← Фикх общий

Фикх общий · id 782

اللباب في فقه السنة والكتاب

محمد صبحي حلاق

Полный текст (548 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فسألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقالَ: "إنما يجزيكَ من ذلكَ الوضوءُ"، قلت: يا رسول الله! فكيف بما يصيبُ ثوبي منه؟ قال: "يكفيكَ بأن تأخذ كَفًّا منْ مَاءٍ، فتنضحَ بها من ثوبكَ، حيثُ ترى أنه أصابَهُ"، وهو حديث حسن (١). ٦ - تطهيرُ أسفلِ النعل بالدَّلْكِ: لحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذَا جاءَ أحدُكم المسجدَ، فليقلبْ نعليهِ وَليَنْظُرْ فيهما، فإن رأى خَبثًا فليمْسَحْهُ بالأرضِ، ثُمَّ ليُصَلِّ فيهما"، وهَو حديث حسن (٢). ٧ - تطهيرُ الإناءِ إذا ولغَ فيه الكلبُ: لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"طَهُورُ إناء أحدِكُم، إذا وَلَغَ فيه الكلبُ، أن يغسلَهُ سبعَ مراتٍ، أولاهُنَّ بالترابِ"، وهو حديث صحيحَ (٣). ٨ - تطهيرَ جلْدِ الميتةِ بالدباغ: لحديث ابن عباس ﵄ الصحيح (٤). عن ابن عباسٍ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذَا دُبِغَ الإهَابُ فقد طَهُرَ". فروع تتعلق بالنجاسات فرع (١): قيءُ الآدميِّ طاهرٌ: لأن الأصلَ في جميع الأشياء هو الطهارةُ، وأنه لا يَنْقُلُ عن ذلك إلَّا ناقلٌ صحيح صالح للاحتجاج به، غيرَ معارَضٍ بما يرجُح عليه أو يساويه، فإن وجدنا ذلك فبها ونعمتْ، وإن لم نجدْ ذلك كذلك وجب علينا الوقوفُ في موقف المنع، ونقول لمدَّعي النجاسة: هذه

стр. 37

الدَّعوى تتضمَّن أن الله - سبحانه - أوجب على عباده واجبًا هو غَسْلُ هذه العين التي تزعم أنها نجسة، وأنه يمنعُ وجودُها صحة الصلاة بها، فهاتِ الدليلَ على ذلك: فإن قال: حديث عمَّار بن ياسر قال: أتى عليَّ رسول الله ﷺ وأنا على بئرٍ أدلو ماءً في ركوةٍ لي، فقال: "يا عمار، ما تصنعُ؟ ". قلت: يا رسول الله - بأبي أنت وأمي - أغسل ثوبي من نخامةٍ أصابتْه، فقال: "يا عمَّار، إنما يُغْسلُ الثوبُ من خمسٍ: من الغائط، والبولِ، والقيء، والدمِ، والمنيِّ، يا عمَّار ما نخامتُك، ودموعُ عينيك، والماءَ الذي في ركوَتك إلَّا سواءٌ" (١). قلنا: هذا حديث باطل لا أصل له، لم يثبت من وجه صحيح ولا حسن، ولا بلغَ إلى أدنى درجةٍ من الدرجات الموجبة للاحتجاج به، والعمل عليه، فكيف يثبتُ به هذا الحكم الذي تعمُّ به البلوى؟، وهو لا يصَلح لإثبات أخفِّ حكم على فرد من أفراد العباد!. فإن قال: قد ورد أنه ينقضُ الوضوءَ. قلنا فهل ورد أنه لا ينقضُ الوضوءَ إلا ما هو نجسٌ؟ فإن قلت: نعم، فأنت لا تجدُ إليه سبيلًا، وإن قلتَ: قد قال بعضُ أهل الفروع: إن النقض فرع التنجيس. قلنا فهل هذا القول من هذا البعض حجَّةٌ على أحد من عباد الله؟ فإن قلت: نعم؛ فقد جئتَ بما لم يقل به أحدٌ من أهل الإسلام، وإن قلتَ: لا، قلنا: فما لك والاحتجاج بما لم يحتجَّ به أحدٌ على أحدٍ. فإن قال: إن القيء متفق على نجاسته. قلنا: هذه دعوى منقوضة، فقد خالف في ذلك ابنُ حزم (٢)، حيث صرَّح بطهارة قيء المسلم، كما لم يذكر الشوكاني في "الدرر البهية في المسائل الفقهية"، وشرحها "الدراري المضية" له، وصديق حسن خان في "الروضة الندية": أن القيء من النجاسات؛ بل رجَّحا طهارة قيء الآدميِّ مطلقًا (٣).

стр. 38

فرع (٢): منيُّ الآدمي طاهرٌ: • عن عائشة ﵂: " .... ولقد رأيتني أفرُكُه - أي المنيَّ - من ثوب رسول الله ﷺ فرْكًا، فيصلي فيه"، وهو حديث صحيح (١). ولأبي داود (٢)، عنها ﵂ قالت: "كنتُ أفركُ المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ فيصلِّي فيه"، وهو حديث صحيح. وللترمذي (٣): عنها ﵂ قالت: " … وربما فركتُهُ من ثوبِ رسول الله ﷺ بأصابعي"، وهو حديث صحيح. وفي رواية لمسلم (٤): عن عائشة ﵂ قالت: " … لقد رأيتُني وإنِّي لأحُكُّه من ثوب رسول الله ﷺ ، يابسًا بظُفُري"، وهو حديث صحيح. عن عائشة ﵂ قالت: "ربما حَتَتُّهُ من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلِّي" لفظ الدارقطني، ولفظ ابن خزيمة: "أنها كانت تحتُّ المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلِّي" (٥). ولابن حبَّان (٦) من حديث الأسود بن يزيدَ، عن عائشةَ قالت: "لقد رأيتُني أفرُك المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ ، وهو يصلي فيه"، وهو حديث صحيح (٧). فرع (٣): دمُ المسلم طاهرٌ ولا دليلَ على النجاسة: لحديث جابر، قال: "خَرَجنْا مع رسول الله ﷺ يعني: في غزوةِ ذاتِ الرِّقاع - فأصابَ رجلٌ امرأةَ رجلٍ من المشركينَ، فحلفَ أنْ لا أنتهيَ حتى أُهريقَ دمًا في أصحابِ محمدٍ، فخرجَ يتبعُ أثرَ النبي ﷺ ، فنزل النَّبِيُّ منزلًا، فقال: "من رجُلٌ يكلؤُنَا" فانتدب رجلٌ من المهاجرينَ، وَرَجُلٌ من الأنصارِ، فقال: "كُونَا بفمِ الشِّعبِ"، قال: فلما خرجَ الرجُلانِ إلى فم الشِّعْبِ اضطجعَ المهاجرِيِ، وقامَ الأنصاريُّ يُصَلِّي، وَأتى الرجلُ،

стр. 39

فلمَّا رأى شخصَهُ عرفَ أنَّهُ ربيئةٌ للقوم فَرَمَاهُ بسهمٍ فوضعَهُ فيه، فنزعه، حتى رماهُ بثلاثةِ أسهمٍ، ثم ركعَ وسجدَ، ثم انتبه صاحبهُ، فلما عرفَ أنَّهُمْ قد نَذَرُوا به هربَ، ولما رأى المهاجريُّ ما بالأنصاري من الدَّم، قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أؤَّلَ ما رَمَى؟ قالَ: كنتُ في سورةٍ أقرأها، فلم أحِب أن أقطعها" وهو حديث حسن (١). • ومعلوم أن النبي ﷺ قد اطلع على ذلك، ولم ينكرْ عليه الاستمرارَ في الصلاة بعد خروج الدم، ولم يُنْقَلْ عنه ﷺ أنه أخبره بأن صلاته بطلتْ، ولو كان الدم ناقضًا للوضوء لبيَّن له، ولمن معه، وكذلك لو كان الدمُ نجسًا لأوضحَ له ولمن معه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزُ. • وقد كان الصحابة ﵃ يخوضون المعاركَ حتى تتلوَّثَ أبدانُهم وثيابُهم بالدم، ولم ينقل أنهم كانوا يتوضؤون لذلك، وكذلك يصلُّون بجراحاتِهم. ولأثر هشام بن عروة، عن أبيه، أن المسورَ بن مخرمةَ أخبر أنه دخل على عمرَ بنِ الخطابِ بعد أن صلى الصبحَ من الليلةِ التي طُعِنَ فيها عمرُ، فأوقِظَ عمرُ، فقيل له: الصلاةَ لصلاةِ الصبح، فقال عمرُ: نعم ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاةَ، فصلَّى عمرُ وجُرْحُه يثغُبُ دمًا" (٢). • وللأثر الذي ذكره البخاري (٣): "عَصَرَ ابنُ عمر بُثْرَةً، فخرج منها الدمُ، ولم يتوضأ"، بإسناد صحيح. وقال ابن حجر (٤): وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وزاد قبل قوله: ولم يتوضأ "ثم صلى" اهـ. • وللأثر الذي ذكره البخاري (٥): "وبزقَ ابنُ أبي أوفى دمًا فمضى في صلاته"، بإسناد صحيح.

стр. 40

وقال ابن حجر (١): " .. وصله سفيان الثوري في جامعه عن عطاء بن السائب أنه رآه فعلَ ذلك، وسفيان سمعَ من عطاء قبل اختلاطِهِ، فالإسناد صحيح" اهـ. فرع (٤): الدم المسفوح طاهرٌ ولا دليل على نجاستِه: • لم يصح في كون كلِّ الدم نجسًا شيء من السنة - إلا نجاسة دم الحيض - وأما الاستدلال في الكتاب العزيز في قوله - سبحانه - في سورة الأنعام الآية (١٤٥): ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. قلنا: الآية لم تُسَقْ لبيان الطهارةِ والنجاسةِ، بل لبيان ما يحلُّ ويحرُمُ. ولأثر محمد بن سيرين، عن يحيى الجزار قال: "صلَّى ابن مسعود وعلى بطنهِ فرث ودمٌ من جَزُورٍ نَحَرَهَا ولم يتوضأ"، بإسناد صحيح (٢). ولأثر عائشةَ ﵂ قالت "كنا نأكلُ اللحم والدمُ خطوطٌ على القِدْرِ" (٣)، وهو أثر صحيح غريب، قاله ابن كثير في "تفسيره" (٤). والخلاصةُ: أن القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حجةٌ إلَّا أنه محرَّمٌ بنص القرآن، فاستلزموا من التحريم التنجيسَ، كما فعلُوا تمامًا في الخمر (٥). ولا يخفى أنه لا يلزمُ من التحريم التنجيسُ؛ بخلاف العكسِ؛ كما بيَّنَهُ الصنعانيُّ والشوكانيُّ وغيرهما. فرع (٥): الدليلُ على طهارة رطوبة فرجِ المرأة: حديث عائشةَ زوجِ النبي ﷺ ، قالت: "تتخذُ المرأةُ الخِرقةَ، فإذا فرغَ زوجُها ناولته فيمسحُ عنه الأذى، ومسحتْ عنها، ثم صلَّيا في ثوبَيْهما"، بإسناد صحيح (٦).

стр. 41

وحديث القاسم بن محمد قال: سألت عائشة عن الرجل يأتي أهله، ثم يلبسُ الثوب فيعرقُ فيه، نجسًا ذلك؟ فقالت: قد كانت المرأةُ تعدُّ خِرْقَةً أو خرقًا، فإذا كان ذلك مسحَ بها الرجلُ الأذى عنه، ولم يرَ أن ذلك ينجِّسُهُ"، بإسناد صحيح (١). فرع (٦): الخمر حرامٌ؛ وليس في نجاسة المسكِر دليلٌ يصلحُ للتمسُّك به: أما الآية (٩٠) من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فليس المراد بالرِّجْسِ هنا النجسُ الحقيقيُّ، بل المراد الرجسُ المعنوي؛ لأن لفظ "رجس" خبر عن الخمر وما عُطِفَ عليها، وهو لا يوصَفُ بالنجاسة الحسِّية قطعًا، قال تعالى في سورة الحج الآية (٣٠): "فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَان". فالأوثان رجسٌ معنوي لا تُنَجِّس مَنْ مسَّها؛ ولتفسيره في الآية بأنه من عمل الشيطان، يوقِعُ العداوةَ والبغضاءَ، ويصدُّ عن ذِكْرِ الله، وعن الصلاة (٢). قال صاحب "سبل السلام" (٣): "والحقُّ أن الأصلَ في الأعيان الطهارةُ، وأن التحريم لا يلازمُ النجاسةَ، فإن الحشيشة محرمةٌ وهي طاهرة، وأما النجاسة فيلازمُها التحريمُ، فكل نجسٍ محرَّمٌ، ولا عكسَ؛ وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنعُ عن ملامَسَتِها على كل حالٍ، فالحكم بنجاسة العين حكمٌ بتحريمها، بخلاف الحكمِ بالتحريمِ؛ فإنه يحرمُ لُبْسُ الحرير والذهب وهما طاهران ضرورةً وإجماعًا" اهـ. ومن هذا فتحريم الخمر لا يلزم منه نجاستُها؛ بل لا بد من دليل آخر عليه ولا دليل (٤). فرع (٧): نجاسةُ المشركِ معنويةٌ: في الآية (٢٨) من سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ تصريحٌ بنجاسة المشركين، ولكنْ وردَ من الأدلة ما يدلُ على أن هذه النجاسةَ ليست حِسِّيةً، بل هي نجاسةٌ معنوية؛ لأن المشرك ليس بنجس الذاتِ، ولكنه نجِسٌ في الاعتقاد والاستقذارِ (٥).

стр. 42

فرع (٨): لا دليل على نجاسة الخنزير، بل الدليلُ على تحريم أَكْلِهِ: لم يصح في كون الخنزير نَجِسًا دليلٌ. وأما الاستدلال في الآية (١٤٥) من سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. قلنا: المراد بالرجس هنا الحرامُ كما يفيدهُ سياق الآية، والمقصودُ منها؛ فإنها وردت فيما يحرم أكلُه لا فيما هو نجسٌ. فرع (٩): طهارة بولِ ورَوثِ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ: لحديث أنس بن مالك: أن رَهْطًا من عُكْلٍ أو قال عُرَينةَ قدِمُوا فاجتَووا المدينة فأمر لهم رسول الله بلقاحٍ، وأمرهُمْ أن يخرجُوا فيشرَبُوا من أبوالِها وألبانِها، وهو حديث صحيح (١). • ففي الحديث دليل على طهارة بول ما يؤكل لحمهُ، أما في الإبل فبالنصِّ، وأما في غيرها مما يُوْكَلُ لحمُهُ فبالقياس. • وعن مالك بن الحارث السُّلمي عن أبيه، قال: "صلى بنا أبو موسى الأشعري في دار البريد - موضعٍ بالكوفة - كانتِ الرُّسلُ تنزَّلُ فيه إذا حضرتْ من الخلفاءِ إلى الأمراءِ، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة في زمن عمر، وفي زمن عثمان، وكانت الدارُ في طرف البلد، ولهذا كانت البريةُ إلى جَنْبِها - وهناك - سرقينُ الدوابِّ - أي زبلُ الدوابِّ - والبريَّةُ على الباب، فقالوا: لو صليت على الباب، فقال: ها هُنا وثمَّ سواءٌ"، وهو أثر صحيح. • وقد رواه سفيان الثوري في جامعهِ عن الأعمش بسنده ولفظهُ: "صلَّى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقينُ"، وهذا ظاهرٌ في أنه بغير حائل. • وعن عبد الله بن مغفل أنه كان يصلِّي وعلى رجليهِ أثرُ السرقينِ، وهو أثرٌ صحيحٌ. • وعن عبيد بن عمير، قال: إن لي عُنَيْفًا - تصغير عَنَاقٍ، وهي الأنثى من ولد المعزِ - تبعر في مسجدي، وهو أثر صحيح.

стр. 43

• وعن إبراهيمَ النخعي قال منصور: سألتُه عن السرقينِ يصيبُ خُفَّ الإنسانِ أو نعلَه أو قدَمَهُ؟ قال: لا بأسَ، وهو أثر صحيح. • وعن الحسن البصري: لا بأسَ بأبوال الغنمِ، وهو أثر صحيح. • وعن محمد بن علي بن الحسين، ونافع مولى ابن عمرَ، فيمن أصاب عمامته بولُ بعيرٍ، قالا جميعًا: لا يغسلهُ، وهو أثر صحيح (١). فرع (١٠): لم يردْ دليلٌ على نجاسة بولِ الجلَّالة ورجيعها - أي رَوْثُها - وإنما ورد كراهةُ أكلِ لحم الجلَّالةِ، وشربِ لبنِها، والركوَبِ عليها، تنزُّهًا وَتنظُّفًا: • الجلَّالة: هي التي تأكل العُذْرَةَ - أي النجاسةَ - من الإبل، والبقرِ، والغنمِ، والدجاجِ، والأوَزِّ، وغيرها، حتى يتغيَّرَ ريحها. فإن حُبِستْ بعيدةً عن العذرة زمنًا، وعُلِفَتْ طاهرًا فطابَ لحمها، وذهب اسم الجلَّالة عنها حلَّتْ، لأن علَّة النَّهي والتغيَير قد زالتْ. فأما إذا رعتْ هذه الحيواناتُ الكلأَ، واعتلفتِ الحبَّ، وكانت تنالُ مع ذلك شيئًا من العذرة فليست بجلَّالةَ، ولا يُكْرَهُ أكلُها (٢). • وما ورد في تحديد حبس الجلَّالة عن العذرة بأربعين ليلة فضعيفٌ. عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الإبل الجلالة ألَّا يؤكلَ لحمُها، ولا يُشْرَبَ لبنُها، ولا يحملُ عليها إلا الآدمُ، ولا يركبُها الناسُ حتى تُعْلَفَ أربعينَ ليلة"، وهو حديث ضعيف (٣). • وأما ما ورد في تحديد حبْسِ الدجاج عن العذرة ثلاثًا فصحيح. عن ابن عمر أنه كان يحبسُ الدجاجة ثلاثًا، بسند صحيح (٤). وقال الشيخ الألباني (٥): وهو أثر صحيح.

стр. 44

• وأما ما ورد في كراهة أكلِ لحومِ الجلّالة، وشرب ألبانِها، والركوبِ عليها فصحيحة: (منها): عن ابن عباسَ ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ عن شرب لبن الجلَّالةِ"، وهو حديث صحيح (١)، (ومنها): عن ابن عمرَ ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ عن أكل الجلَّالة وألبانِها"، وهو حديث صحيح بشواهده (٢).

стр. 45

الباب الثالث باب السُّؤْر والعَرَقِ الفصل الأول: فَصلُ السُّؤْرِ ١ - سُؤْرُ الآدمي المسلم طاهرٌ سواء كان جُنُبًا، أو حائِضًا، أو نفساءَ: • السؤرُ: هو ما بقي في الإناء بعد الشُّرب. لحديث أنس ﵁، أنَّ رسولَ الله ﷺ أتِيَ بلبنٍ قد شيبَ - أيُ خُلِطَ - بماءٍ، وعن يمينه أعرابيٌّ، وعلى يسارِه أبو بكرٍ ﵁، فشربَ، ثم أعطى الأعرابيَّ وقال: "الأيمنَ فالأيمنَ". ولحديث أبي هريرة الصحيح (١) بلفظ: "سبحان الله! إن المسلمَ لا ينجسُ". ولحديث عائشة ﵂ قالت: كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ، ثم أُناولُهُ النبيَّ ﷺ فيضعُ فاهُ على موضعِ فيَّ فيشربُ، وأتَعَرَّقُ العَرْقَ وأنا حائضٌ - أي آخذ اللحم من العَرْقِ بأسناني وهو عظمٌ أُخِذَ معظمُ اللحمِ منه وبقيتْ عليه - ثم أناوِلُهُ النبيَّ ﷺ فيضعُ فاهُ على موضِعِ فيَّ". ٢ - سؤرُ الآدميِّ الكافر طاهرٌ سواءٌ كان جُنبًا أو حائضًا، أو نفساء: • قال تعالى في سورة المائدة الآية (٥): ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾. لقد أباح الله في هذه الآيةِ للمؤمنين طعامَ أهلِ الكتاب ومؤاكلتَهم، ولن يخلُو هذا من آثارهم، كما أباح للمؤمنين الزواجَ بالكتابية، والزواجُ يدعو إلى أتمِّ المخالطةِ، ولا يمكن مع هذه المخالطة الاحترازُ عن آثارهنَّ من عَرَقٍ وريقٍ في بدن المؤمنِ وثوبهِ وفراشِهِ، ومع ذلك فلا يجب من غسلِ الكتابية إلا ما يجبُ من غسلِ المؤمنةِ. • وثبت من حديث عمرانَ بن حصينٍ أن الرسول ﷺ استعمل مزادةً المشركةِ في الشرب، وأمر أحد أصحابِه أن يرفعَ الجنابة عنه من مائِها (٢).

стр. 46

• وأخرج البيهقي (١) عن زيد بن أسلم عن أبيه: "أنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ توضأ من ماءٍ في جرة نصرانية"، وهو أثر صحيح، وقد صححه النووي (٢). • وكذلك أكلُ المشركين من طعام المسلمين، فقد جاءت وفودٌ كثيرةٌ إلى الرسول ﷺ فيدخلُهم مسجدَه، ويطعمُهم بأواني المسلمين، ولم يثبتْ عنه ﷺ أنه أمر بتطهير الأواني لأكلِ المشركينَ بها، ولم يُنْقَلْ عن السلفِ الصالح ﵃ توقِّي رطوبات الكفارِ، كما ثبت في الصحيحين (٣): أنه ﷺ "ثُمَامةَ بن أُثَالٍ" المشرك بسارية المسجد. والخلاصةُ: قد دلت الآيةُ والأحاديثُ والآثارُ على طهارة الآدميِّ الكافر، وبالتالي طهارةُ سؤرِه سواءٌ كان جنبًا أو حائضًا أو نفساء. ٣ - سؤرُ ما يؤكلُ لحمُه طاهرٌ: سؤر ما يؤكل لحمه طاهرٌ؛ لأن لعابَهُ متولِّدٌ من لحم طاهرٍ، فأخذَ حُكْمَهُ، وقال ابن المنذر (٤): "وأجمعوا على أن سُؤْرَ ما أُكِلَ لحمُه طاهرٌ، ويجوز شُرْبُهُ والوضوءُ به". وقال ابن رُشْدٍ (٥): "اتفق العلماءُ على طهارة أسآرِ المسلمين، وبهيمةِ الأنعامِ واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافًا كثيرًا" اهـ. • عن عمرو بن خارجة ﵁ قال: "خَطَبَنَا النبيُّ ﷺ بمنىً، وهو على راحلتهِ ولعابُها يسيلُ على كتفي"، وهو حديث صحيح لغيره (٦). ٤ - سؤر ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ: أ - سؤرُ الهِرَّةِ طَاهرٌ: لحديث كبشةً بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادةَ: أنَّ أبا قتادةَ دَخلَ عليها

стр. 47

فسكبتْ له وضوءًا، فجاءتْ هرَّة تشرَبُ منه، فأصغَى لها الإناءَ حتى شربَتْ، قالت كبشةُ: فرآني أنظرُ، فقال: أتعجبين يا ابنةَ أخي؟ فقلتُ: نعم، فقالَ: إن رسولَ الله ﷺ قال: "إنها ليستْ بنجسٍ، إنها من الطَّوافينَ عليكم والطَّوافاتِ"، وهو حديث صحيح (١). ب - سُؤْرُ الكلبِ نَجِسٌ: لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وَلَغَ الكلبُ في إناء أحدكم فليُرِقْهُ، ثم ليَغْسلهُ سبعَ مراتٍ"، وهو حديث صحيح (٢). قال النووي (٣): "وفيه أيضًا: نجاسةُ ما وُلِغَ فيه وأنه إن كان طعامًا مائعًا حرام أكلُه؛ لأن إراقته إضاعةُ له، فلو كان طاهرًا لم يأمرْنَا بإراقته، بل قد نُهِينَا عن إضاعة المال، وهذا مذهَبُنَا، ومذهب الجماهير أنه يَنْجُسُ ما وُلِغَ فيه، ولا فرق بين الكلب المأذونِ في اقتنائهِ وغيرهِ، ولا بين كلبِ البدوي والحضري لعموم اللفظ". وقال ابن خزيمة (٤): "وفيه دليلٌ على نقض قول من زعم أن الماء طاهرٌ، والأمرُ بِغَسْلِ الإناءِ تقيُّدٌ؛ إذ غيرُ جائز أن يأمرَ النبي ﷺ بهراقةِ ماءٍ طاهرٍ غيرِ نجسٍ". وإن قيل: إنَّ ظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، يدلُّ على طهارة لعابهِ حيث أطلق عن الأمر بِغَسْلِ ما أصابَهُ ريقهُ، قلت: إن عدم الأمر في الآية بغسل ما أَصابه ريقه لا يدلُّ على المرادِ من طهارتِهِ؛ لإمكان أنَّ تَرْكَ التنصيص عليه، اكتفاءٌ بما في أدلة وجوب تطهير النجسَ، العامَّةِ لجميع أفراد ما يجب تطهيره، وكم من حُكمٍ ينصُّ عليه الشارعُ، ويحيلُ سائر ما يتبعهُ من الأحكام على ما ورد في محله" (٥).

стр. 48

الفصل الثاني: العَرَق ١ - عَرَقُ الإنسان المسلمِ، والإنسانِ الكافرِ، الجنُبِ والحائضِ والنفساء طاهرٌ: لحديث أسماءَ بنتِ أبي بكر ﵂ قالت: جاءتِ امرأةٌ إلى النبي ﷺ ، فقالت: إحدانا يصيبُ ثوبَها من الحيضةِ: كيف تصنعُ به؟ فقال: تَحتُّهُ ثم تَقْرِصُهُ بالماء، ثم تَنضَحُهُ، ثم تصلي فيه"، وهو حديث صحيح (١). قلت: الحجةُ في الحديث هذا أن النبي ﷺ أمر الحائضَ أن تغسِلَ دمَ الحيضِ من ثوبِها، ولم يأمر بغَسْلِ الثوب كلِّه، ولا شكَّ في كثرةِ العَرَقِ فيه" (٢). وقال ابن المنذر في كتابه "الإجماع": (ص ٣٦، رقم ٢٥): "وأجمعُوا على أن عَرَقَ الجنُبِ طاهرٌ، وكذلك الحائضُ". • وقد ثبت بالأدلة الصحيحة في الفصل الأول: السؤرُ (رقم ١ ورقم ٢) أن سُؤر الآدمي المسلم والكافر الجنب والحائض والنفساء طاهرٌ، فَعَرَقُهُ طاهرٌ. ٢ - عَرَقُ الحيوانِ المركوبِ عُرْيًا طاهرٌ: لحديث أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسنَ الناس، وأجودَ الناس، وأشجعَ الناس، قال: وقد فزِعَ أهلُ المدينة ليلةً، سمِعُوا صوتًا قال: فتلقَّاهم النبي ﷺ على فرسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ، وهو متقلِّدٌ سيفَهُ، فقال: "لم تُرَاعُوا، لم تُرَاعُوا" ثم قال رسولُ الله ﷺ : "وجدْتُهُ بَحْرًا" يعني: الفرس، وهو حديث صحيح (٣). ولحديث جابر بن سمرة قال: صلى رسولُ الله ﷺ على ابنِ الدحدَاح، ثم أُتِيَ بفرسٍ عُرْيٍ، فعقلَهُ رجلٌ فركبه فجعلَ يتوقصُ بهِ - أي ينزو ويَثبُ ويقارب الخُطَا - ونحن نتبعُهُ نسعى خلفهُ قالَ: فقال رجلٌ من القومِ إن النبي ﷺ قالَ: "كم من عِذقٍ معلَّقٍ أو مدلَّي في الجنةِ لابن الدحدَاحِ"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 49

* فروع تتعلق بالباب الثالث: باب: السؤرِ والعَرَقِ * فرع: يُطلق اسمُ المشركين على أهل الكتاب وغيرهم: إن الشرك المطلقَ في القرآن لا يدخلُ فيه أهلُ الكتاب، وإنما يدخلُون في الشرك المقيَّد، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]. فجعلَ المشركين قسمًا غير أهل الكتابِ. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]. فجعلهم قِسْمًا غيرَهم. فأما دخولُهم في المقيد ففي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. فوصفهم بأنهم مشركون. وسبب هذا أن أصلَ دينهم الذي أنزل اللّه به الكتب، وأرسلَ به الرسلَ ليس فيه شركٌ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ولكنهم بدَّلُوا وغيَّروا، فابْتَدَعُوا من الشرك ما لم يُنَزِّلْ بِهِ اللهُ سلطانًا، فصار فيهم شركٌ باعتبار ما ابتدعُوا لا باعتبارِ أصل الدين (١). فرع (٢): بعض الأحاديث الموضوعة الواردةِ في سؤر السلم يُحذرْ منها: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنَ التواضع أن يشربَ

стр. 50

الرجلُ من سؤر أخيهِ، ومن شَرِبَ من سؤرِ أخيه ابتغاءَ وجهِ الله، رُفعتْ له سبعونَ درجةً، ومُحِيتْ عنه سبعون خطيئةً، وكتب له سبعون حسنةً"، وهو حديث موضوع (١). ٢ - "سؤرُ المؤمنِ شفاءٌ"، لا أصل له (٢). ٣ - "ريقُ المؤمن شفاءٌ"، ليس بحديث (٣).

стр. 51

* الباب الرابع* بابُ الآنيةِ ١ - تحريم الأكلِ والشُّربِ في آنية الذهب والفضةِ: لحديث حذيفةَ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقَول: "لا تَلْبَسُوا الحريرَ، ولا الديباجَ، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكُلُوا في صِحَافِهَا؛ فإنَّها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"، وهو حديث صحيح (١). ولحديث أمِّ سلمةَ ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إنَّ الذي يشربُ في آنية الفضة إنما يُجَرْجِرُ في بطْنِهِ نَارَ جَهنم"، وهو حديث صحيح (٢). ٢ - تضبيبُ الإناءِ بالفضةِ جائزٌ: لحديث أنس بن مالكٍ ﵁: "أن قدحَ النبي ﷺ انكسرَ، فاتَّخَذَ مكانَ الشَّعْبِ سلْسِلَةً من فضةٍ"، وهو حديث صحيح (٣). ٣ - الرُّخصةُ في آنية الصُّفرِ ونحوِها: لحديث عبد الله بن زيد قال: "أتانا رسولُ الله ﷺ فأخْرَجْنَا له ماءً في تُورٍ (٤) من صُفْرٍ (٥) فتوضَّأ"، وهو حديث صحيح (٦). ٤ - استحبابُ تخميرِ الأواني: لحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاء أبو حميد - رجل من الأنصار - من النقيع بإناءٍ من لبنٍ إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "ألا خمَّرْتَهُ، ولو أنْ تعرُضَ عليه عودًا"، وهو حديث صحيح (٧). ٥ - حكمُ استعمالِ آنية الكفار: لحديث أبي ثعلبة الخُشنيِّ قال: أتيتُ النبي ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله إنَّا بأرضِ أهل

стр. 52

الكتاب، أَفَنَأْكُلُ في آنيتهم؟ … فقال النبي ﷺ : "أما ما ذكرتَ أنَّك بأرض أهلِ كتابٍ، فلا تأكلوا في آنيتهم إلا أن لا تجدوا بُدًا فإن لم تجدوا بُدًا فاغسلوهَا وَكُلُوا .. "، وهو حديث صحيح (١). * قال البغوي (٢): "قال الإمام: الأمرُ بغسلِ إناء الكفار فيما إذا علمَ نجاسته يقينًا". ولحديث جابر بن عبد الله، قال: "كُنَّا نَغْزُو مع رسول الله ﷺ ، فنصيبُ من آنيةِ المشركينَ وأسقيتهم، فنستمتعُ بها، ولا يعيبُ ذلك عليهم"، وهو حديث صحيح (٣). ولحديث أبي ثعلبةَ الخششي قال: سُئلَ رسول الله ﷺ عن قدورِ المجوس قال: "أنْقُوها غسلًا، واطبخوا فيها"، ونهى عن كل سَبُعٍ ذي ناب، وهو حديث صحيح (٤). قال الحافظ (٥): "والحكم في آنية المجوسِ لا يختلفُ مع الحكم في آنية أهل الكتاب، لأن العلَّة إن كانت لكونِهم تحلُّ ذبائحهم كأهل الكتاب فلا إشكال، أو لا تحلُّ فتكون الآنيةُ التي يطبخون فيها ذبائحهم، ويغرفون قد تنجستْ بملاقاة الميتةِ، فأهل الكتاب كذلك باعتبار أنَّهم لا يتديَّنون باجتناب النجاسةِ، وبأنهم يطبخون فيها الخنزيرَ ويضعون فيها الخمرَ وغيرها" (٦). ٦ - جواز إعداد الآنية للبول فيها بالليل: لحديث حكيمة بنتِ أميمةَ عن أمها أميمة بنتِ رُقيقة: "أن النبي ﷺ كان يبولُ في قدح من عيدان، ثم يُوضع تحت سريرهِ"، وهو حديث حسن (٧).

стр. 53

* الباب الخامس* باب قضاءِ الحاجة ١ - يُسْتَحَبُّ لمن أراد دخولَ الخلاءِ أن يقولَ: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبثِ والخبائثِ ؛ لحديث علي بن أبي طَالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سَتْرُ ما بين أعيُن الجنِّ وعوراتِ بني آدمَ إذا دخل أحدُهم الخلاءَ أن يقول: بسم الله"، وهو حديث صحيح لغيره (١). ولحديث أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهمَّ إني أعوذُ بِكَ من الخبثِ والخبائثِ"، وهو حديث صحيح (٢). ٢ - يستحبُّ إذا خرج من الخلاء أن يقول: غفرانك: لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائطِ قال: "غفرانَكَ"، وهو حديث صحيح (٣). ٣ - إذا كان في الفضاء اسْتُحبَّ له الإبعادُ حتى لا يُرى: لحديث المغيرة بن شعبةَ أن النبي ﷺ كان إذا ذهبَ المذهَب أبعَد"، وهو حديث حسن (٤). ٤ - يستحب أَلَّا يرفعَ ثوبَه حتى يدنُوَ من الأرض: لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ : "كان إذا أرادَ حاجة لا يرفعُ ثوبَهُ حتى يدنُوَ من الأرض"، وهو حديث صحيح لغيره (٥).

стр. 54

٥ - يحرمُ استقبالُ القبلةِ، واستدبارهُا في الصحراءِ، ويجوز في البنيان: لحديث أبي أيوبَ الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتمُ الغائِطَ فلا تستقبلُوا القبلةَ ولا تستدبِرُوها، ولكنْ شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا"، وهو حديث صحيح. قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدْنَا مراحيضَ بُنيتْ قِبَلَ القبلةِ، فننحرِفُ ونستغفرُ الله (١). ولحديث جابر بن عبد الله ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى أن نستَدْبِرَ القبلةَ أو نستقبلَهَا بفروجنا، ثم رأيتُهُ ﷺ قبل موتِهِ بعامٍ يبولُ مستقبلَ القبلة"، وهو حديث حسن (٢). قال ابن الجوزي (٣): "وقد ظنَّ جماعة نسخ الأول - أي حديث أبي أيوب - بالثاني - أي بحديث جابر - وليس كذلك، بل الأول محمول على من كان في الصحراء، والثاني على من كان في البنيان" اهـ. ٦ - يُحرم التخلي في طريق الناس وفي ظلِّهم: لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اتَّقُوا اللعَّانَيْنِ" قالوا: وما اللَّعَّانانِ يا رسولِ الله؟ قال: "الذي يتخلَّى في طريق الناس أو في ظلهم"، وهو حديث صحيح (٤). ٧ - يُكْرَهُ أن يبولَ في مُسْتَحَمِّهِ: لحديث حميد الحميري - وهو ابن عبد الرحمن - قال: لقيتُ رجلًا صحبَ النبيَّ ﷺ كما صحبه أبو هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدُنا كلَّ يومٍ، أو يبولَ في مُغْتَسَلِهِ"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 55

٨ - يحرمُ البولُ في الماء الراكد: لحديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ : "أنه نهى أن يُبالَ في الماء الراكد"، وهو حديث صحيح (١). ٩ - يجوز البولُ قائمًا: لحديث حذيفةَ قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ فانتهى إلى سُباطةِ (٢) قومٍ، فبال قائمًا فتنحَّيتُ، فقال: "ادْنُهْ" فدنوتُ حتى قمتُ عندَ عقبيهِ، فتوضأ، فمسحَ على خفيهِ، وهو حديث صحيح (٣). * أما أحاديث النهي عن البول قائمًا فكلها ضعيفة لا تقوم بها حُجَّةٌ. * وأما حديث عائشة فقد قالت: "من حدَّثَكَ أن رسولَ الله ﷺ بالَ قائمًا فلا تُصدِّقْهُ، أنا رأيتُهُ يبولُ قاعدًا" (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: "ما بالَ رسول الله ﷺ قائمًا منذ أُنْزِلَ عليه القرآنُ"، وهو حديث صحيح. * وقال الحافظ ابن حجر (٥): "والجواب عن حديث عائشةَ أنه مستندٌ إلى علمها، فيحملُ على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطَّلِعْ هي عليه، وقد حفظه حذيفةُ، وهو من كبار الصحابة، وقد بينَّا أن ذلك كان بالمدينةِ فتضمَّن الردَّ على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن، وقد ثبت عن عمرَ، وعليٍّ، وزيد بنِ ثابت، وغيرهم أنهم بالوا قيامًا. وهو دال على الجواز من غير كراهةٍ إذا أمن الرَّشاشَ، والله أعلم" اهـ.

стр. 56

١٠ - يجب الاستنزاه من البول: لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مرَّ بقبرين فقال: "إنهما ليعذَّبان، وما يُعَذَّبَانِ في كبير، أما أحدُهُما فكان لا يستنزه من بولِه، وأما الآخَرُ فكان يمشي بين الناس بالنميمة"، وهو حديث صحيح (١). ١١ - النهي عن الاستنجاء باليمين: لحديث أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمسَّنَّ أحدُكم ذَكَرَهُ بيمينه، وهو يبولُ، ولا يتمسحْ من الخلاءِ بيمينه"، وهو حديث صحيح (٢). ١٢ - جوازَ الاستنجاء بالماء، أو بالأحجارِ، أو ما يقوم مقامَها: لحديث أنس ﵁ قال: "كَان رسول الله ﷺ يدخُلُ الخلاءَ، فأَحْمِلُ أنا وغلامٌ نحوي إداوة من ماءٍ، وعَنَزَة، فيستنجي بالماء"، وهو حديث صحيح (٣). ولحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ذهب أحدُكم إلى الغائط، فليذهبْ معه بثلاثة أحجارٍ، فليستطبْ بها، فإنها تجزئ عنه"، وهو حديث حسن بشواهده (٤). * أو ما يقوم مقامَها من جامد طاهرٍ مزيلٍ للعينِ، وليس له حُرْمَةٌ، ولا هو جزءٌ من حيوانٍ، مثل الخشب، والخرقِ، والآجُرِّ، والخَزَفِ. وهذا مذهب الجمهور؛ لأن النبي ﷺ : "نهى أن يُسْتَنْجَى بعظمٍ أو رَوْثٍ"، فيُفْهَمُ من ذلك أن ما لم يَنْهَ عنه يجوز الاستنجاءُ به إذا حصل به الإنْقَاءُ (٥). ١٣ - لا يجوز الاقتصارُ على أقلّ من ثلاثة أحجار: لحديث سلمانَ ﵁ قال: قيل له: قد علَّمكم نبيكم ﷺ كُلَّ شيءٍ حتى الخراءَةَ، قال، فقال: أجل لقد نَهانا أن نستقبلَ القبلةَ لغائطٍ أو بولٍ، أو أنْ نستنجيَ باليمين، أو

стр. 57

أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ، أو أن نستنجىَ برجيع أو بعظمٍ"، وهو حديث صحيح (١). ١٤ - لا يجوز الاستجمار بالعظم والرَّوْثِ: لحديث جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يُتَمَسَّح بعظمٍ أو ببعرٍ"، وهو حديث صحيح (٢). ١٥ - يُسْتَحَبُّ الاستتارُ عند قضاء الحاجة: لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : "خُذِ الإداوةَ"، فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجتهُ، وهو حديث صحيح (٣).

стр. 58

* الباب السادس* سُنَنُ الفِطْرَةِ * عن أبي هريرةَ، عن النبي ﷺ قال: "الفِطْرَةُ خَمْسٌ - أو خَمْسٌ من الفِطْرَةِ - الخِتَانُ، والاستحدادُ، وتقليمُ الأظفار، ونتفُ الإبط، وقصُّ الشارب"، وهو حديث صحيح (١). * وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "عشرٌ من الفطرةِ: قصُّ الشاربِ، وإعفاءُ اللحيةِ، والسِّواك، واستنشاقُ الماء، وقصُّ الأظفارِ، وغسلُ البراجمِ، ونتفُ الإبطِ، وحلقُ العانةِ، وَانتِقَاصُ الماءِ". قال زكريا: قال مصعبٌ: ونسيتُ العاشرةَ، إلا أن تكونَ المضمضةَ. زادَ قتيبةُ: قال وكيعٌ: انتقاصُ الماءِ يعني الاستنجاءَ، وهو حديث حسن (٢). ١ - الخِتَانُ: * والختانُ واجبٌ في حق الرجال والنساء؛ لأنه من شعائر الإسلام. لحديث عُثيم بن كليب، عن أبيه، عن جدِّه أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: قد أسلمتُ فقال له النبي ﷺ : "ألقِ عنك شَعْرَ الكفرِ واخْتَتنْ"، وهو حديث حسن بشواهده (٣). * والختانُ من ملَّةِ إبراهيم ﵇. لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "اختتنَ إبراهيمُ وهو ابن ثمانينَ سنةً بالقَدُّومِ"، وفي لفظ: "اختتن إبراهيمُ بعد ثمانينَ سنةً بالقدُّومِ"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 59

وقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]. * ويستحبُّ أن يكون الختانُ في اليوم السابع للمولود: لحديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ : "عقَّ عن الحسن والحسين وَخَتَنَهُمَا لسبعةِ أيامٍ" (١). ولحديث ابن عباس قال: "سبعةٌ من السُّنَّةِ في الصبي يوم السابع: يُسَمَّى ويُخْتَتَنُ .... " (٢). ٢ - إعفاءُ اللحيةِ وقصُّ الشارِب: إعفاءُ اللحية واجبٌ، وحلْقُها حرام؛ لأنه تغييرٌ لخلق الله، وهو من عمل الشيطانِ؛ لقوله تعالى عنه في سورة النساء الآية (١١٩): ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، وفي حلقها تشبُّهٌ بالنساء، وقد قال ابن عباس: "لعنَ رسولُ الله ﷺ المتشبهين من الرجاء بالنساء، والمتشبهاتِ من النساء بالرجال"، وهو حديث صحيح (٣). وقد أمر النبي ﷺ بإعفائها، والأمرُ للوجوب كما هو معلومٌ. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جُزُّوا الشواربَ، وأرخُوا اللِّحى، خالفوا المجوسَ"، وهو حديث صحيح (٤). وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَالفُوا المشركينَ: أحْفُوا الشوارب وأوفُوا اللِّحى"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 60

وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يأخذْ شارِبَهُ فليس منَّا"، وهو حديث صحيح (١). ٣ - السِّوَاكُ: السواكُ مستحبٌّ في كلِّ حال، ويتأكَّد استحبابُهُ في المواضع الآتية: أ - عند الوضوء: لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسِّواك مع الوضوء .. "، وهو حديث صحيح (٢). ب - عند الصلاة: لحديث أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشُقَّ على أمَّتي - المؤمنين - لأَمَرْتُهم بالسواكِ عند كلِّ صلاةٍ"، وهو حديث صحيح (٣). جـ - عند قراءة القرآن: لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "أُمِرْنَا بالسِّواكِ، وقال: إن العبدَ إذا قام يصلي أتاه الملكُ فقام خلْفَه يستمعُ القرآنَ ويدنُو، فلا يزالُ يستمعُ ويدنُو حتى يضعُ فاهُ على فيهِ، فلا يقرأ آيةً إلا كانت في جوفِ المَلَكِ"، وهو حديث صحيح بشواهده (٤). د - عند دخولِ البيتِ: لحديث المقدام بن شُريح، عن أبيه قال: سألت عائشةَ، قلتُ: بأي شيءٍ كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيتهُ؟ قالت: بالسِّوَاكِ"، وهو حديث صحيح (٥). هـ - عند القيام من الليل: لحديث حذيفةَ قال: كان النبي ﷺ : "إذا قام من الليل يشوصُ فاهُ بالسواك"، وهو حديث صحيح (٦).

стр. 61

٤ - تقليمُ الأظفار: سُنَّةٌ . ٥ - نتفُ الإبطِ: سُنَّةٌ . ٦ - حَلْقُ العانةِ: سُنَةٌ يجزئ فيها الحلقُ، والقصُّ، والنتف، والنُّورة . لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "خَمسٌ من الفطرة: الاستحدادُ، والختانُ، وقصُّ الشارب، ونتفُ الإبط، وتقليمُ الأظافرِ"، وهو حديث صحيح (١). * وقد رخَّص في ترك هذهِ الأشياءِ إلى أربعينَ ليلةً. لجديث أنس بن مالك قال: "وُقِّتَ لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبطِ، وحلقِ العانةِ ألَّا نَتْرُكَ أكثرَ من أربعينَ ليلة"، وهو حديث صحيح (٢). ٧ - كراهة نَتْفِ الشَّيْبِ: لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا تَنتِفُوا الشَّيب فإنه نُور المسلم، ما من مسلمٍ يشيبُ شيبةً في الإسلام إلَّا كتبَ اللهُ بها حسنةً ورفعهُ بها درجةً، وحَطَّ عنه بها خطيئةً"، وهو حديث حسن (٣). ٨ - تغييرُ الشَّيب بالحِنَّاء والكَتْمِ ونحوهما، وتحريمُ السَّواد: * عن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أَحْسَنَ ما غُيِّرَ به هذا الشيبُ الحناءُ والكتم"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 62

* وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اليهودَ والنصارى لا يصبُغُونَ فَخَالِفُوهم"، وهو حديث صحيح (١). * وعن جابر بن عبد الله قال: جِيءَ بأبي قُحَافَةَ يومَ الفتح إلى رسول الله ﷺ كأنَّ رأسَهُ ثُغَامةٌ، فقال رسول الله ﷺ : "اذهَبُوا به إلى بعض نسائه فلتُغَيِّرْهُ بشيءٍ، وجنِّبُوه السَّوادَ"، وهو حديث صحيح (٢). * وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "قومٌ يخضبونَ في آخر الزمانِ بالسوادِ كحواصل الحمامِ لا يُرِيحُونَ رائحةَ الجنَّة"، وهو حديث صحيح (٣). ٩ - جوازُ اتِّخَاذِ الشَّعْرِ وإكرامه، واستحباب تقصيرهِ، وكراهة القزعِ: * عن عائشةَ ﵂ قالت: كَان شَعْرُ رسول الله ﷺ فوقَ الوَفْرَة (٤)، ودُونَ الجُمَّةِ" (٥)، وهو حديث صحيح بطرقهِ (٦). * عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يضربُ شَعْرُهُ منكبيه"، وهو حديث صحيح (٧)، وفي لفظ: "كان شعرُهُ رَجِلًا ليسَ بالجَعْدِ، ولا السَّبْطِ بين أذنيهِ وعاتِقِهِ"، وهو حديث صحيح (٨). * عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من كان له شعرٌ فليكرمْهُ"، وهو حديث حسن لغيره (٩).

стр. 63

• عن وائل بن حجر قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ ولي شَعْرٌ طويلٌ فلما رآني قال: "ذبابٌ ذبابٌ" (١) قال: فرجعت فجززْتُه، ثم أتيتُه من الغدِ، فقال: "إن لم أَعْنِكَ وهذا أحسنُ"، وهو حديث صحيح (٢). • عن نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن القَزَعِ، فقيل لنافعٍ: ما القزعُ؟ قال: "أن يُحْلَقَ بعضُ رأسِ الصبي ويُتْرَكَ بعض"، وهو حديث صحيح (٣). ١٠ - التطيُّبُ: • لحديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "حُبِّبَ إليَّ من الدُّنيا النِّسَاءُ، والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قرةُ عيني في الصلاة"، وهو حديث حسن (٤). • ولحديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال في المسك: "هو أطيبُ طيبكُم"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 64

* الباب السابع* بابُ الوضُوء * الفصل الأول* صفة الوضوءِ، وشروطُ صحته، وفرائضِه: • الوُضُوءُ: يأتي بالضمِّ: الفعلُ، وبالفتح: ماؤُهُ وهو مصدرٌ أيضًا، أو لغتان ويُعنى بهما المصدرُ، وقد يُعنى بهما الماءُ: توضَّأْتُ للصلاةِ وتوضَّيْتُ لُغَيَّةٌ أو لُثْغَةٌ" (١). ١ - صفة الوضوء: عن حُمْران مولى عثمانَ، أن عثمانَ بن عفان ﵁ دعا بوَضُوء فتوضَّأَ فغسلَ كفيه ثلاثَ مراتٍ، ثم مضمضَ واستنثرَ، ثم غسل وجهَهُ ثلاثَ مراتٍ، ثم غسل يدَهُ اليُمنى إلى المرفقِ ثلاثَ مراتٍ، ثم غسلَ يدَهُ اليُسرى مثلَ ذلك، ثم مسح رأسَهُ، ثم غسلَ رجْلَهُ اليمنى إلى الكعبين ثلاثَ مراتٍ. ثم غسَلَ اليُسْرَى مثلَ ذلكَ، ثم قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ توضأ نحوَ وضُوئي هذا، ثم قال رسول الله ﷺ : "من توضَّأ نحوَ وضُوئي هذا، ثم قام فركعَ ركعتين، لا يُحدِّثُ فيهما نفسَهُ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه"، وهو حديث صحيح (٢). ٢ - شروط صِحَّةِ الوضوء: أ - النية بالقلب دون التلفظ بها: لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمالُ بالنيةِ .. " (٣). ب - التسمية: لحديث أنس قال. طلبَ بعضُ أصحاب النبي ﷺ وَضُوءًا فقال رسول الله ﷺ : "هل معَ أحدٍ منكم ماءٌ؟ " فوضع يده في الماء، ويقول: "توضَّؤُوا الله"، فرأيتُ الماءَ

стр. 65

يخرج من بين أصابعه، حتى توضَؤُوا من عند آخرهم. قال ثابت: قلتُ لأنس: كم تراهم؟ قال: نحوًا من سبعين، وهو حديث صحيح (١). جـ - الموالاة: لحديث خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ رأى رجُلًا يُصلي في ظهر قدمه لُمعةٌ قَدْر الدرهم لم يُصبها الماءُ، فأمرهُ رسول الله ﷺ أن يُعيد الوضوءَ، وهو حديث صحيح (٢). ٣ - فرائضُ الوضوءِ: ١ - غسَلُ الوجه، ومنه المضمضةُ والاستنشاقُ: لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. أما كون المضمضة والاستنشاقِ من الوجه فتجبان، فلأنَّ الله - سبحان - قد أمر في كتابه العزيز بغسْلِ الوجه، وقد ثبت مداومةُ النبي ﷺ على ذلك في كل وضوء. ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضَّأ أحدُكم فَليجعلْ في أنْفِهِ ماءً، ثم لِيَنْتَثرْ … "، وهو حديث صحيح (٣). ولحديث لقَيطِ بن صَبْرةَ … قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ قال: "أسبغ الوضوءَ، وخلِّل بين الأصابع، وبالغْ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا"، وهو حديث صحيح (٤). وفي رواية: "إذا توضأتَ فمضْمِضْ"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 66

٢ - غسْلُ اليدينِ إلى المرفقينِ: لقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٦): ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. ولحديث حُمْرانَ مولى عثمان (١) وفي رواية: "هلمُّوا أتوضَّأ لكم وُضوءَ رسول الله ﷺ فغسَلَ وجْهَهُ ويديْه إلى المرفقين، حتى مسَّ أطراف العضُدينِ، ثم مسح برأسِه، ثم أمرَّ يديهِ على أذنيهِ ولحيتهِ، ثم غسل رجليهِ"، إسنادُه حسن. ولحديث نُعيم بن عبد الله المجمر قال: رأيتُ أبا هريرة يتوضَّأ فغسَلَ وجَههُ فأسبغَ الوضوءَ، ثم غسل يدهُ اليمنَى حتى أشرعَ في العضُد، ثم يَدَهُ اليُسْرَى حتى أشرعَ في العضد، ثم مسحَ رأسَهُ، ثم غسلَ رجلَهُ اليمنى حتى أشرعَ في السَّاق، ثم غسل رِجلَهُ اليُسرى حتى أشرعَ في الساق، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضأ. وقال: قال رسول الله ﷺ : "أنتمُ الغرُّ المحجَّلُون (٢) يومَ القيامة، من إسباغِ الوضوء فمنِ استطاعَ منكم فليُطِلْ غُرَّته وتحجيلَهُ"، وهو حديث صحيح (٣). ٣ - مسحُ الرأس كلِّه، والأذنانِ من الرأس: لقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٦): ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. ولحديث حمران مولى عثمانَ المتقدم في الباب السابع، الفصل الأول رقم (١) صفة الوضوء. • أما وجوبُ استيعابِ الرأس بالمسح فلأنَّ الأَمْرَ بالمسح في القرآن مُجْمَلٌ، وقد بينته السُّنة؛ فإن النبي ﷺ استوعب مسحَ رأسِهِ، وفي هذا دليلٌ على وجوب تكميل مسحِ الرأس. • وأما كونُ الأذنين من الرأس فيجبُ مسحُهما؛ لحديث أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "الأذنانِ من الرأس"، وهو حديثٌ صحيح بطرقه الكثيرة (٤).

стр. 67

• والحاصل أنه يجب استيعابُ الرأس بالمسح، والماسحُ إن شاء مسحَ على الرأس فقط، أو على العمامةِ فقط، أو على الرأس والعمامةِ، فالكلُّ صحيح ثابتٌ. لحديث عمرو بن أميةَ الضِّمري قال: "رأيتُ النبي ﷺ يمسحُ على عمامته، وخُفَّيْهِ .. " (١). ولحديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ : "توضَّأ فمسحَ بناصيتهِ وعلى العمامة والخفين" (٢). وهو حديث صحيح. ٤ - غَسْلُ الرِّجلينِ إلى الكعبين: لقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٦): ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. ولحديث حمرانَ مولى عثمان السابق (٣)؛ ولحديث نُعيم بن عبد الله المجمر (٤). ٥ - تخليلُ أصابعِ اليدين والرِّجلَين: لحديث لقيط بن صَبرة … قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ قال: "أسبغ الوضوءَ، وخلِّلْ بين الأصابع، … "، وهو حديث صحيح (٥). ولحديث المستورد بن شدَّاد قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ إذا توضَّأ خلّلَ أصابعَ رجليه بخنصرهِ"، وهو حديث صحيح (٦). • قال الشوكاني (٧) "والأحاديثُ قد صرحت بوجوب التخليل، وثبت من قوله ﷺ وفعله، ولا فرقَ بين إمكان وصولِ الماء بدون تخليل وعدمه، ولا بين أصابع اليدينِ، والرِّجلين، فالتقييدُ بأصابعِ الرجلين أو بعدم إمكان وصولِ الماء لا دَليل عليه" اهـ.

стр. 68

* الفصل الثاني* مُسْتَحَبَّاتِ الوضوءِ ١ - غسلُ الكفين إلى الرسغين ثلاثًا قبلَ الشروعِ في غسل أعضاء الوضوء: لحديث حمران مولى عثمان المتقدم في الباب السابع، الفصل الأول رقم (١) صفة الوضوء. ٢ - السِّواك عند الوضوء: لحديث أبي هريرة المتقدم في الباب السادس: سننُ الفطرة رقم (٣): السِّواك عند الوضوء. ٣ - الجمع بين المضمضة والاستنشاق ثلاثًا بغرفةٍ واحدة: لحديث عبد الله بن زيد ﵁ في تعليمه لوضوء رسول الله ﷺ : أنه تمضمض واستنشق من كفٍّ واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا، وهو حديث صحيح (١). ٤ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم: لحديث لقيط بن صبرة المتقدم في الباب السابع، الفصل الأول رقم (٣): فرائض الوضوء: غسلُ الوجه. ٥ - تقديمُ اليمنى على اليسرى: لحديث عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يُعجبُهُ التيمُّن في تنعلِهِ، وترجُّلِهِ وطهوره، وفي شأنه كُلِّه"، وهو حديث صحيح (٢)؛ ولحديث حمران مولى عثمان المتقدم في الباب السابع، الفصل الأول رقم (١) صفة الوضوء. ٦ - الدلك: لحديث عبد الله بن زيد قال: "إن النبي ﷺ أُتِيَ بثلثيْ مُدٍّ فجعلَ يدلك ذراعيه"، وهو حديث حسن (٣).

стр. 69

٧ - تخليل اللحية: لحديث أنس أن النبي ﷺ : كان إذا توضَّأ أخذ كَفًّا من ماءٍ، فأدخله تحت حنكهِ فخلل به لحيته وقال: "هكذا أمرني ربِّي "، وهو حديث صحيح لغيره (١). قال الشوكاني (٢): " … والإنصاف أنَّ أحاديثَ الباب بعد تسليم انتهاضِها للاحتجاج، وصلاحيتها للاستدلال لا تدلُّ على الوجوب؛ لأنها أفعالٌ، وما ورد في بعض الروايات من قوله ﷺ : "هكذا أمرني ربي"، لا يفيدُ الوجوبَ على الأمةِ؟ لظهوره في الاختصاص به .. ". ٨ - تثليث الغَسْلِ لكلِّ عضو: لحديث أبي أنس، أن عثمانَ توضَّأ بالمقاعد، فقالَ: "ألا أريكم وضوءَ رسول الله ﷺ ؟ ثم توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا .. "، وهو حديث صحيح (٣). • المقاعد: قيل: هي دكاكينُ عند دار عثمان بن عفانَ، وقيل: درجٌ، وقيل: موضعٌ يقرب المسجد اتخذه للقعود فيه لقضاء حوائجِ الناس والوضوء ونحو ذلك. ويُسْتَحَبُّ تثليثُ مسح الرأس: لحديث حمرانَ قال: رأيت عثمانَ بن عفَّانَ، .. وقال فيه: ومسحَ رأسَهُ ثلاثًا … ثم قال: رأيتُ رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: "من توضَّأ دون هذا كفَاهُ"، وهو حديث صحيح (٤). ولحديث شقيق بن سلمةَ قال: رأيت عثمانَ بنَ عفَّان غسل ذراعيهِ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا، وهو حديث صحيح (٥). ٩ - الترتيبُ: لأنَّ الغالِبَ في وضوء النبي ﷺ كما حكاه من روى وضوءَهُ ﷺ .

стр. 70

لكنه قد صح عن المقدام بن معد يكرب: "أنه أتى رسول الله ﷺ بوَضُوء فتوضَّأ فغسلَ كفَّيه ثلاثًا، وغسلَ وجْهَهُ ثلاثًا، ثم غَسَلَ ذراعيهِ ثلاثًا، ثم تمضمضَ واستنثَرَ ثلاثًا، ثم مسح برأسِهِ وأذنيهِ ظاهِرِهما وباطِنِهما"، وهو حديث صحيح (١). ١٠ - الدعاءُ بعده: عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد يتوضَّأ، فيسبغُ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبُدُه ورسولُهُ، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة الثمانية يدخلُ من أيِّها شاء" (٢). وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "من توضَّأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلا أنتَ، أستغفركَ وأتوبُ إليكَ، كُتبَ في رقٍّ ثم طبع بطابعٍ، فلا يُكْسَرُ إلى يوم القيامة"، وهو حديث صحيح (٣). ١١ - صلاةُ ركعتينِ بعدَه: لقول عثمان بعد أن علَّمهم صفةَ وضوءِ رسول الله ﷺ : رأيتُ النبي ﷺ توضَّأ نحو وضوئي هذا، وقال النبي ﷺ : "من توضَّأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدِّثُ فيهما نفسه، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه"، وهو حديث صحيح (٤). ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لبلالٍ، عند صلاة الغداةِ: "يا بلالُ حدِّثني بأرْجَى عَمَل عَملتَه عندك في الإسلام منفعةً؛ فإني سمعتُ الليلةَ خشفَ نعليك بين يديّ في الجنة" قالَ بلال: ما عملتُ عملًا في الإسلام أرجى عندي منفعةً، من أني لا أتطهَّرُ طَهُورًا تامًّا، في ساعة من ليلٍ ولا نهار إلا صليتُ بذلك الطهورِ، ما كَتَبَ الله لي أن أصَلِّيَ، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 71

* الفصل الثالث* نواقض الوضوء ١ - ما خرج من السبيلين: "القبل والدُّبر ": لقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٦): ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وهو كنايةٌ عن قضاء الحاجة. ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقْبَلُ صلاةُ مَنْ أحدثَ حتى يَتوضَّأَ"، قال رجل من حضرموتَ: ما الحدثُ يا أبا هريرة؟ قال: فساءٌ أو ضُراط، وهو حديث صحيح (١). ولحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلًا مذَّاءً، فأمرتُ المقدادَ أن يسأل النبي ﷺ ، فسأله فقال: "فيه الوضوء"، وهو حديث صحيح (٢). ولحديث صفوان بن عسَّال قال: "كُنَّا في سفر، فَأُمِرْنَا ألَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثلاثةَ أيام ولياليهنَّ إلا من جنابةٍ، ولكن من بولٍ، أو نومٍ، أو غائطٍ"، هكذا روايةُ الترمذي. ورواية النسائي: "ثلاثةَ أيام بلياليهنَّ من غائطٍ، وبول، ونوم إلا من جنابةٍ"، وهو حديث حسن (٣). ولحديث عبد الله بن زيد أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجُلَ الذي يُخَيَّلُ إليه أنه يجدُ الشيء في الصلاة فقال: "لا يَنْفَتِلُ - أو لا ينصرف - حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا"، وهو حديث صحيح (٤). ولأثر ابن عباس قال: "هو المني، والمذي، والودي، فأما المذيُ والوديُ فإنَّهُ يغسلُ ذَكَرَهُ ويتوضأ، وأما المني ففيه الغُسْلُ" (٥).

стр. 72

٢ - النوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك: لحديث صفوان بن عسَّال المتقدم في رقم (١) من فصل نواقض الوضوء. ولحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وكاءُ السَّهِ العينانِ، فمن نام فليتوضأ"، وهو حديث حسن (١). وكاء: هو الخيطُ الذي يُربط به الكيسُ وغيره. السَّه: الدُّبُرُ. والمعنى: أن اليقظة تحفظُ ما في داخل الإنسانِ من الخروج؛ لأنه يحسُّ بذلك. قال المحدث الشيخ الألباني (٢) ﵀: "فالحق أن النوم ناقض مطلقًا، ولا دليل يصلحُ لتقييد حديث صفوان - الحسن المتقدم - بل يؤيده حديثُ علي - الحسنُ - فقد أمر ﷺ كلَّ نائم أن يتوضَّأ" اهـ. ٣ - زوالُ العقل: قال ابن رشد الحفيد (٣): "وينبغي أن تعلمَ أن جمهور العلماء أوجبُوا الوضوءَ من زوال العقل بأيِّ نوع كان من قبل إغماءٍ، أو جنون، أو سُكْرٍ، وهؤلاء كلُّهم قاسُوهُ على النوم، أعني: أنهم رأوا أنه إذا كان النومُ يوجبُ الوضوءَ في الحالة التي هي سبب للحدثِ غالبًا، وهو الاستثقالُ، فأحرى أن يكون ذهابُ العقلِ سببًا لذلك" اهـ. ٤ - مسُّ الفَرج من غير حائل إذا كان بشهوة: لحديث بُسْرَةَ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مسَّ أحدُكُمْ ذَكَرَهُ فليتوضَّأ"، وهو حديث صحيح (٤). وحديث طلْق بن علي، قال: قَدِمْنَا على رسول الله ﷺ وعنده رجل كأنه بدويُّ،

стр. 73

فقال: يا رسول الله، ما ترى في مسِّ الرجلِ ذَكَرَهُ بعد أن يتوضأ؟ فقال: "وهل هو إلَّا بضعةٌ منك"، وهو حديث صحيح (١). قال المحدث الألباني (٢) ﵀: "قوله ﷺ : "إنما هو بضعةٌ منك" فيه إشارة لطيفة إلى أن المسَّ الذي لا يوجبُ الوضوءَ إنما هو الذي لا يقترنُ معه شهوة؛ لأنه في هذه الحالة يمكنُ تشبيهُ مسِّ العضْو بمسِّ عضوٍ آخر من الجسم، بخلاف ما إذا مسَّه بشهوةٍ، فحينئذٍ لا يشبهُ مسُّه مسَّ العضوِ الآخرِ؛ لأنه لا يقترن عادة بشهوةٍ، وهذا أمر بيِّنٌ كما ترى، وعليه فالحديث ليس دليلًا للحنفية الذي يقولون بأن المسَّ مطلقًا لا ينقضُ الوضوءَ، بل هو دليلٌ لمن يقول: بأن المسَّ بغير شهوة لا ينقضُ، وأما المسُّ بالشهوة فينقضُ، بدليل حديث بُسْرَةَ، وبهذا يُجْمَعُ بين الحديثين" اهـ. ٥ - أكلُ لحمِ الإبلِ: لحديث البراء بن عازب قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الوضوءِ من لحوم الإبل، فقال: "توضؤوا منها" وسئل عن لحوم الغنم فقال: "لا توضؤوا منها .. "، وهو حديث صحيح (٣). ولحديث جابر بن سمرة ﵁ أن رجلًا سألَ رسولَ الله ﷺ : "أتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئتَ فتوضأ، وإن شئتَ فلا توضَّأ" قال: أتوضأُ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم، فتوضَّأ من لحوم الإبل"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 74

* الفصل الرابع* ما يجبُ له الوضوءُ وما يُسْتَحَبُّ * ما يجب له الوضوء: ١ - يجب الوضوء للصلاة: لقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٦): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُقْبَلُ صلاةُ أحَدكُم إذا أحدثَ حتى يتوضأ"، وهو حديث صحيح (١). ولحديث ابن عمرَ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ قول: "لا يقبلُ الله صلاةً بغير طُهُور، ولا صدقةً من غَلُولٍ"، وهو حديث صحيح (٢). ٢ - يجب الوضوء للطواف بالبيت: لحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الطواف بالبيتِ صلاةٌ، إلا أن الله أحلَّ فيه الكلام"، وهو حديث صحيح (٣). * ما يُسْتَحَبُّ لهُ الوضوءُ: ١ - ذكرُ الله : لحديث المهاجرِ بن قنفذ: "أنه سلَّم على النبي ﷺ وهو يتوضأ فلم يردَّ عليه حتى توضأ، فرد عليه، وقال: "إنه لم يمنعني أن أردَّ عليك، إلا أني كرهتُ أن أذْكُر الله إلا على طهارة"، وهو حديث صحيح (٤). ٢ - النوم: لحديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إذا أتيتَ مضجعكَ فتوضَّأ

стр. 75

وضوءك للصلاة، ثم اضطجعْ على شقِّكَ الأيمنِ، ثم قل: اللهم أسلمتُ نفسي إليك، ووجهتُ وجهي إليك، وفوَّضتُ أمري إَليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابكَ الذي أنزلتَ، ونبيِّك الذي. أرسلتَ، فإن متَّ من ليلتكَ فأنت على الفطرةِ، واجعلهنَّ آخرَ ما تتكلَّم به"، وهو حديث صحيح (١). ٣ - الجُنبُ إذا أراد أن يأكُلَ أو يشربَ، أو ينام، أو يعاودَ الجماعَ: لحديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا كان جُنُبًا، فأراد أن يأكلَ أو ينامَ توضَّأ"، وهو حديث صحيح (٢). ولحديث أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدُكُمْ أهْلَهُ، ثم أراد أن يعودَ فليتوضَّأ"، وهو حديث صحيح (٣). ٤ - قبلَ الغُسْلِ، سواءٌ أكان واجبًا أم مُسْتَحَبًّا: لحديث عائشةَ ﵂ قالتْ: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسلَ من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفرغُ بيمينه على شماله، فيغسِلُ فرْجَهُ، ثم توضَّأ وضوءًا للصلاة .. "، وهو حديث صحيح (٤). ٥ - أكلُ ما مسَّتْهُ النارُ: لحديث أبي هريرة ﵁ قال: إنما أتوضَّأُ من أثوارِ أَقطِ أكلتُها؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "توضؤوا مما مسَّتِ النارُ"، وهو حديث صحيح (٥). وهو محمول على الاستحباب؛ لحديث عمرو بن أمية الضّمري أنه رأى رسولَ الله ﷺ يحتزّ من كتفٍ يأكلُ منها، ثم صلَّى ولم يتوضأ"، وهو حديث صحيح (٦).
следующие страницы →