٧ - النساء لا تلي القضاء:
لقوله تعالى في سورة النساء الآية (٣٤): ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
ولقول النبي ﷺ : "لن يُفلحَ قومٌ ولُّوا أمرهم امرأة"، وهو حديث صحيح (١).
ولأن النبي ﷺ قد اختار قضاة كثيرين في حياته، ولم يعين من بينهم امرأة واحدة قط، وكذلك أفعال الخلفاء الراشدين.
وما ذكره ابن حزم ﵀ من أن عمر ولى الشفاء، فلا يصلح حجة في هذا المقام، فالخبر لم يثبت، فقد ساقه غير مسند، وبصيغة التمريض، وهذه الصيغة لا تؤهل النص؛ ليحتج به.
ثم إنه لو صح، وثبت، فلا يفهم منه أن عمر ولاها القضاء، بل يفهم منه أنه اختارها لتقاوم المنكرات بالنساء في السوق، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ - لأن الرواية تقول: "وربما ولإها شيئًا من أمر السوق"، ولو كانت المرأة تصح ولايتها للقضاء، ولم تخل جميع الأزمنة من ذلك. (٢)
٨ - لا يجوز للقاضي أن يحكم وهو غضبان:
عن أبى بكرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ : "لا يحكمُ أحدٌ بين اثنينِ وهو غضبانٌ" (٣).
٩ - قضاء الحاكم لا يغير من الحق شيئًا:
من قُضى له بحق أخيه فلا يأخذه؛ فإن قضاء الحاكم لا يُحل حرامًا، ولا يُحرم حلالًا: عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن النبي ﷺ سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال:
"إنما أنا بشرٌ، وإنه يأتيني الخَصْمُ، فلعل بعضَكُم أن يكون أبلغَ من بعضٍ؛ فأَحْسِبَ أنه
стр. 527
صادق؛ فأقضي له بذلك، فمن قضيتُ له بحقٍّ مسلمٍ، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذْها أو ليتركها"، وهو حديث صحيح (١).
١٠ - تحرم على القاضي الرشوة والهدية لكونه قاضيًا:
لحديث عبد الله بن عمرو قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي، وهو حديث صحيح (٢).
١١ - على القاضي السماع من الخصمين:
عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟
فقال: "إن الله سيهدي قلبك، ويثبتُ لسانكَ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينَّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"، قال: فما زلت قاضيًا، أو ما شككت في قضاء بعد، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه (٣).
١٢ - على القاضي أن يسهل الدخول عليه:
عن أبي مردم الأزدي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين، فاحتجَبَ دون حاجتهم وخَلَّتِهم وفقرهم، احتجبَ الله عنه دون حاجته وخَلَّتِه وفقره"، وهو حديث صحيح (٤).
الخَلة: بفتح الخاء: الحاجة والفقر.
١٣ - يجوز للقاضي اتخاذ الأعوان:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن قيس بن سعدٍ كان يكون بين يدي النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير (٥).
стр. 528
١٤ - يجوز للقاضي الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح:
عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدردٍ دينًا، كان لَهُ عليه، في عهدِ رسولِ الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتُهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسولُ الله ﷺ حتى كشف سِجْفَ حُجْرَتِهِ، ونادى كعب بن مالكٍ، فقال: "يا كعبُ"، فقال: لبيك يا رسولَ اللهِ، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دَينكَ، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : "قم فاقضه" (١).
سجف حجرته: أي سترها.
* * *
стр. 529
الباب الثاني الخصومة
١ - البينة على المدعي:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئٍ مسلم، هو فيها فاجر، لَقِيَ الله وهو عليه غضبان" (١) قال: فدخل الأشعثُ بن قيسٍ، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن، فيَّ نزلت، كان بيني وبين رجل بأرض اليمن، فخاصمته إلى النبي ﷺ فقال: "هل لك بينة؟ "، فقلت: لا، قال: "فيمينُه"، قلت: إذن يحلف، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "من حلف على يمين صبر يقتطِع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان"، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].
من حلف على يمين صبر: هو بإضافة يمين إلى صبر، ويمين الصبر: هي التي يحبس الحالف نفسه عليها، وتسمى هذه اليمين الغموس.
٢ - اليمين على المنكر:
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو يُعْطى الناس بدعواهم، لادَّعَىَ ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم، ولكنَّ اليمينَ على المدَّعَى عليه" (٢).
٣ - يحكم الحاكم بالإقرار:
عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني وفيه: "واغد يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفَتْ فارجمْها" (٣).
٤ - أو يحكم الحاكم بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ؛ لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (٢٨٢): ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
стр. 530
٥ - أو يحكم الحاكم بشهادة رجل ويمين المدعي:
عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد" (١).
٦ - يجوز للحاكم أن يحكم بيمين المنكر:
عن وائل بن حجر قال: جاء رجلٌ من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكنديُّ: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: "ألك بينة؟ " قال: لا، قال: "فلك يمينه" قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: "ليس لك منه إلا ذلك"، فانطلق ليحلف: فقال رسول الله ﷺ لما أدبر: "أما لَئِنْ حلف على ماله ليأكله ظلمًا، ليلقين الله وهو عنه معرض" (٢٩).
٧ - لا تقبل شهادة من ليس بعدل:
لقوله تعالى في سورة الطلاق الآية (٢): ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
وتثبت العدالة بمعرفة القاضي للشاهد، أو بتزكية عدلين له عنده.
وحد العدالة أن يكون محترزًا عن الكبائر غير مصر على الصغائر ولا فاعلًا ما يخل بالمروءة، وهي: ما تتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء، وهي: حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة.
٨ - لا تقبل شهادة الخائن ولا ذي العداوة، والمتهم، والقانع لأهل البيت:
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ رد شهادة الخائن والخائنة، وذي الغِمْرِ على أخيه، وَرَدَّ شهادة القانِع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم"، وهو حديث حسن (٣).
الغمر: بكسر المعجمة، وسكون الميم بعدها راء مهملة: الحقد: أي لا تقبل شهادة العدو على العدو. القانع: الأجير الذي ينفق عليه أهل البيت.
стр. 531
٩ - لا تقبل شهادة القاذف:
لقوله تعالى في سورة النور الآية (٤): ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
١٠ - لا تقبل شهادة بدوي على صاحب قرية:
عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تجوزُ شهادةُ بدويٍّ على صاحب قريةٍ"، وهو حديث صحيح (١).
قال ابنُ رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لم تُعرف عدالته من أهل البدو، والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم. (٢)
١١ - تجوز شهادة من يشهد على تقرير فعله أو قوله، إذا انتفت التهمة:
عن عقبة بن الحارث قال: تزوجتُ امرأةً، فجاءتنا امرأةٌ سوداء فقالت: أرضعتكما، فأتيتُ النبي ﷺ فقلتُ: تزوجتُ فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت لي: إني قد أرضعتكما، وهي كاذبة، فأعرضَ عني، فأتيتهُ من قبل وجهه، قلت: إنها كاذبة، قال: "كيف بها وقد زعمَتْ أنها قد ارضَعْتكُما، دعها عنك"، وهو حديث صحيح (٣).
١٢ - شهادة الزور من أكبر الكبائر:
عن أنس ﵁ قال: سُئِلَ النبي ﷺ عن الكبائر قال: "الإشراك بالله، وعقوقُ الوالدين، وقتلُ النفسِ، وشهادة الزور" (٤).
١٣ - لا تقبل البينة بعد اليمين ؛ لأن اليمين إذا كانت تطلب من المدعى عليه، فهي مستند للحكم صحيح، ولا يقبل المستند المخالف لها بعد فعلها.
* * *
стр. 532
الكتاب التاسع عشر كتاب الجهاد
ويتضمن خمسة أبوابٍ
الباب الأول: أحكام الجهاد.
الباب الثاني: أحكام الغنائم.
الباب الثالث: أحكام الأسير والجاسوس والهدنة.
الباب الرابع: حكم قتال البغاة.
الباب الخامس: أحكام الإمامة.
стр. 533
الباب الأول أحكام الجهاد
١ - تعريف الجهاد:
الجهاد مأخوذ من الجهد وهو الطاقة والمشقة، يقال: جاهد يجاهد جهادًا أو مجاهدة إذا استفرغ وسعه، وبذل طاقته، وتحمل المشاق في مقاتلة العدو ومدافعته.
ولا يسمى الجهاد جهادًا حقيقيًّا إلا إذا قصد به وجه الله، وأريد به إعلاء كلمته، ورفع راية الحق، ومطاردة الباطل، وبذل النفس في مرضاة الله، فإذا أريد به شيء دون ذلك من حظوظ الدنيا، فإنه لا يسمى جهادًا على الحقيقة، فمن قاتل ليحظى بمنصب، أو يظفر بمغنم، أو يظهر شجاعة، أو ينال شهرة، فإنه لا نصيب له في الأجر، ولا حظ له في الثواب.
فعن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله، فقال ﷺ : "من قاتلَ؛ لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله"، وهو حديث صحيح (١).
٢ - فضل الجهاد:
عن أبي سعيد ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من رَضِيَ بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ ﷺ رَسُولا، وَجَبَتْ له الجنةُ"، فعجبَ لها أبو سعيد، فقال: أعِدْهَا عليَّ يا رسول الله، فأعادها عليه، ثم قال: "وأخرى يرفعُ اللهُ بها للعبدِ مائةَ درجةٍ في الجنَّةِ، ما بين كُلَّ درجتين كما بين السماءِ والأرض"، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الجَهاد في سبيل الله"، وهو حديث صحيح (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ سئل رسول الله ﷺ : أيُّ العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حجٌّ مبرورٌ"، وهو حديث صحيح (٣).
стр. 534
٣ - الترهيب من ترك الجهاد:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغزُ ولم يُحدِّث به نفسَه، ماتَ على شُعْبةٍ من النفاق"، وهو حديث صحيح (١).
٤ - الحض على الجهاد:
قد أمر الله بالجهاد بالأنفس والأموال، وأوجب على عباده أن ينفروا إليه، وحرم عليهم التثاقل عنه، قال تعالى في سورة التوبة الآية (٤١) ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى في سورة التوبة الآية (٣٨): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لغدوة في سبيل الله أو روحةٌ، خير من الدنيا وما فيها" (٢).
٥ - متى يكون الجهاد فرض كفاية ومتى يكون فرض عين ؟.
الجهاد فرض كفاية، لقوله تعالى في سورة التوبة الآية (١٢٢): ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾.
أما إذا استنفر الإمام المسلمين للجهاد، أو داهم العدو بلاد المسلمين فيصبح الجهاد فرض عين، لقوله تعالى في سورة التوبة الآية (٣٩): ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
٦ - لا يشترط السلطان أو القائد العادل لوجوب الجهاد، بل يصح مع كل بر وفاجر:
لأن الأدلة الدالة على وجوب الجهاد من الكتاب والسّنَة، وعلى فضيلته والترغيب فيه وردت غير مقيدة بكون السلطان أو أمير الجيش عادلًا بل هذه فريضة من فرائض الدين
стр. 535
أوجبها الله تعالى على عباده المسلمين، من غير تقييد بزمن أو مكان أو شخص أو عدل أو جور، فتخصيص وجوب الجهاد بكون السلطان عادلًا ليس عليه أثارة من علم.
٧ - في جهاد التطوع لابد من إذن الوالدين:
عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال: "أَحَيٌّ والداك؟ " قال: نعم، قال: "فَفِيهما فجَاهدْ" (١).
٨ - الجهاد بإخلاص يكفر الخطايَا إلَّا حقوقَ الآدميين:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "يُغْفرُ للشهيد كُلُّ ذنبٍ إلا الدَّين"، وهو حديث صحيح (٢).
من غير فرق بين دم أو عرض أو مال؛ إذ لا فرق بينهم.
٩ - لا يستعان بالمشركين في الجهاد إلا لضرورة:
عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ قِبَل بدر، فلما كان بِحرَّةِ الوَبَرَةِ أدركهُ رجل، قد كان يُذكَرُ مِنْهُ جرأة ونجدة، ففرح أصحابُ رسول الله ﷺ حين رأوهُ، فلما أدركَهُ قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعكَ وأصيبَ معكَ، قال لَهُ رسول الله ﷺ : "تُؤْمنُ بالله ورسوله؟ " قال: لا، قال: "فارْجِعْ؟ فلن أستعين بمشرك"، قالت: ثم مضى حتى إذَا كُنَا بالشجرة أدركهُ الرجلُ، فقال له كما قال أول مرة، فقال لَهُ النبي ﷺ كما قال أولَ مرة، قال: "فارجِعْ؟ فَلَنْ أستعين بمشرك"، قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقالَ لَهُ كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ : "فانطَلِقْ" (٣).
بحر الوبرة: هو موضع على نحو من أربعة أميال من المدينة.
١٠ - تجب على الجيش طاعة أميرهم إلا في معصية الله:
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "منَ أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني" (٤).
стр. 536
١١ - على الأمير مشاورة الجيش والرفق بهم وكفهم عن الحرام:
لقوله تعالى في سورة آل عمران الآية (١٥٩): ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
وعن أنس: "أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عُبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نُخيضَهَا البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْكِ الغِمَادِ، لفعلنا … " (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "اللهم من وليَ من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقُقْ عليه، ومن ولي من أمرِ أمتي شيئًا فرفقَ بهم، فارْفقْ به" (٢).
١٢ - مشروعية التورية للإمام إذا أراد غزوًا:
عن كعب بن مالك ﵁ قال: "ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوةً، إلا ورَّى بغيرها" (٣).
١٣ - مشروعية الاستطلاع إذا أراد الإمام غزوًا:
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعته يقولُ: ندب رسول الله ﷺ الناسَ يوم الخندق، فانتدب الزبيرُ، ثم ندبهم فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير" (٤).
فقال النبي عيم: "لكل نبي حواريٌّ وحَواريَّ الزبير".
١٤ - مشروعية ترتيب الجيش واتخاذ الرايات:
عن البراء بن عازب ﵁ قال: جعل النبي ﷺ على الرَّجَّالة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جُبير، فقال: "إن رأيتمونا تخطَفُنا الطير، فلا تَبْرحُوا مكانكم هذا، حتى أرسل إليكم، وإن رَأيتُمُونَا هَزَمْنا القومَ، وأَوْطَأْناهم، فلا تَبْرَحُوا حتى أرسل إليكم … " (٥).
عن جابر يرفعه إلى النبي ﷺ : "أنه كان لواؤه يوم دخل مكة أبيض"، وهو حديث حسن (٦).
стр. 537
١٥ - آداب الجهاد:
عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر الأمير على جيشٍ أو سرية، وصّاه في خاصته بتقوى الله تعالى، وبمن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، فإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خلال، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما عليهم، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم من الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، وإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم"، وهو حديث صحيح (١).
وعن ابن عمر ﵄ قال: "وجَدتُ امرأةً مقتولةً في بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيانِ"، وهو حديث صحيح (٢).
١٦ - يحرم قتل النساء والأطفال والشيوخ إلَّا لضرورة:
عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان" (٣).
١٧ - المثلة والإحراق بالنار حرام:
المثلة حرام؛ لحديث بريدة المتقدم في الفقرة (١٥) آداب الجهاد:
عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار"، ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: "إني أمرتُكم أن تُحرقوا فلانًا وفلانًا، وإنَّ النار لا يُعذِّبُ بها إلا الله، فإنْ وجدتموهما فاقتلوهما" (٤).
стр. 538
١٨ - يحرم الفرار من الزحف إلا إلى فئة:
لقوله تعالى في سورة الأنفال الآية (١٦): ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
١٩ - يجوز تبييت العدو ليلًا:
عن الصعب بن جَثَّامة ﵁ قال: مرَّ بي النبي ﷺ بالأبواء - أو بودان - فسُئِلَ عن أهل الدار يُبَيَّتُون من المشركين، فيُصَابُ من نسائهم وزَرَارِيِّهم، قال: "هُمْ منهم"، وسمعته يقول: "لا حمى إلا لله ولرسوله ﷺ " (١).
٢٠ - الخداع في الحرب جائز:
عن جابر بن عبد اللّه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "الْحَربُ خَدْعَةٌ" (٢).
قال النووي (٣): "واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد".
٢١ - الكذب في الحرب جائز:
عن جابر عن النبي ﷺ قال: "من لِكَعْبِ بنِ الأشرف؟ "، فقال محمد بن مسلمة: أتَحبُّ أن أقتلهُ؟ قال: "نعم"، قال: فَأْذَن لي فأقول، قال: "قد فعلت" (٤).
* * *
стр. 539
الباب الثاني أحكام الغنائم
١ - كيف تقسم الغنيمة على الجيش والمصارف الأخرى ؟.
اتفق أهل العلم على أن الغنيمة تخمس، فالخُمس للأصناف التي ذكرت في آية الأنفال، وأربعة أخماسها للغانمين:
لقوله تعالى في سورة الأنفال الآية (٤١): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾.
٢ - يأخذ الفارس من الغنيمة ثلاثة أسهم، والرَّاجل سهمًا:
عن ابن عمر ﵄ قال: قسمَ رسولُ الله ﷺ يوم خيبر؛ للفرس سهمين، وللراجل سهمًا" قال: فسَّرَهُ نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرسٌ فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرسٌ فله سهم (١).
٣ - يستوي في الغنيمة القوي والضعيف، ومن قاتل ومن لم يقاتل:
عن مصعب بن سعدٍ قال: رأى سعدٍ ﵁ أن له فضلًا على من دونَهُ، فقال النبي ﷺ : "هل تُنْصَرونَ وَتُرْزَقُونَ إلا بضعفائِكُم" (٢).
وعن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ قسم غنائم بدر بالسوي، بعد وقوع الخصام بين من قاتل، ومن لم يقاتل"، وهو حديث صحيح (٣).
٤ - تنفيل بعض الجيش جائز بحسب المصلحة:
عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ قد كان يُنَفِّلُ بعضَ مَنْ يبعثُ من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش، والخُمسُ في ذلك واجب كله" (٤).
стр. 540
٥ - للإمام صفي وسهم:
عن عائشة ﵂ قالت: كانت صفية من الصَّفِيِّ، وهو حديث حسن (١).
٦ - لا يسهم للنساء والأطفال إذا حضرا المعركة، بل يرضخ لهم إذا رأى الإمام ذلك:
عن يزيد بن هرمز قال: "كتبَ نجدةُ بن عامرٍ الحروريُّ إلى ابن عباس، يسألهُ عن: العبد والمرأة يحضران المغنم، هل يقسم لهما؟ وعن قتل الولدان؟ وعن اليتيم، متى ينقطع عنه اليتمُ؟ وعن ذوي القربى، من هم؟ فقال ليزيد: اكتبْ إليه، فلولا أن يقع في أحموقة ما كتبت إليه، اكتب: إنك كتبت تسألني عن المرأة والعبد يحضران المغنم، هل يُقسم لهما شيءٌ؟ وأنه ليس لهما شيءٌ، إلا أن يُحذيا من غنائم القوم"، وهو حديث صحيح (٢).
٧ - يجوز للإمام إيثار المؤلفين:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لما كان يومُ حذيفٍ آثر النبي ﷺ أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عُيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذٍ في القسمة، قال رجلٌ: والله إنَّ هذه القسمة ما عُدِلَ فيها وما أريد بها وجهُ الله، فقلت: والله لأخبرن النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله، رحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر"، وهو حديث صحيح (٣).
٨ - المالك أحق بماله إذا رده الكفار:
عن ابن عمر ﵄ قال: "ذهب فرس له فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون، فرُدَّ عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وأَبِقَ عبدٌ له فلحق بالروم، فظهر عليهم المسلمون، فرده عليه خالدُ بن الوليد بعد النبي ﷺ " (٤).
٩ - يحرم الانتفاع بشيءٍ من الغنيمة قبل القسمة إلا الطعام والعلف:
عن رُويفع بن ثابت الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: "من كانَ يؤمنُ بالله واليوم الآخرِ،
стр. 541
فلا يركبْ دابةً من فَيْءِ المسلمين، حتى إذا أَعْجَفَها رَدَّها فيه، ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر، فلا يَلبِسْ ثوبًا من فَيْءِ المسلمين، حتى إذا أخلَقَهُ ردَّهُ فيه"، وهو حديث حسن (١).
وعن ابن عمر ﵄ قال: "كُنَّا نُصيب في مغازينا العسل والعِنَبَ، فنأكلُهُ ولا نرفَعُهُ"، وهو حديث صحيح (٢).
١٠ - بيان تحريم الغلول وما جاء في الترهيب منه:
عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر، ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبًا ولا ورقًا، غنمنا المتاعَ والطعامَ والثيابَ، ثم انطلقنا إلى الوادي ومع رسول الله ﷺ عبدٌ له، وهبَهُ له رجلٌ من جُذامٍ يُدعى رفاعة بن زيدٍ من بني الضُّبيبِ، فلما نزلنا الواديَ، قام عبدُ رسول الله ﷺ يَحُلُّ رَحْلَهُ فَرُمِيَ بسهمٍ، فكان فيه حتفُهُ، فقلنا: هنيئًا له الشهادةُ يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : "كلا والذي نفسُ محمدٍ بيدهِ، إنَّ الشملة لتلتهب عليه نارًا، أخذها من الغنائم يوم خيبر، لم تُصِبْها المقاسمُ" قال: ففزع الناسُ فجاءَ رجلٌ بِشراكٍ أو شراكين، فقال: يا رسول الله، أصبت يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ : "شراكٌ من نارٍ، أو شراكانِ من نارٍ" (٣).
يحل رحله: الرحل: هو مركب الرجل على البعير.
الشملة: كساء صغير يؤتزر به.
بشراك: الشراك: هو السير المعروف الذي يكون في النعل على ظهر القدم.
وعن ابن عمر ﵁ قال: حاربت النَّضيرُ وقريظة، فأجلى بني النضير وأقر قريظة ومنَّ عليهم، حتى حاربت قريظةُ، فقتلَ رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فآمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع - وهم رهط عبد الله بن سلام - ويهود بني حارثة، وكلَّ يَهوديٍّ كان بالمدينة (٤).
стр. 542
١١ - يجوز للإمام أن يفعل ما هو الأحوط للإسلام والمسلمين؛ من قتلٍ أو فداءٍ أو مَنٍّ للأسرى:
لقوله تعالى في سورة محمد الآية (٤): ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾.
أثخنتموهم: أثقلتموهم بالقتل والجراح.
فشدوا الوثاق: فأسروهم وشدوا رباطهم، حتى لا يفلتوا منكم.
منًّا: تمنون منًّا، والمن: هو الإنعام، والمراد إطلاقهم من غير فدية.
تضع الحرب أوزارها: حتى تنتهي الحرب ويضع المقاتلين أسلحتهم، وكفهم عن القتال، وأصل الوزر ما يحمله الإنسان، فأطلق على السلاح؛ لأنه يُحمل.
* * *
стр. 543
الباب الثالث أحكام الأسير والجاسوس والهدنة
١ - يجوز استرقاق الكفار من عرب أو عجم:
عن ابن عونٍ قال: كتبتُ إلى نافعٍ، فكتبَ إليَّ: "إنَّ النبي ﷺ أغار على بني المصطلق، وهم غارُّون وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، وأصاب يومئذٍ جُوَيريةَ، حدثني به ابن عمرَ، وكان في الجيش" (١).
٢ - يجوز قتل الجاسوس:
عن سلمة بن الأكوع، قال: أتى النبي ﷺ عينٌ من المشركين - وهو في سفرٍ - فجلس عند أصحابه يتحدثُ، ثم انفتلَ، فقال النبي ﷺ : "اطلبوه واقتلوه"، فقتلتُهُ، فَنفَّلَهُ سَلَبَهُ (٢).
٣ - بيان أن الحربي إذا أسلم طوعًا أحرز أمواله:
عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلَّا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" (٣).
عصموا: حفظوا ووقوا، وألحق صغار الأولاد بما ذكر؛ لأن الولد تبع لأبويه في الإسلام، بحق الإسلام: أي إذا فعلوا ما يستوجب عقوبة مالية أو بدنية في الإسلام، فإنهم يؤاخذون بذلك قصاصًا، حسابهم على الله: أي فيما يتعلق بسرائرهم وما يضمرون.
٤ - بيان أن عبد الكافر إذا أسلم ثبتت له الحرية:
عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: خرج عِبْدَانٌ إلى رسول الله ﷺ يعني يوم الحديبية - قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم، فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربًا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله رُدَّهَم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: "ما أراكُم تنتهون يا معشر قريش، حتى يبعثَ
стр. 544
الله عليكم من يضربُ رقابكم على هذا"، وأبى أن يردهم، وقال: "هُمْ عُتَقَاءُ الله "، وهو حديث حسن (١).
٥ - حكم الأرض المغنومة مفوض إلى الإمام يفعل فيها ما فيه المصلحة:
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال: قال رسول الله ﷺ : "أيما قريةٍ أتيتُموهَا، وأقمتم فيها، فسهمُكُم فيها، وأيما قريةِ عصت الله ورسولهُ، فإنَّ خُمُسَها لله ولرسولهِ، ثم هي لكم"، وهو حديث صحيح (٢).
٦ - من أمَنه أحد المسلمين صار آمنًا:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " … وذِمّةُ المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم، فمن أخفرَ مسلمًا فعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أَجمعين، لا يُقْبَلُ منه يومَ القيامةِ عدلٌ ولا صرف" وهو حديث صحيح (٣).
٧ - أن الرسول ﷺ كالمؤمَّن:
عن نعيم بن مسعود الأشجعي قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول لهما، حين قرأ كتاب مسيلمة: "ما تقولان أنتما"؟ قالا: نقول كما قال، قال: "أما والله لولا أنَّ الرُّسلَ لا تُقْتَلُ لضربْتُ أعناقَكُما"، وهو حديث حسن (٤).
٨ - تجوز مهادنة الكفار وملوكهم وقبائلهم ، إذا اجتهد الإمام وذوو الرأي من المسلمين، فعرفوا نفع المسلمين في ذلك ولم يخافوا من الكفار مكيدة - ولو بشرط، وإلى أجل أكثره عشر سنين:
هذا القدر في مدة الصلح هو المعتمد، وبه جزم ابن سعد في الطبقات (٢/ ٩٧)، ورجحه ابن حجر في الفتح (٥/ ٣٤٣)، وأخرجه الحاكم من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
٩ - يجوز تأبيد المهادنة بالجزية:
عن المسور بن مخرمة أنَّهُ أخبرَهُ: أنَّ عمرو بنَ عوفٍ الأنصاري هو حليفٌ لبني عامر بن لؤيٍ وكان شَهِدَ بدرًا، أخبرهُ: أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى
стр. 545
البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسولُ الله ﷺ هو صالح أهل البحرين وأمَّرَ عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمالٍ من البحرين، فسمعت الأنصارُ بقدوم أبي عُبيدة فوافتْ صلاةَ الصبح مع النبي ﷺ ، فلما صلى بهم الفجر انصرفَ، فتعرضُوا له فتبسمَ رسولُ الله ﷺ حينَ رآهُمْ، وقال: "أظنُّكُمْ قد سَمِعْتُمْ أنَّ أبا عبيدة قد جاء بشيءٍ"، قالوا: أجل يا رسول الله، قال: "فأبشروا وأمِّلوا مَا يَسُرُّكم، فوالله لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبْسَطَ عليكم الدنيا، كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهم" (١).
١٠ - يمنع المشركون وأهل الذمة من السكون في جزيرة العرب:
عن عمر بن الخطاب أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لأخرجنَّ اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدَعَ إلا مُسلِمًا" (٢).
١١ - ممن تؤخذ الجزية ؟.
عن نافع عن أسلم: "أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد: لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي" (٣).
١٢ - قدرها:
عن معاذ ﵁: "أن النبي ﷺ لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا، أو عدله من المعافرة" (٤).
وتجوز الزيادة؛ لحديث أسلم: "أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهمًا، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام" (٥).
ويُراعي الإمام اليسر والعسر؛ لقول ابن أبي نجيح: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جُعِلَ ذلك من قبل اليسار" (٦).
стр. 546
الباب الرابع حكم قتال البُغاة
١ - يجب قتال البُغاة حتى يرجعوا إلى الحق:
لقوله تعالى في سورة الحجرات الآية (٩):
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾.
٢ - لا يقتل أسير البُغاة ولا يُتبع مدبرهم، ولا يُجْهَز على جريحهم ولا تُغنم أموالهم:
لأن الأصل في دماء المسلمين وأموالهم الحرمة، فلا يحل شيء منها إلا بدليل شرعي
* * *
стр. 547
الباب الخامس أحكام الإِمامة
١ - يجب طاعة الحاكم إلَّا في معصية الله؛ لقوله تعالى في سورة النساء الآية (٥٩): ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .
ولحديث أبي هريرة ﵁، المتقدم في الباب الأول من كتاب الجهاد الفقرة (١٠).
وعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "السمعُ والطاعةُ على المرء
المسلم فيما أَحَبَّ وَكَرِهَ، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمِرَ بمعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ" (١).
٢ - لا يجوز الخروج على الحاكم ما أقام الصلاة ولم يُظهر كفرًا بواحًا:
عن عوف بن مالكٍ الأشجعي، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "خيارُ أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتُصلُّون عليهم ويُصلُّون عليكم، وشرارُ أئمتكم الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم، وتلعنونَهم ويلعنونكم"، قالوا: قلنا: يا رسول الله، أفلا نُنابذهم عند ذلك؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاةَ، لا، ما أقامُوا فيكم الصلاة، ألا مَنْ وَليَ عليه والٍ فرآهُ يأتي شيئًا من معصية الله، فَليَكْرَهُ ما يأتي من معصية الله، ولا يَنْزِعنَّ يدًا من طاعَةٍ" (٢).
وعن حذيفة بن اليمان، قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ كُنَّا بشرِّ فجاءَ اللهُ بخيرٍ، فنحنُ فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: "نعم"، قلت: هل وراء ذلك الشر خيرٌ؟ قال: "نعم"، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقومُ فيهم رجالٌ، قلوبهم قلوبُ الشياطين في جُثمان إنسٍ" قال: قلت: كيف أصنعُ يا رسول الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: "تسمعُ وتطيعُ للأمير، وإن ضُرِبَ ظهْرُكَ وَأُخِذَ مالُكَ، فاسْمَع وأطِعْ" (٣).
٣ - وجوب الصبر على جور الحاكم:
عن ابن عباس ﵄ يرويه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "من رأى من أميره شيئًا يكرهُهُ فليصْبِرْ؛ فإنَّهُ من فارقَ الجماعةَ شبرًا فمات، فميتةٌ جاهليةٌ (٤).
стр. 548
وعن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يُحدث عن النبي ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسُهُمُ الأنبياءُ، كلما هلك نبيٌّ خَلَفَهُ نبيٌّ وإنَّه لا نبي بعدي، وستكون خُلَفَاءُ فتكْثُرُ" قالوا: فما تأمُرُنَا؟ قال. "فُوا ببيعة الأول، فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم" (١).
٤ - وجوب النصيحة للحكام:
عن تميم الداري أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة" قلنا: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" (٢).
٥ - بيان ما يجب على الحكام نحو رعيتهم:
يجب على الحكام الذب عن المسلمين وكفُّ يد الظالم، وحفظ ثغورهم وتدبيرهم بالشرع في الأبدان، والأديان والأموال، وتفريقُ أموال الله في مصارفها، وعدمُ الاستئثار بما فوق الكفاية بالمعروف، والمبالغة في إصلاح السيرة والسَّريرة.
وعن الحسن قال: عاد عُبيدُ الله بن زيادٍ معقل بن يسارٍ المزني في مرضه الذي مات فيه، قال معقل: إني مُحدِّثُكَ حديثًا سمعتُهُ من رسول الله ﷺ ، لو علمتُ أنَّ لي حياةً ما حدثتُكَ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً، يموتُ يومَ يموتُ، وهو غاشٌّ لرعيته، إلَّا حَرَّمَ اللهُ عليه الجنةَ" (٣).
وعن أبي المليح، أنَّ عُبيد الله بن زيادٍ، عاد معقل بن يسار في مرضه، فقال له معقلٌ: إني محدثُكَ بحديثٍ، لولا أني في الموت لم أحدثك به، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجتهد لهم، وينصح لهم، إلَّا لم يدخُلْ معهم الجنة" (٤).
تم الكتاب بفضل الله وتوفيقه، ومنه وكرمه، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أسأل أن ينفع به، ويجعله في ميزاني يوم العرض عليه
المؤلف
أبو مصعب: محمد صبحي حسن حلاق
غفر الله له ولوالديه ولمشايخه. آمين