Полный текст (331 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولي: قد فرغنا من أشعار الخلفاء وأخبارهم.
وهذه أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم، ثم نتبعهم بأشعار سائر بني العباس، ثم نتبع ذلك بأشعار ولد أبي طالب، ثم أشعار من بقى من بني هاشم إن شاء الله.
أبو عَبْد الله
مُحَمَّدُ بن أبي العَبَّاس السَّفَّاح
له شعر قليل، وكان المنصور ولاه إمارة البصرة في أول خلافته وأمه أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومي.
حدّثنا الحسن بن عُليَل العنزي قال حدثني إسحاق بن عبد الله الحمراني، قال ولي المنصور محمد بن أبي العباس البصرة فقدمها ومعه حماد بن عمر المعروف بعجرد مولى بني عقيل.
وكان كثير الطيب يملأ لحيته بالغاية إذا ركب، فلقبوه بأبي الدِّبس وفيه يقول بعض أهل البصرة يهجوه:
صِرنا مِنَ الرِّبح إلَى وَكْسِ ... إذْ وَلِيَ المصْرَ أَبو الدِّبْسِ
ما شِئْتَ مِنْ لَوْمٍ عَلَى نَفْسِهِ ... وَجِنْسُهُ مِنْ أَكْرَمِ الجِنْسِ
стр. 2
حدثنا أبو خلفية الفضل بن الحباب، قال حدثنا التوجي قال: مر أعرابي بحماد عجرد، وهو يلعب مع الصبيان في يوم شديد البرد وهو عريان، فقال تعجردت يا غلام، قسمى عجردا قال أبو حليفة والمتعجرد المتعري والعجرد أيضا الذهب حدثني يحيى بن علي قال حدثني أبي عن إسحاق الموصلي قال: كان حماد عجرد في ناحية محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين وهو أدبَّه وكان محمد يهوي زينب بنت سليمان بن على لما قدم البصرة أميرا عليها من قبل عمه أبي جعفر المنصور، فخطبها فلم يزوجوه لشيء كان في عقله، وكان حماد عجرد، وحكم الوادي المغنى ينادمانه، فقال محمد لحماد قل فيها شعرا، فقال حماد على لسان محمد، وغنى فيه حكم الوادي في طريقه خفيف الثقيل ليس عن يحيى الطريقة
زَيْنَبُ ماذَنْبِي ومَاذا الذَّي ... غَضِبْتُمْ فيِه وَلَمْ تُغْضَبُوا
وَاللهِ ما أَعْرِفُ لِي عِنْدَكُمْ ... ذَنْباً فَفِيمَ الهَجْرُ يا زَيْنَبُ
فجعل أهل البصرة يغنون فيه، فلما مات محمد بن أبي العباس طلب محمد بن سليمان أخو زينب بنت سليمان حماداً ليقتله، فهرب منه واستجار بقبر سليمان بن علي، وكتب إلى محمد.
стр. 3
مِنْ مُقِرّ بِالذَّنْبِ لَم يُوجِبِ اللهُ ... عَلَيْهِ بِسَىِّءٍ إقرارَا
يا ابْنَ بِنْتِ النَّبِيِّ إنِّيَ لاَ أَجْعَلُ إلاَّ إلَيْك مِنْكَ الْفِرارَا
وهي أبيات كثيرة، فلم يؤمنه فرجع إلى جعفر بن أبي جعفر المنصور فأجاره وقال لا أرضى أو تهجو محمد بن سليمان فهجاه فقال:
قُلْ لِوَجْه اَلخِصيِّ ذِي اْلعارِ إنِّي ... سَوْفَ أُهْدي لزَيْنَبَ الأْشْعارا
وهي أبيات، وسنحكم هذا في أخبار حماد عجرد إذا ذكرناه إن شاء الله.
حدثنا الحسن بن يحيى الكاتب قال سمعت عمرو بن بانة يقول من شعر محمد بن أبي العباس في زينب بنت سليمان:
قُولاَ لِزَيْنَبَ أَوْ رَأَيْتِ تَشَوُّقِي لَكِ وَاشْتِرافِي
وَتَلُّفتِي خَوْفَ الْوُشا ... ةِ وَكانَ حُبُّكِ غَيْرَ خاِف
قال وفيه لحكم الوادي لحن فيه في طريقة الثقيل الأول، ومن أشعار محمد فيها:
أَحْبَبْتُ مَنْ لاَ ُينْصفُ ... وَرَجَوْتُ مَنْ لاُ يُسْعِفُ
نَسَبٌ تَلِيدٌ بَيْنَنَا ... ووَدِادُنا مُسْتَطْرَفُ
стр. 4
بِاللهِ أَحلِفُ جاهداً ... وَمُصَدَّقٌ مَنْ يَحْلِفُ
إنِّي لأَكْتُمُ حُبَّها ... جَهْدي لَمِا أَتَخَوَّفُ
وَالْحُبُّ يَنْطِقُ إنْ سَكَتُّ ... بِما أُجِنُّ وَيُعْرَفُ
فأما قوله المشهور فيها وقد روى لحماد عجرد مما يرويه أكثر الناس له أنشدنيه أبو ذكوان وأبو حليفة والغلابي لمحمد بن العباس.
يا قَمَرَ الُمِربَد قَدْ هِجْتَ لِي ... شَوْقاً فَما أَنْفَكُّ بِالُمرَبِد
أُراِقُد الفْرَقْدَ منْ حُبِّكُمْ ... كأَنَّني وكُلِّتُ بِالفْرَقْدِ
أَهيمُ لَيْلِي وَنَهارِي بِكُمْ ... كَأَننَّيِ مِنْكُمْ عَلَى مَوْعِدِ
عُلِّقْتُها رِيَّ الشَّوَى طِفْلةً ... قَرِيبةَ اَلْموَلْدِ مِنْ موَلْدِي
جَدِّي إذا ما نُسِبَتْ جَدُّها ... فِي الْحَسَبِ الثَّاقِبِ وَالُمَحْتِدِ
سَوْفَ أُوافِي حُفْرَتِي عاجِلاً ... يامُنْيِتي إنْ أَنْتِ لَمْ تُسعِدي
وَاللهِ لا أَنْساكِ فيِ خَلْوةٍ ... يا نُورَ عَيِني وَلا مَشهَدِ
حدثني أحمد بن علي قال لما قال عمرو بن سندي مولى ثقيف في حماد عجرد، ويعرض بمحمد بن أبي العباس
стр. 5
ما امْرُؤٌ يَصْطَفِيكَ يا عُقْدَةَ الْكَلْبِ لاِ يداعِ سِرِّه بِبَصيِر
لا وَلا مَجْلْسٌ أَجَنَّكَ للِذَّا ... تِ يا عَجْرَدَ الْخَنا بِسَتيِر
قال المنصور لمحمد بن أبي العباس ما لي ولعجرد يدخل عليك حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا المدائني قال كان محمد بن أبي العباس نهاية في الشدة، فعاتبه المهدي فغمز محمد بركابه حتى انضغطت رجل المهدي في الركاب، فلم يخرج حتى رد محمد الركاب بيده فأخرجها، وولاه عمه المنصور إمارة البصرة سنة سبع وأربعين ومائة، فخطب زينب بنت سليمان فلم يزوجوه إياها ولم ترده، فكان يعمل فيها الأشعار فمن شعره فيها:
قُولاَ لِزيَنْبَ لَوْ رَأَيْ ... تِ تَشَوُّقي لَكِ وَاشْترافيِ
وَتَلَذُّذِي كَيْما أَراِك ... وَكانَ شَخْصُكِ غَيْرَ خافِ
وَوَجَدْتُ رِيحَكِ ساطِعاً ... كَالْبيْتِ جُمِّرَ للطَّوافِ
وَتَرَكْتِنِي وَكَأَنَّما ... قَلْبِي يُغَرَّزُ بِالأْشافِي
حدثنا الغلابي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك عن هشام ابن محمد قال دخل دحمان المغنى بني مخزوم ويعرف بالأشقر على محمد بن أبي العباس وعنده حكم الوادي ونسب إلى ذلك لأنه من وادى فأحضر محمد عشرة آلاف درهم وقال من سبق
стр. 6
منكما إلى صوت يطربني فهذه له فابتدأ دهمان فغنى شعر قيس بن الحطيم في طريقة الثقيل الأول:
حواء ممكورة منعمة ... كالماء شق وجهها نزف
فلم يهش له مغنى حكم الوادي في شعر لمحمد قوله في زينب في لحن خفيف:
زَيْنَبُ مالِي عَنْكِ مِنْ صَبْرِ ... وَلَيْسَ لِي مِنْكِ سِوَى الهَجْرِ
وَجْهُكِ وَاللهِ وَإنْ شَفَّنِي ... أَحْسَنُ مِنْ شَمْسٍ وَمِنْ بَدْرِ
لَوْ أَبْصَرَ الْعاِذلُ مِنْكِ الَّذِي ... أَبْصَرْتُهُ أَسْرَعَ باْلعُذْرِ
فطرب وضرب برجله وقال خذها، وأمر لدحمان بخمسة آلاف درهم، وفي غير هذا الخبر: أنه سمي حكم الوادي لكثرة غنائه.
حدثنا أبو ذكوان قال حدثنا العتبي قال كان محمد بن أبي العباس جواداً قوياً وكان يلوي العمود ويلقيه إلى أخته ريطة فترده، قال وكان ممدحا، وفيه يقول حماد عجرد:
أَرْجُوكَ بَعْدَ أَبِي اْلَعَّبِاس إْذ بانَا ... يا أَكْرَمَ النَّاسِ أعْراقاً وَعِيدَانا
فَأَنْتَ أَكْرَمُ مَنْ يَمشِي عَلَىَ قَدمٍوَأَنْضَرُ النَّاسِ عِنْدَ الَمْحِل أَغْصانا
لَوْ مَجَّ عُودٌ عَلَى قَوْمٍ غَضارَتَهُ ... لَمَجَّ عُودُكَ فِينا المِسْكَ والَبْانَا
стр. 7
ومما يغنى فيه من شعر محمد وهو عندي من ملح كلامه أنشدنيه أبو موسى محمد بن موسى مولى بني هاشم بالبصرة سنة أربع وسبعين ومائتين:
أَسْعِدِ الصَّبَّ يا حَكَمْ ... وَأَعنْهُ عَلَى الأْلَمْ
وَأَدِرْ فِي غِناِئِه ... نَغَماً تُشْبِهُ النَّعَمْ
أَجَمِيلٌ بِأَنْ تُرَى ... نائِماً وَهْوَ لَمْ يَنمْ
لائِمي فِي هَوَى زَيْنَبَ أَنْصِفْ وَلا تَلُمْ
لَبِسَ الجِسْمُ حُلَّةً ... فِي هَواها مِنَ السَّقَمْ
ومن شعره
بِنَفْسيَ مَنْ مَنَعَتْ نَفْعَها الْمُحِبَّ ومَا مَنَعَتْ ضَيْرَها
لَها صَفْوُ وُدِّي وَلِكنَّنِي ... حُرِمْتُ عَلىَ وُدِّها خَيْرَها
سَقَتْني عَنْ غَيْرِها سَلْوَةً ... فَلَسْتُ أَرَى حَسَناً غَيْرَها
حدثنا الغلابي قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال لما أراد محمد ابن أبي العباس الخروج من البصرة قال:
أَيا وَقْفَةَ الْبَيْنِ ماذا شَبَبْتِ مِنَ النَّارِ في كَبِدِ المُغْرَمِ
رَمَيْتِ جَواِنحهُ إذْ رَمَيْتِ ... بِقَوْسٍ مُشَدَّدَةِ الأْسُهِم
стр. 8
وَقَفْنا لِزَيْنَبَ يَوْمَ الْوَداعِ ... عَلَى مِثْلِ جَمْرِ الْغَضا الْمُضْرَمِ
فَمِنْ صَرْفِ دَمْعٍ جَرَى لْلِفِرا ... قِ وَمُمْتَزِجٍ بَعْدَهُ بِالَّدمِ
ومات محمد بن أبي العباس في أول سنة خمسين ومائة، فقال حماد عجرد يرثيه:
صِرْتُ للدَّهْرِ خاشِعاً مُسْتَكِينا ... بَعْدَما كُنْتُ قَدْ قَهَرْتُ الدُّهُورا
حِينَ أَوْدَى الأْمِيرُ ذاَك الذَّيِ ... كُنْتُ بِه حَيْثُ كُنْتُ أُدْعَى أمِيرا
كُنْتُ فِيما مَضَى أُجِيرُ بِه الدَّهْرَ فَأَصْبَحْتُ بَعْدَهُ مُسْتَجِيرا
ياسَمَّي الَّنِبِّي يا اْبَن أِبي الْعَبَّاِس حَقَّقتَ عِنِدي الْمَحْذُورا
سَلَبَتْنِي المَنُونُ إْذ سَلَبْتِنيكَ سُرُورِي فَلَسْتُ أَرْجُو سُرُورا
لَيْتَنِي مُتُّ حِينَ مُتَّ لا بَلْ ... لَيتْنَيِ كُنْتُ قَبْلَكَ المَقْبُورا
أَنْتَ ظَلَّلْتَنِي الْغَمامَ بِنُعْما ... كَ وَوَطَّأْتَيِ وِطاَء وَثيِرا
لَمْ تَدَعْ إذْ مَضَيْتَ فِينا نَظِيراً ... مِثْلَ ما َلْم يَدَعْ أَبوكَ نَظِيرا
أبُو أيّوبَ سُلَيْمانُ بْنُ الَمْنصُور
وأمه أم يعقوب وعيسى ابني المنصور فاطمة بنت محمد بن محمد
стр. 9
ابن عيسى بن طلحة بن عبيد الله قليل الشعر فصيح خطيب حدثنا محمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن صالح قال: كتب سليمان ابن المنصور وهو يلي بعض الشام إلى محمد بن صالح بن بَيْهَسَ الكلابي حين ظهر المسمى بالسفياني كتاباً طويلاً يقول في آخره:
أَتاكَ قَوْلُ مَهِيبٍ غَيْرِ مُهْتَضمِ ... حامِي الذِّمارَ مَنِيعِ الجَارِ وَالدِّمَمِ
فَلْستُ لُبَّ بَنِي الْعَبَّاسِ إنْ سَلَمْتكِلابُ لَمْ أَغْشَها بِالصَّيْقَل الرَّقِمِ
في عَسْكَرٍ قادَهُ منْ هاشم مَلٌك ... جاري الأْضاِ آة ثَبْتُ الْقَلْبِ وَاْلقَدَمِ
حَتَّى أُغادرِها صَرعَي ومن لِمَنْ ... بَيْنَ المِنازِلِ وَالأْمْوال وَالحَرَمِ
ثَوابَ ما فَعلوا إنِّي الزَّعِيمُ بِما ... فِيِه بَوارُهُمُ مِنْ عاجلِ النِّقَمِ
حدثنا أبو الحسن الأسدي قال حدثني أبو هفان قال حدثني سعيد ابن هريم: قال اشترى سليمان بن المنصور جارية يقال لها ضعيفة بخمسة آلاف دينار، فبلغ المهدي خبرها فوجه إليه: يا أخي بحقي عليك إلا أخذت هذه العشرة الألف الدينار، وآثرتني بضعيفة عزمة مني عليك فأنفذها إليه، وقيل بل قسره على أخذها، ثم تتبعتها نفسه فسأل المهدي فيها، فلم يجبه فقال:
стр. 10
رَبِّي إِلَيْكَ المُشْتَكَى ... ماذا لَقِيتُ مِنَ الخَلِيفَةْ
يَسَعُ الْبَريَّةَ عَدْلُهُ ... وَيَضِيقُ عَنِّي فيِ ضَعِيَفهْ
عِلَقَ الْفُؤَادُ بِذِكْرها ... كَالْحِبِرْ يَعْلَقُ فِي الصَّحِيَفهْ
لِي قِصَّةٌ فِي أَخْذِها ... وَخَدِيعَتِي عَنْها طَرِيفَهْ
وهو القائل فيها، أنشدنيه أبو العباس المرشدي عن العنزي:
أَللهُ يَعْلَمُ وَجْدِي ... بِمَنْ هَوِيتُ وَجَهْديِ
وَأَنَّني حاِئرُ الْعَقْلِ لَسْتُ أُبْصرُ قَصْديِ
يا قَوْمِ هَلْ مِنْ مُنادٍ ... عَلَى مُضَيِّعِ رُشْديِ
مَنْ باعَ قُرْباً بِبُعْدٍ ... وَباعَ وَصْلاً بِصَدِّ
هَلْ مِنْ مُجِيرٍ عَلَى ذا الإْ ... مامِ فِي اْلحُبِّ يُعْدِي
يَقاتلُ المَنْعُ مِنْهُ ... بِلاَ سِلاَحٍ وَجُنْدِ
حَتَّى يُقَرِّبَ مِنِّي الْحيَاةَ مِنْ بَعْدِ بُعْدِ
َيُرُّد دينِي وَدُنْيا ... يَ عَاجِلاً أَوْ بِوَعْدِ
ما كانَ طاِلعُ بَيْعِي ... لَها بطالعِ سَعْدِ
ومن مشهور شعره فيها يخاطب المهدي قرأته بخط أبي المدور الوراق ورأيته في غير كتاب:
стр. 11
قُلْ لِلإماِم مَقالاً غَيْرَ مَجْحُودٍ ... يا أَعْرَقَ النَّاِس فِي مَجْدٍ وفِي جُودِ
أَنْعِمْ عَلَيَّ وَلا تَبْخَلْ بِجارِيَةٍ ... أَوْدَى هَواها وَلَمْ يَظْلَمِ بِمَجْهودِي
وَلا تُسْمنَي ظُلْماً فِي النِّعاجِ كَما ... خُبِّرْتَ عَنْ قصَّةِ الأَوَّابِ دَاوُدِ
وَتُبْ كَما تابَ يا أَرْعَى الوْرَى نَسَباًوَاعْمَدْ لا بِرْاءِ صَبِّ الْقَلْبِ مَعْمودِ
فَقَدْ تُرَى واجِداً ما تَشْتَهِي أَبَداً ... وَلَيْسَ ما أَشْتَهِى عِنْدي بِمَوْجُودِه
ولاَ تَلُمْ قَلَقِي فيها وَلا جَزَعِي ... ما الصَّبْرُ عَنْ مِثْلهِا عِنْدِي بِمَحْمُودِ
ومن أشعاره فيها:
وَشاِدنٍ أَذْهَلَنِي فَقْدُهُ ... عَنْ لَذَّةِ اْلعَيْشِ وعَنْ طِيِبهِ
نافَسَنِيهِ الدَّهْرُ حَتَّى لَقَدْ ... بَعَّدهُ مِنْ بَعْدِ تَقْريِبِهِ
فَقُلْتُ لَمَّا هَدَّنِي فَقْدُهُ ... وَأَيقَنَ الْقَلْبُ بِتَعْذِيِبِه
مَنْ ذا الذَّي يُوصلُ لِي لَحْظَهُ ... إلَى حَبِيِس الْقَصرِ مَحْجُوِبِه
حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدثني ابن أبي سعد قال حدثني أحمد بن عمران النسائي قال حدثني محمد بن عيسى الأواني قال دفع سليمان بن أبي جعفر رقعة منه إلى المهدي إلى ابنه موسى الهادي، وقال له: كلم أباك أن يرد على عمك جاريته ضعيفة، فكلمه فلم يفعل وقال: ولا كرامة، فبلغ سليمان قوله فقال:
أُْعِقْبتُ مِنْ فِعْلِي النَّدامَهْ ... وَحَصَلْتُ فِيهِ عَلَى اْلعَرامَهْ
стр. 12
وَفقَدْتُ مِنْ فَقْدِي لَهُ ... فَقْدَ اِلكْتابَةِ وَالسَّلامَهْ
وَأَنا شَكَوْتُ إلَى الذَّيِ ... وَرِثَ الِخلافَة وَالإِمامَهْ
شَوْقِي بِها أَلْقاهُ مِنْ ... وَجْدٍ يَقَولُ وَلا كَرامَهْ
يا لاِئِمي فِي حُبِّها ... الْحُسْنُ خَصْمُ ذَوِي المَلامَه
حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن معاوية الأسدي قال حدثني محمد بن سلمة بن أبي تبيل اليشكري قال بلغني إن المهدي أخذ من بعض إخوته جارية فلم يصبر أخوه عنها، فسأله ردها فأبى فكان يعمل فيها الأشعار فقال:
أَشْكُو إلَى مَنْ يَعْلَمُ الشَّكْوَى ... ما فيِكِ لاقَيْتُ مِنَ البْلَوَى
يَظْلُمِني مَنْ حُكْمُهُ ناِفذٌ ... عَلَيَّ لا يَسْمَعُ لِي دَعْوَى
مَنْ ذَا الَّذِي يُعْدِي عَلَى سَيِّدٍ ... عَلَيْهِ مِنْهُ يُؤْخَذُ الْعدْوَى
فَاعْطِفْ إلهَ النَّاسِ لِي قَلْبَهُ ... بِرَدِّها يا سامِعَ النَّجْوَى
فلما سمع المهدي أبياته هذه رق له وردها عليه قال أبو علي العنزي هو سليمان بن أبي جعفر وسليمان الذي يقول:
بَقِيتُ غَداةَ النَّوى حائِراً ... وَقَدْ حان مِمَّنْ أُحِبُّ الرَّحِيلُ
فَلَمْ تَبْقَ لِي دَمْعَةٌ فِي الشُّؤُو ... نِ إلاَّ غَدَتْ فَوْقَ خَدِّي تَجولُ
فَقالَ نَصِيحٌ مِنَ اْلقَوْمِ لِي ... وَقَدْ كادَ يَقْضِي عَلَيَّ الْغَليِلُ
стр. 13
تَرَفَّقْ بِدَمْعِكَ لا تُفْنِهِ ... فَبَيْنَ يَدَيْكَ بُكاءٌ طَوِيلُ
وقال:
يا باعِثاً لِلْفُؤَادِ وَجْدا ... أَبْدَعَهُ حُسْنُهُ الْبَدِيعُ
أَصْبَحَ حَرْباً لِيَ الهْجُوُعُ ... مِنْكَ وَسَلْماً لِيَ الدَّمُوعُ
يُكَلِّفُ العاذِلون قلبِي ... بِاْلَعْذلِ ما لَيْسَ يَسْتَطيِعُ
قَلْبِي لِمَنْ لامَ فِيهِ عاصٍ ... وَهُوَ لِمْنْ لَمْ يَلُمْ مُطِيعُ
ضَعِيفَةٌ تُضْعِفُ اصْطِباري ... قَلْبِيَ مِنْ حُبِّها وَجِيعُ
ِبيعَ عَلىَ رَغْمِ ماِلِكِيه ... مُغْتَبِطٌ لَيْسَ يَسْتَبِيعُ
حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب الزبيري قال كان إسحاق ابن سماعة المطيعي نزل الرقة وكان شاعراً محسناً، فولى سليمان بن المنصور الرقة من قبل الرشيد والمأمون بعد، فلم يعرف لابن سماعة موضعه ورده عن حاجته، وتصدق سليمان بمال كثير فقال إسحاق ابن سماعة:
وَزَلَّةٍ يُكْثِرُ ئلشَّيْطانُ إنْ ذِكرَتْ ... مِنْها التَّعَجُّبَ جاءَتْ مِنْ سُليَمْانا
لا تَعْجَبَنَّ لِخَيْرٍ زَال عَنْ يَدِهِفَالْكَوْكَبُ النَّحْسُ يَسْقِي الأَرْضَ أَحْيانا
حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود قال حدثنا عمر بن شبة قال غزا الرشيد وخلف المأمون بالرقة وعلى الرقة سليمان بن أبي جعفر فقال ابن سماعة:
стр. 14
يا طالِباً أبِي بنَيِ اْلعَّباِس قُرْصَتَهُ ... فيِ الأَمْن دُونَكَها إنْ كُنْتَ يَقْظانا
أما تَرَى الَّرقَّةَ الْبَيْضاءَ شاغِرَةً ... إلاَّ شَراذِمَ شُذَّاذاً وَخُصْيانا
ما تَرْتَجِى بَعْدَ هَذا اْليَوْمِ لا ظَفِرَتْكَفَّاكَ إنْ لَمْ تَنَلْها مِنْ سُلَيْمانا
لاَ عَيْبَ بِالَمْرءِ إلاَّ أَنَّهُ رَجُلٌ ... يَحْكِي الْخَرِائَد تَأْنِيثاً وَتِلْيانا
يعني سليمان بن أبي بكر حدثنا عون بن محمد قال حدثنا سعيد بن هريم، قال كان إسحاق ابن وهب بن سماعة المعيطي يهجو سليمان بن أبي جعفر وهو يلي الرقة، وكان لإسحاق ضياع بها، فطلبه فاستتر ثم ظفر به فحبسه إلى أن مات في الحبس، فهجاه بأشعار قبيحة، فمن شعره فيه وهو محبوس:
قُلْ لِسُلَيْمانَ عَلَى ما أَرَى ... مِنْ طُوِل حَبْسِي وَاقْترابِ الأَجَلْ
حَبَسْتَنِي مِنْ غَيْر جُرْمٍ سِوَى ... حِكايَتيِ عَنْكَ مَقالَ الخْطَلْ
قَوْلَكَ ما أَعْرفُ مِنْ لَذَّةٍ ... لَمْ أَشْفِ فيِها النَّفْسَ إلاَّ الْحَبَلْ
حدثنا يحيى بن عبد الله، قال حدثني أحمد بن يحيى بن جابر قال: هجا ابن سماعة المعيطي سليمان بن أبي جعفر وهو بلي الرقة للمأمون فحبسه، فكلمه فيه سعيد الجوهري فخلى سبيله، ثم عاد لهجائه فاستأذن المأمون في حبسه فأذن له، فحبسه وجلده وضربه إلى أن مات في الحبس، فمن هجائه له:
стр. 15
تَعْفُو اْلكُلومُ وَيَنْبُتُ الشَّعَرُ ... وَلِكُلِّ وَارِدِ مَنْهَلٍ صَدَرُ
وَاْلعارُ في أَثْواب مُنْبَطِحٍ ... لِعبِيدِه ما أَوْرَقَ الشَّجَرُ
حدثني يحيى بن علي قال حدثني أبي عن إسحاق قال شهدت سليمان بن أبي جعفر ذات ليلة عند محمد الأمين وأراد الانصراف فقال له أتركت الماء أو الظهر قال الماء ألين علي. قال أوقروا له زورقه ذهبا فأوقروه له.
أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي
حدثنا يحيى بن علي عن أحمد بن يحيى بن جابر قال حدثني هبة الله بن ابراهيم بن المهدي أن محياه الطائفية أو ولد المنصور كانت بعثت بشكلة أم إبراهيم إلى الطائف فنشأت هناك ففصحت وقالت الشعر وأنشدني لها شعراً في أخ كان لها يقال له أحمد وهو:
أَحْمَدُ تَفْدِيهِ شَبابُ فِهْرِ ... مِنْ كُلِّ ما رَيْبٍ وَأَمْرٍ نُكْرِ
قَدْ جَاء مِثْلَ الشَّمسِ غِبَّ قَطْرِ ... فِي حُسْنِ بَدرٍ وَاعْتِدالِ صَدْرِ
بُنَيَّ أَحْشائي وَذُخْرُ ذُخْرِي ... شَدَّ إلهِي بِأَبيِكَ ظَهْرِي
وَزادَهُ رَبُّ الْعُلَى مِنْ عُمْرِي ... وَذَبَّ عَنْهُ خائفاتِ الدَّهْرِ
وَعَنْكَ ما أَدْرِي ومَا لا أَدْرِي
قال وإبراهيم شاعر عالم بالغناء مقدم في الحذق، بايعه أهل بغداد
стр. 16
بعد قتل محمد الأمين، فلما ظهر قواد المأمون استخفى فلم يزل كذلك مدة طويلة إلى أن قدم المأمون بغداد، ثم ظهر عليه فعفا عنه فعمل فيه أشعارا وشكلة من سبى دنباوند قتل أبوها شاهمرد وسبيت هي وبخترية أم منصور بن المهدي، فوهبها المنصور لمحياة أم ولد له فوهبتها للمهدي وولد إبراهيم بن المهدي غرة ذي القعدة سنة اثنتين وستين ومائة وتوفي في أول سنة أربع وعشرين ومائتين، وقيل في آخر سنة ثلاث وعشرين بسر من رأى.
حدثنا يموت بن المزرع قال حدثني الجاحظ قال أرسل إلى ثمامة يوم جلس المأمون لإبراهيم بن المهدي، وأمر بإحضار الناس على مراتبهم فحضروا، فجيء بإبراهيم في قيد فسلم، فقال له المأمون: لا سلم الله عليك، ولا حفظك فقال: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت ولي ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدله في الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنى فوق كل ذنب، وعفوك فوق كل عفو، فإن تعاقب فبحقك، وإن تغفر فبفضلك فقال له المأمون إن هذين أشارا علي بقتلك وأومأ إلى المعتصم وإلى ابنه العباس فقال قد أشارا بما يشار بمثله في مثلي، وما غشاك في عظم الخلافة ولكن الله دعوك من العفو عادة، فأنت تجري عليها دافعا ما تخاف بما ترجو، فقال: أطلقوا عمي، فقد عفوت عنه.
стр. 17
فقال بعقب هذا:
وَعَفَوْتَ عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ مِثْلِه ... عَفْوٌ وَلَمْ يَشْفَعْ إلَيْكَ بِشافِعِ
إلاَّ الْعُلُوَّ عَنِ الْعُقَوبَةِ بَعْدَما ... ظَفِرَتْ يَداكَ بِمُسْتَكِينٍ خاضِعِ
فَرَحْمتَ أَطفالاً كأَفْراخِ الْقَطا ... وَعَوِيلَ عانِسَةٍ كَقَوْسِ النَّازِعِ
قَسَماً وَما أُدْلِي إِلَيْكَ بِحُجَّةٍ ... إلاَّ التَّضَرُّعَ مِنْ مِقُرٍ خاشِعِْ
ما إنْ عَصَيْتُكَ وَاْلغُواةُ تُمدُّنِي ... أَسْبابُها إلاَّ بنيَّةِ طائِعِ
وهذه قصيدة طويلة أولها:
يا خَيْرَ مَنْ ذَمَلَتْ يَمانِيَةٌ بِهِ ... بَعْدَ الرَّسُولِ لآِيِسٍ أوْ طامِعِ
وله في عفوه أشعار كثيرة منها قصيدة أولها:
أَعْنِيكَ يا خَيْرَ مَنْ تُعْنَى بِمُؤْتَلِفٍمِنَ الثَّناءِ ائْتلافَ الدُّرِّ فِي النَّظْمِ
أُثْنِى عَلَيْكَ بِما جَدَّدْتَ مِنْ نِعَمِوَما شَكَرْتُكَ إنْ لَمْ أُثْنِ بِالنِّعَمِ
وفيها
رَدَدْتَ مالِي وَلَمْ تَمْنُنْ عَلَيَّ بِهِ ... وَقَبْلَ رَدِّك مالِي ما حَقَنْتَ دَمِي
فَنُؤْتُ مْنُه وَما كافَأْنُها بِيَدٍ ... هِي الْحَياتانِ مِنْ مَوْتٍ وَمِنْ عُدْمِ
اْلبُّرِ لِي مِنْكَ وَطْءُ اْلعُذْرِ عِنْدَكَ لِيفِيما أَتَيْتُ فَلَمْ تَعْذُلْ وَلَمْ تَلُمِ
وَقَامَ عِلْمُكَ بِي فَاحْتَجَّ عِنْدَكَ لِي ... مَقامَ شاهِدِ عَدْلٍ غَيْرِ مُتَّهَمِ
стр. 18
تَعْفُو بِعَدْلٍ وَتَسْطَو إنْ سَطَوْتَ بِهِ ... فَلا فَقَدْناكَ مِنْ عافٍ وَمُنْتَقِمِ
حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا عبد الوهاب بن محمد ابن عيسى قال استخفى إبراهيم عند بعض أهله من النساء، فوكلت بخدمته جارية جميلة، وقالت لها: أنت له، فإن أرادك لشيء فطاوعيه وأعلميه ذلك حتى يتسع له. فكانت توفيه حقه في الخدمة والاعظام، ولا تعلمه بما قالت لها، فجعل مقدارها في نفسه، إلى أن قبل يوماً يدها فقبلت الأرض بين يديه فقال:
يا غَزالاً لِي إِليْهِ ... شافِعٌ مِنْ مُقْلَتَيْهِ
وَالَّذِي أَجْلَلْتُ خَدَّ ... يْه فَقَبَّلْتُ يَدَيْهِ
بأَبي وَجْهَكَ ما ... أَكْثَرَ حُسَّادِي عَلَيْهِ
أَنا ضَيْفٌ وَجَزاُء الْضَّيْفِ إحْسانٌ إلَيْهِ
وعمل بعد ذلك فيه لحنا من طريق الهزج حدثني عبد الله بن محمد بن علي الكاتب قال حدثنا أبو العيناء قال سمعت إبراهيم بن الحسن بن سهل يقول: لم يكن إبراهيم بن المهدي يصدق أن عفو المأمون عنه يدوم، ويرى أنه سيلحق به جملة، فكان يتعهر ويتهتك ويغنى لكل واحد، ولا يخلى المأمون في كل وقت من مدح.
حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثنا أبي قال كتب إبراهيم ابن المهدي إلى عمرو بن بانة حين ظهر ورضي عنه المأمون يدعوه
стр. 19
فكتب إليه عمرو: أخاف سخط أمير المؤمنين. فكتب إليه إبراهيم: ليس يخلو أمير المؤمنين من أن يكون راضياً عني فما يكره أن تسرني، أو ساخطاً فما يكره أن تعرني، وما تخرج عن هاتين.
حدثني الحسن بن يحيى الكاتب قال سمعت هبة الله بن إبراهيم ابن المهدي يقول حين أخذ أبي إبراهيم كتب إلى المأمون رقعة فقرأها قبل أن يراه وهو أول شعر قرأه له:
أيا مُنْعِماً لَمْ تَزَلْ مُفْضِلا ... أَدامَ الضَّنَى سُخْطُكَ الدَّائُم
ظُلْمتُ فَانْ قُلْتَ لا بَلْ ظَلَمْتَ فَإِّنِي أَنا الكْاذِبُ الآْثِمُ
وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ زَلَّتي ... فَإِّنَي مِنْ جُرْمِها واجِمُ
يُفَزُّ الْحَلِيمُ وَيَكْبو الْجَوا ... دُ وَيَنْبُو لَدَي الضَّرْبَة الصَّارِمُ
فَها أَنا ذا اْلعاِئذُ الْمسِتجيرُ فَاحْكُمْ بِما شِئْتَ يا حاكمُ
عَصَيْتُ وَتُبْتُ كما قَدْ عَصَى ... وَتَابَ إلَى رَبِّه آدَمُ
فَقُلْ قَوْلَ يُوسُفَ لا تَثْرِبُنَّ فَقَدْ يَغْفرُ الْغاِفرُ الرَّاِحمُ
فَلَسْتُ إلىَ زَلَّةٍ عائِداً ... يَدَ الدَّهْرِ ما قَعَدَ الْقاِئمُ
قال فحل ذلك أكثر ما كان في نفسه حدثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن راشد قال دخلت يوما إلى إبراهيم بتن المهدي فتجارينا ذكر الدول فأنشدني لنفسه:
فَلّلِهِ نَفْسِي إنَّ فِيَّ لَعِبْرَةً ... وَلِلدَّهْرِ نَقْضٌ لِلقُوىَ بَعْدَ إبْرام
стр. 20
غَدَوْتُ عَلَى الدُّنْيا مَلِيكاً مُسَلَّطاً ... وَرُحْتُ وَما أحْوِى بِها قَبْسَ إبهاِم
حدثنا عون قال أنشد إبراهيم بن المهدي المأمون شعراً يعتذر فيه فقال له حين فرغ منه: قد أفرط شكرك، كما أفرط جرمك، والإحسان محاء للإساءة.
وأنشدني عون له بعقب هذا وكان يستجيده:
وَنَهَيْمتَ نَوْمِي عَنْ جُفونِي فَانْتَهَى ... وأَمَرْتَ لَيْلِي أَنْ يَطُولَ فَطالاَ
نَظَرُ اْلعُيوِن عَلَى اْلعُيوِن هُوَ الَّذِيجَعَلَ الْعُيونَ عَلَى اْلعُيوِن وَبالاَ
حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عباد قال حدثني أبي قال كان إبراهيم ابن المهدي قد ترك الغناء في آخر أيامه، وذاك أنه غنى المعتصم صوتاً بشعر له في طريقة الثقيل الثاني في الأصبع الوسطى نوحيا على عمد:
ذَهْبْتُ مِنَ الدُّنْيا وَقَدْ ذَهَبًتْ مِنِّيهَوَى الشَّيبُ بِي عَنْها وَوَلَّي بِها عَنِّى
فِإنْ أَبْكِ نَفْسِي أَبْكٍ نَفْساً نَفِيسَةًوَإنْ أَحْتَسِبْها أَحْتَسِبْها عَلَى ضَنِّ
وجعل يغني ويبكي، فقال له المعتصم: ما هذا يا عم؟ قال: حلفت بين يدي الرشيد أني إذا بلغت الستين لم أشرب ولم أغن، قال ومن يشهد بهذا؟ قال جماعة قد بقي منهم مسرور الخادم، فسأله عن ذلك فشهد له، فأعفاه عن الغناء الشرب والغناء فما عاد لذلك إلى أن مات.
حدثني الحسين بن يحيى قال سمعت عبد الله بن العباس بن
стр. 21
الفضل بن الربيع يقول بلغ إبراهيم بن المهدي من حسن الغناء والعلم إلى نهاية ما بعدها، حتى أنه كان يجاذب إسحاق الموصلي. . . صنعة حسنة شبه بها صنعة الأوائل، منها أنه غنى في شعر مروان أبي حفصة من طريقة الثقيل الأول:
طَرَقَتْكَ زائِرَةٌ فَحَيِّ خَيالَها ... حَسْناءُ تَخْلطُ بِالْجَمَالِ دَلالهَا
حدثنا يحيى بن علي عن أبيه عن إبراهيم بن علي بن هشام أن إسحاق كتب إلى إبراهيم بن المهدي بجنس صوت صنعه مجزأ وأجزاء لحنه فغناه إبراهيم من غير أن يسمعه والصوت:
حَيِّيا أُمَّ يَعْمُرٍ ... قَبْلَ شَحْطٍ مِنَ النَّوِى
فَقُلْتُ لاَ تُعْجِلُو الروَّاحَ فَقالُوا أَلاَ بَلَى
وهذا مما لم يسمع بمثله من فعلهما، والذي فعله إبراهيم بن المهدي أشد وأعجب، واللحن الذي عمله إسحاق في هذا الشعر من الثقيل الثاني وللهذلي فيه لحن في طريقة خفيف الثقيل الأول.
وكان إبراهيم بن المهدي ينسب الثقيل الأول الذي عليه الناس جميعاً إلى الثقيل الثاني، وينسب الثقيل الثاني إلى الثقيل الأول، وتابعه على ذلك عمرو بن بانة، وكان أحد غلمانه.
من شعر إبراهيم
الشَّيْبُ شَيْنٌ وَالْخُضابُ عَذابُ ... وَلِكُلِّ حَيٍّ مُهْجَةٌ سَتُصابُ
стр. 22
قاَلتْ أماَمُة شِبْتَ يا ابْنَ مُحَمَّدٍ ... شَيْباً وَشابَ أُمامَةُ الأَتْرابُ
وهذا معنى مليح، يقول وقد شبت أنت أيضاً، ومثله لكعب بن زهير وهو أوضح من هذا:
ألاَ بَكَرَتْ عِرْسِي تَلُومُ وَتَعْذِلُ ... وَغْيرَ الذَّيِ قالَتْ أَعَفُّ وَأَجْمَلُ
أُرِيتُ مِنْ الشَّيِب الْعَجيِب الذَّي رَأَتْفَهَلْ أَنْتِ مِنِّي وَيْبَ عَيْرِكِ أَمْثَلُ
كِلانا عَلَتْهُ كَبْرَةٌ فَكَأَنَّما ... رَمَتْهُ سِهاٌم فِي الْمَفارِقِ نُصَّلُ
يقول نحن وإن شبنا على أمرنا في اللهو والبطالة، فكأن سهام الشيب نصل لا زجاج عليها، حين أصابتنا فلم تغن شيئاً. فأخذها أبو نواس فقال وخلط:
خَلَقَ الشَّبابُ وَشرَّتِي لَمْ تَخْلَقِ ... وَرُميِتُ مِنْ عِوَضِ الشَّبابِ بأَفْوقِ
وليس من ذاك لأنه يقول رميت بسهم في اللهو مكسور الفوق لأني شيخ. يقال خلق الثوب يَخْلَق وَأَخْلَقَ يُخْلِقُ ومن مليح ما يشبه هذا ما حدثني به الحسن البلعي عن أبي حاتم السجستاني قال قرأت على الأصمعي شعر حسان ومرت قصيدته:
مَنَعَ النَّوْمَ بالِعْشاءِ الْهُمُومُ
إلى أن بلغت:
لَمْ تَفُقْها شَمْسُ النَّهار بِشَيْءٍ ... غَيْرَ أَنَّ الشَّبابَ لَيْسَ يَدْومُ
فقال الأصمعي: آه، أخبر والله أنها كبيرة!
стр. 23
حدثنا ميمون بن هارون قال سمعت الفضل بن مروان يقول كان إبراهيم بن المهدي أصح الناس رأياً لغيره وأفسدهم رأياً لنفسه. فقيل له في ذلك فقال أنا أنظر في أمر غيري برأي سليم من الهوى ويغلب على رأيي في أمر نفسي ما أهواه حدثنا يحيى بن علي قال أخبرني أبي عن يوسف بن إبراهيم وهو ابن خالة إبراهيم بن المهدي قال حضرت إبراهيم بن المهدي وإسحاق بن إبراهيم الموصلي يتلاحيان في التجزئة والقسمة في الغناء، فقلت لهما أراكما توجبان لهما له معنيين ومعناهما واحد، فقال لي إبراهيم لا لوم عليك فيما أنكرت من باب التجزئة والقسمة، لأن المنطق يوجب ما قلت، ولكن أصحاب صناعة اللحون إذا أرادوا وضع صوت ما قلت، ولكن أصحاب صناعة اللحون إذا أرادوا وضع صوت جزؤا شعره على أجزاء معلومة ثم قسموا اللحن على تلك الأجزاء فالتجزئة عندهم تجزئة الشعر، والقسمة قسمة اللحن على الأجزاء. قال ولم يكن أحد بعد اسحق أعلم بالغناء من إبراهيم حدثني يحيى بن علي قال حدثني أبو العيبس بن حمدون عن عمرو بن بانة قال رأيت إبراهيم بن المهدي يناظر اسحق في الغناء، فتكلما فيه بما فهماه ولم أفهم منه شيئا، فقلت لهما لئن كان ما أنتما فيه من الغناء فما نحن منه في قليل ولا كثير.
حدثني محمد بن سعيد قال حدثني أبو أمامة الباهلي عن الحسين ابن الضحاك وحدثناه المغيرة بن محمد المهبلي أن الحسين بن الضحاك شرب عند ابراهيم بن المهدي يوماً فجرت بينهما ملاحاة في الدين
стр. 24
والمذهب فدعا له ابراهيم بنطع وسيف وقد أخذ الشراب منه وانصرف الحسين غضبان فكتب ابراهيم يعتذر إليه ويسأله أن يحيبه فقال الحسين:
نديمي غيْرُ مَنْسوبٍ ... إلَى شَيْءِ مِنَ الْحَيْفِ
سَقانِي مِثْلَ ما يَشْرَ ... بُ فِعْلَ الضَّيْفِ بالضَّيْفِ
فَلَمَّا دارَتِ الْكَأْسُ ... دَعا بالنِّطْعِ والسَّيْفِ
كَذا مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ... مَعَ التِّنِّينِ فِي الصَّيْفِ
فلم يعد لمنادمته مدة، ثم إن إبراهيم تحمل عليه ووصله، فعاد لمنادمته.
حدثنا أحمد بن محمد أبو إسحاق الطالقاني قال حدثني عبيد الله ابن محمد بن عبد الملك الزيات قال لما وثب إبراهيم بن المهدي على الخلافة اقترض من مياسير التجار مالا فأخذ من عبد الملك جدي عشرة آلاف دينار، وقال أردها إذا جاءني مال، ولم يتم أمره واستخفى.
ثم ظهر فطولب بالأموال، فقال إنما أخذتها للمسلمين وأردت أن اقضيها من أموالهم، والأمر إلى غيري. فعمل أبي محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب بها المأمون ومضى بها إلى إبراهيم بن المهدي فأقرأه إياها وقال: والله لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي
стр. 25
لأوصلن هذه القصيدة إلى المأمون، فهاب إبراهيم أن يقرأ المأمون مثلها، وقال خذ مني بعض المال ونجم بعضه ففعل أبي ذلك وأحلفه أنه لا يظهر القصيدة في حياة المأمون ووفى له بباقي المال، والقصيدة
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الشَّيْءَ للشَّيءِ علَّةٌتَكُونُ لَهُ كالنَّارِ تُقْدَحُ بِالزَّنْدِ
كَذلِكَ جَرَّبْنا الأْمُوُرَ وَإنَّما ... يَدُلُّكَ ما قَدْ كانَ قَبْلُ عَلَى الْبُعْدِ
وَظَنِّي بإبْراهيِمَ أَنَّ مَكانَهُ ... سَيَبْعَثُ يَوْماً مِثْلَ أَيَّامِهِ النُّكْدِ
رَأَيْتُ حُسَيْناً حيِنَ صارَ مُحَمَّدٌ ... بِغَيْرِ أمانٍ فيِ يَدَيْهِ وَلا عَقْدِ
فَلَوْ كانَ أَمْضَى السَّيْفَ فِيِهِ بِضَرْبةٍيُصَيِّرُهُ بِالْقاعِ مُنْعَفَر الخَدِّ
إذاً لَمْ يَكُنْ لْلُجْندِ فِيِه بَقِيَّةٌفَقَدْ كانَ ما بُلِّغْتُ مِنْ خَبَرِ الْجُنْدِ
هُمُ قَتَلُوهُ بَعْدَ أَنْ قَتَلُوا لَهُ ... ثَلاثيِنَ أَلفْاً مِنْ كُهُولٍ وَمِنْ مُرْدِ
وَما نَصَرُوهُ عَنْ يَدِ سَلَفَتْ لَهُ ... وَلا قَتَلُوهُ يَوْمَ ذَلكَ عَنْ حِقْدِ
وَلكنَّهُ الْغَدْرُ الصُّراحُ وَخِفَّةُ الْحُلًومِ وَبَعْدُ الرَّأْيِ عَنْ سَنَنْ الْقْصدِ
فَذَلَكِ يَوْماً كانَ لِلنَّاِس عِبْرَةًسَيَبْقَى بَقَاءَ الْوَحْيِ فِي الْحَجَرِ الصَّلْدِ
يعني بهذا الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان أخرج محمد الأمين على رؤوس الناس حاسرا حتى حبسه في مدينة أبي جعفر في الخضراء فلما كان الغد قال له الجند: كن في حيلة أرزاقنا. فدفعهم الحسين يومين ثم هرب في اليوم الثالث فتبعه تميم مولى أبي جعفر وغالب في جماعة
стр. 26
فقتلوا وجاؤا برأسه إلى محمد وأخرجوا محمداً وهو عطشان قد كاد يتلف فردوه إلى الخلافة
وَمَا يَوْمُ إْبَرِاهيمَ إنْ طَالَ عُمْرُهُبِأَبْعَدَ فِي الْمَكْرُوهِ مِنْ يَوْمِهِ عِنْدي
تَذَكَّرْ أَمِيَر المُؤْمِنِينَ قِياَمهُوَأَيْمانَهُ فِي الهَزْلِ منْهُ وَفِي الِجدِّ
أَما وَالذَّي أَمْسَيْتُ عَبْداً خَلِيَفةٌ ... لَهُ شَرُّ أَيْمانِ الخَليفَةِ وَالْعَبْدِ
إذا هَزَّ أَعْواَد الَمناِبِر بأسْتِهِ ... تَغَنَّى بِلَيْلَى أَوْ بِميَّةَ أَوْ هِنِدْ
وَوَاللهِ ما مِنْ تَوْبَةٍ نَزَعَتْ بِهِ ... لَدْيكَ وَلاَ مَيْلٍ إلَيْكَ وَلا وُدِّ
وَلِكنَّ إخْلاصَ الضَّمِيِر مًقَرِّبٌ ... إلىَ اللهِ زُلْفَى لاَ تَخِيبُ وَلا تُكْدِى
أَتاَك بِها طَوْعاً إلَيْكَ بِأَنْفِهِ ... عَلَى رَغْمِهِ واسْتَأْثَرَ اللهُ بالَحْمِدِ
فَلاَ تَتْرُكَنْ لِلنَّاسِ مَوْضعَ شُبْهَةٍ ... فَإنَّك مَجْزِىٌّ بِمِثِل الذَّي تُسْدِى
فَقَدْ غَلُطوا لِلنَّاسِ فِي نَصْبِ مِثْلِهِوَمَنْ لَيْسَ للْمَنْصورِ بِابْنٍ وَلا الْمَهدْىِ
فَكَيْفَ بِمَنْ قَدْ باَيعَ النَّاس وَالْتَقَتْببِيَعْتَهِ الرُّكْبانُ غَوْراً إلىَ نَجْدِ
وَمَنْ صَكَّ تَسلِيمُ الْخِلافَةِ سَمْعَهُينادَي بِها بَيْنَ السِّماطَيْنِ مِنْ بُعْدِ
وَأَيُّ امْرئٍ يُسْمى بِها قَطُّ نَفْسَهُ ... فَفارقَها حَتَّى يُغَيَّبَ في اللَّحْد
وَتَزْعُمُ هَذا النَّابِتِيَّةُ أَنَّهُ ... إمامٌ لهَا فيما يُجنُّ ومَا يُبْدِى
стр. 27
يَقُولُونَ سُنِّىٌّ فَأَيَّةُ سُنَّةٍتَقُومُ بِجَوْنِ اللَّوْنِ ثَغْلِ الْقَفا جَعْدِ
وَقَدْ جَعَلُوا رُخْصَ الطَّعامِ بَعْهِدِهزَعيِماً لَهُ باْليمْنِ واْلَكْوكَبِ السَّعْدِ
إذا ما رَأَوْا يَوْماً غَلاءً رَأَيْتَهُمْ ... يَحنُّونَ تَحْناناً إلىَ ذَلَك الْعَهْدِ
وَأَقَبَلَ يَوْمَ الْعِيِد يَرْجُفُ حَوْلَهُرَجِيُف الْجِيادِ وَاصْطِكاكُ الْقَنا اْلُجرِد
وَرَجاَّلَةٌ يَمْشُونَ بِالِبْيضِ قَبْلَهُ ... وَقَدْ تَبِعُوهُ بالقَضيِبِ وَباْلبُرْدِْ
فَإنْ قُلْتُ قَدْ زانَ الْخِلاَفةَ غَيْرُهُ ... فَلَمْ يُؤْتَ فِيما كانَ حاوَلَ منْ جَدِّ
فَلَمْ أَجْزِهِ إذْ خَيَّبَ اللهُ سَعْيَهُ ... عَلَى خَطَأ إنْ كانَ منْهُ وَلا عَمْد
وَلَمْ أَرْضَ بُعْدَ العَهْدِ حَتَّى رَفَدْتُهُوَلَلْعَمُّ أَوْلىَ بِالتَّغَمُّد وَالرِّفْدِ
فَلَيْس سَواءً خارِجِيٌّ رَمَى بِهِ ... إلَيْكَ سِفاهُ الرَّأْي وَالرَّأْيُ قَدْ يُرْدِى
تَعاوَتْ لَهُ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ عِصابَةٌ ... مَتَى يُورِدُوا لا يُصْدِرُوهُ عَنِ الْورْدِ
وَمَنْ هُوَ فِي بَيْتِ الْخِلافَةِ يَلْتَقِيبِهِ وَبِكَ الآْباءُ فِي ذِرْوَةِ الَمْجدِ
فَمَوْلاكَ مَوْلاهُ وَجُنْدُكُ جُنْدُهُوَهَلْ يَجْمَعُ القْيَنُ الحُسَامَيْنِ فِي غِمْدِ
وَقَدْ رابَنِى مِنْ أَهْلِ بَيْتكَ أَنَّنِي ... رَأَيْتُ لُهْم وَجْداً بِه أَيمَّا وَجْدِ
يَقُولُونَ لا تَبَعْد مِنِ ابْنِ مُلَّمِةٍصَبُورٍ عَلَيْها النَّفْسَ ذِي مِرَّةٍ جَلْدِ
فَدانا فَهانَتْ نَفْسُهُ دُونَ مُلكِناعَلَيْهِ عَلَى الحْالِ التَّيِ قلَّ مَنْ يُفْدِى
стр. 28
عَلَى حِينِ أَعطْىَ النَّاس صَفْقَ أَكُفِّهِمْعَليُّ بْنُ مُوسَى بِالْولايةِ وَالْعَهْدِ
فَما كَاَنَ فِينا مَنْ أَبَي الضَّيْمَ غَيْرَهُكَرِيمٌ كَفَى باقِي الْقُبولِ وَفِي الرَّدِّ
وَجَرَّر إبْرَاهيمُ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ ... وَأَبْدَىِ سلاحاً فَوْقَ ذِي مَنْعَةٍ نَهْدِ
فَأَبْلَى وَمَنْ يَبْلُغْ مِنَ الأَمْرِ جُهْدَهُفَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ وَإنْ كانَ لَمْ يُجْدِي
فَهَذي أُمُورٌ قَدْ يَخافُ ذَوُو النُّهَى ... مَغَبَّتَها وَاللهُ يَهْديِكَ للِرُّشْدِ
حدثنا يحيى بن علي قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني إبراهيم بن علي قال قال إبراهيم بن المهدي ثلاثة أشياء من الغناء إن لم يكن لصاحبها طبع لم يمكنه معرفتها، منها. المعرفة بالغناء، فلو أدركها إنسان بفهم وعقل وأدب لأدركها أحمد بن يوسف، وهو أجهل الناس بالغناء. ودخول الحلق في الوتر لو بلغه أحد بغير طبع لبلغه إسحق مع تقدمه في هذا الشأن وعلمه به، وما دخل حلقه في وتر قط. وغناء الصوت على مثال واحد لو بلغه أحد بغير طبع لقدر عليه عَلُّوَيةُ في حذقه وإحسانه، ولكنه يحبس موضعا ويحث موضعا، ومثل من كان كذا مثل الصبي الذي يعوج سطوره. فلا ينفع فيه التعليم حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثني أبي عن إسحق قال طهرت بعض ولدي فكتب إلى إبراهيم بن المهدي لولا أن البضاعة قصرت عن الهوى لأتعبت السابقين إلى برك، وحسبك أن تطوى
стр. 29
صحيفة البر وليس لي فيها برة، قد بعثت إليك ما المبتدأ به ليمنه والمختوم به لطيبه ورائحته، جراب ملح، وجراب أشنان.
حدثنا عون بن محمد قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي مرات وكان ابن خالته يوسف بن إبراهيم الخراساني أصدق الناس، قال كان الرشيد يحب أن يسمع إلى إبراهيم فخلا به مرات إلى أن سمعه ثم حضر معه سليمان بن أبي جعفر فقال لإبراهيم: عمك سيد ولد المنصور بعد أبيك، وهو يحب أن يسمعك، فلم يتركه حتى غنى بين يديه شعر الأحوص
إذْ أَنْتَ فِينا لَمِنْ يَنْهاكَ عاصِيِه ... وَإْذ أَجُرُّ إلَيْكُمْ سادِراً رَسَنِي
قال فأمر له بألف درهم ثم قال له ليلة، ولم يبق في المجلس عنده غير جعفر بن يحيى: أنا أحب أن أشرف جعفرا بأن تغنيه صوتا فغناه في صوت صنعه في طريقة الرمل والشعر للدارمي:
كَأَنَّ صُورَتَها فِي الْوَصْفِ إذْ وصِفَتْدِينارُ عَيْنٍ مِنَ الِمْصريَّةٍ الْعُتُقِ
فأمر له الرشيد بمائة ألف دينار.
حدثني عون بن محمد قال كان إبراهيم بن المهدي يشنأ محمد بن عبد الملك الزيات فلما ولى وزارة المعتصم قال إبراهيم:
يا ُبؤْسَ يَوْمٍ كاسِفٍ ... إنْ لَمْ يُغَيَّرْ فِي غَدِهْ
لأُمَةٍ وَزِيُرها ... عاصرُ زَيْتٍ بَيدِهْ
يُظْهِرُ نُصْحاً وَجْهُهُ ... وَغُّشهُ فِي كَبِدِهْ
стр. 30
حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا محمد بن صالح قال كان إبراهيم بن المهدي مع إحسان المأمون يشنؤه ويعيب أفعاله، وله في ذلك أشعار منها:
صَدَّ عَنْ تَوْبةٍ وَعَنْ إخْباتِ ... وَلهَا بِالُمُجونِ والْقَيْناتِ
لَيْسَ يَنْفَكُّ مَازِجاً فِي يَديِهْ ... خَمْرَ قَطْرَبُّلٍ بِماءِ الْفُراتِ
ما يُبالِي إذا خَلاَ بِأبِي عِيسَى وَشَرْبٍ مِنْ بُدَّنٍ عَطِراتِ
أَنْ يَغَصَّ المَظْلوُمُ فِي حَوْمةِ الَجْو ... رِ بِداَءٍ بَيْنَ الحَشَا وَالَّلهِاة
حدثني عون بن محمد الكندي كاتب حجر بن أحمد الحويمي بفارس وما رأيت قط شيخا أكمل منه من نظرائه، ولا أسند ولا أصدق، رأى الناس قديما فكان يروي الحرفين والثلاثة، ولو ادعى كل شيء جاز له، وكانت معه أصول أبيه بخط عون فلو أنكر أنها أصوله لصدق قال حدثنا إسحاق الموصلي قال كان إبراهيم بن المهدي لا يزال ينازعني في الغناء، فقلت له يوما يا سيدي أنت ابن الخلفاء وأخو الخلفاء وإذا بلغت ما تريد من الغناء فأنت أنت فيه، وإذا قصرت قلت كسلت ولم أنشط، وتفعل ما تريد. وأنا أغنى على كل حال وفي كل وقت فقال: صدقت في هذا ونقصت من الاستحقاق. فقلت في نفسي والله لأبغضنه ما قلت، فقلت يا سيدي قد غنيت لنفسك أصواتا كثيرة، فهل قمت على حق صوت منها حتى استوفيته كله؟ فقال أعطيتني برك هاريق، وعقوقك جملة!
стр. 31
حدثنا عون بن محمد الكندي قال حدثني الحسين بن الضحاك سنة عشرين ومائتين وإبراهيم بن المهدي حي، قال دخل إبراهيم إلى المأمون فقال: يا أمير المؤمنين إن الله فضلك في نفسك علي، وألهمك الرأفة والعفو عني، والنسب واحد، وقد هجاني دعبل فانتقم لي منه، فقال وما قال لك، لعله قوله:
نَفَرَا بْنُ شِكْلَةَ بِاْلعِراقِ وَأَهْلِهِ ... فَهَفا إلَيْهِ كُلُّ أَطْيَشَ مائِقِ
إنْ كانَ إبْراهِيم مُضْطَلعاً بِها ... فَلَتَصْلُحَنْ مِنْ بَعْدِهِ لُمخارِقِ
وَلتَصْلُحَنْ مِنْ بَعْدِ ذاكَ لِزَلْزَلٍ ... وَلتَصْلُحَّن وِراثَةً للْماِرقِ
أَنَّيَ يَكونُ وَلَيْسَ ذاكَ بِكاِئنٍ ... يَرثُ الخِلافَةَ فاسِقٌ عَنْ فاسِقِ
فقال هذا من هجائه، وقد هجاني بأقبح منه، فقال لك في أسوة لأنه هجاني فاحتملته فقال في
إنِّي مِنَ اْلقَوْمِ الذَّيِنَ سُيُوفُهُمْ ... قَتَلَتْ أَخاكَ وَشَرَّفَتْكَ بِمَقْعِدِ
شاُدوا بِذِكْركَ بَعْدَ طُولِ خُموِلِه ... وَاسْتَنْقَذُوكَ مِنَ الَحضِيضِ الأَوْهَدِ
فقال إبراهيم زادك الله يا أمير المؤمنين حلما وعلما، فما تنطق العلماء إلا عن فضل علمك، ولا يحلمون إلا اتباعا لحلمك.
وأنشدني عبد الله بن المعتز لإبراهيم بن المهدي
مَنْ قالَ فِي النَّاِس قاُلوِا فيِه مِا فيِه ... وَحَسْبُهُ ذاكَ مِنْ خِزْيٍ وَيَكْفِيِه
стр. 32
مَنْ نَمَّ فِي النَّاسِ لَمْ تُؤْمَنْ عَقاربُهُعَنِ الصَّديِقِ وَلَمْ تُؤْمَنْ أَفاعِيِه
كَالسَّيْلِ يَجْرِي وَلا يَدْرِي بِهِ أَحَدٌمِنْ أَيْنَ جاءَ ولا مِنْ أَيْنَ يَأْتيِهِ
لَوْ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ عَبْدٌ إلىَ جَبَلٍ ... دُونَ السَّماءِ لأَلْفَى رِزْقَهُ فِيِه
حدثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن راشد قال رأيت أحمد بن يوسف الكاتب يناظر إبراهيم بن المهدي في دار المأمون في أمر بني هاشم وتقديم بعضهم على بعض، فعلاه إبراهيم فصاحة وحجة، فسر من ذاك، وقلت لإبراهيم: قد رأيت هذا الذي لا يطاق منحطا في يدك فقال إبراهيم: والله لو رأيتني في يد جعفر بن يحيى لرأيت دون هذا في يدي، وما رأيت أكمل من جعفر قط.
حدثنا عبد الله بن المعتز قال حدثني إبراهيم بن إسحاق قال أنشدني أبو يعقوب إسحاق بن سليمان بن المنصور لإبراهيم بن المهدي
أَنا أَفْدِي عَلَى الهِجْرانِ زَيْنا ... وَإنْ كُنَّا عَلَى عَمْدٍ كَنْينا
وَما زَيْناً بِتَفْدِيةٍ أَرَدْنا ... وَلكِنَّا عَنَيْنا مَنْ عَنَيْنا
أَقُولُ وَقَد رَأَيْتُ لَها سَماءً ... مِنَ الِهْجْرْانِ مُقْبَلةً إلَيْنا
وَقَدْ سَحَّتْ عَزاليهِا ِبَصّدٍ ... حَوالَينْا الصُّدُودُ وَلا عَلَينْا
قلت أنا: وأظنه كنى عن زينب ولعلية في الكناية أخبار نجيء بها بعد فراغنا من أخبار إبراهيم وابنه هبة الله إن شاء الله.
حدثني عبد الله بن المعتز قال كتب إبراهيم نب المهدي إلى بعض
стр. 33
أصحابه في يوم غيم:
إنْ كُنْتُ تَنْشَطُ للصَّبوُح فَإنَّهُ ... يَوْمٌ أَغَرُّ مُحَجَّلُ الأَطْرافِ
وَأَرَى الغْمَامَةَ كَالْعُقابِ مُحَلِّقاً ... مُسْوَدَّة الأَوْساطِ والأَكْناِف
طَوْراً تَبُلُّكَ بالرَّذاذ وَتارَةً ... تَهْمِي عَلَيْكَ بِدَلْوِها اْلغَرَّاِف
فَانْعَمْ صَباحاً وَائْتنا مُتَفَضِّلاً ... وَدَعِ الخْلافَ فَلَيْسَ يَوْمَ خلافِ
حدثنا عبد الله قال كتب إبراهيم إلى طاهر كتاباً منه: زادك الله للحق قضاء، وللشكر أداء. أبلغني رسولي عنك ما لم أزل أعرفه منك، والله يمتعني بك، ويحسن في ذلك عني جزاءك، ومع ذلك فإني أظن أني علمتك الشوق لأني ذكرته لك، فهيجته منك والسلام.
فصل منه إلى منصور بن المهدي
وما الحق إلا حق الله، فمن أداه فلنفسه، ومن قصر عنه فعليها، نسأل الله أن يعمرنا بالحق، ويصلحنا بالتوفيق ويحصننا بالتقوى.
إلى العباس بن موسى
عبد الرحمن بن عبد الله، من لا أحتاح إلى وصف حاله لك، ولعلي عرفتها بعدك، غير أني أحب مسرته بقضاء حقه، وواجب حرمته في مودته وموالاته. وقد جعلك ممن يحافظ على ذلك ومثله، أراك الله ما تحب أن تحفظني ونفسك فيه، وتوليه ما جعلك الله أهله وجعله حقيقا به.
стр. 34
في كتاب له
لو عرفت فضل الحسن لتجنبت القبيح، وأنا وإياك كما قال زهير
وَذِيَ خَطَلٍ فِي اْلقَوْلِ يَحْسِبُ أَنَّهُمُصِيبٌ فَما يَلْمُمْ بِهِ فَهُوَ قائُلِهْ
عَبَأْتُ لَهُ حِلِمْي وَأَكْرمْتُ غَيْرَهُ ... وَأَعْرضْتُ عَنْهُ وَهُوَ بادٍ مَقاِتلُهْ
وإن من إحسان الله إلينا وإساءتك إلى نفسك، أنا صفحنا عما أمكننا، وتناولت ما أعجزك، فله الحمد كما هو أهله.
و فصل له
لم يبق لنا بعد هذا الجنس شيء نمد أعيننا إليه إلا الله الذي هو الرجاء قبله ومعه وبعده.
فصل له
أما الصبر فمصير كل ذي مصيبة، غير الحازم يقدم ذلك عند اللوعة طلبا للمثوبة، والعاجز يؤخر ذلك إلى السلوة. فيكون مغبونا نصيب الصابرين. ولو أن الثواب الذي جعل الله لنا على الصبر كان على الجزع لكان ذلك أثقل علينا، لأن جزع الإنسان قليل وصبره طويل، والصبر في أوانه أيسر مؤونة من الجزع بعد السلوة. ومع هذا فان سبيلنا من أنفسنا على ما ملكنا الله منها إن لا نقول ولا نفعل ما كان الله مسخطا، فأما ما يملكه الله من حسن عزاء النفس، فلا نملكه من أنفسنا.
стр. 35
وفصل له
وصل كتابك السار المؤنس، فكان سر طالع إلي وأحسنه موقعا مني، إذ كنت أستعلي بعلوك وأرى نعمتك تنحط إلي، ويتصل بي ما يتصل بالأدنين من لحمتك، وحملة شكرك، ومظان معروفك والمقيمين على تأميلك. فلا أعدمني الله ما استجنى ولا أزال عني ظلك ولا أفقدني شخصك.
وله: كتبت إليك ونحن في عافية مجددة، والحمد لله المتطول بالنعمة المرجو للمزيد، ولست وإن باعدتك الدار مني، ونأي بك الزمن عنا بمقصى القلب عن برك بالذكر، والعناية، ولا اللسان بالدعاء والمسئلة، ولا النية في الإخلاص والمحبة لا حياء العهد بالمكاتبة، وتجديد الوصلة بالمراسلة.
فإن النبي ﷺ قال التواصل بين الناس في الحضر التزاور، وفي السفر التكاتب.
قلت أنا: وأنشدني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه في معنى التزاور والتكاتب:
حَقُّ التَّنِائي بَيْنَ أَهْلِ الْهَوَى ... تَكاتُبٌ يُسْخِنُ عَيْنَ النَّوَى
وَفِي التَّدابِي لاَ انْقَضَى عُمْرُهُ ... تَزاوُرٌ يَشْفِى غَلِيلَ الْجوَى
стр. 36
وأنشدني عبد الله بن المعتز لإبراهيم بن المهدي:
قَلَيْتُ الصَّبَي وَهَجَرْتُ الْغَوانيِ ... وَسلَّمْتُ مُعْتَرفاً للِزَّماِن
وَأَعْنَقْتُ مُنْطَلِقاً فِي الْقِيا ... دِ بَعْدَ الجِماعِ وَجَذْبِ الْعَنانِ
كَذاَك الْفَتَى وصَرُوفُ الزَّما ... نِ يُحْدثْنَ شَأْناً لَهُ بَعْدَ شَانِ
رَأَيْتُ الحَياةَ وَلَذَّاتِها ... مُعَلَّقَةً بِلَيالٍ فَواِن
وَإنِّي صَبوُرٌ لِما نابَنِي ... سَرِيعٌ إلىَ كُلِّ حَقٍّ عَرانِي
وَلَيْسَ يُرَى خِائفاً مَنْ أَجَرْ ... تُ ولا خائبِاً سَعْيُهُ مَنْ رَجاِني
نَداىَ يَمُدِّحُنيِ ماِدِحى ... وَيَبْكي عَلَيَّ بِهِ مَنْ رَثانِي
أُحبُّ الْوَفاَء إذا ما وَعَدْ ... تُ وَأَلاَّ يُعابَ بَمطْلٍ ضَمانِي
كَذلِكَ عَوَّدِني وَالَدِايَ ... فَعَوَّدْتُ نَفْسِي الذَّيِ عَوَّدانِي
وقال:
وَإنِّي وَوَاهِي مُلْككُمْ مثْلَ سائقٍ ... طَليِحاً يُزَجِّيها عَلَى اْلأَيْنِ رَاِكبُ
إذا صَدَقَتْني النَّفْسُ عَنْكُمْ تَقُولُ لِي ... أَتَدِري هَداكَ اللهُ مَنْ ذا تُعاتبُ
فَوَ اللهِ ما أَدْرِي إذا ما ذَكَرْتُكُمْأَأَعْفُو لَكُمْ عَنْ ذَنْبِكُمْ أَمْ أُعاقبُ
بَلَى لَيْسَ لِي إلاَّ تَغَمُّدُ ذَنْبكُمْوَإنْ لَمْ يَكُنِ فِيكُمْ مِنَ الذَّنْبِ تائِبُ
стр. 37
وَإنَّي وأَمِّي أُمُّكُمْ وَأَبِي لَكُمْ ... أَبٌ عَنْكُمُ لِي لَوْ أَرَدْتُ مَذَاهِبُ
وقال:
وَقَدْ تَلِينُ بِبَعْضِ القَوْل تَبْذُلُهُ ... وَالْوَصْلُ فِي جَبَلٍ صَعْبٍ مَراقِيِه
كَالْخَيْزرانِ مَنِيعاً مِنْكَ مَكْسَرُهُ ... وَقَدْ يُرَى لَيِّناً فِي كَفِّ لاوِيِه
فَتلْكَ هَمُّ فُؤَادٍ أَنْتَ صاحِبُهُ ... لَوْ أَنَّها مَرَّةً كانَتْ تُجازِيِه
وَإنَّ فِي طُولِ ما ضَنَّتْ عَلَيْهِ لمَا ... يُسْليِهِ لَوْ أَنَّ شَيْئاً كانَ يُسْليِهِ
وقال:
أَطَعْتَ الْهَوَى وَعَصَيْتَ الرَّشَدْ ... وَلَمْ تَمَلْكِ الصَّبْرَ عَمَّنْ تَوَدّْ
وفيها يقول:
إذا الَّلْيلُ أَسْبَلَ سِرْباَلهُ ... عَلىَ الأَرْضِ واْسَودَّ وَجْهُ اْلَبَلدْ
رَعَيْتُ اْلَكواِكبَ حَتَّى الصَّبا ... حِ وَدَمْعِيَ كاَللؤُّلْؤُ الُمُنْسَرِدْ
فَمِنْ ظِالعاتٍ وَمِنْ غِائراتٍ ... وَآَخَر فِي حَيْرَةٍ قَدْ رَقَدْ
وَمِنْ ضاِجعاتٍ بأُفْقِ الَمغِيبِ ... يُراقِبُها كارْتِقابِ الرَّصَدْ
وَما النَّاسُ إلاَّ عَدُوُّ الشَّقَّيِ ... وَإلاَّ صَدِيقُ أَمْرِئٍ قَدْ سَعدْ
إذا ما الزَّمانُ بِأَخْلافِهِ ... طَواكَ كَطَيِّ الثِّيابِ الجُدُدْ
يِفُيضُ عَلَيْكَ قِداَح الرَّدَى ... لِتَأْخُذَ مِنْها بِقْدح نِكَدْ
стр. 38
فَما أَنْتَ إلاَّ أَسِيرٌ لَهُ ... وَإنْ أَمْكَنَ الحَيْدُ عَنْهُ فَحِدْ
هَبِ الدَّهْرِ لَمْ يَتَحاَملْ عَلَى ... سِواَك فَهَلْ لَكَ مِنْهُ الْقَوَدْ
وَإنْ يَسْقِكَ الْيَوْمَ مِنْ آجِنٍ ... صَرًى لا يُذاقُ وَلا يُزْدَرَدْ
فَقَدْ كاَن يُسْقِيك مِنْ صَفْوِهِ ... نِطافَ الْغَوادِي بِذَوْبِ الْشَّهَدْ
كَذَاكَ تَجِيءُ صُرُوفُ الزَّما ... نِ عَلَى مَا أَرَدْتَ وَمَا لَمْ تُرِدْ
وَقَدْ يَسْبِقُ الْفَوْتُ وَشْكَ اْلَعُجو ... لِ وَيُدْركُ حاجَتَهُ الْمتَّئدْ
وَإنْ خَلَّط الدَّهْرُ فَاصْبِرْ عَلَى ... تَلَوُّنِهِ فَمَعَ اْليَوْمِ غَدّْ
عِذارِى الْغَداَة مِنَ اْلأَطْيَبِينَ ... أَهْلِ القِبابِ الطِّواِل العمَدْ
مِنَ آلِ أبِي الْفَضْلِ عَمَّ الَّنبِّيِ ... وَجَدِّي فأَكْرِمْ بِعَمٍّ وَجَدّْ
وقال:
إذا سالَ وَادي الشَّيْبِ فِي مَفْرِق الْفَتَى ... وَقُنِّعَ مِنْهُ عمَّة المُتَلَثِّمِ
فَيا قُبْحَ ما تَحْكِي المِراةُ لِعَيْنِهِ ... وَيا بُعْدَهُ مِنْ كُلِّ عَيْشٍ وَمَنْعَمِ
وقال:
أَبا قِاسمٍ إنِّي أراكَ صَباَبةً ... كَأَنَّكَ مِنْ لَحْمِي خُلْقِتَ وَمِن دَمِي
وَإنِّي لأَهْوَى أَنْ أُرِبَّ صَنِيَعةً ... إليْكَ بآلاَءٍ كرامٍ وَأَنْعُمِ
стр. 39
أيادِي كرِيمٍ طَيِّبِ النَّفْسِ بَعْدَها ... إذا ما الأَيادِي أُتْبِعَتْ بِالتَّنَدُّمِ
وقال أيضاً وله لحن فيه
مَضَى اللَّيْلُ إلاَّ أَنَّ لَيْلىَ لاَ يَمْضِىوَأَنَّ جُفُونِي لَمْ تُرَوَّ مِنَ الْغُمْضِ
إذا صَدَّ عَنْكَ الدَّهْرُ يَوْماً بِوَجْهِهِتقَاضاكَ مِنْ إحْسانِهِ سِالفَ الْقَرْضِ
وقال:
تَحاماِني الصَّدِيقُ وَغابَ عَنِّي ... ثِقاتُ صَنائِعِي وَهُمُ حُضُورُ
وَقَلُّوا فِي الِبْلادِ وَكانَ عَهْدِي ... بِهِمْ زَمَنَ الرَّخاءِ وَهُمْ كَثِيرُ
فَلَمْ يَكُ فِي يدِي مِنْهُمْ وَمِمَّا ... ذَخَرْتُهُمُ لَهُ إلاَّ الْغُرور
أَيا عَجَباً أَمَا فِي النَّاِس مِمَّنْ ... تَقَلَّدَ نِعْمَتِي رَجُلٌ شَكُورُ
وقال:
أَلَمْ تَعْلَمِي يا آلَ فِهْرِ بْنِ مِالِكرَمَيْتُ بِنَفْسِي دُونَكُمْ فِي الَمهِالِك
بَلَى فَاعْلمِي يا آلَ فَهْرٍ بِأَنَّنِي ... أَخُوِك الذَّي أَعْطاكِ حَقَّ إخائِكِ
أَخُوكِ الذَّي يُقْرِى عَدُوَّك صارِماً ... حُساماً وَيُقْرِي دُرَّهُ فِي شِفائِكِ
أَجُودُ بِماِلي دُونَ ماِلَك تارَةً ... وَطْوراً أُقِيُم اْلغُرَّ تَحْتَ لِواِئِك
стр. 40
وقال:
وَقَدْ يَصْدُقُ السَّيْفُ يَوْمَ الوْغَا ... أَخاهُ وَإنْ كانَ رَثَّ الْقُرابْ
كَأَنَّ سَنا بارقٍ مُسْتَطْيِرٍ ... بَيْنَ ذُؤابَتِهِ وَالذُّبابْ
كَذاكَ الرَّجالُ يَكُونُ الْفَتَى ... صَلِيباً وَذُو الشَّيْبِ صُلْبُ النِّصابْ
وقال من قصيدة:
بكُلِّ جَلالَةٍ عَيْساءَ حَرْفٍ ... عَلَنْداةٍ وَأَعْنَسَ عَجْرَفَّيِ
إذا شُدَّتْ بها اْلأَنْساعُ أَصْغَتْ ... كَما أَصْغَى النَّجِىُّ إلىَ النَّجِيِّ
وَراغِيَةٍ ثَنَتْكَ عَنِ التَّصابِي ... كَما ثَنَتِ الضَّعِيفَ يَدُ القْوَيِّ
هُناكَ شَكَوْتَ ما تَلْقَى إليَهْا ... كَما يَشْكُو الْفَقِيرُ إلىَ الْغَنِّي
تَساقَطُ وَهْيَ فاِتَرةُ الْمآقِي ... تَساقُطَ مُهْجَةِ الظَّبْيِ الرَّمِيِّ
وَتَجْري الْخَمْرُ بَعْدَ النَّوْمِ مِنْها ... عَلَى سمْطَيِنْ مِنْ دُرٍّ َنِّقي
شَكَتْ إشْرافَ قَيِّمِها عَلَيْها ... كَما يَشْكُو الْيَتِيمُ مِنَ الْوَصِيِّ
أَرِتْكَ مَحاِسناً مِنْها اخْتِلاساً ... تُضِئُ إضاءَةَ الْبَرْقِ الْخَفِيِّ
كَتَخْلِيِل اْلأَلوُةَّ ثُمَّ زاَلْت ... زَواَل الْفَيْءِ فِي ظِلِّ العَشِيِّ
وَيَلْذَعُ مُهْجَتِي ذُو الْعَذْل فِيها ... كَلْذعِ السَّوْطِ خاِصَرةَ الْبَطِيِّ
следующие страницы →