Полный текст (105 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قال أبو العلاء: العباد يتركون ما في الدنيا من اللذات رغبة فيما هو أعظم منه، وذلك ما يرجون من ثواب الآخرة، فنحن في قصد هذا الممدوح لنا مذهب العباد، لأنا قد زهدنا في غيره من الملوك. وإنما زهدنا فيهم كثرة ما نرجوه من الرغائب التي لا نجدها لديهم، وهذا من اللفظ الذي ظاهره عموم ومعناه خصوص.
فَتىً فاتَتِ العَدوَى من النَّاسِ عَينُهُ ... فما أرمَدَتْ أَجفانهُ كَثرةُ الرُّمْدِ
قال الشيخ: يزعمون أن الجرب والرمد والثوباء من المعديات، وقالوا في المثل: هو أعدى من الثوباء، وإنما ضرب الرمد هاهنا مثلا لما في الناس من العيوب، أي أن فيهم البخلاء والجبناء ومن هو قليل اللب فما أعدوه بما فيهم من الأشياء المذمومة.
يُغَيَرُ ألوَانَ اللَّيالي على العِدَا ... بِمَنشورَةِ الرّاياتِ مَنصُوَرةِ الجُندِ
قال ابن جني: يقول من عادة الليل أن يكون أسود، فإذا سار بعساكره فيه وأبلق بريق الحديد عليه بما يسايره من النيران، أما للاستضاءة وإما لإحراق أعدائه انجابت الظلمة فتغير لون الليلة ببريق الحديد، وهذا قريب من قول أبي تمام:
قَومٌ إذا اسوَدَّ الزَّمانُ تَوضَّحُوا ... فيه فغُودِرَ وَهوَ مِنهم أبلَقُ
وقال الأحسائي: يعني أنه يضيء الليالي السود بلمعان السيوف والمشاعل، وسود الليالي المقمرة بالعجاج ودخان القرى وما جرى مجراه، ويطول الليالي القصار بالخوف والذعر، ويقتصر الليالي الطوال بالسرور واللذات، فهو مغير ألوان الليالي وأحوالها.
يَغِضْنَ إذا ما عدْنَ في مُتفاقِدٍ ... من الكُثرِ غَانٍ بالعَبيدِ عَن الحَشدِ
قال ابن جني: يغضن أي تدخل الكتائب التي أنفذها للفارة، إذا عادت إلى معظم جيشه، في عسكر متفاقد من الكثرة، فتختفي فيه، كما يغيض الماء في الأرض، ومعنى متفاقد أن الشيء يطلب فيه فلا يوجد من كثرته، أي يخفي بعضه بعضا لاضطرابه وتموجه، وقوله) غان بالعبيد عن الحشد (أي قد استغنى الجيش العظيم بعبيد صاحبه وبرئيسه عن الحشد للرجال الغرباء، والحشد الجمع، أي جميع رجال هذا العسكر العظيم عبيد الممدوح.
حَثَتُ كلُّ أرضٍ تُربَةً في غُبارِهِ ... فَهُنَّ عَليهِ كالطَّريقِ في البُردِ
قال ابن جني: أي إذا مر هذا العسكر بأرض سوداء علاه غبار أسود، وإذا مر بأرض حمراء علاه تراب أحمر، وإذا مر بأرض غبراء علاه غبار أغبر، فقد صارت عليه هذه الألوان كطرائق وألوان في برد بصفة تبعد السرية لأنه يمر بأرضين وترب مختلفة، ويقال حثوت التراب وحشيته حثوا وحثيا قالت امرأة لبنتها:
الحُصْنُ أدنَى لو تأيَّيتِهِ ... من حَثيِكِ التُّرْبَ على الرَّاكبِ
قال الشيخ أبو العلاء: قالت جارية لأمها:
يا أمّتَا أبصَرني راكِبٌ ... في بلدٍ مُسحَنفرٍ لاَغِبِ
فَظَلْتُ أحثُوا التُّربَ في وجهِهِ ... خَوفاً وأحمِي حَوزَة الغَائِبِ
فأجابتها أمها بالبيت المتقدم.
وكلُّ شريكٍ في السُّرورِ بِمُصحِبي ... أرَى بعدَهُ من لا يَرَى مثلَهُ بَعدِي
قال ابن جني: قوله) كل شريك (أي من يشاركني في السرور بمصحبي عنده إذا عدت إليه من أهل وغيرهم، فرأى ما قد افدتنيه وحظيت به منك، أرى أنا بعده منك يا ابن العميد إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه، إذ لا نظير لك في الدنيا جميعا.
وقال أبو العلاء: الهاء في قوله) أرى بعده (عائدة على المصحب، وقد يجوز أن تكون عائدة على شريك، والهاء في) مثله (عائدة على الشريك.
وقال الأحسائي: وروى بمصحبي، أي ويصيرني كل شريك في السرور بمصبحي في أهلي، أرى بعده أي بعد فراقي له من لا يرى مثله بعدي، أي أنا أرى ابن العميد بعد فراقي هذا الشريك، وهو لا يرى مثل ابن العميد بعد فراقي، وإذا رأيت من لا يراه فقد خنته في المسرة لأنه شريكي فيها.
ومن التي أولها: أزَائِرٌ يا خَيالُ أم عائِدْ قال أبو العلاء: وهي مما لم يذكره الخليل من الأوزان لأن العرب عنده لم تستعمله وقد ذكره غيره، وخروجه من ثاني المنسرح، وقوله أزائر خبر مقدم محذوف المبتدأ، كأنه قال أزائر أنت يا خيال؟.
وَجُدْتُ فيه بِمَا يَشِحُّ بهِ ... مِنَ الشَّتِيتِ المُؤَشَّرِ البارِدْ
стр. 37
قال الشيخ ﵀: يقال شح ويشح وحكى يشح بفتح الشين، وقالوا شحيح وشحاح قال ابن هرمة:
وإنّي وَتَركي نَدَى الأكرمِينَ ... وقَدْ حي بكَفِّي زَنداً شَحاحا
كتارِكةٍ بَيضها بالعَراء ... ومُلبِسَةٍ بَيضَ أُخرى جَناحا
والمؤشر الذي به الأشر وهو تخزيز في أطراف الأسنان، يدل على حداثة السن، يقال أشور وأشر فإذا قالوا مؤشر جاز أن يجعل الهمزة واوا خالصة لأنها مفتوحة قبلها ضمة.
حَكَيْتَ يا لَيْلُ فَرْعَها الوَارِدْ ... فاحْكِ نَوَاها لَجفنِي السَّاهِدْ
قال الشيخ ﵀: الفرع الشعر، والوارد يحتمل وجهين أحدهما أنه قد طال حتى قد ورد إلى الكفل، والآخر أنه يعمل بالأدهان الطيبة فكأنه يرد الماء لكثرة ما يسقاها وقوله) حكيت يا ليل فرعها (أي أنك طويل شديد السواد. وقوله) فاحك نواها لجفني الساهد (أي أبعد عني كما بعدت هي، فأنك ثقيل علي.
أوْ مُوضِعاً في فِتان ناجِيَةٍ ... تَحمِلُ في التَّاجِ هامَةَ العَاقِدْ
قال ابن جني: الموضع هو المسرع في سيره، والفتان غشاء من أدم يكون للرجل، الناحية الناقة السريعة، أي يرد عليه كل ساعة مبشر بهلاك عدو وأخذ رأسه في تاجه الذي عقده عليه فيجيئه به.
وَمُتَّقٍ والسّهامُ مُرسَلَةٌ ... يحيصُ عَنْ حابضٍ إلى صَارِدْ
قال ابن جني: حبض السهم إذا وقع بين يدي الرامي لضعفه، وقد أحبضه صاحبه، وصرد السهم إذا نفذ من الرمية، ومعنى البيت أي رب إنسان يعدل عن أمر ليس بالعظيم إلى ما فيه هلاكه، وهو كقول الآخر:
المسّتَغيثُ بعَمروٍ عندَ كُربتهِ ... كالمُستَجِير من الرّمضاء بالنَّارِ
ويحيص: يعدل.
ومن التي أولها: كم قَتيلٍ كَما قُتِلْتُ شَهيدِ
عَمرَكَ اللهَ هَلْ رأيتَ بُدُوراً ... طَلَعَتْ في بَرَاقِعٍ وَعُقُودِ
قال الشيخ ﵀: عمرك كلمة تستعمل في القسم، فإذا دخلت عليها لام الابتداء كانت مرفوعة، وكان الخبر محذوفا، وإذا فقدت اللام فهي منصوبة وانتصابها بفعل مضمر، كأنه قال أذكرك عمرك الله أو نحو ذلك من الأفعال، والعمر يجب أن يكون مصدر عمر يعمر وهو هنا موضوع موضع الخدمة كأنه قال أذكرك خدمتك الله. أخذ من قولهم عمرت البيت الحرام إذا زرته، ومنه اشتقاق الاعتمار والعمرة، وقال غالب بن الحر الجعفي أنشده ابن الأعرابي في صفة النخل:
يَطوفُ بها الزُوارُ كُلٌّ.... ... كما طافَتْ العُمَّارُ حول المناسِكِ
فلما كانت الزيارة فيها تواضع للمزور جعلت الخدمة عمرا، وقال قوم ومعنى قولهم: عمرك الله أي حلفك بعمرة إذا قال لعمر، والعمر البقاء وقالوا عمرتك الله أي جعلتك تحلف بعمرة، قال الشاعر:
عَمّرتُكِ الله إلاَّ ما ذَكرتِ لنا ... هل كُنتِ جارتَنا أيامَ ذِي سَلَمِ
ويحتمل أن يكون قولهم: عمرك الله مأخوذ من عمرت الدنيا من العمارة، أي يعمرك المنازل المشرفة بذكر الله وعبادته، ويكون هذا الكلام مجانسا لقوله تعالى:) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله (أي: أمر الله فحذف المضاف.
حرف الراء
من التي أولها:
طِوَالُ قَناً تُطاعِنُها قِصَارُ ... وَقَطرُكَ في وَغىً ونَدىً بِحارُ
قال أبو العلاء: يقول للممدوح طوال قنا تطاعن فرسانها قصار، وليس هذا وصفا لها بالقصر، ولكنها يريد أنها وأن كانت طوالا فهي قصيرة عند رماحه، ولولا مجيء النصف الثاني وتبيينه المراد بالنصف الأول. لأحتمل أن يكون طوال قنا خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال هذه طوال قنا، وذلك كثير جدا، ومنه قول القطامي:
أُمورٌ لو تَدَبّرَها حَليمٌ ... إذن لَنَهى وَهَيَّبَ ما استَطاعَا
أي هذه أمور وتلك أمور، وقطرك جمع قطرة، ولا يحسن أن يجعل القطر هاهنا مصدر قطر بقطر قطرا، لأنه بحار فأخبر بالجمع عن الجمع.
وكانَتْ بالتَّوَقُّفِ عَنْ رَدَاها ... نُفُوساً في رَدَاها تُستَشارُ
قال ابن جني: أي كأن سيف الدولة بتوقفه عن قصدهم وإهلاكهم كأنه يستشيرهم في قتله إياهم، وكانوا هم بتابعهم في غيهم وعتوهم وإقامتهم على عصيانهم كأنهم يشيرون عليه بأن يقتلهم.
وكُنتَ السَّيفَ قائمُهُ إلَيهِمْ ... وفي الأعداءِ حَدُّكَ والغِرَارُ
فَأمسَتْ بالبَدِيَّةِ شَفرَتاه ... وأمسَى خَلفَ قائِمهِ الحِيارُ
стр. 38
قال الشيخ ﵀: يقول: كنت السيف تقاتل عن هؤلاء القوم لما كانوا في طاعتك، ومن شأن من معه سيف أن يكون قائمه إليه وفي كفه، وهو نحو من قول الأول:
نُقاسِمُهُم أسيَافَنَا شَرَّ قِسَمةٍ ... فَفينَا غَوَاشِيهَا وفيهِمْ صُدُورُها
يقول لما خالف هؤلاء القوم زالت هيئة السيف عما كانت عليه، وإنما يريد) بالبداية وأمسى خلف قائمه الحيار (كأنه جعل سيف الدولة في هذا الموضع الذي خلفه الحيار.
ومن التي أولها:
اختَرتَ دَهماءَتَينِ يا مَطَرُ ... وَمَن لَهُ في الفَضَائِلِ الخِيَرُ
قال الشيخ ﵀: قوله) ومن له في الفضائل الخير (وضع) من (نصب، لأنها تكون معرفة ونكرة، وهي هاهنا واقعة موقع النكرة، لأنها موصوفة بقوله) له في الفضائل الخير (، والنكرة الموصوفة بابها النصب في النداء، كأنه قال يا ملكا له في الفضائل، وقال في تنكير من:
يا رُبَّ مَنْ يُبغِضُ أذوادَنا ... رُحْنَ على بَغضائِه واغتَدَينْ
والخير جمع خيرة، وقد قالوا خبر فإذا جعلت جمع المتحركة الباء وهي مثل عنبه وعنب، وأن جعلت جمع التي ياؤها ساكنة، فهي مثل سيرة وسير وإذا إخترت دهماء هاتين الفرسين. ومن التي أولها:
حاشَ الرَّقيبَ فخانَتْهُ ضَمائِرُهُ
منْ كُلّ أحوَرَ في أنيابِهِ شَنَبٌ ... خَمرٌ مخامِرُها مِسكٌ تخامِرُهُ
قال ابن جني: خمر بدل من شنب، كأنه قال في أنيابه خمر، ومخامرها مخالطها، تقول العرب: مررت برجل مخامره داء، أي: مخالطه، يقول الخمر قد خالطت المسك، والمسك قد خامرها.
وقال الشيخ ﵀: صل الحور البياض، ومنه اشتق الحواري، ويقال: الحور نقاء بياض العين وشدة سوادها، ومسك يجوز أن يكون رفع بفعله وهو مخامرته إياها، ويجوز أن يكون) مخامرها (إبتداء) ومسك (خبره.
وقال ابن فورجة: الهاء في) مخامرها (عائدة على) الخمر (وهو رفع بالابتداء) ومخامرها (ابتداء ثان) ومسك (خبر) ومخابره مع مسك (جملة من مبتدأ وخبر محلها الرفع، لأنها خبر) خمر (والهاء في) تخامره (ضمير الشنب، يعني أن خمرا قد خامرها المسك تخامر ذلك الشنب.
ومن التي أولها:
عَذِيرِي مِنْ عَذَارَى من أُمُورِ ... سَكَنَّ جَوَانِحي بَدَلَ الخُدورِ
قال ابن جني: معنى) عذيري (أي يعذرني في طلبي لهذه الأمور الصعبة، قال ذو الإصبع: عَذِيري الحَيّ مِن عَدْوَانَ كانُوا حَيّةَ الوَادِي) وعذيري (في موضع نصب على المصدر، كأنه قال لا عذر عذرا، والعذير في غير هذا الحال قال) حاتم (:
وخَيلٍ تَعادَى قد شَهدتُ مُغِيرةً ... ولَو لم أُكنْ فيها لساءَ عَذيرُها
أي لساءت حالها، والعذارى جمع عذراء، وهي البكر من النساء، فأراد هاهنا أمورا عظاما لم تسم إليها نفس أحد قبله، ولما ذكر العذارى ذكر الخدور للصنعة.
وقال الشيخ ﵀:) عذيري (في معنى عاذري، أي أريد عذيري أو طلبه، ونحو ذلك من الأفعال المضمرة، وأكثر ما يستعملون عذيري، وعذيرك في موضع نصب، وعلى ذلك ينشدون قول الشاعر:
أُريدُ حَياتَهُ ويُريدُ قَتلِي ... عَذيرَك مِن خَليلكَ مِن مُرادِ
ورفع عذير لا يمتنع، على أن يضمر له مبتدأ، ويجعل خيرا أو يضمر الخبر، ويجعل مبتدأ ونصب بدل الخدور، لأن معنى قوله) سكن جوانحي (جعلنها مسكونة، فكأنه عدى الفعل إلى مفعولين، أي جعلن جوانحي جعلنها مسكونة: فكأنه بدل الخدور، ولا يمتنع أن يعتقد في هذا المضاف الانفصال، ويكون التقدير بدلا من الخدور فينصب على الحال، ويجوز أن يجعل بدل الخدور نعتا لجوانحي.
وقال الأحسائي: معنى قوله) عذيري (أي أعذرني، وهو مصدر منصوب على معنى الأمر، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى فاعل كعليم، ويكون مرفوعا على تقدير أنت عذيري، أو يكون منصوبا على النداء، يريد يا عذيري، وقوله) من عذاري من أمور (أي نوب عذارى، يريد أنها أبكارا ولم يمارسها غيري.
ومن التي أولها:
اَريقُكِ أم ماءُ الغَمامَةِ أمْ خَمرُ ... بِفيَّ بَرُودٌ وَهوَ في كَبدي جَمرُ
إليكَ ابن يحيَى بنِ الوَليدِ تَجاوَزَتْ ... بي البيدَ عَنسٌ لَحمُها الدَّمُ والشَّعرُ
стр. 39
قال الشيخ ﵀: هذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يعني بالعنس الناقة الصلبة المسنة، ويكون محمولا على المبالغة، كما أنك إذا وصفت شاعرا قلت: داره شعر وفرسه قريض ونحو ذلك، والآخر: أن يريد بالعنس القصيدة وهذا أحسن.
وقال ابن فورجة: يحتمل هذا البيت من المعاني وجوها كثيرة، كلها جيد فأجودها وهو الذي أتى به ابن جني: إنما كنت أحييها بمدحكم وأحدوها به فأصون بذلك لحمها ودمها، هذا لفظه، ومعنى ثان: وهو أنه يعني نعله وأنه لا قوة له ولا مال ولا وسيلة إلا الشعر، ويكون كقوله:
لا ناقَتِي تَقَبلُ الرَّديفَ وَلا ... بالسَّوطِ يَومَ الرّهانِ أُجهدُها
وهو يريد نعلها. ومعنى ثالث: وهو أن يعني ناقة لم يبق لها من هزالها دم ولا لحم وإنما بقي لها الشعر فقط، يريد أن جميع ما تحمله هو الشعر، حتى أن لحمها ودمها أيضا شعر، ومعنى رابع: وهو أجودها كلها، وهو أن يعني أنها كأنها شعر تجسم ناقة، فكلها شعر، ولو قدر لقال: لحمها ودمها وعصبها وعظمها وما أشبه ذلك. ولا يريد أن ثم هزالا ولا جهدا بل يريد به غلبة الشعر على راكبها، ويكون كقوله في هذه القصيدة بعينها:
هُمُ النَّاسُ إلاَّ أنَّهمْ مِنْ مكارِمٍ ... يُغَنّي بِهِمْ ويَحدو بِهِمْ سَفرُ
ومن التي أولها: أُطاعِنُ خَيلاً مِن فَوارِسِها الدَّهرُ
وَتَركُكَ في الدُّنيا دَوِيَاً كَأنَّما ... تَدَاوَل سَمعَ المَردِ أنمُلُهُ العَشرُ
قال أبو العلاء: هذا المعنى مبني على أن الإنسان إذا جعل إصبعيه في أذنيه سمع دويا، وهو الذي جاء في الحديث المرفوع وذلك قوله:) من يشأ أن يسمع خرير الكوثر فليجعل إصبعيه في أذنيه (، وتداول بالرفع على حذف التاء في قولك تتداول، والمحذوف عند سيبويه التاء الثانية، لأن الأولى علامة المضارعة فلا يحسن حذفها. وقال غيره المحذوف التاء الأولى، وقال بعض الكوفيين: يجوز أن تكون المحذوفة الأولى والآخرة، وقد ذكروا أن التاء تحذف مع الياء وروي أن بعض القراء قرأ) كأنها كوكبُ دُريُّ توقد من شجرة (أي تتوقد، وهذا مستنكر، وقد رووا بيت أبي خراش الهذلي:
وكادَ أخو الوجعاء لولا خُويلدُ ... يفَزَعُني بسيفهِ غير قاصِدِ
أي يتفرعني، ولو روي تداول بفتح اللام على أنه ماش، لكان ذلك حسناً.
إذا الفَضْلُ لم يَرْفَعْكَ عن شُكْرِ نَاقِصٍ ... على هَيبةٍ فالفَضْلُ فِيمَنْ لَهُ الشُّكْرُ
قال ابن جني: إذا اضطرتك الحال وشدة الزمان إلى شكر أصاغر الناس على ما يبلغ به إلى إمكان الفرصة فالفضل فيك. ولك لا للممدوح المشكور.
وقال الشيخ: هذا البيت كأنه خطاب لغير الشاعر، وقد يجوز أن يعني به نفسه، لأن هذه صفة حاله. يقول إذا كان الإنسان فاضلاً ولم يرفعه فضله عن أن يشكر أخا النقص على هبته فالفضل هو للمشكور وقد ذهب فضل الفاضل.
وَخَرْقٍ مَكانُ العِيسِ مِنْه مَكانُنا ... مِنَ العيسِ فيهَ واسِطُ الكُورِ والظَّهرُ
قال الشيخ: الخرق الأرض الواسعة، قبل لها ذلك لأن الريح يتخرق فيها، ولأنها تتخرق إلى أرض غيرها، وقوله) مكان العيس منه مكاننا (أي للعيس في وسطه ونحن في أوساط العيس، ثم فسر مكانه ومكان أصحابه بقوله واسط الكور والظهر، والكور الرحل بأداته وهو هاهنا شائع في الجنس وكذلك الظهر لأنه لو لم يكن كذلك لكان القائل كالذي زعم وأصحابه على واسط كور واحد مطية واحدة.
وقال ابن فورجة: قال ابن جني: معنى البيت أن الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق ليست تذهب ولا تجيء وذلك لسعته فكأنها ليست تبرح منه كما قال الآخر: يُمسِي به القَوْمُ بحيث أصبحوا أي فكما نحن في ظهور هذه الإبل لا نبرح منها في واسط أكوارها فكذلك هي، كأن لها من ظهر الخرق كوراً وظهراً، فقد أقامت به لا تبرحه ألا تراه يقول:
يَخِدْنَ بنا في جَوْزِهِ وكأنَّنا ... عَلى كُرَةٍ أو أرْضُهُ مَعَنا سَفْرُ
وأخذ هذا المعنى السري الكندي فقال:
وخَرْقٍ طالَ فيه السَّيرُ حتى ... حَسِبْناهُ يسيرُ مع الرّكابِ
стр. 40
وقد جود ابن حني في هذا التفسير، على أنه لا يمتنع أن يقال: عني أن العيس منه في وسطه سائرة، كما أنا من الكور على واسطتين، ولم يتعرض لوقوفها ولإبراحها ومما يؤكد هذا قوله:) يخدن بنا في جوزه (فلو أراد أنها كالواقعة لما قال) يخدن (وإنما أراد أن سيرها لا يغني من قطعه كثير شيء.
وَغَيْثٍ ظَنَنَّا تَحَتَهُ أنْ عامِراً ... عَلاَ لم يُمَتْ أوْ فِي السَّحابِ له قَبْرُ
قال ابن جني: عامر هذا هو جد الممدوح يقول كأنه في السحاب قد ارتفع إليه ولم يمت فهو يصب علينا المطر صباً. أو قبره في السحاب فهو ينهل لجوده يريد كثرة المطر.
قِرَانُ تَلاقي الصَّلْتُ فيه وَعامِرُ كَما يَتَلاقى الهُنْدُوانيُّ والنَّصْرُ قال ابن جني: يريد جدته من قبل أبيه وأمه، ورفع قراناً بفعل مضمر كأنه قال: أنجب به قران هذه حال وصفته، وشبه اجتماعهما بقران الكوكب تشريفاً لهما.
وقال الشيخ: يحتمل أن يكون القران من مقارنة الآدميين ومن مقارنة الكواكب، أي ولد هذا الممدوح في قران أوجب له سعداً.
إلَيْكَ طَعَنَّا في مَدى كلِّ صَفْصَفٍ ... بكُلْ وَآةٍ ما لَقِيتْ نَخْرُ
قال الشيخ ﵀: استعار الطعن من الرماح للنوق وجعل المدى كالمطعون، والصفصف أرض واسعة صلبة وربما كان فيها رمل رقيق والوآة أثنى الوأي وأكثر ما يستعمل الوأي في الخيل وحمير الوحش، وربما قيل الوأي الطويل هو الصلب الشديد، وقيل المفيد الحلق، والذي بدل عليه الاشتقاق أنه من قولهم وأيت إذا وعدت، وقيل: الوأي ضمان العدي. فكأن الوأي يعد من يراه أنه إذا افتقر حربه وجده مرضياً، ولما استعار الطعن في أول البيت وجعل الوآة كالقناة، صير كلما لقيت نحراً لأن الطعنة إذا وقعت في ذلك الموقع كانت أقبل منها في غيره أي أنها تنفذ في هذا المدى كما ينفذ السنان في المطعون.
وَجَنّبَني قُرْبَ السَّلاطين مَقْتُها ... وما يَقْتَضيني مِنْ جَماجِمِها النَّسْرُ
قال ابن فورجة: قال أبو الفتح بن جني: المقت البغض أي كأن الطير ينتظر قتل السلاطين ليأكل من لحومها، هذا شرح مغن ولقيت بعض الذين يزعمون أنهم لقوا أبا الطيب وقرءوا عليه شعره يزعم أنه حبس على هذا البيت.
وقال له علي بن أحمد الانطاكي: ما هذه الجرأة ومواجهتك إياي بهذا القتال في السلاطين وأنا منهم؟ فاعتذر بأن قال عنيت مقتهم إياي لا مقتي لهم وعنيت بالنسر الأخذ والاختطاف يقال نسرت أنسر نسراً أي خطفت وعنيت بالجماجم الأكابر والسادات فقلت له ما صنع بقوله؟:
وَلاَ تَحْسّبَنَّ المَجْدَ زِقَاً وَقَيْنَةً ... فَما المجْدُ إلاَّ بالسَّيفُ والفَتكةُ البكرُ
وَتَضْرِيبُ أعناقِ المُلوكِ وأنْ تُرَى ... لَكَ الهَبَواتُ السُّودُ والعسكرُ المجرُ
وإنما للرجل في ذاك عادة وهو يعده جرأة منه وقدرة وقلة احتفال ألا تراه يقول:
مَدَحْتُ قَوْماً وإنْ نَظمتُ لهم ... قَصَائداً من إناثِ الخَيل والحُصُن
تَحْتَ العَجاجِ قَوَافِيها مُضَمَّرةً ... إذَا تُنَوشِدْنَ لم يَدْخُلْنَ في أُذُنِ
وقوله:
مِيعادُ كُلْ رَقيقِ الشَّفْرتينِ غَداً ... وَمَنْ عصَى من مُلوكِ العربِ والعَجمِ
وسألني هذا المتعمق كيف ينشد قوله:
يَتَفّيأونَ ظِلاَلَ كُلِّ مُطّهَّمٍ ... أجَلِ الظَّلٍم وَرِبْقَةِ السَّرْحانِ
فأنشدته على ما رويت، فقال: أنا أروي عنه: حل الظليم وربقة السرحان، يريد أن هذا الفرس في عدوه كحلك الظليم من عقال، فقلت: فما باله يجعله كربقة السرحان. أفترى السرحان مربوقاً فيه ما يشبه به الفرس؟ فقال: بل عنى أن طرده لم يفته فكأنه مربوق كقول امرئ القيس: فقَيْدِ الأوابِد هَيْكَلِ فقلت: الربقة تحبس بالقيد وكذلك الأجل يحبس بالموت. هذا ازدواج وتشابه فما الذي يسوء منا هذا التنافر في المعنيين.
لِسانِي وَعِيْنِي والفُؤَادُ وهمَتِي ... أوُدُ اللَّوَاتِي ذا اسمُها ومِنْكَ والشَّطْرُ
стр. 41
قال الشيخ: ﵀: الأود يحتمل أن يكون واحدها ود، ود، ود لأنهم يقولون ودي، وودي، وودي كأنهم وصفوه بالمصدر، يقال: لساني مواد لسانك وكذا فؤادي مواد فؤادك. والعين والهمة كذلك، وقال ذا اسمها، ولولا الوزن لوجب أن يقول هذه أسماؤها، ولكنه محمول على قوله: اللواتي ذا لفظها، والشطر النصف أي أن هذه المذكورات مني كأنها مشاطرة المسميات بها من خُلُقِكَ وخَلْقِكَ.
ومن التي أولها:
بادٍ هَوَاكَ صَبْرتَ أمْ لَمْ تَصْبرا ... وبُكاكَ إنْ ل يَجْرِ دَمْعُكَ أو جَرَى
قال الشيخ أبو العلا ﵀: قوله لم تصبرا من الضرورات لأن النون لم تجر عادتها أن تدخل في هذا الموضع إلا عن ضرورة قال الراجز:
يَحسَبُهُ الجَاهلُ ما لم يَعْلَما ... شَيخاً على كُرسيهِ معَمَّمَا
وقد أدخلوا هذه النون في أشياء هي من الضرورات، وحذفوها في مواضع وحذفها قبيح فمن ذلك البيت المنسوب إلى طرفة:
أضرب عنك الهُموم طارِقَها ... ضَرْبَك بالسَّوطِ قَوْنَسَ الفَرَس
أراد أضربن. وقال الراجز:
مِنْ أي يَوْميَّ مِنَ الدَّهرِ أفِرْ ... أيَوْمَ لم يُقْدَرَ أم يومَ قُدْرِ
أراد لم يقدرون فحذف النون وبقيت الحركة وهذا البيت ذكره المفجع في حد الإعراب وهو قول الشاعر:
إنَّ ابن أحَوَص مَغرُورُ فَبلَّغَهُ ... في سَاعِديه إذا رَامَ العُلَى قِصَرُ
أراد فبلغته، ومنهم من يقول: فبلغه بضم الغين، وهذا أقبح من الفتح لأن الغين إنما تضم لأجل ضمة الهاء والذي يذهب إلى هذا الوجه يحتج بقول الراجز:
عَجِبْتُ والدَّهرُ كَثيرُ عَجَبُه ... من عَنَزِيًّ سَبَّني لم أضرِبُهْ
ألقى حركة الهاء على الباء ومثله قول طرفة:
حاسبي رَبْعُ وَقَفْتُ به ... لو أُطِيعُ النّفْسَ لم أرِمُهْ
لما كان يقول في الوصل لم أرمه ألقى حركة الهاء على الميم، وهذا يشبه قولهم في الوقت: هذا بكر ومررت ببكر ومنه الرجز المنسوب إلى جرير بن عبد الله البجلي:
أنَا جَريرُ كُنْيَتي أبو عِمِرُ ... أجُبُناً وَغَيْرَةً تحت السَّتِر
قد نَصَرَ اللهُ وَسعدُ في القَصْرِ والبيت الذي أنشده المفجع قد ضمت العين فيه على غير وقف، إلا أنهم يقولون: أجري الوصل مجرى الوقف، ويجب أن تفتح الراء في جرى.
وقال ابن فورجة: حكي عن أبي الطيب أنه قيل له: خالفت بين سبك المصراعين فوضعت في المصراع الأول إيجاباً بعد نفي، تريد صبرت أو لم تصبرا ووضعت في المصراع الثاني نفياً بعد أيجال وهذا مخالف لما يستحسن من صنعة الشعر فقال في الجواب: لئن كنت خالفت بينهما من حيث الفظ فقد وافقت بينهما من حيث المعنى، وذلك أنه من صبر لم يجر دمعه، ومن لم يصبر جرى دمعه فهذا جواب جيد، وحكاية مليحة، الله أعلم بصحتها. وفي البيت فحص آخر. وهو قوله) وبكاك إن يجر دمعك أو جرى (فلقائل أن يقول كيف يبدو البكاء إن لم يجر دمعه؟ فهن هذا السؤال جوابان أحدهما: أنه يعني ما في صوته إذا تكلم من نغمة الحزين وشجو الباكي والزفير والتهيؤ. والجواب الثاني: أن يكون بكاك عطفاً على الضمير في صبرت كأنه يقول صبرت وصبر بكاك فلم يجر دمعك أو لم تصبر فجرى دمعك وهذا أجود الجوابين.
تَعِسَ المَهارِي غَيْرَ مَهْرِيَ غَدَا ... بِمُصَوَّرِ لَبِسَ الحَريرَ مُصَوَّرَا
نافَسْتُ فيهِ صُورَةً في سِتْرِهِ ... لو كُنْتُها لَخَفِيتُ حتى يَظْهَرا
قال الشيخ ﵀: تعس كلمة تستعمل في الدعاء وهي دعوة بأن يلقي المدعو عليه عنتاً وشراً. والمهاري جمع مهري، وهي بعير منسوب إلى مهرة بن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
وقوله) بمصور (أي بشخص مصور، صوره الله سبحانه، ونافست) فاعلت (من قولهم نفست عليه بالشيء إذا بخلت والهاء في قوله فيه راجعة على المصور الذي هو الشخص ولا يمتنع أن يريد بمصور أنه مصور في قلبه ممثل فيه وهذا البيت فيه مبالغة عظيمة يراد بها شدة النحول والمعنى أني نفست على هذه الصورة بأن تقرب من ذلك المصور ولو كنت تلك الصورة لخفيت من نحولي حتى يظهر من قد وارته. ويحتمل أن يكون المراد متصوراً على صفة بالنحول، ويجوز أن يضاف إليه. أراد به أن يظهر هذا المستور فتراه لأنه قد حجب عنه بالستر.
стр. 42
وقال ابن فورجة: قد اعترض عليه من لا علم له بطريقة الشعر فقال: وحقيقة هذا المعنى غير متصور، إذ لو كان المتنبي تلك الصورة فخفي ليظهر لكان ظهوره للناس مالا يفيد أبا الطيب، وإنما ظهوره للناس يفيد وهو فيهم ليراه. وقائل هذا لا معرفة له بطرق المعاني إذ كان للشاعر أن يتمنى المحالات، على أن أبا الطيب لم يتمن محالاً، وإنما رأى ستراً يحول بينه وبين حبيبه فقال: لو كنت مكان ذاك الستر لخفيت حتى يظهر ذلك المحبوب ولم يرد أن يظهر له ولغيره، بل تمنى ظهوره فقط، والفائدة نزهة الأبصار في رؤيته.
لا تَتْربِ الأيْدي المُقِيمَةُ فَوْقَهُ ... كِسْري مَقامَ الحاجِبَيْنِ وَقَيْصَرَا
قال الشيخ: لا تترب يدك إذا دعا له بأن لا يفتقر، ودعا للأيدي التي صورت كسرى وقيصر، وجعلتها كالحاجبين لهذا الشخص المستور، أي أنه أهل أن يكون هذان المكان له حاجبين، وكأن هذا المعنى ينظر إلى قول الحكمي:
بَنْيَنا على كسرى سماءَ مُدَامةٍ ... مُكلَّلَة حافاتُها بنجُومِ
يريد أن صورة كسرى كانت في الكأس وهو نحو قوله في الأخرى:
قَرارَتُها كِسْرَى وفي جَنَباتها ... مَهاً تَدَّربها بالقِسيّ الفَوارِسُ
يَقيانِ في أحَدٍ الهَوَادِجِ مُقْلَةً ... رَحَلَتْ فَكانَ لها فُؤادِي مَحْجِرَا
قال ابن جني: أي كانت ضياء قلبي، بمنزلة عين القلب زالت عني عمي قلبي، والتبس أمري علي، وفقدت ذهني، وبقي كمقلة ذهبت وبقي المحجر.
وقال الشيخ ﵀: الغرض أنه أن هذه المرأة كانت كالعين، وفؤاده كالمحجر، فهو مشتمل عليها بالذكر، كاشتمال المحجر على العين، ولم يرد أنها قد فارقته، لأنه لو زعم ذلك لكان قلبه قد خلا من ذكرها، وإذا روي تقيان عني بهما الصورتين الممثل بها كسرى وقيصر. وإذا رويت بالياء فهو أشد مبالغة في وصف الشخص المحجوب، لأنه جعل الملكين كأنهما توليا الحجابة لا صورتاهما اللتان لا تحسان.
وقال الأحسائي: تقيان يعني الصورتين، أي يستران مقلته عن أن ينظر إلى أحد، أو ينظر إليها أحد) فكان لها فؤادي محجرا (أي أثرت في فؤادي أثراً مثلها. أي لذلك الأثر الذي أثرته فصار كالعين في الفؤاد.
وإذَا السَّحابُ أخُو غُرابِ فِراقِهمْ ... جَعَلَ الصَياحَ بِبَيْنِهِمْ أنْ يُمْطِرَا
قال الشيخ: ﵀: من شأنهم أن يصفوا التفرق والظعن إذا أصابت السحب، لأنهم يتفرقون لانتجاع الكلأ، ولا يمكن أنْ يجتمعوا في مكان واحد بل يؤم كل قوم منهم ناحية فأدعى الشاعر أن السحاب كأنه أخو الغراب، وأمطاره جارية يرى صياحه بالبين.
فَإذا الحمائِلُ ما يَخِدْنَ بِنَفْنَفٍ ... إلاَّ شَقَقْنَ عَلَيهِ ثَوْباً أخْضَرَا
قال الشيخ: الحمائل جمع حمولة وهي الإبل الحاملة، وهذه الهاء تدخل في) فعولة (إذا كانت في معنى) فعولة (مثل قولهم لما يركب ركوبة. ولما يحلب حلوبة ولما يعلف علوفة، والتفتف الأرض الواسعة يقول هذه الحمائل تمر بالنفنف فتطؤه بأخفافها وترعاه، فكأنها تشق عليه وثوباً أخضر لأنها ترعى النبت فتبين التراب، وكان كأنه كاس بالنبات.
أرَجانَ أيَتُها الجِيادُ فإنَّهُ ... عَزْمي الذي يَذَرُ الوَشيجَ مَكَسَّرَا
قال ابن جني: نصب أرجان بفعل مضمر على التخصيص كأنه قال اقصدي أرحان وأصل هذا الاسم أرجان بتشديد الراء فاضطر إلى تخفيفه.
لوْ كنت أفعَلُ ما اشْتَهَيْتِ فَعالهُ ... ما شَقَّ كَوْكَبُكِ العَجاجَ الأكدَرَا
قال الشيخ: يخاطب الخيل لو كانت أفعل ما تؤثرين من الراحة والدعة لأقمت ولم أكابد السفر، ولم يشق كوكبك العجاج، واستعار الكوكب للخيل، ويقال المقدمة الكتيبة كوكب، ويجوز أن يعني بالكوكب نفسه لأنه يفتخر كثيراً بالحرب وإيثاره لقاء الأعداء.
أمَّي أبا الفَضْلِ المُبِرَّ التَّي ... لأُيَّممنَ أجَلَّ بَحْرٍ جَوْهَرَا
قال ابن جني: أي لما حلفت لأقصدن أجل البحار جوهراً برَت يميني.
وقال الشيخ: قوله) لأيممن أجل بحر جوهرا (يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قال النصف الأول فتم الكلام، ثم ابتدأ اليمين، فلا يكون النصف الثاني تعلق بالنصف الأول قبل موعد الإعراب، والآخر: قوله لأيممن وما بعده مفسرا للآلية فيكون موضعه نصباً على البدل منها.
стр. 43
أفْتَى بِرُؤيَتِهِ الأنامُ وَحاشَ لي ... مِنْ أنْ أكونَ مُقَصّراً أو مُقْصِرا
قال ابن جني: أي كل من سألته عن يميني أفتاني بأن أرى ابن العميد) وحاش (محذوف من حاشى، وفيه معنى الاستثناء، يقول مثلاً إذا حلف فلم يجد من لقائه بدلاً، لأنه لا يستحق الوصف غيره، ويقال قصر عن الشيء إذا تركه عجزاً عنه. وأقصر عنه إذا تركه قادراً عليه.
صُغْتُ السَّوَارَ لأي كَفَّ بَشّرَتْ ... بابْنِ العَمِيد وأيّ عَبْدٍ كَبَّدٍ كَبَّرَا
قال الشيخ: أي كف بشرتني بلقاء ابن العميد وقربي منه فإني قد صغت لها سواراً جزاءً لها على ما فعلته. وقوله) وأي عبد كبرا (يريد عبداً من عبيد الله وجعل العبد مستحقاً للتسوير كأنه إذا كبر رفع يده.
خَنْثَي الفُحولِ مِن الكُماةِ بصَبْغهِ ... ما يَلْبِسُونَ مِن الحَديدِ مُعَصْفَرَا
قال الشيخ ﵀:) خنثى الفحول (أي جعلهم كالمخنثين أو جعل كل واحد منهم كالخنثى، وفعلى يزعم النحويون أنها لا تستعمل للذكر، وقولهم الخنثى لم يخلص للمذكر ولا للمؤنث، إلا أن الكلمة مشتركة بين الاثنين، أخذ المخنث والخنثى من الانخناث أي الانكسار والضعف، يقول: هذا الممدوح من الكماة جعلها كالمخنثين أو الخناثى لأنها تضعف وتنكسر، ولأنه يصيغ ما لبسته وغيرها بالدم، فهو كالعصفر، وقد جرت عادة من كان مخنثاً أن يرغب في لباس النساء.
وقال الأحسائي: خنثى الفحول يحتمل معنيين إما لجبنهم عن محاربته صاروا كذلك، وإما للبسهم الثياب المعصفرة، وهي من لبس الإناث والمشبهين بهن ألا ترى قول الشاعر:
إنْ أنْتُم لم تَطْلُبُوا بأخِيكُمُ ... فَذَرُوا السَّلاحَ وَوحَشُوا بالأَبْرَقِ
وخُذُوا المكاحِلَ والمجَاسِدَ والبَسُوا ... ثُقَبَ النَساءِ فبئسَ رَهطُ المرهَقِ
قَطفَ الرّجالُ القَوْلَ وَقْتَ نَباتِهِ ... وَقَطَفْتَ أنْتَ القَوْلَ لمَّا نَوَّرَا
قال ابن جنى: أي كلام الناس فج، وكلامك فصيح عذب.
قال الشيخ ﵀: المعنى أني مدحت الناس وأنا شاب مبتدئ في قول الشعر، ومدحتك بعد أن تكاملت الغريزة في إحكام القريض وانتهت قولي كالنبت الذي هو نزر فهو أحسن أوقات نباته، ولا يمتنع ما قال الشيخ أبو الفتح.
وقال الأحسائي: شبه الكلام بالنبات فقال تكلمت الفصحاء به أول ما نبت وظهر ولم يبلغ منتهاه، فجاء كلامهم غير متناسب الفصاحة ونطقت به أنت حين بلغ وانتهى فأتى كلامك رائق الألفاظ رقيق المعاني.
فَدَعاكَ حُسَّدُكَ الرَّئيسَ وأمسَكُوا ... ودعَاكَ خالِقُكَ الرَّئيس الأكْبَرَا
خَلَفَتْ صِفاتُكَ في العُيُونِ كَلامَهُ ... كالخَطَّ يَمْلأ مِسْمَعَيْ مَنْ أبصَرَا
قال الشيخ: يقول دعاك الناس الرئيس ولم يزد على هذا القدر، ودعاك خالقك بأعظم مما دعاك به الناس فجعلك الرئيس الأكبر، ثم قال: خلقت صفاتك في العيون كلامه، أي أنه لما خلقك على هذه الصفات المعجزة علم أن منزلتك عنده عظيمة لا يصل إليها غيرك، ثم مثل ما قدم في النصف الأول بقوله) كالخط يملأ مسمعي من أبصرا (أي أن الخط إذا رآه من يقرؤه فكأن مسمعيه قد امتلأتا بالكلام الذي قد رآه مكتوباً، وهذا المعنى مثل قوله في الأخرى: أغْنَتَهُ عَنْ مِسْمَعَيْهِ عَيناهُ
وَتَكَرَّمَتْ رُكَباتُها عَنْ مَبْرَكٍ ... تَقَعان فيهِ ولَيْسَ مِسْكاً أذْفَرَا
قال ابن جني: قوله ركباتها وإنما لها ركبتان، لأنه جمع الركبتين وما يليهما أو يكون سمى كل جزء منها ركبة، كما يقال شابت مفارقه، وطالت عثانينه، وإنما له مفرق واحد. ثم يقال تقعان فيه لأنه رجع إلى الركبتين في الحقيقة وترك المجاز، وهذا فيه عندنا في صناعة الإعراب أن يحمل على المعنى ثم يعود إلى اللفظ.
وقال الشيخ ﵀: تكرمت هذه الناقة أن تبرك إلا على المسك الأذفر، لأنها في محلة ملوك، يوقدون العنبر، والذي ادعى من بروكها على المسك الأذفر يوفي على ما ذكره من العنبر الموقد بدرجات، وكانت الملوك تستعمل مثل هذه الخليقة، ولا يجوز أن تبرك الناقة على مسك
وتَرى الفَضِيلَةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةً ... الشَّمْسَ تَشْرُقُ والسحابَ كَنهْوَرَا
стр. 44
قال الشيخ ﵀: الرواية الصحيحة) ترد (بضم الراء، في ترد ضمير عائد على الفضيلة الثانية منصوبة بوقوع الرد عليها وهذا من التصنيف المبين لأن قوله) الشمس تشرق والسحاب كنهورا (بيان لقوله) وترى الفضيلة ولا ترد فضيلة (وذلك لأن الشمس لا تشرق إذا تراكم السحاب، ولأن السحاب لا يمطر إذا أشرقا الشمس، فإحدى الفضيلتين رادة للأخرى لأن المنفعة بالشمس عظيمة وكذلك المنفعة بالسحاب.
وكان ابن جني) ترد (بفتح الراء وضم التاء. والكنهور السحاب المتكاثف وإنما أخذ منه الكهر وهو غلظ الوجه.
وقال ابن فورجه: شبه طلعته لنورها بالشمس. وجوده لكثرته بالسحاب ويقول من عادة السحاب إذا اجتمع مع الشمس سترها، وفيك هاتان الفضيلتان لا ترد إحداهما الأخرى، فهما كالمتضادين اجتمعا فيك لا تنفي إحداهما الأخرى قد كرر هذا المعنى في مكان آخر:
قَمراً نَرَى وسحَابَتَيْن بِموْضِعٍ ... مِنْ وَجْهِهِ ويَمِيِنه وَشِمالِه
وفي قصيدة أخرى:
شِمْنا ومَا حَجَبَ السَّماءُ بُرُوقَهُ ... وحَريً يَجُودُ وما مَرَتْهُ الرّيحُ
فهذا المعنى من الحسن والبيان على ما ترى.
وروى ابن جني: ترد بضم التاء وفتح الراء. وترى الفضيلة فيك مشرقة واضحة غير مشكوك فيها، كما ترى الشمس إنما أشرقت والسحاب إذا كان متكاثفاً، ونصب الشمس والسحاب بفعل مضمر كأنه قال: ترى برؤية فضائلك الشمس والسحاب، ويجوز أن ينصبها بدلاً من قبول غير مردودة فكأنه وترى فضائلك مثل الشمس والسحاب منيرة مشرقة ظاهرة بارزة، ونصب فضيلة على الحال أي نراها مستحقة لهذا الاسم ونشاهدها كذلك. ويجوز أن يكون التقدير ويرى الفضيلة فضيلة غير مردودة، ثم قدم وصف النكرة عليها، فأبدل النكرة منه، ونصبه على الحال منها ونصب كنهوراً على الحال وتشرق أيضاً في موضع الحال كأنه قال مشرقةً.
حرف الزاي
من التي أولها:
كَفِرِنْدي فِرِنْدُ سَيْفِي الجُرَازِ
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: هذه الكلمات الست التي أولها أبجد وأخرها قريسيات بعضها موافق لكلام العرب وبعضها لا معنى له وقد ذكرت في الأشعار قال الراجز:
تَركتُهُم في مخْضِ وطْبٍ حازِر ... وفي أبي جادٍ وفي مُرَامِرِ
وقال آخر:
تَعلَّمتُ باجادٍ وآل مُرَامرِ ... وسَوَدتُ أثَوابي ولَسْتُ بِكاتِبِ
وقيل إنهم سموا أبا جلا آل مرامر من كتبها من العرب ثلاثة من أهل الأنبار يقال لأحدهم مرامر بن مردة وقال الراجز:
لمَا رأيتُ أمرَها في حُطَّي ... وَفَنكتْ في باطِلي ولَطَي
أخَذْتُ منها بُقرونٍ شُمْطِ ... حتى علا الرأسَ دَمُ يُغطِّي
وهواز موافقة لفظ مثل فوز فوز) وكلمون (قيل إنها أعجمية ولكنها موافقة لفظة أخذت من الكلم أو الكلام، وزيدت فيها الواو والنون. وأما) صعفص (فلا مذهب لها في كلام العرب وقد ذكرت في الشعر القديم أما) قريسات (فتوافق من كلام العرب فحل قراسية إذا كان مسناً قوياً فيقال في جمعه قراسيات فإذا صغر هذا الجمع قيل قريسيات فقال الشاعر:
أتَيْتُ مُهاجِرينَ فَغَلَّمُوني ... ثلاثةَ أحرفٍ مُتَوالياتِ
وحَطُّوا لي أبا جادٍ وقالوا ... تَعَلَّمْ صَعْفَصاً وَقُرَيْسياتِ
وقال ابن فورجة: هذه الكلمات ألقت لحفظ العدد تأليفاً حسناً تكتب بها الأعداد، فلا ينقطع عند وصل، ولا يتصل عند قطع، وقد زعموا أنها أسماء لله عزوجل، إلا أنها مشتركة للعرب والفرس والروم، وزعم السلامي الشاعر أنها أسماء الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرضين ذكر ذلك بإسناد له. وتشبيهه انعطافه الأسنة باستدارة هذه الحروف كتشبيه الحافر بالميم حيث يقول:
لَوْ مَرَّ يَرْكُضُ في سُطُورِ كتابَةٍ ... أحْصَى بِحافِرِ مُهْرِهِ مِيماتِهَا
وتشبيهه الحافر أيضاً بالعين في قوله:
أوَّلَ حَرْفٍ مِنِ اسمِهِ كَتَبَتْ ... سَنابِكُ الخَيْلِ في الجَلامِيدِ
إلا أن الجيد في تشبيه تعطف الرماح ما قاله الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله المعري حيث يقول:
وَتَعَطَّفَتْ لَعْبَ الصَّلالِ رِماحُهُمْ ... فالرُمّحُ عندَ اللَّهْذَمِ الرّعَّافِ
فلعب الحيات وتعطفها حسن في تشبيه استدارة الرمح إذا التوى وتعطف.
стр. 45
كُلَّ شِعْرٍ نَظِيرُ قائِلِهِ مِنْكَ ... وعَقْلُ المُجِيزِ مِثْلُ المُجازِ
قال ابن جني: الكاف في) منك (يخاطب بها الشاعر، يقول له إذا مدحت أحداً فقيلَ شعرك فهو نظيره وكفؤه. لقبوله إياه منك. وإذا أجازك فعقله مثل عقلك وتقديره وعقل المجيز مثل عقل المجاز فحذف المضاف.
قال الشيخ ﵀: يقول الشعر إذا كان رديئاً خسيساً جاز على الأخساء من القوم وإذا كان جيداً نفق على الرؤساء والسادة وقوله) وعقل المجيز مثل المجاز (المجاز هاهنا العطاء الذي يعطاه الشاعر. أي أن عقل المجيز إذا كان وافراً وفر العطية، وإذا ناقصاً كان ما يعطيه كذلك، ويحتمل أن يكون المجاز هاهنا الشعر. وذلك أشبه من المعنى الأول. ولا يحسن أن يراد بالمجاز هاهنا الشاعر لأنه إذا أراد ذلك احتاج أن يكون قد حذفا المضاف كأنه قال وعقل المجيز مثل عقل المجاز، وفي هذا المعنى انتقاض للممدوح لا يجعل عقل مثل عقل الشاعر.
حرف السين
ألا أذَّنْ فَمَا أذْكَرْتَ ناسِي ... وَلا لَيَّنْتَ قَلْباً وَهُوَ قاسِي
قال الشيخ ﵀: قوله) ناسي (في القافية ليس مثل أن يأتي به في حشو البيت، لأن ذلك عند البصريين من الضرورات وعند الفراء لفة للعرب وأنشد الكوفيون:
فكسوتُ عَاِريَ لَحمهِ فَتركتُه ... جَذلانَ جَادَ قَميصُه وردَاؤُه
وإنما فرق بين ذلك في القافية ومجيئه في غيرها، لأن القوافي اجتمعت الشعراء على أن تستعمل فيها أشياء لا تستعمل في حشو البيت، فمن ذلك حذف الإعراب في الشعر المفيد، وتخفيف المشدد ألا ترى أن قصيدة امرئ القيس التي على الراء قد جاءت فيها أشياء مشددة خفف فيها التشديد لقوله في القافية:) هر وصر وقر وأفر (وكذلك جميع ما، قيد من قصائد العرب، ولا تخلو من تخفيف المشدد ولا يستعملون مثل ذلك في غير القافية، وإذا ندر منه شيء لم يجمعوا فيه بين تخفيف المشدد وترك الإعراب، فإن تركة العرب لم يضيفوا إليها تخفيف المشدد، ومثل بيت أبي الطيب البيت المنسوب إلى بشر بن أبي خازم.
كَفَى بالبيْن مِنْ أسْماءَ كَافِ ... وليسَ لحُبها ما عِشتُ شَافِ
ومن التي أولها:
هَذِي بَرَزْتِ لَنا فَهِجْتِ رَسيسَا ... ثُمَّ انْصَرَفْتِ وَما شَفَيْتِ نَسِيسَا
قال الشيخ ﵀: قوله) هذي (أشبه ما يقال فيه: هذي البرزة برزت لنا أو هذي المرة ونحو ذلك ويكون موضع هذي نصباً على الظرف لأنها مشار بها إلى ما يحتمل أن ينصب كنصب الظروف.
قال ابن فورجة: قد نعي ابن جني على المتنبي حذفه حرف النداء من هذي، وهذي تصلح أن تصلح أن تكون وصفاً لأي فحذف) يا (مع أي إجحاف وذلك لا يجوز عند البصريين وقد فسر في قول الله هؤلاء بناتي هُن أطهر لكم (قال: أراد هؤلاء وهذا عند البصريين غير جائز وسمعت الشيخ أبا العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان: هذي موضوعة موضع المصدر وإشارة إلى البرزة الواحدة كأنه يقول هذه البرزة برزت فهجت رسيسا. وهذا تأويل حسن لا حاجة معه إلى اعتذاره والرسيس بقايا السقم، والنسيس الرمق.
كَشَّفْتُ جَمْهَرَة العِبادِ فَلَمْ أجِد ... إلاَّ مِسُوداً جَنْبَهُ مَرْؤوسا
قال ابن فورجة: أي سبرت وجربت واختبرت جمهور الناس، وقوله جنبه أي بالإضافة إليه أي كل الناس بالإضافة إليه مرؤوس مسود، وقد حذف حرف الجر فنصبه كما قال تعالى) واختار موسى سبعين رجلاً (أي من قومه. وقوله تعالى) واقعدوا لهم كل مرصد (أي على كل مرصد.
حرف الشين
من التي أولها:
مَبيتي مِنْ دِمِشْقَ على فِراشِ
يُدَمَّي بَعْضُ أيْدي الَخْيلِ بَعْضاً ... ومَا بعُجَايَةٍ أثَرُ ارْتِهاشِ
قال الشيخ ﵀: العجاية العصب الذي في الوظيف، والارتهاش أن يصك الفرس بإحدى يديه الأخرى فيؤلم بذلك العجاية، وإنما يصف ان الخيل في ضنك فقد أدمى بعض أيديها بعضاً وليس بها ارتهاش وإنما هو من التزاحم وبعض يقع عند قوم على ما دون النصف، وقيل يقع على النصف فما دونه، وأنكر قوم وقوعها على النصف، وكرهوا: جاءني بعض الرجلين، وقالوا: إنما ينبغي أن يقال جاءني أحدهما.
كأنَّكَ ناظِرُ في قَلْبٍ ... فما يَخْفَى عَلَيْكَ مَحَلُّ غاشِ
стр. 46
قال الشيخ ﵀: بعض الناس يذهب إلى أنه أراد محل غاش من الغش وتلك ضرورة قبيحة، والمعنى غير مفتقر إلى ذلك، وإنما هو فاعل من غشي يغشى وهو مؤد معنى الغش، لأنه يغشى القلب، وكثيراً ما يقولون على قلبه غشاوة وفي الكتاب العزيز) والليل إذا يغشى (وكل شيء إذا حل في موضع فقد غشيه من الناس وغيرهم.
وقال ابن فورجة: هذا البيت فضح الصاحب ﵀ نفسه به في رسالته التي ذم فيها أبا الطيب يقول فيها: ومن مجازاته التي خلقها خلقاً متفاوتاً تخفيفه الغاش وهذا ما لا أعلم سامعاً باسم الأدب يسوغه أو يفسح فيه ويجوزه وذلك قوله) كأنك ناظر.. البيت (فإن جاز أن يقال:) عباس بن عبد المطلب وشماخ بن ضرار (فلا تشدد الباء ولا الميمعلى أن الذي أورده أشفع من هذا الذي مثلناه به، إذ كان لفظ فاعل بني على لفظ فعل مشدد. هذا كلامه. وإذا لم تفهم الكلام اعترض عليه بما يفضح، وكأنه تصور أن يريد غاشاً من الغش ولم يرد أبو الطبيب شيئاً من ذلك، وإنما أراد محل من يغشاك من صنوف الناس يقال: غشيته أغشاه إذا قصدته من قوله: غشيتُ دِيَارَ الحيَّ بالبَكَرَاتِ قال الله تعالى:) ومن فوقهم غواش (. وقال ذو الرمة:
وذي شُعَبٍ شَتَى كِسْوتُ فُروجَه ... لغَاشيةٍ يَوماً مقطَّعةً حُمْرا
ومنه كنى عن الجماع بالغشيان. قال الله تعالى) فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً (ولو أراد الغش لما أتى بالمحل إلاّ أن ذا الغش يعرف غشه فقط وهذا كقوله:
وَيَمْتَحِنُ النَّاسَ الأميرُ برأيِهِ ... وَيُغْضِي على عِلْمٍ بكُلِّ مُمَخْزِقِ
أتَى خَبَرُ الأمِيرِ فَقِيلَ كُرُّوا ... فَقُلْتُ نَعَمْ وَلَوْ لَحِقُوا بِشَاشِ
قال ابن فورجة: روى أبو الفتح ابن جنى) كروا (بفتح الكاف وفسره فقال كان أبو العشائر استطرد للخيل بين أيديها، ثم خبره أنه كر عليهم راجعا أي فلو لحق راجعاً أي فلو لحق بشاش لوثقت بعودته هذا تفسير يتبع الرواية ولم يرو غير أبي الفتح) كروا (بفتح الكاف. ووقع إليّ نسخ غير واحدة شاميات كلها) كروا (وليس التفسير إلاَّ ما أقول ولا الرواية إلاّ بالضم، يقول أتى خبر الأمير بظفره بالعدو لنا: معشر المستميحين واللائذين به كروا، فقلت نعم ولو كان بشاش، الدليل على ذلك قوله فيما يليه.
وأُسْرِجَتِ الكُمَيْتُ فَناقَلَتْ بِي ... عَلى إعْقاقِها وعلى غِشاشِي
والإعقاق مصدر أعقت الأنثى فهي عقوق، إذا عظم بطنها لقرب النتاج والغشاش العجلة، يقال: سرت بها على عجلة مع كونها معقاً، فهذا دليل على أن الغرض ما ذكرنا. وأيضاً قوله فيما بعد:
إذا ذُكِرتْ مَوَاقِفُه لحافِ ... وَشِيكَ فما يُنَكَسُ لانْتِقاشِ
أي بعجلة سروره بها عجلته إلى زيارته عن إخراج الشوك من رجله، ومما يفسد ما ذكره أن قوله) فقيل كروا (يكون ضميره لأصحاب الممدوح) ولحقوا (ضميره لأصحاب العدو فكيف يفرق السامع بين ضميرين. وهل يرضى أبو الطيب لشعره بهذا المجاز من كون ضميرين في بيت واحد مختلفين ولفظهما متفق.
حرف الضاد
فَعَلَتْ بنا فِعْلَ السَّماءِ بأرْضِهِ ... خَلِعُ الأمِير وَحَقَّهُ ولم نَقْضِهِ
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: ذكر السماء في هذا الموضع وقد جاء تذكيرها في القرآن في قوله) السماء منفطر به (، وحكي عن الخليل أن المعنى ذات انفطار، والغرض أن الاسم إذا تؤول فيه مثل هذا التأويل وهو لمؤنث حذفت منه الهاء، كما قالوا حائض وطامث أي ذات حيض وذات طمث، والسماء إذا أريد بها التي يتردد ذكرها في القرآن فالغالب عليها التأنيث، وإذا ذكرت جاز أن يذهب بها مذهب السقف وأن يجعل جمع سماوة وأن تذكر لأن تأنيثها غير حقيقي، وإذا أريد بالسماء المطر فهو مذكر، ويجوز أن يكون أبو الطيب إلى هذا الوجه ذهب) وحقه (يجوز فيه النصب فالنصب على إضمار فعل كأنه ولم نقض حقه أو نحو ذلك. ثم جاء الفعل الثاني مفسراً للأول المضمر، والرفع على أن يكون حقه مبتدأ والواو عاطفة جملة على جملة. وأول الجملة فعل وأول الثانية اسم ويجوز أن يكون الشاعر لم يرد عطف جملة على جملة، وإنما أخبر أن الممدوح فعل جميلاً) وحقه لم نقضه (أي نحن مقصرون فيما يجب له كما تقول جاءني فلان يطلب دينه ودراهمه لم أعدها ومن التي أولها:
стр. 47
مَضَى اللَّيْلُ والفَضْلُ الذي لَكَ لا يَمْضِي
عَلى أنَّنِي طُوِّقْتُ مِنْكَ بِنِعْمَةٍ ... شَهِيدُ بها بَعْضِي لغَيْري على بَعضِي
قال ابن جني: المعروف أن يقال رأيت بالعين رؤية، ورأيت في منامي رؤيا وقوله) شهيد بها بعضي لغيري على بعضي (فبعضه الشاهد لشأنه أي يقول لساني هذا نعمة سيف الدولة. وأثار إحسانه فيشهد على بقية بدنه.
حرف العين
ومن التي أولها:
غَيري بأكْثَر هَذَا القَوْلِ يَنْخَدِعُ
ومَا الحَياةُ وَنَفْسي بَعْدَ ما عَلِمَتْ ... أنَّ الحّياةَ كَما لا تَشْتَهِي طَبَعُ
قال ابن جني: الطبع الدنس، ونفسي في موضع رفع عطفاً على الحياة، ومعناه مع الحياة كما تقول ما أنت وزيداً أي ما زيد وأنشد سيبويه:
يا زِبْرِقانُ أخابَنِي خَلَفٍ ... ما أنت وَيْبَ أبيكَ والفَخْرُ
أي إذا كانت الحياة هكذا فما تصنع نفسي بالحياة.
للَّسَّبْي ما نَكَحُوا والقَتْلِ ما وَلَدُوا ... والنَّهْبِ ما جَمَعوا والنَّارِ مَا زَرَعُوا
قال ابن جني: عطف في هذا البيت على عاملين مختلفين، وذلك أنه عطف) القتل (على) السبي (وهو مجرور باللام، وعطف) ما (الثانية على) ما (الأولى، فقد عطف إذن على اللام وعلى الابتداء، ومن رفع ما نكحوا باللام في السبي فلا عطف في قوله على عاملين، لأن الذي جر السبي هو الذي رفع) ما (على هذا القول.
وقال ابن فورجة: أوقع) ما (على من يعقل في قوله) ما نكحوا وما ولدوا (على تأويلات ثلاثة أحدها: أن يكون غرضه أنهم أغنام غير ذوي عقول كالبهائم فاستعمل لهم) ما (لأنها لما لا يعقل. والثاني: أن يكون على لغة من يقول: سبحان ما سبح الرعد بحمده يريد من سبح حكاها أبو زيد عن أهل الحجاز والثالث: أن يكون أوقع ما على المصدر فكأنه قال للسبي نكاحهم وللقتل ولادتهم. وقيل في قول الله تعالى:) والسماء وما بناها. والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها (، وقوله تعالى:) وما خلق الذكر والأنثى (، أن) ما (مقامة مقام المصدر كأنه يقول والسماء وبنائها والأرض وطحوها ونفس وتسويتها، وكذلك أقسم لخلق الذكر والأنثى وقيل أيضاً إن) ما (مقامة مقام من على لغة أهل الحجاز، حكى ذلك أبو إسحاق الزجاج، وقوله) للقتل ما ولدوا (قد يتعرض عليه فيقال: إنما يقتل الرجال ومن بلغ الحلم فأما من ولدوا فيعني بهم الصغار منهم وهم بالسبي أولى، فالجواب أن الرجال أيضاً ومن أتت السن عليه ليس خلوا أن يكونوا مولودين فلما تقدم في اللفظة الأولى السبي لم يجد بداً أن يقول ذلك، وقد استعمل من في موضع ما في قوله:
إنْ كانَ لا يَسْعَى لَجُودٍ ماجِدُ ... إلاَّ كَذَا فالغَيْثُ أبْخلَ مَنْ سَعَى
وهذا محمول على التأويل، لأنه أراد أبخل الساعين، وجعل الغيث ماجداً سعى بجود والعرب إذا وصفت الشيء بصفة غيره استعارت له ألفاظه، وأجرته مجراه في العبارة، كقوله تعالى) والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (. وأنشد القاضي الجرجاني بيتاً زعم أنه سمعه من ثقة وهو:
متى نَوَّهْتَ في الهَيجاء باسِمي ... أتَاكَ السَّيفُ أوَّلَ مَنْ يَجيِبُ
مُخْلىً له المَرْجُ مَنْصُوباً بِصَارِخَةٍ ... لَهُ المَنَابِرُ مَشْهُوداً بها الجُمَعُ
قال ابني جني: نصب) مخلى ومنصوباً (على الحال من سيف الدولة) ومشهوداً بها الجمع (نصب على الحال من صارخة، وهي مدينة أو قلعة ببلد الروم، وكان الوجه أن يقول: شهوده ومنصوبة إلا أن التذكير جائز أيضاً على قولك نصب المنابر وشهد الجُمَع ومن أبيات الكتاب:
بَعيدُ الغَزَاةِ فما ابن يَزا ... لُ مُضْطَمِراً طُرَّتاه طَلِيحَا
ولم يقل مضطمرة وهو كثير.
قال ابن فورجة: الإعراب ما ذكره لا ريب فيه، والمعنى أن هذين الموضعين أعني المرج وصارخة متوغلتان في بلاد الروم، وأنهما إذا أخليتا لسيف الدولة ونصبت المنابر بهما وشهدت الجمع فلم يبق في النكاية في الكفر نهاية. ومثل هذا المغزى قول النسيج أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان يصف خيل رجل مدحه:
بَناتِ الخَيلِ تَعْرِفُها دَلُوكُ ... وصَارِخةُ وآلُسُ والّلَّقانُ
стр. 48
ليس يريد أن أماتها برابع من هذه البلاد التي ذكرت لأن خيل الروم غير مختارة وإنما يعني أنه طالما أوغل بها هذه المواضع، وأوغل أبوه بأماتها فيها فهي تعرفها. والغرض بعد الإيغال في بلاد العدو.
فِيها الكُماةُ التي مَفْطُومُها رَجلُ ... على الجيادِ التي حَوْلَّيها جَذَعُ
قال الشيخ ﵀: كان بعض من رد على أبي الطيب قد أدعى أنه قال) فيها الكماة (الذي مفطومها رجل على الجياد الذي (فاستعمل) الذي (في موضعين، وذلك مكذوب لا محالة، ولو صحت الرواية لكان له وجه، وهو أن يجعل الذي مبتدأ ويضمر بعده هو فيكون التقدير فيها الكماة الذي مفطومها رجل، ومثل ما حكاه الخليل عن العرب من قولهم: ما أنا الذي قائل لك شيئاً. أي بالذي هو قائل لك، وقالوا: الذي يذهب عليه سنة من وقت النتاج حولي وكثير استعمال ذلك حتى قالوا حولي الحصى يعنون صغاره، كذلك زعم بعض الناس ويجوز أن يكون الذي قالوا: أقلب حولي الحصى إنما أرادوا شبه الحصى إلى ما حول الإنسان لا إلى حول السنة.
يَذْرِي اللُّقانُ غُباراً في مَناخِرِها ... وفي حَناجِرها من آلِسٍ جُرَعُ
قال ابن جني: أي لا تستقر فتشرب وتطمئن، إنما هي تختلس الماء اختلاساً لما هي فيه من مواصلة السير والمجاولة، ويجوز أن تكون شربت قليلاً لعلمها بما يعقب شربها من السير والركض، وهكذا تفعل كرام الخيل وبذلك فسر بيت طفيل الغنوي:
أنَخْنَا فَسُمْنَاها النِّطَافَ فَشارِبُ ... قليلاً وآبٍ صَدَّ عَنْ كُل مَشْرَبِ
قال الشيخ أبو العلاء: حكي عن علي بن عيسى الربعي، وكان يذكر أنه قرأ ديوان أبي الطيب عليه في شيراز، وأن عضد الدولة أمره بذلك، أنه كان يروي) آلس (بضم اللام، فأما رواية الشاميين فبالكسر، ومعنى البيت أنه يصف الخيل بالسرعة فقد وردت الماء بآلس، وسارت حتى جاءت اللقان فأذرى الغبار في مناخرها ومعها بقية من ورد آلس وهو في حناجرها وهذه مبالغة عظيمة في الصفة بالسرعة، لا يجوز أن يكون مثلها، ونحو منه قول الأول:
خَلطنَ بِبَاقِي ما تَحلُّه غدوةً ... وقد رُحْن عنه ما ببطنِ الأُّميلح
وإنَّ القَطا الكُدريَّ يطلح دونّه ... وإن كُنَّ قد وافينَه غيرَ طُلَّح
كأنَّما تَتَلَّقاهُمْ لِتَسْلُكَهُمْ ... فالطَّعنُ يَفْتَح في الأجْوَافِ ما تَسَعُ
قال ابن جني: أي كأن خليه تتلقى الروم فتدخل فيهم، فالطعن يفتح أجوافهم ما يسع الخيل يصف سعة الطعن وعظمه.
دُونَ السِّهامِ ودونَ الفَرِّ طافِحَةً ... على نفوسِهمِ المُقَوَّرَةُ المُزُعُ
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال إن هذه الخيل أشرقت على نفوسهم، وطفحت عليها فقد صارت أقرب إلى نفوسهم من السهام ومن أن يفروا، يصف سرعة الخيل وأنها قد ركبتهم وتغشتهم.
وقال الشيخ ﵀: طافحة يجوز فيها الرفع والنصب فإذا نصبت فهي حال من الجياد التي تقدم ذكرها، وإذا حمل على هذا الوجه) فالمقورة (بدل من الضمير الذي في) طافحة (ويحتمل أن تكون) طافحة (حالاً من المقورة كما يقال في الدار قائماً أخوك. وهذا الوجه أحسن من الوجه المتقدم وترفع) المقورة (على أنها في تقدير المبتدأ كأنه قال دون الهام ودون الفر المقورة طافحة على نفوسهم وإذا رفعت) طافحة (جاز أن تكون) المقورة (في تقدير المبتدأ ويكون قوله) دون السهام ودون الفر (كالظرف الملغي إذا تقدم فقيل في الدار قائم أخوك، ومن: قال قائم أخوك وهو يجعل قائماً مبتدأ وأخوك قد سد مسد الخبر وهو فاعل جاز أن يرفع) المقورة (بأنها فاعلة طافحة وقد سدت مسد الخبر، وطافحة مبتدأ أن يجعل الكلام تاماً عند قوله طافحة على نفوسهم أي ذاهبة طفحت على النفوس ثم يجعل المقورة المزع بدلاً منها.
أجَلُّ مِنْ وَلدَ الفُقَّاسِ مُنكَتِفُ ... إذْ فاتَهُنَّ وأمْضَى مِنه مُنْصِرَعُ
стр. 49
قال الشيخ أبو العلاء: الفقاس لقب لرجل من الروم بعض ولده المعروف بنقور، وقد صار إليك ملك الروم وهو الذي قتلته أم بسيل وقسطنطين وكانت قد تزوجته وأبناها صغيران، فخشيت أم يخرجها عن المملكة، فدست عليه وهو نائم ليلاً قوماً منهم ابن شمسقيق الذي ذكره أبو الطيب فقتلوه، وكان والد نقفور دمستقا وهو وهو والد قسطنطين الذي أسره سيف الدولة في وقعة الأحيدب، وفي أيامه كانت الوقعة التي قيلت فيها هذه القصيدة، وبعض الناس يخير أن الفقاس كان من آل جفنة الذين دخلوا الروم في أيام عمر بن الخطاب ﵁، وفي هذا البيت تسلية للممدوح عن انفلات الدمستق وهو ولد الفقاس يقول أجل منه قد أسر فكتف وأمضى منه قد قتل فهو منصرع.
وَما نَجا مِنْ شِفار البيضِ مُنْفَلِتُ ... نَجا وَمِنْهُنَّ في أحْشائِهِ فَزَعُ
قال الشيخ: ما في أول البيت نافية والمعنى لم ينج، ونجا الثانية في الموضع نعت لمنفلت، يقول: ما نجا من السيوف منفلت في أحشائه منهن فزع ووجه آخر: وهو لأن يكون قد تم الكلام عند قوله) منفلت (فأخبر أنه لم ينفلت منهم أحد ثم استأنف الكلام محتجاً لعدم المنفلت فقال) نجا ومنهن في أحشائه فزع (وفي نجا ضمير على المنفلت وهذا كما يقول الرجل ما نجوت من شر فلان، أي لم يكمل نجاؤك منه ثم يقول نجوت وأنت مرعوب منه فلم يكمل نجاؤك.
كَمْ مِن حُشَاشَةِ بِطْريقٍ تضَمَّنها ... للْباتِرَاتِ أمِينُ ما لَهُ وَرَعُ
قال الشيخ: الحشاشة بقية النفس وأصلها مأخوذ من حش الشيء إذا يبس، ومنه قولهم لما يبس من الكلأ حشيش، فإذا احتش الرجل لدابته حشيشاً، وبقي منه شيء قليل قيل له حشاشة، كما يقال لما فضل من الطعام فضاله، ولما أعذر من الشيء المأخوذ عذاره، فأريد أن الحشاشة بقية نفس قد أخذ معظمها) وأمين (هاهنا يعني القيد الذي يجعل في الأسير أي أنه إذا أودعه الإنسان فهو مأمون على الوديعة، لأن المقيد به لا يقدر على الهرب.
وَجَدْتَّموهم نِياماً في دِمائِكُمُ ... كأنَّ قَتْلاكُمُ إيَّاهُمُ فَجَعُوا
قال الشيخ ﵀: يذكر من يدعي علماً بغزوات سيف الدولة بن حمدان أن أصحابه في هذه الغزاة وهي التي كانت تسمى غزاة المصيبة، مروا في هزيمتهم بمقتلة من الروم، فظنوا أن أولئك القتلى لا تجاوزهم من العدو، فنزلوا في ذلك الموضع ليستريحوا، فجاءت خيل الروم ووجدتهم على تلك الحال، فنالوا منهم المراد من قتل وأسر، ومعنى البيت أنكم وجدتم هؤلاء القوم نياماً بين قتلاكم، كأنهم الذين فجعوا بهم وذلك من شأن الحزين ومن قتل له قتيل أن يكب عليه، ويحمله الجزع على أن يتلطخ بدمه كما أن المخزون يتمرغ على القبر ويقلبه لشدة الجزع.
وروى الأحسائي عن علي بن عيسى الربعي أن أبا الطيب قال غبرت في تلك الليلة فرأيت جماعة من المسلمين قد ناموا بين قتلى الروم، من شدة الحال التي أصابتهم، ورأيت قوماً منهم يحركون القتلى فمن وجدوا فيه رمقاً أماتوه فلذلك قال هذا.
إن السِّلاح جَميعُ النَّاسِ تَحْمِلُهُ ... ولَيْسَ كُلُّ ذّواتِ المِخْلَبِ السَّبُعُ
قال الشيخ: قد حكى سيبويه عن العرب ليس الطيب إلا المسك برفع الطيب والمسك وهذا يشبع قوله) وليس كل ذوات المخلب السبع (إذا أخذنا يقول من ذهب إلى أن ليس بمعنى ما في قولهم: ليس الطيب إلا المسك وللنحويين كلام في الضمير بعد ليس إذا كانت في مثل هذا الموضع ومثل بيت أبي الطيب قول هشام أخي ذي الرمة:
هي الشِّفاءُ لِداَئي إنْ ظَفِرْتُ بها ... وليسَ منها شفاءُ الدواء مَبْذول
وإن شئت أضمرت في ليس وهو رأي أكثر الناس والإضمار في كان وأخواتها كثير موجود قال حميد الأرقط:
فأصْبَحُوا والنَّوَى عالي مُعَرَّسِهِمْ ... وَلَيْسَ كَلَّ النَّوَى تُلْقِي المَساكِين
ومن التي أولها: حُشَاشَةَ نَفْسٍ وَدَّعَتْ يَومَ وَدَّعُوا
أشارُوا بتَسْلِيمٍ فَجُدْنا بأنْفُسٍ ... تَسِيلُ من الآماقِ والسَّمُ أدْمُعُ
قال ابن جني: السم يريد الاسم يقال اسم وسم وسيم وسمي مثل هذه حكاها أبو علي عن أحمد عن ابن الأعرابي وأنشد أبو علي عن أبي زيد:
فَدعْ عَنْكَ ذِكْرَ اللَّهْوِ واقصد بِمدْحَةٍ ... لَخيرِ يمانٍ كُلَها حيث ما انتَمى
стр. 50
لأوضَحِها وجهاً وأكرمها أباً ... وأسمحها كَفّاً وأعْلَنِها سُما
وقد حكي اسم بضم الهمزة وليست قوية في سماع ولا قياس، والمعنى أي كأن أرواحنا جرت من أعيننا في صورة الدموع، فسميت دموعاً وهي في الحقيقة أنفس.
وقال الشيخ: هذا المعنى يتردد في شعره كثيراً، وتدعى الشعراء أن الدمع هو نفس الإنسان وقد استعمل ذلك أبو الطيب في قوله:
أرْوَاحُنا انُهَمَلَتْ وَعِشْنا بعدها ... مِنْ بعْدِ ما قَطَرتْ على الأقدامِ
وَإنَّ الذَّي حابَى جَديلَةَ طَيٍ ... به اللهُ يُعْطِي مَنْ يَشاءُ ويَمْنَعُ
قال ابن فورجه: قال ابن جني: أي حاباها به من الحباء وهي العطية كأنه يريد وإن الذي حبا جديلة طي به الله. أي أعطاها إياه فبنى الفعل للاثنين كما تفعل بقولك: سافر وعافاك الله. ثم فسر باقي البيت فقال أي هذا الممدوح يعطي من يشاء ويمنع، وهذا الذي ذكره أبو الفتح تمحل وتوصل يتأتيان بتكلف. والذي أراده أبو الطيب أن) حابي (ضميره للممدوح وهو) الذي (وهو الفعل الذي لا يصح إلا بين أثنين، وجديلة طي كرام أسخياء، ومن حاباهم عالي المنزلة في السخاء، وخص جديلة طي لأن الممدوح منهم، يقول هو أسخاهم والله تعالى به يعطى من يشاء ويمنع لأنه أمير قد فوض إليه أمر الخلق فنفعهم وضرهم من جهته.
فَتىً ألْفُ جُزْءٍ رأيُهُ في زَمانِهِ ... أقَلُّ جُزَيءٍ بَعْضُهُ الرأيُ أجْمَعُ
قال ابن جني: ترتيب الكلام: فتى رأيه في زمانه ألف جزء، وأقل جزء من هذه الأجزاء بعضه أي بعض الأقل الرأي الذي في أيدي الناس كله، فألف جزء مرفوع لأنه خبرُ عن البعض وأجمع توكيد للرأي. والهاء من بعضه عائد على أقل من الجملة التي هي خبر عنه.
خَبَتُ نارُ حَرْبٍ لم تَهِجْها بَنانُهُ ... وأسْمَرُ عُرْيانُ من القِشْرِ أصْلَعُ
قال الشيخ: مصدر خبت الخبو وقالوا خبوت النار وقال الشاعر:
وتُوقَدُ باليَفاعِ الليلَ نَاري ... تَشبُّ إذا يُحسُّ لها جنوبُ
كأنه أبدل من الواو الآخرة تاء لقولهم وتكأة، ولا يمتنع أن يكون خبت اللهيب أصلاً في كلامهم، ويكون مأخوذاً من الخبت، وهو المطمئن من الأرض مع سهولة ومنه قالوا: أخبت الرجل، إذا تأله وتخشع، كأنه ذل حتى لصق بالخبت من الأرض، وقد قالوا خبت بمعنى أخبت، وقوله) خبت نار حرب (الأحسن أن يكون على معنى الدعاء كما يقال: لا كانت حرب لم يهجها فلان، والأسمر العريان من القشر القلم، وجعله أصلح لأنه لا نبات عليه.
ذُبابُ حُسامٍ مِنْهُ أنجَى ضرِيَبَةً ... وأعْصىَ لَوْلاهُ وَذَا مِنْهُ أطْوَعُ
قال ابن جني: يفضل القلم على السيف لأنه قد ينجى من حد السيف ولا ينجى من ضربة هذا القلم، والسيف يعصي صاحبه، القلم يطيعه ومثل قوله) وأعصى لمولاه (قول طرفة:
أخِي ثِقَةٍ لا يَنْثَني عن ضرَيبةٍ ... إذا قِيلَ مَهْلاً قالَ حاجِزُه قَدي
وليسَ كبَحْر يشْتَقُّ قَعْرَهُ ... إلى حيثُ يفْنَى الَماءَ حُوتُ وَضُفْدَعُ
قال الشيخ: يقول ليس هذا الممدوح كبحر الماء يمكن استقصاؤه، ويشتقه إلى منتهاه الحوت والضفدع، في الضفدع لغتان ضفدع وهي اللغة المعروفة وقد حكى ضفدع بفتح الدال. وحوت مرفوع يشتق.
وقال ابن فورجه: أخبرني بعض من كان لقي أبا الطيب أنه سمعه يقول الذي قلت) إلى حيث يفنى الماء (وأردت به حيث يكون في فناء الماء، كأن أصله فنيت الرجل أفنيه أي كنت في فنائه فيفنى فاعله حوت وضفدع، فإن كانت هذه اللفظة مسموعة فتوشك أن تكون الحكاية صحيحة.
ومن التي أولها: مُلِثَّ القَطْرِ أعْطِشْها رُبُوعَا قوله:
تُرَفِّعُ تَوْبَها الأرْدَافُ عَنها ... فيَبْقى مِنْ وشاحَيْها شَسُوعا
قال ابن جني: الشسوع البعد ومثل هذا المعنى صفة رجل لامرأة فقال: لا يصيب ثوبها منها إلا مشاشي منكبيها، ورانفتي إليتها، وحلمتي ثدييها.
وقال الشيخ: (فيبقى من وشاحيها شسوعاً (يعني الثوب وهذا المعنى مجانس لقول الآخر:
أبَتِ الرَّوادِفُ والثُّدِيُّ لِقمْصها ... مَسَّ البُطون وأنْ تَمسَّ ظُهورَا
إذَا مِاسَتْ رأيْتَ لها ارْتِجاجاً ... لَهُ لَوْلا سَوَاعِدُها نَزُوعا
стр. 51
قال ابن جني: الهاء في قوله له عائد على الثوب، يقول: لإفراط ارتجاج ثدييها يكاد ينزع عنها ثوبها، ونصب نزوعاً لأنه وصف لارتجاج كأنه قال رأيت لها ارتجاجاً نزوعاً لثوبها عنها لولا أن سواعدها تمنع ذلك.
ومن التي أولها: أرَكائِبَ الأحْبابِ إنَّ الأدْمُعا
وَمَتى يُؤدَي شَرْحَ حالِكَ ناطِقُ ... حَفِظَ القَليلَ النَّزْرَ مَّما ضَيَّعا
قال ابن جني: أي هو قليل بالإضافة إلى ما ضيع، ويسأل عن هذا فيقال: إن المحفوظ ليس المضيع فكيف جعله منه؟ فالجواب: أنه حفظ القليل من جنس ما ضيع إلا ترى أن الجميع أحوال له فكل واحدة مثل أختها في كونهما حالين له، ويجوز أن يكون معناه حفظ القليل النذر بدلاً مما ضيع، كقوله تعالى) لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (أي بدلاً منكم.
ومن التي أولها:
الحُزْنُ يُقْلِقُ والتَجمُّلُ يَرْدَعُ ... والدَّمْعُ بيَنهُما عَصِيُّ طَيِّعُ
قال ابن جني: أي يعصي التجمل ويطيع القلق، والعصي: العاصي.
المَجْدُ أخْسَرُ والمكارِمُ صَفْقَةً ... مِنْ أنْ يَعيشَ بها الكَرِيمُ الأروَعُ
قال ابن جني: معناه المجد والمكارم أخسر صفقة، وإن حملت الإعراب على هذا اختل لأنك تفصل بين أخسر وصفقة وهي منصوبة بالمكارم التي هي عطف على المجد، وهذا غير جائز لأن صفقة تحل من أخسر محل الصلة من الموصول، ألا ترى أنه يجوز) زيد أحسن وعمرو وجهاً (ولك أن تصرفه إلى وجه غير هذا فتجعل المكارم عطفاً على الضمير الذي في أخسر فإذا عطفته على الضمير لم يكن أجنبياً منه، فلا يعد فصلاً بينه وبين صفقة، فيصير نحو قولك) مررت برجل أكل وعمرو خبزاً (فيعطف عمراً على الضمير في أكل وينصب خبزاً يأكل.
حرف الفاء
ومن التي أولها:
لِجَّنَّيةٍ أمْ غادَةٍ رُفِعَ السَّجْفُ ... لِوَحْشِيَّةٍ لا ما لِوَحْشِيَّةٍ شَنْفُ
قال ابن جني: أراد الجنية فحذف استخفافاً قال الشاعر:
ثُمَّ قَالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بَهْراً ... عَدَدَ الرَمَل والحْصَى والتُّرابِ
وقال الآخر:
رَفَوْني وَقَالُوا يا خُوَيِلدُ لا تُرَعْ ... فَقُلتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
فحذف الهمزة، لأنه لما أنكرهم سأل عنهم وقد يجوز أن يكون الكلام خبراً لا استفهاماً. والغادة: الناعمة الخلق مثل الغيداء، والسجف جانب الستر.
وقال الشيخ ﵀: كأن الشاعر شك في هذه المذكورة فجعلها جنية، ثم توهم أنها غادة من الإنس، ثم انصرف عن ذلك الرأي، فظن أنها وحشية يشبهون المرأة بالظبية والبقرة من الوحش، ثم أنكر أن تكون؛ فالوحوش لا يكون عليها حلي. وقد يجوز أن تكون ألف الاستفهام غير مرادة في البيت كأنه قال لوحشية رفع السجف، وهو لا يشك في ذلك ثم جاء) بأم (لأنها تجيء في معنى بل، وليس قبله استفهام، ومن ذلك قوله تعالى) ألَم تنزيل الكتاب لا ريب من رب العالمين (ثم قال) أم يقولون افتراه (وهذا الوجه أحسن من الأول لأنه لا يخلو من الضرورة.
وُقُوفَيْنِ في وَقْفَين شُكْرٍ وَنائِلٍ ... فَنائِلُهُ وَقْفُ وشُكرُهُمُ وَقْفُ
قال ابن جني: نصب) وقوفين (على الحال منه ومن الناس، وينبغي أن تكون العامل في) وقوفين (يُفدّونهُ وهما في هذه الحال، وهذا نحو قولك:) رأيتك راكبين (أي أنا راكب وأنت راكب، ومثله قول الشاعر:
فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خَالِيَينِ لَتَعْلَمَنْ ... أيَي وأيُّكَ فَارِسُ الأحْزَابِ
نصب خاليين على الحال ويجوز أن يكون نصب) وقوفين (بفعل مضمر كأنه قال أذكر) وقوفين (أو أصف وقوفين ومعنى الكلام: فَنائِلُهُ وقفُ عليهم وشُكرُهُمُ وَقْفُ عليه.
وَلمَّا فَقَدْنا مِثْلَهُ دَامَ كَشْفُنا ... عليهِ فدامَ الفَقْدُ وانكَشَفَ الكَشفُ
قال الشيخ: الهاء في) عليه (راجعة على مثله، ولولا أنه منظوم لكان الأشبه بهذا الموضع أن يقال) عنه (في موضع) عليه (يقول: لما فقدنا مثله طال كشفنا عن مثله نجده، فدام فقدنا مثله وانكشف كشفنا أي زال لأنا يئسنا من وجدان مثله، وهو من قولهمانكشف القوم إذا ولّوا
قصَدْتُكَ والرَّاجُون قَصْدِي إليهمُ ... كَثيرُ ولكنُ ليسَ كالذَّنَبِ الأنْفُ
قال ابن جني: أصل هذا من قول الحطيئة
стр. 52
قَوْمُ همُ الأنْفُ والأذْنابُ غَيرُهُمُ ... وَمَنْ يُسَوِّي بأنْفِ النَّاقَةِ الذَّنَبا
ويقال إن الحطيئة مدح بهذا قوماً كانوا ينبزون بأنف الناقة فيكرهونه فلما قال فيهم هذا فخروا بلقبهم وصار منقبة عندهم بعد ما كان مثلبة.
قال الشيخ: الفَرْقُ أولى بهذا البيت من الأنف، لأنه يساويه في أنهما شعر ويخالف بيت الحطيئة: إذا قال الفرق لأنه إذا قال الأنف كان قد أخذ لفظه ومعناه، وإذا قال الفرق فقد أخذ المعنى دون اللفظ.
أماتَ رِياحَ اللُّؤْمِ وَهِيَ عَواصِفُ ... ومَغْنَى العُليَ يُودي ورسْمُ النَّدى يَعْفُو
قال الشيخ: استعار للرياح كما استعاروا لها المرض، فقالوا ريح مريضة أي ضعيفة، وجعل لؤم رياحاً عاصفة لأن اللؤم مذموم، وكذلك الريح العاصفة ليس فيها فائدة، والواو في قوله) ومغنى (في معنى إذ، أي أمات رياح اللؤم وهي تعصف فتودي بمعنى العلى وتعفى رسم الندى.
وَلا الضّعْفَ حتى يتْبَعَ الضّعفَ ضِعفهُ ... ولا ضِعْفَ ضِعْفِ الضِّعفِ بل مثله ألفُ
قال ابن جني: الهاء في) مثله (تعود على) ضعف الضعف (ونصب مثله لأنه نعت نكرة مرفوعة قدم عليها على الحال منها والنكرة قوله) ألف (.
قال الشاعر: لَخولةَ مُوحِشاً طَلَلُ ومن أبيات أولها: ومَنْتَسِبٍ عِنْدي إلى مَنْ أوَدُّهُ
فإنْ يكُنِ الفعْلُ الذي سَاءَ واحِداً ... فأفْعالُهُ اللاَّتِي سَرَرْنَ ألُوفُ
قال ابن جني يقال في المؤنث اللاتي واللاء واللتي واللت واللت، وفي التثنيه اللتان واللتا واللتان، وجمع التي اللاتي واللواتي واللوا، كل ذلك من كلام العرب معروف وردت به أشعارهم.
حرف القاف
ومن التي أولها:
أيَدري الرَّبْعُ أيَّ دَمٍ أراقَا
قوله:
وَقدْ أخَذَ التَّمامَ البَدْرُ فيهم ... وأعْطانِي منَ السَّقَمِ المِحاقَا
قال ابن جني: أي كمل في حسنه فأسقمني.
وقال الشيخ: قوله) وقد أخذ التمام البدر فيهم (يحتمل وجهن: أحدهما أن يكون الذي عنى جماعة كل واحد منها كأنه بدر تمام، والآخر: أن يكون عنى واحداً بعينه.
أباحَ الوَحْشَ يا وَحْشُ الأعادِي ... فَلِمْ تَتَعَرَّضينَ له الرّفاقَا
قال ابن جني: كان ربما أنشده) أباحك أيها الوحش الأعادي (والمعنيان واحد وقوله) فلم تتعرضين له الرفاقا (أي لم تتعرضين الرفاق التي تقصده يعني نفسه وأصحابه ومن يجري مجراه.
وقال الشيخ أبو العلاء: الرفاق في هذا البيت يحتمل أن يكون مصدر رافقت ويجوز أن يكون جمع رفقة، والمصدر أولى به من الجمع، وإذا جعل جمع رفقة فالمعنى لم تتعرض الرفاق التي تصحبه وهي له كالملك.
ومن التي أولها:
لِعَيْنَيْكَ ما يَلْقَى الفُؤادُ وما لَقِي ... وللبَين ما لم يَبْقَ مِنّي وما بَقِي
قال الشيخ: قوله) ما يلقى الفؤاد (في موضع رفع بالابتداء والتقدير ما يلقى الفؤاد من أجل عينيك.
ومن التي أولها: تَذكَّرْتُ ما بين العُذّيْبِ وَبارِقِ
وجَائِزَةُ دَعْوى المَحَبَّةِ والهَوَى ... وإن كانَ لا يُخْفَى كَلامُ المُنافِقِ
وقال ابن جني: جائزة مرفوعة لأنها خبر دعوى المحبة، كأنه قال: دعوى المحبة جائزة، ثم عطف الجملة بالواو على ما قبلها، وهو تعريض بمشيخة بني كلاب إذ طرحوا أنفسهم على سيف الدولة لما قصدهم.
أتاهُمُ بها حَشْوَ العَجاجَةِ والقنا ... سَنابِكُها تَحْشو بُطَونَ الحَمالِقِ
قال ابن جني: الهاء في بها للخيل وإن لم يجر ذكر، الجيش دل على الخيل، وقوله) حشو العجاجة والقنا (أي أتاهم الخيل والعجاجة متكاثفة، والقنا متضاغط كأنها قد حشيت حشواً، فسنابك الخيل بطون الجفون بالعجاجة، ونصب حشو العجاجة على الحال كأنه قال محشوة.
أتَى الظُّعْنَ حتى ما تَطيرُ رَشاشَةُ ... مِنَ الخيل إلاَّ في نُحورِ العَوَاتِقِ
قال ابن جني: الظعن جمع ظعينة، وهي المرأة ما دامت في هودجها، أي لحقوا بنسائهم فكانوا إذا طعنوا تنضح الدم في نحور النساء، وإذا لحقوا بالعواتق فهو أعظم من لحاقهم بغيرهن.
ومن التي أولها: أَتُرَاها لِكَثْرَةِ العُشَّاقِ قوله: أنْتِ مِنَّا فَتَنْتِ نَفْسَكِ عُوفيتِ من ضَنىً واشِتياقِ
стр. 53
قال الشيخ: قوله) أنت له (أي أنت عاشقة نفسك ساويت في محبتك إلا أنك معافاة من ضنى المحبين وشوقهم إليك) وفتنت نفسك (أي أحللت بها فتنة، وأصل الفتن قلب الشيء عما هو عليه.
إنَّ لَحْظاً أدَمْتِهِ وأدَمْنا ... كان عَمْداً لنا وحَتْفَ اتَّفاق
قال ابن جني: أي كان النظر عن تعمد لنا، فاتفق لنا فيه الحتف من غير قصد.
لَوْعَدَا عَنْكَ غَير هَجْرِكِ بُعْدُ ... لأرَارَ الرَّسيمُ مُخَّ المَناقِي
وَلَسِرْنَا وَلَوْ وَصَلْنَا عَلَيْها ... مِثْلَ أنْفاسِنا على الأرْماقِ
قال ابن فورجة: أما البيت الأول فهو كقوله:
أبْعَدَ نَأي المَليحَةِ البخَلُ ... في البخل ما لا تُكَلَّفُ الإبلُ
أي إنما البعد بيننا هجرك ولو كان بعداً حقيقياً لأعملنا الإبل حتى نصل إليك والبيتان معاً من قول العباس بن الأحنف:
لو كُنتِ عاتبةُ لسكَّنَ رَوعَتي ... أمَلي رِضاكِ وزرتُ غيرَ مُراقِبِ
لكنْ مَلَلْتِ فلم تَكُنْ لي حِيلةُ ... صَدُ المَلُولِ خِلافُ صَدَّ العَاتِبِ
وقوله في البيت الثاني:) وصلنا عليها أنفاسنا على الأرماق (يعني نحافاً قد أذهب الضنى ثقلنا حتى نحن في الخفة كأنفاسنا وهو كقوله أيضاً:
براني السُّري بَريَ المُدى فرَددْنَنِي ... أخفَّ على المركوب من نفسي جِرمِي
والرمق بقية الحياة أي لم يبق منها إلا القليل يريد أن إبلنا أيضاً نحاف لا أثقال لها وهذا كقول القائل: أنْضَاءُ شَوْقٍ على أنْضَاءِ أسْفارِ
كاثّرَتُ نائِلَ الأميرِ من الما ... لِ بِمَا نَوَّلْتَ من الإيْرَاق
قال الشيخ: الإيراق هاهنا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون من قولهم أورق الصائد إذا لم يصد شيئاً، وأورق طالب الحاجة إذا لم يصل إليها، وأصل ذلك أن الصائد إذا خاب جمع ورق شجر في مخلاته، فيكون المعنى أن هذه المذكورة كاثرت نائل الأمير بضده لأنه جواد وهي بخيلة وعطاؤه نعم وعطاؤها لا يوصل إليه، والآخر: أن يكون من قولهم أرق الرجل وأرقه غيره إذا أسهره فيكون المعنى أن إيراقها للناس أي منعها إياهم من النوم كثير يكاثر به نائل الأمير وكلا الوجهين حسن.
فوْق شَقَّاءَ لِلأشَقّ مَجَالُ ... بَينَ أرْساغِها وَبَيْنَ الصَّفاقِ
قال الشيخ: الأشقّ فرس متباعد ما بين القوائم، وهم يحمدون ذلك في الخيل وروى أصحاب الأخبار أن جيشاً من العرب غزا فهزم، فجاء شيخ من الفل فاجتمع إليه جواري الحي يسألنه عن أخبار آبائهن، فقال: أخبرنني عن آبائكن أخبركن عنهم. فقالت إحداهن: كان أبي على شقاء مقاء، طويلة الأنقاء، تمطق أنثياها بالعرق، تمطق الشيخ بالمرق. فقال: سلم أبوك وقالت أخرى: كان أبي على قصير ظهرها، رحيب صدرها، هاديها شطرها، فقال: نجا أبوك. وقالت الأخرى: كان أبي على ضئيلة اللوح، يكفيها لبن لقوح. فقال: قتل أبوك. فلما قدم الفل كان الأمر على ما ذكر الشيخ. وقد أسرف أبو الطيب في هذا البيت، لأنه جعل الأشق في الخيل له ما بين أرساغ هذه الفرس وبين صفاتها، والصفاق جلد تحت الجلد الأعلى، أو لحم دقيق، وإنما جاء به للقافية.
كُلُ ذِمْرِ في المَوْتِ حُسْناً ... كُبدُورٍ تَمامُها في المُحاقِ
قال ابن جني: الذمر الشجاع، وجمعه أذمار. والمحاق والمحاق جميعا نقصان القمر في الثلاث الأواخر من الشهر، وقوله) تمامها في المحاق (. كلام متناقض الظاهر لأن المحاق غاية النقصان فهو ضد الكمال ولكنه سوغ له ذلك قوله) يزيد في الموت حسناً (أي هو من قوم أحسن أحوالهم عندهم أن يقتلوا في طلب المجد والشرف كما قال أبو تمام.
يَسْتَعْذُبونَ مَنَايَاهمْ كأّنُهمُ ... لا ييأسُونَ مِنَ الدُّنْيا إذَا قُتِلُوا
فقوله يستعذبون مناياهم مثل قوله يزيد في الموت، فلما كانوا كذلك شبههم ببدور تمامها في محاقها، فجاز له هذا اللفظ على سبيل الاستظراف له، والعجب منه، فشبه ما يجوز أن يكون بما لا يجوز أن يكون اتساعا وتصرفا، ألا ترى قول الشاعر:
إذا شابَ الغُرابُ أَتيتُ أَهلي ... وصارَ القَارُ كاللَبنِ الحَليبِ
فعلق ما يجوز وقوعه بما لم يشاهد على حال من الأحوال.
стр. 54
وقال الشيخ أبو العلاء: ادعى أن هؤلاء القوم يحسنون في الموت فكأنهم بدور تمامها في ليالي المحاق، والمعنى يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونوا في الوقت الذي يحذر فيه الموت أحسن ما يكونون في أيام الحياة، لأن وجوههم تحسن وتشرق إذا اصفرت وجوه الشجعان، والآخر: أنهم إذا لقوا الموت في الحرب حسن ذكرهم بين الناس، وحمدوهم على الصبر ولقاء الحمام.
قال ابن فورجة: يريد أن البدر وإن كان تمامه في كونه مستديراً مجتمع النور فهو سائر إلى المحاق وآخر أمره إليه يصير، فما أراد بالتمام تمام البدر الذي يقال فيه تمه وتمامه بفتح التاء وكسرها. بل أراد تمام الأمر المفتوح بالتاء تقول تمام أمرها وآخر أحوالها إلى المحاق.
جاعِلٍ دِرْعَهُ مَنِيَّتَهُ إنْ ... لم يكُنُ دُونَها مِنَ العَارِ وَاقي
قال الشيخ: هذا معنى لطيف، والغرض فيه إن هذا الذمر لا يلبس درعاً، لأن العرب تفضل الذي يشهد الحرب حاسراً على الذي يشهدها دارعاً، قال الشاعر:
فلم أرَ يَوماً كانَ أكثَر سالِباً ... ومُسْتَلَباً سِرْباَله لا يُناكِرُ
وأكَثر مِنّا ناشِئاً يَطلبُ العُلي ... يُجالدُ قِرناً دارِعاً وهو حاسُرٍ
ويقال إن كثيراً لما أنشد عبد الملك قوله فيه:
علي ابن أبي العاصي دِلاصُ حَصِينةُ ... أجادَ المُسَدَّي سَرْدَها وأَذَالَها
قال له عبد الملك: ما قال الأعشى أحسن مما قلت. يعني قوله:
وإذا تَجِيءُ كَتِيبَةُ ملمُوَمةُ ... شَهباءُ يَغشَى الدَارِعُونَ نَكالَها
كُنتَ المُقدَّمَ غيرَ لابسَ جُنَّةٍ ... بالسَّيْفِ تَضْربُ مُعْلماً أْبطَالها
والذي أراد أبو الطيب أن هذا الفارس قد جعل منيته مثل الدرع يتقي بها ليسَ قًوْلي في شَمْسِ فِعْلِكَ كالشَّمْ - سِ وِلكنْ في الشَّمسِ كالإشرْاقِ قال الشيخ: جعل لفعل الممدوح شمساً، وفضل نورها على نور ما يقول، أي أن شمس فعلك لا يحسنها قولي وهي تحسنه، كما أن الإشراق يحسن الشمس.
وقال ابن فورجة: جعل لفعله شمساً استعارة لإضاءة أفعاله، ثم قال: ليس قولي نظير فعلك، ولكنه لما كان دليلاً عليه وإذاعة له تٍسييراً إياه في البلاد صار كمنزلة الإشراق للشمس، إذ كانت لولاه لما كانت ذات عموم وشمول، و) في (هاهنا موضوعة موضع) إلى (يقول ليس قولي بالقياس إلى شمس فعلك كالشمس هذا أبين، وإن شئت كانت في موضع نفسها يريد الوعائية، ومثل قولك ليس فضلي إلا كالقطرة في البحر، ومثل هذا سواء قوله:
وَذَاكَ النَّشْرُ عِرْضُكَ كانَ مِسْكاً ... وَذَاكَ الشَّعْرُ فِهْري والمَدَاكا
يعني أن شعري إذاعة لمجدك وتسيير له كما أن الفهر يسحق المسك فينشر ريحه.
وقال الأحسائي: يقول لست أشبه فعلك بالشمس لأنه أشرف من الشمس، لأن الشمس تحرق ولا تبرد، ولا تصنع الشيء وضده، وأنت تفعل الأشياء وأضدادها ففعلك أشرف من الشمس، ولكنني أشبه فعلك في الانتشار والإشراق والإضاءة بإشراق الشمس.
ومن التي أولها: هُوَ البيْنُ حتى ما تَأنَّى الحَزائِقُ قوله:
شَدَوا بابنِ إسَحاق الحُسينِ فصَافَحَتْ ... ذَفارِيَها كِيرانُها والنَّمارقُ
قال الشيخ ﵀: شدوا أي رفعوا أصواتهم بمدحه، والذفاري جمع ذفري وهو الناتئ خلف أذن البعير، وهي من الفرس معقد العذار، والمراد أن هؤلاء الركبان شدوا بابن إسحاق الحسين، فلما سمعت للإبل ثنت رؤوسها إلى الركب، لتسمع ثناءهم عليه، فقدمت ذفاريها من الكيران والنمارق التي القوم وفي هذا البيت أصناف من الدعاوى التي تستحسن وقد بدأ الحكمي بوصف الناقة إلا أنه لم يستكمل هذه الصفة قوله:
وكأنَّها مُصْغٍ لُتسْمِعَهُ ... بعضَ الحديثِ بأُذْنِهِ وَقْرُ
ومن التي أولها: أرَقُ على أرَقٍ وَمِثْليَ يَأْرَقُ وقوله:
وَعَذَلتُ أهلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ ... فعَجْبتُ كيفَ يُموتُ مَنْ لا يعشَقُ
стр. 55
قال ابن فورجة: وقد كثر كلام الناس في هذا البيت وادعي عليه قلب الكلام واحتجوا باحتجاجات، وزعموا أنه أراد كيف لا يموت من يعشق، وليس الأمر عندي على ما زعموا ولو قال ذلك أو أرده لكان معنى رذلا متداولاً خلقاً والذي أراده أبو الطيب معنى حسن صحيح اللفظ والمعنى، أحسن مما ذهبوا إليه، وإنما يقول عجبت كيف يكون الموت من غير هذا هو أعظم الأدواء، والخطب الذي هو أشد الخطوب لأنه لاستعظامه العشق يتعجب كيف يكون موت من غيره.
حرف الكاف
ومن التي أولها:
رُبَّ نَجيعٍ بَسْيفِ الدَّوْلَة انْسَفَكا ... وَرُبَّ قَافَيةٍ غاظَتْ به مَلِكا
قال الشيخ: لم يزاحف أبو الطيب زحافا تنكره الغزيرة إلا في هذا البيت، ولا ريب أنه قاله على البديهة، ولو أن لي حكماً في البيت لجعلت أوله) كم من نجيع بسيف الدولة انسفكا (لأن) رب (تدل على القلة، وإنما يجب أن يصف كثرة سفكه دماء الأعداء، ويحسن ذلك أن رب جاءت في النصف الثاني وهي ضد) كم (.
ومن التي أولها: بكَيْتُ يا رَبْعُ حتى) كِدْتُ (أبْكِيكا قوله:
ولو نَقَصْتُ كما قد زِدتَ مِن كَرَم ... على الوَرَى لرأوْني مِثلَ قَالِيكا
قال الشيخ: وضع هذا البيت على أنه يحب الممدوح محبة مفرطة، كما أن كرمه مفرط، فلو نقص حبه إياه لزيادة في كرمه لرآه الناس مثل من يبغضه، وإن كانت محبته في غاية الزيادة.
ومن التي أولها:
لم تَرَ مَنْ نادَمْتُ إلاَّكا ... لا لِسِوَي وُدّكَ لي ذَاكا
قال ابن جني: الوجه أن تكون) من (ههنا نكرة بمنزلة أحد أو رجلٍ ويكون) نادمت (صفة لا صلة فكأنه قال لم تر إنساناً نادمته غيرك كما أنشد سيبويه.
يا رُبَّ مَنْ يُبْغِضُ أذْوادَنا ... رُحْنَ على بَغْضائِهِ واغْتَدينْ
وقوله) إلاّكا (قبيح لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، والوجه إلا إياكا؛ لأن) إلا (ليس لها قوة الفعل، ولا هي عاملة عمل كان ونحوها، وقد أنشدوا بيتاً وصلت فيه إلا بالكاف وهو:
فما نُبالي إذَا ما كُنُتِ جارَتَنا ... ألاَّ يُجاوِرَنا إلاَّكِ دَيَّارُ
وهذا شاذُّ لا يُقاس عليه، ومعنى البيت أنه يعتد عليه بمنادمته إياه، فيقول: لم تر أحداً نادمته سواك، وليس ذاك لسوى ودك لي ومحبتك إياي.
ومن التي أولها:
فَدىً لَكَ مَنْ يُقَصَّرُ عَنْ مَدَاكا ... فَلا مَلِكُ إذَنْ إلاَّ فَدَاكا
قال ابن جني: أي لو أجبيت هذه الدعوة فداك جميع الملوك لأنهم كلهم يقصرون عن مداك.
وقال الشيخ: المراد أن الخلق كلهم فدى للممدوح لأنهم يقصرون عن مداه.
ولو قُلْنا فدىً لَكَ مَنْ يُساوي ... دَعَوْنا بالبَقاء لَمنْ قَلاكا
قال الشيخ: يقول لو قلنا فدى لك من يساويك لكان ذلك دعاء لأعدائك بطول البقاء إذ ليس لك مساو في الخلق.
قال ابن فورجة: هذا الكلام كأنه محمول على دليل الخطاب، وكأنه إذا قال فداك من يساويك فقد قال لا فداك من يساويك، وهذا مجازلا حقيقة وقد تناول هذا المعنى أبو إسحاق الصابي الكاتب، فوقع دون أبي الطيب فقال:
أيُهذا الوَزير لا زَال يَفِديكَ ... منَ النَّاسِ كلُّ مَن هو دونكَْ
وإذا كانَ ذَاك أوَجب قولي ... أنْ يكونواُ بأسْرهِمْ يَفدُونَك
وبين الفقهاء في دليل الخطاب خلاف، فمنهم مثبت ناف، يعني أن من قلاك ناقص غنك، فإنما يقليك لنقصانه عنك، وهذا أيضا مجاز، فكان من الواجب أن يقول جميع الناس ناقصون بالقياس إليك ولكن لما كان من يقليه أيضاً أحد الناقصين حسن أن يقول ذلك.
وآمنَّا فِدَاءَكَ كُلَّ نَفْسٍ ... وإنْ كانَتْ لَمملَكةٍ مِلاكا
قال ابن جني: ملاك الشيء قوامه، أي هذه النفوس وإن كانت قواما لمهالك فهي مع هذه مقصرة عن شأوك، فقد أمنت أن تفديك إن أجيبت هذه الدعوة.
وقال الشيخ: هذا البيت معطوف على ما قبله أي لو قلنا فدي لك من يساويك لآمنا كل نفس أن تفديك وإن كانت نفس ملك.
وَمَنْ يَلَغَ التُّرَابَ بهِ كَرَاهُ ... وَقَدْ بَلَغَتْ بِهِ الحالُ السُّكاكا
قال الشيخ: السكاك الهواء بين السماء والأرض، يقول: لو قلنا فدي لك من يساوي لأمنت هذه الجماعة أن تفديك وفيهم من كأنه في كرى من غفلته، قد خفض ذلك منزلته، وإن كانت حالته قد رفعته في الهواء.
стр. 56
لا تتركُني وعينُ الشَّمسِ نَعْلي ... فَتَقْطَعَ مِشَيتي فيها الشِراكاَ
قال الشيخ: هذا استفهام ليس عن جهل إنما هو تقرير وإعلام أن ما يفعله خطأ، ولكنه مضطر إلى فعله، كما يقول الرجل أتكرمني هذه الكرامة وأفارقك، أي أن ذلك لا يجب ولا يحسن. لأنك رفعتني حتى جعلت عين الشمس تعلي، فأمشي فيها مشياً يقطع الشراك، أي لا ينبغي أن أفعل ذلك، ويجوز نصب) يقطع (ورفعها فالرفع عطف على) تتركني (، والنصب على إضمار) أن (لأنه جواب استفهام بالفاء.
إذَا التَّودْيعُ أعْرضَ قَالَ قَلْبيِ ... عَليك الصَّمْتَ لا صَاحَبْتَ فَاَكا
قال ابن جني: أي قال قلبي لا تمدح أحدا بعده.
وقال الشيخ: يقول إذا همت بالتوديع أمرني قلبي بالصمت ودعا علي فقال) لا صاحبت فاك (أي ليتك لا فم لك ينطق به فيودع
وَلَوْلاَ أنَّ أكَتَر ما تَمنَى ... مُعَاَوَدةً وَلاَ مُناكَا
قال الشيخ:) مناك (في موضع نصب لأنها كالمعطوف على قوله قال لا صاحبت فمك ولا أمانيك، وإنما يريد مناه التي تخطر بقلبه، لا الأماني التي تبلغ، لأنه نحل عليه بأن يتمنى شيئاً بم يكن بعد.
وقال الأحسائي: يقولا لولا أن قلبي أكثر مناه المعاودة إليك لقلت له لما قال لي: لا صاحبت فاكا، لا صاحبت أنت يا قلبي مناكا.
قَد اسْتَشْفَيْتَ من داء بِداءَِ ... وأقْتَلُ ما أعَلَّكَ ما شَفَاكَا
قال ابن جني: أي أضمرت يا قلب شوقا إلى أهلك فكان ذلك داء لك فاستشفيت منه بأن فارقت أبا شجاع، ومفارقته أيضا داء لك أعظم من داء شوقك إلى أهلك، فكأنك تداويت من فراقه بما هو أقتل لك من مكابدتك للشوق إلى أهلك، وهذا أيضا يشبه قول النبي ﷺ كفى بالسلامة داء (. وقول حميد بن ثور:
أرَى بَصرِيِ قَدْ رَابَني بَعْدَ صِحَّةٍ ... وَحَسْبُكَ دَاءٍ أنْ تَصِحَّ وَتَسْلماَ
وقال الشيخ: يقول قلبه قد استشفيت من داء وهو فراقك هذه الحضرة بداء وهو الوداع، وأقتل ما أعلك الذي يشفيك فيما تظن وهو وداعك.
وقال ابن فورجة: هذا قول قلبه له. يقول: قال قلبي: قد استشفيت يا أبا الطيب من فراق وطنك والشوق الذي تجده إليهم بفراق عضد الدولة، وأقتل ما أسقمك ما استشفيت به، يعني فراق وطنك أعلك، وفراق عضد الدولة شفاك، وهو أقتل من ذلك.
فلا تَحْمَدْهما وَاحْمدْ هُمَاماً ... إذَا لَمْ يُسْمِ حلمِدُهُ عَناكا
قال ابن فورجة: لا تحمد فهري ومداكي فلست بمعزك شهادة، واحمدهما، أي احمد نفسك يريد أن المادح إذا لم يسم ممدوحه فإنما يعنيك كما قال أبو نواس:
وإنْ جَرَتِ الأَلْفاظُ مِنَّا بمِدْحَةٍ ... اغَيْرِكَ إنْساناً فأنتَ الَّذي نَعْنِي
وحامده يعني به نفسه لأنه شاعر عضد الدولة.
أذَمَّتْ مَكْرُماتُ أبي شُجاعٍ ... لِعَيْني مِنْ نَوايَ على أُولاكا
قال ابن جني: أي منعت مكرماته عيني أن يجري منها دموع أو أختار البعد عنه والمقام دونه، لأنني لا أعطي عنه الصبر لما فعله بي.
وقال الشيخ:) نواي (بعدي، وأذمت من الذمام أي أنه أعطاني ذماماً على) الأولى (يعني أهله فزال بعدي عنهم، والمعنى أنه أذن في السير إليهم، فكأنه قد أذم لعيني من بعدهم والذي قاله الشيخ أبو الفتح لا يمتنع.
وقال الأحسائي: أي مكرماته تدنيني من بعد أحبابي وتزيل بعدي عنهم.
فَلَو سِرْنا وفي تَشْرينَ خَمْسُ ... رَأوْنِي قَبَلَ أنْ يَرَوُا السَّماكا
قال ابن جني: قد بالغ في ذكر السرعة وذلك أن السماك يطلع لخمس يخلون من تشرين الأول أي كنت أسبق بالطلوع على أهل الكوفة.
وقال الشيخ: السماك يطلع في أول تشرين، وفي كتاب أبي حنيفة الدينوري الموضوع في الأنواء أنه يطلع لتسع يمضين من تشرين الأول، وقال غيره يطلع لأربع يمضين من تشرين، وبيت أبي الطيب يصح إذا حمل على حكاية الدينوري ويستحيل في القول الآخر، لأنه ذكر أنه إذا سار بعد خمس رأوه قبل أن يروا السماك وهو يطلع لأربع فهذا يتناقض.
وما أنا غَيْرُ سَهْمٍ في هَوَاءٍ ... يَعُودُ وَلمْ يَجِدْ فيه امْتِساكا
стр. 57
قال ابن جني: لم يقل في سرعة الأوبة، وتقليل اللبث شيء كهذا في المبالغة، اختلفت أهل النظر في هذا الموضع؛ فقال قوم إن السهم والحجر ونحوهما إذا رمي بهما صعداً فبتناهي صعودهما كانت لهما في آخر ذلك لبثه ما، ثم يتصوب منحدرا، وقال آخرون: لا لبثة له هناك، وإنما أول وقت انحداره في عقيب وقت صعوده وهذا القول أشبه بأن يقال.
وقال ابن فورجة: هذا البيت مدخول لأن قوله) في هواء (ليس يوجب فوقاً ولا يمينياً ولا شمالاً، إذ في كل الجهات غير تحت الهواء، وكل سهم رمى به فإن ممره في هواء سواء عاليت به في السماء أو خفضته إلى رمية على الأرض، إلا أنه لم يجد لفظة بقيمها هذا المقام يقيمها هذا المقام ونؤدي المعنى إلا السكاك وقد تقدمت، وهو لا يرى تكرير اللفظ في قصيدة وقد غلط به أيضا شاعر محدث فقال في غزل:
أرامٍيهنَّ باللحَظَاتِ خَلساً ... فَترجِع نحو مقَلَتي سِهاَمِي
وذاك لأنّهن لِفَرطِ لُطفٍ ... هَواءُ ليس يَمسك سهمَ رامي
ألا ترى أن لقائل أن يقول: كل هواء لا يمسك السهم إلا أنه إذا لم يمسكه فليس يعود إلى الرامي، اللهم إلا أن يكون الهواء الذي فوقه وإنما هذا معنى قول الأول: ومن جول الطوى رماني لأنّ من رمى وهو في بئر عادت إليه رميته
حَييَّ مِنْ إلَهيِ أنْ يَرَاني ... وقد فارقَتْ دَارَك وَاصْطِفاكا
قال ابن جني: الاصطفاء ممدود فقصره، وأنشد أحمد بن يحيى:
فلو أنَّ الأطَّبا كانَ حَوْلي ... وكانَ معَ الأطّباءِ الأساةُ
وعنه أيضا:
وأنْتَ لو باكَرْتَ مَشْمولةً ... صَفْرا كلَوْنِ الفَرسِ الأشْقَرٍ
وقال الشيخ: الأحسن في هذا البيت أن يكون اصطفاك في القافية فعلاً ماضياً، ويكون معطوفاً على قوله) فارقت (، كأنه قال قد فارقت دارك وقد اصطفاك الله، وهذا أبلغ في خطاب الممدوح؛ لأنه يحكم له بأن الله اصطفاه. والوجه الآخر: إنما يصف فيه نفسه أنه فارقه، وفارق اصطفاءه، وليس في هذا تشريف الممدوح.
وقال ابن فورجة: ما قال الرجال إلا اصطفاكا بفتح الطاء، وكيف يجوز أن يقول اصطفاك ولا معنى لحياء المتنبي من الله سبحانه إذا فارق دار عضد الدولة فاصطفاه، بل يجب أن يتقرب إلى الله بتلك المفارقة والزهد في داره، وإنما كان يجب أن يقول حيي من أصدقائي وأقراني لذلك، إذا كانوا هم الذين يلومنه ويعيرونه بمفارقته له، وزهده في جنبته، ولا جنبة أعلى منها، فأما الله تعالى فرضاه في زهده في جنبته، وتركه إياها، إذ كان ملكاً ظالماً، وإنما يقول: أنا حيي من إلهي أن أفارقك وقد اصطفاك الله ، وجعل إليك الأرزاق، ووكل إليك العباد، ألا تراه كيف بين وجه حيائه من الله تعالى إذ ذكر اصطفاءه له ولو لم يذكره لا مخلص من هذا السؤال.
حرف اللام
من التي أولها:
رُوَيَدَكَ أيُّها المَلِكُ الجَلِيلُ
قوله:
لأُكِيتَ حاسِداً وأَرى عَدُواً ... كأَّنُهما وَدَاعُكَ والرَّحِيلُ
قال ابن جني: سألته وقت القراءة عليه عن معنى هذا البيت فقال) أرى (من الورى. وهو داء في الجوف، قال: وشبهت الحاسد بالوداع، والعدو بالرحيل لقبحها عندي، وإتي أبغضها كما أبغض الوداع والرحيل.
ومَا أخْشَى نُبوَّكَ عن طَرِيقٍ ... وسَيفُ الدَّولةِ المَاضي الصَّقيلُ
قال الشيخ: لما أخبر عن السحاب بالهاء فقال) فها أنا بالسماح له عذول (رجع إلى خطاب سيف الدولة: لأنه ابتدأ في أول الأبيات بخطابه، ولو أمكنه أن يقول: وأنت سيف الدولة، لكان ذلك أبين، ولكنه لم يمكنه الوزن من المراد وهذا كقولك لرجل اسمه علي أو غيره:) قد فعلت جميلاً وعلي أهل لذاك (فاستغنى بعلم المخاطب بالمراد عن القول وأنت من أمرك.
وقال ابن فورجة: ليس قوله:) وسيف الدولة (ضرورة عاد بها من لفظ الخطاب إلى لفظ الإخبار؛ إذ قد قال) نبوك (بل يعني أني لا أخشى نبوك عن هذا الطريق وسيف الدولة لا يكون إلا الماضي الصقيل، وأنت سيفها فلا تكون إلا ماضياً صقيلاً وسيف الدولة في هذا البيت يعني به سيف الحديد لا الممدوح على أنه لا يمتنع أن يقال عناه ورجع من لفظ الخطاب إلى لفظ الإخبار.
وُكلُّ شَوَاةِ غِطْريفٍ تَمنىَّ ... لِسَيْرك أنَّ مَفْرقها السَّبِيلُ
стр. 58
قال الأحسائي: هذا البيت يحتمل كثيراً من الوجوه فمنها أن كل غطريف، وهو السيد من أولئك، يود لموضع الشفقة عليك والمحبة أن تسير على مفرقه، محمولاً على قوله) ليت أنا إذا ارتحلت لك الخيل (ومنها أنهم يحسدون الطريق التي تسلكها على القرب منك، فيودون أن مفارقتهم طرق لك، لتأمن من سطوتك كما تأمن الطرق إذا سرت فيها، ومنها أنهم لشدة ما يقاسون من خوفك يتمنون أنهم لم يخلقوا، وأنهم تراب بعد في الأرض يوطأ عليه، لأن أصل الخلق من الطين، ومنها أن الطريق يقال له: مفرق، والمفرق من الرأس متفرق الشعر، فيقول: إن مفرق الرأس لما وافق الطريق في اللفظ قالوا ليته وافقه في المعنى على الوجوه التي ذكرناها.
ومن التي أولها: إلامَ طَماعِيةُ العاذِلِ قوله:
فَلماَّ نَشِفْنَ لَقِينَ السَّياطَ ... بمثلِ صَفا البَلَدِ الماَحِلِ
قال الشيخ: يقول إن عرق الخيل أبيض، فلما يبس على جلودها لقيت السياط بمثل صفا البلد الماحل، أي أنها مبيضة بالعرق، وكأن السياط تقع منها بأرض بيضاء لم يصبها مطر.
شَّفَنَّ لَخْمسٍ إلى مَنْ طَلَبْنَ قَبلَ الشُّفُونِ إلى نازِلِ قال ابن جني: شفن أي نظرن في اعتراض، وسئل عن معنى هذا البيت فقال: أردت أن الخيل نظرت إلى من طلبته بعد مسيرة خمس قبل أن ينظر إلى نازل عنها من أصحابها، أي طرد المسير عليها خمساً حتى أدركوا.
فَدَانَتْ مَرَافِقُهُنَّ البَرَي ... على ثِقَةٍ بالدَّمِ الغاسِلِ
قال الشيخ: دانت أي قاربت، ومرافقهن مرافق الخيل، والبري: التراب، يريد أنهن مددن أيديهن في الجري، حتى دنت مرافقهن من التراب، وادعى أنهن فعلن ذلك لعلمهن أن الدم يغسله عنهن.
وَمَا بينَ كاذَتي المُسْتَغيرِ ... كَما بينَ كاذَتي البائِلِ
قال ابني جني: الكاذة لحم في أصل الفخذ من الفرس، والجمع كئاذ، والمستغير الذي يطلب الغارة، أي قد اتسعت فروجهن لشدة الجري والبائل الذي قد انفرج ليبول فتباعدت فخذاه.
وقال الشيخ: شبه العرق ونزوله بنزول البول، وقد ذهب بعض من فسر هذا البيت إلى أن الفرس إذا أعيا باعد ما بين فخذيه، فكأنه قد فرجهما ليبول، والأول أشبه.
فَلُقَّينَ كُلّ رُدَْينيَّةٍ ... وَمَصْبًوحةٍ لَبَنَ الشَّائلِ
قال ابن جني: سألته عن هذا فقلت: إن الشائل لا لبن لها وإنما التي بها بقية من لبنها هي التي يقال لها الشائلة بالهاء، فقال أردت الهاء وحذفتها ومثل هذا يجوز للشاعر كما قال كثير:
خَلِيليَّ إنْ أُمُّ الحَكيم تَبَدلتْ ... وأخْلَتْ لَخيماتِ العُذَيب ظِلالها
قيل أراد العذيبة فحذف الهاء، وسألته عن غرضه فقال إن الناقة إذا شال لبنها خف ومرؤ ونجع في شاربه، فلم يسقوه إلا كرائم خيلهم، والأمر على ما ذكره وبذلك وردت أشعارهم.
قال الشيخ: أراد بالشائل القليلة اللبن، وأكثر ما يقولون ناقة شائلة، إذا قل لبنها والجمع شول، والمراد أن هذه الخيل لكرمها على أصحابها تؤثر باللبن، وتشرك العيال، والعرب تفتخر بذلك قال الأخطل:
إذا مَا الخَيلُِ ضَيَعها أُناسُ ... رَبطْناها فَشاركَت العِيالا
نَهينُ لها الطَعامَ إذا شَتَونَا ... ونَكسُوهَا البَراقعَ والجِلالاَ
بضَرْبٍ يَعُمُّهُمُ جائِرٍ ... لَهُ فِيهمُ قِسْمَةُ العادِلِ
قال ابن جني: أي هذا الضرب وإن كان لإفراطه جوراً فإنه في الحقيقة عدل، لأن قتل مثلهم عدل وقربة من الله سبحانه وهذا كقول أبي تمام:
أنْ لَستَ نِعم الجارُ للسُّنَنِ الأُلَى ... إلاَّ إذَا ما كُنْتَ بئسَ الجارُ
ويجوز أن يكون أراد أن هذا الضرب لما عمهم وجار على جميعهم، ثم كان أكثره ومعظمه في الأبطال وذوي النجدة منهم، ظهرت فيه صورة العدل والأول أظهر.
وقال الشيخ: وصف الضرب بالجور، أي انه يسرف فيكون كأنه كمن يجوز، وقوله) له فيهم قسمة العادل (أي يقد الرجل فيجعله كالذي قسم جسمه، وهذا كالذي يروى عن علي ﵁ أنه كان اعتلى قد وإذا اعترض قط.
وَطَعْنٍ يُجَمَّعُ شُذَّاَنَهُمْ ... كَما اجْتمْعَت دِرَّةُ الحافِلِ
стр. 59
قال الشيخ: الشذان ما شد من الشيء، والهاء والميم في شذانهم عائدة إلى أصحاب الخارجي، أي يجمع ما شذ منهم إلى معظمهم، كما اجتمعت درة الحافل، أي هذا الطعن يجمعهم ليستأصل أخرهم، كما أن الحالب يوفر اللبن ليحتلبه أجمع، إنما يعني أن الطعن يجمع ليصيبهم القتل عن أخرهم وهذا نحو من قول الأول.
مَنْ للجَعافِرِ يا قَوْمِي فَقَد صرِيَتَ ... وقد تُنَاخُ لذاتِ الصَّرَيَةِ الَحلَبُ
يقال صري اللبن إذا كان في الضرع.
ومن التي أولها: أعلى المَمالكِ مايُبْني على الأسَلِ
الفاعِلُ الفِعلَ لم يُفْعَلْ لشِدَّتِهِ ... والقائل القَوْلَ لم يُتركْ ولم يُقل
قال الشيخ: يقول أفعال سيف الدولة تتركها، الناس، لأنها مستصعبة، وقوله) والقائل القول لم يترك ولم يقل (أي أنه ينطق بالحكمة التي لم يصل إليها سواه، وقوله) لم يترك (أي لم يترك القائلون طلبه، ولما لم يصلوا إليه كان كأنه لم يقل.
وقال الأحسائي: يقول إنه قد فعل أفعالاً قد عرفها الناس قبل فعله وتركوها عجزاً عنها، ويقول القول في البلاغة لم يسبق إليه ولا عرفه الناس قبله فتركوه عن عجز.
يا مَن يسيرُ وحُكمُ النَّاظِرينَ لَهُ ... فيما يَراهُ وحُكمُ القَلبِ في الجَذلِ
قال الشيخ: يعني بالناظرين ناظري الممدوح، أي له فيما يراه حكم ناظريه وقوله) وحكم القلب في الجذل (أي الفرح فإذا تمنى قلبه شيئاً وصل إليه، ومن روى الناظرين في معنى المنجمين فله معنى، ولا ينبغي أن يعدل عن الوجه الأولى لأن قوله) حكم القلب في الجذل (يشهد بأن الناظرين عينا الممدوح.
ومن التي أولها: بنا مَنك فوقَ الرَّملِ ما بكَ في الرَّملِ قوله:
تركْتَ خُدُودَ الغاِنياتِ وَفَوْقَها ... دموعُ تُذيبُ الحُسنَ في الأعينِ النُّجلِ
تَبُلُّ الثَرى سُوداً من المْسْك وَحْدهُ ... وقد قَطَرتْ حُمراً على الشَّعَر الجَثلِ
قال ابن جني: معنى هذا البيت حسن جداً، وذلك أنه يقول إن الدموع تقطر من أعين الغواني اللواتي يبكين عليك حمراً، لأنهن يبكين دماً، لإفراط حزنهن، فإذا وقع الدمع وهو أحمر على شعورهن وذوائبهن، وهي مضخمة بالمسك، وله في قوله) وحده (نكت حسن لطيف لأنه يريد أن السواد الذي يحصل في الدمع ليس هو إلا للمسك وحده وليس سواده لأن الكحل خالطه فاسود به، وكان غرضه في ذلك أنهن ليس يكتحلن في أعينهن ألا تراه يقول في موضع آخر: ليسَ التكحُّل في العَينين كالكَحَلِ فإن قيل إن مساقط الدموع إنما هي الخدان ونحوهما لا على الذوائب، قيل إنهن لما نشرن شعورهن وقعن على وجوههن فمر الدمع بهما فاسود منها.
وقال ابن فورجة: إنما وجه إذابة الدمع الحسن لأنه مما يفسد العين ويزيل حسنها كقول القائل:
أليسَ يَضيرُ العينَ أن تُكِثرَ البُكا ... ويُمَنعَ عنها نَوْمُها وسُروُرُها
وهذا ظاهر، وإنما دقة صنعته بقوله) يذيب الحسن (ولم يقل يزيد الحسن أو ما أشبهه، لأن الدمع لما كان يذيب الحسن أولاً فأولاً كان استعارة الإذابة بفعله أولى، كما قيل في الحب إذا هزل البدن أذابة، لأنه أخذ منه قليلاً قليلا وأيضا لما كان الذوب في معنى السيلان والدمع سائل فكأنه سال معه الحسن.
هل الوَلَدُ المَحُبوبُ إلا تَعِلَّةُ ... وهل خَلْوَةُ الحسْناءِ إلا أذَى البعْلِ
стр. 60
قال ابن فورجة: قال الشيخ ابن جني: إذا خلت الحسناء مع محبها أدى ذلك إلى تأذيه بها، إما لشغل قلبه عما سواها، أو لغير ذلك من المضار التي تلحق مواصل الغواني، وهذا كلام لم ينضجه التأمل، وكأنه ظن أن الحسناء لا يخلو بها إلا بعلها ولا أذى للبعل في الخلوة بها، كل قرة عينه فيها، وليس وصاله لها داعية إلى مضرة على الإطلاق ولو لم يكن في النساء غير المضرة لما خلقهن الله تعالى، فضلا عن إباحتهن والأمر بالاستعفاف بهن، وما ورد في الآثار من الوصاة بهن ولا يكون صد المرأة الحسناء بعلها عن غيرها من الأمور أذى، ولا يقول ذلك ذو منطق بليغ إلا متأولاً، والذي أراده أبو الطيب أن المرأة ذات البعل ليس ينال منها من خلا بها غير بعلها إلا أذاه، يريد أن اللذة منها قاصرة عن أن تكون لذة في الحقيقة، وإنما الحاصل منها أذى البعل فقط، يزهد بذلك في الولد، وفي طلب اللذة بأعراض الدنيا كلها، أي إذا كانت هاتان اللتان لا حقيقة لهما فما سواهما أولى بالترك والزهد فيه، هذا عندي الأليق لمذهبه، والذي قاله أبو الفتح متحمل.
ومن التي أولها: لا الحُلْمُ جادَ بِهِ ولا بِمثالهِ قوله:
إنَّ المُعِيدَ لنا المَنامُ خَيالَهُ ... كانَتْ إعادَتُهُ خَيالَ خَيالِهِ
قال ابن جني: يقول إنما رأينا الآن في النوم شيئا كنا رأيناه في النوم قبل، فصار ما رؤي ثانيا خيال ما رؤي أولاً، والذي رؤي أولاً هو خياله، فصار الثاني خيال خياله يصف بعده عنه وتعذر طيفه عليه) وخيال (منصوب لأنه خبر كان، وليس) إعادته (وأقام المصدر مقام المفعول، لأنه يريد بالإعادة الشيء المعاد، كما يقع الخلق وهو مصدر موضع المخلوق وهو المفعول.
قال ابن فورجة: هذا الذي ذكره المعنى الجيد الذي يسبق إليه كل خاطر ووهم، وقد يحتمل معنى آخر لطيفاً، وهو أن يعني أن ذلك الوصال واللقاء لهذا الحبيب كان أيضاً خيالاً على معنى قوله:
نَصِيبُكَ في حَيَاتِكَ من حَبيبٍ ... نَصِيُبكَ في مَنامكَ من خَيالِ
فيقول إن وصاله أيضا كان خيالا تراءى لي في منام، تقليلاً له وتقصيراً لزمانه، فلما زار الخيال كان خيال ويحتمل أيضا معنى آخر أدق من هذا وهو أن لا تكون) إعادته (مصدراً لمعنى المفعول، بل يريد أن الإعادة نفسها كانت لخياله إذ كان أيضا معاداً، يريد بذلك كثرة رؤيته إياه في منامه، فكل رؤيا يراه فيها إعادة لخيال رآه معاداً من قبل فافهمه فهو أحسن.
نجْنِي الكَواكبَ مِن قَلائدِ جيدةِ ... ونَنالُ عَينَ الشَّمسِ من خَلْخالِه
قال ابن جني: شبه ما في قلائده من الدر بالكواكب، وخلخاله بعين الشمس.
قال الشيخ ﵀: استقدت استفعلت من القود، وأصل ذلك أن الرجل يقتل الآخر فيقاد قاتله إلى أهله، يقول إن كان الهوى قد لحقتني منه بلابل فقد استقدت منه، وأذقته من عفتي ما هو جزاء له، والهوى في البيت يحتمل وجهين أحدهما: أن يريد به الهوى الذي هو عرض، فيكون هذا من مبالغة الشعر التي ليس لها حقيقة، لأن القود لا يصح من شيء يخطر في القلب، والآخر أن يريد بالهوى المرأة التي شبب بها، لأنهم يقولون فلانة هواي التي أهواها، وهذا على حذف المضاف كأنهم يريدون ذات هواي.
وكأنّما جدواه من إكثاره ... حَسدُ لسائِلهِ على إقْلاِلِه
قال ابن جني: جاذبته معنى هذا البيت فقال: أردت إفراطه في الجود، حتى كأنه يطلب أن يكون مقلا كسائله، فهو مفرط في إعطائه طلباً للإقلال، قال: وإذا تمكن الحاسد من المحسود فحسبك به وهذا معنى لفظه.
إنَّ الرَياحَ إذَا عَمَدنَ لناظِرٍ ... أغْناهُ مُقْبلُها عَنِ اسْتعجالهِ
قال الشيخ: يقول الرياح إذا عمدن للناظر لم يحتج إلى أن يستعجلها، وإنما ضرب هذا مثلا لأن الممدوح ينيل قبل أن يسأل.
وَهَب الذي ورثَ الجُدودَ وما رأى ... أفْعالَهمْ لابنٍ بلا أفْعالِهِ
قال الشيخ ﵀: هذا مأخوذ من قول الليثي:
إنّا وإنْ أحسابُنَا كَرُمَتْ ... لَسْنا على الأحسْابِ نَتَّكِلُ
نَبني كما كانتَ أوئِلُنا ... تبني ونفعلُ مِثلَ ما فَعلوا
والهاء في) أفعاله (راجعة إلى) الابن (و) لا (في معنى غير) ورأى (هاهنا تؤدي معنى رضي واختار، كما يقال فلان يرى أن تكون كذا أي يشير به ويرضاه.
стр. 61
وقال ابن فورجة: يعني أنه وهب ما ورث جدوده من المال ومن المعالي والشرف أما المال فللعفاة، وأما المجد فلسائر أسرته، واستجدت مجداً وشرفاً بمساعيه ولم يرد ما ورثهم من المال فقط الدليل على ذلك قوله) وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله (فدل بقوله الأفعال أنه يريد المعالي والشرف وكأنه أراد قول القائل:
وإذا افتخرْتَ بأعْظُمٍ مقْبُوَرةٍ ... فالنَّاسُ بينَ مُكَذّبٍ وَمُصَدّقِ
فأقمْ لنفسِكَ في انتِسابكَ شَاهِداً ... بحَديثِ مَجْدٍ للقَدِيمِ مُحققِ
وقد أجاد الشريف أبو الحسن الموسوي في قوله:
فَخَرْتُ بَنفسي لا بَقوْمي مُوَقَّراً ... على ناقصِي قَوْمي مآثِرَ أُسْرَتي
فقد زاد المعنى وضوحاً.
قال أبو الفتح ابن جني ورأى أن أفعال آبائه ليست نافعة ولا رافعة منه حتى يفعل هو مثلها، ولو كان أراد ما قال أبو الفتح لقال: وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله بل الهاء في) أفعاله (لسيف الدولة، يقول ما رأى أفعال الجدود نافعة لابن ليست له مثل أفعال سيف الدولة، فإن قال قائل فقد قال في البيت الذي يليه:
حتى إذَا فَنِيَ التُّراثُ سِوىَ العُلا ... قَصَدَ العُداةَ مِنَ القَنا بِطَوالهِ
وقد زعمت أنه عنى أنه وهب ما ورث من المعالي والمجد، فالجواب أن هذا البيت مؤكد لما قلناه، ويعني أنه وهب ما ورث فأما المال ففني وأما الشرف فلا يفنى وإن وهبه، لأن الهبة في مجد الآباء مجازلا حقيقة، وإنما يتأتى بتوفيره إياه على سائر أسرته واستحداثه مجداً آخر كما صّرح به الشريف الموسوي.
كُلُ يُريدُ رجَالهُ لحياتَهِ ... يا مَنْ يُريُد حياتَهُ لرجالهِ
قال الشيخ: هذا البيت مبني على حكاية تذكر عن سيف الدولة مع الإخشيد، وذلك أنه أراد أن يغلب على هذه البلاد، وجاء في جيش عظيم، وطرد سيف الدولة، ثم انصرف، فيقال إن سيف الدولة وجه إليه بكلام مراده فيه ابرز إلي ولا تقتل الناس بيني وبينك، فأينا غلب ملك، فوجه إليه الإخشيد: اعجب منك إنها جمعت هذا الجيش العظيم لاقي به نفسي، أفتريد أن أبارزك. وهذا جهل.
ومن التي أولها: أيَنْفَعُ في الخَيْمَةِ العُذّلُ قوله:
فَلِمْ لا تَلُومُ الذي لامَها ... ومَا فَصُّ خاتمِه يَذُبلُ
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال) ما (في معنى ليس، وقال أردت إن جاز أن تلام هذه الخيمة على عجزها عن علوها على سيف الدولة، مع أن ذلك غير ممكن، بل هو متعذر، لأنه أعلى من أن تشتمل عليه خيمة، فلم لا تلوم هذه الخيمة من لامها على أن فص خاتمه ليس يذبل، فكما أن لوم الإنسان على أن لا يكون فص خاتمه يذبل مستحيل، لأن هذا ليس في الطاقة، فكذلك لوم هذه الخيمة من لامها ليس فص خاتمه يذبل، وهو مبالغة عظيمة لأنه جعل الذي يجترئ على لوم هذه الخيمة، يجب أن يكون فص خاتمه يذبل، وهو الجبل المستعظم، وكيف تلومها وهو حقير إنما شخصه كشخص غيره من الناس.
يُفاجئ جَيْشاً بها حَيْنُهُ ... وَيُنذر جَيشاً بها القَسْطَلُ
قال ابن جني: أي تارة يسري ليلاً فيباكرها فيهلكه لأنه لم يشعر بها وتارة نهاراً نحوه فينشر قسطلاً فينذره فيهرب، ويجوز أن يكون أراد تارة تحزن فلا تنشر غباراً وتارة تسهل فتنشره.
جَعَلتُك بالقَلْب لي عُدَّةً ... لأنكَ باليَدِ لا تُجعلُ
قال الشيخ ﵀: يقول جعلتك في قلب الجيش لي عدة لأنك لا تجعل في شمال الجيش ولا يمناه؛ إذ كان عميد الجيش إنما يكون في القلب، فهذا وجه ووجه آخر وهو أجود، وهو أن يريد الشاعر قلب نفسه أي جعلتك عدتي بقلبي، لأنك أجل من أن تجعل باليد لأنها إنما تتصرف فيما صغر من الأشياء، والقلب يتسع في الضمير حتى أنه يضمر ما لا يدرك.
فإنْ طِبُعَتْ قبلَكَ المرُهَفاتُ ... فإنك من قَبلها المِقْصَلُ
قال ابن فورجة: قال الشيخ أبو الفتح بن جني: معناه أنك لإفراط قطعك وظهوره على قطع جميع السيوف، كأنك أنت أول ما قطع، إذ لم ير قبلك مثلك، وهذا كما قال، ويحتمل وجهاً أجود مما ذهب إليه، وهو يريد غناؤك قبل غنائه ولولا قطعك لما قطع كما قال الآخر:
وما السَيّفُ إلاّ بَزُّ غَادٍ لزِينةٍ ... إذا لم يكن أمضَى من السيف حامِلُه
وكما قال:
стр. 62
وَلكنْ إذا لَمْ يَحْملِ القلبُ كَفَّهُ ... على حالَةٍ لم يَحْملِ الكَّف ساعدُ
وكقوله:
إذَا الهنْدُ سوَّتْ بينَ سَيفي كَريهةٍ ... فسَيفُكَ في كَفُّ تزيلُ التَّساويا
ومن التي أولها: أجابَ دَمعي وَما الدَّاعي سوَى طلَلِ قوله:
أشْكُو النَّوَى ولهم مِن عَبرَتي عَجبُ ... كذاكَ كانتْ وما أشكو سوى الكِللِ
قال الشيخ: أشكو النوى وأصحابي يعجبون من عبرتي، وليس ينبغي أن يعجبوا لذلك. لأنها كانت على ما شاهدوه الآن والذين أحب قريب ليس بيني وبينهم سوى الكلل جمع كله وهو الستر، فكيف بي إذا اجتمعت الكلل مع البعد.
وقد أرَني الشَّبابُ الرُّوح في بَدنِي ... وقد أرَانيِ المَشيبُ الرُّوحَ في بَدَلي
قال ابن جني: أي في غيري يقول كأن نفسه مفارقته في المشيب.
قال الشيخ ﵀: معنى هذا البيت أني كنت في حال شبيبتي على حال فغيرها تقادم الدهر، لأني شبت. وكان شعري حالكاً، وقل ماء وجهي وكان كثيراً وضعفت أعضائي بعد قوة، وكأن جسمي قد بدل، وهذا معنى يتردد في الشعر كثيراً ومنه قول النمر بن تولب:
لَعَمْري لقد أنكَرْتُ نَفْسِي ورَابَني ... مع الشَّيب أبْدَالي التي أتَبدّلُ
فُضُول أرَاها في أديميَ بعدَما ... يكون كِفافُ اللَحمِ أو هو أجَملُ
كأنّض مَحطاً في يَديْ حَارثيةٍ ... صَناعٍ عَلَتْ مني به الجلدَ من عَلُ
وقال الآخر:
وقد زَعَمتْ أنَّي تَغيرّتُ بعدها ... ومَنْ ذَا الذي يا عَزَّ لا يَتَغيرُ
وقال الآخر وهو كثير:
الدَّهرُ لأبِلاَني ومَا أَبلْيتُه ... والدَّهرُ غَيّرني ومَا يَتَغيرُ
والدَّهرُ قَيَّدني بحَبلٍ مُبرمٍ ... فَمشيتُ فيه فكلُّ يَومٍ يَقصُرُ
وقد ذهب قوم إلى أن معنى بيت أبي الطيب أنه كان شابا فلما ذهب الشباب عنه رآه في غيره من الناس والقول الأول أجود.
وقال ابن فورجة: البدل في هذا البيت أحسن ما يحمل عليه أن يعني به ولده لأنه كأنه بدل الإنسان إذ كان يشيب أوان شيخوخته ثم يرثه فيكون كأنه بدله في ماله وبدنه والروح يعني به روح نفسه لا الجنس كما قال الشاعر:
أَبي الَقْلبُ إلاَّ أمَّ عَمْروٍ وحبَّها ... عَجُوزاً وَمن يُحبب عَجوزاً يُفند
يريد قلب نفسه وهذا باب معروف كثير.
والمَدْحُ لاْبنِ أبي الهَيْجاءِ تُنْجِدُهُ ... بالجاهِليةٍ عَيْنُ الغَيَّ والخَطَلِ
قال ابن جني: سألته عن هذا البيت فقال كان بعض الشعراء قد مدح سيف الدولة وذكر أجداده وأسلافه يعني النامي وتنجده تعينه وقد فسره بقوله وبعده.
ليتَ المَدائحَ تَسْتَوفي مَناقِبهُ ... فما كُلْيبُ وأهلُ الأعْصُرِ الأولِ
تُمسي الأمانيُّ صَرْعى دونَ مَبْلَغها ... فما يَقُولُ لشَيء ليتَ ذَلَك لي
قال ابن جني: أي دون أن تبلغ إلى قلب فتستمليه، أو لسانه فتجري عليه.
وقال ابن فورجة: يريد أنه مسلط على الأيام ما لك الرقاب والأموال، فما يتمنى شيئاً لأنه كلما رأى نفيساً كان له أو ما هو خير منه، وكان في قوله هذا نظر إلى قول عنترة:
ألا قَاتلَ اللهُ الطُّلولَ البَواليا ... وقَاتلَ ذِكراكَ السنين الخَواليا
وقِيلَك للشَّيء الذي لا تَنالُه ... إذا مَا حَلا في العَينِ يا ليتَ ذالِيا
ومثل هذا قوله أيضا:
يا مَن يسيرُ وحُكمُ النَّاظِرينَ لَهُ ... فيما يَراهُ وحُكمُ القَلْبِ في الجَذلِ
وتمني الشيء عجز وقصور، والملك لا ينبغي له أن يتمنى.
فالعُرْبُ مِنْهُ معَ الكُدْري طائرةُ ... والرُّومُ طائِرةُ مِنْهُ معَ الحَجَلِ
ومَا الفِرارُ إلى الأجْبالِ مِنْ أسَدٍ ... تَمشي النَّعامُ به مَعْقِلِ الوَعِلِ
قال ابن فورجة: فسر أبو الفتح هذا البيت بكلام طويل ولم يأت بفائدة تخصيصه العرب بالقطا والروم بالحجل، وهذا مما يسأل عنه، وإنما فعل ذلك لأن القطا يكون في بلاد العرب، يقول: العرب والروم لا تقاوم سيف الدولة، فالعرب هاربة منه مع القطاني البراري، والروم هابة منه في الجبال مع الحجل، لأن بلادهم جبال وهذا المعنى مثل قوله:
يَسألُ أهْلَ القِلاعِ عَنْ مَلِكٍ ... قد مَسَخَتْهُ نَعَامَةُ شارِدْ
стр. 63
وذلك أن) وهسوذان (هرب من عضد الدولة في البراري. والنعامة لا تأوي الجبال، فضرب شرود النعام مثل الهرب في القفار، والمعنى في البيت الذي يليه أن النعام لا تصعد الجبال، وإنما تصعدها الوعول، وعنى بالنعام خيله على التشبيه لها بها في سرعة العدو وطول الساق، يعني أن خيله تتسنم الجبال في طلب الروم، كما قال في البيت الآخر:
تَظُنُّ فِراخُ الفُتخِ أنَّكَ زُرْتها ... بأمَّاتها وَهْي العِتاقُ الصَّلادِمُ
ومن التي أولها:
شَديدُ البُعْدِ مِن شُرْبِ الشَّمولِ ... تُرُنْجُ الهِنْدِ أو طَلْعُ النَّخيلِ
قال ابن جني: رفع) شديد البعد (لأنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: أنت شديد البعد ورفع) ترنج الهند (بالابتداء كأنه قال: بين يديك أو في مجلسك ترنج الهند، إلا أنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر، لأنه مشاهد، ودلت الحال على ما أضمره كما تقول إذا رأيت رجلاً قد سدد سهماً ثم سمعت صوتاً:) القرطاس. والله (. أي أصاب القرطاس. وكما تقول للقادم من سفرة:) خير مقدم (فتنصبه لأنك تريد: قدمت خير مقدم ويجوز أن يرفع فتقول: خير مقدم. أي مقدمك خير مقدم، فيجوز إضمار هذا كله، لأن في الحال دليلاً عليه.
وقال الشيخ ﵀ رداً على من عاب قوله) ترنج الهند (: قد حكى ترنج غير واحد من أهل العلم، وليس الشعر مبنياً على أن تذكر فيه الكلمة الفصحى دون غيرها، مما هو قريب منها، ألا ترى أنه يوجد في أشعار العرب الكلمة المنقولة من لسان غيرهم كقول ابن أحمر.
حنَّت قَلُوصي إلى بابوسِها طَرباً ... فما حَنينُكِ أم أَنتِ والذّكر
والبابوس ليس من كلام العرب وإنما هو منقول من لسان الروم. والأترنج قليل التردد في الشعر الفصيح على أن علقمة بن عبدة قال:
ردَّ القَيانُ جِمالَ الحَيَّ فاحتَملُوا ... فكلها بالتَزيدّياتِ مَعكُومُ
يَحْمِلْنَ أُتْرُجَّةٍ نَضْحُ العَبيرِ بها ... كأنّ تطيابها في الأنفِ مَشْمُومُ
ويجوز أترنج، وترنج وأترنج قال الراجز:
يا رُبَّ خَوْدٍ من بناتِ الزَّنجِ ... تحمل تَّنوراً شديدَ الوَهجِ
نكهَتُها كَعبقِ الأُترنجِ واشتقاق الأترنج لم يذكر في الكتب المتقدمة، ويجوز أن يكون معرباً، ويجوز أن يكون عربياً في الأصل إلا أنه أميت ثلاثية، وقد قالوا) ترج (وهو اسم موضع كثير الأسد، ووزن الأترج) أفعل (يا هذا، ولو سمينا به رجلاً لم نصرفه وقد وجدناهم حذفوا الهمزة من أشياء ليس حذفها في أترج وأترنج بأبعد منها، فمن ذلك قولهم) أرز (في اللغة الفصيحة) ورز (في اللغة الأخرى. ويقال جئناهم في) أفرة الغيظ (وحكى بعضهم) فرة الغيظ (ومن التي أولها:
لَيالي بعدَ الظَّاعِنينَ شُكُولُ ... طِوالُ وَلْيلُ العاشِقينَ طَوِيلُ
قال الشيخ ﵀: قوله شكول أي ضروب مختلفة.
وقال ابن فورجة: شكول أي متشابهة، فيجوز أن يعني أن ليالي الناس تقصر وتطول بحسب الزمان، فإن كان صيفاً قصرت وإن كان شتاء طالت، غير أن ليالي طوال أبداً لبعد الحبيب عني، وامتناع نومي كقول القائل: ما أطولَ الليلَ على مَنْ يَنمْ ويجوز أن يكون الغرض في مشاكله بعضها بعضا أنها ليست مما ينام في بعضها، أو يجد فيها روحا، إذ كانت المدة الطويلة مما يسلي كقول القائل:
إذا ما شئتَ أنْ تسْلا حبيباً ... فأكثْر دونَهُ عَدَدَ اللَيالي
ويكون غرض أبي الطيب كغرض القائل:
فما أحَدثَ النَّايُ المُفَرَّقُ بيننا ... سُلُواً ولا طُولُ اجتماعٍ تَقاليا
يقول فليالي وإن كثرت فما يتغير حالي فيها، ولا ينقص غرامي ووجدي بالحبيب مع تكاثرها بل قد دامت في الطول على حالة واحدة.
إذا كانَ شَمُّ الرَّوْحِ أدنى إليكمُ ... فَلا بِرَحَتْني رَوْضَةُ وَقَبُولُ
قال ابن جني: معناه إذا كنتم تؤثرون شم الروح في الدنيا وملاقاة نسيمها فلا زلت روضة وقبولاً انجذاباً إلى هواكم، ومصيركم إلى ما تؤثرونه، ويكون سبب الدنو منكم، ثم جعل الاسم نكرة والخبر معرفة لأجل القافية.
стр. 64
قال الشيخ ﵀: لم يكشف معنى هذا البيت إلا رجل يعرف) بالمخزومي (له تصنيف في شعر أبي الطيب، وذلك أن الشاعر قال: إن رحيلا واحداً حال بيننا، وهو الرحيل في الدنيا، وبعده رحيل ثان وهو الموت. فإن يكن بيننا رحيل واحد أقرب من أن يكون بيننا رحيلان، فدعى لنفسه بالحياة، لأنه ما دام يشم الروح فهو أقرب إليهم منه إذا صار تحت الأرض.
وقال ابن فورجة: الأولى عندي أن يعني: إذا بعدتم عني، وحيل بيني وبينكم فلم أصل إلى شيء منكم إلا إلى شم الروح، وتشبيهي النسيم الهاب من الرياض بنسيمكم، فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي لأشمه، وهذا المذهب متعارف عندهم في الرضي بقليل الراحة من الشوق إذا لم يصلوا إلى الحبيب كقول الهذلي:
ويُقرُّ عَيْني وهي نازحَةُ ... ما لا يُقرُّ بَعْينِ ذي الحِلمِ
أنّي أرَى وأظنُّ أنْ سَتَرى ... وَضَحَ النَّهارِ وعَاليَ النَّجمِ
وقول القائل:
إذا هَبَّ عُلْويُّ الرّياحِ وَجَدتُني ... كأنَّي لعُلوِيّ الرّياحِ نَسيبُ
وإنما يرتاح لعلوي الرياح لأنها من قبل أرضها، وفي هذا البيت معنى قول الله تعالى:) ولما فَصَلت العِيُر قال أبوهُم إنّي لأجِدُ ريحَ يُوسُفِ لولا أن تُفَنَّدُونِ (. ومعنى البيت من معنى بيت البحتري:
يُذِكُّرنا رَيَّا الأَحِبَّةِ كُلَّما ... تَنَفَّسَ في جُنْحٍ من اللَّيلِ بارِدُ
وقال الاحسائي: إذا كان شم الروح، يعني الحياة أدنى إليكم من الموت، فلا زلت حياً ولا برحتني روضة وقبول، فذلك مما يعين على الحياة.
وَما شَرَقي بالمَاءِ إلاّ تّذَكراً ... لَماءٍ بهِ أهْلُ الحَبيبِ نُزُولُ
قال الشيخ ﵀: الرواية بنصب) تذكر (مصدر تذكرت لأنه مفعول له، أو مفعول من أجله ولو رفع) تذكر (لم يبعد.
وقال الأحسائي: كنى بالماء عن الحبيب، يريد أنه من وجهه في رقة الماء، وأنه ينقع الغلة، كما ينقعها الماء، ولذلك قال) يحرمة لمع الأسنة حوله (فدل على ما قلناه، ولو أراد نفس الماء لكان مستبعداً أن يمنع الماء المشروب بالأسنة في غالب الأمر.
لَقِيتُ بدَرْبِ القُلَّةِ الفَجْرَ لُقْيةً ... شَفَتْ كمَدي واللَّيلُ فيه قَتِيلُ
قال ابن جني: سألته وقت القراءة عن معنى هذا البيت فقال: وافينا القلة وقت السحر فكأني لقيت بها الفجر ثم سرنا صبيحة ذلك اليوم إلى العصر، وشننا الغارات وغنمنا، وقوله:) شفت كمدي (لانحسار الليل عني) والليل فيه قتيل (أي في ذلك الموضع وكأن الموضع وكأن النهار أشرق ضوؤه على الليل فقتله وظفر به.
وقال الشيخ ﵀: ويحسن ذلك أن الفجر يشبه بالسيف، فكأنه قتل الليل وزعم قوم أن سيف الدولة أوقد نيرانا عظيمة بدرب القلة، فكأنه أزال بها الليل، وقد تجوز مثل هذه الحكاية.
وَيوما كأنَّ الحُسْنَ فيه عَلاَمةُ ... بَعَثْتِ بها والشَّمسُ مِنْكَ رَسولُ
قال ابن جني: في هذا البيت رائحة من قول الشاعر:
إذا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهارِ فإنَّها ... أمارَةُ تَسْلٍمي عَلَيكِ فَسلَّمي
وقال الشيخ ﵀: عطف) يوماً (على قوله) لقيت العجز (وهذا معنى لطيف أراد أنه يوم حرب، فالحسن فيه خفي لا يعلم به إلا الشجاع، كما أن العلامة التي توجه بها حبيبة مكتومة،) والشمس منك رسول (أي تستتر بالغبار كما يستتر رسولك.
قال ابن فورجة: جعل الحسن في هذا اليوم كأنه علامة من حبيبته، والشمس وكأنها رسول منها، لسروره عند مطلع الشمس، وارتياحه بها، وكمال سروره في هذا اليوم، وهو مع هذا يريد أن يجعل هذه القصة تخلصاً من الغزل إلى مدح سيف الدولة، عاشق وقد أثارت وطلبت ذحلي عند الظلام فقتلته يريد تلك الحمرة التي تظهر من الشفق. ولقد أجاد الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان إذ نقل هذا المعنى فجعله في مدح أهل البيت ﵈ فقال:
وعلى الدَّهرِ مِنْ دِمَاءِ الشَّه ... يدَينَ عَليّ ونَجَلهِ شَاهِدانِ
فَهما في أواخِرِ اللَّيلِ ... فَجرانِ وفي أُولَياته شَفَقَانِ
ثَبَتَا في قَميصِهِ لِجيءَ ... الحَشْرَ مُسْتعدِياً إلى الرَّحمنِ
وأما قوله:
وما قَبلَ سيفِ الدَّولةِ أثَّارَ عاشِقُ ... ولا طُلِبتْ عند الظلام ذُحُولُ
стр. 65
فيقال أن سيف الدولة أحرق كثيراً من ديار الروم، وأعاد الليل صبحاً بالنيران فكأنه قتل الليل، ونال ثأر العشاق منه، ولو قال قائل إنه عنى بالفجر في البيت الذي مضى النار شبهها بالفجر، كان ذلك صواباً ليتفق التفسيران، والتفسير الأول فائدتي من الشيخ أبي العلاء.
على طُرُقٍ فيها على الطُّرْقِ رِفْعَةُ ... وفي ذِكْرها عندَ الأنيسِ خُمُولُ
قال الشيخ ﵀: يريد أنها طرق في جبال فهي مرتفعة إلا أنها مع رفعتها خاملة عند الأنيس أي أنهم لا يسلكونها.
وأضْعَفْنَ ما كُلَّفْنَهُ مِن قُباقِبٍ ... فأضْحَى كأنَّ المَاءَ فيهِ عَليلُ
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال: إن الخيل لما عبرت قباقباً، وهو نهر جار كادت تسكر ماءه لكثرة قوائمها، فأضعفت جريه أي جعلته ضعيفاً.
وقال الشيخ ﵀:) أضعفن (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون من الضعف. ويكون المعنى أن هذه الخيل أضعفت هذا الماء وكدرته، فكأنه عليل أي به علة.
والآخر: أن يكون من ضعف الشيء إذا قلت أضعفت له العطية إذا زدتها ضعفها، فيكون عليل هنا فعيلا في معنى مفعول، من قولك عللت الشرب إذا كررته أي جاءت هذه الخيل فعبرت هذا الماء وكأنها سيل من كثريها سرعتها فصار النهر مثله ويقوي ذلك قوله:
وَرُعْنَ بِنا قَلْبَ الفُراتِ كأنَّما ... تَخِرُّ عَلَيهِ بالرّجالِ سُيُولُ
إذَا لم تكُنْ لَّليْثِ إلاَّ فَرِيسَةً ... غَذَاهُ ولم يَنْفَعْكَ أَّنَّكَ فِيلُ
قال الشيخ ﵀:) غذاه (أي له، والهاء عائدة إلى الليث) وأنك فيل (فاعل غذاه، في البيت تقديم وتأخير كأنه قال: غذاه أنك فيل ولم ينفعك عظم خلقك.
ومن التي أولها: دُرُوعُ لمَلْكِ الرُّومِ هَذي الرَّشائيُ
وأكَبرَ مِنْهُ هِمَّهً بَعَثَتْ به ... إليكَ العِدَى واستَنظَرتْهُ الجحافِلُ
قال الشيخ ﵀: الواو في قوله) وأكبر (في معنى رب، ورقع) أكبر (على الأخبار أحسن ويكون مبتدأ، قوله) بعثت به وما بعده (خبر عنه) واستنظرته (في معنى انتظرته. وقال ابن فورجة: سألني عن هذا البيت بعض أهل الأدب فقلت له، وكأن هاجساً هجس لي في الحال:) أكبر (هنا من باب أفعل من كذا، وليس بفعل رباعي والهاء في) منه (راجعة إلى نفسه كأنه لو تمكن لقال: وأكبر من جثته أو جسمه همة، فاستغرب هذا فأخذ يمانع، فقلت: ألست تقول: زيد قاعداً أحسن منه قائماً (والضمير في منه راجع إلى نفسه. فقال: نعم. فقلت: ما يمنعك من أن يكون) وأكبر منه همة (الهاء في منه راجعة إلى نفسه، يريد ورب رجل أعظم من جسمه همة ففزع إلى كتاب الفسر.
وقد ذكر أبو الفتح: أن أكبر فعل فقال: أي أكبر العدى همته التي بعثت به إليك أي استعظموها، وسألته الجحافل أن ينظرها بشغله سيف الدولة عنهم وكلا التفسيرين محتمل جيد، ويحتمل معنى ثالثاً: وهو أن تكون الهاء في) منه (ضمير الرسول وقد تقدمه:
وأنَّى اهْتدىَ هَذا الرَّسُول بأرْضه ... وما سَكنتْ مُذْ سِرتُ فيها القَساطِلُ
يريد ورب أكبر من هذا الرسول همة بعثت به إليك الروم فأقبل من أصحابه وهو مرسل، وعاد إلى أصحابه وهو عاذل يقول: رب رسول أجل من هذا الرسول قدراً جاءك فاستعظم شأنك فعاد إليهم، وهو يعزلهم في عدوانهم لك، ويجل قدرك في عيونهم أن تعادى، وهذا المعنى أحب إلي من الوجهين المتقدمين، لأن المعنى الذي أورده أبو الفتح كالمنقطع، ألا تراه قال: استعظم العدى همته التي بعثت به، فكان يجب أن يتبع هذا الكلام ما يشبهه، فيقول: واستعظمته الجحافل، فلما قال) استنظرته (كان منقطعاً عن أكبر، وكان كلاماً مستأنفاً، ومعنى مبتدأ اللهم إلا أن يقول: هو متعلق بقوله: بعثت به، يريد به واستنظرته، فحينئذ يكون مستغنياً عن قوله الجحافل، ألا تراه لو سكت عن الجحافل لكفى وأغنى وأدى المعنى الذي أراد، على أنه إن قال: أتى به للقافية سلمنا له وليس المطرد كالمتمحل.
ومَا لَوْنُهُ مَّما تُحَصَلُ مُقْلةُ ... ولا حَدُّهُ مِمَّا تَجُسُّ الأنامِلُ
قال الشيخ ﵀: يريد أن لون هذا السيف ليس كلون السيف، لأن السيوف تعرف ألوانها، ولون هذا الممدوح لا يحصل، لأنه من هيبته لا يستطاع أن ينظر إليه كما قال في الأخرى.
стр. 66
كأنَّ شُعاعَ عَينِ الشَّمسِ فِيهِ ... ففي أبصَارِنا عَنْهُ انْكِسارُ
) ولا حده مما تجسُّ الأناملُ (أي هذا المسمى بالسيف لا يمكن أن تجسه الأنامل، لأنه إذا كان النظر لا يصل إليه، فبعد الأنامل أشد، والسيف المضروب يمكن أن يجس حده باليد، فقد تحير هذا الرسول في سيف ربيعة أصله يعني الممدوح وطابعه الرحمن أي خالقه، وهذا كقوله في الأخرى:
سَرَى السَّيْفُ مما تَطْبَعُ الهِنْدُ صَاحبي ... إلى السَّيفِ مَّما يَطْبَعُ الله لا الهندُ
كَرِيمُ متى اسْتُوهِبتَ ما أنْتَ رَاكبُ ... وقد لَقِحَتْ حَرْبُ فإنَّكَ باذِلُ
قال الشيخ ﵀: رفع كريماً على تقدير قوله: أنت كريم ووصفه بأنه لو سئل ما هو راكب على ظهره في الحرب لوهبه للسائل و) لقحت الحرب (إذا كان أمر يهيجا، وإنما شبهت بالناقة اللاقح، وكانت العرب تضن في الحروب بأن يردف الرجل على الفرس، خوفاً أن يقصر عن حمل رجلين ومن ذلك قول الفرار السلمي:
عدمت أُناساً بالحُلَيْلِ كأنَّما ... رئيسهمُ لَيثُ ببيشة أَفدعُ
كأنَّ ابنَةَ الشَقراءِ لما ابتذْلُتها ... بذي الرَّمث ظَبيُ في تُبالة أَخْضَعُ
غداةَ يقول القينُ هل أنتَ مُرْدِفي ... وما بينَ ظهرِ القينِ والرُّمحِ إصْبَعُ
فَقُلتُ له يا ابن الخَبيثَةِ إنّها ... بِربٍ خَفيفٍ وَاحدٍ هي أسرعُ
فإنْ يَكُ عَاراً يومً ذاكَ أتَيُته ... فِراري فذاكِ الجيش قد فَّر أجمعُ
ومن التي أولها: إن يكُنْ صَبُر ذِي الرَّزَّيةِ فَضلا قوله:
أنتَ يا فَوْقَ تُعَزَّي عَنِ ... الأحْبابِ فوْقَ الذي يُعَزيّكَ عَقْلا
قال الشيخ ﵀: قوله) يا فوق (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون قد حذف النادي، لعلم السامع بما يريد، كأنه قال: أنت يا سيف الدولة أو يا ملك أو أمير ونحو ذلك، وحذف المنادى يكثر في شعر العرب كما قال الشاعر:
ألا يا اسلميَ ثم اسلَمي ثُمَّتَ اسلَمي ... ثلاث تحيّاتٍ وإنْ لم تَكَلَّمِي
والأخر: أن يكون جعل فوق نعتاً لسيف الدولة، فكأنه أخرجه من باب الظروف إلى باب الأسماء، وهذا القول أحسن في نقد الشعر، لأن) فوق (الأولى والثانية في الوجه الأول ظرفان، وفي الوجه الآخر الأول منهما اسم، والثاني ظرف ولو كان) فوق (في موضع رفع على هذا الوجه لرفع، فقيل أنت فوق أن تعزى وقد أدخلوا الباء على) فوق (، وأنشدوا بيتاً ينسبونه إلى سحيم عبد بني الحسحاس، وليس في ديوانه:
لقيتُ النساءَ الحارِثيات غُدوة ... بوجهٍ براهُ اللهُ غيرَ جَميلِ
فشبهنني كلباً ولستُ بفوقه ... ولا دونه إن كانَ غيرَ بَخيلِ
قاسَمْتكَ المنَونُ شَخْصَينِ جَوْراً ... جَعَلَ القَسْمَ نفسَهُ فيهِ عَدْلا
قال ابن فورجة: كانت أخته الصغرى مضت لسبيلها فرثاها بهذه القصيدة وبقيت الكبيرة، ثم ماتت فقال:
قدْ كانَ قاسمَكَ الشَّخْصَينِ دَهْرَهما ... وعاشَ دُرُّهُما المَفْديُّ بالذَّهَبِ
وَعادَ في طَلَبِ المَتْرُوكِ تارِكُهُ ... إنَّا لنَغْفُلُ والأَّيامُ في الطَّلَبِ
فنقول قاسمتك المنون هاتين الأختين، ظلماً في هذه المقاسمة وجوراً، إلا أن القسمة جعلت نفسها في ذلك الجور من المنون عدلا؛ لأنها أخذت الصغير وتركت الكبيرة) وفيه (الهاء راجعة إلى الجور.
وزعم الشيخ أبو الفتح ابن جني أنه يجوز) فيك (بالكاف، وقال: يعني أنه جار في فعله إلا أنه إذا كنت أنت البقية فجوره عدل، وعندي أن هذه الرواية مضطربة لأنه لو أراد أن البقية أنت لما قال قاسمتك، وكان لا يقول شخصين، بل كان يقول: ثلاثة شخوص أحدهما سيف الدولة والآخر أختاه.
وَهُوَ الضَّاربُ الكَتِيبةِ والطَّعْنَةُ ... تَغْلُو والضَّربُ أغْلَى وأغْلى
قال الشيخ ﵀: يقول: الطعن وإن كان صعباً على الطاعن فهو أيسر من الضرب؛ لأن بعد الطاعن من عدوه أكثر من بعد الضارب منه، كما أن الرامي أبعد من الطاعن، وقد رتب هذا الغرض زهير في قوله:
يطْعُنُهمْ ما ارْتَمَوْا حتى إذَا اطَّعَنُوا ... ضَاربَ حتى إذا ما ضارَبُوا اعَتَقاَ
ولو لم يكن للمتنبي غير هذه القصيدة في سيف الدولة لكان كثيراً، وأين منها قصيدة البحتري التي أولها:
стр. 67
إنَّ سَيرَ الخَليطِ لماّ استقلا ومن التي أولها:
ذي المعَالي فَلْعْلُونْ مَنْ تَعَالى ... هكذا هكَذا وإلاَّ فَلا لاَ
قال الشيخ ﵀:) ذي المعالي (في موضع نصب، والأجود أن تكون منصوبة بفعل مضمر يفسره قوله) فليعلون (، وذهب قوم إلى أنك إذا قلت) فلانا فاضرب (فالعامل في المفعول الفعل الذي بعد افاء، والقول الأول أشبه وقوله) هكذا هكذا (أي ليعل الناس مثل هذا العلو وحسن ترديده) لا لا (رد هكذا.
كُلَّما أعْجَلُوا النَّذِيرَ مَسيراً ... أعْجَلَتْهمْ جِيادُهُ الإعْجالا
قال ابن جني: يقول كلما عاد إليهم نذيرهم سبقوه بالهرب قبل وصوله إليهم، ثم تلتهم جياد سيف الدولة، فسبقت سبقهم النذير، أي لحقتهم وجازتهم.
قال ابن فورجة: قد علم الشيخ أبو الفتح أنه يقال: أعجلته بمعنى استعجلته، وأما سبقته فيقال فيه عجلته بلا ألف، قال الله تعالى) هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (ومعاذ الله أن نروم شأو الشيخ أبي الفتح في اللغة والإعراب، ولا أعلم كيف اتفق عليه هذا الزلل، يقول أبو الطيب كلما استعجلوا النذير بالمسير إليهم، وإخبارهم بقدوم جيش سيف الدولة، أعجلتهم خيله أن يعجلوا النذير، أي أطلت عليهم قبل ورود النذير، ولم يغن بثهم الطلائع، وإعدادهم الرمايا، وإنفاذهم الجواسيس، لسرعة هذه الخيل، وسلوكها الطرق الخفية إليهم، ويقود مكائد سيف الدولة فيهم، فأما قوله) لحقتهم وجازتهم (فلا أعلم من أي ألفاظ البيت استنبطه غفر الله له.
ما مَضوا لم يُقاتِلُوك ولِكنَّ القَتالَ الذي كفَاكَ القتالا قال ابن فورجة:) ما (هنا نفي،) ولم يقاتلوك (حال، يريد لم يمضوا غير مقاتلين لك، يريد ما انهزموا من غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن لم يقاتلوا فانهزموا وقوله) ولكن القتال الذي كفاك القتالا (، معناه أن ما عرف من صبرك على القتال، وطول ثباتك هو الذي أياس العدو من انهزامك، وزهدهم في مصابرتك ويبين معنى هذا المصراع قوله فيما يليه:
والَّثباتُ الِذي أجَادُوا قَديماً ... عَلَّمَ الَّثابِتينَ ذَا الإجْفالا
أبَصرَوا الطَّعنَ في القُلوبِ دِراكاً ... قَبل أنْ يُبْصِرُوا الرّماحَ خَيالا
قال ابن جني: لما شاهدوه من أحوال المقتولين عرفوا الأمر قبل وقوعه بهم.
وقال الشيخ: يقول اعتبر المتأخرون منهم بالمتقدمين، فكأنهم أبصروا الطعن دِراكا بقلوبهم وبينهم وبين من يطلبهم مسافة بعيدة ففروا قبل أن ينظروا إلى خيال الرماح.
وقال ابن فورجة: أخر قوله) خيالاً (عن موضعه لعلم المخاطب وتقدير البيت: أبصروا الطعن في القلوب دراكا خيالاً قبل أن يبصروا الرماح يريد بالخيال ما يراه الانسان في منامه، أو يتخايل له في خاطره من ذكر ما مضى يقول: لشدة خوفهم منك، وتصورهم ما صنعت بهم في قديم الحروب، رأوا الطعن دراكا في قلوبهم رؤية الخيال، قبل أن يروه حقيقة، وما تقدم هذا البيت يدل على هذا وهو قوله:
تركُوا في مَصَارعٍ عَرَفُوها ... يَنْدُبُونَ الأعْمامَ والأخْوَالا
تَحْملِ الرّيحُ بينهم شَعَرَ الهْامِ ... وَتُذْرِي عليهم الأوْصالا
تُنْذِرُ الجِسْمَ أنْ يُقيمَ لَدَيها ... وَتُريِهِ لِكُلِ عُضْوٍ مِضالا
فهذا يدل على ما قلناه.
أقْسَموا لا رأَوْكَ إلاَّ بقَلْبٍ ... طاَلَما غَرتِ العُيُونُ الرّجالا
أيُّ عَيْنٍ تأمَّلْتكَ فَلاقَتْكَ ... وَطرْفٍ رَنا إلَيْكَ فَاّلا
قال الشيخ ﵀: أي حلفوا أنهم لا رأوك إلا بقلوبهم، وقد علموا الآن الغلبة لك فهم لا يثبتون فينظرون إليك بعيونهم، لأن العين طالما غرت الناظر فيتوهم ما لاح له شيئاً غيره.
وقال ابن جني: قد تكرر هذا المعنى في شعره كقوله:
كأنَّ شُعاعَ عينِ الشَّمْس فيه ... فَفي أبصَارِنا عَنْهُ انكسارُ
стр. 68
وقال ابن فورجة: قوله) لا رأوك إلا بقلب (يقول حلفوا ليحضرن عقولهم وليعلن أذهانهم وأفكارهم فيك وفي قتالك، إذ كان ما يرونه بعيونهم قد لفهم عنك كثيراً، وأوهمهم أنهم يقاومونك، فلما جربوا خابوا، ورؤية القلب هو العلم، ثم أتى بمعنى يجوز أن يكون شرحاً لهذا المعنى الذي قدمه ويجوز أن يكون معنى آخر مستأنفا، فقال: أي عين تأملتك فلاقتك، يريد أن العيون إذا نظرت إليك تحيرت فلم تعقل ما ترى كقوله:
فإذا رَأيُتكَ حارَ دُونَكَ ناظرِي ... وإذا مَدَحتكَ حارَ فيكَ لِساني
وقوله: وَطَرْفٍ رَنا إلَيكَ فَالاَ آل بمعنى رجع يريد أن العيون إذا نظرت نحوك تحيرت وبهتت، فلم تؤل أي لم ترجع، وبقيت شاخصة إليك كما قال أيضا:
تَمضِي الكَواكُب والأبصار شاخصة ... مِنْها إلى المَلِكِ الميمُونِ طِائرةُ
وفي هذا المكان سؤال آخر وهو أن يقال كيف قال:
أقْسَمُوا لا رأَوْكَ إلاَّ بقَلْبٍ ... طاَلَما غَرَّتْ العُيُونُ الرّجالا
وهو قد قال قبله:
والعِيانُ الجَلِيُّ يُحْدِثُ للظَّنَّ ... زَوَالا وللمُرادِ انتِقالا
وإذا ما خلا الجَبانُ بأرضِ ... طَلَبِ الطَّعْنَ وَحدهُ والنَّزَالا
ثم أتى بهذا البيت فناقض ما قدم، لأنه زعم أن العيان يزيل الظن، ويأتي بالقين، ثم قال فيما يليه) أقسموا لا رأوك إلا بقلب (ورؤية القلب هي من الظن، وذم العيان، فقال) طالما غرت العيون الرجالا (فالجواب عن هذا أن علم القلب وإن كان أجل من البصر، فإن العلم لا يحصل إلا بعد النظر بالعين في الغالب، وإذا ظن الروم أنهم يقاومون سيف الدولة ثم علموا عظم شأنه وشدة بأسه، وقصورهم عنه، حصل لهم العلم بأنهم لا يقاومونه بعد العيان والتجربة، وإذا رأوه بالعين دون القلب، رأوا عسكراً مثل عسكرهم شكلاً ومنظراً، أو دونه عدداً وكثرة، فأوهمهم ذلك أنهم يقاومونه، فلم يكن هذا تناقصاً وكان كل معنى مستقلاً بنفسه منفرداً عن صاحبه.
ما لَمِنْ يَنْصِيبُ الحَبائِلَ في الأرْضِ ... وَمَرْجاهُ أنْ يَصيدَ الهِلالا
قال ابن جني: هذا مثل ضربه أي سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف بالدربة الحرام من الحلال.
وقال ابن فورجة: يعني أن سيف الدولة غاز للروم، فما يقتل إلا كافراً فكأن سيوفه تعرفالحلال من الحرام.
ومن التي أولها:
ما لَنا كُلُّنا جَوٍ يا رَسُوُلُ ... أنا أهْوى وَقَلبُكَ المَتْبُولُ
قال ابن جني: معنى البيت أنه اتهم رسوله بمشاركته إياه في حبيبه.
وقال الشيخ ﵀: الأجود أن يرفع) كلنا (على الابتداء ويكون) جو (خبره وكان بعض الناس يخفض كلنا، ويجعله توكيداً للضمير في) لنا (وهذا رديْ لأنه يوجب نصب) جو (على الحال، فيقال ما لنا كلنا جويا وإن لم يفعل ذلك فهو ضرورة.
أفْسَدَتْ بينَناَ الأماناتِ عَيْناها ... وخَانَتْ قُلُوبُهنَّ العُقُولُ
قال الشيخ ﵀: زعم أنه أرسل رسولاً ينوبه فلما نظر إلى عينها تغير عن حال الأمانة،) والهاء (في قلوبهن يحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون راجعة إلى الأمانات، ويكون قد استعار للأمانات قلوباً، وإنما يعني قلوب المؤتمنين والآخر: أن تكون الهاء والنون راجعتين إلى العقول كما يقدم الضمير الذي في المفعول، يقال: لبس ثوبه فلان والمعنى متقارب، والعقول في هذا القول فاعله، وكذلك في القول الأول إلا أن الضمير هاهنا للعقول.
وقال ابن فورجة: الهاء والنون ضمير قبل الذكر، والتاء في) خانت (للعقول يريد خانت العقول قلولها، لأنهم إذا نظروا عينها غلبهم هواها على الأمانة ولم تكمل العقول التصوير القبيح بصورة القبيح وأوهمت أنه جميل ومثل هذا قوله:
ومَا هِيّ إلاَّ نَظرةُ بعدَ نَظرةٍ ... إذا نَزَلتْ في قَلْبهِ رَحلَ العَقْلُ
وإنما يعني أني بعثت رسولاً عشقها، فخانني فيما يؤدي من الرسالة.
تَشْتَكي ما اشْتَكْيتُ مِنْ طَرَبِ الشَّوْقِ ... إليَها والشَّوقُ حَيثُ النُّحُولُ
قال ابن جني: ما أحسن ما كنى عن تكذيبها، ولم يصرح به أي أنا مشتاق فنحولي يدل على ذلك، وهي غير ناحلة فليست مشتاقة.
стр. 69
وقال الشيخ أبو العلاء ﵀: تشتكي يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون خطاباً للرسول الذي ناداه في أول القصيدة أي تشتكي ما اشتكيت وأنت كاذب، لأنك لست ناحلاً، وإنما الشوق حيث النحول، ومثل هذه القصيدة التي ذكرناها أبو الطيب جرى لأبي ذؤيب الهذلي مع خالد بن زهير فقال أبو ذؤيب:
مَا حُمّلَ البُخْتِيُّ يَوْمَ غِياره ... عَلَيه الوُسُوقُ برُّها وشَعِيرهاُ
بأَثْقَل مَّما كُنْتُ حَملَّتُ خَالدِا ... وَبَعضُ أمانَاتِ الرّجالِ غَرُرُهاَ
وكان أبو ذؤيب قد أفسد هذه المرأة على سواه، فقال له خالد بن زهير أبياتاً منها:
فَلاَ تَجْزَعَنْ مِن خُطَّةٍ أنْتَ سرِتْها ... فأوَّلُ رَاضي خُطةٍ مَنْ يَسيرها
وكان خالد إذا عاد إلى أبي ذؤيب يشم عطفه، ويمس ثوبه لينظر أعلق به منها طيب، وخالد الذي يقول:
يا قوم مَالي وأَبا ذُؤيبِ ... كُنتُ إذا أتيتُه عن غَيبِ
يَشمُّ عِطْفِي ويمَسُّ ثَوْبي ... كأنّما أربتُه بريبِ
وقال أبو ذؤيب:
تُريدينَ كيمَا تَجْمعِيني وخَالِداً ... وهل يُجمعُ السَّفَيانِ ويحَكِ في غِمدِ
فآليتُ لا أنْفَكُّ أحْذُو قَصِيدَةً ... تَكُونُ وإيَّاها بها مَثلاً بَعدي
والوجه الثاني: أن يكون قوله) يشتكي (إخباراً عن المرأة، والأول أشبه.
صَحِبتْني على الفَلاةِ فَتاةُ ... عادَةُ اللَّونِ عِنْدها التَّبدْيلُ
قال ابن جني: يعني الشمس: وجعلها فتاة لأن الزمان لا يؤثر فيها، كما يقال للدهر الأزلم الجذع، أي هو طري قوي لا يستحيل عن ذلك.
قال الشيخ ﵀: ويجوز أن يجعلها فتاة، لأنها تطلع كل يوم فكأنها شيء محدث وقوله) عادة اللون عندها التبديل (أي تغييره.
نحنُ أدْرى وقد سألْنا بنَجْدٍ ... أَطَويلُ طَرِيُقنا أمْ يَطُولُ
قال ابن جني: أي هو طويل في الحقيقة أم يطوله الشوق إلى المقصود.
وقال الشيخ ﵀: معناه أنه يدري ولكنه يقوله على سبيل التبالة ألا تراه يقول بعده:
وَكثِيرُ مِنَ السُّؤَالِ اشِتياقُ ... وَكثيرُ من رَدّهِ تَعْلِيلُ
فهذه طريقة للشعراء مألوفة، يظهرون التجاهل بالشيء، وإن كانوا يعرفونه كقول أبي تمام:
وَمَكارِماً عُتُقَ النِجّارِ تَلَيدةً ... إنْ كانَ هَضْبُ عَمايتَيْنِ تَليدَا
ألا تراه أدخل في الكلام شكا لأن أحداً لا يجهل أن هضب عمايتين تليد غير معروف الأول، ومن خاض كلام العرب ونظر إلى تصرفها ومذاهبها وإشارتها، أجاز ما يمنع غيره، ومنع ما يجيزه، أولا ترى إلى قول بشر:
أُسائِلُ صَاحِبي ولَقَدْ لأرَاني ... بَصِيراً بالظَّعائنِ حَيْثُ صَارُوا
وقال ابن فورجة: قول ابن جني أن الشوق يطول الطريق محال لأن الشوق يقصر طول الطريق، ألا ترى إلى قول القائل:
أرى الطَريقَ قَريباً حينَ أسلكُه ... إلى الحَبيبِ بَعيداً حينَ أَنصَرفُ
وقول الآخر: مَنْ عَاَلج الشَّوْقَ لمَ يستبِعد الدَّارَا وإنما يريد بقوله) يطول (أنه يعرض له من يصده، أو حالة تلفته وتعوقه من رغبة الملوك فيه وفي مدحه ومقامه عنجهم، أو سوى ذلك من علة أو ما أشبهه، ويريد بهذا القول تشوقه إلى سرعة الوصول وإشفافه أن يطول طريقة عارض بصده، واستثنى الأخبار، ثم أخبر أنه إنما يسأل هذا السؤال لشدة الشوق، وهو عالم بقدر طول الطريق وآمده، ولا حاجة به إلى سؤال أحد. ومثله.
وأسْتَخْبِرُ الأخبارَ مِن نَحْوِ أْرضِها ... واسْألُ عنها الرَّكْبَ عَهْدُهُمُ عَهْدي
لا أقَمنا على مَكانٍ وإنْ طا ... ب ولا يُمكنُ المَكانَ الرَّحيلُ
قال ابن جني: لم يقم كقول الله تعالى) فلا صَدّقَ ولا صلى (يريد لم يصدق ولم يصل، وقال الشاعر: وَأيُّ أمْرٍ سيئٍ لأَفَعَلهْ أي لم يفعله، وقوله: ولا يمكن المكان الرحيل، أي لو أمكنه الرحيل لرحل معنا إلى سيف الدولة شوقاً إليه.
وقال الشيخ ﵀:) ولا أقمنا (في معنى لم تقم، ومنه قول الشاعر:
وأيَّةُ لَيلةٍ لا كُنْتُ فيها ... كجَاري النَّجمِ يُحرقُ ما يُلاَقي
أي لم يكن فيها، ويجوز أن يكون قوله:) لا أقمنا (على معنى القسم، كأنه قال والله لا أقمنا، والمكان لا يمكنه أن يرحل معنا، وقد أبان هذا المعنى فيما بعده فقال:
стр. 70
كُلَّما رَحَّبَتْ بنا الرَّوْضُ قُلْنا ... حَلَبُ قَصْدُنا وأنْتِ السَّبِيلُ
وكأنهم يعتذرون إلى الأماكن والروض إذا رحب بهم، لأنه مسرور بنزولهم وهم لا يقدرون على الإقامة، وهو لا يمكنه الرحيل.
وقال ابن فورجة: لو أنعم الشيخ أبو الفتح النظر لعلم أن هذه ليست تلك التي عناها، وإنما هي التي تكون جواب القسم، كقولك: والله لا أقمت، ووالله لا ضربت، وقد يحذف القسم والكلام يقتضيه ويدل عليه، ألا ترى إلى قول الرسول ﷺ فيمن فعل كذا وكذا: لا تمس النار الا تحلة القسم يريد قول الله تعالى:) وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (ألا ترى أنه لا قسم ظاهر في هذه الآية. ولكن تأكيد الإيجاب دال على القسم ونائب منابه) ولا (في بيت أبي الطيب لها وجه آخر غير ما ذكرنا وهو أن يكون) لا (التي في الدعاء المنفي كقولك: لا يفضض الله فاك وكقوله:) فلا هَجَمْتَ بها إلاَّ على ظَفَر (فمحتمل أن يريد: والله لا أقمنا على مكان هذه صفته، وقوله) لا يمكن المكان الرحيل (له معنى لطيف قدسها عنه ابن جني وهو أنه يريد: لا نقيم على مكان أبداً حتى نلقاه، أي لا أقمنا على مكان إلا ويمكن المكان الرحيل معنا وهذا ما لايكون، فكذلك نحن لا نقيم كقول القائل:
إذَا زَالَ عَنكم أسودُ العَينِ كُنتم ... كِراماً وأنتم ما أقامَ ألائِمُ
و) أسود العين (جبل لا يزول فكذلك المخاطبون لا يكونون كراماً.
لو تَحرَّفْتَ عَن طرِيق الأعادي ... رَبَطَ السَّدرُ خَيلَهُم والنَّخِيلُ
قال الشيخ ﵀: يقول: لو ملت عن طريق الأعداء لساروا حتى يربطوا خيلهم في السدر والنخيل، وكأنه قلب المعنى فجعل السدر والنخيل يربط خيول الأعداء، كما تقول: ساءني أمر كذا، أي وقع السوء فيه، وهذا وجه، وفيه معنى آخر، وهو أن يكون يصف الممدوح بالسعادة، فلو تحرف عن طريق من معاديه لكان السدر والنخيل يربط خيولهم أن تتفسح في البلاد، وهذا نحو قول الآخر:
تَرَكُوا جارَهُمُ يأُكُلهُ ... ضَبُعُ الوَادي وَيَرْميهِ الشَّجَرْ
وقال ابن فورجة: هذا البيت يشبه قوله:
فكُلَّما حَلَمتْ عَذْرَاءُ عِندهُم ... فإنَّما حَلَمتْ بالسَّبي والجَمَلِ
وذاك أن الروم ليس في ديارهم سدر ولا نخيل، كما ليس في ديارهم الجمال، فقوله) ربط السدر خيلهم والنخيل (يريد لولا دفاعك عن عضد الدولة ومعز الدولة لسارت الروم إليها وأوغلوا في ديارهما، حتى ربطوا خيلهم في السدر والنخيل، يريد بذلك الغض ممن بالعراق، ورفع شأن سيف الدولة، وقد صرح بذلك فقال بعده:
ما الّذِي عِنْدَهُ تُدَارُ المَنايا ... كالَّذي عِنْدَهُ تُدارُ الشَّمُولُ
وقوله) ربط السدر (إنما يريد ربطت إلى السدر، والروم ربطوها، ولكن لما كان السدر والنخيل يمسك خيله، جعل الفعل لها توسعاً في الكلام.
ومن التي أولها:
مُحِبّي قِيامي ما لِذَالِكُمُ النَّصْلِ ... بَرّياً مِن الجْرحَى سَليماً مِن القَتْلِ
قال ابن جني: نصب) بريا (على الحال من النصل، ومعناه يا من يحب مقامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بنصل أعدائي وأقتلهم به.
قال الشيخ ﵀:) محبي (نصب على النداء أي يا محبي، ويعني بقيامه نهوضه والتماس ما يريد، يقال: قام الملك في أمر كذا، ومن ذلك: كان كذا من قبل أن يقوم النبي ﷺ ، أي من قبل أن تظهر الدعوة إلى الإسلام.
وقال الشاعر:
نبغَ ابن كُوزٍ في سِوَانا فإنّه ... غَذَا النَّاسُ مُذْ قَامَ النَبُّي الجوارِيَا
وقال الآخر:
إذا ماتَ مِنّا سَيّدُ قامَ سيّدُ ... قؤُولُ لما قال الكِرامُ فَعُولُ
ويعني بالنصل سيفه كأنه يسألهم ماله) برياً من الجرحى سليماً من القتل (يقول لمحبي قيامه: ما لكم لا تجتمعون إلي وتنصروني، فأخرج وأقتل ويختضب سيفي.
أمِطْ عَنكَ تَشْبِيهِي بما وكأنَّهُ ... فَما أحَدُ فَوْقي ولا أحَدُ مِثْلي
стр. 71
قال ابن فورجة: قد أكثر الكلام في هذا البيت، وقوله: تشبيهي بما، وقالوا ليس) ما (من حروف التشبيه، ولم يؤت في الجواب بطائل، فأما ابن جني فقال: الذي كان يجيب به إذا سئل عن هذا أن يقول: تفسيره كأن قائلاً قال ما يشبه؟ فيقول الآخر كأنه الأسد، أو كأنه الأرقم، ونحو ذلك فقال هو معرضا عن هذا القول) أمط عنك تشبيهي بما وكأنه (، فجاء بحرف التشبيه، وهو كأن، وبلفظ) ما (التي كانت سؤالاً، وقد تكلم في هذا البيت القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال هذا مما سئل عنه أبو الطيب فذكر أن) ما (تأتي لتحقيق التشبيه، تقول عبد الله الأسد، وما عبد الله إلا الأسد، وإلا كالأسد، كما قال الشاعر:
ومَا هنْدُ إلاّ مُهْرَةُ عَرَبّيةُ ... سَليلَةُ أفْراسٍ تَجَلَّلَهاَ بَغلُ
وقال لبيد:
ومَا المَرْءُ إلاّ كالشِهابِ وضوئهِ ... يحَوُرُ رَماداً بعد إذْ هو سَاطِعُ
ثم قال: وأقول: إن التشبيه بما محال، وإنما وقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحروفه، وإذا قال) وما المرء إلاّ كالشهاب (فإنما المفيد للتشبيه الكاف، وإنما) ما (للنفي نفت أن يكون المرء إلا كالشهاب، وإذا قال) وما هند إلا مهرة عربية (فإن) ما (دخلت على ابتداء وخبر، وكان الأصل هند مهرة عربية، وهو في تحقيق المعنى عائد إلى تقريب الشبه، وإن كان اللفظ مبانياً للفظ، ثم نفى أن يكون إلا كذلك، فليس بمنكر أن ينسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر، وباب الشعراء أوسع من أن يضيق عن مثله، والذي عندي ما أقوله، وهو فائدتي من الشيخ أبي العلاء، سقاه الله وحياه، وليس هو مما استنبطته، وهو أن يكون يعني) ما (التي تصحب كأن إذا قلت: كأنما زيد الأسد، ألا ترى أنها كثرت حتى تكلم النحويون فيها إذا حالت بينها وبين الاسم، وقصروا عليها فصولاً كثيرة من كتب النحو، وقد صارت في نعت قوم لازمة لكأن حتى ما تفارقها وما عندي أن أبا الطيب أراد غيرها والله أعلم بالغيب.
وقال الأحسائي:) ما (تكون نكرة بمعنى شيء، وتكون معرفة بمعنى الذي، فيقول أمط عنك تشبيهي بشيء من الأشياء ولا بكأنه شيء.
ومن التي أولها:
أحْيا وأيْسَرُ ما قاسَيْتُ ما قَتَلا ... والبينُ جارَ على ضَعْفِي ومَا عَدَلا
قال الشيخ أبو العلاء ﵀ أحيا (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الشاعر أخبر عن نفسه فقال أحيا أي أعيش، وأيسر ما قاسيت ما قتل.
والآخر: أن يكون) أحيا (في معنى أفعل الذي يراد به التفضيل، أي أشد ما يكون في إحياء الإنسان وأيسر ما قاسيت شيء قاتل، وكان الكلام على التقديم والتأخير، كأنه قال: ما قتل أي الشيء الذي يقتل أحيا وأيسر ما ألقاه وإذا حمل على هذا الوجه فقد حذف المضاف إليه في قوله أحيا، لأنه أراد أحيا ما لاقيت وإنما يستعمل ذلك في الشعر ولو قلت في الكلام المنثور أكرم وأفضل الناس زيد، تريد أكرم الناس زيد وأفضلهم لقبح ذلك، وفيه شبه من قول الفرزدق:
يا مَنْ رأَى عَارِضاً أرقتُ له ... بينَ ذراعيْ وجَبْهةِ الأسَدِ
أراد بين ذراعي الأسد وجبهته.
قَيْلُ بمَنْبِجَ مَثْواهُ ونَائِلُهُ ... في الأُفْقِ يَسألُ عمنَّ غَيرهُ سألا
قال الشيخ ﵀: منبج إن كان اسماً عربياً فهو مأخوذ من قولهم نبج إذا رفع صوته، ويوم النباج يوم من أيام العرب، ويقال إن النباج مواضع مرتفعة والقيل ملك دون الملك الأعظم، وقوله) يسأل عمن غيره سألا (كأنه يسأل عنه ليغنيه أو ليعاتبه إذا لم يسأل هذا الممدوح.
ومن التي أولها:
قِفا تَرَيا وَدْقِي فَهاتا المَخايِلُ ... ولا تَخْشَيا خُلْفاً لما أنا قائِلُ
قال الشيخ ﵀ الودق (هاهنا المطر، وقيل هو خروج القطر من الغيم بكثرة، وعن ابن عباس ﵄ أن الودق مثل الدخان يخرج مع القطر من الغيم، والمخايل جمع مخيلة وهي السحابة التي يخال فيها المطر، والمعنى قفا تريا ما أفعل فقد رأيتما دلائله.
وآخَرُ قُطْنُ مِن يَدَيْهِ الجنادلُ قال الشيخ: أي لا أحفل به ولا يقدر لي على مضرة، فكأن الجنادل إذا رماني بها قطن من لينها، فأقول فاسد.
شاَقتْكَ ظُعْنُ الحَيّ يومَ تَحَملّوُا ... فَتَكَّنسوا قُطْناً تصِرُّ خِيامُها
стр. 72
فيقال أراد يكنسوا قطناً، أي جعلوا ثياباً من قطن لهم مثل الكنس جمع كناس وهو حيث تكون الظبية والبقرة الوحشية، وقيل القطن جمع قطين وهم أهل الدار، وقيل القطن جمع قطان وهو جانب الهودج.
ومن التي أولها:
عَزِيُز أسىً مَنْ داؤُهُ الحَدَقُ النُّجلُ ... عَياءُ بِهِ المُحِبُّونَ مِنْ قَبْلُ
قال الشيخ ﵀:) عزيز (خبر مقدم إذا جعلت) من (معرفة، فإن جعلتها نكرة جاز أن يكون) عزيز (المبتدأ، وذهب بعض النحويين إلى أن المبتدأ والخبر إذا كانا نكرتين فالمبتدأ هو الأول لا غير، وقد يكون المبتدأ والخبر نكرتين وأحدهما أخص من الآخر كقولك:) ذهب خاتم في إصبعك (فخاتم هاهنا أخص من ذهب، وهو بأن مبتدأ أولى من ذهب،) وعياء (أي معيي لا يعرف دواؤه، ويجوز أن يكون) عياء (بدلاً من) الحدق النجل (ولا يمتنع أن يكون على إضمار هو) والأسى (من قولك أسوت الجرح إذا أصلحته وداويته ويقال أسى الجرح أسواً وأسى.
قال الأعشى:
عِنْدهُ البِرُّ والتُّقَى وأسا ... الصَّدع وحَمْلُ لُمضْلِعِ الأَثْقالِ
وأشبه الوجوه عزيز أسىً من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسىً من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسىً بإضافة عزيز إلى أسى وتنوين أسى، ويجوز تنوينهما.
كَفى ثُعَلاً فَخْراً بأنَّكَ منْهُمُ ... ودَهَراً لأنْ أصْبحتَ مِنْ أهْلهِ أهْلُ
قال ابن جني: ورواه) دهر (بالرفع، أي وهو أهل لأن أصبحت من أهله أهل للفخر، فارتفع) أهل (لأنه وصف لدهر، وارتفع دهر بفعل مضمر دل عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتجه رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل هاهنا.
وقال الشيخ أبو العلاء ﵀ ورواه) دهراً (بالنصب، قوله) بأنك منهم (الباء زائدة، وقوله: أنك منهم وكفى دهراً فخراً أنه أهل لأنك من أهله، وكان رفع) أهلاً (في آخر البيت على تقدير) ودهراً (هو لأن أمسيت من أهله أهل.
وقال ابن فورجة ورواه) دهراً (بالنصب: هكذا رويت بنصب دهر، وهو معطوف على قوله) ثعلا (أي وكفى دهراً، ورفع أهل بخبر مبتدأ محذوف كأنه قال: وكفى دهراً لأن أمسيت من أهله أهل فخراً، وهو كقوله أيضا:
ليتَ لي مثل جَدّ ذا الدَّهْرِ في الأدْ ... هُرِ أوْ رِزْقهِ مِنَ الأرْزَاق
أنتَ فيه وكانَ كُلُّ زَمانٍ ... يَشْتَهي بَعْضَ ذَا عَلى الخَلاَّقِ
ومن التي أولها:
صِلَةُ الهَجْرِ لي وَهَجْرُ الوِصَالِ ... نَكَسانِي في السُّقْمِ نُكْسَ الهِلالِ
قال الشيخ ﵀: يقول مواصلة الهجر وهجر المواصلة نكساني في السقم نكس الهلال. أي كنت صحيح الجسم كامل الخلق، فنكسني هذان الشيئان نكس الهلال، وذلك أني زدت كما يزيد في أول الشهر، ثم نقصت كما ينقص إلى أن لحقه السرار، وقد شببت الشعراء بالقمر وزيادته ونقصه وينشد لبعضهم:
ومَهْمَا يكُنْ رَيْبُ الزَّمانِ فإنَّني ... أرَى قَمَرَ اللَّيلِ المُعذَبَ كالفَتَى
يكُونُ هِلاَلاً ثم يَزدَادُ نُورُهُ ... وبهَجَتُه حَتَّى إذَا تمَّ واسْتَوَى
تَقَاربَ يَخْبُو ضَوْؤهُ وبَهاؤُهُ ... وينقصُ حتَّى يَسْتَسِرَّ فلا يُرَى
كذلِكَ زَيْدُ المَرْء ثمَّ انْتِقَاصُهُ ... عَوْدَتُهُ في عُمرِهِ بعدَمَا مَضى
بُطُلُولٍ كأَّنُهنَّ نُجَومُ ... في عِراصٍ كأَّنُهنَّ ليالي
قال ابن جني:) الأطلال (ما شخص من آثار الدار، أي تلوح الطلول من العراص كما تلوح النجوم في الليالي.
قال الشيخ ﵀: شبه الطلول بالنجوم، لأنها عنده مستحسنة لأجل من كان يحلها ممن يحب، والعراص وهي جمع عرصة وهي الموضع من الدار، وجعل العراص كالليالي لأن المرتحلين عنها كانوا فيها كضياء النهار، فلما فارقوها ذهب نورها، فكأن كل عرصة منها ليلة في الإظلام.
والجِرَاحاتُ عِنْدَهُ نَغَمَاتُ ... سَبَقتْ قَبْلَ سَيْبِهِ بِسُؤَالِ
قال الشيخ: زعم أن الجراحات عند الممدوح نغمات تسبق من السؤال سيبه أي يشق عليه أن لا يكون سبق إلى المعروف قبل أن يطلب منه.
ومن التي أولها:
стр. 73
أبْعَدُ نَأْي المَلِيحَةِ البَخَلُ ... في البُعْدِ ما لا تُكَلَّفُ الإبلُ
قال الشيخ ﵀: يقول: أبعدنا في المليحة بخلها إذا بخلت وهي الدانية، فكأنها بعيدة الدار، وقد بين ذلك بقوله:) في البعد ما لا تكلف الإبل (أي أن البعد قد يكون بالهجر كما يكون بالفراق.
مَلُولَةُ ما يَدُومُ لَيْسَ لَها ... مِنْ مَلَلٍ دَائمٍ بها مَلَلُ
قال ابن جني: يقال رجل ملول وامرأة، أدخلت الهاء للمبالغة، و) يدوم (في موضع نصب أي تمل كل شيء يدوم إلا مللها، فإنها لا تمله فتتركه، وإن كان أيضا دائماً.
أنتَ نَقيضُ اسمهِ إذا اخْتَلَفتْ ... قَوَاضِبُ الهِنْدِ والقَنا الذُبلُ
أنتَ لَعَمرِي البَدْرُ المُنيرُ ... ولكِنَّكَ في حَوْمَةِ الوَغَى زُحَلُ
قال ابن جني: أي اسمك بدر وأنت في هذا الوقت زحل، لأنك حينئذ تهلك أعدائك وبدر هو القمر، والقمر سعد، وزحل نحس، فلذلك نقيض اسمه.
وقال الشيخ ﵀: البدر من شأنه أن يصف بالنور، ويهتدي به الناس في الأسفار. فزعم أن هذا الرجل في الحرب يصير نقيض اسمه، لأنه يقتل الناس ويثير الغبار بالخيل فيظلم عليهم الأرض، ويكون فعله في الحرب فعل البدر في الظلم، ثم ذكر في البيت الثاني أنه البدر المنير، ولكنه زحل في موقف الحرب، لأن زحل يزعم المنجمون أنه في صورة الأسود، وهو بطيء السير فكأن هذا الرجل هو كالبدر المنير في الحرب زحل. لأنه لا يسير سيرا سريعا، إذ كان القمر يوصف بسرعة السير وهو كوكب نحس يكثر الهلكة، وبعض الناس يذهب إلى أن زحل ملك الموت.
ومن التي أولها: بقائي شاءَ لَيْسَ ارْتحِالا قوله:
فَما حاوَلْتُ في أرْضِ مُقاما ... ولا أزْمَعْتُ عَنْ أرْضٍ زَوَالا
قال ابن جني: يقول إذا كان ظهره كالوطن لي، فأنا وإنْ جئت البلاد كالقاطن في داره، ولأني أقطع الأماكن فلست مقيما في الحقيقة.
وقال ابن فورجة: كأن أبا الطيب أراد بهذا البيت الإلغاز، وإنما يريد أني إذا جعلت أرضي فتودي، وألفت الترحل فكأني ما أقمت بأرض ولا ارتحلت عن أرض وقد تقدمه قوله:
الفِتُ تَرَحُّلِي وجعلْتُ أرْضِي ... قُتُودِي والغُذَيْرِيّ الجُلالا
لأنه إذا كانت أرضه القتود، فهو لا يزول عن أرضه أبدا، وإذا كان يترحل أبدا فهو لا يريد مقاما في أرض، ويحتمل معنى آخر يخرجه عن حد الألغاز، وذاك أنه يريد إذا كان مسافرا أبدا لا يقيم في بلد ولا مكان، فكيف يكون مزمعا زوالا عن أرض، إنما كان إزماعه حين ارتحل منها، وهو معنى لطيف فافهمه.
سِنانٌ في قَناةِ بَني مَعَدّ ... بَنِي أسَدٍ إذا دَعَوُا النّزَالا
قال ابن جني: بني أسد منصوب لأنه منادى مضاف، ومعناه أن قول بني معد إذا نازلوا الأعداء يا بني أسد، ليقوم في الغناء والدفع عنهم مقام سنان مركب في قناتهم، لأنهم إذا دعوهم أرهبوا الأعداء، وأغنوا عنهم ومنعوا منهم، ويجوز أن يكون) بني أسد (بدلا من) قناة بني معد (كأنه قال: سنان في بني أسد الذين هم قناة في بني معد، يريد بضربهم إياهم، وهذا أقوى من القول الأول.
وقال الشيخ ﵀، يقول بدر سنان في قناة بني معد نسبة إلى معد بن عدنان، وقوله بني أسد يجوز أن يكون بدلا من بني معد، وهو بدل تبعيض؛ لأن بني أسد يرجعون في النسب إلى معد، وهذا كما يقول فلان من بني العباس بن علي بن عبد الله، ويجوز أن يكون نصب بني أسد بإضمار فعل كأنك قلت أعني أو أريد أو نحو ذلك.
يَكُونُ أحَقُّ إثْناءٍ عَليهِ ... عَلى الدّنْيا وأهْلٍيها محُالا
قال الشيخ: يقول كل ما يوصف به المكارم والأفعال الجميلة يكون حقا وإذا وصف به أهل الدنيا كان محالا، فإذا قيل هو كريم فالقائل صادق محق، وإن قيل إن غيره كريم فالقائل كاذب محيل، وكذلك إن أثنى عليه بالشجاعة والحلم وغيرهما مما يحمد.
جَوَابُ مُسائٍلي ألَهُ نَطِيرٌ ... وَلا لَكَ في سؤالِكَ لا، ألا، لا
стр. 74
قال الشيخ ﵀: يقول للسائل عن الممدوح أله نظير؟ لا، أي لا نظير له ويقول للسائل: ولا لك نظير أيضا جلها في ظنك أن له نظيرا، وقد كرر أبو الطيب) لا (في قوله هكذا هكذا وإلا فلا لا، والكلام قد تم عند قوله) في سؤالك (فجاء) بلا (ثانية توكيدا ثم لم يرض بذلك حتى قال: ألا سائل لا، فإن كان أراد هذا الغرض فليس بالحسن، وأسهل منه أن يصرف إلى معنى آخر وذلك أنهم يقولون ما بفلان من الإضلال وتلإلال، فيجعلون الإلال كالإتباع وتابع الشيء في معناه أو قريبا منه، فكأنه على هذا الوجه قال ولا لك في سؤالك، فتم الكلام أي لا ضلال، فأما أن يكون أراد لا يضل أيها السائل ضلالا، أو يكون نفى الضلال عن الناس أن يظنوا بمن مدح هذا الظن.
يفارِقُ سَهْمُكَ الرَّجُلَ المُلاقِي ... فِراقَ القَوْسِ ما لاقَى الرّجالا
قال الشيخ: يقول إذا لقي سهمك رجلا نفذ فيه سريعا لفراقه القوس، أي أنه لا يثبت في الرجل، ولكنه يعبر الرجال شيئا فشيئا ما لقي رجلا.
ومن التي أولها:
في الخّدّ أنْ عَزَمَ الخَليِطُ رَحيلا ... مَطرٌ يَزيدُ بهِ الخُدُودُ بهِ الخُدُودُ مُحُولا
قال الشيخ: يقول إذا عزم الخليط رحيلا بكة المحب بكاء مثل المطر، إلا أنه لا ينبت العشب كغيره من الأمطار، والخدود يزيد محلها به، وقال بعض الشعراء ويقال إنه ليموت بن المزرع:
لَو يَنبتُ العُشبُ مِنْ دُموعٍ ... لكانَ في خَدَّيَ الرًّبيعُ
يا قمراً غابَ عَن عَيانِي ... الله قُلْ لي متى الرُجوع
كمْ زَفَراتٍ وكمْ دمُوعٍ ... يا عَينُ هّذا هو الفَطِيعُ
أعْدَى الزَّمانَ سَخَاؤهُ فَسَخا بِهِ ... ولقدْ يكُونُ بهِ الزَّمانُ بَخيلا
قال ابن جني: أي تعلم الزمان من سخائه فأخرجه من العدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه الذي أفاد منه لبخل على أهل الدنيا، فلم يظهره واستبقاه لنفسه، وفي هذا شيء يسأل عنه فيقال أنه في حال عدمه لم يكن له سخاء لأن السخاء لا يصح إلا في موجود، فكيف وصفه بالسخاء وهو معدوم؟ فالقول في هذا إن الزمان كأنه علم ما يكون فيه من السخاء إذا وجد، فكأنه استفاد منه ما تصور كونه فيه بعد وجوده، ولولا ما تخيله فيه لبقي أبدا بخيلا به والشيء إذا تحقق كونه لا محالة أجري عليه في حال عدمه كثير من الأوصاف التي يستحقها بعد وجوده، ألا ترى إلى قوله تعالى) إني أراني أعصر خمرا (.
وقال ابن فورجة: قد جود الشيخ أبو الفتح ﵀ فيما أتى به، غير أنه قد يمكن تفسيره على وجه أقرب من هذا يخرجه من هذا التبعيد، وهو أن يقال: مراده فسخا به علي، يريد اتصاله به وانضمامه إلى جنبته، يقول قد كان الزمان بذلك بخيلا علي فأعداه سخاء الممدوح فسخا به فوصلني إليه وهذا معنى واضح.
وتَظَنهُ مما يُزمجِرُ نَفْسهُ ... عنها لشِدَّةِ غَيْظِهِ مَشْغُولا
قال ابن جني: أي تظنه نفسه مشغولا عنها وقال الشيخ ﵀: الأجود أن يرفع نفسه لأنها فاعلة تظن أي الأسد تظنه نفسه مشغولا عنها باتصال الزمجرة لم تجر عادتها أن تتعدى إلى مفعول.
قال ابن فورجه:) نفسه (رفع على تأويلين أحدهما: أن تكون فاعلة يزمجر: والثاني: أن تكون فاعلة تظنه، يريد تظنه نفسه مشغولا عنها ما يزمجر، وهذا هو الجيد، وعليه المعول، والأول يكون المراد وتظنه أنت مشغولا عن نفسه بشدة غيظه مما تزمجر نفسه، على أنا قرأناه يزمجر بالياء، وإذا كانت نفسه فاعلة يزمجر روي بالتاء ولم نروه.
سَمِعَ ابنُ عَمَّتِهِ به وبحالهِ ... فَنَجا يُهرْوِلُ مِنْكَ أمْسِ مهولا
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: إنما قال الشاعر ابن عمته لأن سمع قول أبي زبيد في صفة الأسد.
أفرَّ عنه بني العَمَاتِ جُرأتُه ... فكُلّها خَاشِعٌ من ذَاكَ مُكَتنعُ
وليس لابن العمة هاهنا فضل على ابن الخالة.
وقال الاحسائي: قال ابن عمته ليدل على أنه أسد وأمه لبؤة، لأن السباع يلقح بعضها بعضا إلا اللبوة لا تلقح إلا من الأسد، والأسد الذكر يلقح الإناث من غير جنسه، فإذا كان الأسد ابن عمته صح أنه ابن عمه لما ذكرناه، ويجوز أن يكون ابن عمه وأمه من غير الأسد مثل الضبع والببر والنمر والدب وغير ذلك فهذه كلها يلقحها الأسد.
ومن التي أولها: أرَى حُلَلاً مُطَوَّاةً حِساناً قوله:
стр. 75
لَقَدْ ظَلَّتْ أوَاخِرُها الأَعالِي ... مَعَ الأُولى بِجِسْمِكَ في قِتالِ
قال ابن جني: الأولى بجسمك أي الأدنى إليه وهذا كقوله أيضا: وتَحْسُدُ الخَيْلُ مِنْها أيَّها رَكبا وقال ابن فورجه: قوله) أواخرها الأعالي (مما يجب أن يوضح غرضه فيه، وذاك أنه يريد أن ثيابه الأعالي هي أواخرها، يلبس إذا أوائلها يلي جسده وهذا من قول الفلاسفة: أول الفكرة آخر العمل، وآخر العمل أول الفكرة، وإن تأولها متأول بأنها الأعالي، لأنها أعلى محلا في عيون الناس وأبهى وهكذا يلبس اللابس أبهاها وأرفعها مظاهرا كان جيدا.
وقال الشيخ أبو عبد الله النمري في كتاب الحماسة
لَئِن كان يُهْدَى بَرْد أنيابها العُلَى ... لأفْقَرَ مِنّي إنَني إنَني لَفقرُ
إنه خص الأنياب العُلىَ لأنّها هي التي يظهر منها إذا ابتسمت أو تكلمت، وهذا كقول الآخر:
إذا ضحِكَتْ شَبَهتُ أنيابَها العُلىَ ... خَنافِسَ سُوداً في صُراةِ قَليبِ
وقال رجل يعرف بأبي مسلم الولادي إنه إنما قال العلى، لأن العرب تذكر بعض الشيء تريد به كله، فمعنى أنيابها العلى أنيابها كلها، وقال غيرهما من مسرى هذا البيت: إنه قال العلى لأنه أراد الرفع من شأنها، كقولك زيد العلى مضافا وغلام عمرو العلى.
ومن التي أولها: لَكِ يا مَنازِلُ في القُلُوبِ مَنازِلُ
يَعْلَمْنَ ذاكِ ومَا عَلِمْتِ وإنما ... أوْلاكما يُبكَى عَلَيْهِ العاقِلُ
قال الشيخ ﵀: يعلمن ذاك أي منازلك التي في الفؤاد يعلمن بحالك وحالهن فهن أواهل بذكرك وأنت مقفرة من ذكر أهلك، ولست تذكرين منازلك التي في الفؤاد وأولاكما بأن يبكي عليه العاقل، يعني المنازل التي في الفؤاد.
وقال ابن فورجة: قوله ذاك يريد هذا الأمر الذي حكاه، يعني إقفارك أيتها المنازل وخلوك من الأحباب وأنت لا تعلمين ذاك، لأنك لا عقل لك، والهاء في " عليه " تحتمل معنيين كلاهما حسن، فأحدهما: يعود إلى ذاك يعني أولاكما بالبكاء على هذه الحال التي ذكرت العاقل منكما وهو الفؤاد.
والثاني: أن تعود الهاء إلى أولى يريد أولاكما يبكي على نفسه، وقد مر لهذا نظائر، ومثل هذا المعنى إلا أن فيه زيادة قوله أيضا:
لو كُنتَ تنطِقُ قلتَ مُعْتَذِراً ... بِي غَيْرُنا بكَ أيُّها الرَّجُلُ
أبكاكَ أنَّكَ بعْضُ من شَغَفُوا ... لمْ أبْكِ أنّي يَعْضُ مَنْ قَتَلوا
تخُلوا الدّيارُ من الظّباءَ وعِنْدَهُ ... منْ كُل تابِعَةٍ خَيالٌ خاذِلُ
قال الشيخ ﵀: الهاء في) عنده (عائدة على الذي، والذي وصلته مراد بها الشاعر يقول تخلو الديار من الظباء، وعندي من كل ظبية تابعة من ظفر خيال خاذل من قولهم: ظبية خاذلة، إذا تخلفت عن صواحبها لأجل ولدها.
دُون التَّعانُقِ ناحِلينِ كَشَكْلَتيْ ... نَصْبٍ أدَقَّهُما وَضَمَّ الشَّاكل
قال الشيخ: نصب) ناحلين (على الحال من النون والألف في قوله) بنا (لأنه يعني نفسه، والتي ذكرها في النسيب) وضم (هاهنا لا يريد به الضم الذي هو شكل وإنما أراد ضم شكله بالنصب إلى مثلها، يريد أنه والمذكور قد دنا أحدهما من الآخر إلا أنهما دون التعانق لم يصلا إليه
الطيبُ أنْتُ أنْتَ إذَا أصابَكَ طِيبُهُ ... والمَاءَ أنْتَ إذا اغْتَسَلْتَ الغاسِلُ
قال ابن جني: نصب) الماء (لأنه معناه وأنت إذا اغتسلت الغاسل الماء إلا أن انتصابه الآن ليس على الغاسل، لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول ألا ترى أنه لا يجوز زيدا أنت الضارب، ولكنه منصوب بفعل مضمر يدل عليه الغاسل فكأنه قال وتغسل الماء إذا اغتسلت.
وقال الشيخ ﵀: الطيب مبتدأ وأنت مبتدأ والغاسل خبر أنت وهو على تقدير الهاء كأنه قال والماء أنت الغاسلة إذا اغتسلت.
ومن التي أولها: لا تحْسَبُوا رَبْعكُم ولا طَلَلَهْ قوله:
أُحِبُّهُ والهَوَى وأَدْؤُرَهُ ... وكُلُّ حُبّ صبَابَةٌ وَوَلَهْ
وقال ابن جني: يجوز أن يكون الهوى في موضع نصب، أي أحب هواه أيضا فيكون قريبا من قوله:
وإني لأَعْشَقُ مِنْ عِشْقِكُمْ ... نُحُولي وُكلَّ امْرِئ ناحِلِ
ويجوز أن يكون الهوى مجرورا، لأنه أقسم به، فكأنه قال والهوى إني لأحبه، كما قال البحتري:
следующие страницы →