← Фикх общий

Фикх общий · id 782

اللباب في فقه السنة والكتاب

محمد صبحي حلاق

Полный текст (548 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرهُ، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمدٍ ﷺ ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكل محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالةٌ وكل ضلالةٍ في النار. • ثم أما بعد: قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا (١) فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وعن حُميد بن عبد الرحمن، قال: سمعتُ معاوية خطيبًا يقول: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "مَن يْرد اللهُ به خيرًا يُفقههُ في الدِّين، وإنما أنا قاسمٌ، والله يُعطي، ولن تزالَ هذهّ الأمَّةُ قائِمةً على أمرَ الله لا يضرُّهم من خالفَهم حتى يأتيَ أمرُ الله" (٢).

стр. 2

وعن ابن عباسٍ ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ يُرِدِ اللّهُ بهِ خيرًا يُفقِّههُ في الدين" (١). وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]. أي: إنَّ الله يرفع المؤمن العالم على المؤمن الجاهل في الدنيا بعلو المنزلة، وَحُسْنِ الصيت، وفي الآخرة بكثرة الثوابِ، المؤدي لِرفعة الدرجات في الجنة (٢). وعن عامر بن وَاثِلة: أنَّ نافع بنَ عبد الحارثِ لقيَ عُمَرَ بعُسْفَان (٣)، وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي فقال: ابنُ أَبْزَى، قال: ومن ابنُ أبْزَى، قالَ: مولى من موالينا، قالَ: فاستخلفتَ عليهم مواليَ، قالَ: إنِّهُ قارئ لكتابِ الله ، وإنَّهُ عالمٌ بالفرائِض، قال عمر: أمَا إنَّ نبيكم ﷺ قد قال: "إنَّ اللّه يرفعُ بهذا الكتابِ أقوامًا، ويضعُ به آخرينَ" (٤). واعْتَدَّ الله بشهادة أهل العلم في وحدانيته فقال:" ﴿شَهدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلم قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]. فقرن الله شهادتهم بشهادته، وشهادة الملائكة؛ وفي هذا رفْعٌ لقدر أهل العلم، وزيادة في شرفهم، وبيانِ فضلهم، وهم في كل زمان ومكان قادة وسادة، يردّون الناس إلى الله، ويدعونهم إليه، ويبعدونهم عن مخالفته وعصيانه، يقولون الحقَّ بلا خوف أو وجل.

стр. 3

وقد حكى الله عن قارونَ وماله وكبريائه، وافتتان الناس به، وإنكار العلماء تمنى مثل ما أوتي، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: ٨٠]. فمن رام الفلاحَ في الدنيا والآخرة، فعليه أن يخلص النية لله في طلب العلم، والتفقه في الدين، وقد حذر النبي ﷺ من عدم إخلاص النية لله في ذلك. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من تعلَّم علمًا مما يُبتغى به وجْهُ الله، لا يتعلَّمُهُ إلَّا ليُصيب به عَرَضًا من الدُّنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنَّةِ يومَ القِيامةِ " يعني ريحها (١). وعن علي ﵁ أنه ذكر فِتنًا تكونُ في آخرِ الزمان فقال لَه عمرُ ﵁: متى ذلكَ يا عليُّ؟ قال: "إذا تُفُقه لغير الدِّين، وتُعلِّم العلمُ لغير العملِ، والْتُمِسَتِ الدُّنيا بعملِ الآخرة" (٢). وعن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: "لا تعلَّمُوا العلَم لتُباهُوا به العلماء، ولا لِتُمَاروا به السُّفَهاءَ، ولا تَخَيَّرُوا به المجالس، فمن فعلَ ذلكً فالَنَّارَ النَّارَ" (٣). ولقد جاء الحديث الصحيح يحمل الوعيد الشديد للثلاثة الذين أفسد الرياءُ أعمالهم، ونقلهم من ديوان المخلصين الصادقين إلى ديوان المرائين الكاذبين، فكانوا أول من تُسَعَّر

стр. 4

بهم النارُ يوم القيامة، ومنهم: "رجلٌ تعلمَ العلم وعلَّمَهُ، وقرأ القرآن، فأتي به فعرَّفَهُ نعَمهُ فعرفها، قال: فما عَملتَ فيها؟ قال: تعَلمتُ العلم وعلمتهُ، وقرأت فيكَ القرآنَ، قَال: كذبت، ولكنك تعلمتَ العلمَ ليقالَ عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليقالَ هو قارئٌ، فقد قيلَ، ثم أمر به فسحب على وجههِ حتىَ أُلقي في النَّارِ" (١). وقد ذكر لنا رسولُ الله ﷺ صورة مخيفةً من صور يوم القيامة لمن خالف عملُه علْمَهُ. فعن أبي وائل قال: قال أسامة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُجاءُ بالرجل يومَ القيامة فَيُلقى في النار، فتندلق أقتابُهُ في النار، فيدورُ كما يدورُ الحمارُ برحاه، فيجتمعُ أهلُ النار عليه فيقولون: أي فلانُ، ما شأنك؟ أليسَ كنتَ تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنتُ آمرُكم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيهِ" (٢). وعن لقمانَ - يعني: ابن عامر - قال: كان أبو الدرداء ﵁ يقول: "إنما أخشى من ربِّي يومَ القيامة أن يدعوني على رؤوس الخَلائق فيقول لي: يا عُويمر! - اسمه - فأقول: لبيك ربِّ، فيقول: ما عَمِلتَ فيما عَلِمتَ" (٣). وقال بعضهم (٤): اعملْ بعلمِكَ تغنمْ أيُّها الرجلُ … لا ينفعُ العلمُ إن لم يَحسُنِ العملُ والعلمُ زينٌ وتقوى الله زينتُهُ … والمتقونَ لهم في علمهم شُغُلُ وَحُجَّةُ الله يا ذا العلمِ بالغةٌ … لا المكرُ ينفعُ فيها لَا ولا الحيلُ تعلَّمِ العلمَ واعمل ما استطعتَ به … لا يُلْهينَّكَ عنهُ اللَّهُو والجدَلُ وقد أوجب الله على المسلمين اتباعَ الرسول ﷺ فيما يأمرُ وينهى، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].

стр. 5

أي: ما أعطاكم الرسول ﷺ من الفيء فخذوه لكم حلالًا، وما نهاكم عن أخذه فانتهوا، "وَاتَّقُوا اللهَ" و في أمر الفيء، "إنَّ اللهَ شديدُ الْعقَاب" إذا فعلتم ما نهاكم عنه الرسول ﷺ . هذا هو المعنى الأصلي للآية الذي يدلّ عليه السياق. والآية وإن نزلت في الفيء فهي عامَّةٌ في كل شيء يأتي به رسولُ ﷺ من أمرٍ، أو نهي، أو قولٍ، أو فعلٍ، والسبب وإن كان خاصًّا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا بهالله من الشرع؛ فقد أعطانا إياه، وأوصله إلينا. فهذه الآية الكريمة نصٌّ صريح في أنّ كل ما أتانا به رسول الله ﷺ وبلغه إلينا من الأوامر وغيرها؛ سواءً كانت مذكورة في الكتاب، أي القرآن المجيد، أو السُّنَّة، أي كل ما صح رفعُه إلى النبي ﷺ : واجب علينا قبوله، وكذا كلُّ ما نهانا عنه من المنهيَّات والمنكرات المبيَّنة في الكتابِ أو السُّنَّة: واجب علينا اجتنابهُ والانتهاءُ عنه (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لعَنَ الله الواشماتِ والمستوشمات (٢)، والنَّامصاتِ والمتنمصات (٣)، والمتفلِّجات (٤) للحُسْن، المغيِّرات خلقَ الله. قال: فبلغ ذلك امرأةً من بني أسد يُقال لها أمُّ يعقوب، وكانت تقرأ القرآنَ، فأتَتْهُ فقالت ما حديثٌ بلغني عنك أنكَ لعنتَ الواشماتِ والمستوشمات، والمتنمِصات والمتفلجات للحُسْن، المغيِّرات خلق الله؟ فقال عبدُ الله: وما لي لا ألعنُ مَن لعنَ رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأةُ: لقد قرأتُ ما بين لَوْحَي المصحف فما وجدتُهُ؟ فقالَ: لئن كنتِ قَرَأتيه لقد وجدتيه، قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فقالت المرأة: فإنّي أرى شيئًا من هذا على امرأتِكَ الآن، قال: اذهبي فانظري، قال: فدخلت على امرأةِ عبد الله فلم تر شيئًا فجاءتْ إليه، فقالت: ما رأيتُ شيئًا، فقال: أَمَا لوْ كان ذلك لم نُجَامِعهَا" (٥) " (٦).

стр. 6

قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. والمعنى إن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم، فرُّدوه إلى الله، أي: فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم فيه من كتاب الله، فإن لم تجدوا علمَ ذلك في كتاب الله، فارتادُوا معرفة ذلك عند رسول الله ﷺ إن كان حيًّا، أو بالنظر في سُنتهِ إن كان ميتًا (١). وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما نَهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلُوا منه ما استطعتُم، فإنما أهلكَ الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم" (٢). وعن أبي رافع، عن النبي ﷺ قال: "لا ألفينَّ أحدَكم مُتَّكئًا على أريكته، يأتيه الأمرُ من أمري مما أَمَرْتُ به أو نَهيتُ عنه فيقولُ: لا ندري، ما وجدنا في كَتاب الله اتبعْنَاهُ" (٣). وقد حذّر اللّه تعالى من مخالفة أمر رسول اللّه ﷺ فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وعن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إنما مَثَلي ومثلُ ما بعثني اللّه به كمثل رجل أتى أقوامًا فقال: يا قوم إني رأيتُ الجيشَ بعيني، وإني أَنا النذير العُرْيان (٤)، فالنجاء، فأطاعَهُ طائفة من قومه فأدلَجوا (٥)، فانطلقوا على مَهْلِهم فنَجَوا، وَكَذَّبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم فصبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحَهُم، فذلك مثلُ من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثلُ من عصاني وكذَّب بما جئتُ به مَن الحقِّ" (٦).

стр. 7

وقرن الله طاعة الرسول ﷺ بطاعته في آيات كثيرة من القران الكريم فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وعن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "كلُّ أمتي يدخلونَ الجنَّةَ إلَّا من أبى" قالوا: يا رسول اللّه ومن يأبى؟، قال: "من أطاعني دخل الجنَّة، ومن عصاني فقد أبى" (١). كما حثّ الله - سبحانه - على الاستجابة لما يدعو إليه النبي ﷺ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ولم يبحْ للمؤمنين مطلقًا أن يخالفوا حكمه ﷺ أو أمرًا من أوامره، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. واعتبر من علامات النفاقِ: الإعراضَ عن تحكيم الرسول ﷺ في مواطنِ الخلاف، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: ٤٨ - ٥٠]. وأقسم تعالى على نفي إيمان من لم يُحَكِّمِ الرسولَ ﷺ ، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وأخيرًا فمهمةُ السنة النبوية بالنسبة للقرآن الكريم تبيين المجمل، وتفسير المشكل، وتخصيص العام، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فبيانُ الرسول وتفسيره ﷺ في أحاديثه، ومن المعلوم أنّ الأخذ بهذه الأحاديثِ، والعملَ بمقتضاها واجب علينا. وعلينا أن نعلم علمًا جازمًا لا يُداخلُه الشكُّ، أننا لن نضلَّ عن الطريق المستقيم، ولن نتيهَ في شِعاب الباطل، ما دمنا متمسكّين بكتاب الله العزيز، وبسنة الرسول الكريم، قال رسول الله ﷺ : "أيها النَّاسُ، فإنَّما أنا بَشَرٌ يوشِكُ أن يأتي رسولُ ربي فأُجيبَ، وأنا

стр. 8

تاركٌ فيكم ثِقلَيْنِ (١) أولهما: كتابُ الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به" فحثَّ على كتاب الله ورغبَ فيه، ثم قال: "وأهلُ بيتي (٢) أُذَكركُم الله في أهلِ بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي" (٣). وقال ﷺ : "يأيها الناسُ، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به؛ فَلَن تَضلُّوا أبدًا: كتابَ الله وسنةَ نبيه ﷺ (٤). فمن خالف الكتاب والسُّنَّة، فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وخَسِرَ خُسْرانًا مبينًا، والعاقد عليهما بكلتا يديهِ مستمسكٌ بالعروة الوثقى، ظافرٌ بكل الخير دنيا وأخرى (٥). قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "سنَّ رسول الله ﷺ وولاةُ الأمر بعده سُننًا، الأخذُ بها تصديقٌ بكتاب الله، واستعمالٌ بطاعة الله، وقوةٌ على دين الله، ليس لأحدٍ تغييرُها ولا تبديلُها، ولا النَّظَرُ في رأي مَنْ خالفها، من اقتدى بها فهو مُهتَدٍ ومن انتصر بها منصورٌ، ومن خالفها واتبعَ غَيْرَ سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولَّى وأصلاهُ جهنَّم وساءَت مصيرًا" (٦). وقال الإمام الشافعي "أجمع الناسُ على أنّ: من استبانتْ له سنةٌ عن رسول الله ﷺ ، لم يكن له أن يدعَها لقول أحد من الناس" (٧). وقال ابن خزيمة: "لا قولَ لأحدٍ مع رسول الله ﷺ إذا صحَ الخبرُ عنه" (٨).

стр. 9

ولما ثبت في الحثِّ على تحصيل العلم، والاجتهادِ في اقتباسِه، وتعليمه لطالبه، والمحتاج إليه، والعملِ بمقتضاه بصدق وإخلاص؛ اندفعَ الراغبون في ثواب الله، والخائفون من عقابهِ إلى الاشتغال بالفقه، حتى استغرقَ منهم الأوقات، ورحلوا في طلبه حتى تمزقتْ منهم الأقدامُ. فأثمرت تلك الجهودُ الكبيرة، والعزائم القوية، والعقول المبدِعةُ: مكتبةً إسلامية رائعة، ملأت الخافقين في جميع فنون العلم والمعرفة. فشكر الله لهم سعيهم، وأجزل لهم المثوباتِ، وأحلَّهم في دار كرامتهِ أعلى المقامات، وجعل لنا نصيبًا من ذلك، ومن جميع الخيرات، وغفر لنا ولوالدينا، ولمشايخنا، ولمن أحسن إلينا، وللمسلمين والمسلماتِ، إنه سميع الدعاء، جزيلُ العطاء. وها أنا الفقير - إلى رحمة الله تعالى - أدليت بدلوي بين الدِّلاء ، رغْمَ ضعفي وعجزي، وضيقِ وقتي، لا من أجل نيل شهادةٍ أو إحراز لقبٍ؛ بل: * رَغبة وطمعًا في ثواب الله الذي أعده لمعلم الناس الخيرَ. * ورهبةً من عقابه الأليم، وعذابه الشديد، لمن كتم علمه وأخفاه. * وخدمةً لهذا الدين الذي أعزّنا الله به. * ومشاركةً في الدعوة إلى الهدى والفضيلةِ؛ لإعلاء كلمة الحق. * ومحاربةً للجهل والهوى والباطل؛ لإخمادِ كلمةِ الضلال. * وفتحًا لباب الفهم عن الله ورسوله ﷺ . * وحرصًا على جمع المسلمين على الكتاب والسُّنَّةِ. * وقضاءً على الخلاف وبدعةِ التعصُّب الذهبي. * وتسهيلًا لإيصال الفقه إلى المسلمين، بعبارة واضحة، وأسلوب سهل، بعيدًا عن التعقيد، والمصطلحات الفنيةِ، والتفريعات المفترضة التي لم تقع، مستوعبًا كلَّ ما يحتاجُه المسلم في جميع أقسام الفقه الإسلامي بعون الله. من أجل هذه الأسباب مجتمعة قمتُ بتأليف كتابي الذي أسميته: "اللباب في فقه السُّنَّةِ والكِتَاب".

стр. 10

وقد رتبته على النحو الآتي: ١ - كتاب الطهارة. ٢ - كتاب الصلاة. ٣ - كتاب الصوم. ٤ - كتاب الزكاة. ٥ - كتاب الحج. ٦ - كتاب النكاخ. ٧ - كتاب البيوع والمعاملات الأخرى. ٨ - كتاب الأيمان. ٩ - كتاب النذور. ١٠ - كتاب الأطعمة. ١١ - كتاب الطب. ١٢ - كتاب اللباس. ١٣ - كتاب الوصايا. ١٤ - كتاب الفرائض. ١٥ - كتاب الحدود. ١٦ - كتاب القصاص. ١٧ - كتاب الديات. ١٨ - كتاب القضاء. ١٩ - كتاب الجهاد. فهذا كتاب "اللباب في فقه السنة والكتاب" يتضمن جميع كتب الفقه الإسلامي وأبوابه، مقرونةً بالدليل، ومعروضةً بسهولة ويُسْرٍ، ليفهمها الصغيرُ والكبير، دَون التقليد لمذهب من المذاهب، بل خضوعًا للدليل الصحيح، واتباعًا للقول الراجح من غير تعصب لطائفة على طائفة، بل أوافق كل طائفة على ما عندها من الحق، وأخالفها إذا جانبت الصوابَ، ولا أستثني من ذلك طائفةً ولا مقالة، وأرجو الله العلي القدير أن أحيا على ذلك، وأموت عليه، وألقى الله به. لأنَّ الحق يتضحُ بالأدلة، كما تُعْرَفُ الشهورُ بالأهلةِ، والبرهان للأحكام كالعماد للخِيام، وطالب الحق ضيف الله، والدليل القاطع سيفُ اللَّه، به يفك العلم وينشر. فلا يحل لأحدٍ مخالفةُ الحق بعد معرفته، ولا يلزم الناس طاعة أحد لأجل أنه عالمٌ أو إمام؛ وإنما يلزم الناس قبولُ الحق ممن جاء به على الإطلاق، ونبذُ الباطل ممن جاء به بالاتفاق؛ لأن الله تعالى قال في سورة يونس: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ١٣٢]. هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتِهم، وحسن الظن بهم؛ فإنَّ الخطأ الذي يقع فيه إمام منهم لا يكون عن سوء نيةٍ، ولا قُبح طوية، واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم ﵃، دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة.

стр. 11

ولكن هذا لا يوجب إهدار النصوص، وتقديم قول الواحدِ منهم عليها بشبهة أنه أعلمُ منك، بل عليك أن تعرض أقوالهم على النصوص، وتزنها بها، وتخالِف منها ما خالف النصَّ، وتأخُذ منها ما وافقه. وما أروع ما قاله أبو عمر يوسف بن عبد البر النَّمِري القرطبي في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" (٢/ ١٧٢ - ١٧٣): "فعليك يا أخي بحفظ الأصولِ والعناية بها، واعلم أن من عُني بحفظ السُّننِ والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر في أقاويل الفقهاء، فجعله عونًا له على اجتهاده، ومفتاحًا لطرائق النظرِ، وتفسيرًا لجمل السن المحتملة للمعاني، ولم يقلِّد أحدًا منهم تقليد السُّنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يُرحْ نفسه مما أخذ العلماءُ به أنفسهم من حفظ السنن وتدبُّرها، واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه، ونبهوا عليه، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم، ولم يُبَرِّئْهُمْ من الزلل كما لم يبرئُوا أنفسهم منه؛ فهذا هو الطالب المتمسكُ بما عليه السلف الصالح، وهو المصيب لحظه، والمعاينُ لرشده، والمتبع لسُنة نبيه ﷺ وهدي صحابته ﵃، ومن أعفى نفسهُ من النظر، وأضرب عما ذكرنا، وعارض السُّننَ برأيه، ورام أن يرُدَّها إلى مبلغ نظره فهو ضال مضل، ومن جهل ذلك كلَّه أيضًا وتقحم في الفتوى بلا علم فهو أشدُّ عمى وأضلُّ سبيلًا" اهـ. • وإليك أخي القارئ منهجي في تأليف الكتاب: أولًا: تحديد المصادر، وجمع المادة لكل باب من أبواب الكتاب - وهي بحمد الله كثيرة - ككتب تفسير القرآن، وخاصَّة تفاسير آيات الأحكام، وكتب الحديث وخاصة التي تهتم بفقه الحديث، وكتبِ الفقه الذهبي والمقارنِ وخاصَّة التي تُعنى بالدليل، ومناقشةِ آراء المخالفين والرد عليها. ثانيًا: تمحيص وترجيح النصوص والأقوال، ونصرةُ القول الراجحِ الذي قويت حجَّتُه، واتضحت أدلَّتُه، وليس هذا تلفيقًا، وإنما هو اتباع للدليل حيثما وجدته، وخضوع للحقِّ الواضح. ثالثًا: تخريجُ الأحاديث، وبيانُ مرتبة كلِّ حديثٍ من الصحة والضعف.

стр. 12

وقد اعتمدت الحديث الصحيح أو الحسنَ حجَّةً، ورددت الحديث الضعيف والعملَ به حتى في فضائلِ الأعمال، كما قبلتُ مرسل الصحابي، وقدَّمت حديثَ الآحاد على عمل أهل المدينة، وكذلك عملت بخبر الآحادِ وإن خالف مقتضى القياس أو الأصول المقررة. أما الآثار فأذكر مرتبتها من الصحة أو الضعفِ إذا كانت في مقام إلحجة والدليل فقط. رابعًا: احترامُ الإجماع المتيقَّن الذي لم يثبت فيه خلاف. خامسًا: إعمال القياس الصحيح إذا اتضحتْ عِلَّتُهُ الجامعةُ بين الأصل والفرع، ولم يكن بينهما فارقٌ ظاهر أو خفي، ولم يوجد معارض معتبر. قال ابن تيمية في "رسالة القياس" ص (١٠): "القياسُ لفظٌ مجمل يدخلُ فيه القياسُ الصحيح والقياسُ الفاسد؛ فالقياسُ الصحيح: هو الذي وردَتْ به الشريعةُ … " اهـ. وقال تلميذه ابنُ قيم الجوزية في "إعلام الموقِّعين" (١/ ١٣٠): "بل كانوا - أي الصحابة - متفقين على القولِ بالقياس، وهو أحد أصول الشريعة، ولا يستغني عنه فقيه" اهـ. سادسًا: ضبطُ وشكلُ ما يلزم ضبطُه وشكلُه من ألفاظِ الأحاديثِ، والأعلام، والألقاب، والأماكن، والكلمات المُشْكِلةِ على القارئ. سابعًا: التعرضُ لقضايا الفقه الجديدة، مستلهمًا قواعد الشريعة ومبادئها، ومقرَّراتِ الفقهاء. وبعد هذا، فإني لا أَدَّعِي العصمةَ من الخطأ؛ فإنَّ العصمةَ لمن خصَّهم الله بها من عبادِه المرسلين، وكلُّ ما أدعيه: هو أني بذلتُ غايةَ ما أملك من جهدٍ في سبيل تقديم عمل أرجو أن يكون نافعًا لي وللمسلمين في الدنيا والآخرة. فإن أكُن وُفِّقْتُ فهذا ما أبتغيه، ولله الفضل والمنة، وإن كان غيرَ ذلك، فحسبي أني أردتُ الخيرَ، وبذلتُ في سبيله ما وَسعني من جهد، وإنما الأعمال بالنيات. اللهُمَّ اجعل أعمالنا كلها صالحةً، ولوجهك خالصةً، ولا تجعلْ فيها شركًا لأحد … آمين. صنعاء صباح الجمعة ٢٩ شوال ١٤٢٠ هـ ٤/ ٢/ ٢٠٠٠ م

стр. 13

الكتاب الأول كتاب الطهاوة ويتضمن عَشَرة أبوابٍ

стр. 14

الباب الأول: أقسام المياهِ. الباب الثاني: النجاسات. الفصل الأول: أَحكام النجاسات. الفصل الثاني: تطهير النجاسات. الباب الثالث: السُّؤْر والعَرَق. الفصل الأول السُّؤر. الفصل الثاني: العَرَق. الباب الرابع: الآنية. الباب الخامس: قضاء الحاجة. الباب السادس: سُنَن الفِطْرَةِ. الباب السابع: الوُضوء. الفصل الأول: صفة الوضوءِ، وشروط صحته، وفرائضه. الفصل الثاني: مستحبَّات الوضوء. الفصل الثالث: نواقض الوضوء. الفصل الرابع: ما يجب له الوضوء وما يُسْتَحَبُّ. الفصل الخامس: المسح على الخفين. الباب الثامن: الغُسل: الفصل الأول: متى يجبُ الغسل؟. الفصل الثاني: أركان الغُسل وسنته. الفصل الثالث: متى يُسَنُّ الغُسل؟. الباب التاسع: التيمم. الباب العاشر: الحيض والنفاس والاستحاضة. الفصل الأول الحيض. الفصل الثاني: النفاس. الفصل الثالث: الاستحاضة.

стр. 15

الطهارة في الأصل الوَضَاءة والنظافة، يقال مِن ذلك تَطهَّر فهو مُتطهِّر ومُطَّهر، فتُدْغَمُ التاءُ في الطاءِ لقرب مخرجيهما، والطَّهُور: الماء. قال ثعلبٌ: الطَّهور: الطاهِرُ في نَفْسِه المُطَهِّر لغيره، ويقال: فلان طاهرُ الثِّياب، إذا كان نقيًّا من الدَّنس والوسخ، وذكر أهل التفسير: أنَّ الطهارةَ في القرآنِ على ثلاثةِ عَشَر وجهًا (١): أحدها: انقطاعُ دمِ الحيض؛ ومنه قولهُ - تعالى - في سورة البقرة الآية (٢٢٢): ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. والثاني: الاغتسال، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة الآية (٢٢٢): "فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتوهُنَّ". وفي سورة المائدة الآية (٦): "وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَهَّروا". والثالث: الاستنجاءُ بالماء، ومنه قوله - تعالى - في سورة براءة الآية (١٠٨): " ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ " ونزلَتْ في أهل قُبَاءَ، وكانوا يستعملون الماءَ في الاستنجاء. والرابع الطهارة من جميع الأحداث والأقذار، ومنه قوله - تعالى - في سورة الأنفال الآية (١١): " ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ ". والخامس: السلامةُ من سائر المستقْذَرَات؛ ومنه قوله - تعالى - في سورة البقرة الآية (٢٥): ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، وفي سورة آل عمران الآية (١٥): ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. والسادس: التنزُّه عن إتيان الرجال؛ ومنه قوله - تعالى - في سورة النمل الآية (٥٦): ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. والسابع: الطهارة من الذنوب، ومنه قوله - تعالى - في سورة براءة الآية (١٠٣): ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، وفي سورة المجادلة الآية (١٢): ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾. والثامن: الطهارةُ من الأوثان؛ ومنه قولهُ - تعالى - في سورة البقرة الآية (١٢٥):

стр. 16

﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ ومثلها في سورة الحج الآية (٢٦): ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. والتاسع: الطهارة من الشرك؛ ومنه قوله - تعالى - في سورة عبس الآية (١٤): ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ وفي سورة البينة الآية (٢): ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾. والعاشر: الحلال؛ ومنه قوله - تعالى - في سورة هود الآية (٧٨): ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي: أحلُّ. والحادي عشر: طهارةُ القلب من الريبة؛ ومنه قوله - تعالى - في سورة البقرة الآية (٢٣٢): ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ يريد أطهرُ لقلب الرجل والمرأة من الريبة، وفي سورة الأحزاب الآية (٥٣) ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: من الريبة والدَّنَس. والثاني عشر: التقصيرُ، ومنه ق وله - تعالى - في سورة المدثر الآية (٤): ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أي: قصِّرْ؛ لأن تقصيرَ الثياب: تطهيرُها. والثالث عشر: الطهارةُ من الفاحشة" ومنه قوله - تعالى - في سورة آل عمران الآية (٤٢): ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ (١). وبدأت بالطهارة؛ لأنَّها شرطٌ من شروط الصلاة التي هي آكدُ أركان الإسلامِ بعد الشهادتين، والشرط مقدَّمٌ على المشروط. قال رسول الله ﷺ : "مفْتَاح الصَّلاة الطهُورُ، وتحريمُهَا التكبيرُ، وتحليلُها التسلِيمُ"، وهو حديث حسن (٢).

стр. 17

الباب الأول أقسام المياه أولًّا: الماءُ المُطْلقُ: هو الماء العاري عن الإضافة اللازمةِ، وإن شئتَ قلتَ: هو ما كفى في تعريفه اسمُ ماءٍ، وهذا الحدُّ نصَّ عليه الشافعي ﵀ في البويطي. وقيل: هو الباقي على وصف خِلْقَتِهِ (١). • ويشتملُ الماءُ الطلقُ على: ١ - ماءُ المطرِ والثلج والبَرَد ، لقوله - تعالى - في سورة الأنفال الآية (١١) ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾؛ ولقوله تعالى في سورة الفرقان الآية (٤٨): ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسولُ الله ﷺ إذا كبَّرَ في الصلاةِ سكَتَ هُنَيَّةً قبلَ أن يقرأ، فقلتُ: يا رسولَ الله بأبي أنتَ وأمي، أرأيتَ سكوتكَ بين التكبير والقراءةِ ما تقول؟ قال: "أقول: اللهمَّ باعدْ بيني وبين خطايايَ كما باعَدتَ بين المشرقِ والمغرِبِ، اللهُمَّ نقِّني من خطاياي كما يُنَقَّىَ الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، اللهُمَّ اغسِلْني من خطاياي بالماء والثلجِ والبَرَد" (٢). ٢ - ماءُ البحَر والنهرِ ؛ لحديث أبي هريرةَ كت قال: سألَ رجلٌ رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنّا نركبُ البحرَ، ونحمِلُ معنَا القليلَ من الماءِ، فإنْ توضَّأْنا بهِ عَطِشْنا، أفنتوضَّأ من ماء البحر؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هو الطهُور ماؤهُ، الحلُّ مَيْتَتُه" وهو حديث صحيح (٣). ولظاهر نصِّ الكتاب، وهو قوله - تعالى - في سورة النساء الآية (٤٣): ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وماء البحر من المياه فلا يجوز العدولُ إلى التيمُّم مع وجودِه (٤).

стр. 18

٣ - ماء زمزمَ ، لحديث علي ﵁ في صفةِ حجِّ رسول اللّه ﷺ قال: "ثم أفاضَ فدعا بسجْل من ماء زمزمَ فشربَ منه، وتوضَّأ، ثم قال: "انزعُوا يا بني عبد المطلب، فلولا أن تُغْلَبُوا عليها لنزعتُ"، وهو حديث حسن (١). * والسَّجْل: الدَّلو الملأَى ماءً، ويُجمع على سِجَالٍ (٢). وقوله: "فولا أن تُغْلَبُوا": يعني لولا خوفي أن يعتقد الناسُ ذلك من مناسك الحج، ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم؛ لكثرة فضيلة هذا الاستقاء (٣). ٤ - ماء البئر ؛ لحديثِ أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيلَ: يا رسول اللّه أنتوضَّأ من بئرِ بُضَاعةَ، وهي بِئْرٌ يُلقى فيها الحِيَضُ ولحومُ الكلاب والنَّتَنُ؟ فقال رسول اللّه ﷺ : "إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيء"، وهو حديث صحيح (٤). * وقال ياقوت الحموي (٥) بُضاعة: بالضم وقد كَسَرَهُ بعضهم، والأول أكْثَرُ، وهي دار بني ساعدة بالمدينة وبئرها معروفة". وقال ابن الأثير (٦): هي بئر معروفة بالمدينة. وقال أبو داود في "سننه" (١/ ١٢٩ - ١٣٠ - العون): "سمعتُ قُتيبة بن سعيدٍ قال: سألتُ قيم بئر بُضاعة عن عُمقِها، قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقصَ؟ قال: دون العورةِ. قال أبو داود: وقدَّرتُ أنا بئرَ بُضاعةَ بردائي مدَدْتُه عليها، ثم ذَرَعْتُهُ فإذا عرضُها ستةُ

стр. 19

أذْرعُ، وسألتُ الذي فتح لي باب البستانِ فأدخلَني إليه، هل غُيِّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا، ورأيتُ فيها ماءً متغيِّر اللَّونِ" اهـ ٥ - الماءُ المتغيِّرُ بطولِ المُكْثِ أو بسببِ مقرِّه أو بما خالَطَهُ كطحلُبٍ، أو ورقِ شجرٍ، وما لا ينفك عنه غالبًا، فإنَّ اسمَ الماءِ المطلق يتناوله باتفاقِ العلماء. والأصلُ في هذا البابِ أن كلَّ ما يصدُقُ عليه اسمُ الماء مطلقًا عن التقييد يصح التطهُّر به؛ لقولهِ - تعالى - في سورة المائدة الآية (٦): "فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا". وقال ابن قدامة (١): "والماءُ الآجنُ: وهو الذي يتغيُّر بطول مكْثِهِ في المكان، من غير مخالطةِ شيء يغيرهُ، باق على إطلاقه في قول أكثر أهل العلم" اهـ. وقال ابن المنذر (٢): "أجمع كلُّ من نحفظُ قولَه من أهل العلم على أن الوضوءَ بالماء الآجنِ من غير نجاسةٍ حلَّتْ فيه جائز، غيرَ ابن سيرينَ فإنه كرهَ ذلك، وقول الجمهور أولى" ا هـ. وقال ابن رشد (٣): "وكذلك أجمعوا على أنَّ كلَّ ما يُغيِّر الماءَ مما لا يَنْفَك عنه غالبًا أنه لا يسلبُه صفةَ الطهارةِ والتطهير؛ إلا خلافًا شاذًّا في الماءِ الآجنِ عن ابن سيرينَ، وهو محجوجٌ بتناولِ اسم الماء المُطْلقِ له" اهـ. ثانيًا: الماءُ المسْتَعْمَلُ: هو الماءُ المنفصلُ من أعضاءِ المتوضئ أو المغتسل. ١ - الماءُ المستعملُ طاهرٌ في نفسه ؛ لحديث جابر قال: جاء رسول الله ﷺ يعودُني وأنا مريضٌ لا أعقلَ، فتوضَّأ وصبَّ عليَّ من وَضُوئِهِ، فعقلْتُ .. " (٤). ولحديث أبي جُحيفة ﵁ قال: "خرج علينا رسولُ الله ﷺ بالهاجرة، فَأُتِيَ بوَضُوءٍ فتوضَّأ، فجعل الناسُ يأخذون من فضلِ وضُوئِهِ فيتمسحونَ به، .. " (٥). • أما قولُ بعضهم: إنَّ هذا من خصائص النبي ﷺ ، فمردودٌ؛ لأن الأصلَ أنَّ

стр. 20

حكمَهُ وحكمَ أمته واحدٌ، إلا أنْ يقومَ دليلٌ يقضي بالاختصاصِ، ولا دليلَ، كما أن الحكم بكون الشيءَ نجسًا حكم شرعي يحتاج إلى دليل ولا دليل (١). ٢ - والدليل على أن الماءَ المستعمل مطهِّر لغيره ، حديث ابن عقيلٍ، عن الرُّبَيِّع - بنتِ مُعَوِّذ - "أن النبي ﷺ مسحَ برأسِه من فضْلِ ماءٍ كان في يده" (٢). وهو حديث حسن. فإن قيل: قد عارضه حديث عبد الله بن زيدِ بن عاصم الأنصاري ﵁: " … ثم أدخلَ يَدَهُ - في الإناء - فاستخرجَهَا فمسحَ برأسهِ، فأقبل بيديه وأدبرَ .. " (٣). قلت: لا تعارض بينهما؛ لأنَّ التنصيص على شيءٍ بصيغة لا تدلُّ إلا على مجرد الوقوع، ولم يتعرض فيها لحصْرٍ على المنصوص عليه، ولا نفيٍ لما عداهُ، لا يستلزم عدمَ وقوع غيره (٤). أما الحديث الذي أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير " رقم (٢٠٩١) عن دهثم بن قُرآنَ، عن نمران بن جارية، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا للرأسِ ماءً جديدًا"، فهو حديث ضعيف جدًّا لا تقومُ به حجة. وأما حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ، فغسلَ وجهَهُ، خرجَ من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطرِ الماءِ، فإذا غسل يديه، خرج من يديه كلُّ خطيئةٍ كان بطشتْها يداهُ معَ الماءِ، أو معَ آخر قطْرِ الماءِ، فإذا غسلَ رجليه، خرجت كلُّ خطيئةٍ مَشتْهَا رجلاهُ معَ الماءِ، أو مَع آخر قَطْرِ الماءِ حتى يخرجَ نقيًّا من الذنوبِ" (٥). فقد قال الإمام النووي (٦): "المراد بخروجها مع الماء المجازُ والاستعارةُ في غفرانِها؛ لأنها ليست بأجسامٍ فتخرج حقيقةً". اهـ.

стр. 21

وقال ابن حزم (١): "قلنا: نعم ولله الحمدُ فكان ماذا؟ وإن هذا لما يغبطُ باستعمالهِ مرارًا إن أمكن لفضله، وما علمنا للخطايا أجرامًا تحلُّ في الماء" ا هـ. وقال ابن حزم (٢): "فلا يختلفُ اثنان من أهل الإسلام في أن كلَّ متوضئٍ يأخذ الماء، فيغسلُ به ذراعيهِ من أطراف أصابعهِ إلى مرفقِه، وهكذا كلُّ عضو في الوضوءِ، وفي غسل الجنابة، وبالضرورة والحسِّ يدري كلُّ مشاهد لذلك أن ذلك الماءَ قد وضئت به الكفُّ وغسلتْ، ثم غسل به أولُ الذراع ثم آخِرُهُ، وهذا ماء مستعمل بيقينٍ، ثم إنه يردُّ يده في الإناء وهي تقطر من الماء الذي طهر به العضْوَ، فيأخذُ ماءً آخَرَ للعضوِ الآخَرِ، فبالضرورة يدري كلُّ ذي حسٍّ سليم أنه لم يطهِّر العُضْوَ الثاني، إلا بماء جديدٍ قد مازجهُ ماءٌ آخَرُ مستعملٌ في تطهير عضوٍ آخَرَ، وهذا لا مَخْلَصَ منه" اهـ. ثالثًا: الماءُ الذي خالطَهُ طاهرٌ ؛ كزعفرانَ أو صابون أو عجينٍ أو غيرِ ذلك من الأشياء الطاهرة، التي تنفكُّ عنه غالبًا - طَهورٌ ما دام حافظًا لإطلاقه، فإِنْ خَرَجَ عن إطلاقهِ، بحيثُ لا يتناولُه اسمُ الماء المطلق، فيصبحُ طاهرًا في نفسِهِ، غيرَ مطهِّر لغيره. لحديث أم عطيةَ ﵂ قالت: لما ماتَتْ زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ ، قالَ لنا رسولُ الله ﷺ ." اغسلْنَهَا وِتْرًا، ثلاثًا، أو خَمْسًا، واجعلْنَ في الَخامسةِ كافورًا، أو شيئًا من كافور، فإذا غسَّلْتُنَّها فَأَعْلِمْنَنِي" قالت: فأعلمناهُ فأعطانَا حقْوَهُ - إزاره - وقال: "أشْعِرْنَها إياهُ"، اجعلْنَ الإزار شعارًا لها (٣). ولحديث أم هانئ ﵂ أن رسول الله ﷺ اغْتَسَلَ هُوَ وميمونةُ من إناءٍ واحدٍ، في قَصْعةٍ فيها أثَرُ العجين"، وهو حديث حسن (٤). • ففي الحديثين وُجِدَ الاختلاط بين الماءِ والكافورِ، وبين الماء والعجين، إلا أنه لم يبلغْ من الكثرةِ ما يسلبُ إطلاقُ الماءِ عليه" فلذا جاز التطهُّر بهذا الماء (٥).

стр. 22

رابعًا: الماءُ الذى لاقَتْهُ نجاسةٌ: ١ - الماءُ القليل أو الكثير إذا وَقَعَتْ فيه نجاسةٌ ؛ فغيَّرت طعْمَهُ أو لونَهُ أو ريحَهُ، فإنه نجسٌ ولا يجوز التطهيرُ به. ودليله الإجماع: قال ابن المنذر (١): "وأجمعوا على أن الماءَ القليلَ والكثيرَ إذا وقعتْ فيه نجاسةٌ، فغيَّرت الماءَ طعْمًا، أو لونا، أو ريحًا؛ أنه نجسٌ ما دام كذلك" اهـ. وقال ابن رشد (٢): "واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسةُ؛ إما طعمه أو لونَه أو ريحهُ أو أكثر من واحد من هذه الأوصاف، فإنه لا يجوزُ به الوضوءُ ولا الطهورُ" اهـ. ٢ - الماءُ القليل أو الكثير ، إذا وقعتْ فيه نجاسةٌ ولم تُغيِّر لونَهُ أو طعمهُ أو ريحه فهو طاهرٌ مطهِّر: للأدلة التالية: • حديث أبي سعيد الخدري الصحيح الوارد عند الكلام على "ماء البئر". • وحديث ابن عمرَ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم يَحْمِلِ الخبثَ"، وفي لفظ ابن ماجة: "لم يُنَجِّسْهُ شيء" وهو حديث صحيح (٣). • فالشارع قد نفى النجاسةَ عن مطلق الماء؛ كما في حديث أبي سعيد المتقدم، وما يشهدُ له، ونفاها عن الماء المقيَّد بالقُلَّتينِ كما في حديث ابن عمر المتقدم أيضًا، وكان النفي بلفظٍ هو أعم صيغ العامِّ. فقال في الأول: "الماء طهور لا ينجِّسهُ شيء"، وقال في الثاني - أيضًا - كما في تلك الرواية: "لم ينجِّسْهُ شيء". فأفاد ذلكَ أنَّ كل ماء يوجد على وجه الأرض طاهرٌ، إلا ما ورد فيه التصريحُ بما

стр. 23

يخصِّصُ هذا العامَّ، مصرِّحًا بأنه يصيرُ الماء نجسًا كما وقع في تلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها، فإنها وردتْ بصيغةِ الاستثناء من ذلك الحديث، فكانت من المخصصاتِ المتصلة بالنسبة إلى حديث أبي سعيد، ومن المخصَّصات المنفصلة بالنسبة إلى حديث ابن عمرَ عَلى القول الراجح في الأصولِ، وهو أنه يبنى العامُّ على الخاصِّ مطلقًا. فتقرر بهذا أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القُلتين، وبين سائر الأحاديث، بل يقال فيه: إن ما دون القلتين إن حملَ الخبَثَ حملًا استلزم تغير ريح الماءِ، أو لونِهِ أو طعمِهِ، فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية، وإن حمله حملًا لا يغيِّر أَحَدَ تلك الأوصافِ فليس هذا الحملُ مستلزمًا للنجاسة" (١). * فروع تتعلقُ بالبابِ الأولِ: أقسام المياهِ: فرع (١): الإجماعُ المتقدِّم آنفًا وقعَ على زيادة ضعيفةٍ وردت بصيغة الاستثناء في حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " "إنَّ الماءَ لا ينجِّسُهُ شيء، إلا ما غلبَ على ريحِهِ، وطعمِهِ، ولونِهِ" وهو حديث ضعيف (٢). فرع (٢) في تفسير القُلتين: قال ابنُ التركماني (٣): "قد اخْتُلِفَ في تفسير القُلَّتينِ اختلافًا شديدًا كما ترى، ففُسِّرَتَا بخمس قِرَبٍ، وبأربع، وبأربعٍ وستين رطلًا، وباثنين وثلاثين، وبالجرتين مطلقًا، وبالجرتين بقيد الكبرِ، وبالخابيتينِ، والخابية الحبّ. فظهر بهذا جهالةُ مقدار القلتين، فتعذَّر العملُ بها" اهـ.

стр. 24

• قال الحافظ (١): " … إلا أن مقدارَ القلتينِ لم يُتَّفَقْ عليه، واعتبره الشافعي بخمسِ قِرَبٍ من قربِ الحجازِ احتياطًا … " اهـ. أما ما ورد في تخصيص القلتينِ بقلالِ هَجَرَ، فليس بجيد؛ لأنه لم يرد مرفوعًا إلا من طريق "المغيرة بن سقلاب" بسنده عن ابن عمرَ: "إذا بلغ الماء قُلَّتين من قلال هَجَرَ، لم ينجِّسْهُ شيء"، وهو حديث ضعيف بهذه الزيادة (٢). فرع (٣): تقديرُ الماء الكثير لا يستندُ إلى أصلٍ شرعيٍّ يُعتَمَدُ عليه: • قال الإمام البغوي (٣): "وقدَّر بعضُ أصحابِ الرأي الماءَ الكثيرَ الذي لا ينجسُ، بأَنْ يكون عشَرَةَ أذرعٍ في عشرةِ أذرعٍ، وهذا تحديد لا يرجعُ إلى أصلٍ شرعي يُعْتَمَدَ عليه". وأما حديث عبد الله بن مُغَفَّل عن رسول الله ﷺ قال: "من حفرَ بئرًا فَلَهُ أربعونَ ذراعًا عَطنًا لماشيتهِ"، وهو حديث حسن (٤). فلا دليل فيه - أيضًا - على تحديد الماء الكثير الذي لا ينجس بأَنْ يكونَ عشرةَ أذرع في عشرةِ أذرع؛ لأن الواضحَ من الحديثِ أنَّ حريمَ البئر من كلِّ جانبٍ أربعونَ ذراعًا (٥). ثم قال البغويُّ (٦). "وحدَّهُ بعضُهم بأَنْ يكونَ في غديرٍ عظيمٍ، بحيثُ لو حُرِّكَ منه جانبٌ لم يضطربْ منه الجانبُ الآخرُ، وهذا في غاية الجهالةِ؛ لاختلافِ أحوالِ المحرِّكينَ في القوةِ والضعفِ" اهـ. • وقال الإمام الشوكاني (٧). "وللناس في تقدير القليل والكثيرِ أقوالٌ ليس عليها أثارةٌ من علم، فلا نشتغلُ بذكرِها" اهـ.

стр. 25

فرع (٤): البولُ في الماءِ الراكِدِ مكروهٌ: عن أبي هريرة ﵁، أن النبيَّ ﷺ قال: "لا يَبُولنَّ أَحدُكم في الماء الدَّائِم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه"، وهذا لفظ البخاري، ولفظ الترمذي: "ثم يتوضأ منه"، ولفظ الباقين: "ثم يغتسلُ منه" (١). ففي الحديث نهي عن أن يُبَالَ في الماءِ الدائم، ثم يُغْتَسَلُ منه، ولا يعني ذلك نجاسة الماء بحلولِ ذلك البول فيه، وإن لم يُغيِّرْ أحدَ أوصافِه، فالقول بالتنجيس يحتاج إلى دليلٍ شرعيٍّ، وليس لنا دليل يفيدُ ذلك " فبقي الحديث على النهي للبائل أن يغتسلَ، أو يتوضأ، وله الانتفاعُ به ما عدا ذلك، وغير البائل مباحًا له الاغتسالُ والوضوء (٢). فرع (٥): النهي عن غمسِ المستيقظِ مِن النومِ يدَه في الإناءِ قبلَ غسْلِها للتنزيه: لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا استيقظَ أحدُكم من نومه فلا يغمسْ يدهُ في الإناءِ، حتى يغسلَها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتتْ يده"، واللفظ لمسلم، وهو حديث صحيح (٣). ففي الحديث نهي عن غَمْسِ المستيقظِ من النوم يده في الإناء قبل غسْلِها للتنزيه، ولا فرقَ بين نومِ الليلِ أو النهارِ، والأمرُ بالغَسل عند الجمهور على الندبِ، والقرينةُ الصارفةُ للأمر عن الوجوب التعليلُ بأمرٍ يقتضي الشكَّ. ولو غمسَ المستيقظُ من النومِ يَده في الإناء قبل غسْلِها، ولم يعلم بها نجاسةً؛ يكره، ولا يفسدُ الماء عند أكثر أهل العلم (٤).

стр. 26

فرع (٦): جواز وضوءِ وغُسْلِ الرجلِ والمرأةِ من إناءٍ واحدٍ: لحديث عائشة ﵂ قالت: كنتُ أغتسل أنا ورسولَ الله ﷺ من إناءٍ - بيني وبينه - واحدٍ، فيبادِرُني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي، قالت: وهُمَا جُنُبَانِ (١). ولحديث أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ والمرأةُ من نسَائه يغتسلان من إناءٍ واحدٍ - زاد مسلم ووهبٌ عن شعبة - من الجنابةِ (٢). فرع (٧): جوازُ وضوءِ وَغُسْلِ الرجل من فَضْلِ طهورِ المرأة: لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ : "كان يغْتَسِلُ بِفَضْلِ ميمونَةَ ﵂" (٣). ولأصحاب السنن: اغتسل بعض أزواجِ النبي ﷺ في جَفْنَةٍ، فجاء يغتسلُ منها، فقالت: إني كنتُ جُنبًا، فقال: "إن الماءَ لا يجْنبُ"، وهو حديث صحيح (٤). وأما حديث الحَكَم بن عمرو الغفاري، أن رسول الله ﷺ : "نهى أن يتوضَأَ الرجلُ بفضل طهورِ المرأة"، فهو حديث صحيح (٥). لكنه محمولٌ على نهي التنزيه؛ بقرينة أحاديثِ الجوازِ الكثيرة؛ والتي منها حديثُ ابن عباس الآنفُ الذكرِ، انظر: "فتح الباري" (١/ ٣٠٠) و"المجموع" (٢/ ١٩١). فرع (٨): الطهارةُ من الحَدَث لا تصحُّ إلا بالماء، أو بالتراب عند فَقْدِ الماءِ، ولا تغني المائعاتُ كالنبيذُ وغيرهِ في الطهارة: لقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٦) "فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعيدًا طَيّبًا"، فهذا نصٌّ في الانتقال إلى الترابِ عند عدمِ الماء. • ولحديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الصعيدَ الطيِّبَ

стр. 27

طهورُ المسلم، وإن لم يجدِ الماءَ عَشْرَ سنينَ، فإذا وجَدَ الماءَ فَليُمِسَّهُ بشْرَتَهُ، فإنَّ ذلكَ خيرٌ". وهو حديث حسن (١). ولأن الصحابة ﵃ كانوا يُعْدَمُونَ الماء في أسفارهم، ومعهم الدهنُ وغيره من المائعات، وما نُقِلَ عن أحد منهم الوضوء بغير ماءٍ، ولا يصح القياسُ على الماء؛ فإن الماء جمعَ اللطافةَ وعدمَ التركيب من أجزاء، وليس كذلك غيره (٢). • وأما الذين قالوا بجواز الطهارةِ بالنبيذ وغيره، فإنَّ أدلَّتَهم ضعيفةٌ لا تقومُ بها حجةٌ (٣).

стр. 28

الباب الثاني بابُ النجاساتِ الفصل الأول: فصلُ أحكامِ النجاسات النجاساتُ: جمع نجاسةٍ، وهي كل شيء يستقذرُهُ أهلُ الطبائع السَليمة، ويتحفظون عنه، ويغسلُون الثيابَ إذا أصابَها كالعُذْرَةِ والبول (١). • والأصلُ الطهارةُ معلوم من كليات الشريعةِ المطهرةِ وجزئياتِها، ولا ريبَ أن الحكمَ بنجاسة شيء يستلزمُ تكليفَ العبادِ بحكم، والأصلُ البراءةُ من ذلك، ولا سيما من الأمور التي تعمُّ بها البلوى … فما لم يردْ فيه شيء من الأدلة الدالة على نجاسته، فليس لأحد من عباد الله أن يحكمَ بنجاسته بمجرَّدِ رأي فاسدٍ أو غلطٍ في الاستدلالِ (٢). والنجاسات هي: ١ - بولُ الآدمي: لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء أعرابيٌّ فبالَ في طائفةِ المسجدِة فزجَرَهُ الناسُ فنهاهُمُ النبي ﷺ ، فلما قضى بَوْلَهُ أمرَ النبي ﷺ بذَنُوب من ماء فأُهْرِيقَ عليه"، وهو حديث صحيح (٣). ٢ - غائطُ الآدمي: لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا وطيءَ أحدُكُم بنعلهِ في الأذى، فإن الترابَ لها طهورٌ"، وهو حديث صحيح لغيره (٤). ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا وطئَ أحدُكم الأذى بخُفَّيهِ فطهورُهُما الترابُ"، وهو حديث صحيح لغيره (٥).

стр. 29

٣ - المذي: المذى: بالتسكين، الماء الذي يخرجُ عند الملاعبةِ والتقبيلِ، ويكون ذلك للرجلِ والمرأةِ، يقال: مَذَى وأَمْذَى وَمَذَّى (١). عن علي ﵁ قال: كنتُ رجلًا مَذَّاءً، وكنتُ أستحيي أن أسألَ النبي ﷺ ؛ لمكان ابنتهِ، فأمرتُ المقدادَ بن الأسود، فسألَهُ فقال: "يغْسلُ ذَكَرَهُ ويتوضأُ"، وهو حديث صحيح (٢). ٤ - الوَدْيُ: الوَدْيُ: بالتسكين ماءٌ يخرجُ بعد البول، وكذلك الوَدِيُّ بالتشديد (٣). وهو نجسٌ، ودليله الإجماعُ، قال الإمام النوويُّ (٤): "أجمعتِ الأُمَّةُ على نجاسةِ المذي والودْي" اهـ. وأخرج البيهقيُّ (٥) عن ابن عباس ﵄ قال: "المنيُّ والمذيُ والودي، فالمنيُّ منه الغُسلُ، ومن هذينِ الوضوءُ، يغسل ذَكَرَهُ ويتوضأ" وهو أثرٌ حسنُ الإسناد. ٥ - لعابُ الكلب: لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وَلَغَ الكلبُ في إناء أحدِكم فَلْيُرِقهِ، ثم لِيَغسلُهُ سبعَ مَرَّاتٍ"، وهو حديث صحيح (٦). ٦ - دم الحيض: لحديث أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: سألتِ امرأةٌ رسولَ الله ﷺ فقالت: أرأيتَ إحدانا إذا أصاب ثوبَها الدمُ من الحيضةِ، كيف تصنعُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "إذا

стр. 30

أصابَ ثوبَ إحداكُنَّ الدمُ من الحيضةِ فلتقرصْهُ، ثم لتنضحْهُ بماء، ثم لتصلِّ فيه"، وهو حديث صحيح (١). ٧ - رَوْث ما لا يُؤكَلُ لحمُهُ: لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتِيهُ بثلاثةِ أحجار، فوجدتُ حجرينِ والتمستُ الثالثَ فلم أجدْهُ، فأخذت روثةً فأتيتُهُ بها، فأخذَ الحجرين وألقى الروثةَ وقال: "هذا رِكْسٌ"، وهو حديث صحيح (٢). "رِكْسٌ": بكسر الراء، وإسكان الكاف، فقيل: هي لغةٌ في رجْسٍ بالجيم، ويدلُّ عليه رواية ابن ماجه، وابن خزيمة في هذا الحديث؛ فإنها عندهما بالجيم. وقيل: الرِّكْسُ: الرجيعُ رُدَّ من حالة الطهارةِ إلى حالة النجاسةِ، قاله الخطابي وغيره، والأوْلَى أن يقال: رُدَّ من حالةِ الطعامِ إلى حالة الرَّوْثِ .. " اهـ (٣). ٨ - الميتةُ: الميتةُ: وهي ما مات حَتْفَ أنفهِ من غير ذكاةٍ شرعيةٍ. لحديث ابن عباس ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا دُبَغَ الإهابُ فقد طَهُرَ" وهو حديث صحيح (٤). ففي هذا الحديث دلالة على أن جِلْدَ الميتةِ نجسٌ يطهِّره الدِّباغُ، ويلزمُ من ذلك أن الميتةَ نجسةٌ. الإهاب: ككتاب: الجِلْدُ، أو ما لم يُدبَغْ، قاله في القاموس ص (٧٧). قال أبو داود (٥): "قال النضر بن شميل: إنما يُسمى إهابًا ما لم يدبغْ، فإذا دُبِغَ لا يقال: له إهابٌ، إنما يُسمى: شَنًّا وقِرْبةً". وفي "الصحاح" (٦): "والإهابُ: الجلد ما لم يُدْبَغْ".

стр. 31

• ما أُبِين من حيٍّ فهو ميتةٌ: لحديث أبي واقد الليثي قال: قدمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ، وبها ناسٌ يعمَدُونَ إلى ألياتِ الغنمِ، وأسنمة الإبلِ يجُبُّونَها، فقال: "ما قُطِعَ من البهيمة وهي حيةٌ؛ فهو ميتةٌ"، وهو حديث حسن (١). • ويستثنى من الميتة ما يلي: ١ - الآدميُّ المسلم لا ينجسُ بالموت: لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ لقيهُ في بعض طريق المدينة وهو جُنبٌ، فانخنستُ منه، فذهبَ فاغتسلَ ثم جاءَ، فقال: أينَ كنتَ يا أبا هريرة؟ قال: كنتُ جنبًا، فكرهتُ أن أجالسكَ، وأنا على غير طهارة، فقال: "سبحانَ الله! إنَّ المسلمَ لا ينجُسُ"، وهو حديث صحيح (٢). ووجه الاستدلالِ به أن صفةَ الإيمانِ لا تُسْلَبُ بالموت، وإن كانت باقيةً فهو غير نجسٍ - قاله الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٣/ ١٢٧). • ولحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُنَجِّسوا موتَاكم، فإنَّ المسلمَ لا ينجسُ حيًّا ولا ميتًا"، وهو أثر صحيح (٣). وقال الضياء في "الأحكام" بعد إيراده عن الدارقطني - كما في "التغليق" (٤) - "إسناده عندي على شرط الصحيح"، والصوابُ وقْفُهُ على ابن عباس، ولا يصحُّ مرفوعًا. ولذلك قال ابن حجر معقبًا على ما سبق ذِكْرُهُ - كما في "التغليق" (٥) -: "والذي يتبادرُ إلى ذهني أن الموقوفَ أصحُّ"، فقد رواه كذلك عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس، موقوفًا (٦). • ولحديث ابن عباس قال: قالَ رسول الله ﷺ : "ليس عليكم في غُسْل مَيتكِم

стр. 32

غُسلٌ إذا غسَّلتُموه، فإن ميِّتَكُم ليس بنجسٍ، فَحَسبُكم أن تَغسِلُوا أيديَكُم"، وهو أثر صحيح (١). ٢ - أجزاءُ وشَعْرُ المسلم لا تنجسُ بالانفصال: • لحديث أنس بن مالك: أن النبي ﷺ لما رمى الجَمرة، ونحرَ نُسُكَهُ، وحَلَقَ نَاوَلَ الحلاقَ شِقَّهُ الأيمنَ فحلقَهُ، ثم دعا أبا طلحةَ الأنصاريَّ فأعطاهُ إياهُ، ثم ناولَهُ الشِّقَّ الأيْسَرَ، فقال: "احلقْهُ" فحلَقَهُ فأعطاهُ أبا طلحةَ وقال: "اقسمهُ بينَ الناسِ"، وهو حديث صحيح (٢). ٣ - ميتةُ السَّمكِ والجَرادِ: • لحديث ابن عمرَ قال: قال رسول الله ﷺ : "أحِلَّ لنا ميتتان وَدَمَان، فأما الميتتانِ فالحوتُ والجرادُ، وأما الدَّمانِ فالكبدُ والطحالُ"، وهو حديث صحيح (٣). ٤ - ميتة ما لا دمَ له سائلٌ، طاهرةٌ؛ كالنحلة، والنملة، والخنفساء، والذباب، والعقرب: • لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقعَ الذبابُ في شرابِ أحدكم، فليغمسْهُ كلَّهُ ثم ليطرحْهُ، فإن في أحد جناحيه شفاءً، وفي الآخر داءً"، وهو حديث صحيح (٤). • وقال النووي (٥): "أما الدودُ المتولِّد في الأطعمة والماء؛ كدود التين، والتفاح، والباقلاء، والجبن، والخل، وغيرها فلا ينجسُ ما ماتَ فيهِ بلا خلاف (٦) اهـ

стр. 33

٥ - عَظْم الميتة وقَرْنُها وظُفْرُهَا وحَافِرُهَا، وشعرُها، وريشُها، ووبَرُهَا، ولبنُها، وأنفحَتُهَا طاهرٌ: لأن الأصل في هذه كلِّها الطهارةُ، ولا دليلَ على النجاسة. وقال الزهري في عظامِ الموتى - نحوَ الفيلِ وغيره -: أدركتُ ناسًا من سلَفِ العلماء يمتشطونَ بها، ويدَّهِنُون فيها، لا يرون به بأسًا (١). وقال حماد: لَا بأس بريشِ الميتة (٢). وقال ابن سيرين وإبراهيمُ: ولا بأسَ بتجارة العاجِ (٣). قال ابن حجر (٤) عقب أثر ابن سيرين: "وهذا يدل على أنه كان يراه طاهرًا؛ لأنه لا يجيز بيعَ النجس ولا المتنجِّس، الذي لا يمكن تطهيرهُ، بدليل قصته المشهورة في الزيت" (٥) اهـ. ٦ - نجاسةُ لحم الحيوان الذي لا يُؤْكَلُ إذا ذُبِحَ: لحديث سلمةَ بنِ الأكوع قَال: لما أمسى اليومُ الذي فُتحَتْ عليهم فيه خَيْبَرُ أوقدوا نيرانًا كثيرةً، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما هذه النَّارُ على أيِّ شيء توقدون؟ " قالوا: على لحمٍ، قالَ: "على أيِّ لحم؟ " قالوا: على لحَمِ الحُمُرِ الإنْسِيّة، فَقالَ: "أهْرِيقُوها واكسروها" وقال رَجلٌ: يا رسول الله، أوَنُهْرِيقُهَا ونغسِلُهَا؟ فقال: "أوَ ذاك" وفي لفظ: "فقال: اغْسِلُوا"، وهو حديث صحيح (٦). ولحديث أنسٍ قال: أَصَبْنَا مِنْ لَحْم الحُمُر: يعني يومَ خيبرَ فنادَى منادي رسول الله ﷺ : "إن الله ورسولهُ ينهيانكم عن لحومِ الحمرِ؛ فإنها رِجْسٌ أو نَجَسٌ"، وهو حديث صحيح (٧). هذان الحديثان يدُلَّانِ على نجاسة لحم الحيوانِ الذي لا يؤكلُ وإن ذُبِح لأنَّ الأمرَ بكسرِ الآنية أولًا، ثم الغسل ثانيًا، ثم قوله: فإنها رجسٌ أو نجسٌ ثالثًا، يدل على النجاسة، ولكنَ الحديثين نصٌّ في الحمر الإنسيةِ، وقياسٌ في غيرها مما لا يؤكل بجامع عدمِ الأكلِ.

стр. 34

الفصل الثاني فصلُ تطهيرِ النَّجاسات تُزالُ النجاساتُ بالماء، دون غيرهِ من المائعات المزيلةِ لعينِ وأثرِ النجاسة، كالخلِّ وماءِ الوردِ ونحوِهما؛ لأن الأصل في التطهير الماءُ، فلا يقوم مقامَه غيرُه إلا بإذن الشارع، كالدباغِ في تطهير الجلود، والدَّلكِ في تطهير أسفلِ النعلِ وغيره. ١ - تطهير الثوب من بول الرضيع: لحديث أبي السَّمح قال: كنتُ أخدمُ النبيَّ ﷺ فكان إذا أرادَ أن يغتسلَ، قال: "ولِّني قفاكَ" فأولِّيه قفايَ، فأسْتُرهُ به، فأتي بحسن أو حسينٍ ﵄، فبال على صدره، فجئتُ أغسِلُهُ، فقال: "يُغْسلُ من بولِ الجاريةِ، ويُرشُّ من بول الغلام"، وهو حديث صحيح (١). ٢ - تطهير الأرض: إن الأرض التي أصابتْها نجاسةٌ ففي طهارتها وجهان: الأول: صبُّ الماء عليها؛ لحديث أنس الصحيحَ (٢)، عن أنس بن مالك ﵁ أن أعرابيًّا قام إلى ناحية المسجد، فبال فيها فزجره الناسُ، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله، أمر النبي ﷺ بذَنُوبٍ من ماءٍ فأُهْرِيقَ عليه". والوجه الثاني: جفافُها ويُبْسُها بالشمسِ أو الهواءِ، وذهابُ أثرِ النجاسة؛ لحديث ابن عمر ﵁ قال: كنت أبيتُ في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنتُ فتىً عَزَبًا، وكانت الكلاب تبول وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشُّون شيئًا من ذلك"، وهو حديث صحيح (٣). قال ابن حجر (٤): "واستدل أبو داود في السنن على أن الأرض تطهُرُ إذا لاقتْها النجاسة بالجفاف، يعني أن قولَه: "لم يكونوا يرشون" يدل على نفي صب الماء من باب أولى، فلولا أن الجفاف يفيدُ تطهير الأرض، ما تركوا ذلك، ولا يخفى ما فيه" اهـ.

стр. 35

وقال محمد شمس الدين الحق العظيم آبادي (١): تعقيبًا على كلام ابن حجر هذا: "ليس عندي في هذا الاستدلال خفاءٌ بل هو واضح … " اهـ. وقال المباركفوري (٢) أيضًا: "واستدلال أبي داود بهذا الحديث على أن الأرض تطهرُ بالجفاف صحيح، ليس فيه عندي خدشة … " اهـ. ٣ - تطهير الثوب إذا أصابه دمُ الحيض: لحديث أسماءَ بنت أبي بكر ﵂ الصحيح (٣) -: عن أسماءَ بنت أبي بكر قالتْ: سألت امرأةٌ رسولَ الله ﷺ فقالت: أرأيتَ إحدانا إذا أصابَ ثوبَها الدمُ من الحيضةِ، كيف تصنعُ؟ فقال رسول الله ﷺ :"إذا أصابَ ثوبَ إحداكُنَّ الدمُ من الحيضَةِ فلتقرِصْهُ، ثم لتَنْضَحْهُ بماء، ثم لتصلِّ فيه". ويعفى عن أثر الحيض في الثوب بعد غسْله وحَتِّه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قالت خولةُ: يا رسول الله، فإن لم يذهب الدَّمُ؟ قال: "يكفيك الماءُ، ولا يضرُّكِ أَثَرُهُ"، وهو حديث صحيح (٤). ٤ - تطهيرُ ذيل ثوب المرأةِ: لحديث حُميدةَ أنها سالتَ أمَّ سلمةَ زوجَ النبي ﷺ فقالت: إني امرأةٌ أُطِيلُ ذيلي، وأمشي في المكان القَذِر؟ فقالت أم سلمة: قال رسولُ الله ﷺ : "يُطَهِّرُهُ ما بعدَهُ"، وهو حديث حسنٌ بشواهده (٥). ٥ - تطهير الثوب من المذي بالنضح: لحديث سهل بن حنيف، قال: كنتُ ألقى من المذي شِدَّةً، وكنتُ أُكْثِرُ من الاغتسالِ،

стр. 36

فسألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقالَ: "إنما يجزيكَ من ذلكَ الوضوءُ"، قلت: يا رسول الله! فكيف بما يصيبُ ثوبي منه؟ قال: "يكفيكَ بأن تأخذ كَفًّا منْ مَاءٍ، فتنضحَ بها من ثوبكَ، حيثُ ترى أنه أصابَهُ"، وهو حديث حسن (١). ٦ - تطهيرُ أسفلِ النعل بالدَّلْكِ: لحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذَا جاءَ أحدُكم المسجدَ، فليقلبْ نعليهِ وَليَنْظُرْ فيهما، فإن رأى خَبثًا فليمْسَحْهُ بالأرضِ، ثُمَّ ليُصَلِّ فيهما"، وهَو حديث حسن (٢). ٧ - تطهيرُ الإناءِ إذا ولغَ فيه الكلبُ: لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"طَهُورُ إناء أحدِكُم، إذا وَلَغَ فيه الكلبُ، أن يغسلَهُ سبعَ مراتٍ، أولاهُنَّ بالترابِ"، وهو حديث صحيحَ (٣). ٨ - تطهيرَ جلْدِ الميتةِ بالدباغ: لحديث ابن عباس ﵄ الصحيح (٤). عن ابن عباسٍ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذَا دُبِغَ الإهَابُ فقد طَهُرَ". فروع تتعلق بالنجاسات فرع (١): قيءُ الآدميِّ طاهرٌ: لأن الأصلَ في جميع الأشياء هو الطهارةُ، وأنه لا يَنْقُلُ عن ذلك إلَّا ناقلٌ صحيح صالح للاحتجاج به، غيرَ معارَضٍ بما يرجُح عليه أو يساويه، فإن وجدنا ذلك فبها ونعمتْ، وإن لم نجدْ ذلك كذلك وجب علينا الوقوفُ في موقف المنع، ونقول لمدَّعي النجاسة: هذه

стр. 37

الدَّعوى تتضمَّن أن الله - سبحانه - أوجب على عباده واجبًا هو غَسْلُ هذه العين التي تزعم أنها نجسة، وأنه يمنعُ وجودُها صحة الصلاة بها، فهاتِ الدليلَ على ذلك: فإن قال: حديث عمَّار بن ياسر قال: أتى عليَّ رسول الله ﷺ وأنا على بئرٍ أدلو ماءً في ركوةٍ لي، فقال: "يا عمار، ما تصنعُ؟ ". قلت: يا رسول الله - بأبي أنت وأمي - أغسل ثوبي من نخامةٍ أصابتْه، فقال: "يا عمَّار، إنما يُغْسلُ الثوبُ من خمسٍ: من الغائط، والبولِ، والقيء، والدمِ، والمنيِّ، يا عمَّار ما نخامتُك، ودموعُ عينيك، والماءَ الذي في ركوَتك إلَّا سواءٌ" (١). قلنا: هذا حديث باطل لا أصل له، لم يثبت من وجه صحيح ولا حسن، ولا بلغَ إلى أدنى درجةٍ من الدرجات الموجبة للاحتجاج به، والعمل عليه، فكيف يثبتُ به هذا الحكم الذي تعمُّ به البلوى؟، وهو لا يصَلح لإثبات أخفِّ حكم على فرد من أفراد العباد!. فإن قال: قد ورد أنه ينقضُ الوضوءَ. قلنا فهل ورد أنه لا ينقضُ الوضوءَ إلا ما هو نجسٌ؟ فإن قلت: نعم، فأنت لا تجدُ إليه سبيلًا، وإن قلتَ: قد قال بعضُ أهل الفروع: إن النقض فرع التنجيس. قلنا فهل هذا القول من هذا البعض حجَّةٌ على أحد من عباد الله؟ فإن قلت: نعم؛ فقد جئتَ بما لم يقل به أحدٌ من أهل الإسلام، وإن قلتَ: لا، قلنا: فما لك والاحتجاج بما لم يحتجَّ به أحدٌ على أحدٍ. فإن قال: إن القيء متفق على نجاسته. قلنا: هذه دعوى منقوضة، فقد خالف في ذلك ابنُ حزم (٢)، حيث صرَّح بطهارة قيء المسلم، كما لم يذكر الشوكاني في "الدرر البهية في المسائل الفقهية"، وشرحها "الدراري المضية" له، وصديق حسن خان في "الروضة الندية": أن القيء من النجاسات؛ بل رجَّحا طهارة قيء الآدميِّ مطلقًا (٣).

стр. 38

فرع (٢): منيُّ الآدمي طاهرٌ: • عن عائشة ﵂: " .... ولقد رأيتني أفرُكُه - أي المنيَّ - من ثوب رسول الله ﷺ فرْكًا، فيصلي فيه"، وهو حديث صحيح (١). ولأبي داود (٢)، عنها ﵂ قالت: "كنتُ أفركُ المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ فيصلِّي فيه"، وهو حديث صحيح. وللترمذي (٣): عنها ﵂ قالت: " … وربما فركتُهُ من ثوبِ رسول الله ﷺ بأصابعي"، وهو حديث صحيح. وفي رواية لمسلم (٤): عن عائشة ﵂ قالت: " … لقد رأيتُني وإنِّي لأحُكُّه من ثوب رسول الله ﷺ ، يابسًا بظُفُري"، وهو حديث صحيح. عن عائشة ﵂ قالت: "ربما حَتَتُّهُ من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلِّي" لفظ الدارقطني، ولفظ ابن خزيمة: "أنها كانت تحتُّ المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلِّي" (٥). ولابن حبَّان (٦) من حديث الأسود بن يزيدَ، عن عائشةَ قالت: "لقد رأيتُني أفرُك المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ ، وهو يصلي فيه"، وهو حديث صحيح (٧). فرع (٣): دمُ المسلم طاهرٌ ولا دليلَ على النجاسة: لحديث جابر، قال: "خَرَجنْا مع رسول الله ﷺ يعني: في غزوةِ ذاتِ الرِّقاع - فأصابَ رجلٌ امرأةَ رجلٍ من المشركينَ، فحلفَ أنْ لا أنتهيَ حتى أُهريقَ دمًا في أصحابِ محمدٍ، فخرجَ يتبعُ أثرَ النبي ﷺ ، فنزل النَّبِيُّ منزلًا، فقال: "من رجُلٌ يكلؤُنَا" فانتدب رجلٌ من المهاجرينَ، وَرَجُلٌ من الأنصارِ، فقال: "كُونَا بفمِ الشِّعبِ"، قال: فلما خرجَ الرجُلانِ إلى فم الشِّعْبِ اضطجعَ المهاجرِيِ، وقامَ الأنصاريُّ يُصَلِّي، وَأتى الرجلُ،

стр. 39

فلمَّا رأى شخصَهُ عرفَ أنَّهُ ربيئةٌ للقوم فَرَمَاهُ بسهمٍ فوضعَهُ فيه، فنزعه، حتى رماهُ بثلاثةِ أسهمٍ، ثم ركعَ وسجدَ، ثم انتبه صاحبهُ، فلما عرفَ أنَّهُمْ قد نَذَرُوا به هربَ، ولما رأى المهاجريُّ ما بالأنصاري من الدَّم، قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أؤَّلَ ما رَمَى؟ قالَ: كنتُ في سورةٍ أقرأها، فلم أحِب أن أقطعها" وهو حديث حسن (١). • ومعلوم أن النبي ﷺ قد اطلع على ذلك، ولم ينكرْ عليه الاستمرارَ في الصلاة بعد خروج الدم، ولم يُنْقَلْ عنه ﷺ أنه أخبره بأن صلاته بطلتْ، ولو كان الدم ناقضًا للوضوء لبيَّن له، ولمن معه، وكذلك لو كان الدمُ نجسًا لأوضحَ له ولمن معه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزُ. • وقد كان الصحابة ﵃ يخوضون المعاركَ حتى تتلوَّثَ أبدانُهم وثيابُهم بالدم، ولم ينقل أنهم كانوا يتوضؤون لذلك، وكذلك يصلُّون بجراحاتِهم. ولأثر هشام بن عروة، عن أبيه، أن المسورَ بن مخرمةَ أخبر أنه دخل على عمرَ بنِ الخطابِ بعد أن صلى الصبحَ من الليلةِ التي طُعِنَ فيها عمرُ، فأوقِظَ عمرُ، فقيل له: الصلاةَ لصلاةِ الصبح، فقال عمرُ: نعم ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاةَ، فصلَّى عمرُ وجُرْحُه يثغُبُ دمًا" (٢). • وللأثر الذي ذكره البخاري (٣): "عَصَرَ ابنُ عمر بُثْرَةً، فخرج منها الدمُ، ولم يتوضأ"، بإسناد صحيح. وقال ابن حجر (٤): وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وزاد قبل قوله: ولم يتوضأ "ثم صلى" اهـ. • وللأثر الذي ذكره البخاري (٥): "وبزقَ ابنُ أبي أوفى دمًا فمضى في صلاته"، بإسناد صحيح.

стр. 40

وقال ابن حجر (١): " .. وصله سفيان الثوري في جامعه عن عطاء بن السائب أنه رآه فعلَ ذلك، وسفيان سمعَ من عطاء قبل اختلاطِهِ، فالإسناد صحيح" اهـ. فرع (٤): الدم المسفوح طاهرٌ ولا دليل على نجاستِه: • لم يصح في كون كلِّ الدم نجسًا شيء من السنة - إلا نجاسة دم الحيض - وأما الاستدلال في الكتاب العزيز في قوله - سبحانه - في سورة الأنعام الآية (١٤٥): ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. قلنا: الآية لم تُسَقْ لبيان الطهارةِ والنجاسةِ، بل لبيان ما يحلُّ ويحرُمُ. ولأثر محمد بن سيرين، عن يحيى الجزار قال: "صلَّى ابن مسعود وعلى بطنهِ فرث ودمٌ من جَزُورٍ نَحَرَهَا ولم يتوضأ"، بإسناد صحيح (٢). ولأثر عائشةَ ﵂ قالت "كنا نأكلُ اللحم والدمُ خطوطٌ على القِدْرِ" (٣)، وهو أثر صحيح غريب، قاله ابن كثير في "تفسيره" (٤). والخلاصةُ: أن القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حجةٌ إلَّا أنه محرَّمٌ بنص القرآن، فاستلزموا من التحريم التنجيسَ، كما فعلُوا تمامًا في الخمر (٥). ولا يخفى أنه لا يلزمُ من التحريم التنجيسُ؛ بخلاف العكسِ؛ كما بيَّنَهُ الصنعانيُّ والشوكانيُّ وغيرهما. فرع (٥): الدليلُ على طهارة رطوبة فرجِ المرأة: حديث عائشةَ زوجِ النبي ﷺ ، قالت: "تتخذُ المرأةُ الخِرقةَ، فإذا فرغَ زوجُها ناولته فيمسحُ عنه الأذى، ومسحتْ عنها، ثم صلَّيا في ثوبَيْهما"، بإسناد صحيح (٦).
следующие страницы →