Полный текст (105 стр.). Показаны 71–105 · переход к 76.
стр. 71
قال ابن فورجة: قد أكثر الكلام في هذا البيت، وقوله: تشبيهي بما، وقالوا ليس) ما (من حروف التشبيه، ولم يؤت في الجواب بطائل، فأما ابن جني فقال: الذي كان يجيب به إذا سئل عن هذا أن يقول: تفسيره كأن قائلاً قال ما يشبه؟ فيقول الآخر كأنه الأسد، أو كأنه الأرقم، ونحو ذلك فقال هو معرضا عن هذا القول) أمط عنك تشبيهي بما وكأنه (، فجاء بحرف التشبيه، وهو كأن، وبلفظ) ما (التي كانت سؤالاً، وقد تكلم في هذا البيت القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال هذا مما سئل عنه أبو الطيب فذكر أن) ما (تأتي لتحقيق التشبيه، تقول عبد الله الأسد، وما عبد الله إلا الأسد، وإلا كالأسد، كما قال الشاعر:
ومَا هنْدُ إلاّ مُهْرَةُ عَرَبّيةُ ... سَليلَةُ أفْراسٍ تَجَلَّلَهاَ بَغلُ
وقال لبيد:
ومَا المَرْءُ إلاّ كالشِهابِ وضوئهِ ... يحَوُرُ رَماداً بعد إذْ هو سَاطِعُ
ثم قال: وأقول: إن التشبيه بما محال، وإنما وقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحروفه، وإذا قال) وما المرء إلاّ كالشهاب (فإنما المفيد للتشبيه الكاف، وإنما) ما (للنفي نفت أن يكون المرء إلا كالشهاب، وإذا قال) وما هند إلا مهرة عربية (فإن) ما (دخلت على ابتداء وخبر، وكان الأصل هند مهرة عربية، وهو في تحقيق المعنى عائد إلى تقريب الشبه، وإن كان اللفظ مبانياً للفظ، ثم نفى أن يكون إلا كذلك، فليس بمنكر أن ينسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر، وباب الشعراء أوسع من أن يضيق عن مثله، والذي عندي ما أقوله، وهو فائدتي من الشيخ أبي العلاء، سقاه الله وحياه، وليس هو مما استنبطته، وهو أن يكون يعني) ما (التي تصحب كأن إذا قلت: كأنما زيد الأسد، ألا ترى أنها كثرت حتى تكلم النحويون فيها إذا حالت بينها وبين الاسم، وقصروا عليها فصولاً كثيرة من كتب النحو، وقد صارت في نعت قوم لازمة لكأن حتى ما تفارقها وما عندي أن أبا الطيب أراد غيرها والله أعلم بالغيب.
وقال الأحسائي:) ما (تكون نكرة بمعنى شيء، وتكون معرفة بمعنى الذي، فيقول أمط عنك تشبيهي بشيء من الأشياء ولا بكأنه شيء.
ومن التي أولها:
أحْيا وأيْسَرُ ما قاسَيْتُ ما قَتَلا ... والبينُ جارَ على ضَعْفِي ومَا عَدَلا
قال الشيخ أبو العلاء ﵀ أحيا (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الشاعر أخبر عن نفسه فقال أحيا أي أعيش، وأيسر ما قاسيت ما قتل.
والآخر: أن يكون) أحيا (في معنى أفعل الذي يراد به التفضيل، أي أشد ما يكون في إحياء الإنسان وأيسر ما قاسيت شيء قاتل، وكان الكلام على التقديم والتأخير، كأنه قال: ما قتل أي الشيء الذي يقتل أحيا وأيسر ما ألقاه وإذا حمل على هذا الوجه فقد حذف المضاف إليه في قوله أحيا، لأنه أراد أحيا ما لاقيت وإنما يستعمل ذلك في الشعر ولو قلت في الكلام المنثور أكرم وأفضل الناس زيد، تريد أكرم الناس زيد وأفضلهم لقبح ذلك، وفيه شبه من قول الفرزدق:
يا مَنْ رأَى عَارِضاً أرقتُ له ... بينَ ذراعيْ وجَبْهةِ الأسَدِ
أراد بين ذراعي الأسد وجبهته.
قَيْلُ بمَنْبِجَ مَثْواهُ ونَائِلُهُ ... في الأُفْقِ يَسألُ عمنَّ غَيرهُ سألا
قال الشيخ ﵀: منبج إن كان اسماً عربياً فهو مأخوذ من قولهم نبج إذا رفع صوته، ويوم النباج يوم من أيام العرب، ويقال إن النباج مواضع مرتفعة والقيل ملك دون الملك الأعظم، وقوله) يسأل عمن غيره سألا (كأنه يسأل عنه ليغنيه أو ليعاتبه إذا لم يسأل هذا الممدوح.
ومن التي أولها:
قِفا تَرَيا وَدْقِي فَهاتا المَخايِلُ ... ولا تَخْشَيا خُلْفاً لما أنا قائِلُ
قال الشيخ ﵀ الودق (هاهنا المطر، وقيل هو خروج القطر من الغيم بكثرة، وعن ابن عباس ﵄ أن الودق مثل الدخان يخرج مع القطر من الغيم، والمخايل جمع مخيلة وهي السحابة التي يخال فيها المطر، والمعنى قفا تريا ما أفعل فقد رأيتما دلائله.
وآخَرُ قُطْنُ مِن يَدَيْهِ الجنادلُ قال الشيخ: أي لا أحفل به ولا يقدر لي على مضرة، فكأن الجنادل إذا رماني بها قطن من لينها، فأقول فاسد.
شاَقتْكَ ظُعْنُ الحَيّ يومَ تَحَملّوُا ... فَتَكَّنسوا قُطْناً تصِرُّ خِيامُها
стр. 72
فيقال أراد يكنسوا قطناً، أي جعلوا ثياباً من قطن لهم مثل الكنس جمع كناس وهو حيث تكون الظبية والبقرة الوحشية، وقيل القطن جمع قطين وهم أهل الدار، وقيل القطن جمع قطان وهو جانب الهودج.
ومن التي أولها:
عَزِيُز أسىً مَنْ داؤُهُ الحَدَقُ النُّجلُ ... عَياءُ بِهِ المُحِبُّونَ مِنْ قَبْلُ
قال الشيخ ﵀:) عزيز (خبر مقدم إذا جعلت) من (معرفة، فإن جعلتها نكرة جاز أن يكون) عزيز (المبتدأ، وذهب بعض النحويين إلى أن المبتدأ والخبر إذا كانا نكرتين فالمبتدأ هو الأول لا غير، وقد يكون المبتدأ والخبر نكرتين وأحدهما أخص من الآخر كقولك:) ذهب خاتم في إصبعك (فخاتم هاهنا أخص من ذهب، وهو بأن مبتدأ أولى من ذهب،) وعياء (أي معيي لا يعرف دواؤه، ويجوز أن يكون) عياء (بدلاً من) الحدق النجل (ولا يمتنع أن يكون على إضمار هو) والأسى (من قولك أسوت الجرح إذا أصلحته وداويته ويقال أسى الجرح أسواً وأسى.
قال الأعشى:
عِنْدهُ البِرُّ والتُّقَى وأسا ... الصَّدع وحَمْلُ لُمضْلِعِ الأَثْقالِ
وأشبه الوجوه عزيز أسىً من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسىً من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسىً بإضافة عزيز إلى أسى وتنوين أسى، ويجوز تنوينهما.
كَفى ثُعَلاً فَخْراً بأنَّكَ منْهُمُ ... ودَهَراً لأنْ أصْبحتَ مِنْ أهْلهِ أهْلُ
قال ابن جني: ورواه) دهر (بالرفع، أي وهو أهل لأن أصبحت من أهله أهل للفخر، فارتفع) أهل (لأنه وصف لدهر، وارتفع دهر بفعل مضمر دل عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتجه رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل هاهنا.
وقال الشيخ أبو العلاء ﵀ ورواه) دهراً (بالنصب، قوله) بأنك منهم (الباء زائدة، وقوله: أنك منهم وكفى دهراً فخراً أنه أهل لأنك من أهله، وكان رفع) أهلاً (في آخر البيت على تقدير) ودهراً (هو لأن أمسيت من أهله أهل.
وقال ابن فورجة ورواه) دهراً (بالنصب: هكذا رويت بنصب دهر، وهو معطوف على قوله) ثعلا (أي وكفى دهراً، ورفع أهل بخبر مبتدأ محذوف كأنه قال: وكفى دهراً لأن أمسيت من أهله أهل فخراً، وهو كقوله أيضا:
ليتَ لي مثل جَدّ ذا الدَّهْرِ في الأدْ ... هُرِ أوْ رِزْقهِ مِنَ الأرْزَاق
أنتَ فيه وكانَ كُلُّ زَمانٍ ... يَشْتَهي بَعْضَ ذَا عَلى الخَلاَّقِ
ومن التي أولها:
صِلَةُ الهَجْرِ لي وَهَجْرُ الوِصَالِ ... نَكَسانِي في السُّقْمِ نُكْسَ الهِلالِ
قال الشيخ ﵀: يقول مواصلة الهجر وهجر المواصلة نكساني في السقم نكس الهلال. أي كنت صحيح الجسم كامل الخلق، فنكسني هذان الشيئان نكس الهلال، وذلك أني زدت كما يزيد في أول الشهر، ثم نقصت كما ينقص إلى أن لحقه السرار، وقد شببت الشعراء بالقمر وزيادته ونقصه وينشد لبعضهم:
ومَهْمَا يكُنْ رَيْبُ الزَّمانِ فإنَّني ... أرَى قَمَرَ اللَّيلِ المُعذَبَ كالفَتَى
يكُونُ هِلاَلاً ثم يَزدَادُ نُورُهُ ... وبهَجَتُه حَتَّى إذَا تمَّ واسْتَوَى
تَقَاربَ يَخْبُو ضَوْؤهُ وبَهاؤُهُ ... وينقصُ حتَّى يَسْتَسِرَّ فلا يُرَى
كذلِكَ زَيْدُ المَرْء ثمَّ انْتِقَاصُهُ ... عَوْدَتُهُ في عُمرِهِ بعدَمَا مَضى
بُطُلُولٍ كأَّنُهنَّ نُجَومُ ... في عِراصٍ كأَّنُهنَّ ليالي
قال ابن جني:) الأطلال (ما شخص من آثار الدار، أي تلوح الطلول من العراص كما تلوح النجوم في الليالي.
قال الشيخ ﵀: شبه الطلول بالنجوم، لأنها عنده مستحسنة لأجل من كان يحلها ممن يحب، والعراص وهي جمع عرصة وهي الموضع من الدار، وجعل العراص كالليالي لأن المرتحلين عنها كانوا فيها كضياء النهار، فلما فارقوها ذهب نورها، فكأن كل عرصة منها ليلة في الإظلام.
والجِرَاحاتُ عِنْدَهُ نَغَمَاتُ ... سَبَقتْ قَبْلَ سَيْبِهِ بِسُؤَالِ
قال الشيخ: زعم أن الجراحات عند الممدوح نغمات تسبق من السؤال سيبه أي يشق عليه أن لا يكون سبق إلى المعروف قبل أن يطلب منه.
ومن التي أولها:
стр. 73
أبْعَدُ نَأْي المَلِيحَةِ البَخَلُ ... في البُعْدِ ما لا تُكَلَّفُ الإبلُ
قال الشيخ ﵀: يقول: أبعدنا في المليحة بخلها إذا بخلت وهي الدانية، فكأنها بعيدة الدار، وقد بين ذلك بقوله:) في البعد ما لا تكلف الإبل (أي أن البعد قد يكون بالهجر كما يكون بالفراق.
مَلُولَةُ ما يَدُومُ لَيْسَ لَها ... مِنْ مَلَلٍ دَائمٍ بها مَلَلُ
قال ابن جني: يقال رجل ملول وامرأة، أدخلت الهاء للمبالغة، و) يدوم (في موضع نصب أي تمل كل شيء يدوم إلا مللها، فإنها لا تمله فتتركه، وإن كان أيضا دائماً.
أنتَ نَقيضُ اسمهِ إذا اخْتَلَفتْ ... قَوَاضِبُ الهِنْدِ والقَنا الذُبلُ
أنتَ لَعَمرِي البَدْرُ المُنيرُ ... ولكِنَّكَ في حَوْمَةِ الوَغَى زُحَلُ
قال ابن جني: أي اسمك بدر وأنت في هذا الوقت زحل، لأنك حينئذ تهلك أعدائك وبدر هو القمر، والقمر سعد، وزحل نحس، فلذلك نقيض اسمه.
وقال الشيخ ﵀: البدر من شأنه أن يصف بالنور، ويهتدي به الناس في الأسفار. فزعم أن هذا الرجل في الحرب يصير نقيض اسمه، لأنه يقتل الناس ويثير الغبار بالخيل فيظلم عليهم الأرض، ويكون فعله في الحرب فعل البدر في الظلم، ثم ذكر في البيت الثاني أنه البدر المنير، ولكنه زحل في موقف الحرب، لأن زحل يزعم المنجمون أنه في صورة الأسود، وهو بطيء السير فكأن هذا الرجل هو كالبدر المنير في الحرب زحل. لأنه لا يسير سيرا سريعا، إذ كان القمر يوصف بسرعة السير وهو كوكب نحس يكثر الهلكة، وبعض الناس يذهب إلى أن زحل ملك الموت.
ومن التي أولها: بقائي شاءَ لَيْسَ ارْتحِالا قوله:
فَما حاوَلْتُ في أرْضِ مُقاما ... ولا أزْمَعْتُ عَنْ أرْضٍ زَوَالا
قال ابن جني: يقول إذا كان ظهره كالوطن لي، فأنا وإنْ جئت البلاد كالقاطن في داره، ولأني أقطع الأماكن فلست مقيما في الحقيقة.
وقال ابن فورجة: كأن أبا الطيب أراد بهذا البيت الإلغاز، وإنما يريد أني إذا جعلت أرضي فتودي، وألفت الترحل فكأني ما أقمت بأرض ولا ارتحلت عن أرض وقد تقدمه قوله:
الفِتُ تَرَحُّلِي وجعلْتُ أرْضِي ... قُتُودِي والغُذَيْرِيّ الجُلالا
لأنه إذا كانت أرضه القتود، فهو لا يزول عن أرضه أبدا، وإذا كان يترحل أبدا فهو لا يريد مقاما في أرض، ويحتمل معنى آخر يخرجه عن حد الألغاز، وذاك أنه يريد إذا كان مسافرا أبدا لا يقيم في بلد ولا مكان، فكيف يكون مزمعا زوالا عن أرض، إنما كان إزماعه حين ارتحل منها، وهو معنى لطيف فافهمه.
سِنانٌ في قَناةِ بَني مَعَدّ ... بَنِي أسَدٍ إذا دَعَوُا النّزَالا
قال ابن جني: بني أسد منصوب لأنه منادى مضاف، ومعناه أن قول بني معد إذا نازلوا الأعداء يا بني أسد، ليقوم في الغناء والدفع عنهم مقام سنان مركب في قناتهم، لأنهم إذا دعوهم أرهبوا الأعداء، وأغنوا عنهم ومنعوا منهم، ويجوز أن يكون) بني أسد (بدلا من) قناة بني معد (كأنه قال: سنان في بني أسد الذين هم قناة في بني معد، يريد بضربهم إياهم، وهذا أقوى من القول الأول.
وقال الشيخ ﵀، يقول بدر سنان في قناة بني معد نسبة إلى معد بن عدنان، وقوله بني أسد يجوز أن يكون بدلا من بني معد، وهو بدل تبعيض؛ لأن بني أسد يرجعون في النسب إلى معد، وهذا كما يقول فلان من بني العباس بن علي بن عبد الله، ويجوز أن يكون نصب بني أسد بإضمار فعل كأنك قلت أعني أو أريد أو نحو ذلك.
يَكُونُ أحَقُّ إثْناءٍ عَليهِ ... عَلى الدّنْيا وأهْلٍيها محُالا
قال الشيخ: يقول كل ما يوصف به المكارم والأفعال الجميلة يكون حقا وإذا وصف به أهل الدنيا كان محالا، فإذا قيل هو كريم فالقائل صادق محق، وإن قيل إن غيره كريم فالقائل كاذب محيل، وكذلك إن أثنى عليه بالشجاعة والحلم وغيرهما مما يحمد.
جَوَابُ مُسائٍلي ألَهُ نَطِيرٌ ... وَلا لَكَ في سؤالِكَ لا، ألا، لا
стр. 74
قال الشيخ ﵀: يقول للسائل عن الممدوح أله نظير؟ لا، أي لا نظير له ويقول للسائل: ولا لك نظير أيضا جلها في ظنك أن له نظيرا، وقد كرر أبو الطيب) لا (في قوله هكذا هكذا وإلا فلا لا، والكلام قد تم عند قوله) في سؤالك (فجاء) بلا (ثانية توكيدا ثم لم يرض بذلك حتى قال: ألا سائل لا، فإن كان أراد هذا الغرض فليس بالحسن، وأسهل منه أن يصرف إلى معنى آخر وذلك أنهم يقولون ما بفلان من الإضلال وتلإلال، فيجعلون الإلال كالإتباع وتابع الشيء في معناه أو قريبا منه، فكأنه على هذا الوجه قال ولا لك في سؤالك، فتم الكلام أي لا ضلال، فأما أن يكون أراد لا يضل أيها السائل ضلالا، أو يكون نفى الضلال عن الناس أن يظنوا بمن مدح هذا الظن.
يفارِقُ سَهْمُكَ الرَّجُلَ المُلاقِي ... فِراقَ القَوْسِ ما لاقَى الرّجالا
قال الشيخ: يقول إذا لقي سهمك رجلا نفذ فيه سريعا لفراقه القوس، أي أنه لا يثبت في الرجل، ولكنه يعبر الرجال شيئا فشيئا ما لقي رجلا.
ومن التي أولها:
في الخّدّ أنْ عَزَمَ الخَليِطُ رَحيلا ... مَطرٌ يَزيدُ بهِ الخُدُودُ بهِ الخُدُودُ مُحُولا
قال الشيخ: يقول إذا عزم الخليط رحيلا بكة المحب بكاء مثل المطر، إلا أنه لا ينبت العشب كغيره من الأمطار، والخدود يزيد محلها به، وقال بعض الشعراء ويقال إنه ليموت بن المزرع:
لَو يَنبتُ العُشبُ مِنْ دُموعٍ ... لكانَ في خَدَّيَ الرًّبيعُ
يا قمراً غابَ عَن عَيانِي ... الله قُلْ لي متى الرُجوع
كمْ زَفَراتٍ وكمْ دمُوعٍ ... يا عَينُ هّذا هو الفَطِيعُ
أعْدَى الزَّمانَ سَخَاؤهُ فَسَخا بِهِ ... ولقدْ يكُونُ بهِ الزَّمانُ بَخيلا
قال ابن جني: أي تعلم الزمان من سخائه فأخرجه من العدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه الذي أفاد منه لبخل على أهل الدنيا، فلم يظهره واستبقاه لنفسه، وفي هذا شيء يسأل عنه فيقال أنه في حال عدمه لم يكن له سخاء لأن السخاء لا يصح إلا في موجود، فكيف وصفه بالسخاء وهو معدوم؟ فالقول في هذا إن الزمان كأنه علم ما يكون فيه من السخاء إذا وجد، فكأنه استفاد منه ما تصور كونه فيه بعد وجوده، ولولا ما تخيله فيه لبقي أبدا بخيلا به والشيء إذا تحقق كونه لا محالة أجري عليه في حال عدمه كثير من الأوصاف التي يستحقها بعد وجوده، ألا ترى إلى قوله تعالى) إني أراني أعصر خمرا (.
وقال ابن فورجة: قد جود الشيخ أبو الفتح ﵀ فيما أتى به، غير أنه قد يمكن تفسيره على وجه أقرب من هذا يخرجه من هذا التبعيد، وهو أن يقال: مراده فسخا به علي، يريد اتصاله به وانضمامه إلى جنبته، يقول قد كان الزمان بذلك بخيلا علي فأعداه سخاء الممدوح فسخا به فوصلني إليه وهذا معنى واضح.
وتَظَنهُ مما يُزمجِرُ نَفْسهُ ... عنها لشِدَّةِ غَيْظِهِ مَشْغُولا
قال ابن جني: أي تظنه نفسه مشغولا عنها وقال الشيخ ﵀: الأجود أن يرفع نفسه لأنها فاعلة تظن أي الأسد تظنه نفسه مشغولا عنها باتصال الزمجرة لم تجر عادتها أن تتعدى إلى مفعول.
قال ابن فورجه:) نفسه (رفع على تأويلين أحدهما: أن تكون فاعلة يزمجر: والثاني: أن تكون فاعلة تظنه، يريد تظنه نفسه مشغولا عنها ما يزمجر، وهذا هو الجيد، وعليه المعول، والأول يكون المراد وتظنه أنت مشغولا عن نفسه بشدة غيظه مما تزمجر نفسه، على أنا قرأناه يزمجر بالياء، وإذا كانت نفسه فاعلة يزمجر روي بالتاء ولم نروه.
سَمِعَ ابنُ عَمَّتِهِ به وبحالهِ ... فَنَجا يُهرْوِلُ مِنْكَ أمْسِ مهولا
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: إنما قال الشاعر ابن عمته لأن سمع قول أبي زبيد في صفة الأسد.
أفرَّ عنه بني العَمَاتِ جُرأتُه ... فكُلّها خَاشِعٌ من ذَاكَ مُكَتنعُ
وليس لابن العمة هاهنا فضل على ابن الخالة.
وقال الاحسائي: قال ابن عمته ليدل على أنه أسد وأمه لبؤة، لأن السباع يلقح بعضها بعضا إلا اللبوة لا تلقح إلا من الأسد، والأسد الذكر يلقح الإناث من غير جنسه، فإذا كان الأسد ابن عمته صح أنه ابن عمه لما ذكرناه، ويجوز أن يكون ابن عمه وأمه من غير الأسد مثل الضبع والببر والنمر والدب وغير ذلك فهذه كلها يلقحها الأسد.
ومن التي أولها: أرَى حُلَلاً مُطَوَّاةً حِساناً قوله:
стр. 75
لَقَدْ ظَلَّتْ أوَاخِرُها الأَعالِي ... مَعَ الأُولى بِجِسْمِكَ في قِتالِ
قال ابن جني: الأولى بجسمك أي الأدنى إليه وهذا كقوله أيضا: وتَحْسُدُ الخَيْلُ مِنْها أيَّها رَكبا وقال ابن فورجه: قوله) أواخرها الأعالي (مما يجب أن يوضح غرضه فيه، وذاك أنه يريد أن ثيابه الأعالي هي أواخرها، يلبس إذا أوائلها يلي جسده وهذا من قول الفلاسفة: أول الفكرة آخر العمل، وآخر العمل أول الفكرة، وإن تأولها متأول بأنها الأعالي، لأنها أعلى محلا في عيون الناس وأبهى وهكذا يلبس اللابس أبهاها وأرفعها مظاهرا كان جيدا.
وقال الشيخ أبو عبد الله النمري في كتاب الحماسة
لَئِن كان يُهْدَى بَرْد أنيابها العُلَى ... لأفْقَرَ مِنّي إنَني إنَني لَفقرُ
إنه خص الأنياب العُلىَ لأنّها هي التي يظهر منها إذا ابتسمت أو تكلمت، وهذا كقول الآخر:
إذا ضحِكَتْ شَبَهتُ أنيابَها العُلىَ ... خَنافِسَ سُوداً في صُراةِ قَليبِ
وقال رجل يعرف بأبي مسلم الولادي إنه إنما قال العلى، لأن العرب تذكر بعض الشيء تريد به كله، فمعنى أنيابها العلى أنيابها كلها، وقال غيرهما من مسرى هذا البيت: إنه قال العلى لأنه أراد الرفع من شأنها، كقولك زيد العلى مضافا وغلام عمرو العلى.
ومن التي أولها: لَكِ يا مَنازِلُ في القُلُوبِ مَنازِلُ
يَعْلَمْنَ ذاكِ ومَا عَلِمْتِ وإنما ... أوْلاكما يُبكَى عَلَيْهِ العاقِلُ
قال الشيخ ﵀: يعلمن ذاك أي منازلك التي في الفؤاد يعلمن بحالك وحالهن فهن أواهل بذكرك وأنت مقفرة من ذكر أهلك، ولست تذكرين منازلك التي في الفؤاد وأولاكما بأن يبكي عليه العاقل، يعني المنازل التي في الفؤاد.
وقال ابن فورجة: قوله ذاك يريد هذا الأمر الذي حكاه، يعني إقفارك أيتها المنازل وخلوك من الأحباب وأنت لا تعلمين ذاك، لأنك لا عقل لك، والهاء في " عليه " تحتمل معنيين كلاهما حسن، فأحدهما: يعود إلى ذاك يعني أولاكما بالبكاء على هذه الحال التي ذكرت العاقل منكما وهو الفؤاد.
والثاني: أن تعود الهاء إلى أولى يريد أولاكما يبكي على نفسه، وقد مر لهذا نظائر، ومثل هذا المعنى إلا أن فيه زيادة قوله أيضا:
لو كُنتَ تنطِقُ قلتَ مُعْتَذِراً ... بِي غَيْرُنا بكَ أيُّها الرَّجُلُ
أبكاكَ أنَّكَ بعْضُ من شَغَفُوا ... لمْ أبْكِ أنّي يَعْضُ مَنْ قَتَلوا
تخُلوا الدّيارُ من الظّباءَ وعِنْدَهُ ... منْ كُل تابِعَةٍ خَيالٌ خاذِلُ
قال الشيخ ﵀: الهاء في) عنده (عائدة على الذي، والذي وصلته مراد بها الشاعر يقول تخلو الديار من الظباء، وعندي من كل ظبية تابعة من ظفر خيال خاذل من قولهم: ظبية خاذلة، إذا تخلفت عن صواحبها لأجل ولدها.
دُون التَّعانُقِ ناحِلينِ كَشَكْلَتيْ ... نَصْبٍ أدَقَّهُما وَضَمَّ الشَّاكل
قال الشيخ: نصب) ناحلين (على الحال من النون والألف في قوله) بنا (لأنه يعني نفسه، والتي ذكرها في النسيب) وضم (هاهنا لا يريد به الضم الذي هو شكل وإنما أراد ضم شكله بالنصب إلى مثلها، يريد أنه والمذكور قد دنا أحدهما من الآخر إلا أنهما دون التعانق لم يصلا إليه
الطيبُ أنْتُ أنْتَ إذَا أصابَكَ طِيبُهُ ... والمَاءَ أنْتَ إذا اغْتَسَلْتَ الغاسِلُ
قال ابن جني: نصب) الماء (لأنه معناه وأنت إذا اغتسلت الغاسل الماء إلا أن انتصابه الآن ليس على الغاسل، لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول ألا ترى أنه لا يجوز زيدا أنت الضارب، ولكنه منصوب بفعل مضمر يدل عليه الغاسل فكأنه قال وتغسل الماء إذا اغتسلت.
وقال الشيخ ﵀: الطيب مبتدأ وأنت مبتدأ والغاسل خبر أنت وهو على تقدير الهاء كأنه قال والماء أنت الغاسلة إذا اغتسلت.
ومن التي أولها: لا تحْسَبُوا رَبْعكُم ولا طَلَلَهْ قوله:
أُحِبُّهُ والهَوَى وأَدْؤُرَهُ ... وكُلُّ حُبّ صبَابَةٌ وَوَلَهْ
وقال ابن جني: يجوز أن يكون الهوى في موضع نصب، أي أحب هواه أيضا فيكون قريبا من قوله:
وإني لأَعْشَقُ مِنْ عِشْقِكُمْ ... نُحُولي وُكلَّ امْرِئ ناحِلِ
ويجوز أن يكون الهوى مجرورا، لأنه أقسم به، فكأنه قال والهوى إني لأحبه، كما قال البحتري:
стр. 76
أمَا وهَوَاكِ حلفَةَ ذي اجتِهَادِ
أنا ابنُ مَنْ بَعْضُهُ يَفُوقُ أبا ال ... باحِثِ والنَّجْلُ بْعضُ مَن نَجَلَه
قال ابن فورجة: بمثل هذا فليتغلب الخصوم عند الجدال. فلقد احتج لقصور أبويه فما قصر، يقول أنا بعض والدي، لأني منه وجدت، وأنا فوقك أيها الباحث عن أبوتي فضلا وكرما وبأسا، فإذا والدي فوق أبيك كثيرا لأنه قد فضله بعضه، وقد استوعب المعنى بقوله) أنا أبن من بعضه يفوق أبا الباحث (وباقي البيت فضل وتبيين، وزاد هذه الحجة قوة على خصمه بقوله بعده:
وإنَّما يَذْكُرُ الجُدُود لَهُمْ ... مَنْ نَفَرُوهُ وأنْفَذُوا حِيَلَهْ
يقول أنا لا أفاخركم إلا بنفسي، وإنما يفتقر إلى المفاخرة بالآباء من لا فخر في نفسه.
أأخْفَتِ العَينُ عِنْدَهُ خَبَراً ... أمْ بَلَغَ الكَيْذَبَانُ ما أمَلَهْ
قال ابن جني: يعني بالعين الرقيب قال الشاعر:
قَالُوا تَوقَّ دِيارَ الحَيّ إنَّ لهم ... عَيناً عليك إذا ما نمتَ لم تنمِ
فقلتُ إنَّ دَمي أقصى مُرادِهم ... وما غَلتْ نَظرةُ منها بسَفكِ دَمي
وأنثها لأنه شبه الرقيب بالعين، ويجوز أن يكون أراد العين نفسها فيكون معناه هل يتبين في وجهي ما رابه.
وقال الشيخ ﵀: هذا الاستفهام الذي يقلب الكلام حتى يجعله كالنفي فكأن الشاعر قال: ما لي لا أمدح الحسين، ولم تخف العين عنده خبرا، ولم يبلغ الكيذبان ما أمله لديه، أي أني إذا نظرت إلى الممدوح علمت أنه راض عني، فتبينت عيني ما هو عليه، ويجوز أن تكون العين عين الممدوح وكلا المعنيين قد جاء في الشعر قال الشاعر:
تُبينُ لي عَيْنَاكِ ما القَلْبُ كاِتمٌ ... ولا جَنَّ بالبَغْضاءِ والنَّظرِ الشَّزْرِ
والكيذبان في معنى الكذاب يقال بفتح الذال وضمها.
فأَكبَرُوا فِعْلَهُ وأصْغَرَهُ ... أكبَرُ مِنْ فِعْلِه الَّذِي فَعَلَهْ
قال ابن جني: أي استكبروا فعله وأصغره هو، فتم الكلام هاهنا، ثم استأنف فقال: أكبر من فعله الإنسان الذي فعله، إنما هو أكبر من فعله، ويقال أكبر الشيء إذا استكبرته.
وقال الشيخ: النصف الأول يحتمل وجهين، الأول: أن يكون في أصغر ضمير عائد إلى الممدوح، فيكون الكلام قد تم ويكون تكبر خبر مبتدأ مقدم، كأنه لما تم الكلام في النصف الأول الذي فعله أكبر من فعله.
والوجه الآخر: أن يكون " أكبر " فاعلا، وتقديره احتقر الفعل رجل أكبر من فعله ويكون قوله: " الذي فعله " نعتا لفعله.
ومن التي أولها: كَدعْوَاكِ كلُّ يَدَّعي صِحَّةَ العَقْلِ قوله:
قَوَلَّتْ تُرِيغُ الغَيْثَ والغَيْثَ خَلَّفَتْ ... وتطلُبُ ما قَدْ في اليدِ بالرّجْلِ
قال ابن فورجة: هؤلاء بنو كلاب أظهروا العصان بعد الطاعة فقصدهم دلير بن لشكروز فأجفلوا من بين يديه عائدين إلى البدو فقال أبو الطيب:
أرَادَتْ كِلابُ أنْ تَقُومَ بَدَوْلَةٍ ... لمنْ تَرَكَتْ رَعْي الشُّوَيْهاتِ والإبْلِ
أبَى رَبُّها أنْ يترُكَ الوَحْشَ وَحْدَها ... وأنْ يُرمِنَ الذَّبَّ الخَبيثَ من الأكُلِ
يقول كانت طاعة السلطان غيثا فتركته وعصته ومضت تطلب مواقع الغيث في البدو، وطلبها له سائرة إليه طلب بالرجل وقوله: ما كان في اليد، أي ما كان حاصلا، كقولك: هذا الشيء في يدي أي حاصل عندي
فَلا عَدِمَتْ أرْضُ العِرَاقَينِ فِتْنَةً ... دَعَتْكَ إليها كاشِفَ الخَوْفِ والمَحْلِ
قال الشيخ ﵀: العراقان يراد بهما الكوفة والبصرة، وهما مصران وقالوا للجزيرة والموصل الموصلان، وهو من جنس قولهم العمران وكاشف الخوف والمحل يحتمل أن يكون منصوبا على النداء أو الحال.
ومن التي أولها: لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهِديها ولاَ مَالُ قوله:
غَيْثٌ بُبَيَنُ للنُّظَّارِ مَوْقِعَهُ ... إنَّ الغُيُوثَ بما تأتيهِ جُهَّالُ
قال ابن جني: أي الغيث يمطر المكان الطيب والسبخ جميعا، فهو كالجهل منه، وفاتك يعطي من هو أهل العطاء، وهذا ضد قوله في معاتبة سيف الدولة:
وَشَرُّما قَنَصَتْهُ راحَتِي قَنَصٌ ... شُهْبُ البزَاةِ سَوَاءٌ فيه والرَّخَمُ
أنالَهُ الشرَّفَ الأعْلى تَقَدُّمُهُ ... فَما الذي بِتَوّقي ما أتى نَالُوا
стр. 77
قال ابن جني: يقول أفضى به تقدمه وجرأته إلى نيل الشرف، فما الذي نال أعداؤه لما توقوا ما أتاه، وأشفقوا على أنفسهم منه، أي فقد غنم بما فعل وخابوا لما خالفوه.
ومن التي أولها: أثْلِثْ فَإنّا أيُّها الطَّلَلُ نَبكِي وَتْرْزِمُ تَحْتَنا الإبلُ قال الاحسائي: أي كن لنا ثالثا يقال: ثلث القوم أثلثهم إذا صرت لهم الثا، وخمستهم أخمسهم، وسدستهم أسدسهم إلى العشرة، تكسر الثالث في المستقبل، إلا في ثلاثة مواضع فإنه يفتح، وهي أربعهم وأسبعهم وأتسعهم وثلثت القوم أثلثهم إذا أخذت ثلث أموالهم، بضم ثالثة في المستقبل من الثلاثة إلى العشرة، فإن أخذت نصف أموالهم قلت نصفتهم أنصفهم، وكذلك الخدمة ومن الإنصاف نصفهم وأنصفتهم أنصفهم.
تمشي عَلَى أيْدي مَوَهِبِهِ ... هِيَ أوْ بَقَيَّتُها أو البَدَلُ
قال ابن جني: أي تلي مواهبه أمر خيله وإبله، فلان على يدي عدل، أي قد ملك أمره عليه، وصار أحق به منه، وقوله) هي (يعني الخيل والإبل وما تبقى منها بعدما وهبه لقوم آخرين، أو البدل منها عينا وورقا أو غير ذلك.
وقال الشيخ ﵀: يقول الذي تأخذه الوفود من خيله وإبله على ثلاثة أصناف، فإما أن تكون موفورة، فهي تسلم إليهم، وإما أن تكون قد بقيت منها بقية منهم المحكمون فيها، أو قد وهبها كلها واستبدل غيرها منهم يأخذون البدل.
فإذا الخميسُ أَبى السُّجُودَ لَهُ ... سَجَدَتْ لَهُ فيهِ القَنَا الُّبُلُ
قال ابن جني: أي إذا عصاه جيش خفض الأسنة لطعنه وقوله) فيه (أي سجدت قنا أبي شجاع في جيش مخالفه.
ومن التي أولها:
ما أجْدَرَ الأيّامَ والليالي ... بأنْ تَقُولَ ما لَهُ ومَالِي
لا أنْ يكُونَ هكذا مَقالِي قال ابن فورجة: يقول الأيام تتظلم مني: وأنا لا أتظلم منها، والهاء في) ماله (يكون لأبي الطيب، والياء في) مالي (للأيام، ثم قال لا أن أقول أنا ما لها ومالي، لأني أبالي بها ولا أتظلم منها ألا تراه يقول:
وكيفَ لا وإنّما إدْلالِي ... بفارسِ المجْروُحِ والشَمالِ
وهما كانا لعضد الدولة، يقول: فإذا كنت مدلا بعضد الدولة ثم أتظلم من الزمان ولم يقدر على هضمي وقوله) مالي (قول المتظلم، ألا ترى إلى سحيم يقول:
ألاَ نَادِ في آثارِهنَ الغَوانِيا ... سُقِينَ سِماماً ما لَهُنً ومالِيا
وإلى قول الآخر يقول:
يا قوم مالي وأبا ذُؤيبِ ... كنتُ إذا أتيتُه عن غَيبِ
يَشُمُّ عِطْفِي وَيَمسُّ ثَوْبِي ... كأنّما أرَبتُه بريبِ
والبحتري يقول:
مَالِي وللأيَامِ صَرّفَ صَرفُها ... حَالِي وأكثرَ في البلادِ تَقَلُّبي
وقد ترك من اللفظ شيئا يدل عليه الكلام، وذاك أنه يريد أن يكون هكذا مقالي لها، لأنك لا تقول ما أجدر زيدا أن يمر عمرو حتى يقول به، فتكون الجملة الثانية عائدة إلى الجملة الأولى.
حرف الميم
ومن التي أولها:
وَفاؤُكُما كالرَّبْع أشْجاهُ طاسِمُهْ ... بأنْ تُسْعدا وَالدَّمْعُ أشْفاهُ ساجمه
قال ابن جني: كلمته وقت القراءة في إعراب هذا البيت، فقلت له الباء في) بأن (بأي شيء تتعلق؟ فقال: بالمصدر الذي هو) وفاؤكما (فقلت له: فيم رفعت) وفاؤكما (؟ فقال: بالابتداء. فقلت: فأين خبره؟ فقال) كالربع (فقلت: له هل يصح أن يخبر عن اسم قبل تمامه وقد بقيت منه وهي الباء؟ فقال: هذا لا أدري ما هو إلا أنه قد جاء في الشعر له نظائر. وأنشدني بيتا أنشده أبو الحسن الأخفش، وهو:
لَيستْ كَمَنْ حَلَّتْ إيادٍ دارها ... تكريتَ تَرقبُ حَبّه أنْ يحُصَدَا
стр. 78
فأبدل إيادا من) مَنْ (في قوله) من حلت (ومعناه لسنا كمن حلت دارها إياد، أي كأياد التي حلت دارها، فدارها الآن ليست منصوبة) بحلتْ (هذه. وإنْ كان المعنى يقتضي ذلك، لأنه لا يبدل من الاسم إلا من تمامه، وإنما هي منصوبة بفعل مضمر يدل عليه) حلتْ (هذه الظاهرة، كأنه قال فيما بعد حلت دارها، وكذلك العطف والتوكيد وجمع ما يؤذن بتمام الاسم وانقضائه، ألا ترى أنهم لا يجيزون مررت بالضارب أخيك زيدا على أن تبدل الأخ من الضارب، وقد بقيت منه بقية وهي زيد لأنه منصوب بالضارب، ولا يجيزون مررت بالضارب وزيد عمرا، لأنك لا تعطف عليه وقد بقيت منه بقية، وكذلك لا يجيزون أن تعلق الباء في) بأن تسعدا (بالوفاء، وقد أخبرت عنه بقولك كالربع، فإذا لم يجز ذلك كانت الباء) بأن (متعلقة بفعل محذوف يدل عليه قوله) وفاؤكما (فكأنه لما قال) وفاؤكما كالربع (قال) وفيتما بأن تسعدا (وإن لم يقدره هذا التقدير فسد الإعراب وكذلك قوله تعالى) إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر (معناه والله أعلم إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، إلا أنه لا يجوز أن يكون إعرابه الآن على هذا، لأن الظرف الذي هو يوم تبلى السرائر على هذا التقدير يكون متعلقا بالرجوع وقد فصل بينهما بقوله) لقادر (، وهو خبر إن وهو أجنبي من المصدر، ولا يجوز على الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي) وأشجاه (أي اشده شجةا، كما تقول أحزنه وآسفه، ومعنى البيت كنت أبكي الربع وحده فصرت أبكي وفاء كمامعه، أي كلما ازددت بالربع وبوفائكما وقوله أشجاه طاسمه أي كلما تقادم عهده أحزن كما قال زهير:
وَقَفْتُ بها مِنْ بَعد عِشْرِينَ حِجَّةً ... فَلاياً عَرَفْتُ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّمِ
فكأنه كلما خفيت الآثار، واضمحلت الرسوم، زاد شجوه وبكاؤه، وهذه طريق معروفة، وقد تصف العرب الرسم ببقائه، لأنه حينئذ أدل على ساكنه وأقرب إلى تذكره، كما قال أبو صخر الهذلي:
كأنهما مِلآن لَمْ يَتَغِيرا ... وقد مَرَّ للدَّارَيْنِ من بَعْدِنَا عَصْرُ
وما منهما إلا له نظائر كثيرة.
وقال الشيخ أبو العلاء ﵀: قوله) بأن تسعدا (متعلق بقوله) وفاؤكما (إلا أنه فصل بينه وبين الكلام الأول بقوله) كالربع أشجاه طاسمه (وينبغي أن يكون أضمر قوله) وفاؤكما (بعد تمام النصف الأول، ليكون الموصول متعلقا بالصفة، والشعراء وغيرهم يقولون: إن البكاء يجلو بعض الهم عن المحزون والمكروب قال الفرزدق:
ألمْ تَرَ أنّي يَومَ جَوّ سُوَبْقَةٍ ... بَكَيْتُ فنَادتِني هُنيدَةُ مَاليا
فَقُلْتُ لها إنَّ البكاءَ لراحَةٌ ... به يَشْتفي مَنْ ظَنَّ أنْ لا تَلاقِيا
وقال ذو الرمة:
لعلَّ انحِدَارَ الدَّمعِ يُعْقِبُ رَاحَةً ... مِن الوَجْدِ أو يَشفي نَجِيَّ البَلابَلِ
وشبه وفاء صاحبيه بالربع أشجى ما يكون إذا درس، وكأنه لا مهما على أنهما لم يسعداه، وبعض الناس يذهب إلى أنه أراد مخاطبة عينيه، وكلامه يدل على غير ذلك، والمراد أنه بكى ولم يبك صاحباه، ولو بكيا معه لكان ذلك زائدا في بكائه) وأشجاه (هاهنا اسم فيه معنى التفصيل.
وما أنا إلاَّ عاشِقٌ كُلُّ عاشِقٍ ... أعَقُّ خليلَهِ الصفِيَّينِ لائِمُهْ
قال ابن جني: انقطع الكلام على قوله) وما أنا إلا عاشق (، ثم استأنف فقال: كل عاشق من حاله ومن أمره كأنه ينهى صاحبه عن لومه، وفي قوله) أعق خليليه الصفين لائمة (شبهه يسأل عنها فيقال: لا يقال أعق الرجلين زيد حتى يشتركا في صفة العقوق، ثم يزيد زيد على صاحبه، فإذا حكم لهما بأنهما صفتان فأي عقوق هناك؟ والجواب أنه يريد أنه إذا كان له خليلان صفيان، ثم لامه أحدهما، فقد زال عنه وصف الصفاء، وحصل له وصف العقوق بلومه إياه، كما قال الله تعالى) أصحاب الجنة خير مستقرا وأحسن مقيلا (. ومعلوم أن أصحاب النار هم أصحاب الشر ولا خير في مستقرهم البتة، فقد علمت بهذا أنهما لم يشتركا في الخيرية فهذا نظير ذاك.
وقال الشيخ أبو العلاء: قوله) أعق خليليه (دليل على أنه أراد الصاحبين لا العينين.
وَقَدْ يَتَزَيَّا بالَهوىَ غَيْرُ أهلِهِ ... وَيَسْتَْحِب الإنسانُ منْ لا يُلائمه
стр. 79
قال ابن جني: كلمته في) يتزيا (فقلت له هل تعرفه في شعر أو كتاب من كتب اللغة؟ فقال: لا، فقلت له: كيف أقدمت عليه؟ فقال: لأنه قد جرت به عادة الاستعمال، فقلت: افترضي بشيء تورده باستعمال العامة، ومن لا حجة في قوله؟ فقال: ما عندك فيه شيء؟ فقلت: قياسه يتزيى. فقال: من أين ذلك؟ فقلت: لأنه من الزي والزي ينبغي أن تكون عينه واوا، وأصله زوي، فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكساره ما قبلها، ولأنها أيضا ساكنة قبل الياء، ويدل أيضا على أن عين الزاي واو أنه لا يقال لفلان زي، إذا كان له شيء واحد مستحسن حتى يجمع له أشياء كثيرة حسنة، فحينئذ يقال له زي. فقال: فكأنك تقول إنه من قوله ﷺ " زويت لي الأرض "، ومن قول الأعشى: زَوَى بَينَ عَيْنَيْهِ عَلَّى المحَاجمُ أي جمعت وجمع. فقلت له: إلى هذا ذهبت، فأصغى نحوها ثم قال: لم ترد في الاستعمال إلا يتزيا.
بَكيتُ على الأطلال إنْ لمْ أقِفْ بهَا ... وقَوفَ شَحيحٍ في التُرْبِ خَاتُمه
قال ابن جني: طعن بعضهم في عجز هذا البيت فقال: ليس لفظه في جزالة لفظ صدره، ولا في وقوف الشحيح على طلب خاتمه مبالغة يضرب بها المثل، فأما اللفظ فليس ببدع، بل تقدم بنظيره فحول الشعراء فأولهم امرؤ القيس في قوله:
ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخَى سُدُولَه ... عليَّ بأنْواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلِي
فليت شعري أين لفظ أول هذا البيت من لفظ آخره ومثله كثير، وأما ذهابهم إلى نقصان المعنى، وأن وقوف الشحيح على طلب خاتمه مما يتباهى في ضرب المثل به فساقط أيضا، لأن الله لا يقاس به شيء يقول في محكم كتابه) الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاه فيها مصباح (فليت شعري هل يبلغ من ضوء الكوة التي فيها مصباح أن يفي بنور الله تعالى، ولكن العرب كما تبالغ في وصف الشيء وتتجاوز الحد، فقد تقصد أيضا فيه، وتستعمل المقاربة، وقد جاء مثل ذلك في الشعر الفصيح. قال الراجز: فَهُنَّ حَيرَى كَمُضِلاَّتِ الخَدمْ جمع خدمة وهي الخلخال.
وقال الشيخ ﵀: لا يجوز إلا كسر التاء في قوله) خاتمه (إذا كان في القافية لأنه إن فتح التاء صار في القصيدة عيب وهو السناد وكان أبو الطيب يختار فتح التاء في قوله) وأنكر خاتماي الخنصرا (.
قال ابن فورجه: وقد سمعت بعض أهل الأدب يحكي أنه صحف هذا المصراع، فخرج من هذا الاسترذال فقال) وقوف شجيج ضاع في الترب خاتمه (والشجج من صفات الوتد، يريد وقوف الوتد المتروك في الدار) وصاع (بمعنى تفرق، بمعنى صارت له عروق في التراب، وعلق فأورق وبيت الشيخ أبي العلاء ﵀ في هذا المعنى في السماء جودة وهو: غصْنُ الشَبابِ عصَى السَحابَ فلم يَعُدْ ذَا خُضْرةٍ إذ كلُّ غُصْنٍ أَخْضَرُ
قد لأوْرَقَتْ عُمدُ الخيامِ وأعشَبَتْ ... شُعُبُ الرّحالِ ولوْنُ رأسي أغبَرُ
ولقد سَلَوْتُ عن الشَباب كما سَلا ... غَيري ولكنْ للحَزين تَذكر
وخاتمه بمعنى ثابته وقد فعل ذلك في قوله:
وأَكَبرُ آيات التهاميّ آيةً ... أبُوكَ وأحدَى ما لَكمْ منَاقِبِ
من التصحيف فخرج من أن يكون كفرا، وأكبر آيات التهامي آية أبوك، يعني به علي ابن أبي طالب ﵁، ولا ينكر أنه آية من آيات رسول الله ﷺ ومعجزانه.
قفي تَغْرَمِ الأولى مِنَ اللَّحْظِ مُهجَتي ... بثانِيةٍ والمُتْلِفُ الشيءَ غارِمُه
قال ابن جني: سألته وقت القراءة فقلت: الأولى هي الفاعلة فقال: نعم، يريد أنه نظر إليها نظرة فأتلفت النظرة مهجته، فأراد أن يلحظها لحظة أخرى، لترجع إليه نفسه، فجعل الأولى كأنها في الحقيقة هي الغارمة، لأنها كانت سبب التلف، ومثله في استعادة النظر قول جرير:
ولقد نَظرتُ فرَدَّ نَظَرَتِي الهَوى ... بحزِيزِ رامَةَ والمَطي سَوامِ
أي حملني على أن أعدت النظر كذا فسروه.
وقال الشيخ أبو العلاء: " الولي " رفع بفعلها، ومهجتي نصب، لأن الغرامة وقعت عليها، والمراد قفي يا محبوبة ليغرم اللحظة الأولى التي لحظتك مهجتي، أي يغرمها بلحظة ثانية، وذلك لأنه أراد أن اللحظة الأولى أتلفت مهجته، ووجبت عليها الغرم، فإن لحظ ثانية عاش حتى قال ابن فورجة: هذا المعنى مثل قول القائل ولا اعلم أقبل أبي الطيب أم بعده.
стр. 80
يا مُسْقِماً جِسْمِي بأوَّلِ نَظْرَةٍ ... في النَّظْرَةِ الأُخْرىَ إليْكَ شَفائِي
إلا أن هذا البيت لا مجاز فيه، وبيت أبي الطيب فيه مجاز
فلا يَتَّهِمْنِي الكاشِحُونَ فإنَّنِي ... رَعَيتُ الرَّدَى حتى حَلتْ لي علاقِمُهْ
قال ابن جني: سألته وقت القراءة فقلت له: ما وجه التهمة في هذا الموضع فقال: أن يظنوا بي جزعا، ونحو هذا قول أوس بن حجر:
لا تُحْزِنينِي بالفرَاقِ فإنّني ... لا تَسْتهِلُّ مِنَ الفِرَاقِ شُئُونِي
أي قد مرنت عليه، ومر بي أشياء كثيرة منه.
وقال الشيخ ﵀: لا تظنوني قد سلوت، وإنما أنا صاحب صبر قد جربت الأشياء، ودريت بالمرارة حتى حلا العلقم بفمي، ومعنى البيت أنه يصف نفسه بالوفاء، وأنه لم يسل عن أحبابه، ولكنه حسن الصبر.
وتكْمِلَةُ العَيْشِ الصِبّا وَعَقيبُه ... وغَائِبُ لَوْنِ العارِضَيْنِ وقَادِمُهْ
قال الشيخ أبو العلاء: جعل العيش أربعة أقسام: الصبا وما يعقبه من الزمان الذي هو قريب منه، وغائب لون العارضين يجوز أن يعني سوادهما مرة وبياضهما أخرى، وكذلك القادم من لونهما يحتمل وجهين: أن الغائب والقادم كلاهما غاب، وكلاهما قدم، الآ ترى أن لون الشعر ينبت في وجه الأمرد يكون غائبا عنه دهرا، ثم يقدم بعد ذلك، والبياض جار مجرى السواد لأن الشيب يقدم بعد غيبة.
وقال ابن فورجة، قال ابن جني: إن أبا الطيب قال عنيت بعقيبه الشيب والهرم، لأنه يتلوه، والأولى عندي أن يعني الشباب، ألا ترى أنه قال بعده) وغائب لون العارضين وقادمه (. يعني كمال العيش بالصبا، ثم الشباب وسواد الشعر فيه، ثم الشيب، وهذا المعنى من قول ابن الرومي وهو أجود منه:
سُلِبْتُ سَوادَ العارِضَينْ وقبْلَهُ ... بَياضَهما المحْمودَ إذْ أنا أمْرَدُ
وأجود منهما قول الشيخ أبي العلاء وإن كان قد غير المعنى بعض التغيير:
وعيشَتي الشّبَابُ وليس منها ... صِبايّ ولا ذَوَائِبيَ الهِجانُ
وكالنَّارِ الحَيَاةُ فمِن رَمَادٍ ... أواخِرُها وأوَلُها دُخَانُ
عَلى عاتِق المُلْكِ الأَغر نجادُهُ ... وفي يَدِ جَبَّارِ السمَواتِ قَائِمُهْ
قال الشيخ: من رواها الملك بضم الميم جعل الملك متقلدا لسيف الدولة يعني ملك بني العباس، وإن فتحت الميم فالمراد الخليفة.
ومن التي أولها: أيْنَ أرْمَعْتَ أيهُّذَا الهُمامُ قوله:
نَحْنُ مَن ضايقَ الزَّمانُ له في ... كَ وخانَتْهُ قُرْبَكَ الأيَّامُ
قال ابن جني: قال لي أردت) ضايقه (فزدت اللام، ولهذا الذي قال نظائر منها قوله عز اسمه: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " معناه والله اعلم إن كنتم تعبرون الرؤيا.
وقال الآخر:
أَلاِيدُ لأنْسَى ذِكَرَها فكأنما ... تُمثلُ لي لَيلى بِكُلِ سبيل
أي أريد أن أنسى.
وقال الشيخ أبو العلاء: قوله تعالى " للرؤيا تعبرون " حسن في تقديم اللام لأنها تقدمت على المفعول، وإذا قلت لزيد ضربت، فهو أحسن من قولك ضربت لزيد، أنك إذا قلت ضربت، فقد ذكرت الفعل وهو متعد، فكان دخول اللام مكروها، وإذا قدمتها فهي دليل على أن الفعل متصل بها، لأنه لم يعمل شيئا ولا استحق العمل، إذ لم يذكر، وإذا بدئ به فقد استحق العمل ونصب) قربك (لأنه مفعول ثان، ولا يجوز نصبه على الظرف، لأنه يصير دما للممدوح، وٌقرارا بأن الزمان خانهم في حال اقترابهم منه، وإنما) خان (هاهنا مثلها في قول الأعشى:
ومَا إنْ أرَى الدَّهَر في صَرْفِهِ ... يُغَادِرُ مِن شَارخٍ أو يفَنْ
أزَالَ أُذَيْنَةَ عَنْ مُلْكِهِ ... وأخْرَجَ مَنْ حصْنِهِ ذَا يَزَنْ
وخَانَ النَّعِيمُ أبَا مَالِكٍ ... وأيُّ اِمرئ صَالحٍ لم يُخَنْ
كُلُّ عَيْشٍ ما لم تُطِبْهُ حمِامٌ ... كُلُّ شَمْسٍ ما لم تكُنها ظَلامُ
قال الشيخ: يقيمون الهاء مقام خبر كان، وهو بإياها أشبه، وقد قال أبو الأسود الدؤلي:
دَعِ الخَمْرَ يَشْرَبْها الغُوَاةُ فإنَّنِي ... رأيْتُ أخَاها مُغْنياً بمكانِها
فَإلاَّ يَكُنْها أوْ تكُنْهُ فإنَّهُ ... أخُوها غَذَتهُ أمُّهُ بِلبِانَها
وقالوا تكونها في معنى يكون فيها قال الشاعر:
стр. 81
ولَّما رأى بَرقاً يُضيءُ ومَيضُهُ ... مَنازِلَ من أسماءَ كانت تكُونها
أي تكون فيها.
ومن التي أولها: إذا كانَ مَدْحٌ فالنَّسِيبُ المُقَدَّمُ
فَجازَ لَهُ حتى على الشَّمْسِ حُكمُه ... وَبانَ لَهُ حتى عَلى البَدْرِ مَيْسَمُ
قال ابن جني: الميسم الحسن أي فاق البدر في الحسن.
وقال الشيخ أبو العلاء: على في البيت حرف خفض، ومن جعله فعلا ماضيا فقد خالف غرض الشاعر، لأن المعنى فجاز له حكمه حتى حكم على الشمس وبان له ميسم حتى على البدر، أي أنه قد وسم البدر، لأجل ما يرى فيه من التغير فكأنه أثر وسم.
وقال الأحسائي: حكمه الذي جاز على الشمس أنه سار بجيشه ستر نورها، ولم يصب حرها أصحابه، وإذا سار ليلا أضاء الأرض وجهه ولمعان سلاحه، فلم يضر مغيبها في الليل، والميسم الحسن من قولهم وجه وسيم وله وسامة، وقال وسامة، وقال بعضهم: إن الميسم من الوسم وهو ما يرى في القمر من الكلفة فكأنه وسم بذلك.
ضَلالاً لَهذِي الرّيحِ ماذا تُرِيدُهُ ... وَهَدْياً لهذا السَّيْل ماذا يُؤَمَّمُ
قال ابن جني: كانت الريح عارضتهم في الطريق فقال للريح ضلالا كما قال في موضع آخر: لَيْتَ الرّياحَ صُنَّعُ ما تَصْنَعُ وقال للمطر هديا لأنه شبهه بسيف الدولة في سحه ألا تراه يقول بعده:
تَلاكَ وَبَعْضُ الغَيْثِ يَتْبَعُ بعضَه ... مِنَ الشَّامِ يَتْلو الحَادِقَ المُتَعَلَّمُ
أي أنت حاذق بالصب والسكب وهو متعلم فجاء تاليا لك.
وقال الشيخ أبو العلاء: نصب) ضلالاً (على المصدر، كأنه قال أضلت الريح ضلالا، أي شيء تريده؟ وبنى هذا المعنى على قول الناس هو يباري الريح جودا، إذا وصفوه بالكرم، أي أنها إن هبت تباريك فقد ضلت، كأنه دعا عليها بالضلال، وقال هديا لهذا السيل، كأنه دعا له بالاهتداء أي هداه الله هديا ماذا يؤمم أي ماذا يقصد.
كأجْناسِها راياتُها وشِعارُها ... ومَا لَبسَتْهُ والسلاحُ المُشَمَّمُ
قال ابن جني: يقول جميع ما في عسكره عربي خيله وسلاحه وشعاره وملبسه قال الشيخ: يريد أن في الجيش رايات مختلفات الشكول، وكذلك الشعار الذي هو مختلف، لأنه ادعى أن فيه قبائل بعضهم يقول يال عقيل، ومنهم من يقول يال تميم، وغيرها من القبائل وهذا يشابه قوله: تَناكَرُ تَحْتَهُ لَوْلا الشَّعارُ والمشمم يجوز أن يكون من الشم ويجوز أن يكون من شممت الشيء إذا أصلحته.
عَلى كُلَّ طَاوٍ تحتَ طَاوٍ كأنَّهُ ... مِنَ الدَّمِ يُسقى أوْ مِنَ اللَّحمِ يُطعمُ
قال الشيخ: على كل طاو من قولهم طوى الرجل إذا لم يأكل شيئا) على كل طاو (أي على كل فرس لم ترع، ولا علق عليق، يقال هو طاو بين الطوى وحكاه سيبويه وأجراه مجرى السمن والشبع والمراد أن هذه الخيل وفرسانها كأنها تستقي من دماء الأعداء، وتطعم من لحومهم، وذهب قوم إلى أن المراد أنها كالتي تأكل من لحوم أنفسها، وتشرب من دمائها، ولا يجعل هذا القول غرض الشاعر لأن صفتها بأنها كالآكلة لحوم الأعداء والشاربة من دمائهم، أبلغ في المديح.
أما القوم الآخر فيحسن إذا كان في صفة إبل مسافرة لا يقصد بها الحرب كما قال الراجز:
وَبَلدَةٍ باتتْ على خزومِها ... شاكية الأكوارِ مِن لزُومِها
كأنها تَلاتعُ في لحومِها ومن التي أولها: وَاحَرَّ قلباهُ مِمَّنْ قَلبُهُ شَبِمُ
فَوْتُ العَدُوّ الذي يَمْمَتَه ظَفرٌ ... في طَيّهِ أَسَفٌ في طَيَّهِ نِعَمُ
قال الشيخ:) في طيه أسف (الهاء في طيه عائدة إلى الظفر، أي أن فوته إياك إنما وقع به لخوفه منك، لأنه هاب لقاك فهرب، وإنما يعني أن سيف الدولة أسف لذلك وقوله) في طيه نعم (الهاء في الطي الثاني ترجع إلى الأسف وقد شرح ذلك في البيت الذي يليه بقوله:
قَد نابَ عَنكَ شَديدُ الخَوْفِ واصْطَنَعتْ ... لَكَ المَهابَةُ مالاَ تَصْنَعُ البُهَمُ
وقال الأحسائي: العدو إذا فاتك فذلك الفوت ظفر له، وفي طي ذلك الظفر أسف على من قتل من أصحابه، وما نهب من أمواله، وفي طي ذلك الأسف نعم لك ولأوليائك. ويشبه قوله: مَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائدُ
رِجلاهُ في الرْكضِ رِجلٌ واليدان يَدٌ ... وفِعْلَهُ ما تريد الكَفُّ والقَدَمُ
стр. 82
قال ابني جني: يصف استواء وقع قوائمه، وصحة جريه، كقول جرير:
مِنْ كُلَّ مُشْتَرفٍ وإنْ بَعُدَ المدَى ... ضرم الرّقاقِ مُناقِل الأجْرالِ
أي يتقي في جريه وطء الصخور، وقوله) وفعله ما تريد الكف والقدم (أي جريه يغنيك عن تحريك السوط والقدم.
وقال الشيخ:) وفعله (يعني الجواد، ما تريد كف راكبه وقدمه، أي هو جواد مدرب فإذا قصر عناه قصر في الجري، وإذا أرخي له في العنان بذل ما يريده الراكب من الجري، وكذلك إذا حرك قدمه ليمتري خصره فإنه يسمح بما يرضيه، ونحو من هذا المعنى قول ساعدة بن جؤية الهذلي:
يُوشُونَهنَّ إذَا مَا آنسُوا فَزَعاً ... تَخْتَ السَّنَوَّرِ بالأقدَامِ والجِذَمِ
يعني بالجذم السياط، ويوشنهن يستخرجون ما عندهن في الجري.
وقال ابن فورجة: وإذا توقى وطء الصخور، على ما حكاه أبو الفتح لحذقه، فأي شبه بينه وبين كونه صحيح الجري غير متفاوته، متلائم وضع اليدين والرجلين، وما أراه إلا أعجب ببيت حرير ثم سمع هذا البيت فأعجبه، فجعله مثله من حيث الاستحسان لا من حيث الاشتباه، وهذا المصراع ببيت رؤبة أشبه وهو قوله: يهَوْين شَتَّى ويقعنَ وَفْقَا وقوله) وفعله ما تريد الكف والقدم (من قول امرئ القيس:
فللزّجرِ أَلهوبٌ وللسَاقِ دِرَّةٌ ... وللسَّوْطِ أخرى غَربُها يَتَدَفَقُ
ويحتمل معنى آخر، وهو أن يريد أنه مؤدب، يتصرف من غير تحريك العنان، ولا القدم وإلى هذا ذهب قوله:
وأدَّبها طَولُ القِتالِ فَطَرْفُهُ ... يُشِيرُ إليها مِنْ بَعيدٍ فَتَفْهَمُ
ومُرْهَفٍ سِرتُ بين الموجَتينِ به ... حتى ضرَبتُ وَموجُ المْوتِ يلتَطِمُ
قال الشيخ: المرهف السيف الرقيق، وجعل نفسه سائرا بين الموجتين أي بين فريقين يخاف منهما الموت، واستعار للموت موجا وإنما هو للبحر وما جرى مجراه من المياه الكثيرة كالفرات وغيره من الأنهار قال أبو ذؤيب:
فَجَاءَ بها ما شِئْتَ من لَطَمِيَّةٍ ... يَدومُ الفُراتُ فَوْقَها ويمُوجُ
وخطى أبو ذويب في هذا البيت، وقيل الدرة لا تكون في الفرات، وقيل أراد باللطمية الدرة التي تحمل في اللطيمة، وهي العير التي تحمل المسك.
وقال قوم: أبو ذؤيب في جبال هذيل ولم يكن ليخفى عليه أن الدر لا يكون في الفرات، وقيل أراد أن حول الصدفة التي فيها الدرة ماء كثيرا كأنه الفرات إذا هاج. وقال قوم الصدفة إذا شقت عن الدرة خرج ماء فذلك الذي أراد الهذلي. وقيل إنما أراد ماء الدرة نفسها في حسنها، وشبه ماء الدرة بماء الفرات.
لَيتَ الغَمامَ الذي عِندي صَوَاعِقهُ ... يُزيلُهنَّ إلى من عِنْدَهُ الدّيمُ
قال الشيخ: يعني سيف الدولة، وبصواعقه ما يلحقه منه من الأذية شبهها بالصواعق، الصاعقة هي الراعدة التي يسمع لها صوت عظيم، وربما كان معها برق يحرق يقال صاعقة وصاعقة قال الراجز:
يحَكُونَ بالهْندِيةِ اللوامِع ... تَبَوُّج لبَرْقِ عن الصَوَاقِعِ
والديم جمع ديمة وهي مطر ليس بالشديد يدوم أياما، وأقل ما يكون يوم وليلة وهو من ذوات الواو لأنه من دام يدوم وأنسوا بالياء فقالوا ديم المطر، ولم يردوها إلى الواو قال الراجز:
هو الجَوادُ ابنُ الجَوادِ ابنُ سَبَلْ ... إن دَيمّوا جادَ جَادُوا وَبَلْ
وقالوا كثيب مديم إذا سقته الديم.
بأيَ لفظٍ تَقُولُ الشَّعْرَ زِعْنِفةٌ ... تجَوزُ عِندك لا غُرْبٌ ولا عَجَمْ
قال ابن جني: الزعانف سقط الناس وسفلتهم، وقوله) لا عرب ولا عجم (أي ليست في قصاحة العرب، ولا تسليم العجم، الفصاحة للعرب، فليسوا شيئا.
وقال الشيخ: الزعنفة طرف الشيء والقطعة منه التي لا حاجة به إليها وزعانف أطرافه، وكذلك ما تدلى من أطراف الثوب، ويقال لما قشر عن السمك زعانف، والزعانف الذين يكونون في أطرافهم، وليسوا من صميمهم فإذا وقعت الحرب انضموا إلى معظم الناس قال الشاعر:
فَأّدنِ رباطَ الجَوْنِ مِنّي فإنَّهُ ... دنَا الشرُّ واحتلّ الجميعُ الزعانِف
وقال ابن فورجة: سمعت من ينشد) يخور عندك (وإن صحف فالمعنى جيد لأنه، شبه كلامهم لجهلهم بالخوار، ألا ترى إلى البحتري كيف قال يعني المستعين ﵀:
стр. 83
بكى المِنْيرُ الشَرقِيُّ إذْ خَار فَوقَهُ ... على النَّاسِ ثَورٌ قد تدلَّتْ غَباغِبُه
وهذا يشبه تصحيف بعضهم قوله أيضا:
والصَّدْقُ مِنْ الكِرامِ فَبيناً ... أمِنَ الشَّرَابِ تَنوبُ أمْ مِنْ تَرْكه
صحف) فبينا (المكتوبة بألف التنوين فقال) فنبنا (يريد نبئنا من النبأ وهو الخبر مخفف الهمزة وهو جائز وهذا من سعادة هذا الرجل:
هَذَا عِتابُكَ إلا أنَّهُ مِقَةٌ ... قَدْ ضُمنَ الدُرَّ إلا أنَّهُ كَلِمُ
قال الشيخ: المقة أصلها الومقة فحذفت الواو التي فاء الفعل. فقيل مقة، ووزن علة، وهذا الحذف مطرد في هذا الباب، يقولون وزنت الشيء زنة، ووعدت الرجل عدة، فإذا جاء حرف الحلق فتحوا في بعض المواضع وكسروا، يقولون في فلان ضعه وضعة، وفي وجهه قحة وقحة.
ومن أبيات أولها:
قَدْ سَمِعنا مَا قُلْتَ في الأحلامِ ... وَأنَلْنَاكَ بَدْرَةً في المَنامِ
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: كان بعض الناس قد وجه إلى سيف الدولة أبياتا ذكر أنه رآها في النوم، وفيها شكية للفقر، فقال أبو الطيب هذه الأبيات والبدرة اصطلح الناس على أنها عشرة آلاف درهم، وقيل سميت بدرة لأنها مقدار ما يملأ البدرة، وهو جلد الفطيم، وجمعها بدر على غير قياس.
كُلُّ آخائِهِ كِرَامُ نَبِي ... الدُّنْيا ولكِنَّهُ كَرِيمُ الكِرَامِ
قال الشيخ ﵀: آخاه جمع أخ. كما يقال أب وآباء، وقلما يجمعونه هذا الجمع، لأنهم استغنوا بقولهم اخوة وإخوان، وأكثر ما يقولون في واحد الآخاء أخ، وقد حكوا أخا في وزن عصا، وينشدون بيتا قد كثر على ألسن الناس وهو:
إنَّ أخَاها وأخَا أخَاهَا ... قَدْ بَلَغَا في المَجدِ غايتَاها
وحكى الفراء) أخو (بسكون الخاء وأنشد:
لأَخْوَيْنِ كانا خيرَ أخْوَيْنِ شيمةً ... وأسرَعَه في حَاجةٍ أُريدُها
وذكر ابن دريد أن أبن الكلبي حكى أخ بالتشديد، وجاء في شعر زهير بيت وهو قوله:
وكَفّي عن أذى الجيرانِ نَفسي ... وحِفظي الودَّ للأخَّ المُدانِي
وقد روي هذا البيت لكعب بن زهير، فإن خففت الخاء فقد زعم أهل العلم بالشعر أنه زحاف لم يأت مثله عن العرب، وإن شددت الخاء على حكاية ابن الكلبي، ففيه زحاف ليس بمنكر، وقل ما يخلو بيت في الوزن في هذا الوزن منه.
ومن التي أولها: عَلى قَدْرِ أهل العَزمِ تأتي العَزائِمُ
يُفدّي أتمُّ الطّيرِ عُمْراً سلاحَهُ ... نُسُورُ المَلا أحْدَاثُها والقَشاعِمُ
قال الشيخ ﵀: يعني بأتم الطير عمرا النسور، وبعض الناس يدعي أنه يعمر خمسمائة سنة، وبعضهم يقول عمره ثمانون سنة، وهو أشبه ونسور الملا بدل من أتم الطير، والملا المتسع من الأرض واستعمل الأحداث للنسور استعارة من الإنس، والقشاعم المسان وأكثر ما يستعمل في النسور، وأدعى للنسور أنها تفدي سلاحه، لأنها كفتها أمر المطاعم، لكثرة قتل الممدوح الأعداء فتقع عليهم النسور، والنسر لا يقتض وإنما يسقط على الجيف وقد بين الغرض في البيت الثاني بقوله:
ومَا ضَرَّها خَلْقٌ بغيرِ مخَالبٍ ... وقد خُلِقتْ أسْيافُهُ والقَوَائِمُ
وقال ابن فورجة: قوله) وما ضرها خلق بغير مخالب (مما يسأل عنه؛ إذا كانت النسور لا تخلو من المخالب، فعن ذاك جوابان، أحدهما: أنه يعني الفرخ الحدث الذي لا يمكنه الانتفاع بمخالبه لضعفه، والمسن الذي عجز عن طلب القوت، ألا تراهم يقولون في المثل) أبر من النسر (ويفسرون ذلك بأن النسر إذا أسن آوى إلى الوكر، وجعل فرخه يزقه كما يزقه كما يزقه في حداثته ويوضحه قوله) أحداثها والقشاعم (يريد فرخها الذي لم ينهض، ومنها الذي عجز عن النهوض.
والجواب الثاني: أنه يريد ما ضرها لو خلقت بغير مخالب كما تقول ما ضر النهار ظلمته مع حضورك، وليس النهار بمظلم، ولكنك تريد لو خلق مظلما.
وكانَ بها مثلَ الجنُونِ فأصْبَحَتْ ... ومِنْ جُثَُِ القَتْلى عليها تَمائمُ
قال الشيخ: ادعى أن الحدث كان بها مثل الجنون، ويجوز أن يكون اراد أهلها والجثث جمع جثة، وأصل ذلك ما رؤي من جسم الانسان، وقيل اجتث الشيء إذا أخذ كله أي استؤصلت جثته، والجث شيء مرتفع من الأرض وليس بالعظيم قال الشاعر:
стр. 84
فأوْفَى على جُث وللَيْلِ طُرَّةٌ ... على الأرض لم يكَفِفْ جوانبها الفَجْرُ
والتمائم تعلن على من يخاف عليه عين، أو يظن به سفعة من الجنون.
تُفِيتُ اللَّيالي كُلَّ شَيْ أخَذْنَهُ ... وهُنَّ لما يأخُذْنَ مِنكَ غَوَارِمُ
قال الشيخ ﵀: يقول الليالي إذا أخذن شيئا أفاتته، ولم يرجع إلى صاحبه، وهي إذا أخذت منك شيئا غرمته، وبعض الناس يروي) أخذته (وهو أشد مبالغة من الرواية الأولى، لأنه جعل الممدوح إذا أخذ منها شيئا لم يقدر على استرجاعه منه، وإذا أخذت منه شيئا غرمته.
إذا كانَ ما تَنْوِيهِ فِعْلاً مُضارِعا ... مَضَى قَبْلَ أنْ تُلْقى عَلَيه الجوازِمُ
قال الشيخ ﵀: الجوازم الحروف التي تجزم، وأصل الجزم القطع، وسمى النحويون هذا الفن جزما، لأنه يقطع الإعراب من الأسم، ومنه قولهم حلف علي يمين جزم أي قطعها، ومعنى البيت أن الممدوح إذا كان ما يقول فعلا مضارعا، وهو يصلح للأمرين للحال والاستقبال، أمضاها هذا المذكور من قبل أن تقع عليه الجوازم، كأنه إذا جرى في نفسه أن يقتل عدوا قتله قبل أن يقول قائل لم يقتله.
تَجَمَّعَ فيهِ كُلُّ لِسْنٍ وأُمَّةٍ ... فما تُفْهِمُ الحُدَّاثَ إلا التَّراجِمُ
قال ابن جني: اللسن اللسان، وقرئ) وما أرسلنا من رسول إلا بلسن قومه (والحداث جمع حادث بمعنى متحدث، قال علي بن سليمان في قول عقيبة الأسدي يهجو بلال بن أبي بردة:
وما أنَال حُداثِ أمَّكِ بالضحى ... ولا بالمُزَكّيها بظَهْرِ مغيبِ
له معنى ظريف وذلك أن أمه كانت مراقة، فيقول: لست ممن يقف عليها ليشتري منها، ولا بالمزكيا بظهر الغيب، أي لست ممن يقول لها: لحمك جيد وطبيخك طيب.
وقال الشيخ: يقال لبني فلان لسن أي لغة، في هذا الخميس أصناف العالم فكل منهم يحتاج إلى ترجمان يفسر له ما يسمع، والحداث الذين يتحدثون قال الشاعر،
أتيتْ معَ الحُداثِ ليلىَ فلم أُبِنْ ... وأَخْلَيْتُ فَاستَعْجمْتُ عِندَ خَلائي
ولفظ الحداث يدل على أنه جمع حادث، ولم يقولوا رجل حادث من الحديث استغنوا عنه بقولهم حدث حدث وجاء حداث على تقدير حادث.
بِضرْبٍ أتى الهَاماتِ والنَّصْرُ غَائِبٌ ... وصَارَ إلى اللَّبَّاتِ والنصرُ قادِمُ
قال ابن جني: يقول: إذا ضربت عدوا، فحصل سيفك في رأسه، لم يعتد ذلك نصرا ولا ظفرا، وإذا فلق سيفك رأسه، وصار إلى لبته، فحينئذ يكون ذلك عندك نصرا ولا يرضيك ما دونه.
وقال الأحسائي: يعني أن الروم كانوا مستظهرين في أول يومهم، حتى حمل عليهم سيف الدولة في غلمانه وخواص فرسانه فهزمهم، يقول: إن الضرب أتى الهامات، وعليها البيض، فلما قطع البيض وصار إلى اللبات انهزموا، فكأن النصر كان غائبا فقدم.
حقَرْتُ الرُّدينَّيات حتى طَرحْتَها ... وحتى كأنَّ السَّيفَ للرُّمْحِ شَاتِمُ
قال الشيخ: الناس في الشام والعراق يروون هذا البيت شاتم، وله وجه أي كأن السيف لم يرض فعل الرمح فهو يشتمه، ولو رويت للسيف شائم لكان للبيت معنى ألطف في نقد الشعر لأنهم يقولون شام السيف إذا أغمده فكأنه يقول لما جاء السيف كان كأنه قد شام الرمح، وليس من عادة الرمح أن يشام ولكنه لما عطل السيف الرمح كأنه شامه.
تَظُنُّ فِراخُ الفُتْحِ أنَّكَ زُرْتها ... بأُمَّاتِها وَهْيَ العِتاقُ الصَّلادِمُ
قال الشيخ: فراخ الفتخ العقبان، أي أنك زرتها بأماتها، أي بالعقبان، والأمات تستعمل لغير الإنسان، والأمهات بالهاء تستعمل في بني آدم، وقد جاءت الأمهات في البهائم قال الشاعر:
قَوَالُ مَعْروف مفَعضالُه ... عَقَارُ مَثْنى أمَّهات الربَاع
ووزن أمات فلات، ووزن أمهات فعلهات، وقد أظهروا الهاء في الواحد وأنشدوا رجزا نسبوه إلى قصي بن كلاب جد النبي ﷺ وهو:
إني لدَى الحَربِ رَخِيُّ اللَببِ ... مُعتَزمُ الصَوْلةِ عَالي النَسَبِ
عندَ تَنادِيهم بهَالِ وهَب ... أُمَّهتي خِنْدِفُ واليَأسُ أبي
стр. 85
والعتاق الخيل الكرام، يقال عتقت الفرس إذا تقدمت وسبقت، والصلادم الصلاب، وإذا قيل إن الميم زائدة في شدقم؛ لأنه من سعة الشدق لم يمتنع أن تكون الميم في صلدم زائدة لأنه من الصلد وهو الصلب، ووزن صلادم على هذا فعالم، وإذا كانت أصلية فوزنه فعالل.
ومن التي أولها: أرَاعَ كَذَا كُلَّ الأَنَامِ هُمامُ
حِذاراً لمُعْرَوْرِي الجيادِ فُجاءَةً ... إلى الطَّعْنِ قُبْلاً ما لهنَّ لجِامُ
قال الشيخ: وصفه بأنه معروري الجياد، أي يركبها أعراء، وقد بالغ في مدحه مبالغة وجب ن ينزهه معها عن إعراء الجياد، إذ كان ذلك لا مفخر فيه لمثله وقال: " ما لهن لجام " فوحد في موضع الجمع، وقد وصفت العرب إعجال الحروب إياها عن لجام الخيل، قال الشاعر:
غَدَاةَ مَرَرْتَ بآلِ الرَّبا ... بِ تُعْجَلُ بالرَّكْضِ أَنْ تُلْجِمَا
وبعضهم يفتخر بإلجام الفرس قبل إسراجه، لأنه إذا وضع اللجام في رأسه أمكنه أن يعروريه بغير سرج، وقال بعض الشعراء:
إذَا قِيلَ أيُّ فَتى تَعَلمُونَ ... لصَعلُوكِ فِهْرٍ ومحُتَاجِها
ومَن يُعجِلُ الخَيلَ يَومَ الوَغى ... بإجَامِها قَبلَ إسرَاجِها
أشارَتْ نِساءُ بَنِي غالِبٍ ... إليكَ بِه قَبلَ أزوَجِها
تَغُرُّ حَلاَوَاتُ النُّفُوسِ قُلُوبَها ... فَتَخْتارُ بَعضَ العَيشِ وَهو حمِامُ
قال ابن جني: قلوبها: قلوب النفوس، فتختار الهرب خوف القتل، وهو كالقتل.
ومن التي أولها: ذِكَرُ الصَّبا وَمَراتِعُ الآرامِ
لَوْ كُنَّ حَرَيْنَ كُنَّ كَصبَرِنا ... عِنْدَ الرَحيلِ لَكْنَّ غيرَ سِجامِ
قال الشيخ ﵀: يقول دموعنا غزيرة كثيرة، فلو كن كصبرنا يوم الرحيل لكن قلائل لا يجرين.
أنْتِ الغَرِيبَةُ في زَمانِ أهْلُهُ ... وُلدَتْ مكارِمُهُمْ لغَيرِ تمِامِ
قال ابن جني: أنت الغريبة، لأنه أراد الحال أو الخصلة كما تقول للرجل: إنك لأعجوبة، وإنك لداهية وعضلة.
قال الشيخ أبو العلاء: الأشبه أنه أراد أنت الدرة، ثم يحتمل أن يوقعها على كل خصلة محمودة.
مَهْلاَ ألا لله ما صَنَعَ القَنا ... في عمْرِو حَابِ وَضَبَّةَ الأَغْتامِ
قال ابن جني: أراد عمرو حابس، فرخم المضاف إليه، وهذا لا يجوز عندنا، لأن الترخيم هو حذف يلحق أواخر الأسماء المضمونة في النداء تخفيفا، والمضاف إليه معرب في النداء مجرور بإضافة الأول إليه، فلا يجوز حذفه. فأما ما رواه الكوفيون من قول الشاعر:
أبَا عُرو لا تبْعَدْ فكُلُّ ابْنِ حُرَةٍ ... سَيَدْعُوهُ دَاعِي يَوْمِهِ فيجُيب
فلا يعرفه أصحابنا على هذه الرواية وإنما، روايتنا) أيا عرو (كما تقول يا طلح.
وذِرَاعُ كُلَّ أبي فُلانٍ كُنْيَةً ... حالَتْ فَصاحِبُها أبُو الأيْتامِ
قال ابن جني: كأنه قال ثم أحجار ناس وثم ذراع كل أبي فلان، أي ذراع مقطوعة من رجل كان يكنى أبا فلان زيدا أو عمرا أو غيره، فحالت كنيته فصار صاحبها يقال له أبو الأيتام، بعدما كان يقال له أبو فلان، وذلك لأنه هلك فيتم ولده ونصب كنيته على الحال من أبي فلان، أي كنيته وليست نسبا، ويسأل عن هذا فيقال إن الاسم الذي يقع بعد كل أداة واحد في معنى جماعة، ولا يكون إلا نكرة نحو قولك: " كل رجل في الدار " فلست تعني رجلا واحدا، ولا يجوز أن تقول " ضربت كل عبد الله " وأنت تريد ما تريد برجل، فكيف جاز له أن يقول كل أبي فلان؟ وهو يعني جماعة هذه أحوالهم، وفلان معرفة فينبغي أن يكون) أبي (معرفة لإضافته إليه، فالجواب أنه اضطر إلى تقدير الفصل، وبينه فكأنه قال كل أب لفلان أبي كل إنسان، يقال له أبو فلان، كما يقول: " رب أمه لقيته " و " رب عبد بطنه ضربته " أي رب واحد لأمه ورب عبد لبطنه.
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: هذا تأويل لا يحتاج إليه، لأن كل علم من المعارف مثل عمرو وزيد لا يمتنع من تنكير فلان، وفلان في بيت المتنبي نكرة لأنه أخرجه مخرج قولك: " جاءني كل أبي علي في المصر " ففلان معرفة وقد صار نكرة، وأبو نكرة مثله، وليس يحتاج في هذا الموضع إلى تأويل فصل الإضافة لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون فلان معرفة ولا يجوز تنكيرها، وذلك مستحيل لأن الاسم المعروف إذا جاز تنكيره فالتنكير إلى ما يكنى عنه به أسرع.
стр. 86
صَغرْتَ كُلَّ كَبيرةٍ وكبرت عَنْ ... لكأنَّهُ وَعَدْتَ سِنَّ غُلامِ
قال الشيخ ﵀: يقول إنه صغر كل كبيرة، لأن الناس إذا نظروا إلى أفعاله استصغروا بفعله غيره، وكبرت عن لكأنه يشبه قوله:
أمِطْ عَنْكَ تَشْبِيهِي بِما وكأنَّهُ ... فما أحَدٌ فَوْقِي ولا أحَدٌ مِثْلي
أراد أنه يكبر عن التشبيه، وأن يقول القائل كأنه الأسد، وكأنه السحاب، ونحو ذلك، فأدخل لام الابتداء على كأن، وذلك قليل جدا، والقياس يمنع منه لأن الكاف أول كلام، وقولهم: " كأن زيدا عمرو " مؤد معنى قولك كزيد، فجاز دخول اللام على الكاف، كما جاز دخولها في قولك: " لفلان أفضل من فلان " ثم ختم البيت بقوله:) سن الغلام (أي أنك شاب مع فعلك هذه الأفعال العظام.
ومن التي أولها:
عُقْبى اليمينِ عَلى عُقْبى الوَغى نَدَمُ ... ماذَا يَزيدُكَ في إقْدامِكَ القَسَمُ
قال ابن جني: هي آخر قصيدة قالها بحضرة سيف الدولة، وقلت لأبي الطيب وقت قراءة هذه القصيدة عليه: أنه ليس في جميع شعرك أعلى كلاما من هذه القصيدة، فاعترف بذلك وقال كانت وداعأ.
وقال الشيخ: المثل القديم) اليمين حنث أو مندمة (وكأن مراد الشاعر إن عقبى يمين الحالف على عقبى الوغى، أي ما تعقبه الحرب ندم، لأنه لا يدري ما يكون فكأنه يشير بترك الحلف.
الرَّاجعُ الخَيْلَ نُحْفاةً مُقَوَّدَةً ... مِن كُلَّ وبارِ أهْلُها إرَمُ
قال الشيخ: الراجع الخيل يعني الممدوح، قد أحفاها السير فهي تقود ليزول عنها ذلك، و) وبار (موضع كان مسكونا ثم خلا من أهله، والعرب تضرب به المثل في البعد، وإرم هو أبو عاد ابن إرم بن سام بن نوح، والمثل يضرب في الفناء قال الراجز: مَنْ يَلْقَني يُودِ أوْدَتْ إرَمْ أي خيل هذا الممدوح ترجع عن البلد الذي غزاه وهو خال مثل وبار، وأهله هالكون مثل إرم.
وقال ابن فورجة: أي أحفاها كثرة السير، فهي تقاد ولا تركب رفقا بها. ولا تكون محفاة ملقية نعالها الحديد؛ لأنها خيل عراب لا تحتاج إلى النعال، ألا تراه يقول:
وكُلَّ جَوَادٍ تَلْطِمُ الأرْضَ كَفُّهُ ... بأغْنَى عَنِ الحَديد منَ النَّعْلِ
وقوله أيضا:
تَمَاشَى بأيدٍ كُلَّما وَافَتِ الصَّفا ... تَفَشْنَ بِهِ صَدْرَ البُزَاةِ حَوَافيا
بل أحفاها سلوكها الجبال في طلب الروم، وهي لم تتعود إلا البر، ولو أراد إلقاءها نعالها الحديد لقيل فهلا أنعلها إذ ألقت النعال، وهو ملك لا يعوزه النعال حيث سار، ويجوز أيضا أن يكون من الإحفاء الذي هو التقصي، كالخبر أنه ﷺ أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى.
جَيْشٌ كأنَّكَ في أرْضِ تُطاوِلُه ... فالأرْضُ لا أمَمٌ والجَيْشُ لا أمَمُ
قال الشيخ: يقول كأنك في أرض تطاوله وهي واسعة، وعدد الجيش كثير فكرهما غير أمم، والأمم الشيء بين الشيئين يقال: دار بني فلان أمم أي بين القريب والبعيد. قال الشاعر:
طَرقَتْهُ أسمَاءُ أمْ حَلَمَا ... أمْ لمْ تكُن من رِحَالِنَا أمَمَا
إذا مَضَى عَلَمٌ بَدَا عَلَمٌ ... وإنْ مَضَى عَلَمٌ مِنْهُ بَدَا عَلَمُ
قال الشيخ: العلم من الأرض مثل الجبل، وعلم الجيش معروف، وكلاهما من العلامة، لأنه مؤد إلى العلم بالشيء، [ولو قال] وإن بدا عالم منه بدا علم، لكن أحسن في حكم الشعراء، ولعل أبا الطيب كذلك قال، لأن تكرير العلم في البيت كثير، وقوله في صفة الجيش بدا عالم يقلل تردد العلم ويدل على كثرة الجيش.
فَمَا تَرَكْنَ بها خُلْدا لَهُ بَصَرٌ ... تَحْتَ الترابِ ولا بَازاً لَهُ قَدَمُ
قال الشيخ أبو العلاء: يقول ما تركن في هذه الناحية خلدا، أي رجلا قد دخل في مغارة كما يدخل الخلد في الأرض، إلا أن هذا الخلد يبصر وهو يشابه الخلد في اختفائه، ويخالفه في نظره، ولا بازا له قدم، يعني رجلا مثل الباز يكون في أعالي الجبال إلا أنه له قدم.
تَلْقى بهمْ زَبَدَ التَّيَّارِ مُقْرَبةٌ ... عَلَى جَحافِلِها مِنْ نَضْحِهِ رَثَمُ
دُهْمٌ فَوَارِسُها رُكّابُ أبْطُنِها ... مَكْدُودَةٌ وَبِقَوْمٍ لا بها الأَلَمُ
стр. 87
قال الشيخ: التيار الموج، والمقربة الخيل التي جرت عادتها بأن تقرب عند البيوت، والرثم بياض جحفلة الفرس العليا، وإذا كان البياض في السفلى قيل فلاس المظ، وابتدأ الشاعر بصفة الخيل المعروفة، ولم يزل مستمرا على ذلك إلى قوله) دهم (ثم دل ذلك أنه يريد السفن يعني أنها مطلية بالقار وجعل فوارسها ركاب أبطنها، فدل ذلك على أنه يريد السن لا غير.
وقال ابن فورجة: أرسناس نهر عظيم يقول ظنوا أنهم إذا جاوزوه حال بينك وبينهم، وكيف بعصمهم وهو نفسه ليس يعصم منك، لأنك تقطعه وتركبه بالخيل والسفن وهي المقربة التي ذكرها، والرثم بياض في الشفة العليا من الدابة شبه الزبد على مقدمها بالرثم.
والأَعوجِيَّةُ مِلَْ الطَّرْقِ خَلفهُمُ ... وَالمشرَفِيَّةُ مِلءَ اليومِ فَوْقَهُمُ
قال الشيخ: نصب) ملء الطرق (بإضمار فعل كأنه قال: والأعوجية تردى أو تركض في حال ملئها للطرق، والإضافة على نية الانفصال كأنه قال: ملأ للطرق أي مالئه، ونصب) ملء اليوم (على نحو من هذا النصب.
وقال ابن فورجة: لما كانت الخيل مما يبسط في الأرض، جعل الطرق منها ممتلئة، ولما كانت السيوف مما يعلو في الجو ويهبط عند الضرب، جعلها ملء النهار لأن النهار ما بين السماء والأرض.
ومن التي أولها:
أنا لائمي إنْ كُنْتُ وَقْتُ اللَّوائِمِ ... عَلِمتُ بما بي بَينَ تِلْكَ المَعالِمِ
قال ابن جني: هذا كقولك أنا مثلك إن كان كذا وكذا، ونظيره قوله:
عُيُونُ روَاحِلي إنْ حَرْتُ عَيْني ... وكُلُّ بُغامِ رَزِحةٍ بُغامِي
أي أنا مثل الإبل إن حارت عيني، والمعالم جمع معلم، وهي الآثار والأمارات قال ذو الرمة:
أو دمْنَةُ هَيَّجتْ شَوقاً مَعالِمُها ... كأنها بالهِدَمْلاتِ الرَّواسِيم
وقال الشيخ: في البيت معنى القسم، لأن الإنسان يقول: أنا كافر إن كان كذا وإثبات الألف في أنا عند بعض النحويين ضرورة، وعلى ذلك يحملون قول حميد بن بحدل الكلابي:
أنا زَينُ العَشيرةِ فاعْرِفُونِي ... حُمَيْدٌ قد تَذَرَّيْتُ السَّنَامَا
والمعنى على هذا القول: أنا لائمي إن كان كذا، لأن اللائم عنده قبيح الشيمة مذموم الأفعال، ولو حمل قوله) أنى (على أنه فعل ماض من أنى الشيء يأني إذا حان وبلغ ميقاته، من قوله الله تعالى:) ألم يأن للذين آمنوا (لكان ذلك وجها حسنا، وسلم من إثبات الألف في غير موضع الإثبات، ويكون المعنى بلغ لائمي ما يريد إن كان ما ذكرت.
دِيارُ اللواتي دارُهُنَّ عَزِيزَةٌ ... بطُولِ القَنَا يُحْفَظْنَ لا بالتمَائِمِ
قال أبو علي ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ، وإنما أتيت بذكره لنكتة وهي أنني قرأت على أبي العلاء، فقلت له: أنشد بطول القنا، أو بطولي القنا على وزن كبرى وصغرى، فقال: ما رويت إلا بكسر للام، فقلت: التمائم في آخر البيت جمع وطول واحد، فهلا أنشد بطولى يراد بها طوال القنا، ليكون جمعا مع جمع، هذا أجود في صنعة الشعر. فقال: ما اخترت إلا مختارا غير أن الرواية ما ذكرت.
فَمالِي وللدُّنيا طِلابي تُجُومُها ... ومَسعَايَ منها في شُدوقِ الأرَاقِمِ
قال الشيخ ﵀: طلابي مبتدأ، ونجومها خبره، والمعنى الذي أطلب نجومها فأقام المصدر مقام المفعول، فكأنه قال مطلوبي نجومها، ولو نصب نجومها لجاز، كما يقول: " ضربي فلانا " وهذا مثل قولهم: رأي عيني فلانا يفعل كذا، قال الراجز:
وَرأُيُ عَيْني الفَتَى أَخَاكا ... بُعْطي الجَزِيلَ فَعَلَيكَ ذَاكَا
يقول مالي وللدنيا أطلب فيها معالي الأمور، ومسعاي في شدوق الأراقم، أي في موضع الهلكة، التي لا تؤدي إلى فائدة.
وفَارَقتُ شرَّ الأرضِ أهلاً وتُرْبَةً ... بها عَلَويٌّ جَدَّهُ غَيرُ هَاشِمِ
قال الشيخ: الأجود أن تكون الهاء في بها راجعة إلى تربة، وتكون الجملة في موضع نعت لها، وقوله) بها علوي (إقرار بالعلوية، ثم نفاه عن هاشم، أي أن هذا الممدوح ينسب إلى علي بدعواه، وليس هو من ولده واسم هاشم عمرو بن مناف.
كأنكَ ما جاوَدْتَ مَنْ بَانَ جُودُهُ ... عَليكَ ولا قَاتلتَ مَنْ لم تُقاوِم
قال ابن جني: يقال جاودني فجدته، أي كنت أجود منه، من الجود والجودة معا.
стр. 88
قال الشيخ: يقول: إذا هم الإنسان بأمر ولم يفعله فكأنه لم يهم به، وإذا اجتهد في طلب شيء ولم يدركه، فكأنه ما طلبه، وهذا البيت مخاطبة لغير الممدوح، يقول: كأنك يا إنسان إذا جاودت غيرك فغلبك في الجود لم تجاوده وإذا قابلت من لم تقاومه فكأنك لم تقاومه.
ومن التي أولها:
كُفي أرَاني زَيْكِ لَوْمَكِ ألوَما ... هَمٌّ أقامَ على فُؤادٍ أنْجَما
قال الشيخ أبو العلاء: النصف الأول يحتمل وجين: أحدهما: أن يكون مستغنيا بنفسه، يقول كفى لومك فإني أراني ألوم منك، أي ألومك أكثر من لومك إياي، وويك كلمة لم يصرف منها فعل، وأصحاب اللغة يزعمون أمن معناها التنبيه على الشيء، كأنهم يريدون ألم تروا في الكتاب العزيز:) ويكأنه لا يفلح الكافرون (فذهب الخليل فيما يرون إلى أنه قال: " وي " على معنى التعجب، ثم قال كأنه لا يفلح الكافرون، وهذا مذهب من يقول: " ويك " بلا أن وقد جاءت مع أن الخفيفة في قول الشاعر:
وَيْ كأنْ مَنْ يكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ... بَبَ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرَّ
فإذا جعلت " وي " كلمة والكاف للخطاب، وجب أن تفتح إذا خوطب بها المذكر وأن تكسر إذا أريد بها التأنيث.
والوجه الآخر من الوجهين الجائزين في النصف الأول: أن يكون متعلقا بالنصف الثاني، ويكون هم مرفوعا بقوله أراني، كأنه قال أراني لومك ألومك هم أقام على فؤاد أنجم، في أنجم ضمير يعود على الفؤاد، أي ذهب به كما يذهب السحاب المنجم، فيكون قوله) ألوما (أي أحق باللائمة مني حمل على القول الأول فهم مرفوع بابتداء مضمر، أو فعل أو خبر مقدم كأنه قال: هذا هم أو أصابني هم أو بي هم.
لمْ تَجْمَعِ الأضْدادَ في مُتَشابِهِ ... إلاّ لتَجْعَلَنِي لِغُرْمِي مَغْنَما
كصِفاتِ أوْ حَدِنا أبي الفَضْلِ التي ... بَهَرَتْ فأنْطَقَ واصِفيهِ وَأفْحَما
قال الشيخ ﵀: يقول: بهرت صفات هذا الممدوح فأنطلق الواصفين فوصفوه حتى فحموا، أي انقطع ملامهم، ويقال بكى الصبي حتى فحم، أي عجز عن البكاء، وقالوا أفحم الشاعر إذا تعذر عليه قول الشعر، ويجب أن يكون أخذ هذا اللفظ من الفحم المعروف، لأنهم يريدون أن الخاطر كان كالنار الموقدة فأنقطع إلى أن صار كالفحم، قال الهذلي.
أصَخْر بنَ عَبد اللهِ كُنْتَ شاعِراً ... فإنك لا تُهْدِي القَوافي لُمفْحَمِ
قال ابن فورجة: الأضداد هي الليل والشمس في قوله) شمس النهار تقل ليلا مظلما (ونحافة الغصن وكثافة النقا، في قوله: غُصنٌ على تَقَوَىْ فلاةٍ نابِتٌ والمتشابه يريد تشابه حسنها وتمثاله، وهذا كقول الأول:
إني غَرِضْتُ إلى تَناصُفِ وجْهِها ... غَرَضَ المُحبّ إلى الحَبيبِ الغائِبِ
تناصف وجهها أي كونه غير متنافر الحسن، ثم شبه اجتماع تلك الأضداد في الحسن المتشابه بصفات هذا الممدوح، إذ أنطقت الواصفين بحسنها وبهائها، ثم أفحمتهم بعجزهم عن إدراك كنهها، فهذان ضدان قد اجتمعا في صفاته المتشابهة، وجعل الفعل في أنطق وأفحم للممدوح لا للصفات.
يا أيها المَلِكُ المُصَفَّى جَوْهَراً ... من ذاتِ ذي المَلكوتِ أسمىَ مَن سما
قال ابن جني: أي من ذات الله، وبالغ عز الله وعلا، وأسمى هاهنا اسم مضاف إلى من، وموضعه نصب لأنه منادى، فكأنه قال: يا أعلى من علا، وأرفع من ارتفع ويجوز أن يكون موضعه رفعا كأنه قال أنت أعلى من علا.
وقال الشيخ: جعل الممدوح خاصا من جوهر من عز عن الجواهر والأعراض، وخلقها بالإرادة، والقائل لها مذموم وإن رضي الممدوح بذلك، فقد أقدم على أمر يستعظم والملكوت فعلوت، والتاء في ذات أصلها هاء، ولكنها استعملت مضافة " وأسمى من سما " في موضع خفض نعت لله سبحانه.
نُورٌ تَظاهَرَ فيكَ لا هُوتِيَّةً ... فَتَكادُ تَعَلمُ عِلْمُ مَا لَنْ يُعْلَما
стр. 89
قال ابن جني: لاهوتية كقولك إلاهية، ولست أعرف هذه اللفظة في كلام العرب، على أن العامة قد أولعت بها، ونصب) رهوتية (على المصدر، ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في) تظاهر (. ولو كان اللاهوت من كلام العرب لكان اشتقاقه من) إله (الذي أدخل عليه الألف واللام، وصار علما لله تعالى، وذلك في أحد قولي سيبويه، ويكون كوزن الطاغوت، إلا أن الطاغوت مقلوب، واللاهوت لو كان عربيا لكان غير مقلوب فيكون على هذا فعلوتا بمنزلة الرهبوت والرحموت.
وقال الشيخ ﵀: نصب) لاهوتية (على التمييز، ولا يمتنع أن يكون نصبها على الحال، وإن كان النور مذكرا لأنه لا يمكن أن يقول تصور فلان رحمة، ويجوز أن تنصب) لاهوتية (لأنها مفعولة له أو من أجله، وبعض الناس يروي) لاهوتيه (بالإضافة إلى الهاء الراجعة على النور،
وَيهُمُّ فِيكَ إذَا نَطَقْتَ فَصاحةً ... من كلَّ عضْوٍ مِنكَ أن يَتَكلَّما
قال الشيخ: في) يهم (ضمير يعود على النور، ويجوز أن تكون) فصاحة (منصوبة على التمييز، وأن تكون مفعولا له، يقول يهم هذا النور أن يتكلم من كل عضو فيك، ولا يقتصر على اللسان دون الأعضاء.
وقال ابن فورجة: ويجوز أن تكون) من (مقحمة ويكون فاعل) يهم (كل عضو، وهذا كقولك: ويهم من كل رجل أن يخاصمني، تريد ويهم كل رجل، ويكون ضمير) يتكلم (أيضا للعضو، وعلى التأويل الأول للنور.
ومن التي أولها: ضَيْفٌ ألمَّ برأسِي غَيرَ مُحْتَشِمِ
أبعَدْ بَعِدتَ بَياضاً لا بياضَ لَهُ ... أنْتَ أسْوَدُ في عَيْنِي مِنَ الظُلَمِ
قال الشيخ:) أسود (في هذا البيت لا يراد به أشد سوادا، لأن النحويين يزعمون أن الألوان لا تستعمل في هذا الموضوع، ولا في النفي إلا بأشد ونحوها ويقولون: هذا أشد حمرة من الشقيق، ولا يقولون هذا أحمر من الشقيق وكذلك في التعجب ما أشد سواده، لا يقولون ما أسوده، ولم يجعله أشد سوادا من الظلم وإنما أراد أنه بعضها كما تقول فلان مسود من الليل، أي كأنه منه، ويحمل البيت المتقدم على أنه أراد لأنت أسود من جملتها، وقد أنشدوا بيتا شاذا وهو قول الراجز:
جارِيَةٌ في دِرْعِها الفَضْفاضِ ... أبْيَضُ مِنْ أختِ يَنِي إباض
وقد يتوجه لهذا البيت أن يكون على غير ما ذهبوا إليه، ويكون قوله) في درعها الفضفاض أبيض (أي في درعها جسد أبيض من أخت بني إباض، فيكون أبيض وصفا بالبياض، ويكون من هاهنا كما تقول للرجل من فلان صديق، وكذلك البيت المنسوب إلى طرفة:
إذا الرَّجالُ شَتَوْا وَاشْتَدَّ أكْلُهُمُ ... فأنْتَ أبْيَضُهُم سِربَالَ طَبَّاخِ
يريد أنت مبيضهم، أي ثوبك أبيض، ولا يريد أن ثوبه أشد بياضا من ثيابهم وإنما هو كما تقول هذا كريم من بني فلان، أي أنت كريم وأنت منهم، ونحو هذه الأبيات في أن) أفعل (لا يراد به التفضيل قول القائل:
وأَعنَقُ من أولاَدِ ذروة لم أجِئ ... بإعطائِهِ عَاراً ولا أنا نادِمُ
لم يرد أنه أطول عنقا من أولاد ذروة، وإنما أراد أنه طويل العنق فإنه من أولادها.
بحُبَّ قاتِلَتِي والشَّيْبِ تَغْذيَتِي ... هَوَايَ طِفلا وشَيْيبِي بالغَ الحُلمِ
قال الشيخ: تم الكلام عند قوله) تغذيتي (ثم فسر النصف الأول بالنصف الثاني فقال) هو أي طفلا (جعل هواي دالا على الفعل، كأنه قال هويت طفلا ونصب) طفلا (على الحال، وقوله) وشيبي بالغ الحلم (أي شبت حين بلغت الحلم، والنصب في بالغ الحلم كالنصب في قوله هويت طفلا على الحال.
قَبَّلْتُها ودُمُوعي مَزْجُ أدْمُعِها ... وقَبَّلَتْنِي على خَوفٍ فَماً لِفَمِ
قال ابن جني: نصب) فما (على الحال كما تقول، كلمته فاه إلى في، وتفسيره مشافها إلا أن المسموع فاه إلى في، فقاس هو هذا عليه، كما قال أيضا:
فَلا يُبَلْ قاتِلٌ أعادِيَهُ ... أقائِماً نالَ ذَاكَ أمْ قاعِدْ
فقياس) لا يبل (على) لم يبل (وهو المسموع.
وقال الشيخ ﵀: نصب) فما (بفعل مضمر، أو أسم فاعل يقوم مقام الفعل كأنه قال: جعلت فمها إلى فمي، أو جاعلة فمها إلى فمي، وقوله) فما (موضوع موضع الحال، وكذلك قولهم: كلمته فاه إلى في، أي جاعلا فاه إلى في، وأما قول الشاعر:
تحَسَّبَ هَوَّاسٌ وأيقَنَ أنَّني ... بِهَا مُفْتَدٍ من صَاحبٍ لا أُساوِرهُ
стр. 90
فقلتُ له فاها لفيك فإنها ... قَلوصُ امرئ قارِيكَ ما أنتَ حاذِرْه
فقوله) فاها لفيك (منصوب بفعل مضمر، كأنه قال تلقي فاها إلى فيك، يعني الداهية أو ضربة أو طعنة استعارها فما، وهواس يعني أسدا يطلب شيئا بالليل وتحسب أي تظنن من حسبت الشيء.
قد كلَّمتها العَوالي فهيَ مالحِةٌ ... كأنّما الصَّابُ مَعْصُوبٌ على اللَّجمِ
قال ابن جني: كلمتها من الكلوم وهي الجراح، وقالوا في قوله تعالى) أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم (أي تخرجهم بركلها إياهم، وقال حسان: لو يَدِبُّ الحَوْليُّ مِنْ ولدِ الذرَّ عليها لأندَيتَها الكُلُومُ وقال ثعلب: ليس معنى الحولي الذي أتى عليه الحول، لأن ولد الذر لا يعيش حولا، وإنما يريد بالحولي الذي تحول من حال إلى حال.
قال الشيخ أبو العلاء: قول حسان: لو دبت الحولي، وهو ما صغر نت الذر على سبيل المبالغة، لأن العادة جرت بأن الحولي من البهائم يكون أصغر من غيره، فأجرى حسان الذر مجرى سواه، والدليل على صحة هذا القول البيت الذي اجتمعت الرواة عليه لامرئ القيس:
مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ ... من الذَّرَّ فوقَ الاتْبِ منها لأَثرَا
فقوله) محول (مثل حسان) حولي (أي قد أتى عليه حول، وإنما اتبع حسان أمرأ القيس.
وكُلَّما نُطِحَتْ تَحْتَ العَجاجِ بِهِ ... أُسدُ الكَتائِبِ رَامَتْهُ ولم يَرمِ
قال ابن جني: أي زالت عنه ولم يزل هو، وأراد رامت عنه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بنفسه، قال الأعشى:
أبَانَا فلا رِمْتَ من عِنْدِنا ... فإنَّا بخيرٍ إذا لم تَرْمْ
أي لا برحت، وقد استعمله أبو نواس بغير حرف جر قال:
فما رمتُهُ حتى أتَى دونَ ما حَوتْ ... يِمينِي حتى رِيطَتِي وردَائِي
أي تمله الأبطال ولا يملها، وليس النطح مما يليق بذكر الأسد، وكان الأولى عندي أن يقول وكلما صدمت أو رميت أو نحو ذلك.
قال الشيخ: قوله إن) رامته (في معنى زالت عنه فيه نظرة، وقد يجوز هذا المعنى ويحتمل أن يكون رامته من رام يروم، فيكون الغرض رامت أن تصل إليه وهو على ذلك لم يرم من مكانه، وهذا أشبه من أن يكون رامته في معنى رامت عنه ويقوي هذا القول أن) رمت (إذا كان في معنى برحت لم يستعمل إلا في النفي، وقوله) رامته (قد استعمله في الإيجاب ألا ترى أنك تقول ما رمت من موضع كذا حتى فعلت، ولا يحسن أن تقول رمت من موضع كذا بغير جحد وعلى الوجه الذي استعمله أبو نواس لأنه قال) فما رمته (فجاء به في النفي.
ومن التي أولها: مَلامُ النَّوَى في ظُلمِها غايةُ الظُّلمِ
لألْقى ابنَ إسحاقَ الَّذِي دقَّ فهمهُ ... فأبْدَع حتى جَلَّ عنْ دِقَّةِ الفَهمِ
قال الشيخ: " اسحق " كلمة أعجمية لم تصرف للتعريف والعجمة، وقد وافقت من العربية مصدر قولهم أسحقه إسحاقا، وقوله) فأبدع حتى جل عن دقة الفهم (من قول الأول:
حَدَثٌ ما نَابَنا مُصمئلٌّ ... جَلَّ حتَّى دَقَّ فيه الأجلُّ
إذا بَيَّتَ الأعْدَاءَ كانَ استمِاعهُم ... صِيرَ العَوالي قَبْلَ قَعْقَعةِ اللُّجْمِ
قال الشيخ: أي طرقهم بياتا وهم نائمون، وصرير العوالي صوتها، وكأن أصوات اللجم مقعقعة، وأكثرها ما يستعمل في الحديد الصلصلة، وإذا كانوا قد وصفوا الحلي بالقعقعة فالحديد أولى به قال النابغة:
يُسَهَّدُ من نَومِ العَشِي سَلِيمُها ... لحلْيِ النّساءِ في يَديهِ قَعاقِعُ
مُذِلُّ الأعِزَّاء المُعِزُّ وإنْ يَئِنْ ... بِهِ يُتْمُهُمْ فالمُوتِمُ الجابِرُ اليُتمِ
قال ابن جني: يئن يحضر، أي هو مذل الأعزاء، أو معز الأذلاء، كأنه يضع قوما ويرفع آخرين. قال الأصمعي: لا مصدر لآن وقال أبو زيد: أنى أنيا أي حان وقوله به أي على يديه.
وقال الشيخ: هو من قولهم آن الشيء يئين إذا حان، وهو مثل قولهم أنى. وإحدى الكلمتين مقلوبة من ألخرى، واليتم أصله الانفراد، قال الشاعر:
كوماء يَسمُو فوقَها ... مثلُ اليتيمِ مِن الأرانب
يعني بالأرانب جمع أرنب، وهو الموضع المرتفع من الأرض، واليتيم المنفرد وإنما يصف ناقة بعظم السنام.
أطعْناك طَوعَ الدَّهرِ يَا ابنَ يوسُفٍ ... لِشَهْوتِنا والحَاسِدُو لَكَ بالرَّغمِ
стр. 91
قال الشيخ أبو العلاء: حذف النون من قوله الحاسدون لما استقبلها اللام، لأنهم يتوهمون الإضافة في هذا الموضع، كأنه قال والحاسدوك وكذلك قالوا) لا خفي لك (لأنهم توهموا سقوط اللام وقد حذفوا نون الجمع، وإن لم يكن ثم لام الإضافة، ويروى بيت ينسب إلى عبيد الأسدي وهو قوله: ولقَدْ يَغْنى بها جيرانُكِ المُمسِكُو مِنْكِ بأسْبابِ الوِصالْ
دُعِيتُ بِتقرِيظِيكَ في كُل مَجْلِسٍ ... وَظنَّ الذي يَدعُو ثَنائِي عليكَ اسمي
قال ابن جني: أراد وظن الذي يدعوني فحذف المفعول.
قال الشيخ:) دعيت (في معنى سميت، لأنهم يقولون جاءني رجل يدعى فلانا أي يسمى، وأراد دعيت بتقريظي إياك، فأقام المتصل مقام المضمر وأراد أنه قد عرف بمدحه، فكأنه قد صار اسما له، وإن الذي تسميه وتخاطبه قد ظن ثناءه على الممدوح اسما للمادح، وهذا إفراط في المبالغة.
فكمْ قائِلٍ لو كانَ الشَّخص نَفسه ... لكانَ قَراهُ مكْمَن العَسكرِ الدَّهْمِ
قال الشيخ: يقول كم قائل: لو كان هذا الشخص، يعني شخص الممدوح عظيما كنفسه، لكان قراه ظهره مكمنا للعسكر الدهم أي العظيم.
ومن التي أولها:
أحَقُّ عافٍ بِدَمْعِكَ الهِمَمُ ... أحْدَثُ شَيء عَهْداً بها القِدَمُ
قال ابن جني:) العافي هنا الطالب والقاصد (. وسألته عن معنى هذا البيت فقال: أحق ما صرفت إليه بكاءك هم الناس، لأنها قد ذهبت ودرست فصار أحدثها عهدا قديما.
قال الشيخ: معنى البيت يدل على أن العافي في هذا الموضع الدارس، ومن قولهم عفا الربع إذا درس، والدليل على ذلك قوله) بدمعك (لأن الطالب والسائل لا يستحق الدمع، وإنما يبكي على المنازل الدارسة) وأحق عاف (معناه أحق دارس بأن يبكي عليه همم الناس، وقوله) أحدث شيء (.. إلى آخر البيت جملة تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون لا موضع لها، لأنها كالمبتدأ، والآخر: أن تكون في موضع الحال من الهمم، ولا تعلق لها في الوجه الأول بالنصف الذي قبلها، وهي في الوجه الثاني متعلقة به وجعل القدم أحدث الأشياء عهدا بالهمم أي أن دروسها قديم ولا همم في الأرض، وقد شرح ذلك فيما بعده بقوله:
وإنَّما النَّاسُ بالمُلُوكِ ومَا ... تُفْلحُ عُريبٌ مُلُوُكها عَجَمُ
بَنُو العَفَرْنى مَحَطَّةَ الأسَدِ ال ... أُسد ولَكنْ رِماحُها الأَجَمُ
قال ابن جني:) العفرني (اسم من أسماء الأسد، ومحطة اسم جد هذا الممدوح ويقال إن المنصور قتله على الإسلام، وبنو العفرني مرفوع بالابتداء وخبره الأسد، ومحطة بدل من العفرني، والأسد وصف لمحطة.
كأنها في نهَارِها قَمَرُ ... حَفَّ بِهِ مِنْ جِنانِهَا ظُلَمُ
ناعِمَةُ الجِسّمِ لا عِظامَ لَها ... لَها بنَاتٌ وَمَا لَها رَحِمُ
قال الشيخ: شبه البحيرة بالقمر لبياض الماء، والجنان جمع جنة وهي الأرض التي سترها الشجر والنبات لشدة خضرتها، ومن ذلك قوله تعالى) مدهامتان (والغز عن البحيرة، وزعم أنها ناعمة الجسم، ولما جعل لها جسما زعم أنها لا عظام لها، يلغز بذلك لأن الجسم لا بد له من العظام، وذكر أن لها بنات يعني السمك، ونفى أن يكون لها رحم.
ومن التي أولها: فُؤادٌ ما تُسَليهِ المُدَامُ
أرَانِبُ غَيْرَ أنَّهُمُ مُلُوكٌ ... مُفَتَّحَةٌ عُيُونُهمُ نِيامُ
قال ابن جني: المعهود في هذا أن يقال: هم ملوك إلا أنهم في صور الأرانب فتزايد وعكس الكلام مبالغة، فقال أرانب غير أنهم ملوك فجعل الأرانب حقيقة لهم، والملوك مستعارا فيهم، وهذه عادة له يفارق بها أكثر الشعراء.
وقال الشيخ: الأرنب تنام وعيناها مفتحتان، وشبه الناس بالأرنب لأن عيونهم مفتحة، وكأنهم مع ذلك نيام، ولم يرد النوم الذي هو ضد اليقظة، وإنما أراد أنهم بله لا يفطنون لما هم فيه والعرب تمدح بقلة النوم، وتذم إذا ألف الرجل ذلك، قال الطرماح:
وليس أخو الحَاجات مَنْ باتَ نَائماً ... ولكنْ أَخُوها مَنْ يَبيتُ على وَجل
وَلَوْ لَمْ يَرْعَ إلا مُستَحِقٌ ... لِرُتبتِهِ أسامَهُمُ المُسامُ
стр. 92
قال الشيخ: يقول لو لم يل أمور الناس إلا مستحق لذلك، لوجب أن يكون بعض الرعاة مرعيا، يريد أن الرجل منهم يلي الجماعة الكثيرة، وفيهم من هو أحق منه بالولاية، ولو كانوا مرتبين على ما توجبه العقول، لكان سوامهم أعقل منهم وهذه مبالغة في ذم الناس.
إذا كانَ الشَّبابُ السُّكْرَ والشَّيْ ... بُ هَماً فالحَياةُ هِيَ الحِمامُ
قال الشيخ: يقول إذا كان الشباب كالسكر، لا يصح به معقول الإنسان، وكان الشباب إذا جرب وعقل جاءه الشيب، فاهتم لذلك، فالحياة هي الحمام أي الموت خير منها، وقد قال القائل:
إذا احتاجَ الكَريم إلى لَئيمٍ ... ففي موتِ الكَريمِ له حَياةُ
فَقَدْ خَفِيَ الزَّمانُ بِهِ عَلَيْنا ... كَسِلْكِ الدُّرَّ يخُفِيهِ النَّظَامُ
قال ابن جني: يقول: قد اشتمل على الزمان فخفي بالإضافة إليه، وشبهه بالدر إذا اكتنف السلك لنفاسته وشرفه، وهذا كقوله في سيف الدولة: فأتَيْتَ مِنْ فَوْقِ الزَّمانِ وتَحْتِهِ قال الشيخ، ورواه بها: الهاء راجعة إلى عطاياه، وأدعى أنها قد انتظمت الزمان فغطته كتغطية الدر ما نظم فيه من السلك.
ومن التي أولها: نَرَى عِظَماً بالصَّدَّ والبينُ أعظمُ
وَلا يُبْرَمُ الأمْرُ الَّذِي هو حالِكٌ ... ولا يُحْلَلُ الأمْرُ الَّذِي هوَ مُبْرمُ
قال الشيخ: يقال أبرمت الشيء إذا أحكمته، وأصل ذلك من فتل الحبل وبعض الناس من يعيب عليه) حلل (لأنه أظهر التضعيف، وتلك ضرورة، ولو وضع مكانها ناقصا لسلم من الضرورة، ويجوز أن يكون الشاعر فعل ذلك ليعلم أنه عالم بالضرورات، فأما قول ابن أم صاحب:
مَهْلاً أعاذِلَ قد جَرَّبْتِ من خُلُقِي ... أني أجُودُ لأقْوَامٍ وإنْ ضَنِنِوا
فإنه احتاج إلى إظهار التضعيف، لأنه أراد أن يقابل الجود بالضن، ومنها قول زهير:
لمْ يَلْقَها إلاَّ بِشِكَّةِ باسِلٍ ... يخْشَى الحَوادِثَ حازِمٍ مُستَعْدِدِ
أجِدّكَ ما تَنْفَكُّ عَانٍ تَفُكُّهُ ... عُمَ بنَ سُليَمانٍ ومَالا تُقسمُ
قال الشيخ ﵀:) أجدك (بمعنى أجد منك، وهو استفهام كالمعلوم عند المستفهم، ونصب) أجدك (على المصدر أو فعل مضمر، وينبغي أن يكون) عان (مرفوعا بالابتداء، ولولا وزن البيت لكان نصب) عان (أوجه، والتقدير ما تنفك تفك عانيا، ويقوي نصبه أنه نصب) مالا (وقوله) عم بن سليمان (أراد عمر فرخم على رأي أهل الكوفة، والبصريون لا يرون ترخيم الثلاثي الذي أوسطه متحرك.
وقال الاحسائي: رخم عمر وهو على ثلاثة أحرف، لأن أصله عامر فدخل عليه العدل للمبالغة فقامت المبالغة فيه مقام الألف المحذوفة منه، فلما رخمه اعتد بالمعنى الذي هو المبالغة اعتداده بالحرف الرابع منه، فلذلك أجاز فيه الترخيم، ولو كان مثل زيد وعمر ولما جاز ترخيمه البتة، وهذا دقيق في تعليل الإعراب.
ومن التي أولها: لا افْتِخارٌ إلاَّ لَمنْ لا يُضَامُ
حَسَنٌ في عُيُونِ أعْدَائِهِ أقْ ... بَحَ من ضَيْفِهِ رَأتْهُ السَّوَامُ
قال ابن جني: هذا مما يسأل عنه فيقال: كيف يكون حسنا في عيون أعدائه وهل هذا هجاء؟ فالجواب أنه أراد أنه في الحقيقة حسن، إلا أنه مع هذا أقبح في عيون أعدائه من ضيفه إذا رأته السوام، وهو المال الراعي لأنه ينحر الإبل للأضياف فهي تكرههم، وقوله في) عيون أعدائه (ظرف للقبح لا للحسن، وقدمه عليه كما تقول: زيد في الدار أحسن منك، على هذا استقر الكلام بيني وبينه وقت القراءة عليه.
إنما مُرَّةُ بْنُ عَوْفِ بِنْ سَعْدٍ ... جَمَرَاتٌ لا تَشتهِيها النَّعامُ
قال الشيخ: قد شاع بين العوام أو النعام تلتقم الجمر، فحمل أبو الطيب كلامه على ذلك، وقال مرة بن عوف بن سعد جمرات لا تشتهيها النعام، أي هي جمرات عظيمة، وهي في العرب قبائل تعرف بالجمرات، وإنما سميت بذلك لشدة بأسها، وهي أربع: الحرث بن كعب، وعبس، وبغيض وضبة بن أد، ونمير بن عامر.
وَعَوَارٍ لَوَامِعٌ دِينُها الحلُّ ... ولكنَّ زِيَّها الإحْرامُ
قال الشيخ: وصف السيوف بأن دينها الحل لأنها لا تقتل إلا من يجب قتله، وبالإحرام لأنها لا تقر في الغمود فهي عارية.
كُتِبَتْ في صَحَائِف المجْدِ بسْمٌ ... ثُمَّ قَيْسُ وَبَعْدَ قَيْسِ السَلامُ
стр. 93
قال السيخ: جعل الباء هاهنا مع اسم بمنزلة الكلمة الواحدة الثلاثية نحو رجل وجذع، ولعل هذه الكلمة ما استعملت على هذه السجية إلا في هذا البيت، لأنه جعلها بمنزلة كلمة واحدة. وأدخل عليها التنوين. ولو أنها بسم الله لحسن أن تحكى على ما هي عليه، فيقال: كتبت في صحائف المجد بسم الله، فأما قول القائل:) إن لوا وإن ليتا عناء (. فليس هو هذا الجنس، لأنه أخرج) لو (من بابها، وجعلها كلمة معربة، ولا من نحو قولهم: مررت ببرق نحره، لأن الجمل إذا سمي بها فهي محكية في النصب والرفع والخفض.
ومن التي أولها:
ألا لا أُرِي الأَحْدَاثَ حَمْداً ولا ذَمَّا ... فَما بَطْشُها جَهْلاً ولا كَفُّها حِلمَا
قال ابن جني: يقول لا ذنب للمصائب فأذمها، ولا إحسان فأحمدها، لأنها غير ناطقة في الحقيقة، وإنما تنسب إليها الأفعال استعارة ومجازا وقال الشيخ أبو العلاء:) أري (في البيت بمعنى أعلم، وهي تستعمل كثيرا على هذا الوجه، وأصل الرؤية في العين، ثم استعملت في العلم والاعتقاد والمشورة ونحو ذلك، تقول: المسلم يرى أن الصلاة فرض، أي يعتقد وفلان يرى أن تفعل كذا، أي يشير عليك.
إلى مِثْلِ ما كانَ الفَتى مرْجعُ الفتى ... يَعُودُ كما أبدَى ويُكْري كما أرمْى
قال الشيخ: يقال بدأ الشيء بالهمز وهي اللغة الجيدة، ويقال أبدى في معنى بدا، وهي قليلة، ويقال أكرى الشيء إذا نقص، وأكرى إذا زاد، وهي من الأضداد، وكرى الزاد إذا نقص، وأكرى الرجل إذا نقص زاده، قال الشاعر:
كذِي زادٍ مَتى ما يُكْرِمَنهُ ... فليس وَرَاءَهُ ثِقَةٌ بِزّادِ
وأرمى على الشيء إذا زاد عليه، والاسم منه الرما، وفي الحديث " إني أخاف عليكم الرماء " أي الربا، والمعنى أن الفتى كان معدوما، وإلى مثل ذلك يعود.
بَكَيْتُ عليها خِيفَةً في حياتِها ... وذَاقَ كِلانا ثُكْلَ صاحِبِهِ قِدْما
قال الشيخ: يقول كنت أعلم أنني لا بدلي من فراقك، فكنت أبكي عليها والفراق لم يكن، وكانت هي من لإشفاقها علي كأنها ثكلة وهذا نحو قوله: مَنْ رآها بِعَيْنه شاقَهُ القُطَّان فيها كَما تَشُوقُ الحُمُولُ
منَافِعُها ما ضَرَّ في نَفْعِ غَيرها ... تَغَذَّى وتَرْوَى أنْ تجوَع وأَنْ تَظما
قال الشيخ: يقول هذه المرأة كانت ترى أنها تنتفع بنفع غيرها، وإن كان نفعها إياه يضرها، والمراد أنها تطعم المساكين، وتجوع وتطمأ وظمؤها في نفسها ري وكأن هذا مأخوذ من قوله تعالى) ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (.
ومن قول الهذلي:
أقسّمُ جِيمي في جسُومٍ كثيرَةٍ ... وَأوثِرُ غَيري مِنِ عِيالِكِ بالطُّعمِ
وقال ابن فورجة: هذا أحد الأبيات التي زل فيها الشيخ أبو الفتح بن جني فقال أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ، وهذا ضار لغيرها، ومعنى جوعها وظمئها أن تهلك الناس، فتخلى منهم الدنيا وهذه كقوله أيضا: كالمَوْتِ لَيْسَ لَهُ رِيٌّ ولا شبعُ فرحم الله أبا الفتح أليس قد قال) في نفع غيرها (فأي نفع للناس في أن يهلكوا، وإنما الهاء في) منافعها (راجعة إلى الجدة المرثية، يريد أن منافع هذه المرأة لصلاحها وتقواها، وإيثارها على نفسها، وكثرة صيامها وعبادتها، ما جرت العادة به أن يضر، وذاك أنها تؤثر الجوع والظمأ على الري والشبع، فإذا جاعت وظمئت كأنها تغدت ورويت، وقوله) في نفع غيرها (موضعه الرفع لأنه خبر ثان لمنافعها، والخبر الأول) ما ضر (ويجوز أن يكون في بمعنى مع، يريد ما ضرها مع نفع غيرها، كما تقول أردت شتمك في إكرام زيد، أي مع إكرام زيد.
إذا فَلَّ عَزْمِي عَم مدىً خوْفَ بُعْدِهِ ... فأبْعَدُ شَيْ ممكِنٌ لم يجَدْ عَزْما
قال ابن جني: يقول: وجود الممكن مع عدم العزم، أبعد عن الوقوع من وجود عزم مع بعد لمطلب أي إذا لم يكن عزم لم يوصل إلى شيء البتة.
وَإني لَمنْ قَوْمٍ كأنَّ نُفُوسَنا ... بها أنَفٌ أنْ تَسكُنَ اللَّحْمَ والعَظْما
قال الشيخ: كان أبو الطيب له مذهب في أن يحمل الضمير على المعنى كقوله في هذا البيت) كأن نفوسنا (، ولو قال كأن نفوسهم لرجع الضمير إلى) قوم (وكان أقرب إلى فهم السامع، وكأنه أراد بهذا القول: إنا نؤثر القتل لأن نفوسنا تأنف من سكناها اللحم والعظم.
ومن التي أولها:
стр. 94
لَهِوَى القُلُوبِ سرِيرةُ لا تُعْلَمُ ... عَرَضا نَظَرْتُ خِلْتُ أني أسْلمُ
قال السيخ:) عرضا (يحتمل نصبه وجهين أحدهما: أن يكون المراد نظرت نظرة عرضا، والآخر أن يكون عرض مفعولا، أي نظرت عرضا من أعراض الدنيا.
يا أُختَ مُعتنِق الفَوارِسِ في الوَغى ... لأخُوِكِ ثَمَّ أرَقُّ مِنْكِ وأرْحَمُ
قال ابن جني: يرميه بأخته وبالابنة، وقوله ثم إشارة إلى المكان الذي يخلو فيه للحال المكروهة.
وقال الشيخ: ظن بعض الناس أنه يريد بهذا البيت ابن كيغلغ، وليس الأمر كذلك، إنما هو تشبيب عرض له ونظر فيه إلى الطائي:
بِأبِي مَنْ إذا رآها أبُوهَا ... قال بالغَيبِ ليتَ أنَّا مَجُوسُ
ويدل على أنه لم يعن به الهجو أن الأبيات التي بعده ليس فيها دليل على غير التشبيب، وقوله) يا أخت معتنق الفوارس (يصف أخاها بالشجاعة، لأن الاعتناق للفرسان تفتخر به الشجعان، ويمدح به السادة قال الشاعر:
أُعانِقُ في الحَربِ الكِرامَ وأبتغي ... قيودَ المِئينِ في الصِباحِ وفي الدُهمِ
يقال فلان قيد مائة، أي إذا أسر فدى بمائة من الإبل، ومنه قول الراعي:
وكان لَها في سَالفِ الدَّهرِ فَارسُ ... إذا مَا رَأى قَيَدَ المئينِ يُعانِقُه
ووصف المرأة بأنها فظة القلب، وبالغ في ذلك، فجعل أخاها الذي يعتنق الفوارس أرق منها قلبا) وثم (إشارة إلى الموضع الذي تعتنق فيه الفرسان.
يُؤذِي القَليلَ مِنَ اللِئامِ بِطَبعِهِ ... مَنْ لا يَقِلُّ كَما يقِلذُ وَيَلْؤُمُ
قال الشيخ: يقول) يؤذي القليل من اللئام بطبعه (اللئيم من ليس هو قليلا كقلة المؤذي، ولؤم المضارع من لؤم، وهو معطوف على قوله) يقل (ويقال لئيم الأصل، ووزنه فعيل، كما يقال كرم فهو كريم، وقالوا رجل ليم قال عبيد الله بن قيس الرقيات:
وإذا حَبوتَ اللَّيْمَ منكَ صنيعة ... كتم الصنيعة لؤمُه فَلواكَها
يريد لواك إياها من لي الدين أي مطله والذين قالوا الليم هم الذين قالوا روس جمع رأس، قال الشاعر:
إنما هِندٌ كَشَمْسٍ بَدَرَتْ ... يَوْمَ عِيدٍ فَوْقَ روسِ الجِبالْ
وَمَنَ البَلِيّة عَذلُ مَنْ لا يَرْعوِي ... عن جَهلِهِ وَخِطَابُ مَنْ لا يَفْهمُ
قال الشيخ: الارعواء الرجوع إلى الشيء، يقال قد ارعوى فلان إلى الدين أي قد رجع إليه، وحكي عن أبي بكر الخياط النحوي، وكان فيما قيل يعرف مذهب البصريين والكوفيين، أنه قال أقمت عشر سنين اسأل عن وزن ارعوى فلم أجد من يعرفه، وأصله عند النحويين ارعو في وزن أحمر وأصل أحمر احمرر، فكأنهم لما لم يأت في كلامهم واوان مجتمعان، فروا إلى أن يجعلوا الواو الثانية في ارعو الفا، فيقولوا ارعوى، ولو قيل ابنوا من الغزو مثل أفعل لوجب لأن يقال اغزوى، والأصل أغزو كما تقدم في ارعو وكذلك لو قيل ابنوا من قضيت مثل أفعل لوجب أن يقول اقضيا، فتقلب الياء الآخرة ألفا ولا يجوز أن تحمله على قولك قدحي فلان بالمكان أي حيي به، وقد عي بالمكان أي عيي به، قال عبيد بن الأبرص:
عَيّوا بأمرهِمُ كَما ... عَيَتْ بِبيْضَتِها الحمامَهُ
جَعَلتْ لها عُودَينِ من ... نشَمٍ وآخر من ثمامَهْ
وإنما جاء في هذا الباب هاتان اللفظتان وكلاهما على فهل بكسر العين ولم يأت شيء على فعل فيشبه به أق وارعو، قال يزيد بن الحكم:
جَمَعتَ وفُحشْاً غِيبةً ونَميمةً ... ثَلاثَ خِلالٍ لستَ عنها بمرعوِ
وقد جاء في هذه القصيدة اسمان يجريان مجرى مرعو، وهما محجو في معنى منقبض مجتمع، ومدحو مأخوذ من الدحو وهو البسط في قولهم دحا الله الأرض أي بسطهان وفيها موضع ثالث وهو مجدو من الجدوى.
ومن التي أولها: مَلُومكمُا يجلُّ عَنِ المَلامِ
عُيُونُ رَوَاحِلي إنْ حِرْتُ عَيْني ... وكُلُّ بُغامِ رَازِحَةٍ بُغامِي
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني: وبغامهن بغامي أي إن حرت فأنا بهيمة مثلهن.
стр. 95
قال الشيخ: الناس يروون حرت بالتاء، والنون أشبه، لأنه وصف نفسه فيما تقدم أنه لا يحتاج إلى دليل، فوجب أن يقول إن حارت رواحلي فعيني نائبة عن عيونها، لأنها تهديها السبيل،) وكل بغام رازحة بغامي (البغام اكثر ما يستعمل في الظباء، وربما استعمل في النوق، يقول عيني تنوب عن عيون رواحلي، وشكيتي الدهر ينوب عن بغامها في الهواجر، لأن بغامها في الهواجر إنما يكون عن التعب والأين، ومن روى حرت بالتاء فله معنى صحيح إلا أنه ينافي قوله: ذَراني والفلاة بلا دليل ويكون المعنى معنى الدعاء والقسم، كما يقول الرجل للآخر أنا عبدك إن فعلت كذا وكذا، فينوب ذلك عن قوله أقسم لا كان ما ذكرت، أو جعلني الله عبدك إن كان كذا وكذا، فكأنه أقام ذلك مقام اليمين، أو مقام الدعاء على نفسه.
قال ابن فورجة: إن قيل فما يضر أن يحير، وأجل منه ركب المفاوز فتاه، وليس الجهل بالدلالة مما يذم به، فالجواب أنه يريد أني بدوي ومع ذلك فإني عارف بدلالات النجوم بالليل، والعلم بالأنواء من أبواب الأدب، فلذلك افتخر به، ويدلك على ذلك قوله) وكل بغام رازحة بغامي (يريد أني فصيح شاعر عارف بالمنطق، وهكذا يقول الفصيح إذا أقسم أنا أعجمي إن لم أعليك بالحجة وأنا أخرس إن لم أخصمك بالجدل، فيقول أبو الطيب: إن تحيرت في المفازة فعيني البصيرة العالمة عين راحلتي، ومنطقي الفصيح البليغ بغام.
فقَدْ أرِدُ المِياهَ بغَيرِ هَادٍ ... سَوى عَدّي لها بَرْقَ الغَمَامِ
قال ابن جني: قال يعقوب: العرب إذا عدت للسحاب مائة برقة، لم تشك في أنها ماطرة قد سقت، فتتبعها على الثقة.
وقال السيخ: ذكر ابن الأعرابي في النوادر أن العرب إذا لاح البرق عدوا سبعين برقة، فإذا كملت وثقوا بأنه ماطر، فرحلوا إلى موقع الغيث.
ولا أَمْسِي لأهْلِ البُخْلِ ضَيْفاً ... وَلَيْسَ قِرى سِوى مُخّ النَّعامِ
قال الشيخ: يقال إن النعام لا مخ له، فكأنه قال وليس قرى إلا قرى معدوما وينشدون في أن النعام لا مخ له قول الهذلي.
كأنَّ مُلاءَتَيَّ على هِزَفِّ ... يَعُنُّ مَعَ العَشِيّةِ للرّئِالِ
عَلَى حَتَّ البُرَايَةُ زَمْخَري السَّواعِد ظَلَّ في شَرْي طَوالِ حث البراية أي سريع عندما يبريه من السفر، والزمخري الأجوف، والسواعد مجاري المخ.
وقال الأحسائي: مخ النعام قليل جدا، يعني أنه قرأهم متعذر، لا يكاد يوجد، ولا يوصل إليه، أي ليس لهم قرى يعرف، ويجوز أن يريد لا أمسي لأهل البخل ضيفا ولو قروني مخ النعام على عزته، وشدة الكلفة في طلبه، كما يقال لو سقاني فلان ماء الحياة لما شربته من يده.
ومن التي أولها: حتَّامَ نَحْنُ نُسارِي النَّجمَ في الظُّلَمِ
تَبْري لَهُنَّ نَعامُ الدَّوَّ مُسْرَجَةً ... تُعارضُ الجُدُل المُرْخاةَ باللُّجُم
قال ابن جني: يعني بنعام الدر هنا الخيل، شبهها بالنعام لسرعتها، فيقول هذه الخيل لعلو أعناقها وإشرافها تباري أعناق الإبل، فيكون اللحم في أعناقها كالجدل، وهي الأزمة في أعناق الإبل.
قال الشيخ: تبري لهن أي تعارضهن، والهاء والنون راجعة على العيس، وذكر أن الخيل تعارض الإبل، وإنما جرت عادة العرب أن يصفوا ركوب الإبل وأنهم يجنبون الخيل وراءها، وقد ذكره أبو الطيب بقوله:
وَلا اتَّبَعَتْ آثارنا عَيْنُ قَائِفِ ... فَلَمْ تَرَ إلاَّ حافِراً فَوْقَ مَنْسِمِ
في غِلْمَةٍ أخطَرُوا أرواحهمُ ورَضُوا ... بما لَقينَ رِضأ الأيْسارِ بالزَّلِمِ
قال ابن جني: أي خاطروا بأنفسهم في المسير معه، ورضوا بذلك كما يرضى الأيسار، وهم الذين ينحرون الجزر، ويتقارعون عليها بالقداح.
وقال الشيخ: قوله) أخطروا أرواحهم (أي جعلوها كالخطر، والخطر هاهنا الشيء الذي يضعه المراهنون بينهم، ليأخذه الغالب منهم، يقول أخطروا أرواحهم راضين بذلك. والأيسار جمع يسر، وهم الذين يدخلون في الميسر، والزلم بفتح الزاي وضمها اسم للقدح الذي يتقامر به، أخائبا كان أم فائزا، والفعل يسر الرجل يسرا وهو ياسر.
стр. 96
وقال الأحسائي: الأزلام سبعة الفذ وله نصيب واحد، والتزأم وله نصيبان، والرقيب وله ثلاثة أنصباء والمصفح وله أربعة أنصباء، والنافس وله خمسة أنصباء، والفائز وله ستة أنصباء، والمعلى وله سبعة أنصباء، فإذا خرج لأحدهم المعلى، ولرسيله الفذ أخذ صاحب الفذ من الجزور سهما، وغرم من الثمن سبعة أسهم، وعلى هذا القياس في جميعها.
في الجَاهليةِ إلاَّ أنَّ أنْفُسَهُمْ ... مِن طِيبِهن بِهِ في الأشْهرِ الحُرُمِ
قال الشيخ: يقول هؤلاء الغلمة كأنهم في الجاهلية، إلا أن أنفسهم من طيبهن بالقنا كأنهن في الأشهر الحرم، لأنها آمنة بالرماح، والهاء في) به (راجعة إلى القنا والتذكير أشبه من التأنيث، والوجهان جائزان، وكانت العرب في الجاهلية تعظم الأشهر الحرم، ولا تسفك فيها الدم، وهي ثلاثة سرد، وواحد فرد، فالسرد: ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم، والفرد: رجب.
ما زِلتُ أُضْحِكُ إبلي كُلَّما نظَرَتْ ... إلى مَنِ اخْتَضَبَتْ أَخفَافُها بَدَمٍ
قال ابن جني: تعريض ينقص أهل مدينة السلام.
قال الشيخ: هذا البيت ذم لمن سار إليه غير فاتك، يقول ما زلت أضحك الإبل تعجبا من أني وإياها سرنا إلى من لا يحب أن نسير إليه، ويشهد بذلك ما بعد البيت من الأبيات، وكأن ضحك الإبل هزؤ بالمقصود، ولو كان البيت في صفة فاتك لكان في نهاية المدح، يقول ما زلت أضحك إبلي من الفرح إذا علمت أنها اختضبت أخفاقها بالدم إلى هذا المفقود المثل.
مَن اقْتضَى بِسوَى الهِنديّ حاجَتَه ... جابَ كلَّ سُؤَالٍ عَنْ هَلٍ بلمٍ
قال ابن جني: إذا قيل له هل أدركت حاجتك، قال لم أدركها، وجعل هل ولم اسمين فجرهما كما تقول هل حرف استفهام، ولم حرف نفي، وإن حكيت فحسن مستقيم.
صُنَّا قَوَائمَها عَنْهُمْ فما وَقَعتْ ... مَواقَعَ اللُّؤْمِ في الأيدي ولا الكَزَمِ
قال الشيخ ﵀: الكزم قصر اليد، يقول صنا قوائم السيوف عن أيدي هؤلاء القوم، لأنها لئيمة، فوصفها بالكزم مع اللؤم، وهذا المعنى قريب من قول جعفر بن علبة الحارثي:
نُقَاسِمُهُم أسيَافَنَا شرَّ قِسمَةٍ ... قَفِينَا غَوَاشِيهَا وفيهمْ صُدورُهَا
وقال الحارثي:
لَهْمُ صَدْرُ سَيِفِي يَوَمَ بَطحاءِ سَحبَلٍ ... ولي مِنهُ ما ضُمّت عليه الأناملُ
هَوّنْ على بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرَهَ ... فإنما يَقَظاتُ العَيْنِ كالحُلمِ
قال الشيخ: هذا أمر بتهوين الدنيا على النفس، وألا يحفل بها الإنسان، لأن يقظاتها كالحلم، وقوله) ما شق منظره (أي ما كان النظر إليه يشق على الإنسان، وقد ذكر ذلك في قوله:
كَلامُ أكْثَرِ مَن تَلْقَى ومَنظَرُهُ ... مَّمِا يَشُقُّ على الأسَماعِ والحَدَقِ
حرف النون
من التي أولها:
نَزُورُ دَياراً ما نُحبُّ لها مَغْنى ... وَنَسْألُ فيها غيرَ سُكَّانهِا الإذْنَا
قال ابن جني: يقول: نسأل سيف الدولة أن يأذن لنا في التسرع إليها بالغارات، وتحصيل العلوفة وغير ذلك.
وَإنَّا إذا مَا المَوْتُ صَرَّحَ في الوَغَى ... لَبِسْنا إلى حَاجَاتِنا الضَّرْبَ والطَّعْنا
قَصَدْنا له قَصْدَ الحَبيبِ لِقاؤهُ ... ألَيْنا، وَقُلْنا للسُّيُوفِ هَلُمّنَّا
قال الشيخ: صرح أي صار صريحا خالصا، وقوله) لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا (أي نلبس الضرب والطعن، أي نتقي بهما الأعداء كما يتقيها غيرنا بالدروع، الهاء في) الحبيب لقاؤه (عائدة على الموت، وقول) هلمنا (تستعمل) هلم (على وجهين، فمنهم من يقول للاثنين هلما، وللجميع هلموا، وللنسوة هلمن، وكان الشاعر أدخل النون الشديدة على قوله هلموا، كما تقول للجماعة اضربن ياقوم، وليس ذلك جائزا؛ لأنه جعل السيوف كأنها تعقل.
وقال الأحسائي: يريد قصدنا له قصد الشيء المحبوب إلينا لقاؤه، فلقاؤه مرفوع بالحبيب، وهو اسم المفعول، وحبيب بمعنى محبوب، وقوله) للسيوف هلمنا (بضم الميم على تذكير جماعة السيوف، هكذا كان ينشد والقياس كسر الميم للتأنيث، وحجته في ذلك أنه عظم السيوف، فأخرجها مخرج ما يعقل للمبالغة في تفخيمها، كما جمعت الأرض تعظيمها جمع مذكر ما يعقل، فقيل أرضون، وهذا مذهب العرب في التفخيم والمبالغة أن يذكروا المؤنث ويؤنثوا المذكر، كقولهم نسابة وعلامة.
стр. 97
ومن التي أولها: الرَّأيُ قَبْلَ شَجاعَةٍ الشُّجْعانِ
لولا العُقُولُ لكانَ أدْنى ضَيْغَمٍ ... أدْنَى إلى شَرَفٍ مِنَ الإنسانِ
قال الشيخ، أدنى في هذا البيت على معنيين: أما الكلمة الأولى فهي مأخوذة من الدناءة، وهي ضد الشرف، وأصله الهمز، وأما الكلمة الثانية فهي من الدنو الذي هو ضد البعد، يقول: لولا العقول لكان أقل الأسد بأسا أقرب إلى الشرف من الإنسان، لأنه أجرأ منه.
في جَحْفَلٍ سَتَر العُيُونَ غُبارُهُ ... فكأنما يُبْصِرْنَ بالآذانِ
قال الشيخ: معنى هذا البيت مفهوم، يريد أن الغبار منع عيونها من أن تبصر، فهي تسمع الأصوات بآذانها، وتفعل ما يقتضيه الصوت، فكأنها تبصر بهن. وذهب بعض المتكلمين في شعر أبي الطيب إلى أن الغبار وقع على عيون الخيل فنقلت أجفانها، حتى صارت كالآذان، وهذا ليس بشيء.
يَقمُصْنَ في مثْل المُدَى منْ بَارِدٍ ... بَذَرُ الفُحُولَ وهُنَّ كالخِصيْانِ
قال الشيخ:) يقمص (يعني الخيل، والقمص أن يرفع الفرس رجليه، ويداه غير مرفوعتين، والماء البارد إذا سبح فيه السابح من بني آدم تقلص صفنه، وهو الجلد الذي يجمع البيضتين، وإن كان فرسا تقلص قنبه.
والماءُ بَينَ عَجاجَتَنِ مُخَلَّصٌ ... تَتَفَرَّقانِ بِهِ وَتَلْتَقِيانِ
قال ابن جني: أي عجاجة المسلمين، وعجاجة الروم، يقول ربما حجز الماء بين العجاجتين، وربما جازتاه فالتقتا، والعجاجة قل ما تثور في الشتاء، فسألته وقت القراءة عن هذا، فذكر أنه شاهد الأمر كذلك وقال كان الوقت من الزمان حزيران.
مُتَصَعْلِكينَ على كَثَافَةِ مُلكِهم ... مُتَواضِعِينَ على عَظيمِ الشَّانِ
قال الشيخ: يقول: هؤلاء القوم ملوك وهم في الحرب يتشبهون بالصعاليك لأنهم يباشرونها بأنفسهم، والصعلكة تستعمل في قلة المال وقلة اللحم قال أبو داود في صفة الخيل: قد تَصَعْلكْنَ في الرَّبيعِ وقد قَلَّصَ لَحَم الفَرائِضِ الأقدَامُ وذكر الشاعر أنهم يتواضعون على عظم شأنهم، والتواضع يحمد من محله مرتفع.
يَتَقَّيلونَ ظِلالَ مُلَّ مُطَهَّمٍ ... أجَلِ الظَّليمِ وَرِيْقَةِ السّرْحانِ
قال ابن جني:) يتقيلون (أي يتبعون آباء يتبعون آباء لهم سباقين إلى المجد والشرف كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم فقد هلك، وإذا رأى الذئب كان كأنه مشدود بحبل في عنقه، والعرب إذا مدحت رجلا شبهته بالفرس السابق، كما قال النابغة:
إلاّ لمِثْلِكَ أو مَن أنتَ سَابِقهُ ... سَبْقَ الجَوادِ إذا استَولىَ على الأمِدِ
وإنما استعار هاهنا لفظ الظلال، لأن ظل شيء موازيه وعلى سمته فيريد بذلك احتذائهم طرق آبائهم، ويحتمل أيضا أن يكون معناه أنهم بأفياء خيلهم لشدة الحر، يصفهم بالتغرب والتبدي.
وقال الشيخ: لما وصفهم بالتصعلك، عرض بأن الملوك يتقيلون عند الهاجرة في القصور والمنازل البارة، وأن هؤلاء القوم يتقيلون، أي يكونون وقت الهاجرة في ظلال الخيل.
وقال ابن فورجة: ما قال أبو الطيب إلا يتفيأون، يريد يجلسون في أفياء خيلهم للزومهم البادية في صميم الحر ولا ظلال لهم غيرها.
خَضَعَتْ لَمنْصُلِكَ المناصِلُ عنوةَ ... وَأذَلَّ دِينُكَ سَائِرَ الأدْيانِ
قال الشيخ: يقول خضعت سيوف الملوك لسيفك، وأذل دينك أديان الأمم، والدين يستعمل في مواضع؛ فيكون الملك، وتكون الطاعة، والعادة، والفعل، ومن أمثالهم) كما تدين تدان (أي كما تفعل يفعل بك، وفي هذا الكلام على اختصاره مأدبة عظيمة، وأمر للإنسان أن لا يفعل شرا البتة وكان بعض ملوك العرب إذا سمع بامرأة جميلة أخذها غصبا، فأخذ ابنة يزيد بن الصعق الكلابي، ويزيد غائب، تقدم على الملك وهو كتبد في الصحراء، فقال بحيث يسمعه:
يا أيها المَلِكُ المُقِيتُ أمَا تَرَى ... لَيلاً وصُبْحَاً كيفَ يختَلِفَانَ
هل تَستَطيع الشَمسَ أنْ تَأتِي بها ... لَيلاً وهل لكَ بالنَهَارِ يَدَانِ
فأعلَمْ يَقيناً أنَّ مُلكَكَ زَائِلُ ... واعْلَمْ بأَنَّ كما تَدينُ تُدَانُ
فروي أن الملك أجابه فقال:
إنَّ التي تَبِلَتْ فُؤادَكَ خُطَّةٌ ... مَفرُوضَةٌ في النَّاسِ يا ابنَ كِلابِ
стр. 98
فاَذهَبْ لَحِاجَتِكَ التي طَالَبتَها ... والحَقْ بأَهلِكَ في جَنُوبِ أرَابِ
ويقال إن هذه الأبيات ما أنشدها ملك قط إلا اتعظ.
وعلى الدُّرُوبِ وفي الرُّجوعِ غضَاضَةٌ ... وَالسَّيرُ مْمتَنعٌ مِنَ الإمكانِ
والطُّرْقُ ضَيَّقَةُ المَسالِكِ بالقَنا ... والكفْرُ مُجْتَمِعٌ عَلى الإيكانِ
نَظَرُوا إلى زُبَرِ الحَدِيدِ كأنَّما ... يَصْعَدْنَ بَينَ مَناكِبِ العِقْبانِ
قال ابن جني: سألته عن هذا فقال: معناه وكان الذي ذكرته على الدروب أيضا.
وقال الشيخ:) وعلى الدروب (ابتداء كلام لم يتم إلا بقوله: نظروا إلى آخر البيت وليس في شعر أبي الطيب من هذا الجنس شيء، لأنه علق أول كلمة في البيت بآخر كلمة في البيت الثالث، وزبر الحديد قطعه، شبه الدارعين بزبر الحديد، وشبه خيلهم بالعقبان، فكأنها تحمل الزبر على المناكب.
وقال ابن فورجة: إنما يريد في مقامنا على الدروب غضاضة، وفي رجوعنا غضاضة، والخطاب يدل السامع على أنه يريد في مقامنا على الدروب غضاضة وهذا كما تقول للجالس على التراب: جلوسك على التراب قبيح أو غير جميل.
حُرِمُوا الَّذِي أمَلُوا وأدْرَكَ منهُم ... آمالَهُ مَنْ عَاذَ بالحِرْمانِ
قال ابن جني: أي حرموا الظفر بك، وأدرك آماله منهم من سلم منك، لأنه حينئذ أمل النجاة، فرجع بما أمله منها، وإن كان قد حرم ما كان أمله قديما من الظفر بك.
ومن بيتين:
كَتَمْتُ حُبَّكِ حتى مِنْكِ تَكْرِمَةً ... ثم اسْتَوَى فِيكِ إسْرارِي وإعْلانِي
كَأنَّهُ زادَ حتى فَاضَ مِنْ حَسَدِي ... فَصَارَ سُقْمِي بِهِ في جِسمِ كِتمَاني
قال ابن جني:) كأنه (أي كأن الكتمان، فأضمره وإن لم يجر ذكره، لأنه إذا قال كتمت دل على الكتمان، وما علمت أحدا ذكر استتار سقمه، وأن الكتمان أخفاه غير هذا الرجل.
وقال الشيخ: يقول إنه كتم حبه حتى عن محبوبه، ثم غلبه الأمر فاستوى إسراره وإعلانه، والهاء في كأنه عائدة على الحب، فصار السقم الذي كان بي في جسم كتماني، أي أن كتماني ذاب وضعف حتى صار يشبهني في السقم، فأنا أخفى عن الناظر.
وقال ابن فورجة: يعني أني تكرمت بكتمان حبك، حتى كتكته منك أيضا ثم استوى سري وعلني في الكتمان لا في العلن، يدل على ذلك معنى البيت الثاني، وليس المصراع الثاني يناقض الأول، فقد يظن ظان أنه يعني أني كتمت ثم أعلنت، وليس كذلك يدلك عليه قوله) كأنه زاد حتى فاض من جسدي (يريد الكتمان، فإذا زاد الكتمان فكيف يكون معناه أني أظهرت فإن قيل إنما ضمير) زاد (للحب، قلنا فما نصنع بقوله) فصار سقمي به في جسم كتماني (يريد فصار سقمي مكتتما، كأنه في وعاء من كتمان، وكأنه يقول كأن كتماني في جسمي، فصار جسمي في كتماني فافهمه.
ومن التي أولها:
الحُبُّ ما مَنَعَ الكَلاَم الألسُنا ... وَألَذُّ شَكَوى عاشِقٍ ما أعْلَنا
قال الشيخ: الألسن جمع لسان إذا كان مؤنثا، فإذا كان مذكرا فجمعه ألسنة، أثبت في المصراع الأول أن الحب هو الذي يمنع الألسن من الكلام، ومنعه إياها يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون يبلغ المحب إلى حال لا يستطيع معها الكلام، والآخر: أن المحب يجب عليه كتمان ما هو فيه، لأن ذلك أجمل بمن يحب وهذا الوجه أشبه من الأول، لأن بقية البيت دال عليه، وهو قوله:) وألذ شكوى عاشق ما أعلنا (فهو ضد لما يجب عليه أن يفعله، وهو الكتمان.
وقال ابن فورجة: سمعت قوما ينشدون) الألسنا (بفتح السين، وليس ذلك بممتنع) وما (بمعنى الذي، يقول الحب الصادق ما يمنع الكلام الألسن تحيرا وتبلدا، كما يقول: البغض ما يمنعك النظر إلى صاحبك البغض الصادق والشديد وإن قال قائل) ما (بمعنى النفي، ويكون معناه الحب لم يمنعك الشكوى، لم يكن ذلك ممتنعا، والمعنى أن شكوى الحب مما يستلذ، فإذا بلغ من شدة الحب إلا ينطق فهو من النهاية، وهذا معنى قول القائل:
ومَا هُوَ إلاَّ أنْ أرَاها فُجاءَةً ... فأبهَتَ حتى لا أكادُ أُبِينُ
فمن روى الألسن كان ذلك من المبالغة، ومعنى المصراع الثاني ما قاله ابن الجهم: وقَلَّما يَطِيبُ الهَوى إلا لُمنْهَتِكِ السَّتْرِ أو قول أبي نواس: ولا خَيرَ في اللَّذَاتِ مِنْ دِونِها سِتْرُ
стр. 99
وَتَوَقدتْ أنْفَاسُنا حتى لَقَدْ ... أشْفَقْتُ تحْترِقُ العَوَاذِلُ بَيْنَنا
قال ابن جني: وجه الإشفاق على العواذل، لئلا يرباهن، أو لئلا ينم احتؤاقهن على ما كان فيه من حرارة أنفاسهما، واحتدام موقفهما.
وقال الشيخ: أراد أشفقت أن تحترق، وحذف أن وأن وما بعدها في موضع نصب، فإن جعل الكلام تاما عند قوله،) أشفقت (جاز أن ينصب قوله أن تحترق على معنى المفعول من أجله، وأن جعل الكلام غير تام بقوله) أشفقت (فالمعنى معنى من، كأنه قال أشفقت من أن تحترق فلما حذف من وصل الفعل، كما عمل بعد حذف الخافض في قوله أمرتك الخير أي بالخير.
لا يَسْتَكِنُّ الرُّعْبُ بينَ ضُلُوعِهِ ... يَوْماً ولا الإحْسانُ أنْ لا يُحْسِنا
قال ابن جني: الإحسان هذا مصدر أحسنت الشيء إذا حذقته، وليس من الإحسان الذي هو الإنعام، وضده الإساءة، وإن كان معنياهما متقاربين يقول: فهو لا يحسن إلا بفعل الجميل.
وقال الشيخ:) يستكن (يستتر، وكل ما خفي فقد استكن قال زهير:
وكانَ طَوَى كَشْحاً على مُسْتكِنّةٍ ... فلا هو أبدَاها ولم يَتَقدَّمِ
فقيل: المستكنة الحاجة التي عزم عليها، وهو الوجه الصحيح، وقيل المستكنة قرحة تنبت في الجنب، فيجوز أن يكون شبه الحقد الذي معه بالقرحة التي تؤدي إلى الهلاك، يقول لا يدخل الرعب جسد هذا المذكور، وكذلك الإحسان لا يستكن في نيته؛ لأنه يظهره فيغيبه عن الإخفاء.
وقال ابن فورجة: ما أراد أبو الطيب إلا الإحسان الذي ضد الإساءة يقول: لا يستكن الإحسان حتى يحسن، أي لا يمكث حتى يفعله، فأقام يستكن مقام يمكث لتقارب معنييهما، هذا أسبق إلى الفهم والذي أتى به الشيخ أبو الفتح في غاية الجود.
وقال الأحسائي: يقال أحسنت كذا، أي فعلت مجود الفعلة، وفلان لا يحسن كذا، أي لا يجيده، فيقول: هو لا يحسن أن يترك الإحسان، كما لا يستقر الرعب في قلبه.
سَلَكَتْ تماثِيلَ لبقِبابِ الجنُّ مِنْ ... شَوْقٍ بها فأَدَرْنَ فِيكَ الأعْيُنا
قال ابن جني: ما أعلم أنه وصفت صحة صورة بأنها تكاد تنطق أحسن من هذا.
وقال الشيخ: يقول سلكت الجن تماثيل القباب إليك، وإنما فعلت ذلك لأن عادتها جرت بأنها لا تظهر للإنسان.
فَعَجِبْتُ حتى ما عَجِبْتُ من الظُّبى ... وَرَأيتُ حتى ما رَأيتُ مِنَ السَّنى
قال ابن جني: يقول فعجبت من كثرة السيوف، حتى زال عجبي وتجاوز ما عاينت فأخلدت إليه، ورأيت من الضوء وتألق الحديد ولمعانه ما خطف بصري، فلم أر نعه غيره.
وقال الشيخ: عجبت حتى لم يبق لي عجب إلا رأيته، ورأيت السنى حتى منعني نوره من الإبصار فلم أره.
فَطَنَ الفؤادُ لما أتَيتُ على النَّوَى ... وَلما تَركتُ مخَافَةً أنْ تَفْطُنا
قال ابن جني: أي قد عرفت ما كان مني من شكوك، والثناء عليك في حال غيبتك، ولم أتعرض لضد ذلك، لئلا ينمي إليك، أي فلو لم لأتركه إلا لهذا لتركته، وكان وشي إليه به، وكأنه مع هذا قد اعترف بتقصير كان منه، ألا تراه يقول بعد.
أضْحَى فِراقُكَ لي عَلَيْهِ عُقوبةً ... ليسَ الذّي قاسَيْتُ مِنْهُ هَينا
وقال الشيخ أبو العلاء: وصفه بالفطنة، وأنه يفطن لما يفعله، مخافة أن يعلم به، يقول: إن كنت أتيت شيئا وأنت غائب، فأنت عالم به، كأنه يقول: لم أزل أثني عليك في غيبتك وحضورك، وأنت عالم بذلك، وقوله) لما تركت مخافة أن تفطنا (وأراد ذم قوم فترك ذمهم، لأنه خشي أن يفطن لذلك الممدوح فيكرهه، وزعم أنه يفطن لما يفعله الشاعر، ولما لم يفعله مخافة أن يعلم به.
وقال الأحسائي: كان أبو الطيب قد تخلف عن بدر لما سار من طبرية إلى صور، وكان بدر مؤثرا لصحبته، فقال إنك فطن الفؤاد لما أتيته وأنت غائب ولما تركته أيضا، ولا يخفى عليك شيء من أمري، فيحتاج أحد أن يتشوف عندك بالوقيعة، ثم قال يكفيني عقوبة على تخلفي عنك فراقك، فليس الذي قاسيت منه هينا، فلا تزدني عقوبة بعتابك.
وَانْهَ المُشِيرَ عَلَيْكَ في بِضَلَّةٍ ... فالحُرُّ بأوْلادِ الزِنَا
قال ابن جني: كان الأعور بن كروس قد وشى به إلى بدر لما سار وتأخر عنه المتنبي، وجعل قبوله منه ضلة أي أن أطعته ضللت. يهدده بالهجاء.
стр. 100
وقال الشيخ: الضلة في هذا البيت مقصود بها المشير، أي هو ضال في مشورته وهذا أحسن من أن تجعل الضلة للممدوح، لأنه يجب أن يجل عن ذلك، والذي ذهب إليه الشيخ أبو الفتح يحتمله المعنى.
وإذا الفَتى طَرَحَ الكَلامَ مُعرَّضاً ... في مَجْلِسٍ أخَذَ الكلامَ اللَّذْعنَا
قال ابن جني: أراد اللذ في قول الشاعر:
اللَّذْ بأسفِلهِ صَحراءُ وَاسِعَةٌ ... واللَّذْ بأعلاه سَيْلٌ مَدَّهُ الجرُفُ
وقال الشيخ: يقال إن (اللذ عني (الكلام البين الذي ليس فيه مواراة، وهذه الكلمة في كتاب العين، ولم تأت في شعر قديم إلا إن تكون شاذة، قالوا أراد باللذ عني الذي عنى فسكن ذال الذي وحذف الياء.
ومن التي لأولها: سأفَاضِلُ النَّاسِ أغْرَاضٌ لِذَا الزَّمَنِ
حَوْلي بكُلّ مَكانٍ منهُمُ خِلَقٌ ... تُخْطِي إذا جِئتَ في اسْتفهَامِها بَمنِ
قال الشيخ: خفف همزة) تخطي (والمعنى يحتمل وجهين أحدهما أن يكون تخطي فيه ضمير عائد على الخلق، يريد أنهم إذا قيل للرجل منهم من أنت؟ لم يهتد للبيان في الجواب، وهذه مبالغة في الصفة بالجهل، والآخر أن يكون المعنى تخطي أيها الرجل إذا قلت لبعضهم من أنت، لأن من إنما تكون لمن يعقل، وهذه الخلق ليس لها عقول.
خُرَّابِ بَادِيةٍ غَرْثى بُطُونُهمُ ... مَكْنُ الذَّبابِ لُهم زَادٌ بلا ثَمَنِ
قال الشيخ: الخراب جمع خارب، وأصله الذي يسرق الإبل خاصة، ثم قيل لكل لص خارب قال الشيخ:
والخَارِبُ اللّصُّ يُحبُّ الخَارِبَا ... وتلكَ قُرْبَى مثلَ أَنْ تُناسِبَا
أنْ تُشْبِهَ الضَّرَائِبُ الضَّرَائِبا
غَضَّ الشَّبابِ بَعيدٌ فَجْرُ لَيلَتِه ... مُجَانِبُ العَينِ للفَحْشاءِ والوَسَنِ
قال الشيخ: يريد أنه شاب، وأنه مع ذلك ناسك، بعيد فجر ليلته، لأنه يتهجد ويقوم للصلاة، فيطول عليه الراقد لا يحس بطول الليل.
قَدْ صَيَّرَتْ أوَّلَ الدُّنيا أواخِرها ... آباؤهُ مِنْ مُغارِ العِلْمِ في قَرَنِ
قال ابن جني: هذا مثل ضربه أي قد ضبطوا العلم وقيدوا به الأحكام والشرائع.
ومن التي أولها:
قَدْ عَلَّمَ البَينُ مِنَّا البَيْنَ تجفَانا ... تدْمَى وألفَ في ذا القَلْبِ احَزانا
قال الشيخ: أراد أن تدمى فحذف، وقد فعل هذا في مواضع كثيرة، وإذا أضمرت فهي والفعل في موضع مفعول ثان لقوله منا البين، يقول لما بان أحبابنا علم نأيهم أجفاننا أن تتباين فلا تلتقي للرقاد.
وَلَوْ بَدَتْ لأتاهَتْهُمْ فَحَجَّبها ... صَوْنٌ عُقُولُهم مِنْ لَحْظِها صَانَا
قال الشيخ: يقول لو بدت هذه المرأة لاتاهت من ينظر إليها، أي حيرته، وزعم أن الصون حجبها عن عيونهم، فصان عقولهم من أن تذهب.
وقال ابن فورجة:) صون (فاعل) حجبها (وصان في القافية ضميره راجع إلى الصون يريد صون صان عقولهم من حظها، والمعنى أنها بدت لأتاهتهم بجمالها، فقام تيههم عنها وذهولهم عن تأملها مقام صيانتها، فكانت كأنها لم تبد ثم قال هذا الصون على هذه الصفة هو صون صان عقولهم عن لحظها، ولولا تيههم عنها وذهولهم برؤيتها، لأسلمت عقولهم للحظها، ولو تيههم عنها وذهولهم برؤيتها، لأسلمت عقولهم للحظها، وذهب بها، يريد عشقوها غرضا للحظها، وبعد فالبيت مدخول والمعنى معقد مرذول.
ذَاكَ المعُدُّ الذي تَقْنُو يَداه لنَا ... فَلَوْ أُصيبَ بِشَيء مِنْهُ عَزَّانا
قال الشيخ:) المعد (الذي يجعل الأشياء عدة للعافين، فهو يقنو المال ليعطيه من يسأله، فلو أصيب بشيء منه لعزى العافين به، لأنه لم يذهب منه وإنما ذهب من أيديهم.
ومن التي أولها: بِمَ التَّعَلُّلُ لا أهْلٌ ولا وَطَنُ
أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذَا أنْ يُبَلغَنِي ... ما لَيْسَ يَبْلُغُهُ في نَفْسِهِ الزَّمنُ
قال الشيخ: جرى في هذا البيت على عادته في المبالغة، وجعل الزمان كأنه عاقل يريد لنفسه الخير.
وذهب أبو الفتح ابن جني إلى معنى حسن، وهو أن الزمان يختار أن يكون كله ربيعا لأنه زمان طيب، يظهر فيه من الزهر والرياض والريا الأريجة ما ليس يظهر في غيره من الأزمنة.
قال ابن فورجة: ويمكن أن يكون أراد أن يكون خصبا لا قحط فيه، ويكون كله البرد بين الغداة والعشي لا هاجرة فيه، أو صحوا لا غيم فيه.
стр. 101
تَحَملَّوا حَمَلَتْكُم كُلُّ تاجِيَةٍ ... فكُلُ بَينٍ عَلَيٍ اليَوْمَ مُؤتَمنُ
قال الشيخ: كأنه دعا لنفسه بأن يتحملوا عنه، وأن تحملهم النواجي من الإبل وهي السراع، وهذا ضد قوله:
لَيتَ الذي خَلقَ النَّوَى جَعلَ الحَصَى ... لَخِفافِهِنَّ مَفاصِلي وَعظَامِي
وذكر أن البين مؤتمن عليه، لأنه سال لا يلحقه من البين ضرر، ثم شرح ذلك بقوله:
ما في هَوادِجكُم مِن مُهَجَتِي غوضٌ ... إنْ مُتُّ شَوْقاً ولا فيها لَها ُضمَنُ
فَغادَرَ الهَجْرُ ما بَيْنِي وَبَينكُم ... يهَماءَ اكْذِبُ فيها العَينُ والأذُنُ
قال الشيخ:) اليهماء (الأرض التي لا يهتدى لها، كأنه يخبر الذين يخاطبهم أنه قد بعد عن بلادهم، فصار بينه وبينهم يهماء تكذب فيها العين والأذن، لأنها بعيدة الأرجاء فالعين لا يتبين فيها الشخص على حقيقته، كذلك الأذن ليس سمعها في هذه القفرة بالصحيح.
تَحْبُو الرَّواسِمُ مِنْ يعْدِ الرَّسِيم بها ... وتسأل الأرضَ عن أخْفَافِها الثفَنُ
قال الشيخ: يقال حبا البعير حبوا إذا عجز عن القيام فحبا وهو بارك، والرواسم نوق تسير الرسيم وهو ضرب من السير، والثفن جمع ثفنة وهو ما يصيب الأرض من البعير إذا برك، يقول قد ذهبت أخفاف هذه الإبل لطول السفر، فثناتها تقول للآرض ما فعلت أخفافي، أي أ، ثفاتها باشرت الأرض لأنها تحبو لضعفها.
ومن التي أولها: عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلَّ لِسانِ
برَغمِ شَبيبٍ فارَقَ السَّيفِ كَفُّهُ ... وكانَا على العِلاَّتِ يَصطَحِبانِ
قال الشيخ: شبيب العقيلي كان من قوم يعرفون بالمستأمنة، استأمنوه إلى سيف الدولة، وكانوا قبله مع القرامطة، وولي شبيب معرة النعمان دهرا طويلا، ثم سار إلى مصر وخرج على كافور، واجتمعت إليه طائفة، وهاجم بها دمشق ومعه عسكر، واختلف الناس في حديثه فقيل: إن امرأة ألقت عليه رحى يد فصرعته، فلما صرع انهزم العسكر، وقال قوم: إنه كان حدث به صرع من شرب النبيذ، وأنه عرض له في تلك الساعة، وكان كافور قد أعد عسكرا ليجهزه إليه فكفي بالإقبال مئونته.
كأنَّ رِقابَ النَاسِ قَالَتْ لسَيْفِهِ ... رَفيقُكَ قَيْسِيَ وأنْتَ يِمَانِي
قال الشيخ: في هذا البيت معنى حسن لطيف، وذلك أن الشاعر قال) كأن رقاب الناس قالت لسيفه: رفيقك من قيس عيلان (، وأنت منسوب إلى اليمن، فأفسدت بين شبيب وبين السيف، لأن عادة من ينسب إلى قيس عيلان أن يتعصب على اليمن.
ومَا كانَ إلاَّ النَّارَ في كُلَّ مَوْضِعٍ ... يُثيرُ غُباراً في مَكَانٍ دُخانِ
قال ابن جني: أخذه من قول الآخر:
ماوِيَّ يا رُبتَّما غارَةٍ ... شَعْوَاءَ ما للّذْعَةِ بالميسمِ
الميسم الحديدة التي يوسم بها، فإذا وقعت على وبر الإبل دخنت، فأشبه الغبار إلا أن المتنبي فسره ولخصه وأظهره، وقد جمعوا دخانا على دخان، قال الضميري القستري:
وَجَرداءَ مِنْ نَاءِ الجيادِ كأنّها ... عِقَابٌ زَهَتْها الريحُ يومَ دُخانِ
قال الشيخ: المعروف أن أصحاب النقل يقولون: جمع دخان دواخن، وهذه العبارة فيها تسامح، لأن فواعل ليس جمعا لفعال، وإنما حقيقة فواعل أنه جمع داخن أو داخنة.
قال الشاعر:
كأنَّ غُبارَها في كُلَّ شُهبٍ ... دَواخِنُ تَنضَبٍ صَادفنَ ريحا
وقوله إن جمع دخان دخان غير معروف، لأن فعال لا يجمع على فعال، وليس بالشاعر ضرورة أن يجمع دخانا في البيت الذي استشهد به، لأنه إذا ضم الدال لم يتغير الوزن والدخان يقع على القليل والكثير، فلذلك لم يحتج إلى جمعه، وينبغي أن يكون أقل العدد أدخنة، وقد جمع الأخطل الأدخنة فقال:
صُفْرُ اللّجِى مِن وَقُودِ الأَدْخِنَاتِ إذا ... رَدَّ الحِلاَبَ وَكَفَّ الحَالِبَ القِروُ
стр. 102
ولو جمع دخانا جمعا كثيرا لقيل دخن، كما قالوا غراب وغرب، وقوله الأول كاللذعة بالميسم يشبه بيت أبي الطيب بعيد في القياس، لأن الذي شبه الغارة بلذعة الميسم إنما أراد أنها تحرق الموسوم، فيجد لها ألما، وكذلك الذين يغار عليهم إذا أخذت أموالهم لذعوا بالنار، ولا يحسن أن يكون الشاعر أراد أن الميسم يقع على الوبر فيكون له دخان، فكيف يشبه غبار الحرب وهو المنشر في آفاق الأرض بدخان يحرقه ميسم في وبر بعير أو ناقة، ولما جعل أبو الطيب شبيبا مقل النار جعل غبار الحرب التي يثيرها شبيب مثل الدخان الذي يحدث عن النار.
أتُمسِكُ مَا أوْلَيْتَهُ يَدُ عَاقِلٍ ... وَتُمْسِكُ في كُفْرَانِهِ بِعِنانِ
قال ابن جني: يقول: إذا كفر نعمتك من تحسن إليه، لم يقبض يده على عنانه تخاذلا وحيرة.
قال الشيخ: هذا استفهام على معنى الإنكار والتقرير، يقول: أحسنت إليه إحسانا أمسكته يده، وكان لا ينبغي أن يمسك في كفران ما صنع معه بعنان، يقال أمسك الشيء وأمسك به، وقد تبين الغرض في قوله:
ثَنى يَدهُ الإحْسانُ حَتَّى كأنَّها ... وَقَدْ قُبِضَتْ كانتْ بغَيرِ بنانِ
يقول ملأت يده بالإحسان حتى ثناها إلى ورائها، فكأنها لما قبضت ما وهبت لم يكن لها بنان تطبقه على الموهوب فأرسلته.
وقد قَتَل الأقْرانَ حتى قَتَلْتَهُ ... بأضْعَفِ قِرْنٍ أذلَّ مَكان
قال الشيخ: حكى الشريف أبو إبراهيم محمد بن أحمد العلوي نضر الله وجهه أنه كان بحضرة كافور وأبو الطيب ينشده هذه القصيدة، فقال: بأضعف قرن في أذل مكان، فقال كافور وهو يتكلم كلام الخدم: لا والله إلا بأشد قرن في أعز مكان، فروى الناس بأضعف قرن في أعز مكان.
ومن التي أولها:
مَغانِي الشِّعْبِ طِيباً في المَغَاني ... بمنَزِلَةِ الرَّبِيعِ مِنَ الزَّمانِ
قال الشيخ: المغاني جمع مغنى وهو المنزل، والرواية التي في أيدي الشاميين ينصبون فيها طيبا، ويجب أن يكون نصبه بإضمار فعل، كأنه قال تطيب طيبا، كما تقول فلان بسير سيرا، ويجوز أن يكون نصبه على التفسير، إلا أن التفسير إذا كان العامل فيه غير فعل لم يجز تقديمه، والبغداديون يروون) طيبا (بالرفع، ويزعمون أن النصب غير جائز وإنما فروا من أن ينصبوه على التمييز، وليس ثم فعل يحمل عليه، وإذا كان العامل في التمييز فعلا أجاز بعض النحويين تقدمه، كقول الشاعر:
أَتَهْجُرُ لَيْلَى بالفِراقِ حَبِيَبهَا ... وما كَانَ نَفْساً بالفِراقِ تَطِيبُ
ووجه رفع الطيب أنه يجعل المغاني مبتدأ و) طيبا (خبرها فيكون المعنى مغاني الشعب طيب في المغاني كلها، كما أن الربيع طيب في الزمان، والشعب الطريق في الجبل.
مَلاعِبُ جَنَّةٍ لَوْ سَارَ فيها ... سُلَيمانٌ لَسارَ بِترجمانِ
قال الشيخ: أراد أن أهلها كأنهم جن، ولم يرد أن الجن تلعب فيها، لأن المكان يوصف بذلك إذا كان خاليا، وقد وصف الشاعر هذا الموضع وصف آهل، وهذا معنى لم ينظمه فيما نعلم أحد قبل أبي الطيب، لأن سليمان قال " علمنا منطق الطير " فإذا احتاج إلى ترجمان، فقد عجز عن فهم لسان هؤلاء القوم، وهذه مبالغة مفرطة.
وَلكِنَّ الفَتى العَرَبي فيها ... غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ واللَّسانِ
قال ابن جني: غريب الوجه واللسان معروف، ومعنى غريب اليد أي أن سلاحه السيف والرمح، وسلاح من بالشعب الحربة والنيزك، ويجوز أن يريد به الخط والأول أقوى.
قال الشيخ: ذهب قوم إلى أن اليد في هذا البيت النعمة، وإنما أراد أن العرب تخالف العجم في خلقها ولفظها، لأن وجوههم بينة من وجوههم، ولحاهم شقر وصهب وكان مروره بالكرد، وأيديهم لا تشبه أيدي العرب لأنها غلاط جعدة.
وقال الأحسائي: يريد أنها بلاد الفرس فالعربي فيها غريب الوجه، إما لأنه إذا رؤي وجهه استغرب، وإما لأن لون العربي الأدمة، والغالب على العجم الشقرة والبياض، وأما غريب اليد فيجوز أن يريد السلاح، وذلك أن العرب تحمل الرماح والعجم سلاحها النشاب والخشوت. ويجوز أن يريد أفعال اليد أو لأن العرب توصف أيديها بالبساطة، وأيدي العجم توصف بالتجعد والتقبض.
وَلَوْ كانَتْ دِمَشْقّ ثَنى عِنَانِي ... لَبيقُ الثُّرْدِ صِينيُّ الجِفانِ
стр. 103
قال ابن جني: يقول لو كانت هذه المغاني دمشق في الطيب، لثنى عناني عنها واجتذبني إليها هذا الممدوح، الذي ثرده ملبق، وجفانه غضار صيني، لأنه ملك وليس من أهل البادية.
يَلْجوُجِيُّ ما رُفِعَتْ لِضَيْفٍ ... بِهِ النِيرانُ نَدَّيُّ الدُّخَانِ
قال ابن جني: اليلنجوج العود، يقول: وقوده الذي ترفع به النيران للأضياف عود، ودخان بيته دخان الند، فكأنه قال: عودي الحطب ندي الدخان.
دَعَتْهُ بَمَفْزَعِ الأعْضَاءِ مِنها ... ليَوْمِ الحَرْبِ بِكْرِ أو عَوَانِ
قال ابن فورجة: حرفه ابن جني فرواه) بموضع الأعضاء منها (، ثم قال: أي دعته السيوف بمقابضها، والرماح بأعقابها، لأنها موضع الأعضاء منها، حيث يمسك الضارب والطاعن، ويحتمل أن يكون أراد دعته الدولة بمواضع الأعضاء من السيوف والرماح، ومعنى دعته اجتذبته واستمالته، هذا كلامه، وما نعلم أحدا من رواة هذا الديوان روى هذا البيت إلا بمفزع الأعضاء، وإنما يريد بقوله:
بِعَضْدِ الدَّوْلَةِ امْتَنَعَتْ وَعَزَّتْ ... وَلَيْسَ لِغَير ذِي عَضُدٍ يَدانِ
وَلا قَبْضٌ عَلى البِيضِ المَواضِي ... ولا حظٌّ مِنَ السُّمْرِ اللَّدَانِ
فجعل العضد مفزع الأعضاء، لما بينه في البيتين قبله فإن قال قد قلت: إن معنى دعته اجتذبته واستمالته، فإن دولة بني هاشم ما استمالت عضد الدولة بالسيوف ولا الرماح، وإنما استمالته بالملك الذي ملكته، وقد قال) والرماح بأعقابها (وما سمعنا أحدا سمى سافلة الرمح عقبه.
إذا طَلَبتْ وَدَائِعهمُ ثِقاتٍ ... دُفِعْنَ إلى المحَانِي وَالرّعَانِ
قال الشيخ:) المحاني (جمع محنية، وهي منعطف الوادي، و) والرعان (جمع رعن، وهو أنف يتقدم من الجبل، يقول: التجر يطرحون أمتعتهم في محاني الأودية ورؤوس الجبال، لأنهم لا يخشون عليها لصا، فهي ثقات تؤدى إليهم ما استودعوه، وهذا معنى غريب يجوز أن يكون لم يسبق إليه.
وكانَ ابْنا عَدُوّ كاثَرَاه ... لَهُ ياءَي حُرُوفِ أُنَيْسيانِ
قال الشيخ: لما قدم الدعاء لابني الممدوح، أتبعه بالدعاء على أبني عدوه، وعلى أبيهما، وابتهل إلى الله سبحانه أن يكون ابنا العدو وإن زادا في عدده ناقصين من شرفه، وشبههما بياءي أنيسيان، إذا زادا في عدد الكلمة كانتا نقصا للمعنى، لأنهما زيدتا للتصغير، وله أي للعدو.
حرف الهاء
قوله:
ذا الذي أنْتَ جَدُّهُ وأبُوهُ ... دِنْيَةً دُونَ جَدّهِ وَأبيهِ
قال أبو علي ابن فورجة:) ذا (محله الرفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه يقول هو ذا الذي أنت جده وقد تقدمه:
أغْلَبُ الحيزَيْنِ ما كُنتَ فِيهِ ... وَوَلِيُّ النَّماءِ مَنْ تَنْمِيهِ
وقد كان ذكر سيف الدولة جد أبي العشائر وأباه، فذا إشارة إلى أبي العشائر، وليس بمبتدأ يكون) دون جده (خبره، لأنه ليس يعني أن أبا العشائر دونك، ولا فائدة له في ذلك ولا يحس أن يغض منه، وسيف الدولة يمدحه، وليس) دون (بمعنى أوضع وأدنى محلا ومنزلة، بل) دون (من قولك لمن يقرب منك أنا أخوك دون أخيك وأبوك دون أبيك، فيقول: أغلب الحيزين حيز أنت فيه) وولي النماء من تنميه (وهو أبو العشائر الذي أنت أبوه وجده، دون أبيه وجده، وقد أهمل أبو الفتح شرح هذا البيت وهو مما يسأل عنه.
ومن قصيدته التي أولها: النَّاسُ ما لمْ يَرَوْكَ أشبَاهُ
أعلى قَناةٍ الحُسَيْنِ أوْسَطُها ... فيهِ وأعْلى الكَمِيّ رِجْلاهُ
قال ابن جني: فيه أي في هذا المأزق، وسألته عن معنى هذا البيت فقال هو قول الآخر:
ولربَّما أطَرَ القَناةَ بِفارِسٍ ... وثّنى فَقوَّمها بآخر منهم
قال الشيخ أبو العلاء: أراد أنه يطعن الكمي، فتنفذ فيه القناة ويتحطم صدرها، وقد نفذ إلى الجانب الآخر، فقد صار أوسط القناة كأنه أعلاها، لأن بعضها قد ذهب وقد ارتفعت رجلا الكمي لأنه لما طعنه انقلب.
ومن التي أولها:
أوْهِ بَدِيلٌ مِنْ قَوْلَتِي وَاها ... لَمِنْ نَأتْ والبَدِيلُ ذِكْراها
قال ابن جني: التألم لما ألاقيه من بعدها أولى من التعجب لما أتذكر من أمرها.
وقال الشيخ:) أوه (كلمة تقال عند التأوه، قال الشاعر:
فأوه مِنَ البُعْدِ دونَ أهلِها ... ومِنْ خرقِ أَرضٍ دَائِمِ العَسَلاَنِ
стр. 104
) وواها (كلمة تقال عند التعجب من الشيء، قال الراجز: وَاهاً لسَلمَى ثمَّ وَاهاً وَاها ولو أن لي في هذا البيت حكما لجعلت بدلا من) قولتي (قولنا، لأنه أقوى من التأنيث يقول نأت هذه الموصوفة، وصار ذكراها بدلا منها.
أوْهِ مِنَ أنْ لا أرى مَحَاسِنها ... وَأصْلُ وَاهاً وَأوْهِ مرْآها
قال ابن جني: أي أتوجع لأنني لا أرى محاسنها، وأصل توجعي وتعجبي كليهما أنني رأيتها فهويتها.
قال الشيخ: أضاف) أصل (إلى قوله) واها (وتركه منصوبا على الحكاية
فَقَبَّلَتْ نَاطِري تُغالِطني ... وَإنَّما قَبَّلَتْ بهِ فَاهَا
قال الشيخ أبو العلاء: لما ذكر أنها تبصر وجهها في ناظره، زعم أنها قبلت فاها المتصور لها في ناظره، وهذا بيت يشبه قول الصنوبري.
لولا الحَياءُ بظَلَّ يَلثُمُ ثَغره ... إذ كان يُبصِرُ وجهَه في الكَاسِ
تَبُلُّ خَدّي كُلَّما ابْتَسَمتْ ... مِنْ مَطَرٍ بَرْقُهُ ثَنايَاهَا
قال ابن جني: دل في هذه الأبيات على أنها كانت مكبة عليه، وعلى غاية القرب منه وهو قريب من قوله:
وأشْنَبَ مَعْسُولِ الثَّنيَّاتِ وَاضِحٍ ... سَتْرتُ فَمي عَنْهُ فَقَبَّلَ مَفْرِقي
وقال الشيخ: ذهب أبو الفتح في قوله) تبل خدي (إلى أنها تقبل خديه فتبلهما من ريقها، وقد يجوز هذا المعنى، ولا يمتنع أن يحمل على أنها إذا ابتسمت بكى هو من خبفة فراقها.
تَجَمَّعَتْ في فُؤادِهِ هِمَمٌ هِمَمٌ ... مِلٌْ فُؤادِ الزَّمانِ إحْداها
فَإنْ أتَى حَظُّها بأزْمِنَةٍ ... أوْسَعَ مِنْ ذَا الزَّمانِ أبْدَاها
وَثَارتِ الفَيْلقَانِ وَاحِدةً ... تَعْثُرُ أحْياؤها بمَوْتاها
قال ابن جني:) حظها (أي حظ الهمم.
وقال الشيخ أبو العلاء: يقول هذا الممدوح عظيم الهمم، فأصغر هممه ملء قلب الزمان وهذا لإفراط في المبالغة، وحظها يعني الدنيا، يقول إن كان للدنيا حظ يأتيها بزمان أوسع من زمانها الذي هي فيه، أبدى هذا الممدوح هممه، والفيلق الكتيبة وإنما أخذت من الفلق وهي الداهية، وقوله) صارت الفيلقان (أراد بإحداها الجماعة التي في طاعة هذا الملك بالأخرى الجماعة التي ليست في طاعته فإن كان الذي ذكره الشاعر من حظ الدنيا، فإن المخالفين لهذا الممدوح يصيرون من عبيده وأصحابه.
وقال ابن فورجة:) حظها (الهاء للهم،) وأبداها (أيضا هاؤها للهمم، يقول إن أتى حظ هممه وجدها بأزمنة أوسع من ذا الزمان أظهر تلك الهمم، فأما الآن فما يسمع هذا الزمان تلك الهمم فهو لا يبديها، ويعني بالفيلقين أهل هذا الزمان وأهل تلك الأزمنة، وجعلها) تعثر أحياؤها بموتاها (للزحمة إذ قد كثرت الأزمنة وأهلها والدنيا واحدة، وهذا من قوله أيضا:
بُعثنَا إلى الدُّنيا فلو عَاشَ أهْلُها ... مُنِعْنا بها مِنْ جَيْئَةٍ وَذُهْوبِ
الفارِسُ المُتَّقى السَّلاحُ بهِ ... المُثْني عَلَيْهِ الوَغَى وَخَيْلاها
قال ابن جني: أي هو الفارس الذي تبقى به السلاح، فلا يعمل معه شيئا.
وقال الشيخ:) المتقى السلاح به (معناه أنه يتقدم إلى الحرب دون أصحابه، فكأنهم يتقون به سلاح الأعداء، وهو نحو قوله في سيف الدولة:
كُلّ يُرِيدُ رِجالَهُ لحَياتِهِ ... يا مَنْ يُرِيدُ حَياتَهُ لِرِجالهِ
والعرب تصف أنفسها بأن أصحابهم يتقون بهم الأسنة والسيوف، كقول عنترة:
إذْ يَتَّقونَ بِيَ الأسِنَّةَ لم أخِمْ ... عَنْهَا ولكِنَّي تَضَايَقَ مُقَدِمي
ويجوز أن يكون الشاعر لإيثار المبالغة أراد أن أصحاب هذا الممدوح لعلمهم بسعادته، وأن السلاح لا يصل إليه، يتقون به في الحرب، فيكون أمامهم، لأنهم واثقون بأن الشر ر يصل إليه.
وقال الأحسائي: يريد أنه يدفع المكاره عن السلاح بفروسيته، كما يدفع السلاح عن غيره، وهو قريب من قوله:
بالجَيْشِ تمْتَنِعُ السَّاداتُ كُلُّهُمُ ... والجَيْشُ بابْنِ أبي الهَيْجَاءِ يمتَنع
لَوْ أنكَرَتْ من حَيائِها يَدُهُ ... في الحَرْبِ آثارَها عَرَفْنَاها
وكَيْفَ تَخْفى التِي زِيادَتُها ... ونَاقعْ المَوْتِ بَعْضُ سِماهَا
قال ابن جني: الزيادة هنا السوط، قال المرار الفقعسي:
стр. 105
ولم يُلْقُوا وسَائِدَ غَيْرَ أَيْدٍ ... زِيادَتُهُنَّ سَوْطٌ أو جَدِيلُ
وقال الشيخ: قوله) زيادتها (المراد به السيف، ويدل على ذلك) ناقع الموت (أي أن سيفه في يده كما يكون السوط في يد غيره.
حرف الياء
قوله:
وعَزْمٍ يَسِيرُ الجِسْمُ في السَرْجِ رَاكباً ... بهِ ويَسيرُ القَلبُ في الجسْمِ ماشِيا
قال ابن جني: أي لقوة العزم يكاد القلب يتحرك في موضعه، ولو تحرك في الحقيقة لمات صاحبه، وقد أتى بنحو هذا أبو تمام في قوله:
مَشَتْ قُلوبُ أنَاسِ صُدُورِهم ... لما تَراءَوْكَ تَمشي نَحَوهُمْ قُدُمَا
وطريق أبي تمام أسلم، لأنه ذكر تحرك القلب في موضع الشدة والخوف من الهلكة ألا تراهم يقولون: قد انخلع قلبه فمات، أي فارق موضعه، فلهذا كانت أسلم.
وقال الشيخ: الغرض في هذا البيت أنه جعل الجسم أروح من القلب؛ لأنه جعله يسير راكبا، وجعل القلب كالماشي في الجسم، ولا ريب أن الماشي أولى بالتعب من الراكب، وليس هذا المعنى معنى أبي تمام، لأن غرض قائل هذا البيت صفة قلبه بالتعب، وقصد أبي تمام أن يكون أعداء هذا الممدوح يلحقها الاضطراب والفزع إذا رأوه ماشيا نحوهم.
رأيتُ المَرَوْرَى والشَّناخِيبَ دُونَهُ ... وَجُبْتُ هَجِيراً يَتركُ المَاءَ صَادِيا
قال الشيخ:) المروري (جمع مروراة، وهي الأرض التي لا شيء فيها، ووزن مروراى فعوعلة، وظاهر أمرها أن يكون أشتقاقها من المرو، وهيحجارة صغار يقدح منها النار،) والشناخيب (جمع شنخوب وشنخاب، وهو أعلى الجبل) والهجير (جمع هاجرة وهي الحر الشديد وإنما يستعمل ذلك في نصف النهار وما قاربه، يقال: هجر القوم إذا ساروا في الهجير، وهجر النهار إذا جاء بالهاجرة قال امرؤ القيس:
فدعْهَا وَسلَّ الهمَّ عنها بِجَسْرةٍ ... ذَمُولٍ إذا صَامَ النَّهارُ وَهجَّراً
وأما قول ذي الرمة:
ولم يَبَقَ بالخَلصَاءِ مما عَنتْ بِه ... من البَقلِ إلاّ يبسُها وهَجيرُهَا
فيقال إن الهجير ضرب من الحمض، ويجوز أن يعتني بالهجير الهاجرة، ويحتمل أن يكون اشتقاق الهاجرة من قولهم: هجرت البعير، إذا شددت حبلا في حقوه إلى وظيفة، أي هذه الهاجرة كأنها تقيد الإنسان وغيره من شدة الحر، فلا يقدر على التصرف، ولا يمتنع أن يكون قوله الهاجرة أي الوقت الذي يهجر الإنسان فيه عادته، لأنه يطلب الظلال والقائلة وكذلك أناف الحيوان، فكأنها هجرت ما كانت تعتاده وقوله) يترك الماء صاديا (مبالغة مفرطة، لأنه زعم أن الماء يتركه الهجير صاديا، وقد جرت عادته أن يشفي من الصدى.
عِدَاكَ تَرَاها في البِلادِ مَساعِياً ... وأنتَ تَرَاها في السَّماءِ مَرَلقِيا
قال ابن جني: أي تعتقد في المعالي أضعاف اعتقاد الناس فيها، وبحسب ذلك ما يكون طلبك لها وشحك عليها.
وقال الشيخ: الهاء في) تراها (عائدة على الأيام، يقول: عداك يحسبون أنك ساع في الأرض، وإنما مساعيك مراق في السماء.
آخر ما كتب في الأصل
نجز المختصر في تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بتاريخ يوم الثلاثاء حادي عشر شهر محرم الحرام سنة أربع وستين وألف من الهجرة النبوية وصلى الله على سينا محمد وآله وصحبه وسلم.