← Адаб

Адаб · id 780

تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي

أبو مرشد المعري

Полный текст (105 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم وبه الإعانة مقدمة المؤلف الحمد لله حمداً يقضي عنا شكر آلائه، ويسنى الحظ من رحمته وجزيل عطائه، وصلى الله على محمد خاتم أنبيائه، وخيرة أصفيائه، وعلى آله الأطهار من ذريته، والأبرار من عترته، وسلم وكرم. أما بعد فإنه حضر عندي جماعة من أهل الأدب، بين ريان منه صادر عن مورده، وطالب موف على مقصوده، ومجتهد سمت همته إلى جمع فنونه، وافتراع أبكاره وعونه. جعلوا مبدأ مذكراتهم، ومنشأ مشاجرتهم معاني شعر أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، وقصروا همهم على كشف ما التبس من معانيه، والحث عن غوامضه وخوافيه فكأنه عناهم بقوله: أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهرُ الخلق جراها ويختصمُ وسألني منهم أوجب حقه، وأوثر موافقته، جمع ما انتهى إلى علمه من أقوال مفسري ديوان المذكور، على سبيل الإيجاز والاختصار، والاقتصاد، فانتهت إلى مراده، وسارعت إلى جمع مقترحه وإيراده، وتتبعت جميع قصائده تتبع الناشد مظان نشائده، أقتضب منها الألفاظ الشريفة والمعاني اللطيفة مظهراً خبياتها، جالياً لها في أحسن هيآتها، وأفردت لها مختصراً لطيفا مجمله، كافيا لمن يتأمله. لم أتسمح في إغفال نكتة لغوية ولا إهمال مشكلة نحوية. إن كان شيخنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سلمان ﵀ ورضي عنه، قد أورد في كتابه المعروف: ب) اللامع العزيزي (مالا فائدة فيما عداه، ولا حاجة معه إلى ما سواه، إلا أنه رحمة الله قلد ظرف الكلام فضل عنانه، وأرسل سابقا يفتن في ميدانه، فلم يدع فضلة علم إلا رفع منارها، ولا دفينة معنى إلى كشفها وآثارها. فطال الكتاب بما استودع من صنوف الآداب. وأما الشيخ أبو الفتح عثمان بن جني، ﵀، فإنه بسط عبارة كتابه، وجعل النحو معظم ما أتى به، حتى صار طالب البيت الواحد يفني عدة صفحات في اختلاف مذاهب النجاة، قبل إدراك طلبه، وبلوغ أربه ز ولم يخلص تصنيف الأستاذ أبي علي ابن فروجة ﵀ فيما نقمه على الشيخ أبي الفتح ابن جني من ألفاظ غير مفيدة، ومقاصد في الرد عليه ليست بالرشيدة. فاستخرجت في ذلك كله ما لابد منه، ولا غنى للناضر عنه تقريبا على الطالب المستفيد، وتذكرة للراغب المستزيد معولا في تيسير ما قصدته، وتجنب الزلل فيما أوردته، على معونة الله وحسن توقيفه، وهو حسبي ونعم الوكيل. حرف الهمزة قال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي من أهل الكوفة ومولده منها بكندة سنة ثلاث وثلاثمائة، وتوفي سنة أربع وخمسين: عذْلُ العواذلِ حولَ قلبِ التَّائِهِ ... وهوى الأحِبَّةَ مِنْهُ في سَوْدائِهِ قال الشيخ أبو العلاء: عَذْل وعَذَل، والتحريك في هذا الموضع أحسن، لأنه أقوى في السمع والغريزة، ويقال: عذلت فلانا فاعتدل، أي: لام نفسه.) معتذلات سهيل (: أيام شديدات الحر تجيء قبل طلوعه أو بعده، وبعض الناس يرويها) معتدلات (بالدال، أي: أنهن قد استوين في شدة الحر، وأما بالكف عنه. وقوله:) التائه (جاء بالهاء الأصلية مع تاء الإضمار في القوافي، وربما فعلت الشعراء ذلك وهو قليل ومنه قول الأنصاري: أبلغ أبا عمرو أحي ... حة والخطوب لها تشابه أني أنا الليث الذي ... تخشى مخالبه ونابه وسوداء القلب وسويداؤه، وأسوده، وسواده واحد، وهي علقة من دم أسود تكون فيه. يشكو الملام إلى اللوائم حره ... ويصد حين يلمن عن برحائه قال الشيخ أبو العلاء ﵀: المعنى أن اللام يشكو إلى اللوائم اللاتي يلمن هذا المحب، لأنه إذا وقع في سمعه، صار إلى قلبه، فوجد حرارة شيديدة، وهو من دعوى الشعر المستحيلة. الشمس من حساده والنصر من ... قرنائه والسيف من أسمائهِ قال الشيخ أبو العلاء: السيف من أسمائه يعني اللفظة دون جوهر السيف لأن الحديد جوهر ولا يكون أحد الجنسين في الآخر. ومن أبيات لها: القلب أعلم يا عذول بدائهِ ... وأحق منك بجفنه وبمائهِ قال أبو الفتح ابن جني: أي هو يصرف الدمع حيث يريد لأنه مالكه والهاء في مائه تعود على الجفن ويجوز أن تعود على القلب وفيه بُعد. ما الخل إلا من أود بقلبهِ ... وأرى بطرف لا يرى بسوائهِ

стр. 2

قال ابن جني: معنى البيت ليس خليل إلا نفسك فلا تلتف إلى قول أحد: إني خليل لك. ويجوز أن يكون المعنى، ما الخل إلا من فرق بيني وبينه، فإذا وددت فكأني بقلبه أود وإذا رأيت فكأني بطرفة أرى. إنما يستحق أن يسمى خلا من كان منك بهذه المثابة إن المعين على الصبابة بالأسى ... أولى برحمة ربها وإخائهِ قال ابن جني: كأنه قال: إن المعين على الصب بالأسى وهو الحزن أولى بأن يرحمه ويكون أخاه إما لأنه هو الذي جنى عليه ما جنى وإما لأنه أعرف الناس بدوائه وأطبهم بدائه. ويجوز أن يكون قوله:) على الصبابة (. أي: مع ما أنا فيه من الصبابة يكون المعنى في هذا أي: لا معونة إلا إيراده علي الأسى والحزن. فيجري مجرى قولك: عتابك السيف. وحديثك الصمم أي لا عتاب عندك إلا السيف. وقال الشيخ أبو العلاء: يقول الذي يعين على الصبابة بالأسى أي الحزن أولى برحمة ربها: أي كان ينبغي أن لا يفعل ذلك. كأنه جعل عذله إياه زيادة في حزنه ويجوز أن يعني أنك يا عذول كان ينبغي أن تحزن بحزني كما يقال للرجل إذا منع صديقه شياً: إن الذي يعين خليله بالمال وقضاء الحاجة هو الذي يستحق أن يسمى خليلاً ومؤاخياً. وقد روت) الأسى (بضم الهمزة. من أسيت الحزين أي عزته. والمعنى إن الذي يقول لك أسوة بفلان وفلان أولى بأن يكون خليلاً ناصحاً. عجبَ الوشاةُ منَ اللحاق وقولهم ... دع ما نراك ضعفتَ عن إخفائهِ قال ابن جني: المعنى إنه ليس حوله إلا واش أو لاحٍ. فعجب الوشاة من تكليف اللحاق له بما لا يستطيعه لأنه إذا ضعف عن إخفائه فهو عن تركه أضعف. والواشي: لذي ينمق الكذب. واللاحي: الذي يزجر ويغلظ القول مهلا فإن العذل من أسقامه ... وترفقاً فالسمع من أعضائهِ قال أبو العلاء: هذا مجاز واتساع، لان السمع ليس من الأعضاء، ولكنه يحمل على أنه أراد موضوع السمع من أعضاءه؛ أي الأذن. ومن التي أولها: أتنكر يا ابن إسحاق إخائي أأنطق فيك هجراً بعد علمي ... بأنك خير من تحت السماءِ قال الشيخ ﵀: الهجر: مالا ينبغي من القول. يقال: أهجر الرجل إذا جاء بالهجر قال الشماخ: كما جدة الأعراقِ قال ابن ضرةٍ ... عليها كلاماً جار فيه وهَجَّرا وهجر الرجل بمعنى هذى ومنه قوله تعالى:) سامرا تهجرون (أي: تهذون وقيل: من الهجر الذي هو القطيعة أي تهجرون سامراً لا تحضرونه. وتنكر موتهم وأنا سهيلٌ ... طلعتُ بموتِ أولادِ الزناءِ قال الشيخ ﵀: إثبات الألف في أنا عند بعض الناس ضرورة لأن هذه الألف لا تثبت إلا في الموقف. وكان محمد بن يزيد يتشدد في ذلك ولا يجيزه. وقد جاء في مواضع كثيرة من ذلك قول الأعشى: فكيف أنا وانتحالي القواف ... ي بعد المشيبِ كفى ذاك عارا وقول حميد بن بحدل: أنا زين العشيرة فاعرفوني ... حميداً قد تذريت السناما والزنا تمد وتقصر. وجاء في كتاب الله مقصوراً. وكأنه إذا مد مصدر زاني يزني قال الشاعر: أبا حاضرٍ من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكراً ومن التي أولها: أمن ازدياد في الدجى الرقباءُ ... إذ حيث كنت من الظلام ضياءُ قال ابن جني: أي لا يقدر أحد على زيارتك ولا تقدرين على زيارة أحد ليلاً لأن ضوء وجهك ينم عليك. قلق المليحة وهي مسك هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاءُ قال أبو علي ابن فورجة: قلقها: يعني حركتها في مشيها. وهتكها مصدر هتك فلان الستر هتكاً وهو مصدر فعل متعدٍ. ولو أتى بمصدر لازم كان أقرب إلى الفهم. كأنه لو قال: انهتاكاً كان لعلم المخاطب به، كأنه يقول: ومسيرها في الليل هتك لها من قبل الطيب الذي استعمله بل جعلها نفسها مسكاً. وكأنه ألم بقول امرئ القيس: ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيبِ وبقول آخر: درة كيفما أديرت أضاءت ... ومشم من حيثما شم فاحا وأما المعنى المتداول أن الطيب يهتك من استعمله فمنه قول بشارٍ: رب قول من سعاد لنا ... قد حفظناه فما رفعا أملي لا تأت في قمرٍ ... لحديثٍ واتقِ الدرعا وتوق الطيب ليلتنا ... إنه واش إذا سطعا وأجود منه آخر محدث تقدم أبا الطيب:

стр. 3

ثلاثة منعتها من زيارتنا ... وقد دجا الليل خوف الكاشحِ الحنقِ ضوء الجبين ووسواس الحلي وما ... يفوح من عرقٍ كالعنبر العبقِ هب الجبن بفضل الكم تستره ... والحلي تنزعه ما الشأن في العرق وقوله:) مسيرها في الليل وهي ذكاء (يشبه قوله أيضا: رأت وجه من أهوى بليل عواذلي ... فقلن ترى شمسا وما طلع الفجر والأصل في هذا قول القائل: عجبت لمسراها وأني تخلصت ... إلى وباب السجن دوني مغلقُ عجبت لمسراها وسرب سرت به ... تكاد به الأرض البسيطة تشرقُ مثلت عينك في حشاي جراحة ... فتشابها كلتاهما نجلاء قال ابن جني: أي لما نظرت إليك جرحت قلبي جراحة أشبهت لسعتها عينك. وقوله: كلتاهما نجلاء، في موضع نصب على الحال، كأنه قال فتشابها نجلاوين. وإن شئت لم يكن لها موضع من الإعراب كقوله تعالى) سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهمُ (ورابعهم كلبهم، جملة لا موضع لها من الإعراب. وقال ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى شاهدت كثيرا من الفضلاء يغلطون في معنى قوله: مثلت عينك في حشاي جراحةً ويظنون أن معناه خيلتها إلي، وصورتها عندي جراحة، ويقولون هذا كما يقول:) فلان غصة في صدري، وشجى في حلقي (. وإن لم يكن كذلك حقيقة. ويراد به وهو يحل محل الغصة من الصدر، والشجى في الحلق، وكذلك هذه العين، تحل محل الغصة من الصدر، والشجى، وكذلك هذه العين تحل محل الجراحة في حشاي وهذا كقوله في شعره أيضا: ممثلة حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوعدُ وقوله أيضا: كانت من الحساء سؤالي إنما ... أجلي تمثل في فؤادي سولا أي تخيل، وهذا خطأ فاحش، إذ كان آخر البيت هذا القول بقوله: فتشابها، إذ هي عين واحدة، وتشابها فعل اثنين ومعنى البيت مثلت أي أحدثت لعينك مثالا في حشاي، أي جرحته جراحة واسعة مثل عينك. وهذا كما يقول: مثلث أي جعلت له مثالا للحروف يكتب مثلها. نفذت علي السابري وربما ... تندق فيه الصعدة السمراء قال ابن جني: معنى البيت أن عينك نفذت ثوبي إلي، فتمثلت في حشاي جراحة، فإن قيل: كيف تندق الصعدة في الثوب الرقيق قيل: معناه إنه إذا طعن بقناة اندقت القناة دون أن تعمل فيه، فكأن ثوبه درع عليه لمكان جسمه من تحته يؤكد هذا قوله: طوال الردينات يقصفها دمي ... وبيض السريجات يقطعها لحمي كأنه نظر إلى قول قيس بن الخطيم: ترى قصد المران تهوى كأنها ... تذرع خرصان بأيدي الشواطب وقريب منه قول أبي تمام: أناس إذا ما استلحم الروع صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب إلا أن المتنبي جعل نفسه مؤثرة في السلاح ولم يجعل للسلاح فيها أثراً يفخر بذلك. ألا ترى أن بعد هذا) أنا صخرة الوادي (ويجوز أن يكون عنى بالسابري: الدرع كقول دريد: فقلت لهم ظنوا بألفي مدججٍ ... سراتهم في السابري المسردِ فيكون على هذا نفذت نظرتك الدرع إلى قلبي فنفذت حينئذ من قوله: وقى الأمير هوى العيون فإنه ... ما لا يزول ببأسه وسخائهِ وكلا القولين مذهب. أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... فإذا نطقت فإنني الجوزاء قال ابن فورجة: صخرة الوادي هي أتان الضحل وهي صخرة تكون في الوادي قد بل الماء أسفلها فازدادت رسوخاً في الأرض. الضحل الماء القليل يترقرق على وجه الأرض، وجمعه ضحول وأضحال وأتان الضحل أراد امرؤ القيس بقوله: حجارة غيل وارساتٌ بطحلبِ والغل الماء بين الشجر. ومثله: عيرانة كأتان الضحل ناجية ... إذا ترقص بالقور العساقيل

стр. 4

وإنما سميت أتان لان هذه الصخرة تلامس بالطحلب فشبهت بالأتان التي املاست فأكثر لحمها. والأتان أيضا مكان على حافة البئر سمي بذلك لاملاسه، ونراكب الطحلب عليه. وإنما يعني أني إذا زوحمت لم يقدر إزالتي عن موضعي كما أن هذه الصخرة لا تزال عن موضعها يريد لا أزال عن شر في وفضلي عند المساماة والمفاخرة. أو يعني أني إذا حاربت لم انهزم. وقوله) فإذا نطقت فإنني الجوزاء (فإن المنجمين يزعمون أن الجوزاء من البروج التي تختص بالكتاب. فهو وصاحبه عطارد يدلان على المنطق والبراعة فيقول: أنا الجوزاء، أي: مني تستفاد البراعة، ومني يقتبس الفضل كما أن الجوزاء تعطي من يولد به البراعة والنطق وإلى هذا أشار بقوله: ومني استفاد الناس كل غريبةٍ ... فجازوا بتركِ الذم إن لم يكن حمد شيم الليالي أن تشكك ناقتي ... صدري بها أفضى أم البيداء قال الشيخ ﵀: يقول ناقتي هذه تشككها الليالي، فلا تدري أصدري أفضى أم البيداء التي هي سائرة فيها وأراد ألف الاستفهام فحذفها وذلك كثير موجود، وقد حملوا على ذلك قول الأخطل: كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ ... غلس الظلام من الرباب خيالا كأنه قال: أكذبتك عينك وقوله) أفضى (يحمل أن يكون اسماً وفعلا. فإذا كان اسما فهو على معنى التفضيل كأنه قال: أصدري أشد سعة أم البيداء، وإذا كان فعلا فهو من أفضى إلى الشيء يفضي كأنه قال صدري يفضي بهذه الناقة. أي يصيرها في الفضاء أم البيداء. فتبينت تسئد مسئداً في نيها ... إسادها في المهمهِ الإنضاء قال ابن جني: الاساد إغذاذ السير، والني الشحم، يقال نوت الناقة تنوي نوايةً. والمهمه: الأرض الواسعة. والأنضاء مصدر أنضاه إذا هزله وأذابه والمعنى. فتبيت هذه الناقة تسرع السير في شحمها. أي يهزلها الانضاء لشدة السير. كما تسرع هي في قطع الأرض. أي كما قطعت الأرض قطعت الأرض شحمها، على احتذاء مثال هذا. هكذا حصلته عنه وقت قراءتي عليه شعره. ونصب) مسئداً (على الحال منها، والإنضاء مرفوع بمسئد والعائد عليها من هذه الحال الهاء في نيها. وإسآدها منصوب على المصدر، والناصب له) مسئداً (لا يسئد وتقديره، فتبيت هذه الناقة تسئد مسئداً الإنضاء في نيها إسآداً مثل إسآدها هي في المهمه. ونظير هذا: بيت هند: تصلي مصلياً عمرو في دارها صلاتها في المسجد أي تبيت تصلي على هذه الحال. فتسئد فعل الإنضاء، وجرى حالاً على الناقة لما تعلق به من ضميرها الذي في نيها كما تقول:) مررت بهند واقفاً عندها عمرو (. بَيني وَبَينَ أبي عليٍّ مِثْلُهُ ... شُمُّ الجبالِ وَمِلْئُهُنَّ رَجاءُ قال ابن جني: نصب مثلهن لأنه كان في الأصل في وصف النكرة التي هي رجاء أراد ورجاء مثلهن. ونعت النكرة المرفوعة إذا قدم عليها نصب على الحال كما تقول فيها قائماً رجل ومثله: لِعَزَّةَ موحِشاً طَلَلُ ومعنى البيت: بيني وبين الممدوح جبال مثله في العظم، وهو في نظائر اللفظ تعظيم للممدوح لأنه شبهه بالجبال، يريد حلمه ورزانته كقول مسلم: كَبيرُهُم لا تَقومُ الرَّاسِياتُ لَهُ ... حِلْماً وَطِفْلُهُمْ في هَدي مُكْتَهِلُ أي: بيننا هذه الجبال، ورجاء مني له مثلها تعظيماً لرجائه وتأكيداً له. وقال الأحسائي: شم الجبال مثله في الحلم والرفعة والشدة. ورفع مثله على الابتداء والخبر " بيني وبين أبي علي " وشم الجبال بدل من مثله، ولا يجوز نصب مثلهن ولا مثله على الحال، لأن مثله ليس صفة لشم الجبال فينصب إذا تقدم. لأن الجماعة لا توصف بالواحد، ومثلهن عطف على الجملة، والتقدير ورجاء مثلهن، فقدم حرف العطف وهو الرجاء، ونيته تقديم رجاء وتأخير مثلهن. ومثله قولهم) إن في الدار لزيداً (وحكم اللازم أن تكون في الخبر مؤخرة، وليس للاسم فيها حظ، فلما قدم الخبر بقيت اللام في موضعها في التأخير، ووقع الاسم بعدها، والنية تقديمه، فاللازم في الحقيقة للخبر لا للاسم. وكذلك واو العطف في البيت لما كانت للرجاء وتقدمت الصفة والواو قبلها، لم يعتد بتقديمها، وأجريت في الاتباع مجراها متأخرة لوقوع الواو، مقتضية لتقديم الموصوف، لأن حرف العطف لا يكون في الصفة، إنما هو للموصوف، والصفة تابعة ولولا الواو لنصبت الصفة المتقدمة على النكرة، كقوله: لعزة موحشاً طلله.

стр. 5

وَكَذا الكريمُ إذا أقامَ بِبَلدَةٍ ... سالَ النُّضارُ بها وَقامَ الماءُ قال ابن جني: معنى البيت أن الكريم إذا أقام ببلدة، أعطى المال وفرقه في وجوه الكرم، فكأنه ماء سائل، وقام الماء أي جمد، لما رأى من كرمه وسخائه فوقف متحيراً، فلم يسل. ويشهد لصحة هذا التفسير قوله بعده: جَمَدَ القِطارُ ولو رَأتْهُ كما رأى ... بُهِتَتْ فلمْ تَتَبَجَّسِ الأنواءُ يقول: جمد القطار لما رآه، تحيراً من كرمه، فلولا أن الأنواء رأته كما رآه القطار لبهتت فلم تتبجس بالماء، استعظاماً لما يأتيه. وهذا تفسير للذي قبله. قال الشيخ أبو العلاء أحمد ﵀: الصواب أن تكون الأنواء مرفوعة برأته، لأنه أولى الأفعال بها، إذ كانت الرؤية هي التي يؤديها إلى البهت، فكأنه قال: لو رأته الأنواء، بهتت فلم تتبجس. وقال ابن فورجة: أراد بالكريم الممدوح نفسه، لا كل كريم، إذ كان شارعاً في ذكره، وهذا كما قال الشاعر: أبى القَلْبُ إلاَّ أُمَّ عمروٍ وذكرَها وكقول نُصيب: وقُلْ إن تَمِلّينا فما مَلَّكِ القَلْبُ مَن يَهْتَدي في الْفِعْلِ ما لا يهتدي ... في القَوْلِ حتّى يَفْعَلَ الشُّعَراءُ قال الشيخ: فعل الشعراء: هو قوله يهتدي. والمعنى أن هذا الممدوح يهتدي في الفعل ما لا يهتدي إليه الشعراء، وهم موصوفون بالفطنة، وادعاء الأشياء المتعذرة، فهذا الممدوح يفعل الأشياء التي لا تهتدي الشعراء إليها حتى يفعلها فتعرفها حينئذ. مَنْ يَظْلِمُ اللُّؤِماءَ في تَكْليفهم ... أنْ يُصْبِحوا وَهُمْ لَهُ أكْفاءُ قال ابن جني: يقول تكليفه اللؤماء أن يصبحوا مثله في الكرام، ظلم لهم منه، لأنهم لا يقدرون على ذلك. وقال أبو العلاء: " مَنْ " في البيت استفهام، والمراد أن أحداً من الناس لا يظلم اللؤماء، بأن يكلفهم أن يفعلوا كفعل هذا الممدوح، كما يقال للشيء إذا بَعُد: من يقدر على هذا؟ أي: لا يقدر عليه أحد. اِحْمِدْ عُفاتَكَ لا فُجِعْتَ بِفَقْدِهِمْ ... فَلَتركُ ما لم يأخُذوا إعْطاءُ قال ابن جني: يقول: " لا فجعت بفقدهم " حشو في غاية الملاحة والظرف، وهو يحتمل أمرين، أقربهما إلى ظاهر البيت، إنه دعا بأن لا يعدم القصاد والطلاب، إذ كانوا لا يقصدون إلا ذا مال وثروة. لا تكْثُرُ الأمواتُ كثرة قِلَّةٍ ... إلا إذا شَقِيَتْ بِكَ الأحياءُ قال ابن جني: إنما تكثر الأموات إذا قل الأحياء، وكثرتهم كأنها في الحقيقة قلة، وقوله شقيت بك أي: شقيت بفقدك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وإنما تشقى به الأحياء، لمفارقته إياهم وقال الشيخ: معناه أن الأموات، إذا حارب هذا الممدوح أعداءه، كثروا لأنه يقتلهم، وكثرة هذه الأموات مؤدية إلى القلة، لأنها فناء. وقال ابن فورجة: قوله: كثرة قلة، لأن الأموات تدفن أو تبلى، فتذروها الرياح، أو تأكلها الوحوش والطير، فهي تقل وإن كثرت، وكأن هذا البيت ينظر به إلى قول القائل: لِكُلِّ أُناسٍ مَقْبَرٌ بِفَنائِهِمْ ... فَهُمْ يَنْقُصونَ وَالْقُبورُ تَزيدُ وهذه الطريقة سلك أيضاً بقوله: متى ما ازْدَدْتُ مِنْ بَعْدِ التَّناهي ... فَقَدْ وَقَعَ انْتِقاصي في ازدِيادي جعل زيادته بعد تناهيه نقصاناً زائداً، كما جعل في هذا البيت، كثرة الأموات قلة. وقوله: " شقيت بك الأحياء " ليس يريد به الشقاء بعينه، وإنما هو من قولهم: شقيت بفلان، إذا كان يبغضك، كقول الطرماح. وَنِّي شَقِيٌّ باللئامِ ولن ترى ... شَقِيَّاً بِهِمْ إلا كريمَ الشَّمائِلِ أي: اللئام يبغضونني، ولا ترى أحداً يبغضونه إلا كريماً. وقال أبو الطيب: لولا ظِباءُ عَديٍّ لما شَقِيتُ بِهِمْ ... ولاَ بِرَبْرَبِهِمْ لولا جآذِرُهُ يريد: لولا ظباء عدي، لما أغضبتني عدي، ولا أضمرت لي الأحقاد، والمعنى أنك إذا كرهت حياة قوم وأبغضتهم، قتلتهم فكثرت بهم الأموات، كثرة تؤدي إلى قلة.

стр. 6

وقال الأحسائي: الأموات في قول جمهور الناس بعدد الأحياء، وأنه لا يموت واحد إلا ولد بازائه مولود، وهذا قول تشهد الحكمة بصحته، وتسكن العقول إلى وجوبه، يقول: فإذا صرت في الأموات كثروا على الأحياء كثرة قلة كما أن الأحياء بكونك فيهم، أكثر من الأموات كثرة نباهة وشرف، لا كثرة عدد وكذلك تكثر الأموات بموتك كثرة قلة لا كثرة عدد، وكشف معنى قوله: كثرة قلة أن شخصك حينئذ يصير إلى الأموات فقط، والذكر والشرف والمجد والفخر في إحياء لم يدفن معك ولا مات فتصير للأموات فيها حظ. وإنما كثروا بالشخص الذي عدمته الأحياء، وكثرة الأموات على الحقيقة قلة. لم تسم يا هارون إلا بعدما ... اقترعت ونازعت اسمك الأسماء قال ابن جني: يقول لم تسم يا هارون بهذا الاسم إلا بعد أن تقارعت عليك الأسماء، فكل أراد أن تسمى به فخراً بك وقال الشيخ: أجود ما يتأول في هذا أن يكون الاسم هاهنا في معنى الصيت كما يقال: فلان قد ظهر اسمه أي قد ذهب صيته في الناس، فهذا يحتمله ادعاء الشعراء وهو مستحيل في الحقيقة لان العالم لا يخلو أن يكون فيه هارون فهذا يحتمل ادعاء الشعراء هو مستحيل في الحقيقة لأن العالم لا يخلو أن يكون فيه جماعة يعرفون بهارون ويجوز أن يكون الأسماء في آخر البيت جمع اسم أي صيت وتحتمل أن تكون جمع اسم يعني به اسم الرجل الذي هو معروف به مثل زيد وعمرو وما جرى مجراه. فبأيما قدم سعيت إلى العلا ... أدم الهلال لأخمصيك حذاء قال ابن جني: تعجب من القدم التي تسعى بها إلى العلا ثم دعا له فقال) أدم الهلال لأخمصيك حذاء (كأنه دعا للقدم المعنى: لا تزال عالياً وهو كقوله: أتتركني وعين الشمس نعلي قال الشيخ: ذكر أن قوله أدم الهلال دعا للممدوح وليس في ذلك فائدة وإنما الشاعر مخبر للممدوح يقول فبأيما قدم سعيت أي في حال طلبت المعالي فأنت رفيع القدر كأن أدم الهلال حذاء لأخمصيك ولم يرد والله معنى الاستفهام في أول البيت وإنما أراد في أي حال طلبت المعالي، فأنت رفيع القدر، كأن أدم الهلال حذاء لأخمصيك، ولم يرد والله معنى الاستفهام في أول البيت، وإنما أراد في أي حال طلبت المكارم، فأنت في غاية لا يبلغها غيرك، وكأنه جعل سعيه إلى المعالي مختلفاً فلذلك حسن أن يقول " فبأيما قدم سعيت ". كأنه جعل سعيه إلى الحرب قدماً، وإعطاءه النوال قدماً أخرى، وعفوه عن الجاني ثالثة. لو لم تكُنْ من ذا الوَرى اللَّذ منكَ هوْ ... عَقِمَتْ بمولدِ نَسْلِها حَوَّاءُ قال ابن جني: قوله: اللذ، بسكون الذال وكسرها، لغة، يقول لو لم تكن من هذا الورى كأنه منك، لأنك جماله وشرفه وأنفس أهله، ولكانت حواء في حكم العقيم التي لم تلد، ولكن بك صار لها ولد. وقال الأحسائي: إن الله تعالى إنما خلق آدم وحواء، لتكون منهما ولولا ذلك لما أنسلا، وحذف الياء من الذي وسكون الذال كقوله: كنت من الأمرِ اللذي قد كيدا ... كاللذْ تَزَيَّى زُبْيَةً فاصطيدا ومن التي أولها: ألا كُلُّ ماشيةِ الخيزلى ... فِدا كُلِّ ماشيةِ الهيدبى قال الشيخ: الخيزلى مشية فيها تفكك من مشي النساء يقال: مشت الخيزلي والخيزلى والخيرزي والخورزي بمعنى واحد. والهيذبي ضرب من مشي الخيل. ويقال: الهيدبي بالدال والذال. ومعنى البيت ألا كل امرأة فدا كل فرس. وَكُلِّ نَجاةٍ بُجاوِيَّةٍ ... حَنوفٍ وَمَا بِيَ حُسْنُ المِشى قال ابن جني: بجاوية منسوبة إلى البجاوة، وهي قبيلة من البربر، يطاردون عليها في الحرب. قال يرمي الرجل بالحربة فإن وقعت في الرمية، جاء الجمل إليها حتى يتناولها صاحبها. وإن وقعت في الأرض أسرع الجمل إليها حتى يضرب بجرانه الأرض فيأخذها صاحبها. هذا لفظ المتنبي. قال الشيخ: ناقة نجاة في معنى ناجية، وهي السريعة التي تنجي صاحبها. وهو اسم وضع للإناث دون الذكور، لأنهم قالوا للناقة نجاة، ولم يقولوا للبعير نجي. وبجاوية منسوب إلى البجاة، ويقال أنه اسم جيل من الناس، وقيل: بل البجاة البلد، ولهم نجب موصوفة، ويجب أن يكون قوله: بجاوية منسوبة على غير قياس، لأنه لو حمل على لفظ البجاة لقيل بجوي. والخنوف: التي نقلت خفها الوحشي والاسم الخناف، والمشي جمع مشية كما يقال الفِرى جمع فرية.

стр. 7

وَأَمْسَتْ تُخَبِّرُنا بالنِّقَا ... بِ وادي المياهِ ووادي القُرى قال ابن جني: النقاب موضع يتشعب منه طريقان إلى وادي المياه ووادي القرى، أي صرنا إلى النقاب عليها، وقدرنا سلوك إحدى الطريقين عليها، صارت كأنها مخيرة لنا إحدى الطريقتين، وإن كانت في الحقيقة غير مخيرة. وقال الشيخ: قوله النقاب، ليس هو اسم موضع بعينه، وإنما هو من قولهم ورد الماء نقاباً إذا لم يعلم حتى يرده، فكأنه ادعى للإبل أنها من خبرتها تخبرهم بالمياه. ووادي المياه ووادي القرى بدل من النقاب بدل تبيين. ولاحَ لها صَوَرٌ والصَّباحَ ... وَلاحَ الشُّغورُ لها والضُّحى قال الشيخ: ذُكر عن أبي الفتح ابن جني أنه قال: صور لا يعرف في هذه المواضع وإنما أخذه أبو الفتح من الكتب الموضوعة في المقصور والمحدود. وإنما أراد أبو الطيب صوراً فألقى حركة الهمزة على الواو وحذفها، وقد ذكر الفرزدق هذا الموضع في شعره فقال: فما جَبَرَتْ إلاَّ على عَتَبٍ بها ... عَرَاقيبُها مُذْ عُقِرَتْ يومَ صَوارِ وفي هذا المعنى كانت المعاقرة بين غالب أبي الفرزدق وسحيم بن وثيل الرياحي. والمعنى أن هذا الموضع لاح للإبل مع الصباح، ولاح الشغور لها مع الضحى، ويجوز في الصباح الرفع على العطف، والنصب على أنه مفعول معه. وكذلك يجوز في الضحى، والشغور يجوز أن يكون اشتقاقه من قولهم بلاد شاغرة، إذا لم يكن لها من يحميها. وَرَدْنا الرُّهَيْمَةَ في جَوْزِهِ ... وَباقِيهِ أكثرُ مِمَّا مَضَى قال الشيخ: الجوز الوسط، وبعض ما لا علم له بالعربية، يسأل عن هذا البيت، ويظن أنه مستحيل، لأنه يحسب أنه لما ذكر الجوز وجب أن تكون القسمة عادلة في النصفين، فيذهب إلى أن قوله " وباقية أكثر مما مضى " للكلام المتقدم وليس الأمر كذلك، ولكنه جعل ثلث الليل الثاني كالوسط وهو الجوز. ثم قال " وباقية أكثر مما مضى " كأنه ورد والثلث الثاني قد مضى منه ربعه وبقي ثلاثة أرباعه، وأكثر هذا بيّن واضح. وقد ذكر ابن فورجة في كتابه الموسوم) بالفتح على أبي الفتح (أن القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز، نقم على أبي الطيب في قوله: وَرَدْنا الرُّهَيْمَةَ في جَوْزِهِ ونسب إليه الغلط في ذلك، فقال: كيف يكون باقيه أكثر مما مضى، وقد قال في جوزه، والجوز الوسط؟ قال ابن فورجة: وعندي أن المخطئ هو القاضي، فإنه لم يفهم البيت فتجنى، ثم اعتذر بما وضعه الله عنه، وقد تقدم قوله: فيا لك ليلاً على أعكُشٍ ... أحَمَّ البِلادِ خَفِيَّ الصُّوى فظن القاضي أن جوزه الهاء لليل وأنه كقول عمر بن أبي ربيعة: وَرَدْتُ وَما أدري بَعْدَ مَورِدي ... مِنَ اللَّيْلِ أمْ ما قَدْ مَضَى مِنْهُ أكْثَرُ ولعمري أنه لو كان كما ظن، لكان كلامه محالاً، وإنما الهاء في جوزه لأعكش، وأعكش مكان واسع، والرهيمة ماء مكانه وسط أعكش، فهذا كلام صحيح ثم قال وباقيه، أي باقي الليل، فقد بان أن المعنى لم يفهمه الذي رده. فَلَمَّا أَنَخْنا رَكَزْنا الرِّمَا ... حَ فَوْقَ مَكارِمِنا والعُلا قال الأحسائي: في هذا البيت وجوه من المعاني، أحدها: أن مكارمهم طبقت الأرض، ووصلت إلى كل موضع منها، ووسمت الأرض بآثارها، فأين ما نزلوا وطئوا مكارمهم، وأناخوا على آثارها، وركزوا الرماح عليها، وهذا وجه والثاني: أن عادة العرب إذا عادوا من سفر أو وقعة، فوصلوا إلى المنزل الذي يستريحون فيه، حطوا أثقالهم في الأرض، وعددوا مفاخرهم ومناقبهم، ثم ركزوا عليها الرماح. ووجه ثالث: وهو أنهم ركزوا الرماح بالرهيمة في أرض كانت فيها وقائع لأهل الكوفة، ظفروا بأعدائهم فيها من أهل الشام وغيرهم في قديم الزمان، فذكر أنها مكارم لهم، وفعال سلفت لقومه هناك. ووجه رابع: وهو أن فوق تستعمل كثيراً بمعنى دون، فأراد أنهم ركزوا الرماح وإن كانت طوالاً دون مكارمهم وعلاهم، والشاهد لكون فوق بمعنى دون، قوله تعالى) إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها (أي فما دونها. وقول أبي الطيب: وَمِنْ جَسَدي لمْ يَتْرُكِ السَّقْمُ شَعْرَةً ... فما فَوْقَها إلاَّ وَفيها لَهُ فِعْلُ أي دونها. ومن التي أولها: إِنَّما التَّهْنِئاتِ لِلأَكِفَّاءِ

стр. 8

وَبَساتينُكَ الجِيادُ وَما تَحْمِلُ مِنْ سَمْهَريَّةٍ سَمْراءُ قال ابن جني: يقول إنما بساتينك الخيل والقنا، وهما نزهتك وجعل القناة على الفرس كالحمل في الشجرة. وقال الشيخ: قوله " تحمل من سمهرية " يحتمل وجهين. أحدهما: أن يكون تحمل للجياد. والآخر: أن يكون للممدوح، وهو أبلغ في المدح، ومن المبالغة في البيت أن تكون القناة بمنزلة الغصن المثمر، وتكون ثمرته ما تحمل على السنان من رؤوس الأعداء. فَتَراها بَنُوا الحُروبِ بأعيا ... نٍ تَراهُ بِها غَداةَ اللِّقاءِ قال ابن جني: أعيان جمع عين، وأعين أكثر من الكلام، وتراها عائدة على الملوك والهاء في تراه عائد إلى كافور. وَما سَلَّمْتُ فَوْقَكَ للثُّرَيَّا ... وَلاَ سَلَّمْتُ فَوْقَكَ للسَّماءِ قال الشيخ: فوق لم تجر عادتها أن تستعمل مفعولاً ولا فاعلاً، وإنما تجيء ظرفاً منصوباً، أو غاية مثل قولهم: من فوق، ومن تحت، وقد جاء شعر نُسب إلى سُحيم عبد بني الحساس وهو شاذ قليل وهو: أتيت النساءَ الحارثياتِ غدوةً ... بوجهٍ بَراهُ اللهُ غيرَ جميلِ فشَبَهتَني كلباً ولست بفوقه ... وَلا دونَه إن كان غَير جميلِ حرف الباء أحْسَنُ ما يُخْضَبُ الحديدُ به ... وخاضبِيهِ النَّجِيعُ والغَضَبُ قال ابن جني: خاضبيه في موضع جر، معطوف على ما، وجمعه التصحيح لأنه أراد من يعقل وما لا يعقل. وهذا كقوله تعالى:) والله خلق كل دابة فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع (لما خلط الجميع بقوله كل دابة، استعمل من يمشي على بطنه، وعلى أربع والمعنى: أحسن ما يخضب الحديد به الدم، وأحسن خاضبيه الغضب، فجمع اللفظ وهو ينوي التفضيل. وذكر الغضب هاهنا مجازا، وإنما يريد صاحب الغضب. وقال الشيخ: إن جعل خاضبيه منصوبا، على أنه مفعول معه، فلا يمتنع. وقال ابن فورجة: الذي ذكره الشيخ أبو الفتح غير ممتنع إلا أن فيه من التعسف ما ترى. والذي عندي أن قوله وخاضبيه. قسم قد حصل المعنى الذي أراد، وزال ذاك التكليف، وجعل الغضب خضابا للحديد، لأنه لخضبه بالدم على سبيل التوسع في الكلام، وحسن أيضا ذلك لأن الغضب يحمر منه لون الإنسان وتحمر عيناه، كما قال الشاعر: هَلاَ سَألتِ غَداةَ الرَّدعِ ما حِسبي ... عندَ الطَّعانِ إذا ما احمرَّتِ الحَدَقُ وكما قال الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري يصف سهيلا: وسُهيلٌ كوجنَةِ الحِبِّ في اللّوِنِ ... وقلبِ المُحبّ في الخَفَقانِ يُسرِعُ اللّمحَ في إحِرارِ كما تُسرِعُ ... في اللّمحِ مُقلةُ الغَضبانِ وقد رويت عن جماعة ممن أثق بهم، رووه عن المتنبي) وخاضبيه (الباء بالفتح، كأنه يريد أحسن خاضبيه تثنيه خاضب، كأن النجيع خاضب، والذهب خاضب فقال أحسنها الدم، ويكون الغضب حينئذ تاكيدا للنجيع أتى به للقافية، ولأن النجيع يخضب عند الغضب، فكأنه جعل النجيع والغضب شيئا واحدا. ومن التي أولها: أيَدرِي ما أرابَكَ مَنْ يُرِيبُ ... وهل تَرقَى إلى الفَلَكِ الخُطُوبُ قال ابن فورجة: قد سمعت جماعة من متكلفي الأدباء يفسرون هذا البيت، فيقولون من يريب: يريد به الله تعالى وهذا كلام إلحاد وإقدام على إثم عظيم، يريد هل يدري الذي أرابك بهذا الدمل. ما الذي أرابك حقارة، وصغر قدر، وهذا خطأ فاحش، ودعوى على هذا الفاضل قد برأه الله منها، والذي أراده أبو الطيب، أيدري ما أرابك وهو الدمل.) ما (لما لا يعقل. وهي فاعلة أيدري. ومن يريب يريد من يريبه من الناس، ولم يأت بالهاء لأن المعنى مفهوم، ويريد بهذا الكلام هل يعلم هذا الدمل بمن حل ومن الذي راب ثم قال:) وهل ترقى إلى الفلك الخطوب (أي أنت كالفلك بعدا عن الآفات وعلوا في الأشكال. إذا دَاءٌ هَفا بُقراطُ عَنْهُ ... فَلَمْ يوجد لصَاحِبِهِ ضَرِيبُ

стр. 9

قال الشيخ: الناس يختلفون في إنشاد هذا البيت. وأصح ما يقال إذا داء. أي هذا داء. ويكون الألف للتقرير أو للاستفهام الخالص، كأنه لما ذكروا سيف الدولة وأنه حب الحرب وشوقه إليها. قال هذا الداء لم يعرفه بقراط، فأما من يروي: إذا داء فلا وجه له، على أنه يؤدي انفراد سيف الدولة بهذا الداء. إذا جعلت الفاء جوابا لإذا. والذين رووا:) أذى داء (أقرب إلى الإصابة؛ لأنه يحمل على أنه أراد أذى داء، ويجوز يقول أصحاب هذه الرواية: أن الهمزة للنداء، والمعنى يا ذا داء أي: أنت سيف الدولة صاحب هذا الداء. وقال ابن فورجة: وغلط الشيخ أبو الفتح في تفسير هذا البيت. وزعم أنه سمعه من أبي الطيب قال ﵀: جواب إذا) فلم يوجد (أي: فليس يوجد لصاحبه شبيه. كذا قال لي وقت القراءة عليه. واستعمال لم في موضع ليس لمضارعتها إياها، ثم تكلم في قوله داء بالرفع. وأنه بالنصب أجود لأن) إذا (تطلب الفعل، وهذا كقولك) إذا زيدا مررت به فأكرمه (فكان يكون تقديره، إذا أهمل وأغفل بقراط داء. وقد رفع فكأنه قال إذا أعضل داء. وأفنى في هذا الكلام عدة صفحات من كتابه، وهب أنا سلمنا له هذا التعسف. وقلنا أن) لم (بمعنى) ليس (فهل يحسن أن يجعل سيف الدولة صاحب الداء، يريد به صاحب دوائه والعالم بطبه، وهل يقول زيد صاحب الاستسقاء، أي صاحب مداواته، بل يفهم هنا أن زيدا به استسقاء، إلا أن يتقدم كلام يفهم هذا. والذي أراد أبو الطيب أن بعيد ما طلبت قريب، إذا هفا بقراط عن داء. فلم يوجد عليل به، تلك العلة ففي تلك الحال بعيد ما تطلبه قريب، ويعني بالداء أدواء الزمان، والحروب والأعداء. ومن التي أولها: بغيرك راعياً عَبَث الذِّئابُ ... وَغَيرَكَ صَارِماً ثَلَمَ الضِّرَابُ قال الشيخ: يجوز نصب راع وصارم على التمييز وعلى الحال. ولَو غَيرُ الأميرِ غَزَا كِلاباً ... ثَناه عن شُمُوسِهِمُ ضَبابُ قال الشيخ: لما كانت المرأة تشبه بالشمس، جعل نساء القوم شموسا وجعل دونها من حمايتهم ضبابا، وأصل ذلك أن المرأة يقال لها كأنها الشمس ثم يحذف حرف التشبيه قال قيس بن الخطيم: فرَأيتُ مثلَ الشَّمسِ عندَ ذُروِّهَا ... في الحُسنِ أو كَدُنُوِّها لِغُرُوبِ وقال آخر فحذف حرف التشبيه: من الشمسين شمس بني عقيل ... إذا حضرت وشمس بني هلال ولاَقى دُون ثأيِهِمُ طِعاناً ... يُلاقِي عندَهُ الذَئْبَ الغُرَابُ قال الشيخ: الثأي جمع ثأية، وهو مراح الإبل، إذا كانت عازبة. ويقال: أنه يتخذ من الشجر، وقوله:) يلاقي عنده الذئب الغراب (أي: يجتمعان على أكل القتلى، وبعض الناس يذهب إلى أن الذئب لا يأكل إلا ما يفترسه، وأنه لا يجري مجرى الضباع والكلاب. وعلى ذلك فسروا قول الشاعر: ولكُلِّ سَيَدِ مَعشَرٍ من قَومِهِ ... دَعَرٌ بِدنِّس مجده ويعيبُ لولا سِوَاهُ لجردت أوصَالَهُ ... عُرجُ الضّبِاعِ وَصَدَّ عنهُ الذِّيبُ ومن التي أولها: يا أُختَ خَير أخٍ يا بنتَ خَيرِ أبِ جَزَاكَ رَبُّكَ بالأحزَانِ مَغفِرَةً ... فحُزنُ كلِّ أخي حُزنٍ أخو الغَضَبِ قال ابن فورجة: يقول: جزاك الله مغفرة بهذا الحزن الذي أصابك، فقد أثمت به، قال الله تعالى) لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم (والحزن أخو الغضب، لأسباب كثيرة. فمنها أن الحزن غضب في الحقيقة، لأنه يغضب لما نال منه الدهر فيحزن، ومنها أن الرجل يأثم بالحزن ويأثم بالغضب، قال الله تعالى:) والكاظمين (. ومنها أن الحزن ينال من الإنسان، ويخلط عليه، كما أن الغضب ينال منه ويخلط عليه أمره، وقد دل على ذلك بقوله في عضد الدولة: آخِرُ ما المَلكُ مُعَزّىً بِه ... هَذَا الَّذي أثَّرَ في قَلبِهِ لا جَزَعاً بَلْ أنَفاً شابَهُ ... أن يَقدِرَ الدَّهرُ على غَصبِهِ ألا تراه قرن بينهما، وجعل تأثيره في قلبه، لا الجزع والحزن، ولكن للغضب والأنف والحمية، وقد فسر بذلك بقوله بعده: وأنتُمُ مَعشَرٌ تَسخُو نُفُوسُكُم ... بِمَا يَهَبنَ ولا يَسخُون بالسِّلَبِ ومن التي أولها: فَهِمتُ الكِتابَ أبَرَّ الكُتُبْ وَقَد كانَ يَنصُرُهُمْ سَمعُهُ ... ويَنصُرُني قَلبُهُ والحَسَبْ

стр. 10

قال ابن جني: أي يسمع منهم، إلا أن قلبه كان على كل حال معي، أي يميل إليهم بسمعه، ويميل إلي بقلبه. ومَا قُلتُ للبَدرِ أنتَ اللُّجَينُ ... ولاَ قُلتُ للشَّمسِ أنتِ الذَّهَبْ قال الشيخ: يقول أني تناهيت في مدحك، فلم أقل: وأنت البدر فضة، ولم أقل أنك أنت الشمس ذهب، لأن الذهب والفضة يستهلكان والشمس والقمر ليسا كذلك. وقد زَعَمُوا أنَّهُ إن يَعُدْ ... يُعَدْ مَعَهُ المَلِكُ المُعتَصِبْ قال الشيخ: المعتصب يحتمل وجهين: أحدهما وهو الأجود: أن يكون من الاعتصاب بالتاج، والآخر: أن يكون مفتعلا من العصبية. ومن التي أولها: فَديناكَ أهدى النَّاس سَهماً إلى قلبي ... واقتلُهُم للَّدارعينَ بِلا حَربِ قال الشيخ: قوله) أهدى الناس سهما (يحتمل وجهين: أحدهما ان يكون مأخوذا من قولهم هدى الوحش إذا تقدم، فيكون سهم منصوبا على التمييز، ويكون أفعل مبنيا من فعل له فاعل، ويكون الفعل للقسم. والآخر: أن يكون الفعل للمخاطب من قولهم هديته الطريق. فإذا حمل على ذلك، فسهم ينتصب بفعل مضمر يدل عليه قوله أهدى، لأن فعل التعجب لا يجوز أن ينصب مفعولا، وكذلك أفعل الذي للتفضيل، وعلى ذلك حملوا قول الشاعر: فَلَم أرَ مِثلَ الحَيّ حَيّاً مُصبِحّاً ... ولا مِثلَنا لما التَقَينَا فَوارسَا أكَرَّ وأحمى للحَقِيقَةِ مِنهُمُ ... وأضرَبَ مِنَّا في اللقاءِ القَوانِسا نصب القوانس بفعل مضمر، كأنه قال وأضرب منا في اللقاء فتم الكلام، وأضمر بضرب القوانس، والدارع، الذي عليه الدرع. الذي عليه الدرع. وَمَنْ خُلِقَتْ عَيناكَ بينَ جُفُونهِ ... أصابَ الحَدُورَ السَّهلَ في المُرتقى الصَّعبِ قال الشيخ: الحدور كل مكان ينحدر فيه. وهو أسهل من الصعود. ولذلك يصعدني الأمر إذا شق علي، ومنه قوله تعالى) سأرهقه صعودا (. وقال الهذلي: وإنَّ سيادةَ الأقوامِ فأعلم ... لها صَعداءُ مَطلَعُها طويلُ وكلام أبي الطيب مؤيد هذا المعنى، كأنه قال اصاب الحدور السهل في الصعود. والصعود والحدور يستعملان على التأنيث، وذكر الحدور هاهنا لأنه جعله كالنعت للمكان. ومن التي أولها: دَمعٌ جَرَى فَقضَى في الرَّبعِ ما وَجَبَا دَارُ المُلِمَ لها طَيفٌ تَهَدَدَني ... لَيلاً فَما صَدَقتْ عَيني وَلا كَذَبا قال ابن فورجة: الألف واللام في الملم بمعنى التي. يريد دار التي ألم لها ليلا طيف يهددني. ويهدني الطيف على عادة المحبوب في كثرة الدلال والصلف والابتعاد بالهجران والتجنب، فقال ما صدقت عيني لأنها أرتني ما لم تكن حقيقة، وما كذب الطيف في التهدد، فأنه قال لأهجرنك وقد هجر، ولأبعدن عنك، وقد بعد عني، ولأعذبنك وقد فعل. كأنَّها الشَّمسُ يُعِيي كَفَّ قَابِضِها ... شُعاعُها وَيَراهُ الطَّرفُ مقتَربا قال ابن جني: هذا مثل قول الشاعر: فأصبحتُ مَما كانَ بَيني وبينها ... سوى ذِكرها كالقَابضِ الماءَ باليدِ وقال الشيخ: حسن تقديم ضمير الشعاع قبل ذكره، لأنه اتصل بمخفوض قد أضيف إليه مفعول، كما يقال) خذ ثوب غلامه الأمير (فيحسن تقديم الهاء التي هي عائدة على الأمير لأجل ما ذكرناه، فإذا اتصل الضمير الفاعل قبح تقديمه على المفعول، فلا يحسن أن يقال: خان غلامه الأمير إلا في الضرورة كما قال الشاعر: جَزَى رَبُّه عَنّي عَدِيَّ بنَ حاتمٍ ... جزاءَ الكِلاَبِ العَاوياتِ وقد فعلْ وهذا المعنى مأخوذ من قول الأول: فقلتُ لأصحَابي هي الشَّمسُ ضَوؤُها ... قريبٌ ولَكِنْ في تَناوُلَها بُعدُ مُبَرقِعي خَيلِهمْ بالبيضِ مُتَّخِذِي ... هامِ الكُماةِ على أرماحِهم عَذَبَا قال ابن جني: أي جعلوا براقع خيلهم حديدا على وجوهها ليقيها الحديد أن يصل إليها. وجعل شعر هام الكماة، وهم الأبطال، عذبا لرماحه، وقد جمعوا) كميا (على) أكماء (.وقال الشيخ: يريد أنهم يمدون أيديهم بالسيوف للضرب، فتصير أمام الخيل، فكأنها لها براقع، ويمكن أن يريد أنهم قد ستروها بالبراقع، وقوله متخذي هام الكماة يريد ذوائب هام الكماة، وقد يجوز أن يجعل الهامة كالذؤابة، وعذبة الرمح ما تشد في طرفه، والكماة جمع كمي وهو الذي كمى نفسه بالسلاح أي سترها، وقيل هو الذي يستر شجاعته.

стр. 11

مَحَامِدٌ نَزَفَتْ شِعرِي لِيَملأها ... قالَ ما امتَلأتْ مِنهُ وَلا نَضَبا قال الشيخ: كان ابو الفتح ابن ٠جني (يتأول هذا البيت على معنى إذا اعتقده وجب أن يروي) وما نضبا (ويفسر الغرض بأن الشاعر أراد بقوله:) ما امتلأت منه (الذي امتلأت. وصف شعره بأنه لم ينضب. وفي هذا طعن على الممدوح، لأنه وصف المحامد بالامتلاء من الشعر. وإذا روى) ولا نضبا (فالمعنى أن محامده لم تمتلئ، وأن شعره لم ينضب، فهو مدح للمحامد وللشعر، وإذا رويت) وما نضبا (فهو يؤدي المعنى الذي تؤديه لا، ولكنه أشبه بها من ما. وقال الأحسائي: يقول أن الشعر على غزارته وجمومه لم يملأها وقصر عنها على أنه لم ينفد. ومن التي أولها: بأبِي الشُّموسُ الجانِحاتُ غَوَارِبَا ... اللاَّبِساتُ من الحريرِ جَلاَبِبَا قال الشيخ: رفع الشموس وما جرى مجراها يحتمل وجهين: أحدهما أن تكون مبتدأ، كأنه قال الشموس بابي مفديات. والآخر: أن يكون الخبر قوله الشموس، ويجوز وجه ثالث: وهو أن تكون الشموس مرفوعة لأنها اسم ما لم يسم فاعله، كأنه قال تفدى الشموس. ويجوز أن تنصب على معنى قوله أفدي بأبي الشموس، ومثل هذا قولهم بنفسي فلان، إذا أرادوا معنى الفداء. والجانحات المائلات، يقال جنحت الشمس للغروب، وجنحت النجوم إذا مالت للمغيب. المُنهباتُ عُيونَنا وقُلُوبَنا ... وَجَناتِهنَّ النَّاهِبَاتِ النَّاهبا قال ابن جني: يقول أنهبتنا وجناتهن. فلما نظرنا إليهن نهبن قلوبنا وعقولنا. وحُبِيتُ مِن خُوصِ الرَكابِ بأسوَدٍ ... مِن دارِشٍ فغَدَوتُ أمشي رَاكِبا قال الشيخ: الدارش كلة معربة، وهو الأديم المحبب، وإنما خفا أو شمشكا وخوص الركاب التي غارت عيونها، والركاب الإبل خاصة وقد كرر هذا المعنى في الفعل كما قال: لا ناقَتِي تَقَبلُ الرَّدِيفَ ولا ... بالسَّوْطِ يَومَ الرّهانِ أجهدُها وقد سبق إلى هذا المعنى القائل: إلَيكَ امتَطَينا الأرحبي المُلَسَّنا فَلَقَدْ دَهِشتُ لما رأيتُ ودُونَهُ ... ما يُدهِشُ المَلَكَ الحَفيظَ الكاتِبا قال: أصل الملك وملاك. ويدل على ذلك قولهم الملائكة، ووزنه مفعل فإذا حذفت الهمزة فقد ذهبت العين مفل. وعندهم أنه مأخوذ من الألوكة. وهي الرسالة وكأنه مقلوب، لأنه كان ينبغي أن يقال: مألك فأخرت الهمزة، وربما جاء في أشعار المحدثين الأملاك يريدون به جمع ملك وذلك غلط، وإنما جمع الملك ملائك وملائكة. ومن التي أولها: ضُرُوب النَّاسِ عُشَّاقُ ضُرُوبَا ... فأعذَرُهُمُ أشَفُّهُمُ حَبيبَا قال الشيخ: ضروبا منصوب بوقوع الفعل عليها، وهو العشق فهذا الوجه الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وقد يمكن أن يقال هي منصوبة على الحال، كأنه قال الناس عشاق مختلفين في عشقهم. وقوله أعذرهم لا يجب أن يكون مأخوذا من قولك عذرت الرجل فهو معذور، لأنه حمل على ذلك كان أفعل التفضيل قد بني من فعل ما لم يسم فاعله وذلك ممتنع. ولكنه مأخوذ من قولهم عذر الرجل وأعذر إذا أتى بعذر. وفعل فعلا يعذر به من أساء إليه، يقال عذر من نفسه وأعذر إذا بين عذره. وأشفهم أي أفضلهم مأخوذ من الشف وهو الفضل والربح. كأنَّ نُجومَهُ حَليٌ عَلَيهِ ... وقَدْ حُذِيَتْ قَوَائِمُهُ الجَبُوبا قال ابن فورجة: شبه النجوم بالحلي على الليل، وأراد أن يصفه بالشيوع فقال وقد حذيت قوائمه الجبوبا، والجبوب الرض يعني كأن الليل جعلت الأرض له حذاء فهو متصل من السماء بالأرض. ويجوز أن يعني بذلك طول الليل. وقال الأحسائي: شبه الليل بفرس أدهم محلى بالنجوم. والجبوب وهي الأرض قوائمه، وقيل لبعض العرض وسئل عن فرسه أتسبح في الجبوب؟ فقال: نعم وتتوغل في الشنخوب. ومن التي أولها: أعِيدوا صَباحِي فَهوَ عندَ الكَواعِبِ ... وَرُدُّوا رُقادِي فَهوَ لَحظُ الحَبائِبِ قال ابن جني معناه ردوا الكواعب والحبائب ليرجع صباي وأبصر أمري إذا أبصرت إليهم وأبصرت إلى: ابن فورجة: يريد الكواعب حتى يعود صباحي، أيد هري ليل كله ولا صباح إلا في وجوههن، وحقق ذلك بقوله بعده: فإنَّ نَهارِي لَيلَةً مُدلَهِمَّةٌ ... على مُقلَةٍ مِن فَقدِكم في غَياهِب

стр. 12

أتاني وَعِيدُ الأدعياءِ وأنَّهم ... أعَدُّوا لِيَ السُّودانَ في كَفرِ عاقِبِ قال الشيخ: الدعياء جمع دعي، وهو الذي يدعيه أبوه، أو يدعي هو إلى أب ولا يكون نسبه ثابتا، والسودان هاهنا مراد بهم عبيد وسودان أعدوا له في كفر عاقب ليقتلوه. وكفر عاقب في الشام الأعلى. وكل قرية كفر، وبعض من فسر شعر أبي الطيب يذهب إلى أنه أراد بالسودان الحيات جمع أسود. ويذهب إلى أن السودان كناية عن الشرور ولا يمتنع ما قال. وقال ابن فورجة: السودان: جمع أسود سالخ؛ يجمع على الأساود وعلى السودان ولا يجمع سالخ كما قالوا) أبارص في سام أبرص (. قال الراجز: واللهِ لو كُنتُ لهذا خَالِصا ... لكُنتُ عَبداً يأكلُ الأبارِصَا قالوا وقد جمعت سام أبرص على البرصة، فجمعوا الاسم الثاني وقد يقال سوام أبرص بجمع الاسم الأول، وقالوا ليس في كلام العرب جمع أفعل على فعلة إلا هذه الكلمة، يريد أعدوا لي دواهي ومكروا بي. ثم قال: ولَو صَدقُوا في جَدَهِم لَحذِرتُهمْ ... فهلْ فيَّ وحَدي قَوُلُهمْ غيرُ كَاذِبِ فبين في هذا البيت أنهم أعدوا له وشايات وكلاما. وأدعى أنهم أدعياء في جدهم. ليسوا متحققين في انتسابهم بل هم كاذبون، فقال لو كانوا صادقين في انتسابهم لحق لي حذرهم والتوقي منهم. فأما الآن وقد شاع كذبهم فكل ما وشوا به علي كذب. وقال الحسائي: هؤلاء قوم من العلوية كان بينه وبينهم عداوة. فبلغه أنهم هموا بقتله وأقاموا له رجالا ليغتالوه في طريقه وهو قاصد أبا محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج بالرملة. أُناسٌ إذا لاقَوا عشدىً فكأنَّما ... سِلاحُ الذي لاقَوا غبارُ السَّلاَهِبِ قال ابن جني: يقول سلاح أعدائهم عندهم كغبار الخيل لا يعبأون به، ولا يلتفتون إليه. وخص السلاهب لأنها أسرع فغبارها ألطف. إذا لاقوهم قابلوهم بالفرار. فسلاحهم أن يركضوا جيادهم فيثور غبارها في الهزيمة. ويجوز أن يذهب إلى أن الممدوحين لا يحلفون بسلاح الأعداء ولا يضرهم، فكأنه غبار الخيل يدخلون فيه بلا اكتراث. ويقوي هذا القول في صفة الخيل دوامي الهوادي. والسلاح يذكر ويؤنث. يقُولونَ تأثِيرُ الكَواكِب في الوَرَى ... فما بالُهُ تأثِيرُهُ في الكَواكِبِ قال أبو علي ابن فورجة: تأثيره في الكواكب إثارته الغبار حتى لا يظهر ليلا. وحتى يزول ضوء الشمس، وحتى تطلع الكواكب بالنهار. قال الشيخ أبو الفتح: وذلك أنه يبلغ من الأمور ما أراد. فكأن الكواكب تبع له وليس تبعا لها. وهذا وجه في تفسير هذا البيت غير ظاهر. ولقائل أن يقول هذه دعوى من نفسك. ولا يظهر لأحد تأثير في الكواكب، إذا بلغ هو ما أراد مخالفا لما أرادت الكواكب، بل يظن أن بلوغه ما أراد كان مما أرادت الكواكب، وما ذكرناه أظهر وأبعد من العنت. تُخَوّفُنِي دُونَ الذي أمَرَتْ بِهِ ... ولم تَدْرِ أنَّ العارَ شَرُّ العَواقِبِ قال ابن جني: تخوفني الهلاك وهو دون العار الذي أمرتني بارتكابه. فقد غَيَّبَ الشُّهُّادَ عن كل مَوطنٍ ... وَرَدَّ إلى أوطَانِهِ كُلَّ غائبِ قال الشيخ أبو الفتح: يقول قد غيب من كان شاهدا في وطنه ومن كان عادته ترك السفر لما سمع به من سخائه، ورد غائب إلى أوطانه. لأنه أعطاه وأغناه عن السفر إلى سواه. يَرَى أنَّ مَا بانَ مِنكَ لضَارِبٍ ... بأقَتلَ مَّما بانَ مِنكَ لِعائِبِ قال الشيخ أبو العلاء: في أن ضمير وهو الهاء كأنه قال يرى أنه ما الذي بان منك لضارب. فما الأولى نافية والثانية في معنى الذي. ومن التي أولها: مَنِ الجَاذِرُ في زِيّ الأعارِيب إنْ كُنتَ تَسألُ شَكَّاً في مَعارِفِها ... فَمَنْ بَلاكَ بِتَسهيدٍ وتَعذِيبِ قال الشيخ أبو العلاء: هذا البيت فيه ضرب من الاكذاب. لأنه يسأل عن الجاذر وكأنه لا يعرفها. ثم قال هذه المقالة الثانية فدل أنه خبير بهن والمعارف تستعملها العرب في معنى الوجوه. واحدها معرف سمي بذلك لأن الوجه يعرف به الإنسان.

стр. 13

وروي عن الأصمعي أنه قال في واحد المعارف: فأما القياس فيوجب أن يكون الواحد معرفا بكسر الجر لأنه موضع المعرفة. فهو كالمجلس موضع الجلوس. والمهبط موضع الهبوط، ويجوز أن تكون المعارف جمع معرفة، كأنه أراد إن كنت تسأل شكا في معرفتها. ثم جمع فقامة الوزن. لا تَجزِنِي بَضَنيً بِي بَعدَها بَقَرٌ ... تَجزِي دُمُوعيَ مَسكوباً بِمَسكوبِ قال الشيخ أبو العلاء: قوله) لا تجزني (مجزوم بالدعاء، لأنه ينجزم كانجزام النهي والمعنى أنه بكى عند الفرقة وبكين. فجزين دمعه بدمع، فدعا لهن أن لا يجزينه بضناه ضنى مثله، كما جزينه بالدمع، أي لا أريدهن يضنين بعدي. قالُوا هجَرتَ إليه الغَيثَ قُلتُ لهم ... إلى غُيُوثِ يَدَيهِ والشَّابِيبِ قال ابن جني: يقول تركت القليل من ندى غيره، إلى الكثير من نداه. قال الشيخ أبو العلاء: المعنى أنه قيل له هجرت الغيث إلى هذا الممدوح لأن مصر لا تمطر. فأجابهم بهذا الجواب، وأنكر أبو علي ابن فورجة على أبي الفتح ابن جني ما ذكره. من أن الشاعر أراد أنه ترك القليل من ندى غيره إلى الكثير من نداه. وقال: ليس في قوله هجرت الغيث ما يدل على أنه هجر القليل من ندى الناس، بل يدل على أنه هجر الكثير إلى الكثير. بَلى يَرُوعُ بِذي جَيشٍ يُجدّلُهُ ... ذا مِثلِهِ في أحَمِّ النقعِ غِربِيبِ قال الشيخ أبو العلاء: بذي جيش أي بملك صاحب جيش، وذا مثله، أي ملكا صاحب جيش مثل هذا الجيش، وذا: في معنى صاحب، يقال ذو مال وذو جاه، ولا يضاف ذو إلا إلى أسم ظاهر ولا يحسن أن يقال الماء أنت ذوه. ومن التي أولها: أُغالِبُ فيكَ الشَّوقَ والشَّوقُ أغلبُ وكمْ لِظَلامِ اللَّيلِ عِندَكَ مِن يَدٍ ... تُخَبّرُ أنَّ المَانَوِيَّةَ تَكذِبُ قال الشيخ أبو العلاء: المانوية منسوبة إلى ماني. وهو رجل يعظمه أهل مذهبه ويقال أن طائفة من الترك عظيمة يرون مذهبه، وأن أهل الصين على مذهبه وأن لأصحابه كتبا ومناظرات، ويزعمون باثنين: رب يفعل الخير لا غير وهو في بعض الألسنة الذي يسمى يزدان، وضده يفعل الشر ويسمونه أهرمن، ويذكر عنهم أنهم يقولون أن الخير من النهار والشر من الليل. وللهِ سيرِي ما أقَلَّ تَئِيَّةً ... عَشِيَّةَ شَرقيَ الحَداليَ وغُرَّبُ قال الشيخ أبو العلاء: الحدالي في موضع رفع بالإبتداء، وموضع شرقي نصب على الظرف، وحذف ياء الإضافة من شرقي لالتقاء الساكنين، ويجوز أن يكون الحدالي خبرا، وشرقي مبتدأ، لأن شرقي يجوز أن يكون ظرفا وغير ظرف، قال جرير: هبَّتْ جنوباً فَذِكرى ما ذكرتكُم ... عندَ الصَّفاة التي شرقيَّ حَورَانَا فالوجه النصب في شرقي حوران، والرفع على أن يكون التقدير عدن الصفاة التي هي حوران، والحدالي وغرب جبلان. عَشِيَّةَ أحفَى النَّاسِ بِي مَنْ جفَوتُهُ ... وأهدَى الطَّريقَين الذي أتَجَنَّبُ قال ابن جني: يقول أصفى الناس بي سيف الدولة، وأهدى الطريقين التي أتجنب، لأنه كان يترك القصد ويتعسف ليخفي أثره خوفا على نفسه وقال أبو علي ابن فورجة:) من جفوته (يعني به سيف الدولة. وأحفاهم أشدهم اهتماما في البر بي، وأهدى الطريقين الذي أتجنب، يريد الأولى بي أن أعود إلى سيف الدولة، إلا أني هجرته لدرب مصر، يتوصل بذلك إلى عتاب كافور، وإظهار الندم على زيارته. وعَيني إلى أُذنَي أغَرَّ كأنَّهُ ... مِنَ اللَّيلِ باقٍ بينَ عَينَيهِ كَوكبُ قال ابن فورجة: إنما يجعل عينه إلى أذنه، لأن الفرس أسمع الحيوان، ومن أمثال العرب) أسمَعُ من فَرَسٍ بِبَهماء في غَلَسٍ (وقوله كأنه من الليل. أي كأنه قطعة من الليل، وقد تم الكلام به، أعني أنه غير متعلق بقوله) باق بين عينيه كوكب (فيسقط حينئذ تشبيهه إياه بالليل. وهذه اللفظة ومعناها أخذهما من أبي داود حيث يقول: ولَها فرجةٌ تَلألأُ كالشِّعرَي أضاءتْ وغُمّ منها النُّجومُ وأظلمُ أهل الظُّلم مَن باتَ حاسِداً ... لِمَن باتَ في نَعمائه يَتَقَلَّبُ قال ابن فورجة: قرأت كتابا منسوبا إلى) أبي علي محمد بن الحسن الحاتمي (يذكر فيه ما نقله أبو الطيب من ارسطاطاليس إلى شعره، يذكر فيه أن هذا البيت من قول أرسطاطاليس) أقبح الظلم حسدك لعبدك الذي تنعم عليه (.

стр. 14

ويجوز أن يكون توهم الهاء في قوله) في نعمائه (عائدة إلى ما بات، ولو كانت عائدة إليه كان المعنى مأخوذا من قول أرسطاطاليس كما ذكر. وإنما الهاء عائدة إلى الممدوح، ومعنى البيت أن إنعامه فائض على كل أحد فاظلم الناس من يحسد من نال من خيره. إذ كان خيره مبذولا لكل أحد، فلم يبق للحسد وجه. وإنما هذا مثل قوله: كسَائِلِه مَن يسأل الغَيثَ قطرَةً وخارج من مخرجه. وَدُونَ الذي يبغُونَ ما لَو تخلَّصُوا ... إلى الشَّيبِ منهُ عشت والطِّفلُ أشيَبُ قال ابن جني: أتى دون ما يريدون من السوء الموت، والذي لو تخلصوا منه إلى الشيب لشاب، ولكنهم لا يخلصون من الموت إلى الشيب بل يقتلهم قبل ذلك. ويُغنِيكَ عَمَّا يَنسُبُ النَّاسُ أنَّهُ ... إلَيكَ تَناهَى المُكرماتُ وتُنسَبُ قال أبو علي: قوله عما ينسب الناس. يبعد قليلا هذا البيت عن الفهم، وهو مع ذلك ظاهر، يقول يغنيك عن النسب أن المكارم كلها تنسب إليك. وظاهره مأخوذة من قول ابن أبي طاهر: خَلائقُهُ للمَكرُمات منَاسبٌ ... تَناهَى إليها كلُّ مَجدٍ مُوثَّلِ وللبيت باطن خبيث، وهو سخرية يردي أنه لا نسب لك لأنك عبد، ثم زاد دلالة على السخرية فيما يليه: وأيُّ قَبِيلٍ يَستَحِقُك قَدرُهُ ... مَعَدُّ بنُ عَدنانٍ فِداكَ وَيَعرُبُ أفتراه أجل من النبي ﷺ وهو من معد بن عدنان!. ومن التي أولها: لا يُحزِنِ اللهُ الأميرَ فإنَّني ... لآخُذُ مِن حالاتِهِ بِنَصِيبِ قال الشيخ أبو العلاء: في هذا البيت خزم، ولم يخزم أبو الطيب إلا في موضعين أحدهما هذا والآخر: إنْ تَكُ طَّيءٌ كانَتْ لِئاما وقال أبو علي ابن فورجة: هذا البيت ظاهر اللفظ والمعنى، وإنما حملني على إيراده أني قرأت أوراقا قد وسمت بمساوئ المتنبي. أنشأها الصاحب كافي الكفاءة أبو القاسم، قد ارتكب فيها شيئا من المزج عجيبا، ليس من طريقة العلم، ولا مما أفاد غير خيلاء الوزارة وبذخ الولاية. ولعمري لو لم يرو عنه هذا الكتاب لكان أجمل بمثله، إذ كان لم يتعد فيه التهزؤ الفارغ والكلام اللغو. حتى أنه ما يكاد ينتقص بيتا من الأبيات التي نقمها على أبي الطيب بما يفيد معرفة، مخطئا فيه أو مصيبا، إلا مواضع يسيرة كأنها عثار منه بالجد لا عمد، وهذه رسالة عملها في صباه والنزق حداه على إظهارها وما أجدر مريد الخير بكتمانها عليه، فمن الأبيات التي ردها عليه هذه الأبيات يقول: ولا ندري لم لا يحزن الله سيف الدولة إذا أخذ أبو الطيب بنصيب من القلق، أترى هذه التسلية أحسن عند أمته أم قول أوس: أيَّتُها النَّفسُ أجمِليِ جَزَعَا ... إنَّ الذي تذَريَن قد وَقَعَا قد أخطأ في موضعين، أحدهما أنه ظن أنه يقول كلما أحزن سيف الدولة حزنت فقط، وظن أن يحزن الله لأنه إخبار ولو ظنه ذلك لما استفهم، فقال لم لا يحزن الله سيف الدولة إذا أخذ أبو الطيب بنصيب من القلق وهذا خطأ ويحزن جزم والنون ساكنة وحركت لالتقاء الساكنين، وهو دعاء كما تقول: لا يمت زيد، ولا تشلل يدك، فيقول لا أصابك الله بحزن فأني أحزن إذا حزنت، كأنه يقول لا أحزنني الله ولا نالني بحزن والغلط الثاني أنه قال: أترى هذه التسلية أحسن أم قول أوس؟ فأن هذا البيت ليس بتسلية وإنما هو دعاء للممدوح، وليحسب أنه على ما أظنه قائل هذا القول، فكيف يكون تسلية، إخباره أن الله لا يحزن سيف الدولة لأن المتنبي شريكه، فهذا ظاهر وترك الدلالة على هذه الزلة غير سائغ. ولا فَضلَ فيها للشَّجاعَةِ والنَّدَى ... وَصَبرِ الفَتى لَولا لِقاءُ شَعُوبِ قال ابن جني: يقول لو أمن الناس الموت لما كان للصابر والشجاع فضل، لأنه قد أيقن بالخلود ولا خوف عليه.

стр. 15

قال أبو العلاء: إدعاء أبي الطيب أن الدنيا لا فضل فيها للشجاعة والندى وبذل اللهى، لولا الموت غير صحيح، لأن الناس لو كانوا مخلدين لم تنقص فضيلة الجود وغيره من الأشياء المحمودة. ومثال ذلك الشجاع لو علم أنه مخلد لجاز أن يعرض له شيء يخاف من كونه، وإقدامه عليه فضيلة، وكذلك الجود لا يمنع التخليد أن يحمد جوادا إلا أنه قد يجوز أن ينحل بأشياء كثيرة. لا يؤثر أن يكون لغيره من الأحياء. وقال محمد العجلي: الناس على الحقيقة العقلية إنما يرغبون في جمع المال لتقوى به نفوسهم على المكاره التي تلحقهم في الحياة، ولا يحتاجون إليه بعد الموت، أو ربما افتقر الإنسان فأصابه من الشدائد ما يتمنى الموت معه، وربما حمل الفقير نفسه أنفة من الفقر والحاجة على الأمور التي يطلب فيها، وربما مات الإنسان هزلا، فإذا كان الأمر كذلك فأن بذل الإنسان لماله يعدل بذل نفسه في الحرب، ولولا الموت لما حمد الكرم أيضا، وكان الإنسان لو بقي حولا لا يأكل الطعام لما فكر في ذلك إذا أمن الموت. ولولا أيادي الدَّهرِ في الجمع بَينَنا ... غَفَلنا فَلَمْ نَشعُرْ لَهُ بِذُنُوبِ قال ابن جني: يقول لولا إحسان الدهر في الجمع بيننا لما شعرنا بذنوبه، تارة يحسن الدهر وتارة يسيء، وما أحسن ما اعتذر للدهر ونفح عنه. قال ابن فورجة: وقد فسر هذا المعنى بالبيت الذي يليه، إلا أنه عاد مستقبحا لفعل الدهر وذاما له بعد نفح عنه، وبعد ما ذكر أن له عندنا، فقال: ولَلتَّركُ لِلإحسانِ خَيرٌ لُمحسنٍ ... إذا جَعَلَ الإحسانَ غَيرَ رَبيبِ وفي الأوراق المنسوبة إلى الصاحب بن عباد، يهزأ بهذا البيت مستظرفا قال: ومن تعقيده الذي لا يشق غباره ولا تدرك آثاره قوله: ولَلتَّركُ للإحسانِ خَيرٌ لُمحسنٍ ... إذا جَعَلَ الإحسانَ غيرَ ربيبِ ولا أشك أن هذا البيت أوقع عند حملة عرشه من قول حبيب: فَقلتُ للحادِثَاتِ استَنبِطي نَفَقاً ... فقد أظَلَّكَ إحسَانُ ابن حَسَانِ فما أدري أمن قوله تعقيده الذي لا يشق غباره تعجب، أم من تشبيهه هذا بيت أبي تمام، وكلا الأمرين عجيب، أما زعمه أنه قد عقد فوجه التعقيد ما لا نعلمه، فأنه لم يقدم لفظة ولا آخر أخرى عن موضعها، ولا أغرب في اللفظ ولا في المعنى، وإنما قال ترك الإحسان خير للمحسن إذا لم يرب إحسانه، ألا تراه حين فككنا النظم، وجعلناه نثرا، أتينا بمثل لفظه سواء من غير زيادة، ولا نقصان، ولا تقديم، ولا تأخير، فليت شعري أين التعقيد؟ وما قوله ما أشك أن هذا البيت أوقع عندهم من قول حبيب. ولا أعلم ما التجاور بينهما والتشارك، ولعله رأى اشتراكهما في لفظة الإحسان تشابها، والسلامة من هذا القول أسلم لكل لبيب. إذا استَقبلَتْ نفسُ الكريم مُصَابَهَا ... بِخُبثٍ ثَنَتْ فاستَدبَرته بِطيبِ قال ابن فورجة: أراد بالخبث الجزع، وبالطيب الصبر، أي إذا جزع الكريم لمصيبته في أولها، راجع أمره فعاد إلى الصبر والتسليم لله. ولفظ البيت مستهجن، إذا أقام الخبث مقام الجزع، ولم يتقدمه ما يوجبه وهو معنى قول أبي تمام: أتَصبِرُ للبَلوىَ عَزَاءً وحِسبَةً ... فَتُؤجَرَ أم تَسلُو سُلُوَّ البهائم وكم لكَ جَدّاً لم تَرَ العَينُ وَجهَهُ ... فلم تَجرِ في آثارِهِ بِغُروُبِ قال الشيخ أبو العلاء: الغروب جمع غرب، وأصل الغرب حدة الشيء، وأصحاب النقل سيتجوزون في العبارة، فيقولون الغروب الدمع، وقيل ألا ترقا الدمعة قال الراجز: مالَكَ لا تذكر أمَّ عَمرو ... إلاّ لِعينيكَ غُروبٌ تَجري والمعنى أن الإنسان إنما يحزن لمن يعرف ويشاهد، فأما جدوده الذاهبون فلا يدركه عليهم البكاء، وهو أبي خراش: ولكنَّها تعفو الكلومُ وإنَّما ... نُوكَّل بالأدنى وإن جَلَّ ما يمضي ومن التي أولها: فَديناك مِن رَبعٍ وإن زِدتَنا كَرَبا ذَكرْتُ به وَصلاً كأن لم أُفز به ... وعَيشاً كأني كنتُ أقطَعُهُ وَثبا قال ابن فورجة: أراد بالمصراعين جميعا قصر زمان الوصل، فأما المصراع الأول فأنه يقول كأنه لم يكن لقصره، كما قال عبد الصمد بن المعذل: شَبابٌ كأن لم يكُنْ ... وشَيبٌ كأن لم يَزَلْ

стр. 16

وأما المصراع الثاني فيقول كأن قصر أوقات كل نعمة فيه، قصر وقت الوثب، وكأن كل زيادة من الحبيب وثبة، وكل ساعة من اللقاء وثبة، وكل يوم من الاجتماع وثبة، ولعمري لئن كان القائل: وَيَومٍ كإبَهامِ القَطاةِ مُزّيَّنٍ ... إليَّ صِباهُ غالِبٍ ليَ باطِلُهْ أجاد، والقائل: ظَلِلنا عِندَ دَارِ أبي نُعيمٍ ... بيومٍ سالِفَةِ الذُّبابِ بالغ، فالوثب في هذا المعنى الذي قصده أبلغ واحسن، وقد وقع في هذا البيت سهو على القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، فأنه ذكره في كتابه الموسوم) بالوساطة (فأدعى أنه أخذه من الهذلي حيث يقول: عَجِبتُ لسَعي الدَّهرِ بيني وبينَها ... فلمَّا انقضَى ما بيننا سَكَن الدَّهرُ قال أخذه منه، فجعل أبو الطيب السعي وثبا، وقد ملح في اللفظ، وهذا قول القاضي وهذا عجب منه مع علمه بالشعر وغوصه على المعاني الدقيقة. وكونه في النقد في الذروة العليا، فإذا زل الشيخ أبو الفتح في معنى بيت عذرناه، لكونه عن صناعة الشعر بمعزل، فأما القاضي أبو الحسن فلا عذر له، وإنما هو من جناية العجلة، وحاشا لله أن أدعي الفضل على أحد تلامذتهما، فكيف عليهما! ولعل السهو يتفق علي في كثير مما أظنني أحرزت أطرافه من هذا الكتاب، فضلا عما سواه، إلا أن الدلالة على السهو واجبة بوقف البغي على من به اقتديت، مما أعوذ بالله منه، وبحوله وقوته أعتصم، وهو حسبي ونعم الوكيل. وأقول أن الهذلي لم يرد بالسعي المشي الصريح. فيجعله أبو الطيب وثبا وإنما أراد من قولهم سعيت بفلان إلى الأمير سعيا وسعاية، ولعمري أن السعاية في مصادر هذا الفعل أشهر، إلا أن السعي القياس الذي لا محيص عنه، ويضطرنا إلى ذلك أن معنى البيت لا يتم، وغرض قائله لا يحصل، إلا بما ذكرناه. يقول لم يزل الدهر يسعى بي إليها، ويسعى بالمكروه بيننا، فلما انقضى ما بيننا بالفراق سكن الدهر من تلك السعاية، ألا ترى أنه أراد السعي الذي هو المشي، لم يكن له معنى، وليكن ما ظنه القاضي أبو الحسن سائغا، فما يصنع بقوله) فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر (أترى الزمان لما وقع الفراق سكن عن المضي. ومل الفلك من الدوران. والزمان إنما هو استمرار دورانه، فلا مجاورة بين بيت الهذلي وبيت أبي الطيب في شيء مما ذكره. فيا شَوقُ ما أبقَى ويَا لي من النَّوى ... ويا دَمعُ ما أجَرى ويا قلبُ ما أصْبَى قال أبو العلاء: حذف الياءات التي للإضافة، وهي اللغة الجيدة وقوله) يالي (يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أراد اللام المفتوحة التي للاستغاثة، كما يقال يا لفلان ويا لبكر والآخر: أن يكون أراد اللام المكسورة التي تكون في المستغاث من أجله كأنه قال يا قوم أعجبوا لي من النوى، وقوله) ما أبقى وما أجرى وما أصبى (كله على إرادة الكاف. لَقَدْ لَعِبَ البَينُ المُشِتُّ بِها وبِي ... وزَوَّدَنِي في السَّيرِ ما زَوَّدَ الضَّبَّا قال ابن جني: أراد لم يزودني البين شيئا أستعين به على السير ضربه مثلا يردي شدة البين. قال أبو العلاء: يجب أن يكون خص البين لفرق بينه وبين غيره، وإلا فلا فائدة لذكره وقد زعموا أن الضب لا يشرب الماء، فيحتمل أنه أراد فزودني صبرا عن الماء، كأني أصبر به ضبا: وقيل أن الضب إذا خرج من بيت فبعد لم يهتد للرجوع إليه، وضربوا به المثل في الحيرة، فيجوز أن يكون قصد هذا المعنى. فحُبُّ الجَبانِ النَّفسَ أورَدَهُ التُّقَى ... وحُبُّ الشَّجاعِ النَّفسَ أورَدَهُ الحَرْبا قال ابن جني: أي لم يرد الشجاع الحرب إلا ليبلي بلاء، يتشرف ذكره به في حياته، أو يقتل فيذكر بالصبر والأنفة بعد موته وأحسن ما جاء في هذا قول الحصين بن الحمام المري: تأخّرتُ أستَبقِي الحَياة فلم أجِدْ ... لنَفسِي حَياةً مثلَ أن أتَقَدَّما ومن التي أولها: ألا ما لِسَيفِ الدَّولَة اليَومَ عاتِبَا وقدْ كانَ يُدنِي مَجلِسي من سَمائِهِ ... أحادِثُ فيها بَدرَها والكَواكِبا قال ابن جني: شبه مجلسه، فجعله كالبدر وجعل خصاله سماء، وأفعاله كالكواكب حوله وهو قوله: أٌقَلِّبُ فِيكَ طَرفي في خِصالٍ ... وإن طَلَعتْ كَواكِبُها خِصَالا قال أبو العلاء: عني بالكواكب جلساء سيف الدولة وغلمانه وأقاربه.

стр. 17

أهَذا جَزاءُ الصَدقِ إن كنتُ صَادِقاً ... أهَذا جَزاءُ الكِذبِ إن كنتُ كاذِبَا قال الشيخ أبو العلاء: هذا عتب شديد على سيف الدولة، يقول هذا الفعل الذي فعلت بي من الإبعاد والإخافة جزاء مدحي لك، فأن كنت صادقا فما يجب أن تجازيني على صدقي بقبيح، وأن كنت كاذبا فإكرامي أكثر مما يحب على الصدق لأني تقولت لك من المكارم ما ليس فيك. ومن التي أولها: مُنىً كُنَّ لي أنَّ البَياضَ خِضابُ فكيفَ أذُمُّ اليومَ ما كنتُ أشتَهِي ... وأدعُو بما أشكُوُه حِينَ أُجابُ قال ابن جني: يقول كيف أذم الشيب وقد كنت أشتهيه، وكيف أدعو بما إذا أجبت إليه شكوته، هذا مستحيل أي كيف أدعو بالشيب وأنا اكرهه. وَعَن ذَملان العِيسِ إن سامَحَتْ بهِ ... وإلاَّ ففي أكوارِهِنَّ عُقابُ قال أبو العلاء: الكلام يستغني عند قوله:) وعن ذملان العيس (. كأنه قال عني وعن الأوطان وعن ذملان العيس. ثم ابتدأ كلاما فقال أن سامحت العيس بذملانها ركبتها وإلا تسامح به ففي أكوارهن عقاب. أي أنا أقدر من السير والتصرف في الأسفار على ما يقدر عليه العقاب. وغَيرُ فُؤادِي للغَواني رَمِيَّةٌ ... وغَيرُ بَنانِي للزُّجاجِ رِكابُ قال الأحسائي: الرواية الصحيحة للزجاج يعني أوعية الخمر. مثل الكأس والجام والقنينة وما أشبه ذلك وهي تجعل على البنان كما قال أبو تمام: رَاحَ إذا مَا الرَّاحُ كُنَّ مَطِيَّها ... كانَتْ مطايَا الشَّوقِ في الأحشَاءِ فالحشا والركاب واحد. وأكثَرُ ما تَلقَى أبا المِسكِ بِذلةً ... إذا لمْ تَصُنْ إلاَّ الحَديدَ ثِيابُ قال أبو علي: هذا البيت قد ذكرناه في كتاب) التجني على ابن جني (، وقد سها أبو الفتح فيه سهوا بينا قال في تفسيره: يقول إذا تكفرت الأبطال فلبست الثياب فوق الحديد خشية واستظهارا. فذلك الوقت أشد ما تكون تبذلا للضرب والطعن، وهذا أيضا من جناية العجلة، ولو تثبت لم يضرب عنه هذا القدر، وما الحاجة بنا إلى هذا التعسف، بل ما الحاجة بالأبطال أن تلبس الثياب فوق دروعها، وإنما يفعل ذلك من يحتال لحرب من يخشى حربه، إذا كان يكاتمه أو هم بغيلة وهو يخشى ظهور أمرها، فسيظهر لحرب من يدفع أن يدفع، ونما معنى البيت ما أقول: وهو أنه إذا لم يصن البدن إلا الحديد ثياب، فحذف البدن لعلم المخاطب به، يعني في الحال التي لا يصون الإنسان ثيابه عن وخز الرماح وضرب السيوف، بل يحتاج بها إلى الحديد فالحديد على هذا نصب لأنه استثناء مقدم، وظن الشيخ أبو الفتح أنه يقول إذا لم يصن الثياب إلا الحديد، فهلا خصم نفسه وقال قد تصون الثياب بدن لابسها أيضا، في الحال التي تظاهر بها على درعه، ولعمري أن اللفظ مزلة، والإنصاف بنا وبه أولى وترك اللجاج أحسن. ومن التي أولها: آخِرُ ما المَلكُ مُعَزٍّى بِهِ ... هذَا الذّي أثَّر في قَلبِهِ وأنَّ جَدَّ المَرءِ أوطانُهُ ... مَن لَيسَ منها ليسَ مِن صُلبِه قال أبو الفتح ابن جني: أي لعل الأيام تحسب أن عمتك لما لم تكن قاطنة عندك في وطنك. الذي عادتك وعادة أجدادك أن يكونوا فيه، لأنه بلدكم ومستقركم، أنه لا نسب بينك وبينها فلذلك أقدمت عليها. وروى الأحسائي: أو لعل الأيام تعتقد أن جد الإنسان وطنه، فمن لا يكون في وطنه فليس من صلب جده، ولا بينه وبينه نسب. وكانَ مَنْ حَدَّدَ إحسانَهُ ... كأنَّهُ أسرَفَ في سَبِّهِ قال ابن جني: أي كان يكره أن تحصى تناسيا للمعروف. وقال أبو العلاء: كلام أبي الفتح على أن المرثاة كانت تكره أن توصف مكارمها وإحسانها، وأحسن من هذا الوجه أن تكون المذكورة غير موصوفة بالكراهة ويكون معنى البيت أن هذا الشخص من حدد إحسانه أو عدده فكأنه ساب له، لن فعله الأجمل كثير لا يدخل تحت الحدود ولا العدد، ويجوز أن يكون المعنى أن المذكور كان يكره أن يحمد لاحتقاره ما يسدي من الأيادي وأصل السب القطع، وإنما يقال سبب الرجل إذا شتمته لأن السب قطع ما بينكما من المودة. ومن ذلك قول الشاعر: فما كان ذَنبُ بني دَارمٍ ... بأن سُبَّ منهم غُلامٌ فَسَبْ بأبيضَ ذِي شُطَبٍ بَاتَرٍ ... يَقُدُّ العِظامَ ويَفري العَصَبْ

стр. 18

قوله) بأن سب منهم غلام (أي شتم وسب في القافية، بمعنى القطع كذلك ذكر ابن دريد، ودق يجوز أن يكون سب في القافية في معنى الشتم، كأنه لما سب جعل جزاء سبه أن عقر إبله، فأعلمهم أنهم لا يقدرون على مثل ما فعل، فكأنه شتمهم ويروي حدد وعدد. يا عَضُدَ الدَّولَةِ مَنْ رَكنُها ... أبوهُ والقَلبُ أبُو لُبِّهِ قال ابن جني: اللب العقل، والعقل زين القلب، فكذلك أنت زين أبيك كأنه فضله على أبيه. وَمَنْ بَنُوهُ زَينُ آبائِهِ ... كأنَّها النَّورُ على قُضبِهِ قال أبو الفتح: أي أبناؤك زين آبائك، لأنهم يدنون بكرمهم عليهم، ولم يجعل أولاده زينا له كما جعله هو زين أبيه، لما ذكرت قبل من أنه فضله عليه ولأجل هذه اللطائف التي تأتي في شعره قال: لا تَجسُرُ الفُصَحاءُ تُشِيدُ هَاهنا ... بَيتَاً ولكِنّي الهِزَبرُ الباسِلُ ومن التي أولها: لَحَا اللهُ وَردَاناً وأمّاً أتَت بِهِ أهَذَ اللَّذّيَّا بنتُ وَردَانَ بِنتُهُ ... هُمَا الطَّالِبانِ الرَزقَ مِن شرِّ مَطلَبِ قال ابن جني: اللذيا تصغير الذي، يستفهم فيقول أهذا الذي ينسب إليه الحشرة الدنية، يقول فهي وهو يطلبان الرزق من شر مطلب، لأنها تطلبه من المخازي، وهو يطلبه من هن عرسه، يظهر تجاهلا بالأمر وهزءا به. قال أبو العلاء: معنى هذا البيت أنه أراد تشبيه بيت الرجل الذي هو وردان بالدويبة التي يقال بنت وردان، وهي تكون في مواضع الوسخ المكروه وهذا أشبه من المعنى الأول. حرف التاء سِربٌ مَحَاسِنُه حُرِمتُ ذَوَاتِهَا ... دَانِي الصِّفاتِ بَعيدُ مَوصُوفاتِها قال أبو الفتح كنى بالسرب عن النساء يقول: هواي سرب حرمت ذوات محاسنها أي صواحب محاسنه، وذوات محاسن السرب هذا السرب فكأنه قال هواي سرب حرمته، أي حيل بيني وبينه، وداني الصفات لأن الوصف قول وهو قادر عليه متى أراده، إلا أن الموصوف بهذه الصفة وهو السرب بعيد مني. وفي هذا البيت شيء من الإعراب لطيف المذهب منع سيبويه منه البتة وهو إضافة) ذو وأخواتها (إلى المضمر لأنه لا يجيز) هذا رجل ضرب ذاه (. قال أبو العلاء: أما قول سيبويه في أن) ذو (لا تضاف إلى الضمير، فعلى ذلك ورد مسموع كلامهم، وإنما امتنع في الإضافة لأن) ذو (كناية عن شيء والهاء كناية، فكره الجمع بين كنايتين، وقوى ذلك أن) ذو (كلمة ناقصة لا قوة لها فتحتمل أن تضاف إلى الضمير، فإذا دخلها الجمع والتثنية قويت بذلك لأن حروفها تزيد، فقوله ذواتها يزيد في القوة على قولهم) هذا ذوه (. وقد أضاف كعب بن زهير فيما روي ذوي إلى الهاء وهي أضعف من ذوات لأنها أقل حروفا منها وذلك قوله: صحبنا الخَزرَجِيَّةَ مُرهَفاتٍ ... أبَادَ ذَوِي أُرومِيَتها ذَوُوها وقال أبو علي كأنه لاحظ قول القائل: فَقلتْ لأصحَابِي هي الشَّمسُ ضَوءُها ... قَرِيبٌ ولكنْ في تَناوُلَها بُعدُ وقد ألم هذا المعنى إلا أنه غيره إلى باب آخر الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله ابن سليمان المعري، أنشد فيه لنفسه: قَد يَبعُدُ الشَّيءُ من شَيءٍ يُشَابِهُهُ ... إنَّ السماءَ نَظيرُ المَاءِ في الزَّرقِ وَمقانِنٍ بمقَانِبٍ غادَرتُهُا ... أقوَاتَ وَحشٍ كُنَّ مِنْ أقَوَاتِها قال أبو العلاء: يعني أنه قتلهم فأكلتهم الوحوش كالأسد، والنمور، والذئاب والضياع، وكان هؤلاء القوم يصيدون هذه الوحوش فيأكلونها، كأنه يصفهم بالنجدة والشدة وأنهم كانوا يأكلون هذه الأجناس التي لم تجر العداة بأكلها. أقبَلتُها غُرَرَ الجِيادِ كأنَّما ... أيدِي بَنِي عِمرَانَ في جَبَهاتِها قال ابن جني: أقبلتها أي حملتها عليها وكلفتها لقاءها وما أحسن ما خلط الخروج بالتشبيه. وقال ابن فورجة: أقبلتها الخيل أي أقبلت بها إليها، وسيرتها مستقبلة لها كما قال الشاعر: يمشينَ مشيَ الهجان الأُدمِ أقبلها ... خلّ الكوود هدان غير مهتاجِ وعنى بالأيدي هنا النعم، من قولهم لفلان عندي يد بيضاء، وقد جرت العادة في جمع يد النعمة بالأيادي وهي جمع الجمع، وفي يد الأعضاء بالأيدي، وقد إستعمل أبو الطيب هذه في مكان تلك فقال: فُتلِ الأيادِي رَبِذاتِ الأرجُلِ وقد جاء ذلك عن العرب في كثير من أشعارها فمنها قول عدي:

стр. 19

نُحسِنُ الهِناءَ إذا استهنأتَنا ... ودفَاعاً عَنكَ بالأيدي الكِبارِ يعني بالنعم الضخام وبياض يد النعمة مجاز لا حقيقة. الثَّابِتينَ فُرُوسَةً كَجُلُودِها ... في ظَهرِها والطَّعنُ في لَبَّاتِها قال أبو العلاء: قوله في ظهرها كقول الآخر: كُلُو في نِصفِ بطنِكُمُ تَعِيشُوا ... فإنَّ زمانكُم زَمَنٌ خَمِيصُ وقول علقمة: بها جيفُ الحسري فأما عظامُها ... فبيضٌ وأمّا جلدُها فَصليبُ والمعنى أنه وصفهم بالثبات على ظهور الخيل وهي الطعن في لباتها. العارِفينَ بِهَا كَما عَرَفتْهُمُ ... والرَّاكبينَ جُدُودُهُم أُمَّاتِها قال أبو العلاء: لو كان الكلام منثورا لكان الواجب أن يقال والراكب جدودهم على التوحيد لأن أسم الفاعل إذا تقدم جرى مجرى الفعل فيقال) مررت بالراكب الخيل جدوده وجدودهم (لأن الألف واللام تنوب عن الذي واللذين والذين فإذا جمعت أو ثنيت فهو على قول من قال) قمن النساء. وأكلوني البراغيث (وقال أبو علي: هذا البيت يحتمل معنيين، أحدهما وهو الظاهر أن هذه الخيل تعرفهم وهم يعرفونها لأنها من نتاجهم. والثاني: أنها تناسلت عندهم. فجدود هؤلاء الممدوحين كانت تركب أمات هذه الخيل، وهم اليوم يركبون بناتها، ولو ساعده الوزن لقال والراكبين آباؤهم ليكون أصح في التقابل وهذا المعنى سواء وقوله: بَنُو قَتلَى أبيكَ بأرضِ نَجدٍ ... وَمَن أبقَى وأبقَتهُ الحِرَابُ وقوله في أخرى: لَعلَّ بَينَهمُ لِبَنيكَ جُندٌ ... فَأوَّلُ قُرَّحِ الخَيلِ المِهارُ وأنشدني أبو العلاء لنفسه في هذا المعنى: بَناتِ الخَيلِ تَعرفُها دَلُوكٌ ... وَصارِخةٌ وآلسُ واللُّقَانُ هذه كلها من بنات الروم، يقول أبوك.... بأماتها في هذه الديار فهي تعرفها. وهذا المعنى على ظهوره وإظهار أبي الفتح إياه في كتاب الفسر ليس بذلك السائغ عندي. لما أذكره وهو أن توالي الأبيات تدل على غير ما حكى. يقول: ومَقانبٍ بمقَانبٍ غادَرتُها ... أقوَاتَ وَحشٍ كُنَّ من أقَواتِها أقبَلتُها غُررَ الجِيادِ كأنَّما ... أيدِي بَني عِمرانَ في جَبَهاتِها الثَّابتينَ فُرُوسةً كجُلُودِها ... في ظَهرِها والطَّعن في لَبَّاتِها العارِفينَ بها كما عَرَفتهُم ... والرَّاكبِينَ جُدُودُهمْ أُمَّاتِها فهذا يصف خيل نفسه التي قاتل عليها عدوه، وليس يصف خيل الممدوحين اللهم إلا أن يدعي مدع أنه قاتل على خيل الممدوحين، وفي هذا) نبو (أو يعني أنه قادها إليه. والمعنى جيد لأنه يريد أن يقود الخيل إلى الشعراء من نتائجه، والمعنى عندي هو الذي أورده، وهو أنه يصف معرفتهم بالخيل ولا يعرفها إلا من طال مراسه لها، والخيل أيضا تعرفهم لأنهم فرسان، وقد قال أبو الطيب في بيت آخر: فالخَيلُ واللّيلُ والبَيداءُ تَعرِفُني وهذا ظاهر من أمثال العرب:) الخيلُ تُعرفُ من فُرسانها البُهُم (وقوله) والراكبين جدودهم أماتها (يريد بذلك أن جدودهم أيضا كانوا من ركاب الخيل، أي أنهم عريقون في الفروسية، ويوضح معنى ذلك ما أنشده أبو العلاء نفسه: يا ابن الأُلى غيرَ زَجر الخَيلِ ما عَرَفوا ... إذ تعرفُ العُربُ زَجر الشاءِ والعَكرِ فهذا هو الأشبه والمعنى الأول غير ممتنع. سُقِيَتْ مَنابِتُها الَّتِي سَقَتِ الوَرَى ... بِيَدي أبِي أُيوبَ خَيرِ نَباتِها قال ابن جني: جعل النفوس منيات لما أراد أن يدعو لها بالسقي، إذا كانت المنابت محتاجة إلى السقي اتساعا فيقول سقى منابت هذه النفوس بيدي أبي أيوب هذا الممدوح الذي هو خير نباتها، أي نفسه أشرف هذه النفوس المذكورة، أي لا زال ظله وعرفه على أهله وذويه، لأنه إذا أفاض عرفه فقد أفاضه على كافة الورى، لأنهم معاط مساميح هذا مع ما يتولاه هو من إعطائه كافة الناس، والهاء في نباتها تعود على المنابت، فجعل النبات هو الذي يسقي المنبت قلبا لعادة وإغرابا في القول وتغلغلا في الصنعة. قال ابن فورجة: الهاء في قوله منابتها، عائدة على النفوس في البيت الذي تقدمه وهو: تِلكَ النُّفوسُ الغالِباتُ على العُلا ... والمجدُ يَغلِبُها على شَهَواتِها

стр. 20

يدعو لهذه النفوس ومنابتها بالسقايا، ويقول أن منابتها لم تزل تسقي الورى، يعني أن أبا الممدوح وقومه كانوا كلهم مفضلين على الناس، فسيقت منابت هذه النفوس، كما لم يزالوا يسقون الناس، وجعل النفوس منابت لما أراد أن يدعو لها بالسقي، ثم قال سقيت بيد أبي أيوب، يريد بذلك أن سقيا يديه أعظم السقيا، وهو أفضل قومه وخير من نبت فيهم، وليس الغرض أن يدعو لقوم أبي أيوب بإفضال أبي أيوب عليهم، ولكن الغرض تعظيم شأن إعطائه، كأنه لو دعا بأن يسقيهم الغيث لكان دون سقيا أبي أيوب، وهذا ظاهر ولقد أحسن في هذا النحو القائل: سقى الجِيرَةَ الغَادِينَ وَسمِيُّ عَارِضٍ ... هزيمَ الحَيا سبط الرِوَاقين مُمرِعِ بسُحبٍ كأجفَانِي وَبرقٍ كَحُرقَتِي ... ورَعدٍ كإعَوالي وغَيثٍ كأدمُعِي يريد بذلك تعظيم شان ركابه، وقد قال الشيخ أبو الفتح غير ما قلناه، ولم يعد الصواب لكنا قلنا برأينا تكبُو وَرَاءَكَ يا بنَ أحمَدَ قُرَّحٌ ... ليسَتْ قَوَائِمُهُنَّ مِن آلاتِهَا قال أبو العلاء: الهاء في آلاتها راجعة على وراء، لأنها مؤنثة، وكذلك قدام وأمام، وهذا ما لا يحتمل البيت غيره، وقد روي هذا التفسير عن قائل البيت وإنما أشكل على السامع لأن) وراء (لفظها لفظ المذكر، ولم يعد تأنيث وراء وقدام إلا بالتصغير لأنهم قالوا) قديدمة وورية (قال القطامي: قُدَيدمِة التَّجرِيبِ والحِلمِ أنّني ... أرى غَفَلاتِ العَيش قَبلَ التَّجارِبِ وقال آخر: قد طَرقتْ وُريَّةَ الشَبابِ ... فمَرحباً بطَيفِها المُنتَابِ وقال الأحسائي: يقول ليست قوائم المتبعين لك من آلات مجازاتك، فإذا تبعوك وقصروا عن إتباعك. غَلِتَ الَّذي حَسَبَ العُشُورَ بآيَةٍ ... تَرتِيلُكَ السَّورَاتِ من آياتِها قال أبو العلاء: ذهب إلى أن الغلت في الحساب خاصة والغلط واحد كأن أحد الحرفين مبدل من الآخر، وذهب أبو عبيدة إلى أن الغلت في الحساب خاصة والغلط في غير ذلك. والعشور جمع عشر، والمعنى أن الذي حسب العشور غلط في العدد، لأن ترتيل هذا الممدوح إذا قرأ السور يجب أن يحسب آية فتكون الآيات العشر بترتيله إحدى عشرة آية، وهذا من الغلو الذي يقصده الشعراء، وهو كذب صراح. وقال الأحسائي: يقول أن الذي قاس مناقبك غيرك، وقدر أنك تزيد عليهم حتى يحسب كل آية لهم بعشر آيات من مناقبك لا عشر آيات بآية. فإذا نَوَتْ سَفَراً إلَيكَ سَبقتَها ... فأضَفتَ قَبلَ مُضَافِها حالاتِها قال أبو الفتح: يقول ليس ينبغي أن نعذل المرض الذي بك، وكان قد اعتل لأنك تشوق أمراضها معها فقد شقت المرض حتى زارك، كما شقت صاحبه فإذا أرادت الرجال إليك السفر سبقتها بإضافتك أحوالها قبل إضافتك إياها. قال ابن فورجة: هكذا رواه الشيخ أبو الفتح، وكذا رويته أيضا عن دعة مشايخ إلا أن الصواب عندي أن يروي) سبقتها (بالنون لما أنا اذكره وهذا البيت بعد قوله: لا نَعزُلُ المرضَ الذي بكَ، شائِقٌ ... أنتَ الرّجالَ وشَائِقٌ عِلاَّتِها والهاء في سبقتها عائدة إلى الرجال، يقول أنت تشوق الرجال وتشوق علاتها، لأنك فرد عجيب في جميع محاسنك، وإنما يريد بذلك إقامة العذر للحمى، وتحسين أمرها كما يفعل الشعراء بالأحوال الذميمة للممدوحين، فيقول إذا نوت الرجال السفر إليك سبقت العلات الرجال فجاءتك قبلها، إلا أنها أعراض وأولئك جسوم، والأعراض أخف فأضفتها قبل أن تضيف الرجال، فلهذا، قلت الصواب) سبقنها (والمضاف مصدر أضفت كما أن المقام مصدر أقمت، والمصاب مصدر أصبت. حرف الحاء ومن حرف الحاء قوله من القصيدة التي اولها: جَلَلاً كَما بِي فَليَكُ التَّبريجُ ... أغِذَاءُ الرَّشَأِ الأغَنِّ الشِّيحُ قال ابن جني: معنى البيت إذا كان أحد في شدة فليكن كما أنا عليه، تعظيما لما هو فيه من الشدة فتم الكلام. ثم استأنف قولا آخر في النصف الثاني فقال متعجبا من حسن المشبب به: أغذاء ذا الرشا الأغن الشيح أي كأنه ظبي في الحقيقة من حسنه ورشاقته، وهو كقول ذي الرمة: أيا ظَبيةَ الوَعساءِ بينَ جُلاجلٍ ... وبينَ النَّقا آأنتِ أم أمُّ سالمِ

стр. 21

وأراد فليكن ولكنه حذف النون لسكونها وسكون الياء الأولى من التبريح وكان الوجه أن يكسرها لالتقائهما لأنها حرف صحيح، قال أبو العلاء: وقد جاءت أشياء من حذفها في موضع التحريك أنشد أبو زيد: لم يَكُ الحَقُّ على أن هَاجَه ... رَسمُ دَارٍ قد تعفّتْ بالسَّرَرْ فلو ظهرت النون هاهنا لقيل لم يكن الحق، وفي بعض الرجز القديم: ومَن يَكُ الدَّهرُ له بمرصدِ وهذه النون إذا حذفوها شبهوها بالتنوين، وهي أشد قوة منه لأنها من نفس الكلمة. والتنوين زائد، وقد أنشد سيبويه بيتا حذفت منه النون لكن في الموضع الذي يجب فيه حركتها وهو قول النجاشي: فَلَستُ بآتِيه ولا أستَطِيعُه ... ولاكِ اسقني إن كانَ ماؤُكَ ذا فضل قال ابن فورجة: كثير من العلماء قد تكلموا في هذا البيت ووفوه حقه من قرائحهم. ومضى أكثر الكلام في تجويز حذف النون في قوله فليك، وتمحلوا له معاذير، وإنما أتيت به لنكتة عرضت في معناه، قال القاضي أبو الحسن علي بن العزيز الجرجاني: خالف أبو الطيب بين معنيي المصراعين، ومثل هذا كثير، فقد جاء عنهم ما ناقض المصراع الثاني به المصراع الأول، مثل قول زهير: قِفْ بالطّلولِ التي لم يَعفُها القِدَمُ ... بلَى وغَيّرَها الأرواحُ والدّيَمُ قال القاضي: وبين المصراعين اتصال لطيف، وهو أنه لما خبر عن عظم تبريحه، وشدة أسفه، بين أن الذي أورثه التبريح والأسف هو الرشأ الأغن الذي شككه غلبة الغزلان عليه في غذائه. قلت: ويحتمل معنى ألطف من هذا وهو أنه يريد ما غذاء هذا الرشأ الأغن إلا القلوب والأبدان والعشاق يهز لها ويمرضها ويبرح بها كما صرح به في بيت آخر، إلا أنه نحا به منحى غير الغزل، وهو قوله: وَتَرتَعُ دُونَ نَبتِ الأرضِ فينا ... فَمَا فارَقتُها إلاَّ جَديِبا وقد صرح بعض المحدثين بهذا المعنى فقال: يَرعَى القُلُوبَ وَتَرتَعي الغِزلانُ بَروَقَةً وشيحه وَفَشَتْ سَرائِرُنَا إلَيكَ وَشَفَّنا ... تَعرِيضُنا فَبَدَا لكَ التصرِيحُ قال أبو الفتح ابن جني: يقول لما عرضنا لك بهواك، قام مقام التصريح منا لك. ويجوز أن يكون عرضنا بمودتك فصرحت بالهجر والبين، ويجوز أن يكون المعنى لما أجهدنا التعريض استرحنا إلى التصريح فأنتهك الستر وهذا أقوى الوجوه عندي وقد جاء في الشعر مجيئا واسعا. لَّما تَقَطَّعَتِ الحُمُولُ تَقَطَّعَتْ ... نَفسِي أسَى وكأنَّهُنَّ طُلُوحُ قال أبو العلاء: الحمول هاهنا القوم المتحملون، وقوله تقطعت الحمول أي سبق بعضها بعضا. والشعراء المتقدمون يشبهون الحمول السائر بالنخيل وادلوم، والطلوح هاهنا جمع طلح من الشجر ولو ادعى أن الطلوح هاهنا جمع طلح طليح وهو المعنى لم يتعد ذلك، ويكون المعنى أن النساء المحمولات على الإبل قد أثقلتها لعظم أجسامهن. وكان أبو الطيب مولعا بمثل هذه الصفة من ذلك قوله: تَشكُو رَوادِفَكِ المطَيَّةُ فَوقَها ... شَكوَى التي وَجَدتْ هَواكِ دَخيلا والقول الأول أشبه. نازَعتُهُ قُلُصَ الرّكابِ وَرَكبُها ... خَوفَ الهَلاكِ حُدَاهُمُ التَّسبِيحُ قال ابن جني: نازعته، أي أخذت منه بقطعي إياه بما نال من الركاب وأعطيته. قال الأعشى: نازعتُهم قُضُبَ الرَّيحانِ مُتَّكئاً ... وَقَهوَةً مُزَّةً رَواقُها خَضِلُ أي أخذت منهم وأعطيتهم. قال أبو العلاء: قال لي ابن سعد إن المتنبي قال: ما قصرت المحدود إلا في قولي: حداهم التسبيح. شِمنَا وما حَجَبَ السَّماءُ بُروُقَهُ ... وحَرى يَجودُ ومَا مَرَتهُ الرّيحُ قال ابن جني: أي شمنا بروقه، ولم يحجب السماء لأنه ليس غما فيسترها، ولأنه ليس هناك غيم في الحقيقة وإنما أراد مخايل عطائه ومرته استدرته أي هو أن يجود ولم ثمره الريح. بفضله على السحاب، لأن السحاب يستر وجه السماء ولا يدر إذا استدرته الريح. قال أبو العلاء: هو حري بذاك أي جدير به، والمعنى: وحري أن يجود فحذف أن للضرورة ويقال) حرى وحري (فإذا شددت الياء ثني وجمع لأنه ليس بمصدر، وإذا قيل) حرى (لم يثن ولم يجمع وأستعمل للمذكر والمؤنث على جهة واحدة قال الشاعر: وهنَّ حَرَّى أنْ لا يُثِبنَكَ نَقرةً ... وأنتَ حَرَّى بالنَّارِ حينَ تُثِيبُ حرف الدال

стр. 22

ومن التي أولها: عَواذِلُ ذَاتِ الخالِ فِيَّ حَوَاسِدُ يَرُدُّ يَداً عَنْ ثَوبِها وَهو قادِرٌ ... وَيَعصِي الهَوَى في طَيفِها وَهو راقدُ قال أبو الفتح: لو أمكنه في موضع قادر يقظان لكان حسنا، فلما لم يجد إليه سبيلا شحا على الوزن جاء بلفظ كأنه مقلوب راقد، وهو قادر، ليصرف اللفظان من التجانس على أن في البيت شيئا وهو أن الراقد قادرا أيضا، لأنه لا يتحرك في نومه ويصيح، ولكن لما كان ذلك عن غير قصد وإرادة صار كأنه غير قادر ومعنى البيت لأنه يعصي الهوى في منازعته إياها راقدا ويقظان يصف نفسه بالنزاهة. متى يَشتَفي من لاعِجِ الشَّوقِ في الحَشَى ... مُحِبٌ لَها في قُربِهِ مُتباعِدُ قال ابن جني: يقول تشتفي مما بك، وأنت كلما قدرت عليها امتنعت منها، ولاعج الشوق أشد حرقة. تَثَنَّى على قَدرِ الطّعِانِ كأنَّما ... مفَاثِلُها تحتَ الرّماحِ مَرَاوِدُ قال أبو العلاء: يريد أنها كالتي تعلم ما يراد منها، فهي تتقي الطعن كما يتقيه الفارس، وهذه من الدعوى المستحيلة، ويجوز أن يريد أنها تطيعه إذا ثناها بجهة من خوف الطعن، وشبه مفاصل الفرس بالمراود لأن المرود من شأنه أن ديور ويتصرف وهو من راد يريد إذا ذهب وجاء. قال ابن فورجة: ما غرض الشيخ أبو الفتح لنفسه هذا البيت، وقد ذكر القاضي أبو الحسن أنه من الشعر الذي لا عيب فيه وزعم أنه مقلوب. وإنما يصح المعنى لو قال كأنما الرماح تحت مفاصلها مراود. وشبه هذا بقولهم: طلع الجوزاء وأنتصب العود على الحرباء. وقول الشاعر: كأنَّنا رعنُ قفٍ يَرفع الآلا وعنده أن المراود جمع مرود ميل المكحلة. وعندي أن المراود في هذا البيت هو المسمار الذي فيه حلقة يدور فيه. لفظة أظنها مولدة، وقد استعملها بعض المحدثين ممن تأخر عن أبي الطيب إلا أنه جود ما شاء هو. ألِميّ بعَرافِ النَقا وتَيمَّنِي ... مَهبَ النَعامَى واجعَليِ الليل مروَدَا ألا ترى أنه لا يصح معنى هذا البيت، إلا أن يكون المرود تدور حلقته كيف ما أديرت، يريد لين انعطافه في الميدان وعند الطراد، وليس يريد كون الرمح في مفاصلها إذا طعنت، ولو كان أراد ذلك لما قال تحت الرماح لأن المفاصل إذا طعنت حصل الرمح فيها وحصل بعض المفاصل وبعضها تحتها فلا معنى إذا لقوله تحت الرماح. والمعنى الذي ذهب إليه القاضي أبو الحسن غير حسن ولا غريب، يريد كأن الرماح في مفاصله أميال الكحل، يفعل الميل فيها فعل الميل في العين. وهذا رديء ممتنع بشيء آخر، وهو أنه خص المفاصل وليس كل الطعن في المفاصل وليست هي أيضا بمقاتل فلا معنى لتخصيصها، وكان الأولى لو أراد ذلك أن يقول: فرائصها تحت الرماح أو جواشنها، أما الفرائص فأنها مقاتل وأما الجواشن فلأنها مستقبلة العدو، ويمتنع أيضا ما ذهب إليه لقوله) تثنى على قدر الطعان (فإذا كانت الرماح في مفاصلها كالأميال في الجفون فما حاجته إلى تثنيها، وما الحاجة إلى قوله على قدر الطعان وإنما يقول تثني في الطعان أن كان على بعد منها أو على قرب، فأن التثني مع قرب الطعنة ممتنع جدا، وليس كل الخيل تفعل ذلك ألا ترى إلى قول القائل يصف فرسا: تُنَكَسهُمْ والسَّابِقاتُ جِبالُهُمْ ... وَتَطعُنُ فِيهم والرّماحُ المَكايِدُ قال ابن جني: جعل الجبال كالخيل، وتنكسه إياهم عنها إنزالهم من الجبال للقتل والأسر، وتقيم مكايده إياهم مقام الرماح التي تطعنهم. وَمِنْ شَرَفِ الإقدامِ أنَّكَ فِيهُمُ ... على القَتلِ مَومُوقٌ كَأنَّكَ شاكِدُ قال أبو العلاء: الشاكد المعطي من غير مسألة. وقيل هو الذي يعطي ولا يريد عوضا. وادعى لسيف الدولة أن الروم تمقته مع ما يفعل بهم من القتل والأسر وذلك من الدعوى الباطلة. وقال الأحسائي: يقول أن من فضل الإقدام وشرفه أن الشجاع محمود عند أعدائه، وأنه إذا قتل كبيرا منهم لم يكن هجنة على قومه بل يفتخرون فيقولون ما قتله إلا شجاع، ولولا شجاعته ما بارزه ووافقه وأن المنهزم منك المروع يكثر مدحك وغرضه إقامته العذر في هزيمته منك. وأنت أبو الهَيجا بنُ حَمدانَ يا أبنَهُ ... تشابَهَ مَولُودٌ كَريمٌ وَوالِدُ وحَمدانُ حُمدونُ حارِثٌ ... وحارِثُ لُقمانُ وَلُقمانُ رَاشِدُ

стр. 23

قال أبو العلاء: اتفق له في هذين البيتين ما لم يتفق لغيره من تشبيه الممدوح بأبيه، وتشبيه أبيه بجده، ثم كذلك حتى استوفى سبعة في النسب وعشرة في المقابلة، وحمدون اسم لم يتسم به العرب في القديم، وقل ما بنوا اسما على فعلون، وقد ذهب قوم إلى أن زيتون فعلون وقد ذكر فيما أغفله سيبويه من الأبنية وكان الزجاج يذهب إلى أنه جمع سلامة لزيت ومثل هذا يبعد. قال أبو علي ابن فورجة: هذا المعنى من أحسن معاني أبيات هذه القصيدة، والبيتان من جياد أبياتها، وما لأحد من الشعراء قصيدة على هذا الوزن إلا وهذه أجود منها، وقد تهزأ منه الصاحب أبو القاسم فقال ولم ننفك مستحسنين لجميع الأسامي في الشعر كقول الشاعر: إن يقتُلوكَ فقد ثَلَلتَ عُرُوشَهُمْ ... بعُتَيبَةَ بنِ الحارِثِ بنِ شِهابِ وقوله الآخر: عِياذَ بن أسماء بن زيدِ بنِ قَاربِ واحتذى هذا الفاضل على طرقهم، فقال وأنت أبو الهيجاء البيتين وهذه من الحكمة التي ذكرها أرسطاطاليس وأفلاطون لهذا الخلف الصالح، وليس على حسن الاستنباط قياس هذا كلامه. فليت شعري مم العجب؟ من استقباحه ما هو أحسن شعره؟ أم من تهزئه الذي لا يليق بما نحن بصدده؟ أم من ظنه أنه إذا تهزأ توهم الناس فيه أنه يعلم ما ليس يعلمونه، ولقد جود أبو الطيب حيث يقول: وكمْ مِنْ عائِبٍ قَولاً صَحيحاً ... وَأفَتُهُ منَ الفَهمِ السَّقيمِ ويقول: وَمَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍ مَريضٍ ... يَجِدْ مُرّاً بِه الماءَ الزُّلالا أما سبك البيت فأحسن سبك، يريد أنك تشبه أباك، وأبوك كان يشبه أباه، وأبوه كان يشبه أباه، فأنت أبوك إذ كان فيك أخلاقه، وأبوك أبوه إلى آخر الآباء فليت شعري ما الذي استقبحه؟ وقد جاراني بعض أهل العلم في هذا البيت فقال استقبح قوله) حمدان حمدون وحمدون حارث (وليس في حمدان ما يستقبح من حيث اللفظ ولا المعنى، ولنسلم له أن حمدان وحمدونا لفظتان مستهجنتان، فكيف يصنع والرجل أسمه هذا وهل يستعير له أبا غير أبيه أم هل يسميه بلفظة حسنة يخترعها؟ ولقد كان الذنب في ذلك للآباء لا للمتنبي. وقد قال أبو بكر محمد بن دريد الأزدري في بعض قصائده: وَقيسُ بن عَمرو بنِ العُبيد بن ضَاطرٍ ... أناخ على ساسٍ مَسيراً فَجعجعَا وقال في أخرى: وقيسُ بنُ مَسعودٍ بن قَيس بن خالدٍ ... وعمرو بنُ كلثومٍ شهاب الأراقمِ فما الذي غض من قوله ضاطر، واسم الرجل ضاطر وهل أقبح منه؟. وأما قوله هذه من الحكمة التي ذكرها أرسطاطاليس وأفلاطون، فلا يقاس به كلام. أترى من باب الفلسفة أن يقال فلان مثل أبيه في الشبه؟ أم هو من المعاني الغامضة التي لا يفهمها إلا الفلاسفة؟ سبحان من سخر له هذا الكلام وما كنا له مقرنين!. ومن التي أولها: ما سَدِكَتْ عِلَّةُ بِمَورُودِ تَحمِلُ أغمادُها الفِداءَ لَهُمْ ... فانتَقَدُوا الضَّربَ كالأخادِيدِ قال أبو العلاء: يريد أنه وعدهم المال فأقام الخيل التي له ناصرة مقام الأموال. فانتقدوا ضربا كالأخاديد، أي جعلوا ذلك كنقد المال، وهذا على سبيل الهزء. ومن التي أولها: لكُلِّ أمرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدَا سَرَيتَ إلى جَيحانَ من أرضِ آمِدٍ ... ثَلاثاً لقَد أدناكَ رَكضٌ وأبعَدَا

стр. 24

قال ابن فورجة: لم يفسر الشيخ أبو الفتح هذا البيت تفسيرا شافيا، وهذا كلامه قال: جيحان نهر، أي أدناك سيرك من النهر وأبعدك من آمد، وهذا. أيدك الله كلام غير مفيد. إذ كان من سار من موضع إلى موضع آخر فقد أدناه ركضه من مقصده وأبعده من حيث انفصل عنه. ولو سار غلوة أو فرسخا، فما وجه المدح في هذا؟ إذا تأولناه على ما تأوله الشيخ أبو الفتح وما فائدة البيت؟ ووجه تأويله عندي ما أقول، وذلك أن جيحان من آمد على مسافة بعيدة قد علم ذلك بقوله:) سريت إلى جيحان من أرض آمد (وهذه مسافة لا يصل فيها أحد بمسرى ثلاث ليال، ولو أن قائلا قال سريت إلى الكوفة من بغداد. لفهم عنه أنه وصل إلى الكوفة إذ سرى إليها من بغداد، ويجوز أن يفهم عنه أنه سرى إلى الكوفة ولم يصل إليها، ولكن الكلام يدل بعضه على بعض، ولا سيما ومن عادة العرب الاختصار والاقتصار، فنحن نفهم من قول أبي الطيب) سريت إلى جيحان من أرض آمد (أنك وصلت إلى هذا النهر من آمد في ثلاث ليال، ليصح معنى تعجبه) لقد أدناك ركض وأبعد (وقوله ثلاثا يريد في ثلاث فلما حذف حرف الجر نصب وأعمل فيه سريت. هَنيئاً لكَ العيدُ الذي عيدُه ... وعيدٌ لمنَ سمي وضَحَّى وَعَيَّدَا قال أبو العلاء: ينتصب) هنيئا (عند قوم على مذهب قولهم: ثبت لك هنيئا، وقيل بل هو اسم موضع المصدر، كأنه قال: هناك هنيئا، لأنهم ربما وضعوا أسم الفاعل في هذا الموضع، كما قلت بعض نساء العرب وهي ترقص أبنها: قُمْ قائِماً قُم قائماً ... لَقيتَ عَبداً نائماً تريد: قياما. والعيد مأخوذ من عاد يعود، وقالوا فيه معه أعياد، كراهة أن يقولوا أعواد بجمع العود، وقولهم عيد الأضحى يريدون جمع أضحاة، كما يقال أرطاة وأرطى وفيه أربع لغات أضحية وأضحية وضحية وأضحاة، ويقال في جمع ضحية ضحايا، وفي جمع أضحية وإضحية أضاحي، وإنما قيل أضحية لأنها تذبح إذا أضحى النهار. وقال أبو علي: تكلم على العيد الشيخ أبو الفتح بكلام من باب التصريف، وأعرض عن معنى البيت. وقوله: أنت عيده يريد تحل له أنت محل العيد في القلوب إذ كان العيد مما يفرح له الناس وكذلك العيد يفرح بوصوله إليك. كما قال في مكان آخر: جاءَ نَورُوزُنا وأنتَ مُرادُهْ ... وَوَرَتْ بالَذِي أرَادَ زِنادُهْ وقوله لمن سمى يريد ذكر أسم الله على أضحيته سبحانه) وأنعام لا يذكرون أسم الله عليها (وقوله تعالى:) فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منه (وذكر اسم الله واجب على المسلمين، فيريد أنت عيد لكل مسلم. فَواعَجَبا مِنْ دَائِلٍ أنتَ سَيفُهُ ... أما يَتَوقَّى شَفرتَيْ ما تَقَلَّدَا قال ابن جني: الدائل أسم الفاعل من دال يدول، يريد هنا الدولة فتعجب من عظم همة الدولة إذا تقلدته، ومعناه في الحقيقة الخليفة، ويجوز أن يكون أخرج الدائل مخرج التامر واللابن. أي ذو تمر ولبن ودولة. وَمَنْ يجعَلِ الضِّرغامَ للصَيدِ بَازَه ... يُصَيَرُهُ الضّرغامُ فيما تَصيَّدَا قال أبو الفتح: قلت له وقت القراءة: لم جعلت من شرطا صريحا وهلا جعلتها بمنزلة الذي وضمنت الصلة معنى الشرط حتى لا ترتكب الضرورة؟ كقوله تعالى:) الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم (. فقال هذا يرجع إلى معنى الشرط والجزاء، وإنما جئت بلفظ الشرط صريحا لأنه أبلغ وأكد، وأردت الفاء في) يصيره (وحذفتها، والذي قال له جائز والوجه ما سمته إياه، ومذهب سيبويه في مثل هذا التقديم والتأخير، كأنه قال: يصير الضرغام بازا من يجعله فيما تصيده، واكتفى بهذا القول من جواب الشرط. وقال أبو العلاء: رواية أهل هذه جزم) يجعل (ورفع) يصيره (وذلك ضعيف جدا، لأنه يحوج إلى أن تضمر الفاء فيجري مجرى قول زهير: وإن أتاهُ خَليلٌ يومَ مَسألةٍ ... يَقُولُ لا غائِبٌ مالي ولا حَرِمُ كأنه أراد فيقول أي فأنه يقول، وليست هاهنا ضرورة داعية إلى رفع) يصيره (وجزم) يجعل (لأنه إذا رفع) يجعل (وحمل الكلام على المبتدأ والخبر صرفه عن الشرط والجزاء، كفى هذه المئونة ويكون) من (في معنى الذي. كأنه قال والذي يجعل الضرغام للصيد بازه يصيره فيكون) يصيره (في موضع خبر المبتدأ. وقوله:

стр. 25

فارَقُتُكم فإذَا ما كان عِندَكُمُ ... قَبل الفِراقِ أذىً بعدَ الفِراقِ يَدُ إذَا تَذَكَّرتُ ما بَيني وَبَينَكُمُ ... أعانَ قَلبي على الوَجدِ الذي أجِدُ قال أبو علي: أي كانت منكم أحوال أكرهها، فكانت قبل الفراق عندي أذى فقد صارت بعد الفراق يدا عندي، لني أتسلى إذا ذكرتها عنكم، وتزهدني فيكم، فهي في الحقيقة يد إذ كانت سببا للسلو عنكم، وفسر ذلك بقوله بعده: إذَا تَذَكرتُ ما بينِي وبينكُمُ ... أعانَ قَلبي على الوَجدِ الَذي أجِدُ وقال العجلي: يحتمل ذلك معنيين أحدهما: المدح، والآخر: الذم. أما المدح فأنه يقول أن الذي كنت أتأذى به عندكم وأشكوه لما فارقتكم وبليت بغيركم لقيت منه من الأذى ما صار الذي شكوته منكم إلى جنبه نعمة، ثم قال في البيت الثاني وما يمنعني من العود إليكم على شدة الشوق إلا ما أذكره من تلك الأذاة فهي التي تعينني على الشوق، وأما وجه الذم فهو ما أورده ابن فورجة ولا حاجة إلى إعادته. ومن التي أولها: أهلاً بِدَارٍ سَباكَ أغيَدُها لا ناقَتِي تَقبلُ الرَّديفَ وَلا ... بالسَّوطِ يومَ الرّهانِ أُجهدُها قال ابن جني: يريد بناقته نعله قال الشاعر: رَوَاحلُنا سِتٌ ونحنُ ثَلاثَةٌ ... نُجَنِّبُهُنَّ المَاءَ في كُلِّ مَنزِلِ يا ليتَ بي ضَربَةً أُتِيحَ لها ... كمَا أُتِيحَتْ لَهُ مُحمَّدُها قال أبو العلاء: هذا البيت يحتمل وجهين. أحدهما: أن يريد أن هذه الضربة حسنت وجه الممدوح وشرفته ودلت على شجاعته. والآخر: أن يكون أراد يا ليت بي هذه الضربة، أي ليتني فديته منها فهو في الوجه الأول متمن خيرا، وفي الثاني جاعل نفسه فداء للممدوح، وأتيح لها أي قدر. ومن التي أولها: اليَوم عَهدُكُمُ فأينَ المُوعِدُ ... هَيهاتَ ليَوم عَهدِكُمُ غَدُ قال ابن فورجة، قال الشيخ أبو الفتح: يقول أني أموت يوم فراقكم فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم، فليس لذلك اليوم عندي غد، هذا على ما قاله ﵀، إلا أن البيت ليس ينكشف معنى سائره بهذا القدر من القول، وإنما معناه اليوم عهدكم، أي اليوم آخر يوم اجتمعنا فيه، فعرفوني متى الوعد باللقاء إذا افترقنا، ثم تدارك بقوله:) هيهات ليس ليوم عهدكم غد (. قوله:) أين الموعد (كأنه نعى على نفسه ما أتاه، وقال: ما سؤالك عن موعد اللقاء وأنت لا تحيين بعد فراقهم؟ وقوله: اليوم عهدكم هو من قول الشاعر: وآخرُ يومٍ منه يومَ لَقِيتُهُ ... بأسفلِ وادي الدَّوم والثَّوبُ يُغسَلُ ليس هذا من العهد الذي هو العقد مثل قول بن حلزة: واذُكُروا حِلفَ ذِي المَجَازِ وما قُدَمَ فيهِ العُهُودُ والكُفَلاَءُ فَرأيتُ قَرنَ الشَّمسِ في قَمَرِ الدُّجَى ... مُتأوَداً غُصنٌ بِهِ يَتَأوَّدُ قال أبو العلاء: يحتمل البيت معنيين، أحدهما: أن يعني رأيت نورا كنور قرن الشمس في وجه مثل قمر الدجى، والآخر: أن يعني بقمر الدجى القمر الذي يطلع بالليل، كأنه رآها في ليل فقال ذلك، والمتأود المتعطف المائل. قال الأحسائي: نصب متأودا حالا لقرن الشمس، والتقدير رأيت الشمس متأودا، يتأود به غصن، فالغصن هو فاعل يتأود وليس له تعلق بمتأود. أبَرحْتَ يا مَرضَ الجفون بِمُمرَضٍ ... مَرِضَ الطَّبيبُ له وَعِيدَ العُوَّدُ قال ابن جني: يعني بالممرض جفنها،) ومرض الطبيب له وعيد العود (مثل ولا طبيب ولا عود، ولكنه لما ذكر الجفون وذكر مرضا ذكر له طبيبا وعودا، وإنما يريد نظرها إليه ومرض الطبيب معناه: أنه إذا نظر الإنسان إلى عينيها مرض من عشقها. أي: تجاوزت يا مرض الجفون الحد حتى أحوجته إلى طبيب وعود، فبالغ في شدة مرض جفونها، ويقال: مرض فهو مريض ومارض. وقال أبو العلاء: الأشبه أن يكون الممرض أراد به الشاعر نفسه، وقال للمحبوب يا مرض الجفون، لأن كل من نظر إليه مرضت جفونه، لأنه يحملها على البكاء والسهر وبعض الناس ينشده يا مرض بكسر الراء وهو قليل في الاستعمال، إنما يقولون فلان مريض، والقياس لا يمنع أن يقال مرض، كما يقال سقم فهو سقيم وسقم، قال الأعشى: يقضِي بها المَرءُ حاجاتِه ... ويُشفَى عَلَيها الفُؤادُ السَّقيمْ وأبرحت أي صرت إلى البرح، وهو الأمر الشديد الشاق.

стр. 26

قَطَّعتَهُمْ حَسداً أرَاهُمْ ما بِهِمْ ... فَتَقَطَّعُوا حَسَداً لِمَن لا يحسُدُ قال ابن جني: أي تقطعوا حسدا، لأنك لا تحسد أحدا، لأنك فوق كل أحد، وقوله:) أراهم ما بهم (أي كشف عن أحوالهم في التقصير عنك، والتقصير دونك. صِحْ يا لَجُلهُمَةٍ تَذَرْكَ وإنَّما ... أشفارُ عَينكَ ذَابِلٌ ومُهَنَّدُ قال أبو العلاء: جلهمة هو أسم طي، والجلهمة مثل الجلهمة وهو ما استقبلك من الوادي، وقوله) أشفار عينيك ذابل ومهند (أي أنصارك قريب منك، فكأنهم في ذلك أشفار عينيك، ويجوز أن يكون المعنى أنهم إذا اجتمعوا إليك هابك الناس، فإذا نظرت إلى بعض أعدائك قام نظرك مقام الذابل، والمهند، ونسب ذلك إلى الأشفار لأنها مجاورة لناظر العين، فعلم الغرض في الكلام. قال ابن فورجة: فسر ابن جني هذا البيت تفسيرا مضطربا، فقال أي تحدق بك الرماح والسيوف، فتغطي عينيك كما تغطيها الأشفار، وهذا كأنه من قول الآخر: وإذا دُعوا لِنزالِ يَومِ كَريهةٍ ... ستروا شُعاعَ الشَّمسِ بالفُرسَانِ هذا تفسير. وعندي أن الأمر بخلاف ذلك، وما بال الرماح والسيوف تغطي بها عينه دون سائر أعضائه. بل أي موضع في هذا البيت يدل على التغطية؟ وإنما قوله) تذرك وإنما أشفار عينك ذابل ومهند (كقولك: تركت عينه سماء هاطلة، وتركته وإنما جنبه دم سائل، إذ أثخنته ضربا، يريد إذا صحت يا لجلهمة اجتمعت إليك فها بك كل أحد، كأنك إذا نظرت إلى رجل بعينك أشرعت إليه رماحا وصلت عليه بسيوف، كأنه قال صح لهم لنجدتك تتركك، وهذه حالة من الهيبة في القلوب. حَيٌّ يُشارَ إليكَ ذَا مَولاهُمُ ... وَهُمُ المَوَالي والخَلِيقَةُ أعبُدُ قال ابن فورجة: قوله حي يريد به جلهمة، أي جلهمة حي يشار إليك أيها الممدوح أنك مولى لهم أي سيد، وهم أيضا الموالي أي السادات يريد أنك لم تسدهم لكونهم عبيدا، بل أنت سيدهم وهم سادات الناس، وكثير من النسخ المعتمدة وجدنا فيها) حتى يشار إليك (ولم نر نوره إلا أن هذه الرواية سائغة لطيفة، يعني أنهم يجتمعون حولك لا يتخلف عنك منهم أحد، إذا صحت يا لجلهمة، فعل المسودين المذعنين لك بالفضل والرئاسة والسؤدد. أنَّى يكُونُ أبا البَرِيَّةٍ آدَمٌ ... وأبُوكَ والثَّقَلانِ أنتَ محَمَّدُ قال ابن جني: في إعراب هذا البيت تعسف وتقديره كيف يكون آدم أبا البرية وأبوك محمد وأنت الثقلان، ففصل بين المبتدأ الذي) هو أبوك (وبين الخبر الذي هو) محمد (بالجملة التي هي قوله) والثقلان أنت (وهي أجنبية، أي أنت جميع الأنس والجن. وآدم واحد من الأنس، وأبوك محمد، فكيف يكون آدم أبا البرية؟ ومعنى) والثقلان أنت (أي أنك تقوم مقام الأنس والجن بغناك وفضلك. ومن التي أولها: أحُلماً نرى أم زَماناً جَديدَا ... أم الخَلقُ في شَخصِ حَيّ أُعِيدَا قال ابن فورجة: يريد بحي رجلا واحدا، دعته الضرورة إلى ذلك وإنما هذا معنى قول أبي نواس: وليسَ لِلهِ بِمُستَنكَرٍ ... أن يَجمَعَ العالَمَ في وَاحِدِ إلا أنه أراد الزيادة في هذا المعنى، فمعنى أن الخلق الهالكين أيضا أعيدوا في شخص حي فحسن حي بهذا التقدير، وهو كقوله أيضا: وَلَقِيتُ كُلَّ الفاضِلينَ كأنَّما ... رَدَّ الإلَهُ نُفُوسَهُمْ والأعصُرَا رأينا بِبَدرٍ وآبائِهِ ... لِبَدرٍ وَلُوداً وبَدَراً وَلِيدَا قال أبو العلاء: لما شبه الممدوح بالبدر: إذ كان أسمه بدرا ادعى أنه قد رأى للبدر ولودا أي أبا، وللبدر وليدا أي مولودا، وهذه من الدعاوى الباطلة لأنه لا يعني إلا بدر السماء، وقوله لبدر نكرة، ولا يحتمل أن يكون معرفة لأنه لو كان ذلك لم يكن فيه مدح. بَهِجرِ سُيُوفِكَ أغمادَها ... تَمَّنَّى الطُّلَى أن تكونَ الغُمُودَا إلى الَهامِ تَصدُرُ عَن مِثلِهِ ... تَرَى صَدَراً عَن وُرُودٍ وُرُودَا قال ابن جني: يقول سيوفك لا ترجع إلى أغمادها، لأنك أبدا تضرب بها أعناق أعدائك، وهي تمنى أن تكون أغمادا لسيوفك، فلا تجتمع معها أبدا. وقوله إلى الهام البيت. أي أبدا سيوفك تصدر عن الهام إلى هام أخرى. فصدرها أبدا ورود.

стр. 27

قال أبو العلاء: البيت الأول قد كمل معناه، وهو غير محتاج إلى ما بعده، وقوله إلى الهام يفتقر إلى فعل مضمر يكون راجعا إلى السيوف، كأنه لما جرى في البيت الأول ذكر الهجر أضمر) بهجر (في البيت الثاني، يريد تهجر سيوفك أغمادها إلى الهام، كما قال: هجرت إليه الغيث أي تركت الغيث ليتصل به، وكذلك سيوفه تهجر الأغماد لتقع في الهام. ومن التي أولها: ما الشَّوقُ مُقتَنعاً مِني بذَا الكَمَدِ ولا الدّيارُ التي كانَ الحَبيبُ بِها ... تشكُو إليَّ ولا أشكُو إلى أحَدِ قال أبو علي: قال الشيخ أبو الفتح: أي لم يبق في فضل للشكوى ولا في الدار أيضا فضل لها لأن الزمان أبلاها. هذا على ما قاله أبو الفتح. وغير هذا التفسير أولى لما أنا ذاكره، وهو أن هذا التفسير يوجب أن يكون المراد لا أنا أشكو إلى أحد، ولا الديار تشكو إلي لجفاها ودروسها، فكأنه قدم آخر الكلام قبل أوله، فصار مضطربا من المحتمل السائغ لا من الظاهر البارز، والأجود أن يكون قوله ولا الديار عطفا على قوله) ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد (كأنه يقول ولا الديار تقنع مني به، ثم فسر لأي حال لا تقنع به منه، فقال تشك إلي أي شكواها سائغ، وهي مما لا يعقل، كأنها تشكو إلي بدروسها وزوال جمالها، وأنا لا تحسن بي الشكوى إلى أحد، لأنني ممن يعقل جمالها، وأنا لا يحسن بي إظهار الحب وإفشاء السر. فيكون عطف نفيا على نفي تقدمه، لا عطف جملة على جملة لم تأت بعدن ومما يزيد المعنى الذي ذكره ترذيلا قوله لا تشكو إلي الديار لأنه لم يبق فيها فضل للشكوى، فإذا لم يبق فيها فضل فكيف عرفها، وإذا بلغ الحال إلى هذا في دروسها فلا سبيل إلى معرفتها. ومن التي أولها: أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ ... لُيَيلَتُنا المَنُوطَةُ بالتَّنادِ قال ابو العلاء: يجب أن يكون هذا الكلام على تقدير ألف الاستفهام، ويدل على ذلك مجيء) أم (في أوله، كأنه قال: أواحدة أم ست هذه الليلة؟. وحكي عن ابن جني أنه كان يحتج لتخصيص أبي الطيب سداس عن غيره بما هو أكثر. بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، يردي أن هذه الليلة طويلة كأنها الأيام الستة التي خلقت فيها السموات والأرض. إذ كل يوم من أيام الله سبحانه كألف سنة مما يعده بنو آدم، بدليل قوله:) وأن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (وهو قول حسن، ومما يجوز أن يقال في هذا المعنى أن الحديث جاء فيه أنه إذا جاءت القيامة وقضى الله أن تطلع الشمس من مغربها تأخر طلوعها ثلاثة أيام. فينكر الناس ذلك ويفزعون إلى المساجد، ثم تطلع بعد ثلاث سوداء، والثلاثة الأيام التي لم تطلع فيها الشمس صارت كثلاث ليال فهي حينئذ ست. ويوقي هذا القول قوله) لييلتنا المنوطة بالتناد (لأن طلوع الشمس من مغربها يتصل بالقيامة، وصغر الليلة على معنى التعظيم، كما قال لبيد: وكلُّ أُناسٍ سَوفَ تَدخُلُ بَينَهُم ... دُوَيهِيَةٌ تَصفَرُّ منها الأنامِلُ والبصريون المتقدمون لا يرون تصغير الشيء على معنى التعظيم، ويرون أن قول لبيد) دويهية (وهو يريد الموت فصغرها، إذ كان الموت لا يرى، فكأنه خفي إذ كان العيان لايدركه. وقال الأحسائي: ليالي الزمان سبع ليال، يقال هذه الليلة الطويلة واحدة وهي ست ليال في ليلة، فكأنه ضرب واحدة من السبع في البقية وهي الست. متى لَحَظَتْ بَياضَ الشَّيبِ عَينٌ ... فقَد وَجَدَتْهُ مِنها في السَّوَادِ قال أبو العلاء: أي أني إذا لحظت بياض الشيب فكأني لحظت به بياضا في سواد عيني. ولا يمكنه أن يلحظ سواد عينه إلا في المرآة، ولولا أنه بين سواد العين في هذا البيت لجاز أن يحمل على سواد القلب، فيكون نحوا من قول الطائي: شَابَ رَأسِي ومَا عَهدتُ مَشِيبَ الرأسِ ... إلا من فَضلِ شَيبِ الفُؤادِ إلا أن الطائي جعل مشيب فؤاده متقدما شيب رأسه، وأبو الطيب جعل البياض في سواد عينه من أجل حزنه لبياض الشيب.

стр. 28

قال ابن فورجة: قال ابن جني أي كان ما في وجهي من الشيب نابت في سواد عيني تكرها له. هذا كما قال الشيخ أبو الفتح، وعبارة أحسن من هذه أولى، وذلك أن العين لا ينبت فيها الشعر الأبيض ولا الأسود، ولو كانت العين من العضاء التي ينبت فيها الشعر لما ضرها بياض الشعر النابت فيها، ولو ضرها ذلك لما بلغ التكره له حيث يضرب به المثل. والأولى أن يقال إذا نظرت عيني إلى الشيب فكأنها عاينت فيها بياضا ينزل في سوادها من البياض المكره الذي ينزل فيه من العلة. وتأويل بياض الشيب في العين زائد في معناه وحسن، وذلك أنه يزيد بياضا مستهجنا مستقبحا كبياض الشيب كما قال البحتري: ودَدتُ بياضَ السَّيفِ يوم لَقينَني ... مكانَ بَياضِ الشَّيب حَلَّ بمَفرقي وبياض السيف لا يحل بالمفرق، وإنما السيف يحل به فأراد التسوية بين البياضين. مَتى ما ازدَدتُ مِن بَعدِ التَّناهي ... فَقد وَقَعَ انتِقاصِي في ازديادِي قال ابن فورجة: المعنى أن الازدياد بعد التناهي نقصان، كأنه يريد أن التناهي هو بلوغ الأشد واستيفاء أربعين سنة، فإذا ازددت بعدها نقصت القوى، وعدت أنتقص، بعدما كنت أزداد، وكأنه من المعنى الذي له: فَبعَثنا بأربعينَ مِهاراً ... كُلُّ مُهرٍ مَيدانُهُ إنشادُهُ عَدَدٌ عِشتَهُ يَرَى الجِسمُ فِيهِ ... أرَبا لا يَرَاهُ فِيما يُزَادُهْ وقوله: فقد وقع انتقاصي في ازديادي يريد فقد ابتدأ نقصاني يزيد وهذا المعنى من قوله: وَلُجدْتَ حتى كِدتَ تَبخَلُ حائِلاً ... للمُنتَهَى وَمِن السُّرُورِ بُكاءُمأخوذ من قول القائل: وأُسَرُّ في الدُّنيَا بكُلّ زِيادةٍ ... وزِيادَتي فيها هو النَّقصُ والأول فيهما جميعا قول حميد: وحَسبُكَ دَاءً أَنّ تَصِحَّ وتَسلَمَا وأبعَدَ بُعدَنا بُعدَ التَّدَانِي ... وَقَرَّبَ قُربَنا قُربَ البِعادِ قال أبو العلاء: في أبعد وقرب ضمير عائد على المسير، والمعنى أنه دعا للمسير بأن يجزي خيرا، لأنه قرب الأمد الذي كان بينه وبين الممدوح، فيصير مقداره كعرض النجاد، وهو ما يقع على الكتف من حمائل السيف. يقول كان تدانينا بعيدا، فابعد المسير بعدنا فصبره في النأي بمنزلة ما كان عليه التداني من قبل، وجعل قربنا قريبا منا كما كان البعاد في الدهر الأول مقاربا لنا. ومن التي أولها: أقَلُّ فَعالي بَلهَ أكثَرَهُ مَجدُ ... وَذَا الجِدُّ فيهِ نِلتُ أم لم أنَلْ جَدُّ قال ابن جني: أكثره بالنصب والجر، والنصب أجود، لأنه بله أسم مسمى به الفعل مثل) رويد وحيهل (وبله في معنى دع أكثره، وهي اسم دع، كما أن صه اسم أسكت. والجر في أكثره على أنه جعل بله مصدرا وأضافه إلى أكثره كقوله تعالى) فضرب الرقاب (والنصب بع دبله أقوى، لأنه لو كان بله مصدرا لوجد فعله، ولا نعرف له تصرفا، فينبغي أن يكون غير مشتق منه بمنزلة صه. ومه وإنما جوزنا الجر على أن يكون بله مصدرا، لأنا قد وجدنا مصادر لا أفعال لها) نحو ويل وويح وويس (وقالوا) الابن: الإعياء (ولا فعل له) والإد للعجب (والمراد الفعل يقول: وذا الجد الذي أنا عليه في أمري فيه حظ، نلت ما أطلبه أو لم أنله، فلو لم يكن عندي غير هذا الجد في أمري وترك التواني لقد كان لي جدا، وهذا قريب من قول البصري: فأن لَم تَنَلْ مَطلباً رُمَتهُ ... فليسَ عليكَ عدا الاجتهادِ سأطلُبُ حَقِّي بالقَنا وَمَشايخٍ ... كأنَّهُمُ من طُولِ ما التَثَموا مُردُ قال أبو العلاء: المشايخ جمع مشيخة، وهي جماعة الشيوخ وكأن المشيخة في الأصل مصدر، كأن المراد قوم ذو مشيخة أي شيخوخة، أو يكونون جعلوا كالموضع لتلك الحال، وكان ابن دريد يذهب إلى أن المشيخة كلمة ليست بفصيحة، وجاء في كلام الفراء: سمعنا المشيخة وحدثتنا المشيخة. والفراء أقرب إلى زمان الفصاحة من ابن دريد، ولا يجوز همز مشايخ لأن الياء أصلية وهي متحركة في الواحد، وبعض الناس يذهب إلى أن المعنى أن هؤلاء المشايخ كأنهم من طول تلثمهم مرد لا لحى لهم لأن لحاهم مستورة باللثم، فهذا قول حسن، ويجوز أن يذهب ذاهب إلى أن طول التلثم قد حص شعر لحاهم، كما قال أبو قيس بن الأسلت: قد حَصَّتِ البَيضَةُ رَأسي فَما ... أطعَمُ نَومَاً غيرَ تَهجَاعِ

стр. 29

ويَمنَعُنِي مَّمنْ سِوَى ابن مُحَمَّدٍ ... أيادٍ لَهُ عِندي يَضِيقُ بها عِندُ قال أبو العلاء: عند يحكي فيها) عند وعند وعند (حكى ذلك يونس. وهي من قولهم:) عند ذا مال (وإذا قال القائل كذا وكذا عند فلان، فالمعنى أنه في الموضع الذي يميل إليه، وكانت) لعند (سعة وليست لغيرها من الظروف وذلك أن الجهات ست: أمام ووراء، وتحت، وفوق، ويمين، وشمال، وكل واحدة من هذه الجهات مختصة بناحية و) عند (تقع على جميعها فلذلك حسن قول القائل) يضيق بها عند (. يكادُ يًصِيبُ الشّيءَ مِن قبل رَمِبِهِ ... ويُمكِنُهُ في سَهمِهِ المُرسَلِ الرَّدُّ وقال ابن جني: يمكنه معطوف على يصيب لا على يكاد. وقال أبو العلاء: قوله يمكنه معطوف على يصيب، قول فيه تخليص للشاعر من المبالغة في الكذب، لأنه قال يكاد يصيب الشيء فهو لم يصبه، فإذا عطف يمكن على يصيب فالمعنى ويكاد يمكنه في سهمه، وإذا جعل يمكنه معطوفا على يكاد فقد حكم بأنه يمكنه أن يرد سهمه المرسل، وهذا أشد في المبالغة واحسن في نقد الشعر. بنَفسِي الذي لا يُزدَهَي بِخَديعَةٍ ... وَأن كَثُرتْ فيه الذَّرائِعُ والقَصدُ قال ابن جني: كأنه قال بنفسي غيرك أيها الممدوح، لأني أنا أزدهيك بالخديعة وأسخر منك بهذا القول، لأن هذا مما لا يجوز مثله، وإنما هو سخر مني بك وهذا مذهبه وهو كقوله: فأن نِلتُ ما أمَّلتُ منك فَرُبمَّا ... شَرِبتُ بِماءٍ يُعجِزُ الطَّيرَ وِردُهُ قال أبو العلاء: المعنى الذي قصده الشاعر أنه قال بنفسي الذي لا يخدع ولا يغر ولا يجوز عليه تمويه القائلين، والمعنى بنفسي أفديه، والمعنى الذي ذكره أبو الفتح ﵀ بعيد لا يليق بالممدوح. مَضى وَبَنُوهُ وانفَرَدْتَ بِفَصلِهِم ... وألفٌ إذا ما جُمَّعَتْ وَاحِدٌ فَردُ قال أبو العلاء: الألف مذكر وقال جمعت فأنث، لأنه ذهب مذهب الجماعة، لأنه آحاد كثيرة، وإذا جعل الألف أجزاء على مائة أو دون ذلك فهو جماعة، فلذلك أنث في هذا الموضع، وبعض العرب يقول في الألف:) عشر مائة (وقالوا في جمع ألف آلاف، وعلى ذلك أكثر الاستعمال مثل زند وأزناد. وفرخ وأفراخ قال الأعشى: وُجِدتَ إذَا اصطَبَحُوا خَيرَهُمْ ... وَزَندُكَ أثقَبُ أزنَادِهَا وقال الحطيئة: ماذا تَقولُ لأفرَاخٍ بِذي مَرَخٍ ... حُمرِ الحَوَاصِلِ لا مَاءٌ ولا شَجَرُ وقالوا آلف وهي قليلة والجمع الكثير ألوف. وأردِيةٌ خُضرٌ وَمُلكٌ مُطاعَةٌ ... وَمَركوزَةً سُمرٌ وَمُقرَبَةٌ جُردُ قال ابن جني: أردية خضر يقول هم ملوك وأنت الملك لأنه ذهب إلى السلطان وهو مؤنث. قال أبو العلاء: المعنى أنه أراد بالأردية السيوف، ومعروف عند العرب أنهم يسمون السيف الرداء، ومن ذلك قول عمرو بن شأس: كأنَّ رِدَاءَيُهِ إذا قَامَ عُلِّقَا ... على جِذعِ نَخلٍ لا سَحُوقٍ ولا بَالِ يعني رداءه وسيفه، وقد جاء هذا المعنى مشروحا في بعض الشعر كقوله: يُنازِعُني رِدَائِي عَبُد شَمسٍ ... رَويدَكَ يا أخَا سَعدِ بنِ بَكرِ لي الشَطرُ الذي مَلكتْ يَميني ... ودونَكَ فاعتَجِر منه بشطرِ وملك جمع ملك مثل تمر وتمر، وبيت ابن أحمر يحمل على وجهين: مدَتْ عليه المُلكُ أقطارَهَا ... كأسٌ زَنَوناةٌ وطِرفٌ طِمِرْ قيل ملك جمع ملك وقيل بل أراد المملكة فأنث. ومَا عِشتُ ما ماتُوا وَلا أبَواهُمُ ... تَمِيمُ بنُ مُرٍّ وابن طابِخَةٍ أُدُّ قال أبو العلاء: يقول بنو سيار بن مكرم لم يموتوا ما دمت أيها الممدوح في الحياة. وكذلك لم يمت أبواهم، جعل الجدين القديمين أبوين، وكذلك موضوع اللغة لأن الرجل يقول: أبي آدم وبينهما ما شاء الله، وتميم بن مر بن أد بن طابخة وأد يقول بعض الناس هو من الود قلبت الواو همزة لوقوعها مضمومة في أول الاسم ويجوز أن يكون اشتقاق أد من كل لفظ يشتق منه أدد. ومن التي أولها: لَقَدْ حازَني وَجدٌ بِمَن حازَهُ بُعدُ أسَرُّ بتَجدِيدِ الهَوَى ذِكرَ ما مَضَى ... وإنْ كانَ لا يَبقَى لَهُ الحَجَرُ الصَّلدُ قال ابن جني: يقول أسر بتذكر ما خلا من اللذة، وإن كان ذلك لا يبقي عليه الحجر الصلد تأسفا وحنينا إليه.

стр. 30

قال أبو العلاء:) ذكر ما مضى (ينتصب على أحد وجهين، أجودهما أن يكون مفعولا لتجديد الهوى إياه، والآخر: أن يكون مفعولا له، كأنه قال أسر بتجديد الهوى لذكر ما مضى، أي لذكري إياه. وَسَيفي لأنتَ السَّيفُ لا ما تَسلُّهُ ... لضَربٍ ومَّما السَّيفُ منهُ لكَ الغِمدُ قال أبو العلاء: وسيفي أراد به معنى القسم، كأنه آلى بسيفه. أن هذا الممدوح هو السيف الذي يسله للضرب) ومما السيف منه لك الغمد (أي عليك درع أو جوشن. وهما يتخذان من الحديد، كما أن السيف منه يطبع. وقد ذهب قوم إلى أن قوله وسيفي يريد به ويا سيفي، لأنت السيف، فحذف حرف النداء، وهذا لا يمتنع ولكن الأول أحسن، والقول في قوله) ورمحي (مثل القول في قوله) وسيفي (. مِنَ القاسِمِينَ الشُّكرَ بَيني وبَينَهُمْ ... لأنَّهُمُ يُسدَى إليهِمْ بأنْ يُسدُوا وقال ابن فورجة: يريد أنهم لكونهم يعتقدون منه فضلا عليهم لمن قصدهم واستماحهم، فهم يشكرونه على ذلك، فأنا أشكرهم على ما أولوني من الجميل، فهم يشكرونني على أخذي نوالهم. وفي بعض لفظ هذا البيت ما يدل على الغض من الممدوحين، إذ جعلهم يسدى إليهم بان يقبض نوالهم، وهذا هجو، إذ جعلهم بقبض نوالهم بمنزلة من لا يجد من يفضل عليه، وهل هو إلا من قوله: وَقَبضُ نَوَالِهِ شَرَفٌ وَعِزٌّ ... وَقَبضُ نَوَالِ بَعضِ القَومِ ذَامُ على أنه وأن خذله الوزن، ومنعه استيفاء غرضه، فقد علم أن ما يريده شدة فرحه بالعطاء، حتى كأن من يسأله يمن عليه، فما أكثر ما جاء نظير هذا في شعره وشعر غيره، وأجوده قول القائل: وأنَّكَ لا تَدرِي إذا جاءَ سَائِلٌ ... أأنتَ بما تُعطِيهِ أم هُوَ أسعَد ثم أتبع هذا البيت معنى يشبه أن يكون مبتكرا، وما حمله على الرضا بهذا اللفظ الموجه إلا ما نواه في البيت الثاني، وهو قوله: فَشكري لهم شُكرانِ: شُكرٌ على النَّدَى ... وشُكرٌ على الشُّكرِ الذي وَهَبُوا بَعدُ فهذا المعنى مع تعسفه فيه أغرب مما مضى، يقول فإذا شكروني على أخذ نوالهم شكرتهم على شكرهم إياي، وشكرتهم على ما أعطوني، فصار شكري لهم شاكرين. وقوله الذي) وهبوا بعد (جعل الشكر الذي أتوه هبة ثانية منهم له، وصار لفظ الهبة مستحسنا وزيادة في المعنى والصنعة. ومن التي أولها: وشَامِخٍ مِنَ الجِبالِ أقوَدِ زُرناهُ للأمر الذي لمْ يُعهَدِ للِصَّيدِ والنُّزهَةِ والتَّمرُّدِ قال ابن فورجة: قال الشيخ أبو الفتح: إنما قال:) لم يعهد (أي لأن الأمير مشغول بالجد والتشمير عن اللهو واللعب. والتفسير على ما حكاه أن كانت الرواية لم) يعهد (بضم الياء لا محيص عنه، والأجود عندي وهو ما أرويه) لم يعهد (بفتح الياء. ويكون ضميره للشامخ يعني أنه لم يعهد الصيد فيه لعلوه وإرتفاعه، ولم يقدر على وحشه إلا هذا الأمير، لعظم شأنه ألا تراه يقول: فَردٍ كَيافُوخِ البَعيرِ الأصيَدِ يُسارُ من مَضيقِهِ وَالجَلمدِ في مثلِ مَتنِ المَسَدِ المُعَقَّدِ فوصفه بالارتفاع والوعورة وضيق الطريق، فهذا أراد بقوله) لم يعهد (، ألا تراهم يتمدحون بالصيد ومطاردة الوحش، حتى أن عامة) شعر (امرئ القيس وكثير من الشعراء بعده، افتخار بالطرد، وقد مدح أبو الطيب كثيرا به، ولم يستنكف لأحد من الممدوحين به كقوله: وَذي لَجَبٍ لا ذُو الجَناحِ أمامَهُ ... بنَاجٍ ولا الوحوشُ المُثارُ بسالِمِ وقوله: لهُ مِنَ الوَحشِ ما اختارَتْ أسنَّتُهُ ... عَيرٌ وَهَيقٌ وخنساءٌ وَذَيَّالُ وقوله لعضد الدولة: لَمْ يَبقَ إلاَّ طَرَدُ السَّعالِي ... في الظُّلَمِ الغائِبَةِ الهِلالِ على ظُهورِ الإبلِ الأُبَّالِ ومن التي أولها: أَوَدُّ مِنَ الأَيامِ ما لا تَوَدُّهُ يُباعِدْنَ حِبَّاً يَجتَمِعنَ وَوَصلُهُ ... فكيفَ بحبٍّ يَجتَمِعنَ وَصدُّهُ قال أبو العلاء: زعم أن الأيام يباعدن الحب المواصل، فكيف بحب موصوف بالصدود، أي هذا الحب المذكور صاد عنا، فذلك أجدر لمعونته الأيام على الفراق، وعطف) وصله وصده (على الضمير المرفوع في يجتمعن، والأحسن أن يؤكد الضمير المرفوع إذا عطف عليه، مثل أن يقول: يجتمعن هن ووصله.

стр. 31

رَعَى اللهُ عِيساً فارقَتنا وَفَوقَها ... مَها كُلُّها يُولي بِجفَنَيهِ خَدُّهُ قال الأحسائي: رد الضمير في) جفنيه وخده (إلى لفظ كل لا إلى المها، ومعنى يولي أي قد بكت للوداع ثم بكت للفراق والدمع الثاني هو الولي والأول الوسمي. بِوَادٍ بِهِ ما بالقُلُوبِ كأنَّهُ ... وقَدْ رَحَلُوا جِيدٌ تَناثَر عِقدُهُ قال أبو العلاء: أدعى أن الوادي إذا ساروا عنه يجد لفراقهم كما يجد الآدميون فيه من الأسف كما في قلوب الإنس، وكأنه لما رحلوا جيد انتشر عقده، فقد بقي عاطلا، وهذا المعنى الواضح. وقد يجوز أن يعني بقوله) بواد به ما بالقلوب (أنهن في الوادي ممثلات كما أنهن في قلوبنا كذلك. قال ابن فورجة: قال أبو الفتح: قوله) به ما بالقلوب (أي قد قتله الوجد لفقدهم، فيجري هذا مجرى قوله أيضا: لا تَحسَبُوا رَبعَكُم ولا طَلَلَهْ ... أوَّلَ حَيّ فِراقُكُمْ قَتَلَهْ ومعنى هذا البيت: لأن هذا الوادي به من الوحشة لرحيل هؤلاء الأظعان عنه ما بقلوبنا، فأما قول أبي الفتح أي قتله الوجد لفقدهم فليس في البيت ما يدل على القتل، ولا القتل مما يتوجه على القلب دون غيره من الأعضاء، ولا أدري من أين أتى بهذه اللفظة الأجنبية في تفسير هذا البيت الظاهر!. أنا اليَوم مِنْ غِلمانِهِ في عَشِيرَةٍ ... لَنا وَالِدٌ مِنهُ يُفدِّيه وُلدُهُ قال ابن فورجة: قد كان يجب أن يقول في عشيرة لهم والد منه، إلا أن له عادة في قطع الكلام الأول قبل استيفاء الفائدة وإتمام الخبر، وهو كثير في كلامهم ولو لم يأت إلا قول الله تعالى:) الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (. وقوله تعالى:) والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (لكفى وأقنع، إذ ليس في الخبر ما يرجع إلى الأول) والذين (من الأسماء النواقص، فإذا جاء ذلك في أسماء محتاجة إلى صلاتها فهي في غيرها أولى، ومثل هذا من الشعر القديم قول الراجز: يا أبجَرَ بنَ أبجَرٍ يا أنتَا ... أنتَ الذي طلّقتَ عامَ جُعتَا قَدْ أحسَنَ اللهُ وقدْ أسأتَا ومثله: وأنتِ التي حَبَّبتِ شَغباً إلى بَدَا ... إليَّ وأوطَانِي بِلاَدٌ سِوَاهُما قال الشيخ أبو الفتح: كلمته غير مرة في هذا فأعتصم بأنه إذا أعاد الذكر على لفظ الخطاب كان أبلغ وأمدح من أن يرده على لفظ الغيبة، ولعمري أنه لكما ذكر ولكن الحمل على المعنى عندنا لا يسوغ في كل موضع ولا يحسن، هذا كلام ابن جني. وقال أيضا: ولولا أنا سمعنا مثله في الشعر للعرب لرددناه، فقوله) لنا والد منه يفديه ولده (يريد أن الجاري في العادة أن يفدي الوالد ولده لفظا أن تقول فديته، فيقول أبو الطيب: كافور لنا بمنزلة الوالد، إلا أنا نحن نفديه ولا يفدينا هو. كأنه يردي بلفظ الوالد التعريض له بأنه مخصي وأنه ربي ولد ابن طفج تربية الوالد، وكرر ذلك فقال: إنَّما أنتَ وَالدٌ والأبُ القَا ... طِعُ أحنَى من قَاطِعِ الأولاَدِ وقال: وأنتَ الذي رَبَّيتَ ذَا المُلكِ مُرضَعا ... وليسَ لَهُ أُمُّ سِوَاكَ ولا أبُ سَبائِكُ كافُورٍ وعِقيانُهُ الّذِي ... بِصُمّ القَنَا لا بالأصَابِعِ نَقدُهُ قال ابن جني: يقول فيها سبائك كافور وذهبه، أي لا ذهب هناك ولا سبائك، وإنما هناك غلمان مختارون وأصحاب مصطفون اختارهم بعد أن أمتحنهم بالطعان بين يديه، وجربهم فأقامهم مقام ماله وذخائره، لأنه بهم يصل إلى مطالبه كما يصل بالمال، ولم يرد المال في الحقيقة. فيا أيُّها المَنصُورُ بالجَدّ سَعيُهُ ... ويا أيُّها المَنصُورُ بالسَّعي جَدُّهُ قال أبو العلاء: أراد أن الممدوح قد جمع بين الجد الذي هو الحظ، وبين الجد الذي هو السعي في طلب المكارم، فكل واحدة من الخلتين تنصر الأخرى، لأن المجدود إذا اتكل على جده ولم يسع في طلب المكارم كان ذلك يقضي عليه، وإذا سعى وهو غير مجدود لم يصل إلى خير، لأن المثل السائر) غثني بجدك لا بكدك (. وألقى الفَمَ الضِّحَّاكَ أعلمُ أنَّهُ ... قَرِيبٌ بذي الكَفِّ المُفَدَّاةِ عَهدُهُ

стр. 32

قال الأحسائي: يقول قد ثبت عندي أن من والاك لا يزال بطاعتك مسرورا، ومن عاداك لا ينفك خائفا مغموما، فأستدل بما أراه من مرح من اختار به وسروره على طاعتك، وأنه قريب العهد برضاك عنه وتقبيله يدك، لأن من وصل إليها فقد فاز بالحظ الجسيم، وأستدل على عدوك بانقباضه وغمه. وَوَعدُك فِعلٌ قَبلَ وَعدٍ لأنَّهُ ... نَظيرُ فَعالِ الصَّادِقِ القَولِ وَعدُهُ قال ابن فورجة: قال أبو الفتح: يقول الصادق إذا وعد وفى، فكان وعده بصحة وقوع موعوده وفعله، هذا كما قال إلا أنا نزيد اللفظ بيانا، يقول كل من وافيا بمواعيده فوعده نظير فعله، أي كان إذا وعد شيئا فقد فعله لركون النفس إليه وشدة الاعتماد عليه، وتقيض هذا قوله: أصبَحْتُ أروَحَ مُثرٍ خازناً وَبَداً ... أنا الغَنِيُّ وأموالي المَوَاعِيدُ وهذا هزء ويقول أنا مثر لا تعب على خازني ولا على يدي، إذ كان أبرأني من المواعيد وكذلك قوله: جُودُ الرّجال مِن الأيدي وَجُودُهُمُ ... مِنَ اللّسانِ فَلا كانُوا وَلا الجُودُ ومن التي أولها: حَسَمَ الصُّلحُ ما اشتَهَتهُ الأعادِي وَكلامُ الوُشاةِ لَيسَ عَلَى ... الأحْباب سُلطانُهُ عَلى الأضدَادِ قال الشيخ أبو العلاء: هذا البيت يحتمل وجهين: أقواهما: أن يكون سلطانه مرفوعا بليس، وقوله على متعلق بسلطانه أي ليس سلطان كلام الوشاة الذي يتسلط على الأضداد واقعا على الأحباب، والآخر: أن يكون الكلام قد تم عند قوله) على الأحباب (ثم ابتدأ مخبرا فقال: سلطانه. أي سلطان الكلام على الأضداد، كما تقول: ليس شرك على صديقك إنما هو على عدوك. ومن التي أولها: عِيدُ بأيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يا عِيدُ ... بِمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تَجدِيدُ قال ابن جني: كأنه قال هذا عيد، ثم انتقل يخاطب العيد، فقال بأية حال عدت يا أيها العيد أي: هل عدت بما عهد من الحال أم تجدد فيك أمر. قال أبو العلاء: عيد مرفوع، لأنه خبر ابتداء محذوف، كأنه جاء فأنكر مجيئه، فقال له أنت عيد كما تقول للرجل إذا لقيته: فلان أي أنت فلان. ويدل على أنه أنكر لقاه قوله) بأية حال عدت (. وقوله) بما مضى (يجب أن تكون الباء متعلقة بقوله عدت، ودخلت) أم (هاهنا لأن في أول الكلام استفهاما، ويحتمل أن يكون أراد ألف الاستفهام بقوله بما مضى، كأنه قال أبما مضى عدت. أم لأمر لا نعلمه جددت. وقد رويت اللام مكان الباء في قوله بما مضى. ومنهم من يروي لأية حال باللام أيضا، واللام فيما أراه أحسن من الباء. لَولا العُلى لم تُجبْ بي ما أجُوبُ بِها ... وَجناءُ حَرفٌ ولا جَرداءُ قَيدُودُ قال ابن جني: الوجناء العظيمة الوجنات من النوق، ويقال بل هي الغليظة الخلق أخذت من الوجين وهو الغليظ من الأرض، قال الشاعر: أنختُ بها الوجَناءَ مِن غَير سَامةٍ ... لثنتَين بينَ أثنين جَاءٍ وذَاهِب لثنتين يعني ركعتي العصر، بين أثنين يريد الليل والنهار، وأراد سامة فحذف الألف. ومثله للكميت: لا يَتَداوىَ بنزلَةٍ منهم المُدنَفُ من هَيضَة الكَرى الوَصبُ إلاَّ بخَمسٍ هي المُنيِخَةُ للأركُبِ في حيثُ تُنْكَأُ الحَلبُ يعني بالخمس الصلوات، وبالحلب مواضع السجود، أي لولا ما أطلبه من العلا لم تقطع بي الفلاة والمهالك ناقة هذه حالها، ولا فرس هذه صفتها. قال أبو العلاء: الأشبه أن يكون الحلب التي في ظهور العيس، لأن الحلب في الحياة لا يستعمل. ما يُقبِضُ المَوتُ نَفساً مُنْ نفوسِهِم ... إلاَّ وفي يَدِهِ من نَتنها عُودُ

стр. 33

قال ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى، وقد تكلف له القاضي أبو الحسن ما كان غنيا عنه، وذكر أنه عيب بهذا، وقيل أن العود يعني الطيب ليس بذي رائحة فيفي عند الشم أو يفزع إليه من نتن ثم قال: وقد قال المحتج عنه إنما يعني أنه لا يباشر الموت قبض روحه بيده تقززا وإستقذارا، فيحمل عودا من الأعواد التي هي قضبان أو قطعة خشب من أي شجر كانت ليقبضها به، ولعمري أن المتوهم على أبي الطيب أنه يعني عود الطيب لعاجز، وأن الاحتجاج عنه والنفخ دونه من الكلف التي كفاها الله، وهذا الشيخ أبو الفتح فسر هذا البيت فقال: أي لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها ضربه مثلا، هذا كلامه ألا تراه أورد غرض الرجل بدءا من غير تعريج على محال أو توهم لغير الواجب، وما أغوى القاضي إلا ذكره للنتن، فحسب ألا بد من طيب يقابل النتن، وقد علم أن أبا الطيب جد عالم أن العرب لم تسم العود المتبخر به عودا، إلا أنه بعض العيدان وجنس منها، وأنهم لا يوردونه هذا المورد إلا إذا كان في الكلام ما يدل على الغرض ولم نسمع أحدا من الشعراء ولا في نثر من نثر الفصحاء: أخذت بيدي عودا من الأعواد، وناولني فلان عودا على معنى لفظ التنكير، واملراد هذا الطيب وإنما يقولون: أخذت مندلا وألوة، أو مجمرا أو العود معرفا في الأسماء التي تختص به، والعود الذي عليه الأوتار هذه سبيله لا يقال أخذت عودا فيعلم أنك عنيت البربط إلا في الكلام ما يدل عليه كقول بشار: إذا قَلّدَتْ أطرافُها العُودَ زَلزَلَتْ ... قُلوباً دَعَاها للصَبَابةِ دَاعِ العَبدُ لَيسَ لُحرٍّ صَالِحٍ بأخٍ ... لَو أنَّهُ في ثِيابِ الحُرِّ مَولُودُ قال أبو العلاء: لو أن هذا الكلام منثور لكان الأحسن أن يقول ولو أنه بالواو كما يقال: لا تركن إلى عبد، ولو أنك قد وليت تربيته، وحذف الواو للضرورة وإقامة الوزن. وقال ابن فورجة: هذا يعرض بابن طغج، يقول كان لا يجب أن تركن إليه ولا تتخذه أخا وصاحبا لو أنه حر وولد في ثياب حر، والهاء في قوله لو أنه عائدة إلى ابن طغج، كأنه يقول لو كان حرا لما اتخذ العبد أخا، يريد هو ولد زنى ولولا ذاك لما رضي بهذه الهضيمة، يغريه به ويذمه على تسليطه. إنَّ أمراً أمَةٌ حُبْلَى تُدَبِّرُهُ ... لُمستَضَامٌ سَخِينُ العَينِ مَفئُودُ قال ابن جني: يعرض بالإخشيد ويريد بالأمة الحبلى كافورا، ومفئود بلا عقل كأنه قد أصيب فؤاده. وَعندَها لَذَّ طَعمَ المَوتِ شارِبُهُ ... إنَّ المَنيَّةَ عِندَ الذُّلِّ قِندِيدُ قال أبو العلاء: القنديد شراب من عنب يطبخ وتطرح فيه أفاويه، فأما القند فمعروف أنه ضرب من السكر، يقال: قندت السويق فهو مقنود وقندته. قال الشاعر: أهَاجَتكَ أظَعَانٌ تَحَملنَ غدوةً ... بكرمانَ يُصبَحنَ السَّويقَ المقَنَّدا واشتقاق القنديد من القند فيما يوجبه القياس. ومن التي أولها: جاءَ نَورزُنا وأنتَ مُرَادُهْ كُلّما استُلَّ ضَاحَكَتْهُ إياةٌ ... تَزعُمُ الشَّمسُ أنَّها أرادُهْ قال أبو العلاء: إياة الشمس ضوءها، وقال قوم الإياة عين الشمس، قال طرفة: سَقَتْهُ إياةُ الشَّمسِ إلا لِثِاتِهِ ... أُسِفّ وَلم تكدِمْ عليهِ بإثِمدِ يريد أن نور الشمس إذا قابل فرند هذا السيف حدث بينهما أنوار، تزعم الشمس أنها أرآده هذا الحسام وإنما ذلك زعم لا حقيقة له، واكثر ما يستعمل الزعم فيما لا يثبت، كما قال الله سبحانه:) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا (أي ليس الأكر كذلك. وقال الضبي: زَعَمتُ تُماضِرُ أنَّني إمَّا أمُتْ ... يَسدُدْ بُنَيُّوها الأصاغِرُ خَلتي أي أنها تدعي ذلك وليس هو على ما تزعم. وقال ابن فورجة: الشمس مؤنثة ولا ذكر ههنا ترجع إليه الهاء في أرآدة السيف. وإياة نكرة يحتاج بها إلى ضمير يرجع إليها في باقي الكلام، أو صفة، وأن كانت الهاء في) أنها (راجعة. فالهاء في أرآدة أما للشمس وأما للسيف، وأن كانت الهاء في أنها للشمس فالهاء في) أرآدة (لا تصلح أن ترجع إلى إياة لأنها مؤنثة فيها علامة تأنيث، وأرآد جمع والشمس وإيادة معا موحدان، والذي عندي في هذا البيت أنه ذكر الشمس إذ ليس تأنيثها حقيقيا، واضطرته القافية إلى تذكيره وقد فعلت العرب مثل ذلك كثيرا. يقول القائل:

стр. 34

فلا مُزنَةٌ ودَقَتْ وَدقَها ... ولا أرضْ أبقَل إيقَالَها وقول الأعشى: أرَى رَجُلاُ منهم أسيفاً كأنَّما ... يَضُمُّ إلى كَشحَيهِ كَفَّاً مُخَضبا فأما وجه جمعه الأرآد والإياة موحدة، فأنه حملها على المعنى في قوله) كلما أستل (فكأنه عنى سلات كثيرة، فكل سلة راد للشمس، وفي البيت نظر آخر: وهو أن الرئد الترب، وإنما يقال فلانة أي هي في سنها، ولا فائدة في كون ضوء السيف رئدا للشمس في السن، بل الفائدة في أن يكون ضوءه مثل ضوئها، والقول في ذلك عندي أنه أقام الرئد مقام النظير والشبيه اتساعا في الكلام. مَثَّلُوهُ في جَفنِهِ خَشيَةَ الفَقدِ فَفي مِثل أُثِرِهِ أغمادُهْ قال أبو العلاء: المعنى أنه أراد أن أصحاب هذا السيف كانوا معجبين به، يؤثرون أن لا يغيب عنهم في حال، فمثلوه في غمده من الفضة، بشبه أثره، ليكونوا وهو مغمد كأنهم ينظرون إليه وهو مسلول، لأنهم يختارون أن لا يغيب عنهم، ولا يمتنع أن يكونوا صاغوا له غمدا من الفضة، والسيف يوصف بالبياض والفضة بيضاء فكأنه مغمد في فرنده. وقال ابن فورجة: هذا البيت يحتاج إلى إشباع في التفسير. وقد قال أبو الفتح ابن جني: أن جفن هذا السيف كان مغشى بفضة منسوجة عليه، فكأنهم بنقاء الفضة التي على جفنه صونا له من الفقد لئلا يأكل جفنه. هذا كلامه. وفيه زلل في مواضع سابينها فأحد ما زال فيه قوله حكوه بنقاء الفضة التي على جفنه، مع قوله كان مغشى بفضة منسوجة، فأن كان المعنى ما حكاه فكان يجب أن يغشى بفضة مطروقة مصفاة ليكون نقاؤها مثل نقائه، وهيئتها كهيئة، فأما المنسوجة فلا نقاء لها، وقد زعم أنها كانت منسوجة، فقد نقض آخر كلامه أوله، والآخر قوله صونا له من الفقد فقد ظن أبو الفتح أنه يعني لو لم يغش بالفضة لفقد، وليت شعري كيف يفقد هذا السيف من بين السيوف وكلها غير مغشاة بفضة فما تفقد! والآخر قوله لئلا يأكل جفنه وقد علم أن السيف قد يأكل جفنه ولا يفقد، والذي عنى أبو الطيب غير ما حكى وإنما شبه أثره بنسج الفضة على جفنه، فهو إذا كان من الفرند المسمى المزرد أشبه شيء بنسج حتى أن في السيوف المجلوبة من بعض بلاد الترك سيوفا حدودها فولاذ ومتونها حديد من المذيل، وهو المسمى بالفارسية) الترماهن (يهز أحدها ثم يعطف طرفه فيلتقي مع قائمه للينه ثم يخلى فيعود إلى استوائه، وعلى متونها كأحسن ما يكون من النسج، فيزعمون أنها تتخذ من حديد يمطل الفضة، فإذا صار في دقة الوتر نسج منه على هيئة التكة، فإذا فرغ من نسجه نفخ عليه، حتى إذا صار نارا طرق فأنحلت تلك القوى وتلازمت فإذا برد كشف عنه بالمداوس، وألبس حدا من) الشابرقان (الجيد، فلا ترى فرندا أحسن من فرندها، وهي تقد الفارس، وتهتك الدرع بلينها ومضائها، فأدعى أبو الطيب، لحذقه بصنعة الشعر، أن ما نسج على جفنه من الفضة تصوير لما على متنه من الفرند، فعل به ذلك إرادة أن لا تفقده العين بكونه في غمده، بل تكون كأنها ناظرة إليه، ولم يرد بقوله) خشية الفقد (خشية ضياعه وذهابه، بل أراد أنه لحسنه لا يشتهي مالكه أن يفقده منظره بإغماده. وَتَقَلَّدْتُ شامَةً في نَدَاهُ ... جِلدُها مُنفِساتُهُ وَعَتَادُهْ قال أبو العلاء: لما كانت الشامة تكون في الجلد، استعاره أبو الطيب في هذا البيت، فجعل السيف شامة في يدي الممدوح، والجلد الذي هي فيه المنفسات والعتاد وهي قليلة فيه لأن الشامة إنما تشغل ما قل من جلد الإنسان. فَرَّسَتنا سَوَابِقٌ كُنَّ فِيهِ ... فارَقَتْ لِبدَهُ وفيها طِرادُهْ قال أبو العلاء: الهاء في) فيه (راجعة على الندى، وقوله) فرستنا (أي جعلتنا حاذقين بالفروسية، لأن كل من ركب الفرس سمي فارسا، إلا أنه وأن ركب جائزا ألا يكون صاحب فروسة على ظهور الخيل، والهاء في) لبده (راجعة إلى الممدوح، واللبد هاهنا واحد في معنى الجمع، والهاء في) طراده (يرجع إلى الممدوح أيضا، أي أنه فارس على الخيل، فهذه السوابق قد فارقت ركابه إلا أنها متعودة ما عدوها من الطراد، فنحن نجده فيها إذا أردناه. وَرَجَتْ رَاحَةً بنا لا نَرَاها ... وَبِلادٌ تَسِيرُ فِيها بِلادُهْ

стр. 35

قال ابن جني: أي لما انتقلت خيله إلي رجت أن تستريح من طول كده إياها وليست ترى ذلك من جهتي مادمت أسير في بلاده، والعمل الذي يتولاه لسعة وامتداد الناحية التي تحت يده. وقال أبو العلاء: يقول هذه سوابق رجت أن تستريح إذا صارت إلينا، لأنها كانت متعبة عنده بالطراد، ودعا عليها بألا تنال ذلك أي: إنا نتعبها لأنا نتبع سيرته، ونفعل كما يفعل من طراد الأعداء، وهذا معنى مستطرف لأنه كان ينبغي لهذه الخيل أن تستريح مادامت في بلاد الممدوح، إذ كانت آمنة من الأعداء، فإذا خرجت منها جاز أن يحتاج أربابها إلى القتال. ومن أبيات له قوله: ذَمّ الزَّمانُ إلَيهِ منْ أحبَتِهِ ... ما ذَمَّ مِنْ بَدرِهِ في حَمدِ أحمَدِهِ قال ابن فورجة ما قال ابن جني: الهاء في) أحبته (عائد على العاشق، والهاء في) بدره وأحمده (جميعا عائدة على الزمان، والفاعل المضمر في) ذم (الثانية عائد على العاشق أيضا. والبدر هو المعشوق، وأحمد هو المتنبي جعل نفسه أحمد الزمان، أي ليس في الزمان أحمد آخر مثله. وقال أيضا: فالزمان يذم معه هجر أحبته إياه ويحمده. أي: يحمد أحمد لفضله ونجابته، وهذا البيت على ما فسره. إلا أنا نزيد وضوحا وبيانا. ونقول فيه غير ما قاله، غذ كان البيت مما يستصعب كثيرا على أفهام قوم) قوله ذم الزمان إليه (. هو من قولهم: أحمد إليك الله تعالى وأذم إليك زيدا كما قال أيضا: أَذُمُّ إلى هَذا الزَّمانِ أُهَيلَهُ وقوله) من أحبته (جائز أن تكون الهاء للعاشق على ما ذكره، والأولى عندي أن تكون عائدة على الزمان، يريد أحبة الناس فيه، أضافهم إلى الزمان لأنهم فيه، كأنه قال: الزمان له كل الأحبة في مذموم، كما قد ذممت بدرك، ثم قال في) حمد أحمده (يريد ذمهم الزمان مع حمده إياي ففي بمعنى مع كما تقول مر وهو يقرأ في سيره، أي مع سيره، ومثله قول الشاعر: رأَيتُ اللَّيالي يَنتَهِبنَ شَبِيبَتي ... فأوضَعْتُ باللَّذاتِ في ذلك النَّهب ومن التي أولها: نَسِيتُ ومَا أنسَ عِتاباً عَلى الصًّدِّ وَمَنْ لي بيومٍ يَومٍ كَرِهتُهُ ... قَرُبتُ به عندَ الوَداعِ مِنَ البُعدِ قال ابن جني: أي من لي بيوم مثل يوم الوداع، لأن المودع على كل حال يحظى بالنظر والتسليم، وهي الآن قد بعدت عني فلا نظر ولا عيان، وهو كقول الشاعر: رُبَّ يَومٍ بكيتُ مِنهُ فَلَمَّا ... صِرتُ في غَيرهِ بكيتُ عَليهِ وأنْ لا يَخُصَّ الفَقدُ شَيئاً فأنَّني ... فَقدْتُ فلم أفقِدْ دُموعِي ولا وَجدي قال ابن جني: أي ومن لي بأن لا يخص الفقد شيئا، دون شيء، وإنما قلت هذا القول لأني فقدت محبوبتي ولم أفقد دموعي عليه ولا وجدي به. وَمَن يَصحَبِ أسمَ ابن العَميدِ مُحَمَّدٍ ... يَسِرْ بينَ أنيابِ الأساوِدِ والأُسْدِ قال ابن جني: يجوز محمد ومحمدا، والذي قاله بالجر وهو أمدح من أن ينصب، لأنه إذا نصب أبدله من اسم، وإذا جر أبدله من ابن العميد، أي هذه اللفظة أعني أن يقول ابن العميد يصير سببا للنجاة له ليركبها، وامتناع الأعداء من الإقدام على من يجري ذكره، وإنما صار أمدح لأن ابن العميد لا يشاركه فيه غيره، ومحمد اسم مشترك. إذا ما استَحَينَ المَاءَ يَعرضُ نَفسَهُ ... كَرَعْنَ بِسبتٍ في إناءٍ من الوَردِ قال أبو العلاء: استحين في معنى استحيين، يقول هذه الإبل غنية عن الورد وهن يعبرن بالمياه كثيرا، فالماء كالذي يعرض نفسه عليها فتستحي منه ألا تشرب فتكرع فيه، وأصل الكروع في الماشية التي تدخل في الماء حتى تغيب فيه أكرعها، ثم كثر ذلك حتى قيل كرع الشارب في القدح بمعنى شرب، يقول كرعت هذه الإبل بسبت لأن مشافرها تشبه بالسبت وهو نعال تدبغ بالقرظ، وقوله في إناء من الورد يريد أن الماء قد اجتمع في موضع منخفض وقد نبت الزهر حوله، وكل زهر يسمى وردا على الإستعارة، فكأن ذلك الموضع إناء من الورد، لأن الماء قد غطى ما ليس فيه ورد منه، فدق صار كالماء في القدح، وما حوله من زهر كفضلة الإناء التي ليس فيها ماء. لَنا مَذهَبُ العُبَّادِ في تَركِ غَيرِهِ ... وإتبانِهِ نَبغِي الرَّغائِب بالزُّهدِ

стр. 36

قال أبو العلاء: العباد يتركون ما في الدنيا من اللذات رغبة فيما هو أعظم منه، وذلك ما يرجون من ثواب الآخرة، فنحن في قصد هذا الممدوح لنا مذهب العباد، لأنا قد زهدنا في غيره من الملوك. وإنما زهدنا فيهم كثرة ما نرجوه من الرغائب التي لا نجدها لديهم، وهذا من اللفظ الذي ظاهره عموم ومعناه خصوص. فَتىً فاتَتِ العَدوَى من النَّاسِ عَينُهُ ... فما أرمَدَتْ أَجفانهُ كَثرةُ الرُّمْدِ قال الشيخ: يزعمون أن الجرب والرمد والثوباء من المعديات، وقالوا في المثل: هو أعدى من الثوباء، وإنما ضرب الرمد هاهنا مثلا لما في الناس من العيوب، أي أن فيهم البخلاء والجبناء ومن هو قليل اللب فما أعدوه بما فيهم من الأشياء المذمومة. يُغَيَرُ ألوَانَ اللَّيالي على العِدَا ... بِمَنشورَةِ الرّاياتِ مَنصُوَرةِ الجُندِ قال ابن جني: يقول من عادة الليل أن يكون أسود، فإذا سار بعساكره فيه وأبلق بريق الحديد عليه بما يسايره من النيران، أما للاستضاءة وإما لإحراق أعدائه انجابت الظلمة فتغير لون الليلة ببريق الحديد، وهذا قريب من قول أبي تمام: قَومٌ إذا اسوَدَّ الزَّمانُ تَوضَّحُوا ... فيه فغُودِرَ وَهوَ مِنهم أبلَقُ وقال الأحسائي: يعني أنه يضيء الليالي السود بلمعان السيوف والمشاعل، وسود الليالي المقمرة بالعجاج ودخان القرى وما جرى مجراه، ويطول الليالي القصار بالخوف والذعر، ويقتصر الليالي الطوال بالسرور واللذات، فهو مغير ألوان الليالي وأحوالها. يَغِضْنَ إذا ما عدْنَ في مُتفاقِدٍ ... من الكُثرِ غَانٍ بالعَبيدِ عَن الحَشدِ قال ابن جني: يغضن أي تدخل الكتائب التي أنفذها للفارة، إذا عادت إلى معظم جيشه، في عسكر متفاقد من الكثرة، فتختفي فيه، كما يغيض الماء في الأرض، ومعنى متفاقد أن الشيء يطلب فيه فلا يوجد من كثرته، أي يخفي بعضه بعضا لاضطرابه وتموجه، وقوله) غان بالعبيد عن الحشد (أي قد استغنى الجيش العظيم بعبيد صاحبه وبرئيسه عن الحشد للرجال الغرباء، والحشد الجمع، أي جميع رجال هذا العسكر العظيم عبيد الممدوح. حَثَتُ كلُّ أرضٍ تُربَةً في غُبارِهِ ... فَهُنَّ عَليهِ كالطَّريقِ في البُردِ قال ابن جني: أي إذا مر هذا العسكر بأرض سوداء علاه غبار أسود، وإذا مر بأرض حمراء علاه تراب أحمر، وإذا مر بأرض غبراء علاه غبار أغبر، فقد صارت عليه هذه الألوان كطرائق وألوان في برد بصفة تبعد السرية لأنه يمر بأرضين وترب مختلفة، ويقال حثوت التراب وحشيته حثوا وحثيا قالت امرأة لبنتها: الحُصْنُ أدنَى لو تأيَّيتِهِ ... من حَثيِكِ التُّرْبَ على الرَّاكبِ قال الشيخ أبو العلاء: قالت جارية لأمها: يا أمّتَا أبصَرني راكِبٌ ... في بلدٍ مُسحَنفرٍ لاَغِبِ فَظَلْتُ أحثُوا التُّربَ في وجهِهِ ... خَوفاً وأحمِي حَوزَة الغَائِبِ فأجابتها أمها بالبيت المتقدم. وكلُّ شريكٍ في السُّرورِ بِمُصحِبي ... أرَى بعدَهُ من لا يَرَى مثلَهُ بَعدِي قال ابن جني: قوله) كل شريك (أي من يشاركني في السرور بمصحبي عنده إذا عدت إليه من أهل وغيرهم، فرأى ما قد افدتنيه وحظيت به منك، أرى أنا بعده منك يا ابن العميد إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه، إذ لا نظير لك في الدنيا جميعا. وقال أبو العلاء: الهاء في قوله) أرى بعده (عائدة على المصحب، وقد يجوز أن تكون عائدة على شريك، والهاء في) مثله (عائدة على الشريك. وقال الأحسائي: وروى بمصحبي، أي ويصيرني كل شريك في السرور بمصبحي في أهلي، أرى بعده أي بعد فراقي له من لا يرى مثله بعدي، أي أنا أرى ابن العميد بعد فراقي هذا الشريك، وهو لا يرى مثل ابن العميد بعد فراقي، وإذا رأيت من لا يراه فقد خنته في المسرة لأنه شريكي فيها. ومن التي أولها: أزَائِرٌ يا خَيالُ أم عائِدْ قال أبو العلاء: وهي مما لم يذكره الخليل من الأوزان لأن العرب عنده لم تستعمله وقد ذكره غيره، وخروجه من ثاني المنسرح، وقوله أزائر خبر مقدم محذوف المبتدأ، كأنه قال أزائر أنت يا خيال؟. وَجُدْتُ فيه بِمَا يَشِحُّ بهِ ... مِنَ الشَّتِيتِ المُؤَشَّرِ البارِدْ

стр. 37

قال الشيخ ﵀: يقال شح ويشح وحكى يشح بفتح الشين، وقالوا شحيح وشحاح قال ابن هرمة: وإنّي وَتَركي نَدَى الأكرمِينَ ... وقَدْ حي بكَفِّي زَنداً شَحاحا كتارِكةٍ بَيضها بالعَراء ... ومُلبِسَةٍ بَيضَ أُخرى جَناحا والمؤشر الذي به الأشر وهو تخزيز في أطراف الأسنان، يدل على حداثة السن، يقال أشور وأشر فإذا قالوا مؤشر جاز أن يجعل الهمزة واوا خالصة لأنها مفتوحة قبلها ضمة. حَكَيْتَ يا لَيْلُ فَرْعَها الوَارِدْ ... فاحْكِ نَوَاها لَجفنِي السَّاهِدْ قال الشيخ ﵀: الفرع الشعر، والوارد يحتمل وجهين أحدهما أنه قد طال حتى قد ورد إلى الكفل، والآخر أنه يعمل بالأدهان الطيبة فكأنه يرد الماء لكثرة ما يسقاها وقوله) حكيت يا ليل فرعها (أي أنك طويل شديد السواد. وقوله) فاحك نواها لجفني الساهد (أي أبعد عني كما بعدت هي، فأنك ثقيل علي. أوْ مُوضِعاً في فِتان ناجِيَةٍ ... تَحمِلُ في التَّاجِ هامَةَ العَاقِدْ قال ابن جني: الموضع هو المسرع في سيره، والفتان غشاء من أدم يكون للرجل، الناحية الناقة السريعة، أي يرد عليه كل ساعة مبشر بهلاك عدو وأخذ رأسه في تاجه الذي عقده عليه فيجيئه به. وَمُتَّقٍ والسّهامُ مُرسَلَةٌ ... يحيصُ عَنْ حابضٍ إلى صَارِدْ قال ابن جني: حبض السهم إذا وقع بين يدي الرامي لضعفه، وقد أحبضه صاحبه، وصرد السهم إذا نفذ من الرمية، ومعنى البيت أي رب إنسان يعدل عن أمر ليس بالعظيم إلى ما فيه هلاكه، وهو كقول الآخر: المسّتَغيثُ بعَمروٍ عندَ كُربتهِ ... كالمُستَجِير من الرّمضاء بالنَّارِ ويحيص: يعدل. ومن التي أولها: كم قَتيلٍ كَما قُتِلْتُ شَهيدِ عَمرَكَ اللهَ هَلْ رأيتَ بُدُوراً ... طَلَعَتْ في بَرَاقِعٍ وَعُقُودِ قال الشيخ ﵀: عمرك كلمة تستعمل في القسم، فإذا دخلت عليها لام الابتداء كانت مرفوعة، وكان الخبر محذوفا، وإذا فقدت اللام فهي منصوبة وانتصابها بفعل مضمر، كأنه قال أذكرك عمرك الله أو نحو ذلك من الأفعال، والعمر يجب أن يكون مصدر عمر يعمر وهو هنا موضوع موضع الخدمة كأنه قال أذكرك خدمتك الله. أخذ من قولهم عمرت البيت الحرام إذا زرته، ومنه اشتقاق الاعتمار والعمرة، وقال غالب بن الحر الجعفي أنشده ابن الأعرابي في صفة النخل: يَطوفُ بها الزُوارُ كُلٌّ.... ... كما طافَتْ العُمَّارُ حول المناسِكِ فلما كانت الزيارة فيها تواضع للمزور جعلت الخدمة عمرا، وقال قوم ومعنى قولهم: عمرك الله أي حلفك بعمرة إذا قال لعمر، والعمر البقاء وقالوا عمرتك الله أي جعلتك تحلف بعمرة، قال الشاعر: عَمّرتُكِ الله إلاَّ ما ذَكرتِ لنا ... هل كُنتِ جارتَنا أيامَ ذِي سَلَمِ ويحتمل أن يكون قولهم: عمرك الله مأخوذ من عمرت الدنيا من العمارة، أي يعمرك المنازل المشرفة بذكر الله وعبادته، ويكون هذا الكلام مجانسا لقوله تعالى:) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله (أي: أمر الله فحذف المضاف. حرف الراء من التي أولها: طِوَالُ قَناً تُطاعِنُها قِصَارُ ... وَقَطرُكَ في وَغىً ونَدىً بِحارُ قال أبو العلاء: يقول للممدوح طوال قنا تطاعن فرسانها قصار، وليس هذا وصفا لها بالقصر، ولكنها يريد أنها وأن كانت طوالا فهي قصيرة عند رماحه، ولولا مجيء النصف الثاني وتبيينه المراد بالنصف الأول. لأحتمل أن يكون طوال قنا خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال هذه طوال قنا، وذلك كثير جدا، ومنه قول القطامي: أُمورٌ لو تَدَبّرَها حَليمٌ ... إذن لَنَهى وَهَيَّبَ ما استَطاعَا أي هذه أمور وتلك أمور، وقطرك جمع قطرة، ولا يحسن أن يجعل القطر هاهنا مصدر قطر بقطر قطرا، لأنه بحار فأخبر بالجمع عن الجمع. وكانَتْ بالتَّوَقُّفِ عَنْ رَدَاها ... نُفُوساً في رَدَاها تُستَشارُ قال ابن جني: أي كأن سيف الدولة بتوقفه عن قصدهم وإهلاكهم كأنه يستشيرهم في قتله إياهم، وكانوا هم بتابعهم في غيهم وعتوهم وإقامتهم على عصيانهم كأنهم يشيرون عليه بأن يقتلهم. وكُنتَ السَّيفَ قائمُهُ إلَيهِمْ ... وفي الأعداءِ حَدُّكَ والغِرَارُ فَأمسَتْ بالبَدِيَّةِ شَفرَتاه ... وأمسَى خَلفَ قائِمهِ الحِيارُ

стр. 38

قال الشيخ ﵀: يقول: كنت السيف تقاتل عن هؤلاء القوم لما كانوا في طاعتك، ومن شأن من معه سيف أن يكون قائمه إليه وفي كفه، وهو نحو من قول الأول: نُقاسِمُهُم أسيَافَنَا شَرَّ قِسَمةٍ ... فَفينَا غَوَاشِيهَا وفيهِمْ صُدُورُها يقول لما خالف هؤلاء القوم زالت هيئة السيف عما كانت عليه، وإنما يريد) بالبداية وأمسى خلف قائمه الحيار (كأنه جعل سيف الدولة في هذا الموضع الذي خلفه الحيار. ومن التي أولها: اختَرتَ دَهماءَتَينِ يا مَطَرُ ... وَمَن لَهُ في الفَضَائِلِ الخِيَرُ قال الشيخ ﵀: قوله) ومن له في الفضائل الخير (وضع) من (نصب، لأنها تكون معرفة ونكرة، وهي هاهنا واقعة موقع النكرة، لأنها موصوفة بقوله) له في الفضائل الخير (، والنكرة الموصوفة بابها النصب في النداء، كأنه قال يا ملكا له في الفضائل، وقال في تنكير من: يا رُبَّ مَنْ يُبغِضُ أذوادَنا ... رُحْنَ على بَغضائِه واغتَدَينْ والخير جمع خيرة، وقد قالوا خبر فإذا جعلت جمع المتحركة الباء وهي مثل عنبه وعنب، وأن جعلت جمع التي ياؤها ساكنة، فهي مثل سيرة وسير وإذا إخترت دهماء هاتين الفرسين. ومن التي أولها: حاشَ الرَّقيبَ فخانَتْهُ ضَمائِرُهُ منْ كُلّ أحوَرَ في أنيابِهِ شَنَبٌ ... خَمرٌ مخامِرُها مِسكٌ تخامِرُهُ قال ابن جني: خمر بدل من شنب، كأنه قال في أنيابه خمر، ومخامرها مخالطها، تقول العرب: مررت برجل مخامره داء، أي: مخالطه، يقول الخمر قد خالطت المسك، والمسك قد خامرها. وقال الشيخ ﵀: صل الحور البياض، ومنه اشتق الحواري، ويقال: الحور نقاء بياض العين وشدة سوادها، ومسك يجوز أن يكون رفع بفعله وهو مخامرته إياها، ويجوز أن يكون) مخامرها (إبتداء) ومسك (خبره. وقال ابن فورجة: الهاء في) مخامرها (عائدة على) الخمر (وهو رفع بالابتداء) ومخامرها (ابتداء ثان) ومسك (خبر) ومخابره مع مسك (جملة من مبتدأ وخبر محلها الرفع، لأنها خبر) خمر (والهاء في) تخامره (ضمير الشنب، يعني أن خمرا قد خامرها المسك تخامر ذلك الشنب. ومن التي أولها: عَذِيرِي مِنْ عَذَارَى من أُمُورِ ... سَكَنَّ جَوَانِحي بَدَلَ الخُدورِ قال ابن جني: معنى) عذيري (أي يعذرني في طلبي لهذه الأمور الصعبة، قال ذو الإصبع: عَذِيري الحَيّ مِن عَدْوَانَ كانُوا حَيّةَ الوَادِي) وعذيري (في موضع نصب على المصدر، كأنه قال لا عذر عذرا، والعذير في غير هذا الحال قال) حاتم (: وخَيلٍ تَعادَى قد شَهدتُ مُغِيرةً ... ولَو لم أُكنْ فيها لساءَ عَذيرُها أي لساءت حالها، والعذارى جمع عذراء، وهي البكر من النساء، فأراد هاهنا أمورا عظاما لم تسم إليها نفس أحد قبله، ولما ذكر العذارى ذكر الخدور للصنعة. وقال الشيخ ﵀:) عذيري (في معنى عاذري، أي أريد عذيري أو طلبه، ونحو ذلك من الأفعال المضمرة، وأكثر ما يستعملون عذيري، وعذيرك في موضع نصب، وعلى ذلك ينشدون قول الشاعر: أُريدُ حَياتَهُ ويُريدُ قَتلِي ... عَذيرَك مِن خَليلكَ مِن مُرادِ ورفع عذير لا يمتنع، على أن يضمر له مبتدأ، ويجعل خيرا أو يضمر الخبر، ويجعل مبتدأ ونصب بدل الخدور، لأن معنى قوله) سكن جوانحي (جعلنها مسكونة، فكأنه عدى الفعل إلى مفعولين، أي جعلن جوانحي جعلنها مسكونة: فكأنه بدل الخدور، ولا يمتنع أن يعتقد في هذا المضاف الانفصال، ويكون التقدير بدلا من الخدور فينصب على الحال، ويجوز أن يجعل بدل الخدور نعتا لجوانحي. وقال الأحسائي: معنى قوله) عذيري (أي أعذرني، وهو مصدر منصوب على معنى الأمر، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى فاعل كعليم، ويكون مرفوعا على تقدير أنت عذيري، أو يكون منصوبا على النداء، يريد يا عذيري، وقوله) من عذاري من أمور (أي نوب عذارى، يريد أنها أبكارا ولم يمارسها غيري. ومن التي أولها: اَريقُكِ أم ماءُ الغَمامَةِ أمْ خَمرُ ... بِفيَّ بَرُودٌ وَهوَ في كَبدي جَمرُ إليكَ ابن يحيَى بنِ الوَليدِ تَجاوَزَتْ ... بي البيدَ عَنسٌ لَحمُها الدَّمُ والشَّعرُ

стр. 39

قال الشيخ ﵀: هذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يعني بالعنس الناقة الصلبة المسنة، ويكون محمولا على المبالغة، كما أنك إذا وصفت شاعرا قلت: داره شعر وفرسه قريض ونحو ذلك، والآخر: أن يريد بالعنس القصيدة وهذا أحسن. وقال ابن فورجة: يحتمل هذا البيت من المعاني وجوها كثيرة، كلها جيد فأجودها وهو الذي أتى به ابن جني: إنما كنت أحييها بمدحكم وأحدوها به فأصون بذلك لحمها ودمها، هذا لفظه، ومعنى ثان: وهو أنه يعني نعله وأنه لا قوة له ولا مال ولا وسيلة إلا الشعر، ويكون كقوله: لا ناقَتِي تَقَبلُ الرَّديفَ وَلا ... بالسَّوطِ يَومَ الرّهانِ أُجهدُها وهو يريد نعلها. ومعنى ثالث: وهو أن يعني ناقة لم يبق لها من هزالها دم ولا لحم وإنما بقي لها الشعر فقط، يريد أن جميع ما تحمله هو الشعر، حتى أن لحمها ودمها أيضا شعر، ومعنى رابع: وهو أجودها كلها، وهو أن يعني أنها كأنها شعر تجسم ناقة، فكلها شعر، ولو قدر لقال: لحمها ودمها وعصبها وعظمها وما أشبه ذلك. ولا يريد أن ثم هزالا ولا جهدا بل يريد به غلبة الشعر على راكبها، ويكون كقوله في هذه القصيدة بعينها: هُمُ النَّاسُ إلاَّ أنَّهمْ مِنْ مكارِمٍ ... يُغَنّي بِهِمْ ويَحدو بِهِمْ سَفرُ ومن التي أولها: أُطاعِنُ خَيلاً مِن فَوارِسِها الدَّهرُ وَتَركُكَ في الدُّنيا دَوِيَاً كَأنَّما ... تَدَاوَل سَمعَ المَردِ أنمُلُهُ العَشرُ قال أبو العلاء: هذا المعنى مبني على أن الإنسان إذا جعل إصبعيه في أذنيه سمع دويا، وهو الذي جاء في الحديث المرفوع وذلك قوله:) من يشأ أن يسمع خرير الكوثر فليجعل إصبعيه في أذنيه (، وتداول بالرفع على حذف التاء في قولك تتداول، والمحذوف عند سيبويه التاء الثانية، لأن الأولى علامة المضارعة فلا يحسن حذفها. وقال غيره المحذوف التاء الأولى، وقال بعض الكوفيين: يجوز أن تكون المحذوفة الأولى والآخرة، وقد ذكروا أن التاء تحذف مع الياء وروي أن بعض القراء قرأ) كأنها كوكبُ دُريُّ توقد من شجرة (أي تتوقد، وهذا مستنكر، وقد رووا بيت أبي خراش الهذلي: وكادَ أخو الوجعاء لولا خُويلدُ ... يفَزَعُني بسيفهِ غير قاصِدِ أي يتفرعني، ولو روي تداول بفتح اللام على أنه ماش، لكان ذلك حسناً. إذا الفَضْلُ لم يَرْفَعْكَ عن شُكْرِ نَاقِصٍ ... على هَيبةٍ فالفَضْلُ فِيمَنْ لَهُ الشُّكْرُ قال ابن جني: إذا اضطرتك الحال وشدة الزمان إلى شكر أصاغر الناس على ما يبلغ به إلى إمكان الفرصة فالفضل فيك. ولك لا للممدوح المشكور. وقال الشيخ: هذا البيت كأنه خطاب لغير الشاعر، وقد يجوز أن يعني به نفسه، لأن هذه صفة حاله. يقول إذا كان الإنسان فاضلاً ولم يرفعه فضله عن أن يشكر أخا النقص على هبته فالفضل هو للمشكور وقد ذهب فضل الفاضل. وَخَرْقٍ مَكانُ العِيسِ مِنْه مَكانُنا ... مِنَ العيسِ فيهَ واسِطُ الكُورِ والظَّهرُ قال الشيخ: الخرق الأرض الواسعة، قبل لها ذلك لأن الريح يتخرق فيها، ولأنها تتخرق إلى أرض غيرها، وقوله) مكان العيس منه مكاننا (أي للعيس في وسطه ونحن في أوساط العيس، ثم فسر مكانه ومكان أصحابه بقوله واسط الكور والظهر، والكور الرحل بأداته وهو هاهنا شائع في الجنس وكذلك الظهر لأنه لو لم يكن كذلك لكان القائل كالذي زعم وأصحابه على واسط كور واحد مطية واحدة. وقال ابن فورجة: قال ابن جني: معنى البيت أن الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق ليست تذهب ولا تجيء وذلك لسعته فكأنها ليست تبرح منه كما قال الآخر: يُمسِي به القَوْمُ بحيث أصبحوا أي فكما نحن في ظهور هذه الإبل لا نبرح منها في واسط أكوارها فكذلك هي، كأن لها من ظهر الخرق كوراً وظهراً، فقد أقامت به لا تبرحه ألا تراه يقول: يَخِدْنَ بنا في جَوْزِهِ وكأنَّنا ... عَلى كُرَةٍ أو أرْضُهُ مَعَنا سَفْرُ وأخذ هذا المعنى السري الكندي فقال: وخَرْقٍ طالَ فيه السَّيرُ حتى ... حَسِبْناهُ يسيرُ مع الرّكابِ

стр. 40

وقد جود ابن حني في هذا التفسير، على أنه لا يمتنع أن يقال: عني أن العيس منه في وسطه سائرة، كما أنا من الكور على واسطتين، ولم يتعرض لوقوفها ولإبراحها ومما يؤكد هذا قوله:) يخدن بنا في جوزه (فلو أراد أنها كالواقعة لما قال) يخدن (وإنما أراد أن سيرها لا يغني من قطعه كثير شيء. وَغَيْثٍ ظَنَنَّا تَحَتَهُ أنْ عامِراً ... عَلاَ لم يُمَتْ أوْ فِي السَّحابِ له قَبْرُ قال ابن جني: عامر هذا هو جد الممدوح يقول كأنه في السحاب قد ارتفع إليه ولم يمت فهو يصب علينا المطر صباً. أو قبره في السحاب فهو ينهل لجوده يريد كثرة المطر. قِرَانُ تَلاقي الصَّلْتُ فيه وَعامِرُ كَما يَتَلاقى الهُنْدُوانيُّ والنَّصْرُ قال ابن جني: يريد جدته من قبل أبيه وأمه، ورفع قراناً بفعل مضمر كأنه قال: أنجب به قران هذه حال وصفته، وشبه اجتماعهما بقران الكوكب تشريفاً لهما. وقال الشيخ: يحتمل أن يكون القران من مقارنة الآدميين ومن مقارنة الكواكب، أي ولد هذا الممدوح في قران أوجب له سعداً. إلَيْكَ طَعَنَّا في مَدى كلِّ صَفْصَفٍ ... بكُلْ وَآةٍ ما لَقِيتْ نَخْرُ قال الشيخ ﵀: استعار الطعن من الرماح للنوق وجعل المدى كالمطعون، والصفصف أرض واسعة صلبة وربما كان فيها رمل رقيق والوآة أثنى الوأي وأكثر ما يستعمل الوأي في الخيل وحمير الوحش، وربما قيل الوأي الطويل هو الصلب الشديد، وقيل المفيد الحلق، والذي بدل عليه الاشتقاق أنه من قولهم وأيت إذا وعدت، وقيل: الوأي ضمان العدي. فكأن الوأي يعد من يراه أنه إذا افتقر حربه وجده مرضياً، ولما استعار الطعن في أول البيت وجعل الوآة كالقناة، صير كلما لقيت نحراً لأن الطعنة إذا وقعت في ذلك الموقع كانت أقبل منها في غيره أي أنها تنفذ في هذا المدى كما ينفذ السنان في المطعون. وَجَنّبَني قُرْبَ السَّلاطين مَقْتُها ... وما يَقْتَضيني مِنْ جَماجِمِها النَّسْرُ قال ابن فورجة: قال أبو الفتح بن جني: المقت البغض أي كأن الطير ينتظر قتل السلاطين ليأكل من لحومها، هذا شرح مغن ولقيت بعض الذين يزعمون أنهم لقوا أبا الطيب وقرءوا عليه شعره يزعم أنه حبس على هذا البيت. وقال له علي بن أحمد الانطاكي: ما هذه الجرأة ومواجهتك إياي بهذا القتال في السلاطين وأنا منهم؟ فاعتذر بأن قال عنيت مقتهم إياي لا مقتي لهم وعنيت بالنسر الأخذ والاختطاف يقال نسرت أنسر نسراً أي خطفت وعنيت بالجماجم الأكابر والسادات فقلت له ما صنع بقوله؟: وَلاَ تَحْسّبَنَّ المَجْدَ زِقَاً وَقَيْنَةً ... فَما المجْدُ إلاَّ بالسَّيفُ والفَتكةُ البكرُ وَتَضْرِيبُ أعناقِ المُلوكِ وأنْ تُرَى ... لَكَ الهَبَواتُ السُّودُ والعسكرُ المجرُ وإنما للرجل في ذاك عادة وهو يعده جرأة منه وقدرة وقلة احتفال ألا تراه يقول: مَدَحْتُ قَوْماً وإنْ نَظمتُ لهم ... قَصَائداً من إناثِ الخَيل والحُصُن تَحْتَ العَجاجِ قَوَافِيها مُضَمَّرةً ... إذَا تُنَوشِدْنَ لم يَدْخُلْنَ في أُذُنِ وقوله: مِيعادُ كُلْ رَقيقِ الشَّفْرتينِ غَداً ... وَمَنْ عصَى من مُلوكِ العربِ والعَجمِ وسألني هذا المتعمق كيف ينشد قوله: يَتَفّيأونَ ظِلاَلَ كُلِّ مُطّهَّمٍ ... أجَلِ الظَّلٍم وَرِبْقَةِ السَّرْحانِ فأنشدته على ما رويت، فقال: أنا أروي عنه: حل الظليم وربقة السرحان، يريد أن هذا الفرس في عدوه كحلك الظليم من عقال، فقلت: فما باله يجعله كربقة السرحان. أفترى السرحان مربوقاً فيه ما يشبه به الفرس؟ فقال: بل عنى أن طرده لم يفته فكأنه مربوق كقول امرئ القيس: فقَيْدِ الأوابِد هَيْكَلِ فقلت: الربقة تحبس بالقيد وكذلك الأجل يحبس بالموت. هذا ازدواج وتشابه فما الذي يسوء منا هذا التنافر في المعنيين. لِسانِي وَعِيْنِي والفُؤَادُ وهمَتِي ... أوُدُ اللَّوَاتِي ذا اسمُها ومِنْكَ والشَّطْرُ
следующие страницы →