← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7808

شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى

أبو شامة المقدسي

Полный текст (192 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لأرجو أَن تكون نَبِي هَذِه الْأمة، ثمَّ قَامَت فَجمعت عَلَيْهَا ثِيَابهَا، ثمَّ انْطَلَقت إِلَى ورقة بن نَوْفَل بن أَسد وَهُوَ ابْن عَمها، وَكَانَ ورقة قد تنصر، وَقَرَأَ الْكتب، وَسمع من أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، فَأَخْبَرته بِمَا أخْبرهَا رَسُول الله ﷺ أَنه رأى وَسمع، فَقَالَ ورقة: قدوس قدوس وَالَّذِي نفس ورقة بِيَدِهِ لَئِن كنت صدقتيني يَا خَدِيجَة لقد جَاءَهُ الناموس الْأَكْبَر الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، وَإنَّهُ لنَبِيّ لهَذِهِ الْأمة، فَقولِي لَهُ فليثبت، فَرَجَعت خَدِيجَة إِلَى رَسُول الله ﷺ فاخبرته بِمَا قَالَ ورقة، فسهل ذَلِك عَنهُ بعض مَا كَانَ فِيهِ من الْهم بِمَا جَاءَهُ، فَلَمَّا قضى رَسُول الله ﷺ جواره وَانْصَرف صنع كَمَا كَانَ يصنع، بَدَأَ بِالْكَعْبَةِ فَطَافَ بهَا، فَلَقِيَهُ ورقة بن نَوْفَل وَهُوَ يطوف بِالْكَعْبَةِ فَقَالَ لَهُ: يَا بن أخي، أَخْبرنِي بِمَا رَأَيْت وَسمعت، فَأخْبرهُ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ لَهُ ورقة: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ أَنَّك لنَبِيّ هَذِه الْأمة، وَلَقَد جَاءَك الناموس الْأَكْبَر الَّذِي جَاءَ مُوسَى، ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، وَلَئِن أَنا أدْركْت ذَلِك لأنصرن الله نصرا يُعلمهُ، ثمَّ أدنى رَأسه مِنْهُ فَقيل يَافُوخه، ثمَّ انْصَرف رَسُول الله ﷺ إِلَى منزله وَقد زَاده ذَلِك من قَول ورقة ثباتا، وخفف عَنهُ بعض مَا كَانَ فِيهِ من الْهم. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وحَدثني إِسْمَاعِيل بن أبي حَكِيم مولى الزبير أَنه حدث عَن خَدِيجَة أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله ﷺ - فِيمَا تثبته بِهِ فِيمَا أكْرمه الله بِهِ من النُّبُوَّة - أَي ابْن عَم، أتستطيع أَن تُخبرنِي بصاحبك هَذَا الَّذِي يَأْتِيك

стр. 107

إِذا جَاءَك؟ قَالَ: نعم، قَالَت: فَإِذا جَاءَك فَأَخْبرنِي بِهِ، فَجَاءَهُ جِبْرِيل كَمَا كَانَ يَأْتِيهِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لِخَدِيجَة: يَا خَدِيجَة، هَذَا جِبْرِيل قد جَاءَنِي، فَقَالَت: قُم يَا بن عَم، فاجلس على فَخذي الْيُسْرَى فَفعل، قَالَت: هَل ترَاهُ؟ قَالَ: نعم، قَالَت: فتحول فَاقْعُدْ على فَخذي الْيُمْنَى فَفعل، فَقَالَت: هَل ترَاهُ؟ قَالَ: نعم، فحسرت فَأَلْقَت خمارها وَرَسُول الله ﷺ جَالس فِي حجرها، قَالَت: هَل ترَاهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَت: يَا بن عَم فَاثْبتْ وأبشر، فوَاللَّه إِنَّه لملك وَمَا هُوَ شَيْطَان. قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَحدثت عبد الله بن الْحسن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: قد سَمِعت فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن - يَعْنِي أمه - تحدث بِهَذَا الحَدِيث إِلَّا أَنِّي سَمعتهَا تَقول: أدخلت خَدِيجَة رَسُول الله ﷺ بَينهَا بَين درعيها فَذهب عِنْد ذَلِك جِبْرِيل ﵇ ". قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ: " وَهَذَا شَيْء كَانَت خَدِيجَة ﵂ تَصنعهُ تستثبت بِهِ الْأَمر احْتِيَاطًا لدينها وتصديقها، فَأَما النَّبِي ﷺ فقد كَانَ وثق بِمَا قَالَ لَهُ جِبْرِيل ﵇، وَأرَاهُ من الْآيَات الَّتِي ذَكرنَاهَا

стр. 108

مرّة بعد أُخْرَى، وَمَا كَانَ من تَسْلِيم الْحجر وَالشَّجر عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ من إِجَابَة الشّجر لدعائه، وَذَلِكَ بَعْدَمَا كذبه قومه وشكاهم إِلَى جِبْرِيل ﵇، فَأَرَادَ أَن يطيب قلبه ". قَوْلهَا: " وَكَانَ امرء تنصر فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يكْتب الْكتاب الْعَرَبِيّ، وَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية مَا شَاءَ الله أَن يكْتب، وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد عمى ": هَذِه صِفَات ورقة بن نَوْفَل، وَوَقع فِي رِوَايَة عقيل فِي " صَحِيح البُخَارِيّ " " وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني، وَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية "، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا فقد كَانَ يعرف الكتابيين الْعَرَبِيّ والعبراني، وَلَوْلَا ذَلِك لما قدر على أَن يكْتب الْإِنْجِيل بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ ورقة أحد الْجَمَاعَة الَّذين رَغِبُوا فِي الْجَاهِلِيَّة عَن عبَادَة الْأَوْثَان، وَسَأَلَ عَن الدّين الحنيف عُلَمَاء أهل الْأَدْيَان، وَكَانَ ينْتَظر خُرُوج رَسُول الله ﷺ ليتبعه لِأَنَّهُ سمع أرمه من أهل الْكتاب، ووقف على بعض صِفَاته عِنْدهم، وَكَانَت خَدِيجَة تخبره عَن أَحْوَال النَّبِي ﷺ من حِين أخْبرهَا غلامها ميسرَة الَّذِي وجهته مَعَ النَّبِي ﷺ تَاجِرًا إِلَى الشَّام، وَسمع مَا قالته فِيهِ الرهبان. قَالَ مُوسَى بن عقبَة: " ثمَّ إِن الله تَعَالَى بعث مُحَمَّدًا ﷺ على رَأس خمس عشر سنة من بُنيان الْكَعْبَة ".

стр. 109

قَالَ ابْن شهَاب: " وحَدثني عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة ". قَالَ ابْن شهَاب: " وحَدثني مثل ذَلِك سعيد بن الْمسيب وَكَانَ فِيمَا بلغنَا أول مَا رأى أَن الله أرَاهُ رُؤْيا فِي الْمَنَام فشق ذَلِك عَلَيْهِ، فَذكرهَا رَسُول الله ﷺ لامْرَأَته خَدِيجَة، فعصمها الله من التَّكْذِيب وَشرح صدرها بالتصديق، فَقَالَت: أبشر فَإِن الله لن يصنع بك إِلَّا خيرا، ثمَّ إِنَّه خرج من عِنْدهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَأَخْبرهَا أَنه رأى بَطْنه شقّ ثمَّ طهر وَغسل ثمَّ أُعِيد كَمَا كَانَ، قَالَت: وَالله هَذَا خير فأبشر، ثمَّ استعلن لَهُ جِبْرِيل ﵇ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّة فأجلسه على مجْلِس كريم معجب كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول: أجلسني على بِسَاط كَهَيئَةِ الدرنوك فِيهِ الْيَاقُوت واللؤلؤ، فبشره برساله الله حَتَّى اطْمَأَن النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: اقْرَأ، فَقَالَ: كَيفَ اقْرَأ؟ قَالَ: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق - إِلَى - مَا لم يعلم﴾ ، قَالَ: وَيَزْعُم نَاس أَن ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ أول سُورَة نزلت عَلَيْهِ. قَالَ ابْن شهَاب: " وَكَانَت خَدِيجَة أول من آمن بِاللَّه وَصدق رَسُول الله ﷺ قبل أَن تفرض الصَّلَاة، قَالَ: فَقيل الرَّسُول رِسَالَة ربه عز وَجل

стр. 110

وَاتبع الَّذِي جَاءَهُ بِهِ جِبْرِيل ﵇ من عِنْد الله، فَلَمَّا انْصَرف منقلبا إِلَى بَيته جعل لَا يمر على شَجَرَة وَلَا حجر إِلَّا سلم عَلَيْهِ، فَرجع مَسْرُورا إِلَى أَهله موقنا قد رأى أمرأ عَظِيما، فَلَمَّا دخل على خَدِيجَة قَالَ: أرأيتك الَّذِي كنت أحَدثك أَنِّي رَأَيْته فِي الْمَنَام فَإِنَّهُ جِبْرِيل ﵇ استعلن لي أرْسلهُ إِلَى رَبِّي، فَأَخْبرهَا بِالَّذِي جَاءَهُ من الله وَمَا سمع مِنْهُ، فَقَالَت: أبشر فوَاللَّه لَا يفعل الله بك إِلَّا خيرا، فَأقبل الَّذِي جَاءَك من الله فَإِنَّهُ حق، وأبشر فَإنَّك رَسُول الله حَقًا. ثمَّ انْطَلَقت مَكَانهَا حَتَّى أَتَت غُلَاما لعتبة بن ربيعَة بن عبد شمس نَصْرَانِيّا من أهل نِينَوَى يُقَال لَهُ عداس فَقَالَت: يَا عداس، أذكرك بِاللَّه إِلَّا مَا أَخْبَرتنِي هَل عنْدك علم من جِبْرِيل؟ فَقَالَ عداس: قدوس قدوس مَا شَأْن جِبْرِيل يذكر بِهَذِهِ الأَرْض الَّتِي أَهلهَا أهل الْأَوْثَان؟ فَقَالَت: أَخْبرنِي بعلمك فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّهُ أَمِين الله بَينه وَبَين النَّبِيين وَهُوَ صَاحب مُوسَى وَعِيسَى ﵉. فَرَجَعت خَدِيجَة من عِنْده فَجَاءَت ورقة بن نَوْفَل وَكَانَ ورقة قد كره عبَادَة الْأَوْثَان هُوَ وَزيد بن عَمْرو بن نفَيْل، وَكَانَ زيد قد حرم كل شَيْء

стр. 111

حرمه الله من الدَّم والذبيحة على النصب وَمن أَبْوَاب الظُّلم فِي الْجَاهِلِيَّة، فَعمد هُوَ وورقة بن نَوْفَل يلتمسان الْعلم حَتَّى وَقعا بِالشَّام، فعرضت الْيَهُود عَلَيْهِمَا دينهم فكرهاه وسألا رُهْبَان النصرانيىة، فَأَما ورقة فَتَنَصَّرَ، وَأما زيد فكره النَّصْرَانِيَّة فَقَالَ لَهُ قَائِل من الرهبان: أَنَّك تلتمس دينا لَيْسَ يُوجد الْيَوْم فِي الأَرْض، فَقَالَ لَهُ زيد: أَي دين ذَلِك؟ قَالَ الْقَائِل: دين الْقيم دين إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن، قَالَ: وَمَا كَانَ دينه؟ قَالَ: كَانَ حَنِيفا مُسلما، فَلَمَّا وصف لَهُ دين إِبْرَاهِيم قَالَ زيد: أَنا على دين إِبْرَاهِيم، وَأَنا ساجد نَحْو الْكَعْبَة الَّتِي بنى إِبْرَاهِيم، فَسجدَ نَحْو الْكَعْبَة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ زيد لما تبين الْهدى: (أسلمت وَجْهي لمن أسلمت ... لَهُ المزن تحمل عذبا زلالا) ثمَّ توفّي زيد وَبَقِي ورقة بعده كَمَا يَزْعمُونَ سِنِين، فَلَمَّا وصفت خَدِيجَة لورقة حِين جَاءَتْهُ شَأْن مُحَمَّد ﷺ وَذكرت لَهُ جِبْرِيل ﵇ وَمَا جَاءَ بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ من عِنْد الله قَالَ لَهَا ورقة: يَا ابْنة أخي، مَا أَدْرِي لَعَلَّ صَاحبك النَّبِي الَّذِي تنْتَظر أهل الْكتاب الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَأقسم بِاللَّه لَئِن كَانَ إِيَّاه ثمَّ أظهر دعاءه وَأَنا حَيّ لأبلين الله فِي طَاعَة رَسُوله وَحسن مؤازرته الصَّبْر والنصر، فَمَاتَ ورقة ".

стр. 112

قَالَ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ: " وَالَّذِي ذكر فِيهِ من شقّ بَطْنه يحْتَمل أَن يكون حِكَايَة مِنْهُ لما صنع بِهِ فِي صباه، وَيحْتَمل أَن يكون شقّ مرّة أُخْرَى، ثمَّ مرّة ثَالِثَة حِين عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء وَالله أعلم. قلت: هَذِه الْمرة الثَّانِيَة إِنَّمَا كَانَت عَن مَنَام وَوَقع تَفْسِيرهَا عِنْد عروجه إِلَى السَّمَاء وَالله أعلم. وَالْقَاضِي عِيَاض يرى أَنه إِنَّمَا فعل بِهِ ذَلِك مرّة وَاحِدَة فِي عمره، وَقد بَينا ذَلِك فِي " شرح ذَات الْأُصُول ". قَوْلهَا: " فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة: أَي عَم، اسْمَع من ابْن أَخِيك ": وَفِي رِوَايَة: " أَي ابْن عَم " وَهُوَ الأَصْل لِأَنَّهُ ابْن عَمها حَقِيقَة. وَوجه الرِّوَايَة الأولى أَنَّهَا خاطبته بذلك على وَجه التَّعْظِيم لَهُ لَا على وَجه النّسَب بَينهمَا تَنْزِيلا لَهُ منزلَة الْأَب كَمَا يخاطبه الْأَجْنَبِيّ الصَّغِير بذلك. وَمثله يَقع فِي بعض الْأَسَانِيد من رِوَايَة حَنْبَل بن إِسْحَاق بن حَنْبَل، عَن ابْن عَمه الإِمَام أبي عبد الله أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل فَيَقُول: ثَنَا عمي - يَعْنِي أَحْمد - وَإِنَّمَا هُوَ ابْن عَمه. وَأما تعبيرها عَن النَّبِي ﷺ بِأَنَّهُ ابْن أَخِيه فَهُوَ من بَاب التَّعْظِيم لَهُ أَيْضا والتوفيق فِي الْخطاب طلبا للإقبال عَلَيْهِ والإصغاء إِلَيْهِ، وَلَيْسَ من بَاب النّسَب فَإِن ورقة وَإِن كَانَ قرشيا فَلَيْسَ عَمَّا للنَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ أسدي وَالنَّبِيّ

стр. 113

- ﷺ هاشمي، وَإِنَّمَا يَلْتَقِيَانِ فِي نسب قُرَيْش عِنْد قصي بن كلاب بن مرّة فالنبي ﷺ من ذُرِّيَّة عبد منَاف بن قصي وورقة من ذُرِّيَّة عبد الْعُزَّى بن قصي. قَوْلهَا: " فَقَالَ ورقة: يَا بن أخي، مَاذَا ترى؟ فَأخْبرهُ رَسُول الله ﷺ خبر مَا رأى ": لقَوْله: "مَاذَا ترى؟ " تقديران: أَحدهمَا: مَا الَّذِي ترى. وَالثَّانِي: أَي شَيْء ترى. وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد. وَفِي كتاب " الدَّلَائِل " مُنْقَطِعًا عَن أبي ميسرَة عَمْرو بن شرحيبل أَن رَسُول الله قَالَ لِخَدِيجَة: " إِنِّي إِذا خلوت وحدي سَمِعت نِدَاء، وَقد خشيت وَالله أَن يكون لهَذَا أَمر، قَالَت: معَاذ الله، مَا كَانَ الله ليفعل ذَلِك بك، فوَاللَّه أَنَّك لتؤدي الْأَمَانَة، وَتصل الرَّحِم، وَتصدق الحَدِيث، فَلَمَّا دخل أَبُو بكر وَلَيْسَ رَسُول الله ﷺ ثمَّ ذكرت خَدِيجَة لَهُ، فَقَالَت: يَا عَتيق، اذْهَبْ مَعَ مُحَمَّد إِلَى ورقة، فَلَمَّا دخل رَسُول الله ﷺ أَخذ أَبُو بكر بِيَدِهِ فَقَالَ: انْطلق بِنَا إِلَى ورقة، فَقَالَ: وَمن أخْبرك؟ قَالَ: خَدِيجَة، فَانْطَلقَا إِلَيْهِ فقصا عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي إِذا خلوت وحدي سَمِعت نِدَاء خَلْفي: يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد، فَانْطَلق هَارِبا فِي الأَرْض، فَقَالَ لَهُ: لَا تفعل، إِذا أَتَاك فاثيت حَتَّى تسمع مَا يَقُول لَك، ثمَّ ائْتِنِي فَأَخْبرنِي، فَلَمَّا خلا ناداه: يَا مُحَمَّد، قل:

стр. 114

﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ حَتَّى بلغ: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ ، قل: لَا إِلَه إِلَّا الله، فَأتى ورقة فَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ لَهُ ورقة: أبشر ثمَّ أبشر، فَأَنا أشهد أَنَّك الَّذِي بشر بك ابْن مَرْيَم، وَأَنَّك على مثل ناموس مُوسَى، وَأَنَّك نَبِي مُرْسل، وَأَنَّك ستؤمر بِالْجِهَادِ بعد يَوْمك هَذَا، وَلَئِن أدركني ذَلِك لأجاهدن مَعَك، فَلَمَّا توفّي قَالَ رَسُول الله ﷺ : لقد رَأَيْت القس فِي الْجنَّة وَعَلِيهِ ثِيَاب الْحَرِير لِأَنَّهُ آمن بِي وصدقني - يَعْنِي ورقة - ". لفظ مَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي " كِتَابه "، وَأخرجه أَبُو نعيم بِمَعْنَاهُ وَقَالَ: " فأسرت ذَلِك إِلَى أبي بكر وَكَانَ نديما لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة ". قَالَ السُّهيْلي: " وَفِي رِوَايَة يُونُس عَن ابْن إِسْحَاق بِسَنَدِهِ إِلَى أبي ميسرَة فَذكر الحَدِيث بِاللَّفْظِ الأول ". (قَالَ) : " وَفِي رِوَايَة يُونُس أَيْضا - يَعْنِي عَن ابْن إِسْحَاق - أَنه ﵇ قَالَ لرجل يسب ورقة: أما علمت أَنِّي رَأَيْت لورقة جنَّة أَو

стр. 115

جنتين ". قَالَ: " وَهَذَا الحَدِيث الْأَخير قد أسْندهُ الْبَزَّار ". قَوْلهَا: " فَقَالَ لَهُ ورقة: هَذَا الناموس الَّذِي أنزل على مُوسَى ﷺ ": وَفِي رِوَايَة صَالح بن أبي الْأَخْضَر عَن الزُّهْرِيّ فَقَالَ: " هُوَ وَالله الناموس الَّذِي أنزل على مُوسَى ﷺ ". قَالَ الْهَرَوِيّ: " الناموس صَاحب سر الْملك يُقَال: نمس ينمس نمسا إِذا كتم السِّرّ، ونامسته منامسة إِذا ساررته، وَسمي جِبْرِيل ﵇ ناموسا لِأَن الله تَعَالَى خصّه بِالْوَحْي والغيب اللَّذين لَا يطلع عَلَيْهِمَا غَيره ". قَالَ الْجَوْهَرِي: " ناموس الرجل صَاحب سره الَّذِي يطلعه على بَاطِن أمره ويخصه بِمَا يستره عَن غَيره، وَأهل الْكتاب يسمون جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 116

الناموس والناموس قترة الصَّائِد لِأَنَّهُ يختفي فِيهَا، ونمست الرجل ونامسته إِذا ساررته قَالَ الْكُمَيْت: (فأبلغ يزِيد إِن عرضت ومنذرا ... وعميهما والمستسر المنامسا) قَالَ الْخطابِيّ: " قَوْله: هَذَا الناموس الَّذِي أنزل على مُوسَى، يُرِيد جِبْرِيل صلوَات الله عَلَيْهِمَا. وَأَخْبرنِي أَبُو عمر، وَأخْبرنَا أَبُو الْعَبَّاس، عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، عَن أَبِيه قَالَ: الناموس صَاحب سر الْخَيْر، والجاسوس صَاحب سر الشَّرّ. وَيُقَال: إِن أَصله مَأْخُوذ من قَوْلك: نامست الرجل إِذا ساررته فَقيل مِنْهُ: ناموس على بِنَاء فاعول. وَقيل: هُوَ مقلوب من ناسمته فَقدم الْمِيم على السِّين ". قَالَ السُّهيْلي: " وَإِنَّمَا ذكر ورقة مُوسَى وَلم يذكر عِيسَى - وَهُوَ أقرب - لِأَن ورقة كَانَ قد تنصر، وَالنَّصَارَى لَا يَقُولُونَ فِي عِيسَى: إِنَّه نَبِي يَأْتِيهِ جِبْرِيل إِنَّمَا يَقُولُونَ فِيهِ: إِن أقنوما من الأقانيم الثَّلَاثَة اللاهوتيه حل بناسوت الْمَسِيح، واتحد بِهِ على اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك الْحُلُول، وَهُوَ أقنوم الْكَلِمَة والكلمة عِنْدهم عبارَة عَن الْعلم، فَلذَلِك كَانَ الْمَسِيح فِي زعمهم

стр. 117

يعلم الْغَيْب ويخبر بِمَا فِي غَد، فَلَمَّا كَانَ هَذَا من مَذْهَب النَّصَارَى الكذبة على الله المدعين الْمحَال عدل عَن ذكر عِيسَى إِلَى ذكر مُوسَى ﵉، لعلمه أَو لاعْتِقَاده أَن جِبْرِيل كَانَ ينزل على مُوسَى، لَكِن ورقة قد ثَبت إيمَانه بِمُحَمد ﷺ ، وَقد قدمنَا حَدِيث التِّرْمِذِيّ أَن رَسُول الله ﷺ رَآهُ فِي الْمَنَام وَعَلِيهِ ثِيَاب بيض إِلَى آخر الحَدِيث ". قلت: قد سبق فِي حَدِيث عداس - وَكَانَ أَيْضا نَصْرَانِيّا - أَنه وصف جِبْرِيل لِخَدِيجَة فَقَالَ: أَنه أَمِين الله بَينه وَبَين النَّبِيين، وَهُوَ صَاحب مُوسَى وَعِيسَى ﵉. وَفِي كتاب " الدَّلَائِل " لأبي نعيم عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن يحيى بن عُرْوَة، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ ورقة - لما ذكرت لَهُ خَدِيجَة أَنه ذكر لَهَا جِبْرِيل -: سبوح سبوح، وَمَا لجبريل يذكر فِي هَذِه الأَرْض الَّتِي تعبد فِيهَا الْأَوْثَان، جِبْرِيل أَمِين الله بَينه وَبَين رسله، اذهبي بِهِ إِلَى الْمَكَان الَّذِي رأى فِيهِ مَا رأى فَإِذا أَتَاهُ فتحسري، فَإِن يكن من عِنْد الله لَا يرَاهُ، فَفعلت فَلَمَّا تحسرت تغيب جِبْرِيل فَلم يره، فَرَجَعت وأخبرت ورقة، فَقَالَ: إِنَّه ليَأْتِيه الناموس الْأَكْبَر الَّذِي لَا يُعلمهُ بَنو إِسْرَائِيل أَبْنَاءَهُم إِلَّا بِالثّمن، ثمَّ أَقَامَ ورقة ينْتَظر إِظْهَار الدعْوَة. وَرَوَاهُ عَليّ بن مسْهر عَن هِشَام وَقَالَ: لَئِن كنت صدقتني إِنَّه ليَأْتِيه الناموس الْأَكْبَر ناموس عِيسَى الَّذِي لَا يُعلمهُ بَنو إِسْرَائِيل أَبْنَاءَهُم، وَلَئِن نطق وَأَنا حَيّ لأبلين الله فِيهِ بلَاء حسنا.

стр. 118

قَوْله: " يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا ": قَالَ الْهَرَوِيّ: " يَعْنِي فِي نبوة مُحَمَّد ﷺ يَقُول: يَا لَيْتَني كنت شَابًّا فِيهَا يَعْنِي حِين تظهر نبوته حَتَّى أبالغ فِي نصرته، وَالْأَصْل فِي الْجذع سنو الدَّوَابّ وَهُوَ قبل أَن يثني بِسنة، والدهر جذع أبدا أَي شَاب لَا يهرم ". وَقَالَ الْخطابِيّ: " مَعْنَاهُ لَيْتَني بقيت حَيا إِلَى وَقت مخرجك، وَأَيَّام دعوتك، وَكنت فِيهَا شَابًّا بِمَنْزِلَة الْجذع من الْحَيَوَان كَقَوْل دُرَيْد: (يَا لَيْتَني فِيهَا جذع ... أحب فِيهَا وأضع) قَالَ: " وَقَوله: " فِيهَا " على التَّأْنِيث أضمر إِمَّا الدعْوَة وَإِمَّا النُّبُوَّة أَو الدولة، وَنصب " جذعا " على معنى: لَيْتَني كنت جذعا فأضمر " كنت " لِأَن " لَيْت " قد شغل بالمكنى فَلم يبْق لَهُ فعلا فِيمَا بعده ". قَالَ الْمَازرِيّ: " الظَّاهِر أَن يكون " جذعا " مَنْصُوبًا على أَنه خبر " كَانَ " المحذوفة، فالتقدير: لَيْتَني أكون فِيهَا جذعا. قَالَ: وَهَذَا على طَريقَة الْكُوفِيّين، وَمثل مَا يضمر فِيهِ " كَانَ "

стр. 119

عِنْدهم قَول الله تَعَالَى: ﴿انْتَهوا خيرا لكم﴾ ، تَقْدِيره عِنْد الْكسَائي: يكن الِانْتِهَاء خيرا لكم ". قَالَ القَاضِي عِيَاض: " كَذَا وَقع هَذَا الْحَرْف فِي أَكثر الرِّوَايَات فِي الْأُم وَفِي " كتاب البُخَارِيّ ": " جذعا " بِالنّصب، وَوَقع هُنَا عندنَا لِابْنِ ماهان: " جذع " على خبر " لَيْت " وَكَذَلِكَ هُوَ فِي البُخَارِيّ عِنْد الْأصيلِيّ. وَوجه النصب عِنْدِي فِيهِ وأظهره كَونه على الْحَال، وَخبر " لَيْت " مُضْمر فِي " فِيهَا " تَقْدِيره: لَيْتَني فِي أَيَّام نبوتك حَيّ، أَو لأيامها مدرك، فِي حَال شبيبة وَصِحَّة وَقُوَّة لنصرتك، إِذْ كَانَ قد أسن وَعمي عِنْد قَوْله هَذَا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث ". قلت: الْوَجْهَانِ جيدان وَذَلِكَ قريب من قَول الشَّاعِر الَّذِي تكلم النُّحَاة عَلَيْهِ: (يَا لَيْت أَيَّام الصِّبَا رواجعا ... ) وَقَالُوا: التَّقْدِير: أَقبلت رواجعا، فَيكون نصبا على الْحَال. وَقَالَ الْكسَائي: " كَانَت رواجعا، هُوَ خبر كَانَ ".

стр. 120

وَأَجَازَ الْفراء: لَيْت زيدا قَائِما، بِنصب خبر " لَيْت "، ويجريه مجْرى: أَتَمَنَّى زيدا قَائِما. وَقد قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: إِن الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْفراء لُغَة عكل ينصبون خبر " لَيْت " وَأنْشد على ذَلِك قَول النمر: (أَلا لَيْتَني حجرا بواد ... أَصمّ وليت أُمِّي لم تلدني) فَإِن قُلْنَا: إِن " جذعا " نصب على الْحَال كَانَ قَوْله " فِيهَا " خبر " لَيْت "، أَي لَيْتَني كَائِن أَو مَوْجُود فِي أَيَّام نبوتك كَقَوْل كَعْب بن لؤَي ابْن غَالب: (يَا لَيْتَني شَاهد فحواء دَعوته ... حِين الْعَشِيرَة تبغي الْحق خذلانا) ويروي: فحوى نبوته. قَوْله: " يَا لَيْتَني أكون حَيا حِين يخْرجك قَوْمك ": حَيا: خبر " أكون " وَهَذَا يُقَوي نصب " جذعا " الْمُتَقَدّم على إِضْمَار " أكون " ودلنا هَذَا الظَّاهِر على ذَلِك الْمُقدر لِأَن كلتا الجملتين تمن، تمنى الْحَيَاة عِنْد إِخْرَاج قومه لَهُ حبا لنصره ورغبة فِي جِهَاد أعدائه، وَتمنى الْقُوَّة والشباب فِي زمن النُّبُوَّة ليظْهر غناؤه، وتتضاعف مؤازرته واعتناؤه. قَوْلهَا: " فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أَو مخرجي هم؟ ": وَفِي رِوَايَة صَالح عَن الزُّهْرِيّ: " أَو مخرجي قومِي؟ ".

стр. 121

قَالَ السُّهيْلي: " وَفِي حَدِيث ورقة أَنه قَالَ لرَسُول الله ﷺ لتكذبنه، فَلم يقل لَهُ النَّبِي ﷺ شَيْئا، ثمَّ قَالَ: ولتؤذينه، فَلم يقل النَّبِي ﷺ شَيْئا، ثمَّ قَالَ: ولتخرجنه، فَقَالَ: أَو مخرجي هم؟ فَفِي هَذَا دَلِيل على حب الوطن وَشدَّة مُفَارقَته على النَّفس، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ حرم الله وَجوَار بَيته وبلد أَبِيه إِسْمَاعِيل، فَلذَلِك تحركت نَفسه عِنْد ذكر الْخُرُوج مِنْهُ مَا لم يَتَحَرَّك قبل ذَلِك فَقَالَ: أَو مخرجي هم؟ والموضع الدَّال على تحرّك النَّفس وتحرقها إِدْخَال الْوَاو بعد ألف الِاسْتِفْهَام مَعَ اخْتِصَاص الْإِخْرَاج بالسؤال عَنهُ، وَذَلِكَ أَن الْوَاو ترد إِلَى الْكَلَام الْمُتَقَدّم، وتشعر الْمُخَاطب بِأَن الِاسْتِفْهَام على جِهَة الْإِنْكَار أَو التفجع لكَلَامه والتألم مِنْهُ، وَالْهَاء فِي قَوْله: " لتكذبنه " وَمَا بعْدهَا لَا ينْطق بهَا إِلَّا سَاكِنة لِأَنَّهَا هَاء السكت وَلَيْسَت بهاء إِضْمَار. وَلَا بُد من تَشْدِيد الْيَاء من " مخرجي " لِأَنَّهُ جمع وَالْأَصْل: " مخرجوي " فأدغمت الْوَاو فِي الْيَاء لاجتماعهما وَسبق إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ وَهُوَ قِيَاس مطرد وَهُوَ خبر ابْتِدَاء مقدم، وَلَو كَانَ الْمُبْتَدَأ اسْما ظَاهرا لجَاز تَخْفيف الْيَاء وَيكون الِاسْم الظَّاهِر فَاعِلا لَا مُبْتَدأ، كَمَا تَقول: أضارب قَوْمك، أخارج إخْوَتك، فتفرد لِأَنَّك رفعت بِهِ فَاعِلا ".

стр. 122

(قلت: فعلى هَذَا يجوز تَخْفيف الْيَاء على رِوَايَة صَالح عَن الزُّهْرِيّ: " أَو مخرجي قومِي ". ثمَّ قَالَ) : " وَهُوَ حسن فِي مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ والأخفش، وَلَوْلَا الِاسْتِفْهَام، لما جَازَ الْإِفْرَاد إِلَّا على مَذْهَب الْأَخْفَش فَإِنَّهُ يَقُول: قَائِم الزيدون دون اسْتِفْهَام، فَإِن كَانَ الِاسْم الْمُبْتَدَأ من الْمُضْمرَات نَحْو: أخارج أَنْت؟ وأقائم هُوَ؟ لم يَصح فِيهِ إِلَّا الِابْتِدَاء لِأَن الْفَاعِل إِذا كَانَ مضمرا لم يكن مُنْفَصِلا، لَا تَقول: قَامَ أَنا، وَلَا ذهب أَنْت، فَكَذَلِك لَا تَقول: أذاهب أَنْت؟ على حد الْفَاعِل وَلَكِن على حد الْمُبْتَدَأ، وَإِذا كَانَ على حد الْمُبْتَدَأ فَلَا بُد من جمع الْخَبَر، فعلى هَذَا يَقُول: أَو مخرجي هم؟ بِالتَّشْدِيدِ تُرِيدُ: أمخرجون، ثمَّ أضفت إِلَى الْيَاء وحذفت النُّون للإضافة ثمَّ أدغمت الْوَاو كَمَا يَقْتَضِي الْقيَاس ". (قَالَ) : " وَهَذَا فصل بديع فِي النَّحْو قل من تنبه إِلَيْهِ وَشَرحه بِهَذَا الْبَيَان ".

стр. 123

قَوْلهَا: " قَالَ ورقة: نعم، لم يَأْتِ رجل قطّ بِمَا جِئْت بِهِ إِلَّا عودي: " وَفِي رِوَايَة: " أَو ذِي مَكَان " عودي "، وَفِي رِوَايَة صَالح بن أبي الْأَخْضَر وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ الْجمع بَينهمَا قَالَ: " إِلَّا عودي وأوذي، فليتني فِيهَا جذعا ". وَفِي حَدِيث عبد الله بن شَدَّاد قَالَ: " فَقَالَ ورقة لِخَدِيجَة: هَل رأى زَوجك صَاحبه فِي خضر؟ فَقَالَت: نعم، فَقَالَ: إِن زَوجك نَبِي، وسيصيبه فِي أمته بلَاء " رَوَاهُمَا أَبُو نعيم فِي " دلائله ". قلت: وَهَذِه سنة الله تَعَالَى فِي الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ مَعَ قَومهمْ غير الموفقين للْإيمَان مِنْهُم فَإِنَّهُم يظهرون لَهُم الْعَدَاوَة والأذى على الْجُمْلَة، ويشتد عَلَيْهِم الْفِطَام عَمَّا كَانَ آباؤهم عَلَيْهِ، فيبالغون فِي أَذَى نَبِيّهم وَالَّذين آمنُوا بِهِ، فيضطرونهم إِلَى الْخُرُوج عَنْهُم كَمَا جرى لنبينا وَأَصْحَابه، وَلَعَلَّ ورقة سمع ذَلِك من أهل الْكتاب الَّذين عرف مِنْهُم صفة النَّبِي مُحَمَّد ﷺ وَوقت مبعثه. وَلَفظ " قطّ " فِي تَأْكِيد نفي الْفِعْل الْمَاضِي كَلَفْظِ " أبدا " فِي نفي الْفِعْل الْمُسْتَقْبل، والطاء مَضْمُومَة مُشَدّدَة ومخففة. قَوْله: " وَإِن يدركني يَوْمك أنصرك نصرا مؤزرا: " وَوَقع فِي رِوَايَة صَالح عَن الزُّهْرِيّ: " فليتني حَيا يَوْم يخْرجك قَوْمك فأنصرك نصرا مؤزرا "، وَوَقع فِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر: " وَلَئِن أَنا أدْركْت ذَلِك ". قَالَ السُّهيْلي: " إِن يدركني يَوْمك " هُوَ الْقيَاس لِأَن ورقة سَابق

стр. 124

بالوجود وَالسَّابِق هُوَ الَّذِي يدْرك من يَأْتِي بعده كَمَا جَاءَ: " أَشْقَى النَّاس من أَدْرَكته السَّاعَة وَهُوَ حَيّ ". قَالَ: " وَرِوَايَة ابْن إِسْحَاق أَيْضا لَهَا وَجه لِأَن الْمَعْنى: إِن أر ذَلِك الْيَوْم، فَسُمي رُؤْيَته إدراكا، وَفِي التَّنْزِيل: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ أَي لَا ترَاهُ على أحد الْقَوْلَيْنِ. وَقَوله: " مؤزرا " من الأزر وَهُوَ الْقُوَّة والعون ". وَقَالَ الْخطابِيّ: " مؤزرا أَي بليغا مقوى ".

стр. 125

وَقَالَ الْهَرَوِيّ: " مؤزرا أَي بَالغا، يُقَال: آزرته ووازرته أَي عاودته، وَكَذَلِكَ آسى وواسى ". وَقَالَ الْجَوْهَرِي: " الْعَامَّة تَقول: وازرته ". قَالَ ابْن سَيّده: " هِيَ على الْبَدَل ". قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: " الأزر الْقُوَّة أَو الضعْف فَهُوَ من الأضداد، والأزر: الظّهْر فَقَوله تَعَالَى: ﴿اشْدُد بِهِ أزري﴾ يحْتَمل الْمعَانِي الثَّلَاثَة ". وَقَالَ أَبُو عبد الله الْقَزاز: " هَكَذَا نقل هَذَا الْحَرْف " مؤزرا " وَهُوَ من: وازرته موازرة إِذا عاونته فِي أمره، وَأَنت موازر لَهُ فِيهِ أَي معاون ". قَالَ: " وأحسب أَن الْألف سَقَطت من أَمَام الْوَاو أَي كَانَ: " مؤازرا " إِذْ لَا أصل ل " مؤزر " فِي كَلَام الْعَرَب غير مَا ذكرنَا، وَمن المؤازرة أَخذ اسْم وَزِير الْملك لِأَنَّهُ معاون لَهُ فِي أُمُوره ". قَالَ القَاضِي عِيَاض: " وَقد ظهر لي أَنه صَحِيح على مَا جَاءَت بِهِ الرِّوَايَة وَأَنه أولى وأليق بِالْمَعْنَى، وَالْمرَاد: نصرا قَوِيا، مَأْخُوذ من الأزر وَهُوَ الْقُوَّة وَمِنْه: تأزر النبت إِذا اشْتَدَّ وَطَالَ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿اشْدُد بِهِ أزري﴾ قيل: وقوتي وَقيل: ظَهْري، وَلَو كَانَ على مَا ذهب إِلَيْهِ هَذَا

стр. 126

الْقَائِل لَكَانَ صَوَاب الْكَلَام " مؤازرا " بِكَسْر الزَّاي، وَبعد أَن ظهر لي هَذَا وجدت مَعْنَاهُ مُعَلّقا عَن بعض الْمَشَايِخ وَوَجَدته للخطابي وَهُوَ صَحِيح " , قلت: لَيْسَ فِيمَا قَالَه القَاضِي مَا يُجَاب بِهِ عَن اعْتِرَاض الْقَزاز و (لَا) مَا يصحح بِهِ لفظ " مؤزر " من جِهَة الِاشْتِقَاق على قِيَاس الْعَرَبيَّة إِلَّا قَوْله: تأزر النبت إِذا التف وَاشْتَدَّ. أنْشد الْجَوْهَرِي: (تأزر فِيهِ النبت حَتَّى تخايلت ... رباه وَحَتَّى مَا ترى الشَّاء نوما) فوزن " تأزر " تفعل، وَتفعل هُوَ مُطَاوع فعل كتكسر وتعرف، وَفعل وأفعل يتفقان فِي التَّعْدِيَة كثيرا كأنزل وَنزل، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فآزره﴾ ، فَهَذَا أفعل، فَلَا بعد فِي جَوَاز فعل وَقد دلّ عَلَيْهِ مطاوعه، فَقَوله: " مؤزرا " اسْم مفعول من ذَلِك مثل مشرف ومفضل، وَلَيْسَ لنا من غير ذَلِك أزره فَهُوَ مؤزر إِلَّا فِي لبس الْإِزَار يُقَال: أزرته تأزيرا فتأزر هُوَ واتزر. فَأَقُول: يجوز أَن يكون مأخوذا من هَذَا لِأَن لبس الْإِزَار يكنى بِهِ عَن الْجد والتشمير فِي الْأَمر وَالْقِيَام بِهِ على الْوَجْه المرضي، وَأَصله أَن يتْرك

стр. 127

مضاجعة أَهله كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: " كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا دخل الْعشْر الْأَوَاخِر شدّ المئزر وَأَيْقَظَ أَهله ". وَقَالَ الشَّاعِر: (قوم إِذا حَاربُوا شدوا مآزرهم ... ) فَمَعْنَاه: أنصرك نصرا قد اعتني بِهِ واجتهد فِيهِ وشمر لَهُ، فهوة على أكمل وُجُوه النَّصْر وَالله أعلم. وَفِي حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة: " أَن ورقة قَالَ لِخَدِيجَة: يَا بنت أخي، مَا أَدْرِي لَعَلَّ صَاحبك الَّذِي ينْتَظر أهل الْكتاب الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا فِي الْإِنْجِيل، فأقسم بِاللَّه لَئِن كَانَ إِيَّاه ثمَّ دَعَا إِلَى الله وَأَنا حَيّ لأبلين الله فِي طَاعَة رَسُوله وَحسن المؤازرة والنصرة لَهُ ". أخرجه أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي " دلائله ". وَقد تقدم نَحوه أَيْضا فِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة، فَهَذَا يُقَوي مَا صَار إِلَيْهِ الْقَزاز وَالله أعلم. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَقد كَانَت خَدِيجَة ذكرت لورقة مَا ذكر لَهَا غلامها ميسرَة من قَول الراهب وَمَا كَانَ رأى مِنْهُ إِذْ كَانَ الْملكَانِ يظلانه، فَقَالَ ورقة: لَئِن كَانَ هَذَا حَقًا يَا خَدِيجَة إِن مُحَمَّدًا لنَبِيّ هَذِه الْأمة، قد

стр. 128

عرفت أَنه كَائِن لهَذِهِ الْأمة نَبِي ينْتَظر هَذَا زَمَانه، فَجعل ورقة يستبطئ الْأَمر وَيَقُول: حَتَّى مَتى، فَكَانَ فِيمَا يذكرُونَ يَقُول أشعارا يستبطئ فِيهَا خير خَدِيجَة فَقَالَ: (أتبكر أم أَنْت العشية رائح ... وَفِي الصَّدْر من إضمارك الْحزن فادح) (لفرقة قوم لَا تحب فراقهم ... كَأَنَّك عَنْهُم بعد يَوْمَيْنِ نازح) (وأخبار صدق خبرت عَن مُحَمَّد ... يخبرها عَنهُ إِذا غَابَ نَاصح) (فَقَالَ الَّذِي وجهت يَا خير حرَّة ... بغور وبالنجدين حَيْثُ الصحاصح) (إِلَى سوق بصرى فِي الركاب الَّتِي غَدَتْ ... وَهن من الْأَحْمَال قعس دوالح) (فخبرنا عَن كل خير بِعِلْمِهِ ... وللخير أَبْوَاب لَهُنَّ مفاتح) (بِأَن ابْن عبد الله أَحْمد مُرْسل ... إِلَى كل من ضمت عَلَيْهِ الأباطح) (وظني بِهِ أَن سَوف يبْعَث صَادِقا ... كَمَا أرسل العبدان هود وَصَالح)

стр. 129

(ومُوسَى وَإِبْرَاهِيم حَتَّى يرى لَهُ ... بهاء ومنشور من الذّكر وَاضح) (ويتبعه حَيا لؤَي جمَاعَة ... شبابهم والأشيبون الجحاجح) (فَإِن أبق حَتَّى يدْرك النَّاس دهره ... فَإِنِّي بِهِ مُسْتَبْشِرٍ الود فارح) (وَإِلَّا فَإِنِّي يَا خَدِيجَة فاعلمي ... عَن أَرْضك فِي الأَرْض العريضة سائح) (فمتبع دين الَّذِي أسس الْهَدْي ... وكل لَهُ فضل على النَّاس رَاجِح) (وَأسسَ بنيانا بِمَكَّة ثَابتا ... تلألأ فِيهِ بالظلام المصابح) (منيفا على تشييد كل مشيد ... على بَابه ذِي العروتين الصفائح) (مثابا لأفناء الْقَبَائِل كلهَا ... تخب إِلَيْهِ اليعملات الطلائح) (حراجيج حدب قد كللن من السرى ... تعلق فِي أرساغهن السرائح)

стр. 130

وَقَالَ ورقة أَيْضا: (إِن يَك حَقًا يَا خَدِيجَة فاعلمي ... حَدِيثك إيانا فَأَحْمَد مُرْسل) (وَجِبْرِيل يَأْتِيهِ وميكال مَعَهُمَا ... من الله وَحي يشْرَح الصَّدْر منزل) (يفوز بِهِ من فَازَ فِيهَا بتوبة ... ويشقى بِهِ العاتي الغوي المضلل) (فريقان مِنْهُم فرقة فِي جنانه ... وَأُخْرَى بأجوار الْجَحِيم تغلل) (إِذا مَا دعوا بِالْوَيْلِ فِيهَا تَتَابَعَت ... مَقَامِع فِي هاماتهم ثمَّ تشعل) (فسبحان من تهوى الرِّيَاح بأَمْره ... وَمن هُوَ فِي الْأَيَّام مَا شَاءَ يفعل) (وَمن عَرْشه فَوق السَّمَوَات كلهَا ... وَأَحْكَامه فِي خلقه لَا تبدل)

стр. 131

وَقَالَ ورقة أَيْضا: (يَا للرِّجَال لصرف الدَّهْر وَالْقدر ... وَمَا لشَيْء قَضَاهُ الله من غير) (حَتَّى خَدِيجَة تَدعُونِي لأخبرها ... وَمَا لنا بخفي الْغَيْب من خبر) (فَكَانَ مَا سَأَلت عَنهُ لأخبرها ... أمرأ أرَاهُ سَيَأْتِي النَّاس عَن أخر) (فخبرتني بِأَمْر قد سَمِعت بِهِ ... فِيمَا مضى من قديم النَّاس وَالْعصر) (بِأَن أَحْمد يَأْتِيهِ فيحبره ... جِبْرِيل أَنَّك مَبْعُوث إِلَى الْبشر) (فَقلت عل الَّذِي ترجين يُنجزهُ ... لَك الْإِلَه فَرجي الْخَيْر وانتظري) (وأرسليه إِلَيْنَا كي نسائله ... عَن أَمر مَا يرى فِي النّوم والسهر)

стр. 132

(فَقَالَ حِين أَتَانَا منطقا عجبا ... تقف مِنْهُ أعالي الْجلد وَالشعر) (إِنِّي رَأَيْت أَمِين الله واجهني ... فِي صُورَة أكملت من أعظم الصُّور) (ثمَّ اسْتمرّ فَكَانَ الْخَوْف يذعرني ... مِمَّا يسلم مَا حَولي من الشّجر) (فَقلت ظَنِّي وَمَا يدْرِي أيصدقني ... أَن سَوف تبْعَث تتلو منزل السُّور) (وسوف أبليك إِن أعلنت دعوتهم ... من الْجِهَاد بِلَا من وَلَا كدر) وَقَالَ ورقة أَيْضا: (لججت وَكنت فِي الذكرى لجوجا ... لَهُم طَال مَا بعث النشيجا) (وَوصف من خَدِيجَة بعد وصف ... فقد طَال انتظاري يَا خديجا) (بِبَطن المكتين على رَجَاء ... حَدِيثك لَو أرى مِنْهُ خُرُوجًا)

стр. 133

(بِمَا خبرتني عَن قَول قس ... من الرهبان يكره أَن يعوجا) (بِأَن مُحَمَّدًا سيسود يَوْمًا ... ويحطم من يكون لَهُ حجيجا) (وَيظْهر فِي الْبِلَاد ضِيَاء نور ... يُقيم بِهِ الْبَريَّة أَن تموجا) (فَيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا) (فيا لَيْتَني إِذا مَا كَانَ ذاكم ... شهِدت وَكنت أَوَّلهمْ ولوجا) (ولوجا فِي الَّذِي كرهت قُرَيْش ... وَإِن عجت بمكتها عجيجا) (أرجي بِالَّذِي كَرهُوا جَمِيعًا ... إِلَى ذِي الْعَرْش إِن سفلوا عروجا) (فَإِن يبقوا وتبق تكن أُمُور ... يضج الْكَافِرُونَ بهَا ضَجِيجًا) (وَإِن أهلك فَكل فَتى سيلقى ... من الأقدار متلفة خلوجا)

стр. 134

فصل انْتهى حَدِيث عَائِشَة على مَا ورد فِي " صَحِيح مُسلم ". وَفِي الحَدِيث دَلِيل على صِحَة الرُّؤْيَا وَأَنَّهَا إِذا كَانَت صَادِقَة وَقعت. وَفِيه دَلِيل على أَن الاعتزال وَالْخلْوَة والمجاورة أفرغ لقلب المتعبد. وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الدُّنْيَا لَا بُد فِيهَا من التَّرَدُّد فِي التزود. وَفِيه دَلِيل على أَن مَكَارِم الْأَخْلَاق وخصال الْخَيْر تَقِيّ مصَارِع السوء وَالله أعلم قَوْلهَا فِي " صَحِيح البُخَارِيّ ": " لم ينشب ورقة أَن توفّي ": قَالَ ابْن بطال: " أَي لم ينشب فِي شَيْء من الْأُمُور، وَكَأن هَذِه اللَّفْظَة عِنْد الْعَرَب عبارَة عَن السرعة والعجلة ". قَالَ ابْن الْقَزاز: " الْعَرَب تَقول: مَا نشب فلَان أَن يفعل كَذَا أَي مَا لبث أَن فعله، وَمَا نشبت أسأَل عَن خبرك أَي مَا زلت ". قَالَ الْحَرْبِيّ: " أَي لم يشْتَغل بِغَيْر مَا كَانَ فِيهِ وَلَا أعرض عَنهُ ". وَمثله: " ثمَّ لم ينشب أَن طَلقهَا " أَي لم يتَعَلَّق بِشَيْء حَتَّى طلق كَمَا ينشب بالشَّيْء بالشَّيْء.

стр. 135

وَحكى الْبَرْمَكِي فِي كِتَابه " الْمُنْتَهى ": " مَا نشب أَن فعل كَذَا أَي مَا لبث، وَمَا نشبت أَقُول ذَلِك ". قلت: فقولها: " أَن توفّي ط يكون بَدَلا من " ورقة " أَي لم تلبث وَفَاته أَي أَنَّهَا أسرعت وَلم تبطئ، أَو التَّقْدِير: فِي أَن توفّي، أَي لم يلبث فِي أَمر الْوَفَاة بل فاضت نَفسه فِي ذَلِك الأوان، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا لبث أَن جَاءَ بعجل حنيذ﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي " تَفْسِيره ": " فَمَا لبث فِي المجئ بِهِ بل عجل فِيهِ، أَو فَمَا لبث مَجِيئه ". قَوْله: " وفتر الْوَحْي فَتْرَة حَتَّى حزن النَّبِي ﷺ فِيمَا بلغنَا حزنا غَدا مِنْهُ مرَارًا كي يتردى من رُؤُوس شَوَاهِق الْجبَال ": هَذَا من كَلَام الزُّهْرِيّ أَو غَيره غير عَائِشَة وَالله أعلم لقَوْله: " فِيمَا بلغنَا "، (وَلم تقل عَائِشَة فِي شَيْء من هَذَا الحَدِيث ذَلِك وَأَن كَانَت لم

стр. 136

تدْرك وقته، وحديثها هَذَا من جملَة الْأَحَادِيث الَّتِي يعبر عَنْهَا بمراسيل الصَّحَابَة) . وفتر الْوَحْي: أَي انْكَسَرَ وَضعف وَقل وَانْقطع وَمَضَت على ذَلِك مُدَّة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿على فَتْرَة من الرُّسُل﴾ أَي على حِين فتور من إرْسَال الرُّسُل وَانْقِطَاع من الْوَحْي، وَيُقَال: طرف فاتر أَي منكسر، وَمَاء فاتر للَّذي قلت برودته أَو حرارته، وَلم يذكر فِي الحَدِيث مِقْدَار الفترة. قَالَ السُّهيْلي: " وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث المسندة أَنَّهَا كَانَت سنتَيْن وَنصف سنة ". قَالَ: " فَمن هَا هُنَا يتَّفق مَا قَالَه أنس بن مَالك أَن مكثه ﷺ بِمَكَّة كَانَ عشر سِنِين، وَقَول ابْن عَبَّاس: ثَلَاث عشرَة سنة، وَكَانَ قد ابتدئ بالرؤيا الصادقة سِتَّة أشهر، فَمن عد هَذِه الفترة وأضاف إِلَيْهَا الْأَشْهر السِّتَّة كَانَت كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس، وَمن عدهَا من حِين حمي الْوَحْي وتتابع كَمَا فِي حَدِيث جَابر كَانَت عشر سِنِين ". قَالَ: " وَوجه آخر فِي الْجمع بَين الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ أَن الشّعبِيّ قَالَ: وكل إسْرَافيل بنبوة مُحَمَّد ﷺ ثَلَاث سِنِين، ثمَّ جَاءَهُ جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ ".

стр. 137

قلت: وَهَذَا مُنْقَطع قَالَ حَنْبَل بن إِسْحَاق: ثَنَا أَبُو عبد الله، ثَنَا مُحَمَّد بن أبي عدي، عَن دَاوُد، عَن عَامر قَالَ: نزلت عَلَيْهِ النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة، فقرن بنبوته إسْرَافيل ثَلَاث سِنِين، فَكَانَ يُعلمهُ الْكَلِمَة وَالشَّيْء وَلم ينزل الْقُرْآن، فَلَمَّا مَضَت ثَلَاث سِنِين قرن بنبوته جِبْرِيل، فَنزل الْقُرْآن على لِسَانه عشْرين: عشرا بِمَكَّة وَعشرا بِالْمَدِينَةِ، فَمَاتَ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق فِي حَدِيثه: " ثمَّ فتر الْوَحْي عَن رَسُول الله ﷺ فَتْرَة حَتَّى شقّ عَلَيْهِ وأحزنه فَقَالَ فِي نَفسه - مِمَّا بلغ ذَلِك مِنْهُ -: لقد خشيت أَن يكون صَاحِبي قد قلاني فودعني، فَجَاءَهُ جِبْرِيل بِسُورَة " وَالضُّحَى " يقسم لَهُ ربه وَهُوَ الَّذِي أكره بِمَا أكْرمه ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ ". وشواهق الْجبَال: المرتفعات مِنْهَا وَاحِدهَا شَاهِق. ويتردى: أَي يَرْمِي نَفسه وَيسْقط. قَوْله: " فَكلما أوفى بِذرْوَةِ جبل لكَي يلقِي نَفسه مِنْهُ تبدا لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، أَنَّك رَسُول الله حَقًا ". أوفى: أَي أشرف. وذروة كل شي: أَعْلَاهُ، وَجَمعهَا ذرا.

стр. 138

وتبدا لَهُ: أَي ظهر. قَالَ السُّهيْلي: " وَاسم جِبْرِيل سرياني، وَمَعْنَاهُ عبد الرَّحْمَن أَو عبد الْعَزِيز، هَكَذَا جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا أَيْضا وَالْوَقْف أصح، وَأكْثر النَّاس على أَن آخر الِاسْم مِنْهُ هُوَ اسْم الله وَهُوَ: إيل ". قَالَ: " وَكَانَ شَيخنَا ﵀ يذهب مَذْهَب طَائِفَة من أهل الْعلم فِي أَن هَذِه الْأَسْمَاء إضافتها مَقْلُوبَة، وَكَذَلِكَ الْإِضَافَة فِي كَلَام المعجم يَقُولُونَ فِي غُلَام زيد: زيد غُلَام، فعلى هَذَا يكون " إيل " عبارَة عَن العَبْد، وَيكون أول الِاسْم عبارَة عَن اسْم من أَسمَاء الله، أَلا ترى كَيفَ قَالَ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: " جبرئيل " و " مكائيل " كَمَا تَقول: عبد الله وَعبد الرَّحْمَن، أَلا ترى أَن لفظ " عبد " يتَكَرَّر إِذا قلت: عبد الله وَعبد الْعَزِيز وَعبد الرَّحْمَن، كَمَا أَن " إيل " فِي هَذِه الْأَسْمَاء يتَكَرَّر بِلَفْظ وَاحِد والأسماء ألفاظها مُخْتَلفَة ". ثمَّ قَالَ: " وَاتفقَ فِي اسْم جِبْرِيل ﵇ أَنه مُوَافق من جِهَة الْعَرَبيَّة لمعناه وَإِن كَانَ أعجميا فَإِن الْجَبْر هُوَ إصْلَاح مَا وهى، وَجِبْرِيل مُوكل بِالْوَحْي، فِي الْوَحْي إصْلَاح مَا فسد وجبر مَا وهى من الدّين، وَلم يكن هَذَا الِاسْم مَعْرُوفا بِمَكَّة وَلَا بِأَرْض الْعَرَب، فَلَمَّا أخبر النَّبِي ﷺ خَدِيجَة

стр. 139

انْطَلَقت تسْأَل من عِنْده علم من الْكتاب كعداس ونسطور الراهب فَقَالَا: قدوس قدوس، أَنى لهَذَا الِاسْم أَن يذكر بِهَذِهِ الْبِلَاد ". وَسُئِلَ مَالك عَن التسمي بِجِبْرِيل؟ فكره ذَلِك وَلم يُعجبهُ. وَحقا: مصدر مُؤَكد لِمَعْنى الْجُمْلَة الْمُتَقَدّمَة أَي أَحَق ذَلِك حَقًا، أَو حق أَنْت إِنَّك رَسُول الله حَقًا. قَوْلهَا: " فيسكن لذَلِك جأشه، وتقر نَفسه، فَيرجع فَإِذا طَال عَلَيْهِ فَتْرَة الْوَحْي غَدا لمثل ذَلِك، فَإِذا أوفى بِذرْوَةِ جبل تبدا لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك ": لذَلِك: أَي لأجل قَول جِبْرِيل ذَلِك. " والجأش: جأش الْقلب وَهُوَ رواعه إِذا اضْطربَ عِنْد الْفَزع يُقَال: فلَان رابط الجأش أَي يرْبط نَفسه عِنْد الْفِرَار لشجاعته ". " والقرار فِي الْمَكَان: الِاسْتِقْرَار فِيهِ تَقول مِنْهُ: قررت بِالْمَكَانِ بِالْكَسْرِ أقرّ قرارا، وقررت أَيْضا بِالْفَتْح أقرّ قرارا وقرورا، وقررت بِهِ عينا وقررته عينا قُرَّة وقرورا فيهمَا، وَرجل قرير الْعين، وَقد قرت عينه تقر وتقر نقيض سخنت، وَأقر الله عينه أَي أعطَاهُ حَتَّى تقر فَلَا تطمح إِلَى من هُوَ فَوْقه،

стр. 140

وَيُقَال: حَتَّى تبرد وَلَا تسخن، فللسرور دمعة بَارِدَة وللحزن دمعة حارة ". قَالَ ذَلِك كُله الْجَوْهَرِي: فَقَوله: " وتقر نَفسه " أَي تَسْتَقِر وَيَزُول مَا كَانَ بهَا من الِاضْطِرَاب والقلق. قَالَ الْهَرَوِيّ: " اقر الله عَيْنك أَي صَادف فُؤَادك مَا يرضيك فَيقر عَيْنك من النّظر إِلَى غَيره ". قَالَ: " وَقيل: أقرّ الله عينه أَي أنامها ". قَوْله فِي حَدِيث جَابر فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": قَالَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يحدث عَن فَتْرَة الْوَحْي قَالَ فِي حَدِيثه: " فَبينا أَنا أَمْشِي سَمِعت صَوتا من السَّمَاء فَرفعت رَأْسِي فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء جَالِسا على كرْسِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ": وَفِي رِوَايَة صَالح عَن الزُّهْرِيّ: " فَبينا أَنا أَمْشِي إِذا أَنا بِالْملكِ الَّذِي أَتَانِي فِي غَار حراء على سَرِير بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ". بَينا: هِيَ " بَين " أشبعت فتحتها فَصَارَت " بَينا " بِوَزْن فعلى، وَمِنْهُم من يزِيد على " بَين " لَفْظَة " مَا " فَيَقُول: " بَيْنَمَا " وَيجوز أَن

стр. 141

تكون " بَينا " محذوفة الْمِيم من " بَيْنَمَا " توسعا فِي اللُّغَة لما عرف موضعهَا الَّذِي تسْتَعْمل فِيهِ وَهُوَ إضافتها إِلَى الْجمل على حذف مُضَاف من أَسمَاء الزَّمَان. فَقَوله: " فَبينا أَنا أَمْشِي " أَي فَبين أَوْقَات مشيي كَمَا أَن تَقْدِير قَوْلك: أَتَيْتُك زمن الْحجَّاج أَمِيرا، أَي زمن إمارته. وَقَوله: " سَمِعت صَوتا " أَي إِذا سَمِعت صَوتا فَحذف " إِذْ " وَهُوَ الْأَفْصَح عِنْد الْأَصْمَعِي وَغَيره من الْأَئِمَّة كَمَا قَالَ: (بَينا نَحن نرقبه أَتَانَا ... ) أَي سَمِعت الصَّوْت فِي أثْنَاء أَوْقَات مشيي، وَلَو كَانَ فِي الْكَلَام لَفْظَة " إِذْ " لَكَانَ التَّقْدِير: فاجأني سَماع الصَّوْت فِي أثْنَاء أَوْقَات مشيي لِأَن " إِذْ " أُقِيمَت فِي ذَلِك مقَام المفاجأة، وَكَذَلِكَ " إِذا " كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث بعد ذَلِك وَهُوَ جِبْرِيل ﵇ دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث الْمُتَقَدّم. وَفِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر: " سَمِعت صَوتا من السَّمَاء يَقُول: يَا مُحَمَّد، أَنْت رَسُول الله وَأَنا جِبْرِيل، فَرفعت رَأْسِي فَإِذا جِبْرِيل فِي صُورَة رجل صَاف قَدَمَيْهِ فِي أفق السَّمَاء ". قَالَ السُّهيْلي: " وَفِي حَدِيث جَابر أَنه رَآهُ على رَفْرَف، ويروى: " على عرش بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ". وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْحَافِظ: ثَنَا ابْن بكير ثَنَا عبد الله بن لَهِيعَة، حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة أَن نَبِي الله

стр. 142

- ﷺ كَانَ أول شَأْنه يرى فِي الْمَنَام، فَكَانَ أول مَا رأى جِبْرِيل بأجياد أَنه خرج لبَعض حَاجته فَصَرَخَ بِهِ: يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد، فَنظر يَمِينا وَشمَالًا فَلم ير شَيْئا، ثمَّ نظر فَلم ير شَيْئا، فَرفع بَصَره فَإِذا هُوَ يرَاهُ ثَانِيًا إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى على أفق السَّمَاء فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، جِبْرِيل جِبْرِيل، يسكنهُ، فهرب مُحَمَّد ﷺ حَتَّى دخل فِي النَّاس فَنظر فَلم ير شَيْئا، ثمَّ خرج من النَّاس ثمَّ نظر فَرَآهُ فَدخل فِي النَّاس (فَنظر) فَلم ير شَيْئا، ثمَّ خرج فَنظر فَرَآهُ، فَذَلِك قَول الله : ﴿والنجم إِذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ يَعْنِي إِلَى قَوْله: ﴿علمه شَدِيد القوى﴾ وَهُوَ جِبْرِيل ﴿ذُو مرّة فَاسْتَوَى وَهُوَ بالأفق الْأَعْلَى﴾ . وَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ رأى جِبْرِيل مرَّتَيْنِ فِي صورته وخلقه سَادًّا مَا بَين الْأُفق، فَهَذِهِ هِيَ الْمرة الأولى فِي ابْتِدَاء النُّبُوَّة، وَالثَّانيَِة عِنْد سِدْرَة المنتهي لَيْلَة الْإِسْرَاء. وَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " أَيْضا عَن عَلْقَمَة، عَن عبد الله فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى﴾ قَالَ: " رأى رفرفا أَخْضَر قد

стр. 143

مَلأ الْأُفق ". قَالَ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ: " يُرِيد بذلك أَنه رأى جِبْرِيل ﵇ فِي صورته على رَفْرَف أَخْضَر ". وَوَقع فِي " صَحِيح مُسلم ": " جَالِسا " بِالنّصب على الْحَال، وَخبر الْمُبْتَدَأ يكون محذوفا أَي كَائِن أَو مُسْتَقر أَو مَوْجُود أَو نَحْو ذَلِك. وَمن رَوَاهُ: " جَالس " بِالرَّفْع فَهُوَ ظَاهر لِأَنَّهُ خبر الْمُبْتَدَأ وَلَا حَاجَة إِلَى الْإِضْمَار وَهُوَ الْمَعْرُوف الْمُسْتَعْمل فِي هَذَا الْبَاب كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِذا أَنْتُم بشر تنتشرون﴾ ، ﴿إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذا هم خامدون﴾ ، ﴿فَإِذا هم جَمِيع لدينا محضرون﴾ ، ﴿ثمَّ نفخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذا هم قيام ينظرُونَ﴾ ، ﴿خلق الْإِنْسَان من نظفة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين﴾ ، ﴿وَآيَة لَهُم اللَّيْل نسلخ مِنْهُ النَّهَار فَإِذا هم مظلمون﴾ ، ﴿فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ ، ﴿فَإِذا هِيَ شاخصة أبصار الَّذين كفرُوا﴾ ، وَهُوَ كثير

стр. 144

وَهَذِه هِيَ الْمَسْأَلَة الَّتِي خَالف الْكسَائي فِيهَا سِيبَوَيْهٍ لما تناظرا فَقَالَهَا سِيبَوَيْهٍ بِالرَّفْع (لَا غير) ، وَقَالَهَا الْكسَائي بِالنّصب (وَالرَّفْع) والأرجح الرّفْع لما ذَكرْنَاهُ، وسنبين ذَلِك فِي " شرح مَا نظمته فِي النَّحْو " إِن شَاءَ الله تَعَالَى بِزِيَادَة على مَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم. قَوْله: " فجئثت مِنْهُ فرقا ": وَفِي رِوَايَة: " رعْبًا ". وجئثت: أَوله جِيم مَضْمُومَة بعْدهَا همزَة مَكْسُورَة ثمَّ ثاء مُثَلّثَة ويروي بثاءين بعد الْجِيم وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد. وَفِي رِوَايَة: " فجئنت مِنْهُ حَتَّى هويت إِلَى الأَرْض ". أما جئثت: فَقَالَ الْهَرَوِيّ: " مَعْنَاهُ ذعرت يُقَال: جئث الرجل وجئف وجث أَي فزع، وَقَالَهُ الْأَزْهَرِي أَيْضا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: " وجئث الرجل إِذا أفزع فَهُوَ مجؤوث أَي مذعور ".

стр. 145

وَقَالَ أَبُو عبيد: " جث الرجل جثا فَهُوَ مجثوث إِذا فزع وَخَافَ ". وَقَالَ الْمَازرِيّ: " يرْوى: فجثثت بِالْحَاء غير مُعْجمَة وَمَعْنَاهُ: أسرعت خوفًا مِنْهُ ". وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم: ثَنَا أَحْمد بن إِسْحَاق، ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان، ثَنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، ثَنَا عبد الله بن وهب، أَخْبرنِي يُونُس ين يزِيد، عَن ابْن شهَاب فَذكر الحَدِيث وَقَالَ: " فحثثت ". قَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد: " هَكَذَا قَالَ لنا يُونُس فحثثت بِالْحَاء، وَكَانَ يُنكر على أهل الْعرَاق فجثثت بِالْجِيم ". قَالَ: " والرواة اخْتلفت فِي هَذِه اللَّفْظَة فرويت: جئثت وجثثت وحثثت بِالْحَاء ". قَالَ عِيَاض: " أَكثر رِوَايَات الروَاة فِي هَذَا الْحَرْف فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْأَوَّلين فِي الْأُم: فجئثت بِالْجِيم وهمزة مَكْسُورَة بعْدهَا وثاء مُثَلّثَة، وَكَذَا للعذري فِي الْموضع الثَّالِث، وَعند الْجَمَاعَة فِيهِ: فجثثت بِالْجِيم وثاءين معجمتين بِثَلَاث، وَكَذَا عِنْد السَّمرقَنْدِي فِي املواضع الثَّلَاثَة، وَكَذَلِكَ اخْتلفت فِيهِ الرِّوَايَة عَن البُخَارِيّ.
следующие страницы →