← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7802

دفع إيهام تعارض أحاديث الأحكام في كتاب الطهارة

رقية المحارب

Полный текст (219 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٣- أن حاجة الأمة -حضرها وبدوها- على اختلاف أصنافها إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يُحالون في ذلك إلى ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟ فالناس لا يكتالون الماء، ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين، ثم هي لم تنضبط ولم يتفق على مقدارها، وليس هذا شأن الحدود الشرعية. ٤- أن القائلين بالتحديد يلزمهم لوازم شنيعة منها: أنه لو وقعت شعرة من ميتة في قلتين إلا رطلاً -مثلاً- نجسته، ولو وقع رطل من بول في قلتين لم ينجسه، ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة، فمحال أن يجيء الشرع بتنجس الأول وطهارة الثاني. من هذه النقاط يتبين أن ابن القيم يذهب إلى أن النظر لا بد أن يكون لنوع النجاسة وكميتها مع كمية الماء ونوعه. (١) -قلت: وهذا الذي أراه صواباً، فإن النبي -صلى اله عليه وسلم- أمر بإراقة الإناء من ولوغ الكلب، لأن ولوغ الكلب يؤثر في هذه الكمية من الماء، بينما أباح استعمال الماء في الفلاة ترده الكلاب والسباع إذا بلغ قلتين، ليس لأجل أن القلتين تحمل جميع أنواع الخبث وكمياته ولكن لأنها تحمل ولوغ الكلاب والسباع لقلته، فماذا يؤثر ولوغ كلب في قلتين من الماء؟ . وليس إباحة الوضوء من بئر بضاعة مع وجود النجاسة فيها لأجل أنها بلغت قلتين، فلا دليل على أنها قلتان، ولكن لأجل أن النبي ﷺ علم أن كمية الماء الموجودة في البئر لا تتأثر بهذه النجاسة ولو كانت تتأثر لمنع من ذلك وهذا يدل عليه الإجماع. أما النهي عن البول في الماء الراكد فإنه من حكمة الشارع، حيث تفضي الإباحة إلى تهاون الناس في ذلك، وبالتالي قد تغلب النجاسة الكثيرة القائمة في البول في الماء الراكد وإن كان كثيراً، وأما الجاري فإنه لم ينه عن البول فيه لتجدده فلا يمكن أن تجتمع فيه أبوال الناس لتغلبه، بل يغلبها بجريانه. والله أعلم.

стр. 37

المبحث الثاني: أيغتسل الرجل أو يتوضأ بفضل المرأة . ومن الأحاديث التي تتعارض في ظاهرها، أحاديث إباحة الوضوء أو الغسل بفضل المرأة، مع أحاديث النهي عن ذلك. أما أحاديث الإباحة فمنها: ١- (أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة) . ٢- (اغتسل بعض أزاوج النبي ﷺ في جفنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يتوضأ منه فقالت: يا رسول الله إني كنت جنباً، فقال: إن الماء لا يجنب) . ٣- (كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه) . وأما أحاديث النهي فمنها: ١- (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) . فهذه الأحاديث يظهر لقارئها أنها تتعارض! الأحاديث التي تدل على إباحة الوضوء بفضل المرأة: الحديث الأول: عن ابن عباس ﵁-قال: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ" (١) . الحديث الثاني: عن ابن عباس ﵁-قال: "اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَقَالَ إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ" (٢) .

стр. 38

الحديث الثالث: عن عائشة –﵂: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ" (١) . الحديث الذي يدل على النهي عن استعمال فضل وضوء المرأة وغسلها: عن الحكم بن عمرو الغفاري: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ. أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا " (٢) . وجه التعارض: إن الأحاديث الثلاثة الأولى تفيد أن رسول الله ﷺ لم يكن ينهى عن استعمال فضل الجنب، وتفيد أنه ﷺ كان يغتسل بفضل أم المؤمنين، كما أنهما استعملا الماء معاً ولابد أن تصيبه بفضلها. أما حديث الحكم بن عمرو فإنه يفيد النهي عن استعمال فضلها، وبهذا تكون هذه الأحاديث متعارضة في مفادها. وللعلماء في درء تعارض هذه الأحاديث مذاهب وأقوال. مذاهب العلماء وأقوالهم في درء التعارض:

стр. 39

١- ذهب جمهور العلماء ومنهم الإمام أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد؛ إلى الأخذ بأحاديث الإباحة، وقدموها على أحاديث النهي وأجابوا عن أحاديث النهي بما يلي: ١- أن أحاديث النهي ضعيفة، وأحاديث الإباحة أصح وأقوى، فالمصير إليها أولى. ٢- أن النهي عن فضل أعضائها، وهو ما سال عنها. ٣- أن النهي للتنزيه فهو محمول على أفضلية الترك جمعاً بين الأحاديث. ٢- ذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وداود إلى أنه لا يجوز الوضوء بفضل المرأة، إذا خلت به، وروي هذا عن ابن سرجس والحسن البصري. ٣- ذهب ابن المسيب والحسن إلى كراهة فضلها مطلقاً، واحتج لهم بحديث الحكم بن عمرو. وكل فريق من هؤلاء العلماء له طريق في الأخذ بهذه الأحاديث. أما الفريق الأول الذاهب إلى الإباحة فدرأ تعارض الأحاديث إما بترجيح أحاديث الإباحة، وقوى ذلك من جهة النظر، قال الطحاوي: " فوجدنا الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معاً من إناء واحد؛ أن ذلك لا ينجس الماء. ورأينا النجاسات كلها إذا وقعت في الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضي منه أن حكم ذلك سواء. فلما كان ذلك كذلك وكان وضوء كل واحد من الرجل والمرأة مع صاحبه لا ينجس الماء عليه كان وضوؤه بعدها من سؤرها في النظر أيضاً كذلك." (١) . وإما بتأول حديث النهي أنه لِما سال عنها. قال الخطابي: " ووجه الجمع بين الحديثين –إن ثبت حديث الأقرع- أن النهي إنما وقع عن التطهير بفضل ما تستعمله المرأة من الماء، وهو ما سال وفضل عن أعضائها عند التطهر به، دون الفضل الذي تسئره في الإناء." (٢) . قال النووي في حديث الحكم: " ليس هو مخالفاً للأحاديث الصحيحة بل يحمل على أن المراد ما سقط من أعضائها، ويؤيده أنا لا نعلم أحداً من العلماء منعها فضل الرجل فينبغي تأويله على ما ذكرته، إلا أن في رواية صحيحة لأبي داود والبيهقي " وليغترفا جميعاً"

стр. 40

وهذه الرواية تضعف هذا التأويل ويمكن تتميمه مع صحتها، ويحملنا على ذلك أن الحديث لم يقل أحد بظاهره، ومحال أن يصح وتعمل الأمة كلها بخلاف المراد منه" (١) . وأما بالقول بالنسخ لحديث النهي كما قال ذلك البغوي. (٢) وأما بحمل النهي على التنزيه جمعاً بين الأحاديث، قال الخطابي: "ومن الناس من يجعل النهي في ذلك على الاستحباب دون الإيجاب" (٣) . وأما الفريق الثاني فقال: إن الأحاديث الصحيحة الثابتة ظاهرة الجواز إذا اجتمعا (٤) واحتج بقول عبد الله بن سرجس: " توضأ أنت ههنا، وهي ههنا، فأما إذا خلت به فلا تقربنه" (٥) . وأما الفريق الثالث فأخذوا بحديث النهي. كما خص بعض العلماء عن فضل طهور المرأة إذا كانت جنباً أو حائضاً وقد روي هذا عن ابن عمر. قلت: إن من ينظر في أدلة الجمهور يجدها أكثر وأصح وأقوى. أما المذهب الثاني فإن دليله غير صريح الدلالة على أن المرأة إذا خلت به لم يصح الوضوء منه. وأما ما جاء في هذا صريحاً فهو موقوف على ابن سرجس، والموقوف مخالف للمرفوع فلا يصار إليه، وأما المذهب الثالث فإن دليله صحيح كم حققنا ذلك، ولكن يجاب عنه بأجوبة متعددة، فإما أن يقال منسوخ كما ذهب إلى ذلك البغوي، وإما أن يقال: النهي فيه للتنزيه، وإما أن يحمل فضلها وسؤرها على ما سال منها بعد الوضوء على ما أفضلت. والله أعلم. المبحث الثالث: سؤر الكلب . وفي باب النجاسات تختلف الأحاديث في سؤر الكلب فمنها ما يدل على أن نجاسته ومنها ما يدل ظاهره على طهارته فمما يدل على نجاسته: ١- (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار) . ومما يدل على طهارته ما يلي:

стр. 41

١- (إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل، وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه. قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلباً آخر قال: فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر) . ٢- (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك) . ٣- (أن النبي – ﷺ – سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة منها؟ فقال: لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور) . ٤- (عن النبي – ﷺ أنه سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها) . الأحاديث الدالة على نجاسة سؤر الكلب: عن أبي هريرة –﵁ قال: قال رسول الله – ﷺ : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ". (١) الأحاديث الدالة على الطهارة: الحديث الأول: عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي – ﷺ : "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ قُلْتُ أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ قَالَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ" (٢) . الحديث الثاني:

стр. 42

عن عبد الله بن عمر قال: " كَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يكونوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ" (١) . الحديث الثالث: عن أبي سعيد الخدري، أن النبي – ﷺ -سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة، تردها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة منها؟ فقال: "لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر، طهور" (٢) . الحديث الرابع: عن جابر بن عبد الله –﵄ عن النبي – ﷺ أنه سُئِل: "أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّها" (٣) . وجه التعارض:

стр. 43

يظهر أن الحديثين الثالث والرابع وهما حديث أبي سعيد وحديث جابر لا يقومان للمعارضة لضعفهما، أما الحديث الأول فقد أخرجه البخاري فهو صحيح والحديث الثاني أخرجه البخاري تعليقاً وجزم فهو صحيح وهذان الحديثان يعارضان حديث أبي هريرة"إذا ولغ الكلب ... " حيث يفيد الحديث نجاسة سؤر الكلب بينما يفيد ظاهر حديث عدي بن حاتم طهارة سؤره لأنه أبيح أكل ما أمسكه الكلب دون أن نؤمر بغسله. وكذا يفيد حديث ابن عمر عدم الاحتراز من الكلب فهو يبول ويدبر ويقبل في المسجد، ومعلوم أن البول أشد من السؤر وأغلظ. وقد أجاب العلماء عن هذا التعارض: مذاهب العلماء في درء التعارض: ذهب مالك والأوزاعي وداود إلى طهارة سؤره وقالوا: يتوضأ به ويشرب وإن ولغ في طعام لم يحرم، وذهب مالك إلى أن الأمر بغسل الإناء تعبد، واحتج بالإضافة إلى حديث عدي بن حاتم بقوله تعالى: "فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه" ولم يأمر بغسل ما أصابه فمه، وكذلك احتج بحديث أبي سعيد " لها ما حملت في بطونها..الحديث" وقال" ولأنه حيوان فكان طاهراً كالمأكول" (١) . وأجاب عليه الحنابلة فقالوا: لنا ما روي عن أبي هريرة –﵁ إن النبي – ﷺ قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً) متفق عليه، ولمسلم (فليرقه ثم ليغسله سبع مرات) ولو كان سؤره طاهراً لم تجز إراقته ولا وجب غسله.

стр. 44

فإن قيل: إنما وجب غسله تعبداً كما تغسل أعضاء الوضوء وتغسل اليد من نوم الليل قلنا الأصل وجوب الغسل من النجاسة بدليل سائر الغسل، ثم لو كان تعبداً لما أمر بإراقة الماء، ولما اختص الغسل بموضوع الولوغ لعموم اللفظ في الإناء كله، وأما غسل اليد من النوم فإنما أمر به للاحتياط لاحتمال أن تكون قد أصابتها نجاسة فيتنجس الماء فلا يصح به الوضوء، وغسل أعضاء الوضوء شرع للوضاءة والنظافة ليكون العبد في حال قيامه بين يدي الله تعالى على أحسن حال وأكملها. ثم إن سلمنا ذلك فإنما عهدنا التعبد في غسل اليدين، أما الآنية والثياب فإنما غسلها من النجاسات وقد روي في لفظ (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعاً) أخرجه أبو داود، ولا يكون الطهور إلا في محل الطهارة. وقولهم " إن الله تعالى أمر بأكل ما أمسكه الكلب قبل غسله" قلنا: الله تعالى أمر بأكله والنبي – ﷺ أمر بغسله فيعمل بأمرهما وإن سلمنا أنه لا يجب غسله، فلأنه يشق فعفي عنه، وحديثهم (١) قضية في عين يحتمل أن يكون الماء المسئول عنه كان كثيراً ولذلك قال في موضع آخر حين سئل عن الماء وما ينوبه من السباع " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (٢) ، ولأن الماء لا ينجس إلا بالتغير على رواية لنا، وشربها من الماء لا يغيره فلا ينجسه ذلك" (٣) . أما الحديث الثاني فأجاب عنه بعض العلماء بعدة أجوبة إليك بيانها: ١- ذهب المنذري إلى أن الكلاب كانت تبول خارج المسجد في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد، إذا لم يكن عليه غلق. واستبعد أن تترك الكلاب تنتاب المسجد حتى تمتهنه بالبول فيه. وقد تعقب قوله هذا بأنه إذا قيل بطهارتها لم يمتنع ذلك كما في الهرة (٤) .

стр. 45

٢- ذهب ابن حجر إلى أن بول الكلاب وإقبالها وإدبارها كل ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها، واستدل بما زاده الإسماعيلي في روايته من طريق ابن وهب في هذا الحديث -حديث ابن عمر- قال: كان عمر يقول بأعلى صوته واجتنبوا اللغو في المسجد، قال ابن عمر: وقد كنت أبيت في المسجد على عهد رسول الله ﷺ وكانت الكلاب..الحديث، فأشار إلى أن ذلك كان في الابتداء، ثم أمر بتكريم المسجد حتى من لغو الكلام، وبهذا يندفع الاستدلال على طهارة الكلب. وأما قوله في الحديث في زمان رسول الله ﷺ -فقد أجاب ابن حجر بأنه وإن كان عاماً في جميع الأزمنة لأنه اسم مضاف؛ لكنه مخصوصٌ بما قبل الزمن الذي أمر فيه بصيانة المسجد (١) . ٣- ذهب أبو داود إلى أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف مستدلاً بحديث ابن عمر -يعني أن قوله: لم يكن يرشون- يدل على نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك، قال ابن حجر: " ولا يخفى ما فيه" (٢) . ٤- ورد على من استدل بهذا الحديث بأن البول مجمع على نجاسته فلا يصلح حديث بول الكلاب في المسجد حجة يعارض بها الإجماع، وأما مجرد الإقبال والإدبار فلا يدلان على الطهارة، وأيضاً يحتمل أن يكون ترك الغسل لعدم تعيين موضع النجاسة (٣) . المبحث الرابع: سؤر الهر . اختلف الأحاديث في سؤر الهر فمنها ما يفيد طهارته، ومنها ما يفيد نجاسته. وتبعاً لهذا الاختلاف، فلقد اختلفت مذاهب الفقهاء في حكم سؤره هل هو طاهر أم نجس. فمن الأحاديث التي تفيد طهارته ما يلي: ١- حديث أبي قتادة"إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات".

стр. 46

٢- حديث عائشة –﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله – ﷺ من الإناء الواحد وقد أصابت الهرة منه قبل ذلك) . ومن الأحاديث التي تفيد نجاسته: (لطهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات الأولى بالتراب، والهرة مثل ذلك) . الأحاديث التي تفيد الطهارة: الحديث الأول: عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت عند ابن أبي قتادة: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، قَالتْ: فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، قَالتْ: فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرب، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ فَقُلْتُ نَعَمْ. فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّما هيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أو الطَّوَّافَاتِ " (١) . الحديث الثاني:

стр. 47

عن عائشة –﵂ قالت: "كُنْتُ أَتَوَضَّأُ أَنَا وَرَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ قَدْ أَصَابَتْ مِنْهُ الْهِرَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ " (١) . الأحاديث التي تفيد النجاسة: عن أبي هريرة –﵁ عن النبي – ﷺ قال: " لِطهورِ إِنَاءِ أَحدِكُم إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ الأُولَى بِالتُّرَابِ، وَالْهِرَّةُ مِثْلُ ذَلِكَ " (٢) . وجه التعارض: إن من ينظر في هذه الأحاديث التي أسلفتها وما في معناها يرى من ظاهرها أنها تتعارض. فالأحاديث الأُول تفيد طهارة سؤر الهرة فلا يجب غسل الإناء من ولوغها، بينما يفيد الحديث الأخير -حديث أبي هريرة- نجاسة سؤر الهرة ووجوب غسل الإناء من ولوغها، وللعلماء في إزاء هذا التعارض مذاهب وأقوال لدرئه. أقوال العلماء في درء التعارض:

стр. 48

١- ذهب الجمهور إلى طهارة سؤر الهرة وعدم وجوب غسل الإناء من ولوغها أخذاً بأحاديث الإباحة، وممن ذهب إلى ذلك بعض الحنفية منهم أبو يوسف ومحمد بن الحسن كذا نقله عنهما الطحاوي (١) ، والشافعية نقل ذلك عنهم النووي حيث قال: " قال الشافعي ﵀: الهرة ليست بنجس فنتوضأ بفضلها ونكتفي بالخبر عن النبي – ﷺ ولا يكون في أحد قال خلاف قول النبي ﷺ حجة" (٢) . وأجابوا عن الحديث المعارض بما ذكره النووي حيث قال: قال أصحابنا ولو صح حديث أبي هريرة لم يكن فيه دليل لأنه متروك الظاهر بالاتفاق، فإن ظاهره يقتضي وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة ولا يجب ذلك بالإجماع" (٣) . وإلى هذا ذهب المالكية أيضاً فقد قال ابن عبد البر بعد إيراد الحديث وفوائده –أي حديث أبي قتادة-" وفيه أن الهر ليس ينجس ما شرب منه وأن سؤره طاهر وهذا قول مالك وأصحابه" (٤) . وإلى هذا ذهب الحنابلة قالوا:" وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر غير مكروه" (٥) . ٢- وذهب أبو حنيفة إلى نجاسة سؤرها واحتج بما روي عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً، وبما روي عن الصحابة والتابعين في النهي عن الوضوء من سؤر الهر ووجوب غسل الإناء من ولوغه، وإلى هذا ذهب الطحاوي، قال:" وقد شد هذا القول النظر الصحيح، وذلك أنا رأينا أن اللحمان على أربعة أوجه: ١ - فمنها لحم طاهر مأكول وهو لحم الإبل والبقر والغنم فسؤر ذلك كله طاهر لأنه ماسَّ لحماً طاهراً. ٢ - ومنها لحم طاهر غير مأكول وهو لحم بني آدم فسؤرهم طاهر لأنه ماس لحما طاهرا. ٣ -ومنها لحم حرام وهو لحم الخنزير والكلب فسؤر ذلك حرام لأنه ماس لحما حراما، فكان حكم ما ماس هذه اللحمان الثلاثة كما ذكرنا يكون حكمه حكمها في الطهارة والتحريم.

стр. 49

٤ - ومن اللحمان أيضا لحم قد نهي عن أكله وهو لحم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع أيضا، ومن ذلك السنور وما أشبهه فكان ذلك منهيا عنه ممنوعا من أكل لحمه بالسنة. وكان في النظر أيضا سؤر ذلك حكمه حكم لحمه لأنه ماس لحما مكروها فصار حكمه حكمه، كما صار حكم ما ماس اللحمان الثلاث الأول حكمها فثبت بذلك كراهة السنور وبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة رحمة الله عليه (١) . قلت: مما عرضت من الأحاديث ودراستها سنداً ومتناً تبين لي قوة أدلة الجمهور وهي أدلة صحيحة مرفوعة أما أدلة بعض الحنفية ومن يرى كراهة سؤر الهر فإنها موقوفة، والمرفوع منها وأن صح سنداً كما قال الطحاوي وكما بينت إلا أنه معل بالإدراج في متنه فقد أدرج الموقوف من قول أبي هريرة في سؤر الهر في المرفوع وقد بين ذلك الحديث الذي أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب سؤر الكلب. (٢) والبيهقي أيضا من طريق علي بن نصر عن قرة فبين المرفوع من الموقوف وقد سبق بيان ذلك (٣) . قال البيهقي: "وزعم الطحاوي أن حديث أبي هريرة صحيح ولم يعلم أن الثقة من أصحابه ميزه من الحديث وجعله من قول أبي هريرة" (٤) . قلت: ولئن روى عن أبي هريرة موقوفاً في كراهية سؤرها فقد روي عنه في الرخصة في ذلك، رواه عنه ميمون بن مهران، أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥) . أما دعوى الإجماع التي ذكرها النووي فليست مسلمة، بل خالف أبو حنيفة كما سبق (٦) . والذي ذهب إليه الجمهور هو الذي أراه صواباً، والله أعلم. المبحث الخامس: ما جاء في المني . قال تعالى: " خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين" (٧) . واقتضت إرادة الله أن تخرج من منفذ لا يخرج منه إلا نجساً. فقد جاءت أحاديث تفيد نجاستها منها:

стр. 50

حديث عائشة-﵂ قالت: "كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي – ﷺ فيخرج إلى الصلاة، وإن يقع الماء في ثوبه". كما جاءت أحاديث تعارض هذا الحديث وتفيد طهارتها، منها حديث عائشة ﵂ في المني قالت: (كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ . فهذه الأحاديث تتعارض في ظاهرها حيث يفيد بعضها الطهارة، وبعضها يفيد النجاسة. الحديث الذي يفيد نجاسة المني: عن عائشة –﵂ قالت:"كُنْتُ أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ " (١) . الحديث الذي يفيد طهارة المني: عَنْ عَائِشَةَ فِي الْمَنِيِّ قَالَتْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . " (٢) . وجه التعارض: إن القارئ حينما يقرأ الحديث الأول يجد فيه أن غسل المني منصوص عليه، وهذا يدل على نجاسته. ومن ينظر في الحديث الثاني يجد الاكتفاء بالفرك وهذا يدل على طهارته حيث لا تزول عين النجاسة بالفرك. وبهذا يجد القارئ لهذه الأحاديث تعارضاً وإشكالاً , وللعلماء في درء التعارض بين هذه الأحاديث أقوال ومذاهب. آراء العلماء في درء التعارض:

стр. 51

١- قال أبو جعفر الطحاوي:"كانت عائشة ﵂ تغسل المني من ثوب رسول ﷺ الذي كان يصلي فيه وتفركه من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه ". ورد على حديث عائشة ﵂ قالت:كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ ثم يصلي فيه بقوله:"ليس في هذا دليل على طهارته، فقد يجوز أن يكون كانت تفعل به هذا فيطهر بذلك الثوب والمني في نفسه نجس كما قد روي في ما أصاب النعل من الأذى فيما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه أو نعله فطهورهما التراب) (١) فكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما وليس في ذلك على طهارة الأذى في نفسه، فكذلك ما روي في المني يحتمل أن يكون حكمه كذلك يطهر الثوب بإزالتهم إياه عنه بالفرك وهو في نفسه نجس، كما كان الأذى، يطهر النعل بإزالتهم إياه عنها وهو في نفسه نجس، فالذي وقفنا عليه من هذه الآثار المرورية في المني هو أن الثوب يطهر مما أصابه من ذلك بالفرك إذا كان يابسا ويجزئ ذلك من الغسل، وليس في شيء من هذا دليل على حكمه هو في نفسه أطاهر أم نجس ولما لم يكن فيما رويناه عن رسول الله ﷺ دليل على حكمه كيف هو؟ اعتبرنا ذلك من طريق النظر فوجدنا خروج المني حدثا أكبر الأحداث لأنه يوجب أكبر الطهارات فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث كيف حكمها في نفسها؟ فرأينا الغائط والبول خروجهما حدث وهما نجسان في أنفسهما، وكذلك دم الحيض والاستحاضة وهما حدث وهما نجسان في أنفسهما، وكذلك دم العروق في النظر. فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما كان خروجه حدثا فهو نجس في نفسه، وقد ثبت أن خروج المني حدث ثبت أيضا أنه في نفسه نجس" (٢) .

стр. 52

٢-قال النووي:" وقد أكثر أصحابنا من الاستدلال بأحاديث ضعيفة، ولا حاجة إليها وعلى هذا إنما فركه تنزهاً واستحباباً وكذا غسله للتنزه والاستحباب وهذا متعين أو كالمتعين للجمع بين الأحاديث " (١) ٣-قال الكاساني دارئاً التعارض: "ما روى من الحديث المفيد طهارة المني يحتمل أنه كان قليلاً ولا عموم له لأنه حكاية حال، أو يحمل على أن ما كان رطباً يغسل وما كان يابسا يفرك توفيقا بين الأدلة " (٢) . ٤-ذهب ابن العربي إلى أن المراد بقولها "كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ " إزالة عينه وليس المراد به جواز الصلاة فيه. وضعف رواية ثم يصلي فيه (٣) . وتضعيفه مردود فإنها –أي رواية "ثم يصلي فيه" ثابتة رواها مسلم في صحيحه عن الثقات (٤) . ٥- وذهب ابن تيمية إلى أنه لا تعارض بين هذين الحديثين فقال: "فإن قيل فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة (أن رسول الله – ﷺ كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة بذلك الثوب وأنا أنظر على أثر الغسل فيه) فهذا يعارض حديث الفرك في مني رسول الله – ﷺ والغسل دليل النجاسة فإن الطاهر لا يطهر. فيقال: هذا لا يخالفه لأن الغسل للرطب والفرك لليابس، كما جاء مفسراً في رواية الدارقطني "كنت أفركه إذا كان يابساً وأغسله إذا كان رطباً" (٥) . أو هذا أحياناً وهذا أحياناً. وأما الغسل فإن الثوب قد يغسل من المخاط والبصاق والنخامة استقذاراً لا تنجيساً، لهذا قال سعد بن أبي وقاص وابن عباس: (أمطه عنك ولو بأذخرة، فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق) (٦) " (٧) .

стр. 53

٦- قال ابن حجر:" وليس بين حديث الغسل وحديث الفرك تعارض لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث. وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطباً والفرك على ما كان يابساً وهذه طريقة الحنفية، والطريقة الأولى أرجح لأن فيها العمل بالخبر والقياس معاً، لأنه لو كان نجساً لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره، وهم لا يكتفون فيما لا يعفى عنه من الدم بالفرك، ويرد الطريقة الثانية ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة (كانت تسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه وتحكه من ثوبه يابساً ثم يصلي فيه) (١) ، فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين، وأما مالك فلم يعرف الفرك وقال إن العمل عندهم على وجوب الغسل كسائر النجاسات، وحديث الفرك حجة عليهم، وحمل بعض أصحابه الفرك على الدلك بالماء وهو مردود بما روي في إحدى روايات مسلم عن عائشة –﵂ قالت: "لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله – ﷺ يابساً بظفري" (٢) ، وبما صححه الترمذي من حديث همام بن الحارث أن عائشة أنكرت على ضيفها غسله الثوب فقالت:"لم أفسد علينا ثوبنا، إنما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه فربما فركته من ثوب رسول الله – ﷺ بأصابعي" (٣) . وقال بعضهم: الثوب الذي اكتفت فيه بالفرك ثوب النوم والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة، وهو مردود أيضاً بما في إحدى روايات مسلم من حديثهما (لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً فيصلي فيه) (٤) ، وهذا التعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة.

стр. 54

وأصرح من هذا رواية ابن خزيمة "إنها كانت تحكه من ثوبه وهو يصلي فيه" (١) ،. وعلى تقدير عدم ورود شيء من ذلك فليس في حديث الغسل ما يدل على نجاسة المني لأن غسلها فعل وهو لا يدل على الوجوب بمجرده والله أعلم. وطعن بعضهم في الاستدلال بحديث الفرك على طهارة المني بأن مني رسول الله – ﷺ طاهر دون غيره كسائر فضلاته، والجواب على تقدير صحة كونه من الخصائص أن منيه كان عن جماع فيخالط مني المرأة فلو كان منيها نجساً لم يكتف فيه الفرك" (٢) . ٧- وقد تعقب ابن القيم-﵀ الطحاويَّ في استدلاله بالنظر والقياس على نجاسة المني فقال: " وأما قولكم أن الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن في المروي عن الرسول – ﷺ بيان حكم المني فاعتبرتم ذلك من طريق النظر فيقال: الآثار بحمد الله في هذا الباب متفقة لا مختلفة وشروط الاختلاف منتفية بأسرها عنها، والغسل تارة، والمسح والفرك تارة جائز ولا يدل ذلك على تناقض ولا اختلاف البتة. ولم يكن رسول الله – ﷺ ليكل أمته في بيان حكم هذا الأمر المهم إلى مجرد نظرها وآرائها وهو يعلمهم كل شيء حتى التخلي وآدابه، وقد بينت السنة هذه المسألة بياناً شافياً ولله الحمد.

стр. 55

وأما ما ذكرتم من النظر على تنجيسه فنظر أعشى لأنكم أخذتم حكم نجاسته من وجوب الاغتسال منه ولا ارتباط بينهما لا عقلاً ولا شرعاً ولا حساً، وإنما الشارع حكم بوجوب الغسل على البدن كله عند خروجه كما حكم به عند إيلاج الحشفة في الفرج ولا نجاسة هناك ولا خارج، وهذه الريح توجب غسل أعضاء الوضوء وليست نجسه ولهذا لا يستنجى منها ولا يغسل الإزار والثوب منها، فما كل ما أوجب الطهارة يكون نجسا ولا كل نجس يوجب الطهارة أيضا؛ فقد ثبت عن الصحابة أنهم صلوا بعد خروج دمائهم في وقائع متعددة وهم أعلم بدين الله من أن يصلوا وهم محدثون، فظهر أن النظر لا يوجب نجاسته والآثار تدل على طهارته وقد خلق الله الأعيان على أصل الطهارة فلا ينجس منها إلا ما نجسه الشرع وما لم يرد تنجيسه من الشرع فهو على أصل الطهارة والله أعلم" (١) . قلت: وبهذا يتبين لنا أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث فإما أن يحمل الأمر بالغسل على التنزه والاستحباب وإما أن يفصل في طريق إزالة المني بحسب حاله فيفرق بين يابسه ورطبه، فما كان يابساً اكتفي بفركه وحتِّه، وما كان رطباً غسل، كما دلت على ذلك الأحاديث المتقدمة، والله أعلم.

стр. 56

المبحث السادس: جلود الميتة . إن منن الله على عباده عظيمة، وقد كرم الإنسان وسخر له كل شيء، ومما سخره الله -سبحانه- له هذه الأنعام التي منها يأكل ومنها يشرب وعليها يركب، وجعل له فيها منافع شتى، وأمر الله الإنسان بكل ما هو طيب طاهر وأباحه له، فأباح له الانتفاع بجلود هذه الأنعام وأصوافها وأشعارها وأوبارها، فيجعل من جلود الأنعام بيوتاً يستخفها وينتقل بها متى شاء يوم ظعنه، ويوم إقامته، وقد شرع له المولى -سبحانه- أن يسفك دم الأنعام ويذكيها قبل الانتفاع بها، ونهاه عن الانتفاع بلحمها وأكلها إذا لم تذك وماتت؛ لعدم طهارتها بالذبح، أما جلودها وهي ميتة لم تذك فقد اختلف العلماء في حكمها وذلك لتعارض الأحاديث في حكم استعمالها وطهارتها. فقد جاءت أحاديث تفيد طهارتها وجواز استعمالها، منها: حديث ابن عباس ﵁ " أن رسول الله ﷺ مر بشاة ميتة فقال: "هلا استمتعتم بإهابها؟ قالوا: إنها ميتة. قال: إنما حرم أكلها". وجاءت أحاديث تفيد نجاسته وعدم جواز استعماله، منها: حديث عبد الله بن عكيم قال: " قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ بأرض جهينة وأنا غلام شاب: أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب". فهذه الأحاديث تتعارض في ظاهرها في مفادها وحكمها. الأحاديث التي تفيد الطهارة وجواز الاستعمال: عن ابن عباس ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا قَالُوا إِنَّهَا مَيِّتَةٌ قَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا " (١) .

стр. 57

الأحاديث التي تفيد النجاسة وعدم جواز الاستعمال: عن عبد الله بن عكيم قال:"قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلاَمٌ شَابٌّ «أَنْ لاَ تَسْتَمْتِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ» . " (١) . وجه التعارض: إن القارئ لهذه الأحاديث ليتوهم تعارضها، وذلك لأنه يظهر من حديث ابن عباس إباحة استعمال جلود الميتة وذلك لأن رسول الله – ﷺ قال: هلا استمتعتم بإهابها، والإهاب هو الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يدبغ (٢) . وأما حديث عبد الله بن عكيم فيظهر منه لمنع من استعمالها مطلقاً، ولكي ندرأ هذا التعارض فإني أعرض أقوال العلماء في كيفية درئه. أقوال العلماء في درء التعارض:

стр. 58

١- درأ أبو جعفر الطحاوي التعارض بأن حديث (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) يجوز أن يكون أراد بذلك ما دام ميتة غير مدبوغ، فإنه كان يسأل عن الانتفاع بشحم الميتة فيجيب الذي يسأله بمثل هذا، كما في حديث جابر بن عبد الله قال: "بينا أنا عند رسول الله – ﷺ إذ جاءه ناس فقالوا: يا رسول الله إن سفينة لنا انكسرت، وإنا وجدنا ناقة سمينة ميتة فأردنا أن ندهن بها، وإنما هي عود، وهي على الماء فقال رسول الله ﷺ :"لا تنتفعوا بشيء من الميتة". فأخبر جابر بن عبد الله ﵁-بالسؤال الذي كان قول النبي – ﷺ : (لا تنتفعوا من الميتة) جوابًا له، وأن ذلك كان على النهي عن الانتفاع بشحومها، فأما ما كان يدبغ منها حتى يخرج من حال الميتة ويعود إلى غير معنى الأهب فإنه يطهر بذلك ودليل ذلك حديث ميمونة –﵂ في الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ (١) وهو حديث ظاهر المعنى أولى من حديث ابن عكيم الذي لم يدلنا على خلاف ما جاءت به هذه الآثار. كما درأ التعارض وأجاب عن حديث "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" بجواب آخر وهو أنه يجوز أن يكون أراد بذلك أن أدلة الإباحة كانت بعد تحريم الميتة، وأن الجلود المدبوغة غير داخلة في التحريم، ويدل على ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة ﵂، فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة، قال" فلولا أخذتم مسكها (٢) ؟

стр. 59

فقالت: نأخذ مسك شاة ماتت؟ فقال النبي ﷺ : إنما قال الله (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ....الآية) (١) فإنه لا بأس بأن تدبغوه فتنتفعوا به". قالت فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت (٢) . ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ لما سألته عن ذلك قرأ عليها الآية التي نزل فيها تحريم الميتة فأعلمها بذلك أن ما حرم عليهم بتلك الآية من الشاة حين ماتت إنما هو الذي يطعم منها إذا ذكيت لا غير، وأن الانتفاع بجلودها إذا دبغت غير داخل في ذلك الذي حرم منها. كما يدل على هذا أن أصحاب النبي – ﷺ لما أسلموا لم يأمرهم بطرح نعالهم وخفافهم التي اتخذوها في حال جاهليتهم، وإنما كان ذلك من ميتة أو ذبيحة أهل الأوثان، ولما ثبت ذلك ثبت أن ذلك قد خرج من حكم الميتة النجسة إلى سائر الأمتعة الطاهرة (٣) . ٢- ودرأ ابن شاهين التعارض فقال: وهذه أحاديث لا يمكن ادعاء نسخ شيء منها بأخرى. فإن قال قائل: فإن حديث ابن عكيم نسخ حديث ابن عباس وابن عمر وعائشة، ومن روى أن النبي ﷺ قال:" طهورها دباغها" لقرب العهد بالنهي؛ أمكن أن يقول غيره: يجوز أن يكون هذا الأمر قبل أن يموت النبي- ﷺ بجمعة.

стр. 60

وإذا كان الأمر هكذا كان الأولى الأخذ بالحديثين جميعاً، قوله:" لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" يحتمل أن لا تنتفعوا في حال من الأحوال، ويحتمل قبل الدباغ فلما احتمل الأمرين جميعا وجاء قوله:" أيما إهاب دبغ فقد طهر" حملنا القول الثاني وهو قوله:" لا تنتفع من الميتة بإهاب ولا عصب" على ما يطابق قوله الأول وهو:" أيما إهاب دبغ فقد طهر"، فيستعمل الإهاب بعد الدباغ، ويحظره قبل الدباغ فيستعمل الخبرين جميعا، ولا يترك احدهما للآخر. وقد حكي عن الخليل بن أحمد أنه قال: لا يقع على الجلد اسم الإهاب إلا قبل الدباغ، وإنما إذا دبغ لم يسم إهابا وإنما يسمى أديما أو جرابا أو جلدا. فإذا صح ذلك كان فيه تأكيد ما ذكرنا من استعمال الخبرين، والله أعلم (١) . ٣- ودرأ ابن عبد البر التعارض بأنه جائز أن يكون معنى حديث ابن عكيم:" أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب" قبل الدباغ. قال: وإذا احتمل أن يكون مخالفاً له فليس لنا أن نجعله مخالفاً، وعلينا أن نستعمل الخبرين ما أمكن استعمالهما، بأن نجعل خبر ابن عكيم في النهي عن جلود الميتة قبل الدباغ، ونستعمل خبر ابن عباس وغيره في الانتفاع بها بعد الدباغ. فكان قوله ﷺ "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب" قبل الدباغ ثم جاءت رخصة الدباغ. وحديث عبد الله بن عكيم وإن كان قبل موت رسول الله ﷺ بشهر كما جاء في الخبر؛ فممكن أن تكون قصة ميمونة وسماع ابن عباس منه قوله (أيما إهاب دبغ فقد طهر) قبل موت رسول الله ﷺ بجمعة أو دون جمعة، والله أعلم. (٢) ٤- ودرأ ابن قتيبة التعارض عن هذه الأحاديث بأنه لا تناقض أصلاً ولا اختلاف لأن الإهاب في اللغة: الجلد الذي لم يدبغ، فإذا دبغ زال عنه هذا الاسم.

стр. 61

وفي الحديث أن عمر ﵁ دخل على رسول الله ﷺ وفي البيت أهب عطنة: يريد "جلود منتنة لم تدبغ". وقالت عائشة-﵂ في أبيها ﵁ "قرر الرؤوس على كواهلها، وحقن الدماء في أهبها" يعني الأجساد، فكنَّت عن الجسد بالإهاب، ولو كان الإهاب مدبوغا لم يجز أن تكني به عن الجسد. وقال النابغة الجعدي يذكر بقرة وحشية أكل الذئب ولدها وهي غائبة عنه ثم أتته: فلاقت بيانا عند أول معهد ... إهابا ومعبوطا من الجوف أحمرا. فقال رسول الله ﷺ "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ثم مر بشاة ميتة فقال:" ألا انتفع أهلها بإهابها" يريد ألا دبغوه فانتفعوا به؟ ثم كتب:" لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" يريد لا تنتفعوا به وهو إهاب حتى يدبغ. ... ويدلك على ذلك قوله:"ولا عصب" لأن العصب لا يقبل الدباغ، فقرنه بالإهاب قبل أن يدبغ وقد جاء هذا مبينا في الحديث (ألا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به) . (١) ٤- قال أبو حازم في الاعتبار: " وطريق الإنصاف فيه أن يقال: إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ لو صحَّ، ولكنه كثير الاضْطراب، ثمَّ لا يُقاوم حديث مَيْمُونة في الصِّحَّة، وقال أبو عبد الرحمن النَّسَائي: "أصحّ ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دُبغت: حديث الزُّهْرِيّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. وروينا عن الدوري أنه قال: قيل ليحيى بن معين: أيما أعجب إليك من هذين الحديثين: "لَا ينْتَفع من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب" أَو: "دباغها طهورها"؟ فقال: "دباغها طهورها" أعجب إليَّ. وإذا تعذر ذلك فالمصير إلى حديث ابن عباس أولى، لوجوه من الترجيحات.

стр. 62

ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع قبل الدباغ، وحينئذ يسمى إهاباً، وبعد الدباغ يسمى جلداً ولا يسمى إهاباً، وهذا معروف عند أهل اللغة، ليكون جمعاً بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد في الأخبار. (١) قلت: وهذا الوجه الذي ذكره الأئمة في دفع التضاد بين الأحاديث يكاد يجمع عليه، وهو ظاهر يدل عليه أدلة كثيرة ذكرها الطحاوي فيما سبق. وبهذا لا يكون بين الأحاديث تعارض كما يتوهم. والله أعلم. المبحث السابع: هل تستقبل القبلة أو تستدبر بالبول والغائط . لقد شرف الله قبلة المسلمين وعظمها، فأمرهم بالتوجه إليها خمس مرات في اليوم والليلة، وأمرهم باحترامها فنهاهم عن استقبالها واستدبارها عند الحدث، وجاء النهي عن رسول الله ﷺ صريحاً بذلك فقال: "إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا"، إلا أنه ورد عنه ﷺ حديث يعارض هذا الحديث، حيث روى ابن عمر ﵄ قال: "لقد ارتقيت يوماً على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته"، فهذا الحديث يدل على أن رسول الله ﷺ استدبر القبلة، لذا وجب علينا أن نقف على أقوال العلماء في درء التعارض بين الحديثين. الأحاديث التي تفيد عدم جواز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط:

стр. 63

عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله – ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا " (١) . الأحاديث التي تفيد جواز استقبال القبلة أو استدبارها في البول والغائط: عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: "إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ". وَقَالَ لَعَلَّكَ مِنْ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ فَقُلْتُ لَا أَدْرِي وَاللَّهِ قَالَ مَالِكٌ يَعْنِي الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْ الْأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ. (٢) وجه التعارض:

стр. 64

من ينظر إلى حديث أبي أيوب الأنصاري يجد أن هذا الحديث يدل على النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بالبول والغائط، ويعارض هذا الحديثُ حديثَ ابن عمر-﵄ لأنه يدل على إباحة ذلك لأن النبي ﷺ فعله، وقد وجه العلماء هذا التعارض فدرؤوه، فمنهم من قال بالنسخ ومنهم من قال بالترجيح، ومنهم من جمع بين الحديثين. آراء العلماء في درء التعارض: ١- ذهب جماعة إلى النسخ فقالوا: إن الإباحة منسوخة بالنهي، وممن ذهب إلى هذا المذهب ابن حزم فقال:" ولا يجوز استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول، لا في بنيان ولا في صحراء"، وقد أجاب عن حديث الإباحة بقوله: "وأما حديث ابن عمر: فليس فيه أن ذلك كان بعد النهي، وإذا لم يكن ذلك فيه، فنحن على يقين من أن ما في حديث ابن عمر موافق لما كان الناس عليه قبل أن ينهى النبي ﷺ عن ذلك، هذا ممالا شك فيه، فإذ لا شك في ذلك فحكم حديث ابن عمر منسوخ قطعا بنهي النبي ﷺ عن ذلك، هذا يعلم ضرورة، ومن الباطل المحرم ترك اليقين للظنون، وأخذ المتيقن نسخه وترك المتيقن أنه ناسخ. وأيضا فإن ما في حديث ابن عمر ذكر استقبال القبلة فقط، فلو صح أنه ناسخ لما كان فيه نسخ تحريم استدبارها، ولكان من أقحم في ذلك إباحة استدبارها كاذبا مبطلا لشريعة ثابتة، وهذا حرام، فبطل تعلقهم بحديث ابن عمر" (١) . ٢-وقد ذهب بعض العلماء إلى ترجيح أحاديث النهي وإعمال حكمها، وممن ذهب إلى ذلك ابن القيم فقال بعد أن ذكر حديث ابن عمر لما رأى رسول الله – ﷺ يقضي حاجته مستدبر الكعبة قال: هذا يحتمل وجوها ستة:

стр. 65

١- نسخ النهي به، ٢- عكسه، ٣-تخصيصه به ﷺ ، ٤- تخصيصه بالبنيان، ٥- أن يكون لعذر اقتضاء المكان أو غيره، ٦- (وأن يكون بياناً، لأن النهي ليس على التحريم. ولا سبيل إلى الجزم بواحد من هذه الوجوه على التعيين وإن كان حديث جابر (١) لا يحتمل الوجه الثاني منها فلا سبيل إلى ترك أحاديث النهي الصريحة الصحيحة المستفيضة بهذا المحتمل. وقول ابن عمر (إنما نهى عن ذلك في الصحراء) فهم منه لاختصاص النهي بها وليس بحكاية لفظ النهي وهو معارض لفهم أبي أيوب للعموم مع سلامة قول أصحاب العموم من التناقض الذي يلزم المفرقين بين الفضاء والبنيان، فإنه يقال لهم ما حد الحاجز الذي يجوز ذلك معه في البنيان؟ ولا سبيل إلى ذكر حد فاصل، وإن جعلوا مطلق البنيان مجوزاً لذلك لزمهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينه جبل قريب أو بعيد، كنظيره في البنيان، وأيضاً فإن النهي تكريم لجهة القبلة وذلك لا يختلف بفضاء أو بنيان وليس مختصاً بنفس البيت، فكم من جبل وأكمة حائل بين البائل وبين البيت بمثل ما تحول جدران البنيان وأعظم، وأما جهة القبلة فلا حائل بين البائل وبينها وعلى الجهة وقع النهي لا على البيت نفسه (٢) . ٣-وذهب آخرون إلى الجمع بين الحديثين، وممن ذهب إلى هذا:

стр. 66

الشافعية والمالكية، قال الإمام الشافعي:"كان القوم عربا إنما عامة مذاهبهم الصحارى وكثير من مذاهبهم لا حش فيها يسترهم فكان الذاهب لحاجته إذا استقبل القبلة أو استدبرها استقبل المصلى بفرجه أو استدبره ولم يكن عليهم ضرورة في أن يشرقوا أو يغربوا فأمروا بذلك، وكانت البيوت مخالفة للصحراء فإذا كان بين أظهرها كان من فيه مستترا لا يراه إلا من دخل أو أشرف عليه وكانت المذاهب بين المنازل متضايقة لا يمكن من التحرف فيها ما يمكن في الصحراء فلما ذكر بن عمر ما رأى من رسول الله من استقباله بيت المقدس وهو حينئذ مستدبر الكعبة دل على أنه إنما نهى عن استقبال الكعبة واستدبارها في الصحراء دون المنازل". وأجاب عن قول أبي أيوب:" فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة فننحرف ونستغفر الله تعالى" (١) ، فقال:"وسمع أبو أيوب الأنصاري النهي من رسول الله ولم يعلم ما علم ابن عمر من استقباله بيت المقدس لحاجته، فخاف المأثمة في أن يجلس على مرحاض مستقبل الكعبة فتحرف لئلا يستقبل الكعبة، وهكذا يجب عليه إذا لم يعرف غيره، ورأى ابن عمر النبي – ﷺ في منزله مستقبلا بيت المقدس لحاجته فأنكر على من نهى عن استقبال القبلة لحاجته وهكذا يجب عليه إذا لم يعرف غيره أو لم يرو له عن النبي – ﷺ خلافه، ولعله سمعه منهم فرآه رأيا لهم لأنهم لم يعزوه إلى النبي – ﷺ ومن علم الأمرين معا ورآهما محتملين أن يستعملا استعملهما معا وفرق بينهما لأن الحال تفترق فيهما بما قلنا" (٢) . وإلى هذا ذهب ابن قتيبة (٣) والخطابي (٤) . وجمع ابن خزيمة بين الأحاديث، وبين طريقة الجمع في ترجمته، فترجم لأحاديث النهي بقوله:

стр. 67

"باب ذكر خبر روي عن النبي ﷺ في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط بلفظ عام مراده خاص". ثم أورد أحاديث الإباحة وترجم لها بقوله: "باب ذكر خبر روي عن النبي – ﷺ في الرخصة في البول مستقبل القبلة بعد نهي النبي –صلى الله عليه ويلم- عنه مجملاً غير مفسر، قد يحسب من لم يتبحر العلم أن البول مستقبل القبلة جائز لكل بائل وفي أي موضع كان، ويتوهم من لا يفهم العلم ولا يميز بين المفسر والمجمل أن فعل النبي – ﷺ في هذا ناسخ لنهيه عن البول مستقبل القبلة". ثم ذكر من الأحاديث ما يجمع به بين الأحاديث المتقدمة، فقال: " باب ذكر الخبر المفسر للخبرين اللذين ذكرتهما في البابين المتقدمين والدليل على ذلك أن النبي – ﷺ إنما نهى عن استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط والبول في الصحارى والمواضع التي لا سترة فيها، وأن الرخصة في ذلك في الكنف والمواضع التي فيها بين المتغوط والبائل وبين القبلة حائط أو سترة". وأورد أثراً يفسر ذلك من قول ابن عمر-﵁: قال مروان الأصفر: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، قلت: أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن ذلك؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس (١) . قال النووي: " ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه فوجب المصير إليه، وفرقوا بين الصحراء والبنيان من حيث المعنى بأنه يلحقه المشقة في البنيان في تكليفه ترك القبلة بخلاف الصحراء". (٢) وقد ردّ ابن حزم على من قال بالجمع وفرق بين الصحراء والبنيان فقال:

стр. 68

" وأما من فرق بين الصحارى والبناء في ذلك فقول لا يقوم عليه دليل أصلاً، إذ ليس في شيء من هذه الآثار فرق بين صحراء وبنيان، فالقول بذلك ظن، والظن أكذب الحديث، ولا يغني عن الحق شيئاً، ولا فرق بين من حمل النهي على الصحارى دون البنيان وبين آخر قال: بل النهي عن ذلك في المدينة أو مكة خاصة، وبين من قال: في أيام الحج خاصة، وكل ذلك تخليط لا وجه له. وقال بعضهم: إنما كان في الصحارى لأن هنالك قوماً يصلون فيؤذون بذلك، قال أبو محمد: هذا باطل، لأن وقوع الغائط كيفما وقع في الصحراء فموضعه لا بد أن يكون قبلة لجهة ما، وغير قبلة لجهة أخرى، فخرج قول مالك عن أن يكون له متعلق بسنة أو بدليل أصلاً، وهو قول خالف جميع أقوال الصحابة ﵃ إلا رواية ابن عمر قد روي عنه خلافها. وبالله التوفيق". (١) قلت: وما ذهب إليه بعض العلماء من الجمع بين الأحاديث حيث فرقوا بين البنيان والصحراء فأجازوا ذلك في البنيان ومنعوه في الصحراء هو الأولى، وذلك لأن من قال بالنسخ لا دليل معه على تقدم أحد الأمرين على الآخر، ومن قال بالترجيح أعمل بعض الأحاديث وأبطل بعضها وهي صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ فلا وجه لإعمال أحدهما دون الآخر مع إمكان الجمع، فلما أمكن الجمع كما ذكرت وهو جمع لا تعسف فيه وجب المصير إليه والقول به. والله أعلم. المبحث الثامن: كيف تطهر الأرض من البول . وتتعارض في هذا المبحث أحاديث يفيد بعضها طهارة الأرض من البول بصب الماء عليه، ويفيد الآخر عدم الاكتفاء بصب الماء عليه بل يجب أخذ التراب الذي أتى عليه البول. فالقارئ حين يقرأ في هذا المبحث يجد حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ رأى أعرابياً يبول في المسجد فقال: "دعوه" حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه) .

стр. 69

كما أنه يجد حديثاً يعارض هذا الحديث وهو قوله – ﷺ فيما رواه عنه عبد الله بن معقل: " خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء". الأحاديث المفيدة طهارة الأرض بصب الماء عليها: عن أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ دَعُوهُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ) (١) . الأحاديث المفيدة لحفر الأرض أو إفاضة الماء ثانياً: عن عبد الله بن معقل بن مقرن قال: صَلَّى أَعْرَابِيٌّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ فِيهِ: وَقَالَ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ : "خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ فَأَلْقُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً" (٢) . وجه التعارض: يتعارض هذان الحديثان بأن أحدهما يوجب حفر الأرض من البول وعدم طهارتها بالماء فقط، والآخر يوجب صب الماء على البول دون الأمر بالحفر. آراء العلماء في درء التعارض: ١- ذهب جمهور العلماء إلى ترجيح الحديث الأول، فقالوا: أن الماء يطهر الأرض من البول ولا يجب إزالة التراب وحفره. وممن ذهب إلى ذلك الشافعية (٣) ،ومالك، وأحمد (٤) .

стр. 70

ووجه استدلالهم من حديث انس أن النبي ﷺ لم يرد عنه في هذا الحديث الأمر بنقل التراب، وظاهر ذلك الاكتفاء بصب الماء فإنه لو وجب الحفر لأمر به، ولو أمر به لذكر، ولو كان نقل التراب واجباً في التطهير لاكتفى به فإن الأمر بصب الماء حينئذ يكون زيادة تكليف، وتعب من غير منفعة تعود للمقصود وهو تطهير الأرض (١) . ٢- ذهب الحنفية إلى الحفر وفرقوا بين الأرض الرخوة والصلبة. قال الكاساني: "ولو أن الأرض أصابتها نجاسة رطبة فإن كانت الأرض رخوة يصب عليها الماء حتى يتسفل فيها، فإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة وتسفلت المياه يحكم بطهارتها" " وإذا كانت صلبة فإن كان صعوداً يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها ثلاث مرات ويزال عنها إلى الحفيرة ثم تكبر الحفيرة، وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا تغسل لعدم الفائدة في الغسل" (٢) . وردوا على من صب الماء عليها وقالوا: " بأن ذلك فاسد لأن الماء النجس باق حقيقة، ولكن ينبغي أن تقلب فيجعل أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها ليصير التراب الطاهر وجه الأرض، وهكذا روي أن أعرابياً بال في المسجد فأمر رسول الله ﷺ أن يحفر موضع بوله" (٣) . قلت: وقد بان لنا مما تقدم ضعف حديث الحفر فلا يصح للاحتجاج به. ويترجح ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الحفر وأن الأرض تطهر بصب الأرض وذلك لصحة الدليل بهذا. ... والله أعلم. المبحث التاسع: البول قائماً . ومما يدخل في باب المياه والنجاسات آداب قضاء الحاجة وقد يظهر تعارض بعض الأحاديث مع بعضها. ففي البول قائماً نجد أن أحاديث تبيحه وأخرى تمنعه. كما يبيحه حديث حذيفة-﵁ قال: (رأيتني أنا والنبي ﷺ -نتماشى، فأتى سباطة قوم خلف حائط فقام كما يقوم أحدكم، فبال، فانتبذت منه فأشار إلي، فجئته فقمت عند عقبه حتى فرغ) .

стр. 71

ومما يمنعه حديث عائشة –﵂ قالت: (من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) . الحديث الذي يفيد إباحة البول قائماً: عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: "رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ نَتَمَاشَى فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ" (١) الحديث الذي يفيد المنع من البول قائماً: عن عائشة ﵂ قالت: "مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا " (٢) . أقوال العلماء في درء التعارض: ١- جمع الترمذي بين هذه الأحاديث بأن حمل النبي من البول قائما على التأدب لا على التحريم " (٣) .

стр. 72

٢- ودرأ ابن حبان التعارض بين الحديثين "بأن حدث حذيفة ﵁ كان له سبب،وهو عدم الإمكان من الجلوس، وذاك أن المصطفى – ﷺ أتى سباطة قوم، وهي المزبلة، فأراد أن يبول فلم يتهيأ له الإمكان لأن المرء إذا قعد يبول على شيء مرتفع ربما تفشى البول فرجع إليه، فمن أجل عدم إمكانه من القعود لحاجة بال قائماً. وعائشة ﵂ لم تكن معه في ذلك الوقت، إنما كانت تراه في البيوت يبول قاعداً فحكت ما رأت، وأخبر حذيفة بما عاين" (١) . ٣- وكذا درأ ابن قتيبة هذا التعارض بقوله: "لم يبل قائماً قط في منزله والموضع الذي كانت تحضره عائشة –﵂-وبال قائماً في المواضع التي لا يمكن أن يطمئن فيها، إما للثق (٢) في الأرض وطين وقذر. وكذلك الموضع الذي رأى فيه رسول الله ﷺ حذيفة يبول قائما كان مزبلة لقوم، فلم يمكنه القعود فيه ولا الطمأنينة وحكم الضرورة خلاف حكم الاختيار" (٣) . ٤- وذكر الخطابي لبوله – ﷺ قائماً وجوهاً منها: ١-أنه لم يجد للقعود مكانا فاضطر إلى القيام إذ كان ما يليه من طرف السباطة مرتفعا عالياً. ٢- وقيل: إنه كان برجله جرح لم يتمكن من القعود معه وقد روي ذلك في حديث أبي هريرة-﵁ أن رسول الله ﷺ بال قائماً من جرح كان بمأبضه (٤) . ٣-وحدثونا عن الشافعي أنه قال: كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائماً. فترى أنه لعلة به إذ ذاك وجع الصلب (٥) .

стр. 73

٥- وقال ابن القيم: والصحيح أنه إنما فعل ذلك-أي البول قائماً- تنزها وبعدا من إصابة البول، فإنه إنما فعل هذا لما أتى سباطة قوم وهو ملقى الكناسة وتسمى المزبلة، وهي تكون مرتفعة، فلو بال فيها الرجل قاعدا لارتد عليه بوله وهو ﷺ استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط فلم يكن بد من بوله قائماً (١) . ٦-وذكر النووي الأوجه الثلاثة التي حكاها الخطابي وزاد وجهاً رابعاً عن المارزي والقاضي عياض رحمهما الله وهو أنه بال قائماً لكونها حالة يؤمن خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب بخلاف حالة القعود، ولذلك قال عمر: البول قائماً أحصن للدبر. ويجوز وجه خاص أنه- ﷺ فعله للجواز في هذه المرة وكانت عادته المستمرة يبول قاعداً ويدل عليه حديث عائشة –﵂ قالت: من حدثكم أن النبي – ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعداً (٢) . رواه أحمد بن حنبل والترمذي والنسائي وآخرون. وإسناده جيد والله أعلم. وقد روي في النهي عن البول قائماً أحاديث لا تثبت، ولكن حديث عائشة هذا ثابت فلهذا قال العلماء: يكره البول قائماً إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم. قال ابن المنذر في الإشراق: اختلفوا في البول قائماً فثبت عن عمر ابن الخطاب –﵁ وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما، قال: وروي ذلك عن أنس وعلى وأبي هريرة ﵃ وفعل ذلك بن سيرين وعروة بن الزبير وكرهه بن مسعود والشعبي وإبراهيم بن سعد وكان إبراهيم بن سعد لا يجيز شهادة من بال قائماً.

стр. 74

وفيه قول ثالث: أنه كان في مكان يتطاير إليه من البول شيء فهو مكروه، فان كان لا يتطاير فلا بأس به، وهذا قول مالك قال بن المنذر: البول جالسا أحب إلى وقائما مباح وكل ذلك ثابت عن رسول الله ﷺ هذا كلام ابن المنذر والله أعلم. (١) ٧- وأورد السيوطي هذه الأوجه الخمسة، وزاد:" وذكر المنذري وجهاً سادساً أنه لعله كان فيهما نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن تتطاير عليه قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: كذا ولعل القائم أجدر بهذه الخشية على القاعد، قلت مع أنه يؤول إلى الوجه الثالث، وذهب أبو عوانة وابن شاهين إلى أنه منسوخ. (٢) ٨- وذكر ابن حجر الأوجه التي ذكرها النووي وعلق على الوجه الثاني بقوله:" ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي والأظهر أنه فعله لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود. والله أعلم. وسلك أبو عوانة في صحيحه وابن شاهين فيه مسلكاً آخر فزعما أن البول عن قيام منسوخ، واستدلا عليه بحديث عائشة الذي قدمناه "ما بال قائماً منذ أنزل عليه القرآن" وبحديثها أيضاً " من حدثكم أنه كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً"، والصواب أنه غير منسوخ، والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطلع عليه، وقد حفظه حذيفة وهو من كبار الصحابة، وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن، وقد ثبت عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قياماً، وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش، والله أعلم. ولم يثبت عن النبي – ﷺ في النهي عنه شيء ... " (٣) .

стр. 75

٨- قال الزركشي: " وجمع بعضهم بين الروايتين لأن النفي في حديث عائشة ورد على صيغة (كان) بمعنى الاستمرار في الأغلب، وحديث حذيفة ليس فيه (كان) فلا يدل على مطلق الفعل ولو مرة" (١) . قلت: بعد النظر في أقوال الأئمة في الجمع بين الأحاديث يترجح لدي أن النبي ﷺ إنما بال قائماً لضرورة وإلا فعادته البول قاعداً، فمن اضطر إلى البول قائماً لعلة فلا حرج عليه، ومن لم يكن له علة فيكره له أن يبول قائماً لأن في ذلك احتمال وصول الرشاش وبعض النجاسة إليه. والله أعلم. الباب الثاني. وفيه مبحث: آنية الكفار . وتتعارض في هذا الباب أحاديث تتعلق بحكم آنية الكفار من حيث النجاسة والطهارة. فنجد أحاديث تفيد نجاسة آنية لكفار ووجوب غسلها، وأحاديث تفيد طهارة هذه الآنية وعدم وجوب غسلها. فمما يدل على النجاسة: (أما ما ذكرت من أنك بأرض قوم أهل كتاب تأكل في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها) . ومما يدل على الطهارة: ١- (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم، فنستمتع بها، فلا يعيب ذلك علينا) . ٢- (أنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة) . الحديث الذي يدل على نجاسة آنية الكفار:
следующие страницы →