدين (أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيتَ) (١) ، حتى أخبره بذلك أبو بكر وعمر ﵄.
٢- أن يكون راوي أحد الحديثين مشهوراً بالعدالة والثقة بخلاف الآخر، أو أنه أشهر بذلك، فروايته مرجحة لأن سكون النفس إليه أشد والظن بقوله أقوى.
نحو: ما إذا اتفق مالك بن أنس وشعيب بن أبي حمزة في الزهري؛ فإن شعيباً وإن كان حافظاً ثقة غير أنه لا يوازي مالكاً في إتقانه وحفظه، ومن اعتبر حديثهما وجد بينهما بوناً بعيداً.
٣- أن يكون أحد الراويين متفقاً على عدالته والآخر مختلفاً فيه، فالمصير إلى المتفق عليه أولى.
стр. 17
مثاله: حديث بسرة بنت صفوان في مس الذكر مع ما يعارضه من حديث طلق، فحديث بسرة رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عروة بن الزبير وليس فيهم إلا من هو عدل صدوق متفق على عدالته، وأما رواة حديث طلق فقد اختلف في عدالتهم، فالمصير إلى حديث بسرة أولى (١) .
٤- أن يكون أحد الراويين قد عمل بما روى والآخر خالف ما روى، فمن لم يخالف روايته أولى لكونه أبعد عن الكذب بل هو أولى من رواية من لم يظهر منه العمل بروايته.
٥- أن يكون أحد الراويين أعلم وأضبط من الآخر أو أورع وأتقى، فروايته أرجح لأنها أغلب على الظن.
٦- أن يكون أحد الراويين حال روايته ذاكراً للرواية عن شيخه غير معتمد في ذلك على نسخة سماعه أو خط نفسه بخلاف الآخر، فهو أرجح لأنه يكون أبعد عن السهو والغلط.
٧- أن يكون راوي أحد الحديثين حين سمع الحديث كان بالغاً، والثاني كان صغيراً حال الأخذ، فالمصير إلى حديث الأول أولى؛ لأن البالغ أفهم للمعاني وأتقن للألفاظ، وأبعد من غوائل الاختلاط وأحرص على الضبط وأشد اعتناءً بمراعاة أصوله من الصبي، ولأن الكبير سمعه في حال لو أخبر به لقبل منه بخلاف الصبي، ولهذا فإن بعض أهل المعرفة بالحديث لما ذُوكِر في أصحاب الزهري رجح مالكاً على سفيان بن عيينة لأن مالكاً أخذ عن الزهري وهو كبير، وابن عيينة إنما صحب الزهري وهو صغير دون الاحتلام.
٨- أن يكونا مرسلين وقد عرف من حال أحد الراويين أنه لا يروي عن غير العدل كابن المسيب ونحوه، بخلاف الآخر، فرواية الأول تكون أولى (٢) .
стр. 18
٩- أن يكون سماع أحد الراويين تحديثاً وسماع الثاني عرضاً، فالأول أولى بالترجيح، إذ لا طريق أبلغ من النطق بالثبوت، ولهذا قدم بعضهم عبيد الله بن عمر في الزهري على ابن أبي ذئب لأن سماع عبيد الله تحديث وسماع ابن أبي ذئب عرض (١) .
١٠-أن يكون أحد الراويين مباشراً لما رواه والثاني حاكياً، فالمباشر أعرف بالحال، مثاله: حديث ميمونة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَكَحَهَا وَهُوَ حَلاَلٌ) (٢) ، وبعضهم رواه (وهو حرام) (٣) ، فممن رواه (نكحها وهو حلال) أبو رافع، وممن رواه (نكحها وهو حرام) ابن عباس، وحديث أبي رافع أولى بالتقديم لأن أبا رافع كان السفير بينهما فكان مباشراً للحال، وابن عباس كان حاكياً (٤) ، ولهذا أحالت عائشة على علي لما سألوها عن المسح على الخفين وقالت: " سلوا علياً فإنه كان يسافر مع النبي ﷺ " (٥) .
١١- أن يكون أحد الراويين صاحب القصة فيرجح حديثه لأن صاحب القصة أعرف بحاله من غيره وأكثر اهتماماً، ولذلك رجع نفر من الصحابة ممن يرى الماء من الماء إلى حديث عائشة ﵂ من التقاء الختانين (٦) .
١٢- أن يكون أحد الراويين أحسن سياقاً لحديثه من الآخر وأبلغ استقصاءً فيه، لأنه قد يحتمل أن يكون الراوي الآخر سمع بعض القصة فاعتقد أن ما سمعه مستقل بالإفادة، ويكون الحديث مرتبطاً بحديث آخر لا يكون هذا الراوي قد تنبه له، ولهذا من ذهب إلى الإفراد في الحج قدم حديث جابر (٧) لأنه وصف خروج النبي ﷺ من المدينة مرحلة مرحلة ودخوله مكة وحكى مناسكه على ترتيبه وانصرافه من المدينة، وغيره لم يضبطه ضبطه.
стр. 19
١٣- أن يكون أحد الراويين أكثر ملازمة لشيخه، فإن المحدث قد ينشط تارة فيسوق الحديث على وجهه ويتكاسل في بعض الأوقات فيقتصر على البعض أو يرويه مرسلاً، وهذا الضرب يوجد كثيراً في حديث مالك بن أنس، ولهذا قدم يونس بن يزيد الأيلي في الزهري على النعمان بن راشد وغيره من الشاميين أصحاب الزهري، لأن يونس كان كثير الملازمة للزهري حتى كان يلازمه في أسفاره، وطول الصحبة له زيادة تأثير فيرجح به.
١٤- أن يكون أحد الراويين فقيهاً والآخر غير فقيه، أو أفقه وأعلم بالعربية، فخبره يكون مرجحاً لكونه أعرف بما يرويه لتمييزه بين ما يجوز ومالا يجوز.
١٥- أن يكون رواة أحد الحديثين ممن لا يجوزون نقل الحديث بالمعنى ورواة الآخر يرون ذلك، فحديث من يحافظ على اللفظ أولى لأن العلماء اختلفوا في جواز نقل الحديث بالمعنى مع اتفاقهم على أولوية نقله لفظاً، والحيطة الأخذ بالمتفق عليه دون غيره.
١٦- أن يكون أحد الراويين لم يضطرب لفظه والآخر قد اضطرب لفظه، فيرجح خبر من لم يضطرب لفظه لأنه يدل على حفظه وضبطه وسوء حفظ صاحبه (١) .
هذا ما يعود إلى الراوي، أما ما يعود إلى الرواية فأسباب الترجيح فيها كثيرة، منها:
١- أن يكون أحد الخبرين متواتراً والآخر آحاداً، فالمتواتر لتيقنه أرجح من الآحاد لكونه مظنوناً.
٢- أن يكون أحد الخبرين مسنداً والآخر مرسلاً، فالمسند أولى لتحقق المعرفة براويه والجهالة بالراوي الآخر، ولهذا تقبل شهادة الفرع إذا عرف شاهد الأصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلاً.
стр. 20
٣- إن يكون ثابتاً بطريق الشهرة والآخر بالإسناد إلى كتاب من كتب المحدثين، فالمسند إلى كتب المحدثين أولى من جهة أن احتمال تطرق الكذب إلى ما دخل في صنعة المحدثين وإن لم يكن في كتبهم المشهورة بهم والمنسوبة إليهم أبعد من احتمال تطرقه إلى ما اشتهر وهو غير منسوب إليهم، ولهذا فإن كثيراً ما اشتهر الخبر مع كذبه ورد المحدثين له.
٤- أن تكون رواية أحدهما لقراءة الشيخ عليه والآخر بقراءته هو على الشيخ أو بإجازته، أو مناولته له، أو بخط رآه في كتاب، فالرواية فيه بقراءة الشيخ أرجح، لأنه أبعد عن غفلة الشيخ عما يرويه.
٥- أن يكون أحد الخبرين أعلى إسناداً من الآخر فيكون أولى، لأنه كلما قلَّت الرواة كان أبعد عن احتمال الغلط والكذب.
٦- أن يكون أحد الخبرين قد اختلف في كونه موقوفاً على الراوي، والآخر متفق على رفعه إلى النبي – ﷺ ، فالمتفق على رفعه أولى لأنه أغلب على الظن.
٧- أن تكون إحدى الروايتين بلفظ النبي ﷺ والأخرى بمعناه، فرواية اللفظ أولى لكونها أضبط وأغلب على الظن بقول النبي ﷺ .
٨- أن تكون الراويتين بسماع من غير حجاب والأخرى مع الحجاب، كراوية القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ من غير حجاب لكونها عمة له (أن بريرة عتقت وكان زوجها عبداً) (١) فإنها تقدم على رواية أسود عنها (أن زوجها كان حراً) (٢) لسماعه عنها مع الحجاب لأن الرواية من غير حجاب شاركت الرواية مع الحجاب في السماع وزادت تيقن عين المسموع منه.
٩- إذا كانت إحدى الروايتين قد اختلفت دون الأخرى فالتي لا اختلاف فيها أولى لبعدها عن الاضطراب.
стр. 21
١٠- أن يكون أحد الحديثين سمعه الراوي من مشائخ بلده، والثاني سمعه من الغرباء فيرجح الأول لأن أهل كل ... بلد لهم اصطلاح في كيفية الأخذ من التشدد والتساهل وغير ذلك، والشخص أعرف باصطلاح أهل بلده، ولذلك اعتبر أئمة النقل حديث إسماعيل بن عياش فما وجدوه من الشاميين احتجوا به، وما كان من الحجازيين والكوفيين وغيرهم لم يلتفتوا إليه لما يوجد في حديثه من النكارة إذا رواه عن الغرباء.
١١- أن يكون أحد الحديثين له مخارج عدة، والحديث الثاني لا يعرف له سوى مخرج واحد وإن كان قد رواه نفر ذو عدد، فيكون المصير إلى الأول أولى لأن الحكم الواحد إذا عمل به في بلدان شتى يكون أقوى من الحكم المعمول به في بلد واحد، وإن كان عدد هؤلاء أكثر.
١٢- أن يكون أحد الحديثين منسوباً إلى النبي ﷺ نصاً وقولاً، والآخر ينسب إليه استدلالاً واجتهاداً، فيكون الأول مرجحاً نحو ما رواه عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ نهَى عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَقَالَ: لَا يبعن وَلَا يوهبن وَلَا يورثن، يسْتَمْتع بهَا سَيِّدهَا مَا بدا له، فَإِذا مَاتَ فَهِيَ حرَّة " (١) .
فهذا أولى بالعمل من الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁: "كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ " (٢) ، لأن حديث ابن عمر قوله ﷺ ولا خلاف في كونه حجة، وحديث أبي سعيد ليس فيه تنصيص منه ﷺ ، فيحتمل أن من كان يرى هذا لم يسمع من النبي ﷺ خلافه وكان ذلك اجتهاداً منه، فكان تقديم ما نسب إلى النبي ﷺ نصاً أولى.
وأكتفي بذلك منعاً للإطالة.
стр. 22
وأما ما يعود إلى المروي فأسباب الترجيح منها:
١- أن تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبي ﷺ والأخرى عن كتاب، فرواية السماع أولى لبعدها عن تطرق الغلط.
٢- أن يكون في إحدى الحديثين قول النبي ﷺ يقارن فعله والآخر مجرد قوله لا غير، فيكون الأول أولى بالترجيح وذلك نحو ما روته حبيبة بنت أبي تجراة (١) قالت: (رأيت النبي ﷺ في بطن السيل وهو يسعى ويقول: "اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ " حتى أن ميزره ليدور به من شدة السعي) (٢) ، فهذا الحديث أدل على المقصود من قوله ﷺ : "الْحَجُّ عَرَفَةُ " (٣) ، ولاشتماله على أنواع الترجيح؛ الأول:: قوله، والثاني: فعله ويجب الاقتداء به، والثالث: إخباره عن إيجاب الله تعالى ذلك علينا فهو أولى بالتقديم من مجرد القول.
وأما ما يعود إلى المروي عنه فأسباب كثيرة منها:
١- أن يكون أحد الراويين قد روى عمن أنكر روايته عنه كما في حديث الزهري (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) (٤) ، فإن الزهري أنكر أن يكون حدث به سليمان بن موسى، بخلاف الآخر، فلما لم يقع فيه إنكار المروي عنه يكون أرجح لكونه أغلب على الظن.
٢- أن يكون الأصل في أحد الخبرين قد أنكر رواية الفروع عنه إنكار نسيان ووقوف، والآخر إنكار تكذيب وجحود، فالأول أولى، لأن غلبة الظن بالرواية عنه أكثر من غلبة الظن بالثاني.
стр. 23
وأما الترجيحات والأسباب العائدة إلى المتن فمنها:
١- أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقاً به، وما تضمنه الآخر يكون محتملاً، ولذلك يجب تقديم قوله ﷺ (فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ) (١) في إيجاب في مال الصبي على قوله ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ... ) (٢) لأن قوله ﷺ (في أربعين شاة شاة) نص على وجوب الزكاة في ملك من كانت له، وقوله ﷺ : (رفع القلم..) لا ينبي عن سقوط الزكاة في مال الصبي، بأن يكون الخطاب فيه لغيره وهو الولي، فرفعُ القلمِ عنه يفيد نفي خطابه والتكليف له، ولا يعارض ذلك النص بوجه.
٢- أن يكون أحد الحديثين مستقلاً بنفسه لا يحتاج إلى إضمار، والآخر لا يفيد إلا بعد تقدير وإضمار فيرجح الأول لأن المستقل بنفسه معلوم المراد منه، والمحذوف منه ربما التبس ما هو المضمر فيه.
٣- أن يكون الحكم في أحد الحديثين مقروناً بالاسم نحو قوله ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ " (٣) قدم هذا على نهيه ﷺ عن قتل النساء والولدان (٤) لأن تبديل الدين صفة موجودة في الرجل والمرأة، فصارت كالعلة وهي المؤثرة في الأحكام دون الأسامي.
٤- أن يكون أحد الحديثين مطلقاً والآخر وارداً على سبب، فيقدم المطلق لظهور أمارات التخصيص في الوارد على سبب فيكون أولى بإلحاق التخصيص به، وعلى هذا يقدم قوله ﷺ (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) (٥) على نهيه عن قتل النساء والولدان (٦) لأن النهي وارد على سبب في الحربية.
стр. 24
٥- أن يكون أحدهما آمراً والآخر مبيحاً، فالآمر وإن ترجح على المبيح نظراً إلى أنه إذا عمل به لا يصير مخالفاً للمبيح ولا كذلك بالعكس لاستواء طرفي المباح وترجح جانب المأمور به، إلا أن المبيح يترجح على الآمر من أربعة أوجه:
-الأول: أن مدلول المبيح متحد ومدلول الآمر متعدد فكان أولى.
-الثاني: أن غاية ما يلزم من العمل بالمبيح تأويل الأمر بصرفه عن محمله الظاهر إلى المحمل البعيد، والعمل بالأمر يلزم منه تعطيل المبيح بالكلية، والتأويل أولى من التعطيل.
- الثالث: أن المبيح قد يمكن العمل بمقتضاه على تقديرين، على تقدير مساواته بالآمر ورجحانه، والعمل بمقتضى الآمر متوقف على الترجيح وما يتم العمل به على تقديرين يكون أولى مما لم يتم العمل به إلا على تقدير واحد.
-الرابع: أن العمل بالمبيح بتقدير أن يكون الفعل مقصوداً للمكلف لا يختل لكونه مقدوراً له، والعمل بالآمر يوجب الإخلال بمقصود الترك بتقدير كون الترك مقصوداً.
٦- أن يكون أحدهما أمراً والآخر خبراً، فالخبر يكون راجحاً.
٧- أن يكونا مشتركَين إلا أن مدلولات أحدهما أقل من مدلولات الآخر، فالأول أولى لقلة اضطرابه وقرب استعماله فيما هو المقصود منه.
٨- أن يكونا مجازَين إلا أن أحدهما منقول مشهور في محل التجوز كلفظ الغائط بخلاف الآخر، فالمنقول أولى لعدم افتقاره إلى قرينة.
٩- أن تكون دلالة أحدهما مؤكدة دون الأخرى، فالمؤكدة أولى لأنه أقوى دلالة وأغلب على الظن وذلك كما في قوله ﷺ : "فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، بَاطِلٌ، بَاطِلٌ " (١) .
١٠- أن يكون أحدهما قد دل على الحكم وعلته، والآخر دل على الحكم دون علته، فالدال على العلة أولى لأنه أقرب إلى الإيضاح والبيان.
стр. 25
١١- أن يكون أحدهما قولاً والآخر فعلاً، فالقول أولى لأنه أبلغ في البيان من الفعل، فإن كان أحدهما قولاً وفعلاً والآخر قولاً فقط؛ فالقول والفعل أولى لأنه أقوى في البيان كما تقدم.
١٢- أن يكون أحدهما مشتملاً على زيادة لم يتعرض لها الآخر كرواية من روى أنه ﷺ كبر في صلاة العيد سبعاً (١) ، فإنها مقدمة على رواية من روى أربعاً (٢) ، لاشتمالها على زيادة علم خفي على الآخر (٣) .
المبحث الثالث:
المؤلفات السابقة في هذا الموضوع .
لقد اعتنى المسلمون عناية شديدة باختلاف الحديث فأفردوا له مصنفات خاصة منها الطويل ومنها الموجز، إلا أن هذه العناية لم تشتمل على جميع الأحاديث المختلفة، فبعض العلماء أفرد لأحاديث الأحكام مصنفاً واستوعب الأبواب الفقهية فأورد فيها ما يتعارض من الأحاديث كما فعل الإمام الطحاوي ﵀ في كتاب "شرح معاني الآثار"، وبعضهم جمع المسائل التي كان سبب تعارض الأحاديث فيها النسخ فأفرد لها مصنفاً كما فعل الحازمي في كتابه " الاعتبار".
وبعضه جمع أحاديث متنوعة في موضوعات شتى كما فعل الإمام ابن قتيبة في كتابه "تأويل مختلف الحديث"، وسأتناول جملة من هذه المصنفات بإيجاز مرتبة ترتيباً زمنياً.
١- اختلاف الحديث للإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة ٢٠٤هـ برواية الربيع بن سليمان المرادي المتوفى سنة ٢٧٠هـ، وهو كتاب مطبوع طبع عدة مرات مع كتاب الأم وأخرى بتحقيق أحمد عبد العزيز وثالثه تحقيق عامر حيدر.
٢- تأويل مختلف الحديث للإمام أبي عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦هـ، وقد أورد فيه أحد عشر مسألة تتعلق بكتاب الطهارة، وهو في عرضه للمسألة يورد قول المعترضين والمشككين ثم يشرع في الرد عليه، وهو في هذا يوجز في الجواب ولا يستوعب المسألة. وهذا الكتاب مطبوع متداول.
стр. 26
٣- كتاب في اختلاف الحديث لأبي يحيى زكريا بن يحيى الساجي الحافظ المتوفى سنة ٣٠٧هـ.
٤- كتاب في الحديث لأبي جعفر الطبري المتوفى سنة ٣١٠هـ، ولم أجد من تكلم عنه وإنما يذكرونه في كتب اختلاف الحديث، ذكره غير واحد منهم السخاوي في فتح المغيث.
٥- شرح معاني الآثار للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي المتوفى سنة ٣٢١هـ، وهو كتاب جليل من أكبر ما رأيت في اختلاف الحديث ذكر فيه مباحث عديدة، ورتبه على الأبواب الفقهية فابتدأ بكتاب الطهارة وبحث فيها ستاً وعشرين مسألة على المذهب الحنفي، وهو من أكثر المصنفات استيعاباً للمسائل وأغزرها علماً دراية ورواية. وهو مطبوع في أربعة مجلدات.
٦- مشكل الآثار للإمام الطحاوي أيضاً، وهو كتاب ضخم يذكر فيه أحاديث مشكلة ثم يبين إشكالها ويرده.
وقد لخص هذا الكتاب القاضي أبو الوليد الباجي المتوفى سنة ٤٧٤هـ، كما اختصر الملخص أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي. وقد طبع مشكل الآثار إلا أنه لم تكتمل النسخة المطبوعة، وذلك لفقد جزء من أصل المخطوط.
٧- مشكل الحديث لأبي بكر محمد بن الحسين بن فورك المتوفى سنة ٤٠٦هـ، ذكره السخاوي في قسم مختلف الحديث (١) ، إلا أن هذا الكتاب لا يعد من كتب مختلف الحديث -فيما أرى-وذلك لأنه لم يذكر الأحاديث المختلفة فيما بينها كما يظن، وإنما يذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التشبيه ثم يشرع في تأويل ذلك.
وقد ذكرت هذا الكتاب هنا لما قد يتوهم من عنوانه أنه مما يحسن أن يذكر في هذه الكتب لا سيما وقد عده بعض العلماء في كتب مختلف الحديث.
٨- الآثار التي ظاهرها التعارض ونفي التناقض عنها للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة ٤٥٦هـ.
стр. 27
٩- التحقيق في اختلاف الأحاديث للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن أحمد المعروف بابن الجوزي، والمتوفى سنة ٥٩٧هـ، وهو كتاب كبير، ويدفع فيه الخلاف بالجمع بين الأدلة تارة، وتارة أخرى بالقول بالنسخ، وأحياناً يسكت فلا يعلق على ذلك الاختلاف.
وقد علق على هذا الكتاب الإمام الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المتوفى سنة ٧٤٤هـ في كتابه المسمى "التنقيح"، وقد طبع كتاب التحقيق مذيلاً بكتاب التنقيح بتحقيق محمد حامد الفقي، واختصر هذا الكتاب البرهان إبراهيم ابن علي بن عبد الحق المتوفى سنة ٧٤٤هـ، كما أشار إلى ذلك صاحب كشف الظنون (١) .
وهذا ما تيسر لي جمعه من كتب المختلف.
ولما كان لعلم الناسخ والمنسوخ كبير اتصال بعلم مختلف الحديث رأيت أن أذكر جملة لمن كتب في الناسخ والمنسوخ، فإن كل ناسخ ومنسوخ مختلف، ولا عكس كما قال ذلك السخاوي (٢) .
١- ألف فيه أحمد بن إسحاق الديناري المتوفى سنة ٣١٨هـ.
٢- ومحمد بن بحر الأصبهاني المتوفى سنة ٣٢٢هـ.
٣- ومحمد بن محمد بن النحاس المتوفى سنة ٣٣٨هـ.
٤- وأبو محمد قاسم بن أصبع المتوفى سنة ٣٤٠هـ.
٥- ومحمد بن عثمان المعروف بالجعد الشيباني.
٦- وهبة الله بن سلامة المتوفى سنة ٤١٠هـ.
٧- وأبو حفص بن شاهين المتوفى سنة ٣٨٥هـ، وقد اختصر كتابه ابن عبد الحق المتوفى ٧٤٤هـ.
٨- ومحمد بن موسى الحازمي المتوفى سنة٥٤٨هـ.
٩- وأبو الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧هـ.
ومن أشهر كتب الناسخ والمنسوخ كتاب محمد بن موسى الحازمي المسمى بالاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار فهو من أجمع ما صنف في بابه، وقد طبع هذا الكتاب مراراً، كما طبع كتاب ابن الجوزي المسمى بإخبار أهل الرسوخ في الفقه والتحديث بمقدار المنسوخ من الحديث.
وطبع أيضاً كتاب ابن شاهين المسمى" ناسخ الحديث ومنسوخه" وهو مجلد متوسط صنفه على أبواب الفقه.
стр. 28
هذه جملة من كتب مختلف الحديث وكتب الناسخ والمنسوخ ذكرتها ليسهل على الباحث الرجوع للأحاديث التي يرى تعارضها ليجد فيها بغيته.
الباب الأول
باب المياه والنجاسات
وفيه مباحث:
المبحث الأول: أينجس الماء بورود النجاسة عليه .
المبحث الثاني: أيغتسل الرجل أو يتوضأ بفضل المرأة.
المبحث الثالث: سؤر الكلب.
المبحث الرابع: سؤر الهر.
المبحث الخامس: ما جاء في المني.
المبحث السادس: جلود الميتة.
المبحث السابع: هل تستقبل القبلة أو تستدبر بالبول أو الغائط.
المبحث الثامن: كيف تطهر الأرض من البول.
المبحث التاسع: البول قائماً.
المبحث الأول:
أينجس الماء بورود النجاسة عليه.
إن القارئ في كتب السنة ليجد أحاديث هذه المبحث تتعارض، فيجد أحاديث تفيد غير مفاد الأحاديث الأخرى، فيشكل عليه الأمر.
فمن الأحاديث المفيدة لطهارة الماء مع ورود النجاسة عليه:
١- (الماء طهور لا ينجسه شيء) .
٢- (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) .
ومن الأحاديث المفيدة لنجاسة الماء عند ورود النجاسة عليه:
١- (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه.
٢- (إذا استيقظ أحدكم فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً) .
٣- (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار) .
الأحاديث المفيدة لطهارة الماء مع ورود النجاسة عليه:
الحديث الأول:
стр. 29
عن أبي سعيد الخدري-﵁ –قيل يا رسول الله: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ". (١)
الحديث الثاني:
стр. 30
عن ابن عمر- ﵁-قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ". (١)
الأحاديث التي مفادها نجاسة الماء بورودها عليه:
الحديث الأول:
عن أبي هريرة-﵁ أنه سمع -رسول الله ﷺ -يقول: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ". (٢)
الحديث الثاني:
стр. 31
عن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" (١) .
الحديث الثالث:
عن أبي هريرة –﵁ قال: قال رسول الله – ﷺ : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ" (٢) .
وجه التعارض:
إن من ينظر في مفاد الأحاديث السابقة يجد أن حديث: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) يدل على أن الماء لا يتنجس بوقوع شيء نجس فيه سواء كان قليلا أو كثيرا، ولو تغيرت أوصافه أو بعضها.
стр. 32
ويجد أن حديث (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) يدل على أن قدر القلتين لا ينجس بملاقاة النجاسة، وكذا ما هو أكثر من ذلك بالأولى.
فهذان الحديثان يدلان على أن الماء الكثير لا يتنجس بورود النجاسة عليه.
كما أن الحديث الثالث (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) يدل على أن الماء الراكد الذي لا يجري يتنجس بورود النجاسة عليه سواء كان قليلا أو كثيرا.
كما أن حديث (إذا استيقظ أحدكم فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا) وحديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار) يدلان على أن الماء القليل يتنجس بورود النجاسة عليه.
وللعلماء في حلِّ هذا التعارض مذاهب، أذكر أشهرها:
١- ذهب جماعة من العلماء إلى الترجيح منهم أبو حنيفة وأبو يوسف والحسن والطحاوي.
فرجحوا الأحاديث المفيدة للنجاسة وأجابوا عن الأحاديث المفيدة للطهارة، فقالوا:
•أما حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) فالجواب عنه بأن بئر بضاعة في زمن النبي – ﷺ كانت ممرا للماء فلم تكن راكدة، وبأن سؤال الصحابة للنبي – ﷺ لم يكن والنجاسة في البئر، وإنما بعد إخراجها منها، فأجابه النبي – ﷺ على أنها لا تبقى نجسة إذا زالت النجاسة منها، لا أنه يريد أنها غير نجسة في حال كون النجاسة فيها.
• أما حديث (القلتين) فأجابوا عنه بأن هاتين القلتين لم يبين لنا مقدارها، فقد يجوز أن يكون مقدارها قلتين من قلال هجر، ويحتمل أن يكون أُريد بهما قلتا الرجل أي قامته.
ولو كان هذا القدر لا ينجس فإنه يبقى طاهراً وإن غيرت النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه على ظاهر الحديث ولا حجة في حديث (الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه) لأنه منقطع. (١)
وهم بهذا قد درؤا تعارض هذه الأحاديث.
قلت: في إجابتهم وترجيحهم نظر لعدة أمور:
стр. 33
١- أنه لا يسار إلى الترجيح وقد أمكن الجمع كما سيأتي.
٢- إجابتهم عن حديث بئر بضاعة بأنه كان ممراً للماء مردود بما ورد في سنن أبي داود قَالَ:وَسَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا قَالَ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ إِلَى الْعَانَةِ. قُلْتُ فَإِذَا نَقَصَ قَالَ دُونَ الْعَوْرَةِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَقَدَّرْتُ أَنَا بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعْتُهُ فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَسَأَلْتُ الذي فَتَحَ لي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ قَالَ لاَ. وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ (١) . فهذا أبو داود يسأل هل غير بناؤها فيجاب بأنه لم يتغير. فقولهم أنها "اختلفت ما فيها مردود.
كما أن إجابتهم بأن سؤال الصحابة لم يكن والنجاسة فيها؛ وجواب النبي – ﷺ كان بعد أن أخرجت النجاسة فهذا تكلف في التأويل، ولو كان الأمر كذلك-أي بعد أن أخرجت النجاسة- لم يسأل الصحابة عن حكم الماء الذي فيها، لأنه إن أخرجت النجاسة ولم يخرج الماء وهو يتنجس بورودها عليه لم يطهر بخروجها منه إلا أن ينزح ويوضع غيره، وهنا لا يحتاج الصحابة إلى سؤال لتبين الطهارةِ ووضوحِ الحكم، ولم ينقل أنه نزح منه أو حل محلَّه غيرُه.
ثم إن سؤال الصحابة كان بلفظ المضارع " وهي يلقى فيها " دلالة على استمرار ورود النجاسة عليها، ولو كان الأمر كما ذهبت إليه الحنفية لكان السؤال بالماضي، للدلالة على أنه وردت النجاسة عليه وانتهى ورودها وتوقف، فكيف وقد وردت وأخرجت، أيصح السؤال بالمضارع عما مضى وانتهى؟!
стр. 34
٣- اعتذارهم عن حديث (القلتين) بأنه لم يتبين المقدار غير مقبول، إذ كيف يحدد النبي – ﷺ لأصحابه شيئا بمقدار مجهول، ولو كان فعل ذلك، فهل سيسكت الصحابة على جهالتهم بهذا الأمر وهو متعلق بحياتهم اليومية، وبطهارتهم لصلواتهم، ولم يكن مصدر الماء عندهم غير الآبار والغدران سيما من كان في المدينة.
ولأن نعمل بتحديد (١) النبي – ﷺ وندين لله به خير من أن نعمل برأي الرجال وندين لله به.
٣-وذهب جماعة إلى الجمع بين الأحاديث، ولكن اختلفوا في طريقة الجمع:
فالشافعي: أعمل جميع الأحاديث وأخذ بها، فحديث (بئر بضاعة) بين (أن الماء طهور لا ينجسه شيء) وكان أكثر من قلتين فهو لا ينجس، وحديث (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم..) ليس فيه دليل على نجاسة الماء إذا بيل فيه، بل نهى عن البول فيه كما نهى عن التغوط في الأماكن على ظهر الطريق والظل والمواضع التي يأوي لها الناس، لأن الناس يستقذرون الشرب والوضوء من الماء الذي قد بيل فيه، فالنهي للتنزيه وليس للتحريم، وإلى هذا ذهب مالك أيضاً.
وبهذا دُرئ التعارض ورُدَّ على القائلين بالترجيح، كما رُدَّ عليهم بأن الماء إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه فإنه ينجس، وإن كان روي عن النبي – ﷺ من وجه لا يثبتُ أهلُ الحديث مثلَه؛ فقد أجمع عليه العلماء (٢) .
стр. 35
وأما ابن خزيمة: فقد جمع بين الأحاديث بأن حديث (الماء طهور لا ينجسه شيء) مجمل غير مفسر، عام مراده خاص، خص بمقدار القلتين منه، فما كان دونهما فهو ينجس، وجمع بينهما وبين حديث (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) بأن النهي في هذا الحديث لما كان دون القلتين، أما القلتان فلا تنجسان (١) .
وجمع بعض الحنابلة بأن (الماء طهور لا ينجسه شيء) فيما كان قلتين فأكثر إذا كانت النجاسة غير بول وعذرة، أما إذا كان بولاً فإنه ينجس ما دام الماء راكداً وإن كان قلتين (٢) .
هذا وقد أجمعوا على أن الماء إذا خالطته النجاسة وغيرت طعمه أو لونه أو ريحه فهو نجس وإن كان كثيراً (٣) .
وقد جمع الإمام ابن قيم الجوزية، فأفاض في المسألة وذكر جميع الآراء والحجج لجميع المذاهب وبين ردود بعضهم على بعض، ثم تكلم على كل حجة بما يشفي ويغني كلَّ باحثٍ، واختار مذهباً لم يذهبه قبله أحدٌ –فيما أعلم- وذكر الأدلة النقلية والعقلية على ما ذهب إليه، ولولا خشية الإطالة لذكرت كلامه برمته، ومما جاء فيه مختصرا:
١- أجاب عن الأحاديث الثلاثة المفيدة لنجاسة الماء، بأنه ليس في شيء من هذه الأحاديث أن الماء ينجس بمجرد ملاقاة البول والولوغ، وغمس اليد.
٢- أجاب عن حديث (القلتين) بأن ذكر القلتين يحتمل أن يكون وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك، ولا يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال، إلا لو أن النبي – ﷺ قال هذا اللفظ ابتداء من غير سؤال لاندفع هذا الاحتمال.
стр. 36
٣- أن حاجة الأمة -حضرها وبدوها- على اختلاف أصنافها إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يُحالون في ذلك إلى ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟ فالناس لا يكتالون الماء، ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين، ثم هي لم تنضبط ولم يتفق على مقدارها، وليس هذا شأن الحدود الشرعية.
٤- أن القائلين بالتحديد يلزمهم لوازم شنيعة منها: أنه لو وقعت شعرة من ميتة في قلتين إلا رطلاً -مثلاً- نجسته، ولو وقع رطل من بول في قلتين لم ينجسه، ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة، فمحال أن يجيء الشرع بتنجس الأول وطهارة الثاني.
من هذه النقاط يتبين أن ابن القيم يذهب إلى أن النظر لا بد أن يكون لنوع النجاسة وكميتها مع كمية الماء ونوعه. (١)
-قلت: وهذا الذي أراه صواباً، فإن النبي -صلى اله عليه وسلم- أمر بإراقة الإناء من ولوغ الكلب، لأن ولوغ الكلب يؤثر في هذه الكمية من الماء، بينما أباح استعمال الماء في الفلاة ترده الكلاب والسباع إذا بلغ قلتين، ليس لأجل أن القلتين تحمل جميع أنواع الخبث وكمياته ولكن لأنها تحمل ولوغ الكلاب والسباع لقلته، فماذا يؤثر ولوغ كلب في قلتين من الماء؟ .
وليس إباحة الوضوء من بئر بضاعة مع وجود النجاسة فيها لأجل أنها بلغت قلتين، فلا دليل على أنها قلتان، ولكن لأجل أن النبي ﷺ علم أن كمية الماء الموجودة في البئر لا تتأثر بهذه النجاسة ولو كانت تتأثر لمنع من ذلك وهذا يدل عليه الإجماع.
أما النهي عن البول في الماء الراكد فإنه من حكمة الشارع، حيث تفضي الإباحة إلى تهاون الناس في ذلك، وبالتالي قد تغلب النجاسة الكثيرة القائمة في البول في الماء الراكد وإن كان كثيراً، وأما الجاري فإنه لم ينه عن البول فيه لتجدده فلا يمكن أن تجتمع فيه أبوال الناس لتغلبه، بل يغلبها بجريانه.
والله أعلم.
стр. 37
المبحث الثاني:
أيغتسل الرجل أو يتوضأ بفضل المرأة .
ومن الأحاديث التي تتعارض في ظاهرها، أحاديث إباحة الوضوء أو الغسل بفضل المرأة، مع أحاديث النهي عن ذلك.
أما أحاديث الإباحة فمنها:
١- (أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة) .
٢- (اغتسل بعض أزاوج النبي ﷺ في جفنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يتوضأ منه فقالت: يا رسول الله إني كنت جنباً، فقال: إن الماء لا يجنب) .
٣- (كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه) .
وأما أحاديث النهي فمنها:
١- (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) .
فهذه الأحاديث يظهر لقارئها أنها تتعارض!
الأحاديث التي تدل على إباحة الوضوء بفضل المرأة:
الحديث الأول:
عن ابن عباس ﵁-قال: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ" (١) .
الحديث الثاني:
عن ابن عباس ﵁-قال: "اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَقَالَ إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ" (٢) .
стр. 38
الحديث الثالث:
عن عائشة –﵂: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ" (١) .
الحديث الذي يدل على النهي عن استعمال فضل وضوء المرأة وغسلها:
عن الحكم بن عمرو الغفاري: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ. أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا " (٢) .
وجه التعارض:
إن الأحاديث الثلاثة الأولى تفيد أن رسول الله ﷺ لم يكن ينهى عن استعمال فضل الجنب، وتفيد أنه ﷺ كان يغتسل بفضل أم المؤمنين، كما أنهما استعملا الماء معاً ولابد أن تصيبه بفضلها.
أما حديث الحكم بن عمرو فإنه يفيد النهي عن استعمال فضلها، وبهذا تكون هذه الأحاديث متعارضة في مفادها.
وللعلماء في درء تعارض هذه الأحاديث مذاهب وأقوال.
مذاهب العلماء وأقوالهم في درء التعارض:
стр. 39
١- ذهب جمهور العلماء ومنهم الإمام أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد؛ إلى الأخذ بأحاديث الإباحة، وقدموها على أحاديث النهي وأجابوا عن أحاديث النهي بما يلي:
١- أن أحاديث النهي ضعيفة، وأحاديث الإباحة أصح وأقوى، فالمصير إليها أولى.
٢- أن النهي عن فضل أعضائها، وهو ما سال عنها.
٣- أن النهي للتنزيه فهو محمول على أفضلية الترك جمعاً بين الأحاديث.
٢- ذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وداود إلى أنه لا يجوز الوضوء بفضل المرأة، إذا خلت به، وروي هذا عن ابن سرجس والحسن البصري.
٣- ذهب ابن المسيب والحسن إلى كراهة فضلها مطلقاً، واحتج لهم بحديث الحكم بن عمرو.
وكل فريق من هؤلاء العلماء له طريق في الأخذ بهذه الأحاديث.
أما الفريق الأول الذاهب إلى الإباحة فدرأ تعارض الأحاديث إما بترجيح أحاديث الإباحة، وقوى ذلك من جهة النظر، قال الطحاوي:
" فوجدنا الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معاً من إناء واحد؛ أن ذلك لا ينجس الماء.
ورأينا النجاسات كلها إذا وقعت في الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضي منه أن حكم ذلك سواء.
فلما كان ذلك كذلك وكان وضوء كل واحد من الرجل والمرأة مع صاحبه لا ينجس الماء عليه كان وضوؤه بعدها من سؤرها في النظر أيضاً كذلك." (١) .
وإما بتأول حديث النهي أنه لِما سال عنها. قال الخطابي:
" ووجه الجمع بين الحديثين –إن ثبت حديث الأقرع- أن النهي إنما وقع عن التطهير بفضل ما تستعمله المرأة من الماء، وهو ما سال وفضل عن أعضائها عند التطهر به، دون الفضل الذي تسئره في الإناء." (٢) .
قال النووي في حديث الحكم:
" ليس هو مخالفاً للأحاديث الصحيحة بل يحمل على أن المراد ما سقط من أعضائها، ويؤيده أنا لا نعلم أحداً من العلماء منعها فضل الرجل فينبغي تأويله على ما ذكرته، إلا أن في رواية صحيحة لأبي داود والبيهقي " وليغترفا جميعاً"
стр. 40
وهذه الرواية تضعف هذا التأويل ويمكن تتميمه مع صحتها، ويحملنا على ذلك أن الحديث لم يقل أحد بظاهره، ومحال أن يصح وتعمل الأمة كلها بخلاف المراد منه" (١) .
وأما بالقول بالنسخ لحديث النهي كما قال ذلك البغوي. (٢)
وأما بحمل النهي على التنزيه جمعاً بين الأحاديث، قال الخطابي: "ومن الناس من يجعل النهي في ذلك على الاستحباب دون الإيجاب" (٣) .
وأما الفريق الثاني فقال: إن الأحاديث الصحيحة الثابتة ظاهرة الجواز إذا اجتمعا (٤) واحتج بقول عبد الله بن سرجس: " توضأ أنت ههنا، وهي ههنا، فأما إذا خلت به فلا تقربنه" (٥) .
وأما الفريق الثالث فأخذوا بحديث النهي.
كما خص بعض العلماء عن فضل طهور المرأة إذا كانت جنباً أو حائضاً وقد روي هذا عن ابن عمر.
قلت:
إن من ينظر في أدلة الجمهور يجدها أكثر وأصح وأقوى.
أما المذهب الثاني فإن دليله غير صريح الدلالة على أن المرأة إذا خلت به لم يصح الوضوء منه.
وأما ما جاء في هذا صريحاً فهو موقوف على ابن سرجس، والموقوف مخالف للمرفوع فلا يصار إليه، وأما المذهب الثالث فإن دليله صحيح كم حققنا ذلك، ولكن يجاب عنه بأجوبة متعددة، فإما أن يقال منسوخ كما ذهب إلى ذلك البغوي، وإما أن يقال: النهي فيه للتنزيه، وإما أن يحمل فضلها وسؤرها على ما سال منها بعد الوضوء على ما أفضلت. والله أعلم.
المبحث الثالث:
سؤر الكلب .
وفي باب النجاسات تختلف الأحاديث في سؤر الكلب فمنها ما يدل على أن نجاسته ومنها ما يدل ظاهره على طهارته فمما يدل على نجاسته:
١- (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار) .
ومما يدل على طهارته ما يلي: