Полный текст (192 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قلت: وَقع فِي " كتاب السُّهيْلي ": " سُلَيْمَان بن الْمُعْتَمِر "، وَالصَّوَاب: " الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان " كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَإِنَّمَا انْقَلب عَلَيْهِ الِاسْم، وَكَذَا قَالَ بعده فِي الْمَوْضِعَيْنِ: " ابْن الْمُعْتَمِر " وَصَوَابه دون ذكر " ابْن "، وَالله أعلم.
قَوْله: " مَا أَنا بقارئ ":
قَالَ الْمَازرِيّ: " قيل " مَا " هَا هُنَا نَافِيَة، وَقيل: استفهامية، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأي شَيْء أَقرَأ - قَالَ -: وَقد ضعفوا الِاسْتِفْهَام بِإِدْخَال الْبَاء، وَلَو كَانَ استفهاما لقَالَ: " مَا أَنا قَارِئ "، وَإِنَّمَا تدخل الْبَاء على: مَا: النافية فتكونه الْبَاء تَأْكِيدًا للنَّفْي.
قَالَ القَاضِي عِيَاض: " يصحح جعلناها من قَالَ: إِنَّهَا للاستفهام رِوَايَة من روى: " مَا قَرَأَ " قَالَ: وَقد يصحح أَيْضا أَن تكون هُنَا " مَا " نَافِيَة.
قلت: إِن جعلنَا نَافِيَة احْتمل الْكَلَام مَعْنيين:
أَحدهمَا: الِامْتِنَاع من أصل الْقِرَاءَة على الْإِطْلَاق أَي لَا أفعل كَمَا تَقول لمن قَالَ لَك: قُم: مَا أَنا بقائم، وَيكون سَبَب امْتِنَاعه من الْقِرَاءَة خشيَة أَن يكون عرض لَهُ عَارض من الْجِنّ إِذْ لم يكن بعد قد تحقق أَنه
стр. 72
ملك كَمَا قَالَ بعد ذَلِك لِخَدِيجَة: " لقد خشيت على نَفسِي " كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه وَذكره.
الْمَعْنى الثَّانِي: أَن يكون مَعْنَاهُ: إِنِّي لَا أحسن الْقِرَاءَة، أَي لم أكن قطّ قَارِئًا للكتب وَلَا تعلمت مَا أقرؤه عَن ظهر قلب.
وَفِي حَدِيث مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه فَقَالَ نَبِي الله ﷺ - وَهُوَ خَائِف يرعد -:
" مَا قَرَأت كتابا قطّ، وَمَا أحْسنه، وَمَا أكتب، وَمَا أَقرَأ، فَأَخذه (جِبْرِيل) فغته غتا شَدِيدا ثمَّ تَركه فَقَالَ لَهُ: اقْرَأ، فَقَالَ مُحَمَّد ﷺ : مَا أرى شَيْئا أقرؤه، وَمَا أَقرَأ، وَمَا أكتب ".
أخرجه الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي " دلائله "، فَهَذَا يدل على هَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ ثَانِيًا.
وَوَقع فِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر: " مَا أَقرَأ " وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون نفيا وَأَن يكون استفهاما كَمَا ذكره القَاضِي، ويرجح كَونه نفيا رِوَايَة " الصَّحِيحَيْنِ ": " وَمَا أَنا بقارئ " على مَا بَيناهُ من المعنين، ويرجح كَونه استفهاما أَنه قَالَ فِي هَذِه الرِّوَايَة فِي الْمرة الثَّالِثَة: " قلت: وَمَا أَقرَأ مَا أَقُول ذَلِك إِلَّا افتداء مِنْهُ أَن يعود لي بِمَا صنع بِي ".
وَفِي " مغازي مُوسَى بن عقبَة ": " فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: اقرأه، فَقَالَ: كَيفَ أَقرَأ؟ قَالَ: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ ".
стр. 73
فَهَذَا نَص فِي الِاسْتِفْهَام، لَكِن اللَّفْظ الَّذِي فِي " الصَّحِيحَيْنِ " يبعد أَن يكون استفهاما بِسَبَب زِيَادَة الْبَاء فِي خبر الْمُبْتَدَأ فَلَا يجوز أَن تَقول: زيد بقائم، وَإِنَّمَا هَذَا من خَصَائِص النَّفْي، وَهَذَا على قَول أَكثر النَّحْوِيين.
وَحكي عَن أبي الْحسن الْأَخْفَش مِنْهُم أَنه أجَاز ذَلِك وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: ﴿جَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَقَالَ: الْخَبَر مثل الْمُبْتَدَأ، فَكَمَا جَازَ زِيَادَة الْبَاء فِي الْمُبْتَدَأ نَحْو: بحسبك زيد، جَازَ زيادتها فِي الْخَبَر، فعلى مَذْهَب الْأَخْفَش تتفق رِوَايَة " الصَّحِيحَيْنِ " وَرِوَايَة ابْن إِسْحَاق، وَيكون معنى الِاسْتِفْهَام: أَي شَيْء أَنا قارئه، فَإِن قُلْنَا: إِنَّه اسْتِفْهَام فَظَاهر من حَيْثُ أَن حَاله ﷺ حِينَئِذٍ كَانَت تَقْتَضِي ذَلِك، وَإِن قُلْنَا: أَنه نفي على الْمَعْنى الثَّانِي فَظَاهر أَيْضا لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ أُمِّيا، وَإِن قُلْنَا: هُوَ نفي بِالْمَعْنَى الأول فقد بَينا وَجه امْتِنَاعه وَهُوَ خَوفه من عَارض يلم بِهِ، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله أَولا: استفهاما، فَلَمَّا لم يجد بدا من الِامْتِثَال أنصت فَتلا عَلَيْهِ الْملك.
قَوْله: " فأخذني فغطني ":
هَكَذَا رِوَايَة " الصَّحِيحَيْنِ " بالغين الْمُعْجَمَة والطاء الْمُهْملَة، وَرُوِيَ بالثاء الْمُثَنَّاة من فَوق فِي مَوضِع الطَّاء، تعاقبت: الطَّاء والثاء على هَذِه اللَّفْظَة لقربهما فِي الْمخْرج، ويروى: " سأبني " و " سأتني " بِالْبَاء الْمُوَحدَة بعد الْهمزَة، وبالتاء الْمُثَنَّاة فَوق، وبالسين الْمُهْملَة فيهمَا، وَالْكل بِمَعْنى الخنق
стр. 74
والضغط وَالْعصر وَالْغَم، والعبارة المختصرة عَنهُ أَن يُقَال: هُوَ الْقَبْض الشَّديد؟
وَيُقَال: غطه فِي المَاء أَي غمسه ".
قَالَ الْخطابِيّ: " وَمن ذَلِك غطيط الْبكر وغطيط النَّائِم وَهُوَ ترديده النَّفس إِذا لم يجد مساغا مَعَ انضمام الشفتين ".
قَالَ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ: ويروى " فغمه " بِالْمِيم.
قَالَ السُّهيْلي: " وَأَحْسبهُ أَيْضا يرْوى " فذعتني " أَي خنقني يَعْنِي بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ".
قَالَ: " وَمن الذعت حَدِيثه الآخر: إِن الشَّيْطَان عرض لَهُ وَهُوَ يُصَلِّي قَالَ: فذعته حَتَّى وجدت برد لِسَانه على يَدي ".
стр. 75
قَوْله: " حَتَّى بلغ مني الْجهد ":
يرْوى بِضَم الْجِيم وَبِفَتْحِهَا، وبرفع الدَّال وبنصبها، فالجهد: بِالضَّمِّ الطَّاقَة والوسع، وبالفتح التَّعَب والشدة، وَرفع الدَّال على معنى أَن " الْجهد " فَاعل " بلغ " أَي بلغ الْجهد مني مبلغه أَو مبلغا عَظِيما فأبهمه لذَلِك وَنصب الدَّال على معنى أَن الْملك بلغ مِنْهُ الْجهد فَهُوَ مفعول.
قَالَ عِيَاض: " أَي بلغ الْغَايَة وَالْمُبَالغَة وَالْمَشَقَّة ".
وَقَالَ الْقَزاز: قَوْله: " حَتَّى بلغ مني الْجهد " أَي أقْصَى مَا أقدر عَلَيْهِ وَهُوَ الْجهد، والجهد بِفَتْح الْجِيم وَضمّهَا لُغَتَانِ يُقَال: بلغ مني الْأَمر جهده وجهده ومجهوده.
وَفِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر: " فغتني حَتَّى ظَنَنْت أَنه الْمَوْت " ثمَّ ذكر أَنه فعل ذَلِك بِهِ ثَلَاثًا.
فَإِن قلت: لم فعل بِهِ الْملك ذَلِك؟
قلت: قَالَ الْمُهلب: " فِيهِ من الْفِقْه أَن الْإِنْسَان يذكر وينبه على فعل الْخَيْر بِمَا عَلَيْهِ فِيهِ مشقة ".
قَالَ غَيره: وَفِيه دَلِيل على أَن الْمُسْتَحبّ فِي مُبَالغَة تَكْرِير التَّنْبِيه والحض على التَّعْلِيم ثَلَاث مَرَّات، وَقد رُوِيَ عَنهُ ﵇ أَنه كَانَ إِذا قَالَ شَيْئا أَعَادَهُ ثَلَاثًا للإفهام ".
стр. 76
وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: " وَهَذَا الغط من جِبْرِيل لَهُ ﵉ شغل لَهُ عَن الِالْتِفَات إِلَى شَيْء من أَمر الدُّنْيَا، وإشعار بالتفرغ لما أَتَاهُ بِهِ، وَفعل ذَلِك ثَلَاثًا فِيهِ تَنْبِيه على اسْتِحْبَاب تكْرَار التَّنْبِيه ثَلَاثًا، وَقد اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على جَوَاز تَأْدِيب الْمعلم للمتعلمين ثَلَاثًا ".
قَالَ: " وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك ليبلو صبره، وَيحسن تأديبه، فيرتاض لاحْتِمَال مَا كلفه من أعباء النُّبُوَّة، وَلذَلِك كَانَ يَعْتَرِيه مثل حَال المحموم، وتأخذه الرحضاء، أَي البهر والعرق - قَالَ -: وَذَلِكَ يدل على ضعف الْقُوَّة البشرية، والوجل لتوقع تَقْصِير فِيمَا أَمر بِهِ وَخَوف أَن يَقُول غَيره ".
قلت:
وَقد ذكرنَا كَلَام الْخطابِيّ فِي ذَلِك وَكَلَام السُّهيْلي قريب مِنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَكَانَ ذَلِك إِظْهَار للشدة وَالْجد فِي الْأَمر وَأَن يَأْخُذ الْكتاب بِقُوَّة وَيتْرك الأناة فَإِنَّهُ أَمر لَيْسَ بالهوينى.
стр. 77
قَالَ: وَقد انتزع بعض التَّابِعين وَهُوَ شُرَيْح القَاضِي من هَذَا أَن لَا يضْرب الصَّبِي على الْقُرْآن إِلَّا ثَلَاثًا كَمَا غط جِبْرِيل مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم ثَلَاثًا.
قلت:
هَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذكره السُّهيْلي مُنَاسِب حسن على قَوْلنَا: إِن قَوْله: " مَا أَنا بقارئ " اسْتِفْهَام أَو إِخْبَار على أَنه أُمِّي، وَيشْهد لَهُ إتْيَان الْوَحْي إِلَيْهِ فِي مثل صلصلة الجرس، وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ .
وَأما إِن حملنَا قَوْله: " مَا أَنا بقارئ " على الِامْتِنَاع من الْقِرَاءَة جملَة فَمَا فعله بِهِ جِبْرِيل هُوَ من بَاب تَأْدِيب الْمعلم ورياضة المتعلم، وَقد يحْتَمل أَن يكون الْملك من أول وهلة قَالَ لَهُ: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ كَمَا قَالَ لَهُ ذَلِك فِي الْمرة الرَّابِعَة، أَو كَانَ ذَلِك فِي ذهن الْملك فَلَمَّا لفظ بقوله: (اقْرَأ " ظن النَّبِي ﷺ أَنه مقتصر عَلَيْهَا أَمر لَهُ بِأَن تصدر مِنْهُ قِرَاءَة، فبادر ﷺ - من خَوفه أَن يكون عرض لَهُ - إِلَى الِامْتِنَاع أَو إِلَى الْإِخْبَار عَن حَاله أَو إِلَى الِاسْتِفْهَام على مَا تقدم من الْمعَانِي الثَّلَاثَة، فَفعل بِهِ الْملك مَا فعل لامتناعه إِن حملناه على الِامْتِنَاع، ولعجلته إِن حملناه على الْمَعْنيين الآخرين، فَلَمَّا كَانَ بعد الثَّالِثَة أنصت النَّبِي ﷺ فَتلا الْملك الْآيَات.
стр. 78
قَالَ السُّهيْلي:
" وعَلى رِوَايَة ابْن إِسْحَاق أَن ذَلِك فِي نَومه كَانَ يكون فِي تِلْكَ الغطات الثَّلَاث من التَّأْوِيل ثَلَاث شَدَائِد يبتلى بهَا أَولا ثمَّ يَأْتِي الْفرج وَالروح، وَكَذَلِكَ كَانَ لَقِي هُوَ وَأَصْحَابه شدَّة من الْجُوع فِي شعب الْخيف حِين تعاقدت قُرَيْش أَن لَا يبيعوا مِنْهُم وَلَا يتْركُوا ميرة تصل إِلَيْهِم، وَشدَّة أُخْرَى من الْخَوْف والإبعاد بِالْقَتْلِ، وَشدَّة أُخْرَى من الإجلاء عَن أحب الأوطان إِلَيْهِ، ثمَّ كَانَت الْعَاقِبَة لِلْمُتقين، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ".
قلت:
هَذَا تَأْوِيل حسن لَو لم يَقع فِي الْيَقَظَة مثله، إِمَّا إِذا كَانَ قد وَقع فِي الْيَقَظَة عين مَا رَآهُ فِي النّوم فَهُوَ تَفْسِيره وَالله أعلم.
стр. 79
فصل
وَقد تكلم الْعلمَاء فِي شرح الْآيَات الَّتِي نزلت عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَبَيَان مناسبتها لتِلْك الْحَال.
قَالَ السُّهيْلي: " قيل لَهُ ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ أَي إِنَّك لَا تقرؤه بحولك، وَلَا بِصفة نَفسك وَلَا بمعرفتك، وَلَكِن اقْرَأ مفتتحا باسم رَبك مستعينا بِهِ فَهُوَ يعلمك كَمَا خلقك وكما نزع عَنْك علق الدَّم ".
قلت: فِي قَوْله: ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَن الْبَاء زَائِدَة كَقَوْلِه:
ونرجوا بالفرج.
لَا يقْرَأن بالسور.
لَا يقْرَأن بِسُورَة الْأَحْزَاب.
стр. 80
وَهُوَ كثير، أَي اقْرَأ اسْم رَبك بِمَعْنى اذكر أسماءه وَصِفَاته وَمَا يسْتَحق أَن ينعَت بِهِ من صِفَات الْجلَال والكمال، ونزهه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ كَقَوْلِه: ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ﴾ يَعْنِي الْمُشْركين الَّذين يصفونه بِمَا لَا يَلِيق بجلاله كَقَوْلِهِم: الْمَلَائِكَة بَنَات الله، وكتسميتهم آلِهَتهم اللات والعزى ومناه وَنَحْوهَا، وكما يَقُوله فرق النَّصَارَى فِي أقانيمهم.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْبَاء لَيست بزائدة بل هِيَ لأحد مَعْنيين:
الأول: أَنه من بَاب قَوْلك: فعلت هَذَا بعون الله وتوفيقه، أَي ملتبسا بِهِ يُرَاد بذلك بركَة الْفِعْل وَإِسْنَاده إِلَى خالقه ومريده، يُقَال: فعلت كَذَا باسم الله وعَلى اسْم الله، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا باسم الله﴾
وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(فَقَالَت على اسْم الله أَمرك طَاعَة ... )
وَالثَّانِي: أَن التَّقْدِير: اقْرَأ مفتتحا باسم الله، أَي لتكن قراءتك أبدا مفتتحة باسم الله، إِشَارَة إِلَى الِابْتِدَاء بِتَسْمِيَة الله وَهِي ذكره فِي ابْتِدَاء الْقِرَاءَة، كَمَا سنّ ذكره تَعَالَى فِي ابْتِدَاء كل أَمر ذِي بَال، وَهَذَا مسنون.
стр. 81
مجمع عَلَيْهِ بِدَلِيل الِاسْتِعَاذَة، وَبَالغ المبسملون فِي أَوَائِل السُّور فَقَالُوا: هَذَا إرشاد إِلَى شَرْعِيَّة الْبَسْمَلَة فِي أَوَائِل السُّور حَتَّى قَالَ السُّهيْلي: وَفِي قَوْله: ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ من الْفِقْه وجوب استفتاح الْقِرَاءَة بِبسْم الله.
قلت:
وَهَذَا ضَعِيف إِذْ الِاحْتِمَالَات السَّابِقَة فِي هَذِه اللَّفْظَة تعَارض مَا ذكره، فَكيف يثبت شَيْء تعارضه أَشْيَاء، هَذَا لَو تَسَاوَت الِاحْتِمَالَات، وَلَا حَاجَة لنا - وَالْحَمْد لله - إِلَى إِثْبَات شَرْعِيَّة التَّسْمِيَة فِي أَوَائِل السُّور بِهَذَا الدَّلِيل بل هِيَ ثَابِتَة بأدلة قَوِيَّة أَرْشدنِي الله تَعَالَى بتوفيقه إِلَى جمعهَا فِي مُصَنف مُسْتَقل مطول ومختصر.
وَالَّذين لَا يرَوْنَ التَّسْمِيَة مَشْرُوعَة فِي أَوَائِل السُّور استدلوا بِهَذِهِ الْآيَة فِي جملَة مَا استدلوا بِهِ، وَنقل القَاضِي عِيَاض عَن القَاضِي أبي الْحسن بن الْقصار أَنه قَالَ: وَفِي قَوْله: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ رد على الشَّافِعِي فِي أَن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم آيَة من كل سُورَة وَهَذِه أول سُورَة نزلت وَلَيْسَ ذَلِك فِيهَا ".
قلت:
هَذَا من جملَة شبههم الَّتِي اعتمدوا عَلَيْهَا فِي تَقْرِير مَذْهَبهم وَقد ذَكرنَاهَا فِي " كتاب الْبَسْمَلَة " وأجبنا عَنْهَا بِتَوْفِيق الله ، وَكَانَ من جَوَاب هَذَا أَن قُلْنَا: " لَا ضَرَر فِي ذَلِك فقد تكون الْبَسْمَلَة نزلت بعد
стр. 82
ذَلِك وَجعلت أَولهَا كنظائر لَهَا من الْآيَات كَثِيرَة تَأَخّر نُزُولهَا وَتَقَدَّمت على غَيرهَا.
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: أُشير ب ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ إِلَى السُّورَة كَقَوْلِك: قَرَأت الْحَمد، فَلَا يدل على أَنه لم يقرئه الْبَسْمَلَة ".
وروى الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ فِي " تَعْلِيقه: عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: أول مَا ألْقى عَليّ جِبْرِيل بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ".
وَفِي " تَفْسِير أبي بكر النقاش " عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره قَالَ: " أول
стр. 83
مَا نزل بِهِ جِبْرِيل ﵇ على النَّبِي ﷺ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ".
قَوْله: ﴿الَّذِي خلق﴾ .
أَي الْخَالِق أُرِيد إِثْبَات هَذِه الصّفة لَهُ على الْخُصُوص فَحذف الْمَفْعُول إِذْ كَانَ المُرَاد إِثْبَات أصل الصّفة من غير نظر إِلَى تعْيين الْمَخْلُوق إِذْ هُوَ الَّذِي يخلق لَا خَالق سواهُ، وَهَذَا معنى قَول أبي الْعَبَّاس الْمبرد: المُرَاد بِهِ ذكر الْفَاعِل فَحسب.
فَإِذا اتَّضَح أَن هَذَا الْمَعْنى هُوَ المُرَاد لم يحْتَج إِلَى إِظْهَار الْمَفْعُول إِذْ لَو أظهر لَكَانَ التَّقْدِير: الَّذِي خلق كل شَيْء أَو خلق الْعَالم.
وَقيل: التَّقْدِير: خلقك، فَيكون خَاصّا.
وَقَوله بعد ذَلِك: ﴿خلق الْإِنْسَان﴾ :
المُرَاد بالإنسان على القَوْل الثَّانِي من خُوطِبَ بِالْكَاف فِي ﴿خلقك﴾ على الِالْتِفَات، أَو أَرَادَ جنس وَهُوَ كل مَخْلُوق من نسل آدم ﵇. وعَلى القَوْل الأول يكون تَخْصِيصًا بعد تَعْمِيم لعظم شَأْن الْإِنْسَان وكرامته على ربه .
و ﴿العلق﴾ : جمع علقَة وَهِي الدَّم الجامد وَغَيره يُقَال لَهُ المسفوح، وَإِنَّمَا جمع هُنَا لِأَن المُرَاد بالإنسان الْجِنْس على القَوْل الأول وَهُوَ الْأَصَح الْأَقْوَى، وَقيل: المُرَاد بالإنسان آدم ﵇.
стр. 84
وَقَوله ﴿من علق﴾ :
أَي من طين أَي يعلق بالكف، ثمَّ أكد الْأَمر بِالْقِرَاءَةِ فكرره فِي مُقَابلَة قَوْله: " مَا أَنا بقارئ " مرَارًا، أَي اقْرَأ وَأَن كنت أُمِّيا، وَكَيف تستبعد الْقِرَاءَة وَرَبك الأكرم الَّذِي علم النَّاس الْكِتَابَة بالقلم.
قَالَ الْعَلامَة أَبُو الْقَاسِم:
" الأكرم الَّذِي لَهُ الْكَمَال فِي زِيَادَة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم الَّتِي لَا تحصى، ويحلم عَنْهُم فَلَا يعاجلهم بالعقوبة مَعَ كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهي واطراحهم الْأَوَامِر، وَيقبل تَوْبَتهمْ ويتجاوز عَنْهُم بعد اقتراف العظائم، فَمَا لكرمه غَايَة وَلَا أمد، وَكَأَنَّهُ لَيْسَ وَرَاء التكرم بإفادة الْفَوَائِد العلمية تكرم حَيْثُ قَالَ: ﴿الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ ، فَدلَّ على كَمَال كرمه بِأَنَّهُ علم عباده مَا لم يعلمُوا، ونقلهم من ظلمَة الْجَهْل إِلَى نور الْعلم، وَنبهَ على فضل علم الْكِتَابَة لما فِيهِ من الْمَنَافِع الْعَظِيمَة الَّتِي لَا يُحِيط بهَا إِلَّا هُوَ، وَمَا دونت الْعُلُوم وَلَا قيدت الحكم وَلَا ضبطت أَخْبَار الْأَوَّلين ومقالاتهم وَلَا كتب الله الْمنزلَة إِلَّا بِالْكِتَابَةِ، وَلَوْلَا هِيَ لما استقامت أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا، وَلَو لم يكن على دَقِيق حِكْمَة الله ولطيف تَدْبيره دَلِيل إِلَّا أَمر الْقَلَم والخط لكفى بِهِ ".
стр. 85
قلت: فالواو فِي قَوْله: ﴿وَرَبك الأكرم﴾ للْحَال، و ﴿رَبك﴾ مُبْتَدأ و ﴿الأكرم﴾ خَبره أَو صفته، و ﴿الَّذِي علم﴾ خَبره، أَي علم الْقُرْآن بِأَن كتبه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ فقرئ وَنقل، وَقيل: علم الْكِتَابَة بِخلق الْقَلَم ثمَّ عمم وَقَالَ: ﴿علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ ، أَي كل شَيْء لم يكن يُعلمهُ مِمَّا فِيهِ صَلَاح دينه ودنياه، وَلم يَأْتِ بواو الْعَطف.
وَقيل: ﴿علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ بَيَان لقَوْله: ﴿علم بالقلم﴾ وَالْمرَاد بالإنسان الْجِنْس أَي علمه الْكتاب، علمه مَا لم يعلم.
وَقيل: المُرَاد بالإنسان هُنَا آدم لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ علمه أَسمَاء كل شَيْء.
وَقُرِئَ شاذا: علم الْخط بالقلم.
وَقيل: المُرَاد بالإنسان النَّبِي مُحَمَّد ﷺ حَيْثُ علم البديهيات والنظريات، وَعلم مَا كَانَ وَمَا يكون وَهُوَ أُمِّي، فعلى هَذَا المُرَاد ب: ﴿علم﴾ يعلم، لِأَن هَذَا أول مَا نزل.
وَفِي ابْتِدَائه بإنزال هَؤُلَاءِ الْآيَات عَلَيْهِ التَّنْبِيه على النّظر والفكر المؤديين إِلَى علم التَّوْحِيد لذكر الربوبية المنتظمة للتربية وَالتَّدْبِير واللطف بِالصِّحَّةِ والرزق.
وتنبيه ثَان على الِاسْتِدْلَال بِمَا يرَاهُ من خلق جنسه من أَهله وَولده وَغَيرهم مِمَّا يعلم أَن حَاله وحالهم فِيهِ سَوَاء، من ظُهُورهمْ أشخاصا حَيَّة
стр. 86
متحركة من نظفة موَات حَاصِلَة فِي الرَّحِم، حَيْثُ لَا يصل إِلَيْهَا يَد وَلَا آله وَلَا يَمَسهَا شَيْء، بل يشْهد الْعقل بِأَنَّهَا تحول من حَال إِلَى حَال بِإِرَادَة حَيّ قَادر لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ ".
وَفِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر - بعد ذكر نزُول الْآيَات - قَالَ: " فقرأتها ثمَّ انْتهى فَانْصَرف عني، وهببت من نومي وكأنما كتب فِي قلبِي كتابا ".
وَفِي حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ: " فتح جِبْرِيل عينا من مَاء، فَتَوَضَّأ وَمُحَمّد ﷺ ينظر إِلَيْهِ، فوضأ وَجهه وَيَديه غلى الْمرْفقين، وَمسح بِرَأْسِهِ وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ نضح فرجه، وَسجد سَجْدَتَيْنِ مُوَاجهَة الْبَيْت، فَفعل مُحَمَّد كَمَا رأى جِبْرِيل يفعل ".
قَوْلهَا: " فَرجع بهَا رَسُول الله ﷺ ":
أَي بِالْآيَاتِ الْخمس الَّتِي أقرأه إِيَّاهَا الْملك قَرَأَهَا وحفظها، فَرجع ملتبسا بهَا حفظا وذكرا، ملاحظا لَهَا مفكرا فِي شَأْنهَا وأمرها.
قَوْلهَا: " يرجف فُؤَاده ":
هَذِه رِوَايَة عقيل، وَفِي رِوَايَة يُونُس وَمعمر: " ترجف بوادره "، وَمعنى " ترجف " تتحرك وتضطرب، والرجفة: الْحَرَكَة الشَّدِيدَة، يُقَال: رجف فُؤَاده رجوفا ورجفانا وَهُوَ أَن يرعد ويخفق.
стр. 87
والبوادر: جمع بادرة وَهِي لحْمَة بَين الْمنْكب والعنق.
وَقيل: هِيَ عروق تضطرب عِنْد الْفَزع.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: " بأدله " وَهِي مَا بَين الْعُنُق والترقوة وَاحِدهَا بادلة، وَقيل: بأدل.
وَقيل: البادلة أصل الثدي، وَقيل: شَحم الثديين، وَقيل غير ذَلِك.
قَوْله: " زَمِّلُونِي " أَي لففوني، وَكرر لفظ " زَمِّلُونِي " تَأْكِيدًا، وكل شَيْء لفف فِي شَيْء فقد زمل.
وَقَالَ ﷺ فِي قَتْلَى أحد: " زملوهم فِي ثِيَابهمْ وَدِمَائِهِمْ " أَي لفوهم فِيهَا، وتزمل الرجل بِثَوْبِهِ إِذا اشْتَمَل بِهِ: قَالَ أمرؤ الْقَيْس:
(كَبِير أنَاس فِي بجاد مزمل ... )
خفض لفظ " مزمل " على الْجوَار وَفِيه كَلَام للنحويين لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه.
قَالَ القَاضِي عِيَاض: " الرجفان الِاضْطِرَاب وَكَثْرَة الْحَرَكَة، وَمِنْه ﴿يَوْم ترجف الأَرْض وَالْجِبَال﴾ ، وَهَذَا هُوَ سَبَب طلبه أَن يزمل ويدثر،
стр. 88
أَي يُغطي ويلف بالثياب لشدَّة مَا أَصَابَهُ من هول الْأَمر ولحقه من شدَّة الغط وَثقل الْوَحْي، وَإِن كَانَ قد قَالَ بعض الْمُفَسّرين: إِنَّه إِنَّمَا كَانَ يفعل هَذِه فرقا من جِبْرِيل لأوّل مَا يلقاه حَتَّى أنس بِهِ.
وَقيل: بل قيل لَهُ: ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ و ﴿المزمل﴾ لِأَنَّهُ حِين أَتَاهُ الْملك وجده متزملا ملتفا بِثَوْبِهِ فَنُوديَ بِصفة حَاله - قَالَ - وَالْأول أصح وَأولى لفظا وَمعنى، والمزمل والمدثر وَاحِد، وَيُقَال لكل مَا يلقى على الْجَسَد دثار وللفافة الْقرْبَة زمال، وَمعنى المزمل والمدثر والمتزمل والمتدثر أدغمت التَّاء فِيمَا بعْدهَا، وَقد جَاءَ فِي أثر أَنَّهُمَا من أَسْمَائِهِ ﵇ ".
قلت:
الدثار هُوَ مَا يلقى على الْجَسَد فَوق الشعار، والشعار هُوَ الَّذِي يَلِي الْجَسَد، وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ : " الْأَنْصَار شعار، وَالنَّاس دثار " إِشَارَة إِلَى قربهم مِنْهُ.
قَوْلهَا: " فزملوه حَتَّى ذهب عَنهُ الروع ":
أَي فَفَعَلُوا مَا أَمرهم بِهِ، وَفِي بعض الرِّوَايَات: " زَمِّلُونِي فدثروه "، وَفِي أُخْرَى " دَثرُونِي فدثروه " لِأَن الْكل بِمَعْنى وَاحِد.
стр. 89
و " الروع ": بِفَتْح الرَّاء الْفَزع وَشدَّة الْخَوْف قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذهب عَن إِبْرَاهِيم الروع﴾ ، يُقَال: رعته وروعته وَكَانَ حَقِيقَته: أصَاب روعه بِضَم الرَّاء أَي خلده لِأَن الْفَزع تَأْثِيره فِي الْقلب وَالله أعلم.
قَوْلهَا: " ثمَّ قَالَ لِخَدِيجَة مَالِي؟ وأخبرها الْخَبَر ":
هَذِه رِوَايَة يُونُس.
" أَي ": حرف من حُرُوف النداء.
و" مَالِي ": اسْتِفْهَام على سَبِيل الْخَوْف أَي: أَي شَيْء عرض لي.
وَفِي رِوَايَة عقيل: " فَقَالَ لِخَدِيجَة وأخبرها الْخَبَر ".
قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن خلف بن بطال فِي " شَرحه لكتاب البُخَارِيّ ":
" رُجُوع النَّبِي ﷺ فَزعًا فَقَالَ: زَمِّلُونِي، وَلم يخبر بِشَيْء حَتَّى ذهب عَنهُ الروع، فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يسْأَل الفازع عَن شَيْء من أمره مَا دَامَ فِي حَال فزعه، وَلذَلِك قَالَ مَالك وَغَيره: إِن المذعور لَا يلْزمه بيع وَلَا إِقْرَار وَلَا غَيره فِي حَال فزعه ".
وَقَوله: " لقد خشيت على نَفسِي: "
فِيهِ دَلِيل على أَن من نزلت بِهِ ملمة أَن يُشَارك فِيهَا من يتق بنصحه ورأيه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ شَاهد أمرا عَظِيما جسيما من أَمر الله تَعَالَى لم يعتده وَلم يسمع بِمثلِهِ، فخاف لما كَانَ ذَلِك بداءة أمره أَن يكون حَادِثا حدث لَهُ
стр. 90
من جِهَة الْجِنّ لِأَن أَمر الكهانة كَانَ فِي الْعَرَب مستفيضاً حِينَئِذٍ حَتَّى كَانَ الرجل مِنْهُم يَقُول: أَخْبرنِي رئيي بِكَذَا وَلفُلَان رئي. قَالَ القَاضِي عِيَاض:
" قَوْله: لقد خشيت على نَفسِي، لَيْسَ بِمَعْنى الشَّك فِيمَا آتَاهُ الله، لكنه عساه خشِي أَن لَا يقوى على مقاومة هَذَا الْأَمر، وَلَا يقدر على حمل أعباء الْوَحْي، فتزهق نَفسه، أَو ينخلع قلبه، لشدَّة مَا لقِيه أَولا عِنْد لِقَاء الْملك، أَو يكون قَوْله هَذَا لأوّل مَا رأى التباشير فِي النّوم واليقظة وَسمع الصَّوْت قبل لِقَاء المللك وَتحقّق رِسَالَة ربه فَيكون مَا خَافَ أَولا أَن يكون من الشَّيْطَان، فَأَما مُنْذُ جَاءَهُ الْملك برسالة ربه فَلَا يجوز عَلَيْهِ الشَّك فِيهِ، وَلَا يخْشَى من تسلط الشَّيْطَان عَلَيْهِ - قَالَ -: وعَلى هَذَا الطَّرِيق يحمل كل مَا ورد من مثل هَذَا فِي حدي المبعث ". قَالَ السُّهيْلي: " تكلم الْعلمَاء فِي (معنى) هَذِه الخشية وَأَنَّهَا كَانَت مِنْهُ قبل أَن يحصل لَهُ الْعلم بِأَن الَّذِي جَاءَهُ ملك من عِنْد الله، وَكَانَ أشق شَيْء عَلَيْهِ أَن يُقَال عَنهُ مَجْنُون ".
стр. 91
قَالَ: " وَلم ير الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن هَذَا محَال فِي مبدأ الْأَمر، لِأَن الْعلم الضَّرُورِيّ قد لَا يحصل دفْعَة وَاحِدَة، وَضرب مثلا بِالْبَيْتِ من الشّعْر يسمع أَوله فَلَا يدرى أنظم هُوَ أم نثر، فَإِذا اسْتمرّ الإنشاد علمت قطعا أَنه قصد بِهِ قصر الشّعْر، كَذَلِك لما اسْتمرّ الْوَحْي واقترنت بِهِ الْقَرَائِن الْمُقْتَضِيَة للْعلم الْقطعِي حصل الْعلم الْقطعِي، وَقد أثنى الله عَلَيْهِ بِهَذَا الْعلم فَقَالَ: ﴿آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ من ربه - إِلَى قَوْله - وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله﴾ ، وإيمانه ﵇ بِاللَّه وَمَلَائِكَته إِيمَان كسبي مَوْعُود عَلَيْهِ بالثواب الجزيل كَمَا وعد على سَائِر أَفعاله المكتسبة، كَانَت من أَفعَال الْقلب أم من أَفعَال الْجَوَارِح ".
قَالَ: " وَقد قيل فِي قَوْله: لقد خشيت على نَفسِي " أَي خشيت أَن لَا أنهض بأعباء النُّبُوَّة وَأَن أَضْعَف عَنْهَا، ثمَّ أَزَال الله خَشيته ورزقه الأيد وَالْقُوَّة والثبات والعصمة ".
стр. 92
قَالَ: " وَقد قيل فِي معنى الخشية أَقْوَال رغبت عَن الإطالة بذكرها ".
قلت:
الْمَعْنى الأول هُوَ المُرَاد صرح بِهِ فِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : " وَلم يكن من خلق الله أحد أبْغض إِلَيّ من شَاعِر أَو مَجْنُون، كنت لَا أُطِيق أَن أنظر إِلَيْهِمَا، قَالَ: قلت: إِن الْأَبْعَد - يَعْنِي نَفسه - لشاعر أَو مَجْنُون، لَا تحدث عني قُرَيْش بِهَذَا أبدا، لأعمدن إِلَى حالق من الْجَبَل فأطرحن نَفسِي عَلَيْهِ فلأقتلنها فأستريحن، قَالَ: فَخرجت أُرِيد ذَلِك حَتَّى إِذا كنت فِي وسط الْجَبَل سَمِعت صَوتا من السَّمَاء يَقُول: يَا مُحَمَّد، أَنْت رَسُول الله وَأَنا جِبْرِيل، قَالَ: فَرفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء أنظر، فَإِذا جِبْرِيل فِي صُورَة رجل صَاف قَدَمَيْهِ فِي أفق السَّمَاء يَقُول: يَا مُحَمَّد، أَنْت رَسُول الله وَأَنا جِبْرِيل، قَالَ: فوقفت أنظر إِلَيْهِ وشغلني ذَلِك عَمَّا أردْت، فَمَا أتقدم وَمَا أتأخر، وَجعلت أصرف وَجْهي فِي آفَاق السَّمَاء فَلَا أنظر فِي نَاحيَة مِنْهَا إِلَّا رَأَيْته كَذَلِك، فَمَا زلت وَاقِفًا مَا أتقدم أَمَامِي وَمَا أرجع ورائي حَتَّى بعثت خَدِيجَة رسلها فِي طلبي، فبلغوا مَكَّة وَرَجَعُوا إِلَيْهَا وَأَنا وَاقِف فِي مَكَاني، ثمَّ انْصَرف عني وانصرفت رَاجعا إِلَى أَهلِي حَتَّى أتيت خَدِيجَة فَجَلَست إِلَى فَخذهَا مضيفا إِلَيْهَا فَقَالَت: يَا أَبَا الْقَاسِم، وَأَيْنَ كنت فوَاللَّه لقد بعثت رُسُلِي فِي طَلَبك حَتَّى بلغُوا مَكَّة وَرَجَعُوا إِلَيّ، قلت: إِن
стр. 93
الْأَبْعَد لشاعر أَو مَجْنُون، فَقَالَت: أُعِيذك بِاللَّه من ذَلِك يَا أَبَا الْقَاسِم، مَا كَانَ الله ليصنع ذَلِك بك مَعَ مَا أعلم مِنْك من صدق حَدِيثك، وعظيم أمانتك، وَحسن خلقك، وصلَة رَحِمك، وَمَا ذَلِك يَا بن عَم، لَعَلَّك رَأَيْت شَيْئا؟ قَالَ: قلت: نعم، ثمَّ حدثتها بِالَّذِي رَأَيْت، فَقَالَت أبشر يَا بن عَم وَأثبت فوالذي نفس خَدِيجَة بِيَدِهِ إِنِّي لأرجو أَن تكون نَبِي هَذِه الْأمة ".
قلت:
فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة مَا قَالَت تشجعه بذلك، واستدلت بِمَا عهِدت من أخلاقه الجميلة وَصِفَاته الجليلة على أَن الله تَعَالَى لَا يُسلمهُ إِلَى مَكْرُوه، وَكَانَ هَذَا مِنْهَا، من أجل مناقبها وَأتم فضائلها ﵂.
وَالْمرَاد بالشاعر فِي هَذَا الحَدِيث من كَانَ لَهُ تَابع من الْجِنّ يساعده على مَا هُوَ بصدده نَحْو مَا كَانَ يجْرِي على لِسَان سطيح وشق من الْكَلَام المسجوع وَغَيره، وَهُوَ معنى وصف الْكَفَرَة لعنهم الله للنَّبِي ﷺ بِأَنَّهُ شَاعِر أَي أَنه من ذَلِك الْقَتِيل قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بل قَالُوا أضغاث أَحْلَام بل افتراه بل هُوَ شَاعِر﴾ وَالله أعلم.
قَوْلهَا: " قَالَت لَهُ خَدِيجَة: كلا أبشر ".
كلا: حرف ردع وزجر، وستعمل اسْتِعْمَال النَّفْي والتبرئة والتبعيد كَقَوْل خَدِيجَة هُنَا، فَهُوَ رد لما قَالَ لَهَا.
стр. 94
زَاد يُونُس فِي رِوَايَته بعد قَوْلهَا " كلا ": " أبشر "، وَلَيْسَ " أبشر " فِي رِوَايَة عقيل. يُقَال: أبشر الرجل بِكَذَا أَي سر بِهِ وَفَرح، فعلى هَذَا جَاءَ " أبشر " بِقطع الْهمزَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجنَّةِ﴾ ، يُقَال: بَشرته بِكَذَا وبشرته بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد، وَقُرِئَ بهما ﴿يبشرهم رَبهم برحمة مِنْهُ﴾ ، فأبشر هُوَ، فَهُوَ على هَذَا من بَاب كبيته فأكب، مِمَّا جَاءَ مُطَاوع ثلاثيه على " أفعل " وَهُوَ قَلِيل، وَالْمَعْرُوف عكس ذَلِك نَحْو: أنشر الله الْمَوْتَى فنشروا. ثمَّ المبشر بِهِ تَارَة يذكر كَمَا فِي الْآيَة، وَتارَة يحذف كَمَا فِي الْخَبَر، وَتَقْدِيره: أبشر. بِمَا يَسُرك ويقر عَيْنك.
قَوْلهَا: " فوَاللَّه لَا يخزيك الله أبدا ":
اتّفق يُونُس وَعقيل على رِوَايَة " يخزيك " بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَبعد الزَّاي يَاء، وَرَوَاهُ معمر عَن الزُّهْرِيّ: " يحزنك " بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون من الْحزن، يُقَال حزنه وأحزنه، وَقد قرئَ بهما.
والخزي: بُلُوغ غَايَة الذل والهوان والانكسار والفضيحة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿من قبل أَن نذل ونخزى﴾ ، دلّ على أَن الخزي أبلغ من الذل، أَي لَا يفعل بك فعلا يخزيك مَعَ فعلك الْجَمِيل.
стр. 95
ثمَّ وَصفته بِمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْفَضَائِل قَالَ ابْن بطال: هَذَا قِيَاس مِنْهَا على الْعَادَات وَالْأَكْثَر فِي النَّاس فِي حسن عَاقِبَة من فعل الْخَيْر.
وَفِيه جَوَاز تكية الرجل فِي وَجهه بِمَا فِيهِ من الْخَيْر، وَلَيْسَ بمعارض لقَوْله ﵇: " احثوا التُّرَاب فِي وُجُوه المداحين "، فَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك إِذا مدحوه بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فِي الممدوح.
قَوْلهَا: " وَالله إِنَّك لتصل الرَّحِم " إِلَى آخِره:
هَذَا الْقسم فِي رِوَايَة يُونُس وَسقط فِي رِوَايَة غَيره، وَصفته ﷺ بِصِفَات شريفة كَانَت مَشْهُورَة فِيهِ، وَذَلِكَ من قبل مَا زَاده الله تَعَالَى من صِفَات النُّبُوَّة وآثار الرسَالَة، وَعلمه مَا لم يكن يعلم وَكَانَ فضل الله عَلَيْهِ عَظِيما، فَكَانَ النَّبِي ﷺ مَشْهُورا عِنْد قومه بالأمانة وَصدق الحَدِيث وَالْإِحْسَان إِلَى الْأَقَارِب وَغَيرهم.
وَالرحم: كِنَايَة عَن الْقَرَابَة، وصلتها بر الْأَقَارِب وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم، وَفِي الحَدِيث عَن الله تَعَالَى: " من وَصلهَا وصلته، وَمن قطعهَا بتته "، أَي لَا تقطع قرابتك وَلَا تمنع خيرك بل تصلهم بجميل فعلك.
стр. 96
قَوْلهَا: " وَتصدق الحَدِيث، وَتحمل الْكل ":
يُقَال: صدق فِي الحَدِيث، وَصدق الحَدِيث.
وَالْكل: الثّقل من كل شَيْء فِي الْمُؤْنَة والجسم يُقَال: ألْقى فلَان على كُله أَي ثقله قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ﴾ أَي ثقل وعيال على وليه وَهُوَ الَّذِي لَا يُغني نَفسه عَن قَائِم بمصالحها، أَرَادَت خَدِيجَة أَنه ﷺ يعين الضَّعِيف الْعَاجِز عَن نَفسه، أَو تَعْنِي أَنه ﷺ كَانَ يتكفل بِأُمُور تشق على حامليها.
قَالَ الْقَزاز: وَيجوز أَن يكون قَوْلهَا: " وَتحمل الْكل " أَي تقوم باليتيم لِأَن الْعَرَب تجْعَل الْكل الْيَتِيم وَمِنْه قَول الشَّاعِر يذم رجلا:
(أكول لمَال الْكل قبل شبابه ... إِذا كَانَ عظم الْكل غير شَدِيد)
قَالَ القَاضِي عِيَاض: " الْكل هُنَا بِفَتْح الْكَاف الثّقل، وَقيل: أَرَادَ بِهِ الضَّعِيف. وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِهِ الْيَتِيم وَالْمُسَافر وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُ الكلال ".
стр. 97
قَوْلهَا: " وتكسب الْمَعْدُوم ": قَالَ الْخطابِيّ: " صَوَابه: وتكسب المعدم لِأَن الْمَعْدُوم لَا يدْخل تَحت الْأَفْعَال، تُرِيدُ أَنَّك تُعْطِي العائل وترفده، وَفِيه لُغَتَانِ يُقَال: كسبت الرجل مَالا وأكسبته، وأفصحهما بِحَذْف الْألف ".
وَقَالَ غَيره: " الَّذِي ذكر أَنه مَحْفُوظ وَوَجَدته فِي رِوَايَة أبي زيد: المعدم، فعلى هَذَا وَصفته بِالْكَرمِ وَإِعْطَاء الْفُقَرَاء ".
قَالَ: " وللمعدوم صفة زَائِدَة على الْعَطاء والبذل لِأَن الْمَعْدُوم مَا لَا يُوجد، فَإِذا قرن فِي الذّكر بِمَا يدل على وجوده فهم أَنه النفيس الَّذِي يعدمه كثير من النَّاس، فصفته ﷺ على هَذَا إِنَّمَا هِيَ بإعطائه مَا لَا تسخو بِهِ نفس غَيره ".
وَقَالَ الْهَرَوِيّ فِي " كتاب الغريبين ":
يُقَال: فلَان يكْسب الْمَعْدُوم إِذا كَانَ مجدودا ينَال مَا يحرمه غَيره، يُقَال: هَذَا آكلكم للمأدوم، وأكسبكم للمعدوم، وأعطاكم للمحروم، يُقَال: عدمت الشَّيْء إِذا فقدته، وأعدم الرجل فَهُوَ مَعْدُوم إِذا افْتقر ".
стр. 98
قَالَ الْجَوْهَرِي: " كسبت أَهلِي خيرا، وكسبت الرجل مَالا فكسبه ".
قَالَ: " وَهَذَا مِمَّا جَاءَ على فعلته فَفعل ".
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: " وأكسبته خطأ ".
وَقَالَ ثَعْلَب: " كل النَّاس يَقُولُونَ: كسبك إِلَّا ابْن الْأَعرَابِي فَإِنَّهُ يَقُول: أكسبك "، وَأنْشد "
(فأكسبني مَالا وأكسبته حمدا ... )
وَحكى ابْن سَيّده ": " كسبت الرجل خيرا وأكسبته إِيَّاه - قَالَ -: وَالْأولَى أَعلَى ".
قَالَ الْقَزاز: " تكسب حرف نَادِر يُقَال: كسبت المَال وكسبته غَيْرِي فكسبه، وَلَا يُقَال: أكسبته، وَلَكِن: كسبت الرجل المَال يَقُول: وتكسب النَّاس الْمَعْدُوم من كل مَا لَا يجدونه من معدومات الْفَوَائِد ".
قَالَ القَاضِي عِيَاض: " روايتنا فِي هَذَا عَن أَكثر شُيُوخنَا: تكسب بِفَتْح التَّاء، وَعند بَعضهم بضَمهَا، وبالوجهين قَرَأنَا الْحَرْف على الْحَافِظ أبي الْحُسَيْن فِي غير هَذَا الْكتاب ".
стр. 99
قَالَ: " وَذكر ثَابت فِي " دلائله " فِي معنى هَذَا: أَنَّك تصيب وتكسب مَا يعجز غَيْرك عَن كَسبه ويعدمه، وَالْعرب كَانَت تتمادح بكسب المَال لَا سِيمَا قُرَيْش ".
قَالَ: " وعَلى هَذَا لَا تكون التَّاء إِلَّا مَفْتُوحَة لِأَنَّهُ معدى لمفعول وَاحِد، وَكَانَ ﵇ مجدودا فِي تِجَارَته وخيره بذلك مَشْهُور ".
وَقيل: مَعْنَاهُ تكسب النَّاس مَا لَا يجدونه من معدومات الْفَوَائِد، وَهَذَا معدى إِلَى مفعولين، وَالتَّاء هُنَا مَفْتُوحَة على قَول الْأَكْثَر، وتضم على قَول بَعضهم كَمَا تقدم، وَهَذَا أبلغ [فِي الْمَدْح] وَأشهر فِي خلق نَبينَا ﵇ قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا ".
وَقَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحَافِظ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن الْفضل:
" قَوْله: وتكسب الْمَعْدُوم، أَي تعطيه وتعاونه على جمع المَال، جعل الْعَاجِز الَّذِي لَا يقدر على السَّعْي فِي التعيش وَتَحْصِيل مَا تزجى بِهِ الْأَيَّام بِمَنْزِلَة الْمَعْدُوم ".
قلت: وَمِنْه قَول أبي الْحسن التهامي: "
(عد ذَا الْفقر مَيتا وكساه ... كفنا بَالِيًا ومأواه قبرا)
стр. 100
ثمَّ قَالَ) : " وَالْعرب تعبر بالقلة عَن الْعَدَم وبالعدم عَن الْقلَّة، والمحققون يذهبون فِي قَول المتنبي:
(إِذا رأى غير شَيْء ظَنّه رجلا ... )
أَنه لَيْسَ بداخل فِي المستحيلات بل مَقْصُودَة إِذا رأى شخصا ضَعِيفا أَو شَيْئا قَلِيلا ظَنّه رجلا، فَعبر عَن المرئي الضَّعِيف ب: " غير شَيْء " وَهَذَا كَمَا أَنَّك تَقول - إِذا لقِيت رجلا مستضعفا جَبَانًا أَو جَاهِلا بَخِيلًا -: لَا شَيْء، وَلَيْسَ بِشَيْء وتنزله منزلَة الْمَعْدُوم للْمُبَالَغَة فِي الْعَجز والحقارة ".
قَالَ: " وَذكر الْخطابِيّ أَن صَوَابه المعدم ".
قَالَ: " وَالصَّوَاب هِيَ اللَّفْظَة المحفوظة بَين أَصْحَاب الحَدِيث الْمَشْهُورَة الصَّحِيحَة عَن رَسُول الله ﷺ لِأَن مَقْصُوده السَّعْي فِي حاجات الضِّعَاف.
وعَلى هَذَا مَا رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ لَا يستنكف أَن يمشي مَعَ الضَّعِيف والأرملة يقْضِي لَهما حاجتهما ".
стр. 101
(قَالَ) : " وَأما التَّعْبِير بالقلة عَن المعدم فَقَوله تَعَالَى: ﴿فقليلا مَا يُؤمنُونَ﴾ أَي لَا يُؤمنُونَ رَأْسا لَا قَلِيلا وَلَا كثيرا، وَمثله حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى: " كَانَ رَسُول الله ﷺ يقل اللَّغْو " أَي لَا يَلْغُو أصلا ".
قَالَ: " وَكنت قد راجعت فِي ابْتِدَاء الطّلب سيدنَا وَالِدي فِي معنى هَذِه اللَّفْظَة فَذكر وَجها لم أر أحسن مِنْهُ ".
قَالَ: " مَعْنَاهُ تسْعَى فِي طلب عَاجز تنعشه كَمَا أَن غَيْرك يسْعَى فِي طلب مَال يثمره، وَالْكَسْب هُوَ الاستفادة، فَكَمَا يرغب غَيْرك أَن يَسْتَفِيد مَالا ترغب أَنْت أَن تستفيد عَاجِزا تجبره وتعيينه، وَالْكَسْب الْآن يَقْتَضِي مَفْعُولا فَردا وَهُوَ أولى لِأَنَّك لَا تحْتَاج فِيهِ إِلَى إِضْمَار شَيْء كَمَا تحْتَاج هُنَاكَ ".
قلت:
يُقَال: كسبت مَالا اي حصلته، وكسبت زيدا مَالا أَي؛ حصلته لَهُ، فَقَوْلهم: كسبت زيدا مَالا كَقَوْلِك " أَعْطَيْت زيد مَالا، فَهُوَ فِي قَوْله: " تكسب الْمَعْدُوم " يحْتَمل أَن يكون من هَذَا الْبَاب، لَكِن لم يذكر إِلَّا مَفْعُولا وَاحِدًا، فَيحْتَمل أَن يكون الْمَحْذُوف هُوَ الْمَفْعُول الأول، وَيحْتَمل أَن يكون الثَّانِي.
стр. 102
فَإِن كَانَ الْمَحْذُوف هُوَ الأول صَار كَقَوْلِك: أَعْطَيْت مَالا وَلَا تذكر الْمُعْطى.
وَهَذَا هُوَ الْوَجْه الأول الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ من لم يسمه فَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنه يُعْطي مَا لَا تسخو بِهِ نفس غَيره، فتقديره على هَذَا: تُعْطِي النَّاس الْمَعْدُوم، وَفِي مَعْنَاهُ الْوَجْه الَّذِي ذكره الْهَرَوِيّ لِأَن مَعْنَاهُ تكسب نَفسك الْأَشْيَاء المعدومة لغيرك أَي تستفيد مَا لَا يستفيده غَيْرك.
وَيجوز أَن يكون هَذَا الْفِعْل يسْتَعْمل مُتَعَدِّيا إِلَى وَاحِد وَإِلَى اثْنَيْنِ، وَهَذَا سَائِغ فِي أَلْسِنَة النَّاس يَقُولُونَ لما قل نَظِيره مَعَ نفاسته: مَا هَذَا إِلَّا مَعْدُوم، بِمَعْنى أَنه مَعْدُوم النظير أَو أَنه لم يزل فِي حيّز الْعَدَم إِلَى أَن ظفر بِهِ الْآن مُبَالغَة فِي غرابته.
وَإِن كَانَ الْمَحْذُوف هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي فَيكون كَقَوْلِك: أَعْطَيْت زيدا وَلَا تذكر مَا أَعْطيته، وَهَذَا هُوَ الْوَجْه الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الْحَافِظ إِسْمَاعِيل، أَي تُعْطِي الْمَعْدُوم مَا يصير بِهِ مَوْجُودا.
وَأما الْوَجْه الَّذِي حَكَاهُ عَن وَالِده فحقيقة أَنَّك كسبت آجر الْمَعْدُوم وثوابه ومودته، فَإِن عين الرجل الضَّعِيف لَا يكْسب إِلَّا أَن يكون حَرْبِيّا فيغنم، ثمَّ يقدر الْمَفْعُول الأول محذوفا كَمَا قدرناه فِي الْوَجْه الَّذِي ذكره الْهَرَوِيّ، أَي تكسب نَفسك الْمَعْدُوم أَي ثَوَابه ومودته، فاحتيج هُنَا إِلَى إضمارين إِلَّا أَنه قد اتَّسع فِي حذف الْمَفْعُول الأول فِي بَاب " كسب " إِذا
стр. 103
كَانَ هُوَ الْفَاعِل حَتَّى صَار كَأَنَّهُ نسي منسي للاستغناء عَنهُ فَيُقَال: كُسِيت مَالا، وَتَقْدِير الْمَفْعُول: كسبت نَفسِي مَالا، وَهَكَذَا الْكَلَام فِيمَا كَانَ كَذَلِك نَحْو رجعت ورجعته وَالله أعلم.
وَسمعت القَاضِي أَبَا الْعَبَّاس الخويي يسْتَدلّ بقول الْعَرَب: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء إِذا أَرَادوا الْمُبَالغَة فِي حقارته وَأَنه كَالْعدمِ على صِحَة مَذْهَب أهل الْحق فِي أَن الْمَعْدُوم لَا يُسمى شَيْئا لِأَنَّهُ لَو كَانَ يُسمى شَيْئا لما حصلت للْعَرَب مُبَالغَة فِي قَوْلهم: هَذَا لَا يُسمى بِشَيْء.
وَهَذَا الَّذِي قَالَه حسن لَكِن الْمُخَالفين يَقُولُونَ: الْمَعْدُوم الْمُمكن يُسمى شَيْئا، ووافقوا على نفي تَسْمِيَة غير الْمُمكن بِشَيْء، فعلى هَذَا تحصل الْمُبَالغَة للْعَرَب على أتم الْوُجُوه، وَتَقْدِيره: إِن هَذَا عدم مُسْتَحِيل وجوده، وَهَذَا أبلغ من قَوْلنَا: أَنه مَعْدُوم فَحسب وَالله أعلم.
قَوْلهَا: " وتقري الضَّيْف ":
أَي تَأتيه بالقرى وَهُوَ مَا يبره بِهِ عِنْد نُزُوله عَلَيْهِ من طَعَام وَغَيره مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ، يُقَال: قرى الضَّيْف يقريه إِذا فعل بِهِ ذَلِك، قرى بِكَسْر الْقَاف وَالْقصر، وبفتحهما وَالْمدّ فَهُوَ قار.
قَوْلهَا: " وَتعين على نَوَائِب الْحق ":
النوائب: جمع نائبة وَهِي مَا يَنُوب الْإِنْسَان من خير أَو شَرّ، وأرادت هُنَا نَوَائِب الْخَيْر فَلهَذَا جعلته معينا عَلَيْهَا وعبرت عَنْهَا بنوائب الْحق.
стр. 104
قَالَ الْقَزاز: " أَي تعين - بِمَا تقدر عَلَيْهِ - من أَصَابَته نَوَائِب فِي حق أعنته فِي نوائبه، تذكر بِهَذَا كُله كرم أخلاقه، وَأَن الله تَعَالَى لَا يفعل مَا يخزيه مَعَ جميل فعله ".
قلت:
وَهَذِه الصِّفَات الجليلة الَّتِي وصفت بهَا خَدِيجَة رَسُول الله ﷺ قد وصف بهَا أَيْضا صَاحبه أَبُو بكر الصّديق ﵁، فَفِي " الصَّحِيح " عَن عَائِشَة أَيْضا أَن أَبَا بكر ﵁ لما ابتلى الْمُسلمُونَ خرج مُهَاجرا إِلَى أَرض الْحَبَشَة حَتَّى إِذا بلغ برك الغماد لقِيه ابْن الدغنة وَهُوَ سيد القارة فَقَالَ: أَيْن تُرِيدُ يَا أَبَا بكر؟ قَالَ: أخرجني قومِي فَأُرِيد أَن أَن أسيح فِي الأَرْض فأعبد رَبِّي ، فَقَالَ: إِن مثلك لَا يخرج، إِنَّك تكسب الْمَعْدُوم، وَتصل الرَّحِم، وَتحمل الْكل، وتقري الضَّيْف، وَتعين على نَوَائِب الْحق، فَأَنا لَك جَار فَارْجِع فاعبد رَبك ببلدك ".
стр. 105
قَوْلهَا: " فَانْطَلَقت بِهِ خَدِيجَة حَتَّى أَتَت بِهِ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد ابْن عبد الْعُزَّى وَهُوَ ابْن عَم خَدِيجَة أخي أَبِيهَا ":
قلت: هِيَ خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد القرشية الأَسدِية أول زَوْجَة لرَسُول الله ﷺ ، وَأول من آمن بِهِ وَصدقه، وَصلى مَعَه، وآزره على أمره، وَلها الْفضل على غَيرهَا مِمَّن شاركها فِي هَذِه الْأَوْصَاف بِمَا انْفَرَدت بِهِ من تثبيت النَّبِي ﷺ وَإِزَالَة الْهم عَنهُ، واجتماعها بِمن كَانَ من أهل الْكتاب، وسؤالها عَن ذَلِك، وحرصها فِيهِ ﵂، وانضم إِلَى ذَلِك أَنَّهَا آنسته من كل وَحْشَة، وهونت عَلَيْهِ كل مَكْرُوه وأراحته بمالها من كل كد وَنصب، وفرغته لعبادة الله تَعَالَى وتنفيذ أمره.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: " وَكَانَت أول من آمن بِاللَّه وَرَسُوله وصدقت بِمَا جَاءَهُ من الله، فَخفف بذلك عَن رَسُول الله ﷺ ، لَا يسمع شَيْئا يكرههُ من رد عَلَيْهِ وَتَكْذيب لَهُ فحزنه ذَلِك إِلَّا فرج الله عَنهُ إِذا رَجَعَ إِلَيْهَا، تثبته وتخفف عَنهُ وَتصدقه وتهون عَلَيْهِ أَمر النَّاس ".
وَوَقع فِي " كتاب الزبير بن أبي بكر " قَالَ: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد: قَالَ آدم ﵇: مِمَّا فضل بِهِ عَليّ ابْني صَاحب الْبَعِير أَن زوجه كَانَت عونا لَهُ على تَبْلِيغ أَمر الله، وَإِن زَوْجَتي كَانَت لي عونا على الْمعْصِيَة.
وَذكرت عَائِشَة فِي هَذَا الحَدِيث أَن خَدِيجَة انْطَلَقت بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى ورقة، وَوَقع فِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر أَنَّهَا ذهبت وَحدهَا إِلَى ورقة فَأَخْبَرته، ثمَّ اجْتمع بِهِ النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ قَالَ - بعد حِكَايَة قَوْلهَا لَهُ - إِنِّي
стр. 106
لأرجو أَن تكون نَبِي هَذِه الْأمة، ثمَّ قَامَت فَجمعت عَلَيْهَا ثِيَابهَا، ثمَّ انْطَلَقت إِلَى ورقة بن نَوْفَل بن أَسد وَهُوَ ابْن عَمها، وَكَانَ ورقة قد تنصر، وَقَرَأَ الْكتب، وَسمع من أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، فَأَخْبَرته بِمَا أخْبرهَا رَسُول الله ﷺ أَنه رأى وَسمع، فَقَالَ ورقة: قدوس قدوس وَالَّذِي نفس ورقة بِيَدِهِ لَئِن كنت صدقتيني يَا خَدِيجَة لقد جَاءَهُ الناموس الْأَكْبَر الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، وَإنَّهُ لنَبِيّ لهَذِهِ الْأمة، فَقولِي لَهُ فليثبت، فَرَجَعت خَدِيجَة إِلَى رَسُول الله ﷺ فاخبرته بِمَا قَالَ ورقة، فسهل ذَلِك عَنهُ بعض مَا كَانَ فِيهِ من الْهم بِمَا جَاءَهُ، فَلَمَّا قضى رَسُول الله ﷺ جواره وَانْصَرف صنع كَمَا كَانَ يصنع، بَدَأَ بِالْكَعْبَةِ فَطَافَ بهَا، فَلَقِيَهُ ورقة بن نَوْفَل وَهُوَ يطوف بِالْكَعْبَةِ فَقَالَ لَهُ: يَا بن أخي، أَخْبرنِي بِمَا رَأَيْت وَسمعت، فَأخْبرهُ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ لَهُ ورقة: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ أَنَّك لنَبِيّ هَذِه الْأمة، وَلَقَد جَاءَك الناموس الْأَكْبَر الَّذِي جَاءَ مُوسَى، ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، وَلَئِن أَنا أدْركْت ذَلِك لأنصرن الله نصرا يُعلمهُ، ثمَّ أدنى رَأسه مِنْهُ فَقيل يَافُوخه، ثمَّ انْصَرف رَسُول الله ﷺ إِلَى منزله وَقد زَاده ذَلِك من قَول ورقة ثباتا، وخفف عَنهُ بعض مَا كَانَ فِيهِ من الْهم.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وحَدثني إِسْمَاعِيل بن أبي حَكِيم مولى الزبير أَنه حدث عَن خَدِيجَة أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله ﷺ - فِيمَا تثبته بِهِ فِيمَا أكْرمه الله بِهِ من النُّبُوَّة - أَي ابْن عَم، أتستطيع أَن تُخبرنِي بصاحبك هَذَا الَّذِي يَأْتِيك
стр. 107
إِذا جَاءَك؟ قَالَ: نعم، قَالَت: فَإِذا جَاءَك فَأَخْبرنِي بِهِ، فَجَاءَهُ جِبْرِيل كَمَا كَانَ يَأْتِيهِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لِخَدِيجَة: يَا خَدِيجَة، هَذَا جِبْرِيل قد جَاءَنِي، فَقَالَت: قُم يَا بن عَم، فاجلس على فَخذي الْيُسْرَى فَفعل، قَالَت: هَل ترَاهُ؟ قَالَ: نعم، قَالَت: فتحول فَاقْعُدْ على فَخذي الْيُمْنَى فَفعل، فَقَالَت: هَل ترَاهُ؟ قَالَ: نعم، فحسرت فَأَلْقَت خمارها وَرَسُول الله ﷺ جَالس فِي حجرها، قَالَت: هَل ترَاهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَت: يَا بن عَم فَاثْبتْ وأبشر، فوَاللَّه إِنَّه لملك وَمَا هُوَ شَيْطَان.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَحدثت عبد الله بن الْحسن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: قد سَمِعت فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن - يَعْنِي أمه - تحدث بِهَذَا الحَدِيث إِلَّا أَنِّي سَمعتهَا تَقول: أدخلت خَدِيجَة رَسُول الله ﷺ بَينهَا بَين درعيها فَذهب عِنْد ذَلِك جِبْرِيل ﵇ ".
قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ: " وَهَذَا شَيْء كَانَت خَدِيجَة ﵂ تَصنعهُ تستثبت بِهِ الْأَمر احْتِيَاطًا لدينها وتصديقها، فَأَما النَّبِي ﷺ فقد كَانَ وثق بِمَا قَالَ لَهُ جِبْرِيل ﵇، وَأرَاهُ من الْآيَات الَّتِي ذَكرنَاهَا
стр. 108
مرّة بعد أُخْرَى، وَمَا كَانَ من تَسْلِيم الْحجر وَالشَّجر عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ من إِجَابَة الشّجر لدعائه، وَذَلِكَ بَعْدَمَا كذبه قومه وشكاهم إِلَى جِبْرِيل ﵇، فَأَرَادَ أَن يطيب قلبه ".
قَوْلهَا: " وَكَانَ امرء تنصر فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يكْتب الْكتاب الْعَرَبِيّ، وَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية مَا شَاءَ الله أَن يكْتب، وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد عمى ":
هَذِه صِفَات ورقة بن نَوْفَل، وَوَقع فِي رِوَايَة عقيل فِي " صَحِيح البُخَارِيّ " " وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني، وَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية "، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا فقد كَانَ يعرف الكتابيين الْعَرَبِيّ والعبراني، وَلَوْلَا ذَلِك لما قدر على أَن يكْتب الْإِنْجِيل بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ ورقة أحد الْجَمَاعَة الَّذين رَغِبُوا فِي الْجَاهِلِيَّة عَن عبَادَة الْأَوْثَان، وَسَأَلَ عَن الدّين الحنيف عُلَمَاء أهل الْأَدْيَان، وَكَانَ ينْتَظر خُرُوج رَسُول الله ﷺ ليتبعه لِأَنَّهُ سمع أرمه من أهل الْكتاب، ووقف على بعض صِفَاته عِنْدهم، وَكَانَت خَدِيجَة تخبره عَن أَحْوَال النَّبِي ﷺ من حِين أخْبرهَا غلامها ميسرَة الَّذِي وجهته مَعَ النَّبِي ﷺ تَاجِرًا إِلَى الشَّام، وَسمع مَا قالته فِيهِ الرهبان.
قَالَ مُوسَى بن عقبَة: " ثمَّ إِن الله تَعَالَى بعث مُحَمَّدًا ﷺ على رَأس خمس عشر سنة من بُنيان الْكَعْبَة ".
стр. 109
قَالَ ابْن شهَاب: " وحَدثني عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة ".
قَالَ ابْن شهَاب: " وحَدثني مثل ذَلِك سعيد بن الْمسيب وَكَانَ فِيمَا بلغنَا أول مَا رأى أَن الله أرَاهُ رُؤْيا فِي الْمَنَام فشق ذَلِك عَلَيْهِ، فَذكرهَا رَسُول الله ﷺ لامْرَأَته خَدِيجَة، فعصمها الله من التَّكْذِيب وَشرح صدرها بالتصديق، فَقَالَت: أبشر فَإِن الله لن يصنع بك إِلَّا خيرا، ثمَّ إِنَّه خرج من عِنْدهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَأَخْبرهَا أَنه رأى بَطْنه شقّ ثمَّ طهر وَغسل ثمَّ أُعِيد كَمَا كَانَ، قَالَت: وَالله هَذَا خير فأبشر، ثمَّ استعلن لَهُ جِبْرِيل ﵇ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّة فأجلسه على مجْلِس كريم معجب كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول: أجلسني على بِسَاط كَهَيئَةِ الدرنوك فِيهِ الْيَاقُوت واللؤلؤ، فبشره برساله الله حَتَّى اطْمَأَن النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: اقْرَأ، فَقَالَ: كَيفَ اقْرَأ؟ قَالَ: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق - إِلَى - مَا لم يعلم﴾ ، قَالَ: وَيَزْعُم نَاس أَن ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ أول سُورَة نزلت عَلَيْهِ.
قَالَ ابْن شهَاب: " وَكَانَت خَدِيجَة أول من آمن بِاللَّه وَصدق رَسُول الله ﷺ قبل أَن تفرض الصَّلَاة، قَالَ: فَقيل الرَّسُول رِسَالَة ربه عز وَجل
стр. 110
وَاتبع الَّذِي جَاءَهُ بِهِ جِبْرِيل ﵇ من عِنْد الله، فَلَمَّا انْصَرف منقلبا إِلَى بَيته جعل لَا يمر على شَجَرَة وَلَا حجر إِلَّا سلم عَلَيْهِ، فَرجع مَسْرُورا إِلَى أَهله موقنا قد رأى أمرأ عَظِيما، فَلَمَّا دخل على خَدِيجَة قَالَ:
أرأيتك الَّذِي كنت أحَدثك أَنِّي رَأَيْته فِي الْمَنَام فَإِنَّهُ جِبْرِيل ﵇ استعلن لي أرْسلهُ إِلَى رَبِّي، فَأَخْبرهَا بِالَّذِي جَاءَهُ من الله وَمَا سمع مِنْهُ، فَقَالَت:
أبشر فوَاللَّه لَا يفعل الله بك إِلَّا خيرا، فَأقبل الَّذِي جَاءَك من الله فَإِنَّهُ حق، وأبشر فَإنَّك رَسُول الله حَقًا.
ثمَّ انْطَلَقت مَكَانهَا حَتَّى أَتَت غُلَاما لعتبة بن ربيعَة بن عبد شمس نَصْرَانِيّا من أهل نِينَوَى يُقَال لَهُ عداس فَقَالَت: يَا عداس، أذكرك بِاللَّه إِلَّا مَا أَخْبَرتنِي هَل عنْدك علم من جِبْرِيل؟ فَقَالَ عداس: قدوس قدوس مَا شَأْن جِبْرِيل يذكر بِهَذِهِ الأَرْض الَّتِي أَهلهَا أهل الْأَوْثَان؟ فَقَالَت: أَخْبرنِي بعلمك فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّهُ أَمِين الله بَينه وَبَين النَّبِيين وَهُوَ صَاحب مُوسَى وَعِيسَى ﵉.
فَرَجَعت خَدِيجَة من عِنْده فَجَاءَت ورقة بن نَوْفَل وَكَانَ ورقة قد كره عبَادَة الْأَوْثَان هُوَ وَزيد بن عَمْرو بن نفَيْل، وَكَانَ زيد قد حرم كل شَيْء
следующие страницы →