← Фикх общий

Фикх общий · id 782

اللباب في فقه السنة والكتاب

محمد صبحي حلاق

Полный текст (548 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الباب الأول حد الزنى ١ - حد البكر الزاني: إن كان الزاني بكرًا حرًا جُلد مائة جلدة، وبعد الجلد يغربُ عامًا: لقوله تعالى في سورة النور الآية (٢): ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وعن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ قضى فيمن زنى ولم يُحصن بنفي عامٍ وبإقامة الحد عليه" (١). ٢ - حد الثيب الزاني: إن كان الزاني ثيبًا جُلد كما يُجلد البكر، ثم يرجم حتى يموت: عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا. البِكرُ بالبِكرِ، جلدُ مائةٍ ونفي سنةٍ، والثيبُ بالثيبِ، جلدُ مائةٍ والرجم" (٢). والظاهر عندي أنه يجوز للإمام أن يجمع بين الجلد والرجم ويستحب له أن يقتصر على الرجم، لاقتصار النبي ﷺ على الرجم، والحكمة في ذلك أن الرجم عقوبة تأتي على النفس، فأصل الرجم المطلوب حاصل به، والجلد زيادة عقوبة رخص في تركها، فهذا وجه الاقتصار على الرجم عندي، والله أعلم. وعن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ قال لماعز بن مالك: "أحقٌّ ما بلغني عنك؟ " قال: وما بلغك عني؟ قال: "بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان"، قال: نعم، قال: "فشهد أربع شهاداتٍ، ثم أُمِرَ به فَرُجِمَ" (٣).

стр. 492

٣ - يثبت الزنا بالإقرار مرة والتربيع فيه للتثبيت: لأن أخذ المقر بإقراره هو الثابت في الشريعة؛ لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني مرفوعًا بلفظ: "واغد يا أُنَيْسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفَتْ فارجمها"، وهو حديث صحيح (١). وقد اكتفى ﷺ بالإقرار من المرأة الزانية مرة واحدة، فعن بريدة أنه ﷺ اكتفى بإقرار الغامدية مرة واحدة (٢). وقد اكتفى ﷺ بإقرار اليهودي واليهودية مرة واحدة (٣). وتحمل الأحاديث التي فيها التراضي عن إقامة الحد، بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبسًا، في ثبوت العقل وعدمه والصحو والسكر ونحو ذلك. وأما سكوته ﷺ في قضية ماعز حتى أقر أربعًا فليس فيها أن ذلك شرط، بل غاية ما فيها أن الإمام إذا تثبت في بعض الأحوال حتى يقع الإقرار مرات كان له ذلك. ٤ - كما أن الزنا يثبت بأربعة شهداء: دل على ذلك آيات: منها: قوله تعالى في سورة النور الآية (٤): ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، فقد رتب وجوب الجلد على عدم الإتيان بأربعة شهداء، فدل على أن الزنا لا يثبت إلا بهم. منها: قوله تعالى في سورة النساء الآية (١٥): ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. ومنها: قوله تعالى في سورة النور الآية (١٣) في حادثة الإفك: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. ٥ - يجب أن يتضمن الإقرار والشهادة التصريح بإيلاج الفرج في الفرج: عن ابن عباس ﵄ قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ قال له: "لعلك قبَّلت

стр. 493

أو غمزت أو نظرت؟ " قال: لا يا رسول الله، قال: "أنكتها؟ " - لا يكني - قال: نعم، فعندَ ذلك أمر برجمه (١). ٦ - يسقط الحد بالرجوع عن الإقرار: عن محمد بن إسحاق قال: ذكرت لعاصم بن عمر بن قتادة قصة ماعز بن مالك فقال لي: حدثني حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، قال: حدثني ذلك من قول رسول الله ﷺ : "فهلا تركْتُمُوه" من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم، قال: ولم أعرف هذا الحديث، قال: فجئت جابر بن عبد الله، فقلت: إن رجالًا من أسلم يحدثون أن رسول الله ﷺ قال لهم - حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته -: "ألا تركتُمُوه"، وما أعرف الحديث، قال: يابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنتُ فيمن رجم الرجل، إنا لما خرجنا به فرجمناه فوجد مسَّ الحجارة صرخَ بنا: يا قوم ردوني إلى رسول الله ﷺ فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله ﷺ وأخبرناه قال: "فهلَّا تركتُمُوه وَجْئتُوني به"، ليستثبت رسول الله ﷺ منه، فأما لِتَرْكِ حَدًّ فلا، قال: فعرفت وجه الحديث. وهو حديث حسن (٢). من شئتم فاعل حدثني، والمعنى: أنه قد أخبر جماعة من رجال أسلم لا أتهمهم: أن كلمة: "فهلا تركْتُمُوه"، من قول النبي ﷺ . ٧ - يسقط الحد بكون المرأة عذراء أو رتقاء، وبكون الرجل مجبوبًا أو عنينًا: لكون المانع موجودًا فتبطل به الشهادة أو الإقرار؛ لأنه قد علم كذب ذلك قطعًا. ٨ - يُشرع الحفر للمرجوم إلى الصدر: عن بريدة أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فردَّه، فلما كان من الغد، أتاه فقال: يا رسول الله: إني قد زنيت فرده الثانية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى قومه، فقال: "أتعلمون بعقله بأسًا تُنْكِرون منه شيئًا؟ "، فقالوا: ما نعلمه إلا وفيَّ العقل، من صالحينا

стр. 494

فيما نُرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه، فاخبروه: أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة، حفر لهُ حفرةً ثم أمَرَ به فَرُجِم … " (١). ٩ - لا ترجم الحُبْلَى حتى تضعَ وتُرْضعَ ولدها إن لم يُوجَدْ من يُرضعُهُ: عن بريدة: قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله طَهرني، فقال: "ويحك ارجِعِي، فاستغفري الله وتوبي إليه"، فقالت: أراك تريدُ أن تردني كما رددت ماعز بن مالك، قال: "وما ذاك؟ " قالت: إنها حُبْلى من الزنى، فقال: "آنتِ؟ " قالت: نَعَمْ، فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك"، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: "إذن لا نَرْجُمُهَا وندعُ ولدَهَا صغيرًا، ليس لَهُ مَنْ يُرْضعُهُ" فقام رجل من الأنصار، فقال: إليَّ رَضَاعُهُ يا نبي الله قال: فرجمها (٢). غامد: بطن من جهينة. إنها حُبلى من الزنى: أرادت أني حُبلى من الزنى، فعبرت عن نفسها بالغيبة. فكفلها رجل من الأنصار: أي قام بمؤنتها ومصالحها. إلي رضاعه: إنما قاله بعد الفطام، وأراد بالرضاعة كفايته وتربيته وسماه رضاعًا مجازًا. ١٠ - يجوز الجَلْدُ حالَ المرضِ بعثكالٍ: إن كان ميؤسًا من شفائه: عن سعيد بن سعد بن عبادة، قال: كان بين أبياتنا رجل مُخْدَجٌ ضعيف، فلم يُرَعْ إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها، فرفع شأنه سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ فقال: "اجلدوه، ضرب مائة سوطٍ" قالوا: يا نبي الله هو أضعف من ذلك، لو ضربناه مائة سوط مات، قال: "فخذوا عِثْكَالًا فيه مائةُ شمْرَاخ، فاضرِبُوهُ ضربةً واحدةً"، وهو حديث صحيح (٣). مخدج: ناقص الخلق والقوة. العثكال: العنقود من النخل الذي يكون فيه أغصان كثيرة، وكل واحد من هذه الأغصان يسمى شمراخًا.

стр. 495

أما إذا كان المريض مرجوًّا شفاؤه، أُمهِل: عن أبي عبد الرحمن قال: خطب عليٌّ فقال: يأيُّها الناسُ أقيموا على أرقائكم الحدَّ من أحصن منهم ومن لم يحصن؛ فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاسٍ، فخشيتُ إن جلدتُها أن أقتُلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أَحْسَنْتَ" (١). أقيموا على أرقائكم الحد: الأرقاء جمع رقيق، بمعنى المملوك، عبدًا كان أو أمة، أي: لا تتركوا إقامة الحدود على مماليككم، فإن نفعها يصل إليكم وإليهم. ١١ - حد اللواط القتل للفاعل والمفعول به بكرًا أم محصنًا: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجدتموه يعملُ عملَ قومِ لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعولَ به"، وهو حديث صحيح (٢). اللواط: هو إتيان الذكر في دبره، وكذلك إتيان الأنثى الأجنبية. ١٢ - حد ناكح البهيمة التعزير: عن ابن عباس ﵄ قال: "ليس على الذي يأتي البهيمة حدٌّ"، وهو حديث صحيح (٣). وإذا انتفى الحد فقد وجب التعزير؛ لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة. ١٣ - حد المملوك نصف حد الحر: لقوله تعالى في سورة النساء الآية (٢٥): ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ولحديث علي ﵁ المتقدم في نهاية الفقرة (١٠) من هذا الباب. ١٤ - من أُكره على الزنا فلا حد عليه: عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "أُتِي عمرُ بن الخطاب ﵁ بامرأة، جهدها العطشُ، فمرت على راع فاستسقت، فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت، فشاور الناس في رجمها، فقال علي ﵁: هذه مضطرة أرى أن تخلي سبيلها، ففعل"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 496

١٥ - إذا شهد ثلاثة وتخلف الرابع حُدّ الثلاثة حد القذف: لقوله تعالى في سورة النور الآية (٤): ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ولما جاء عن قسامة بن زهير قال: "لما كان من شأن أبي بكرة والمغيرة الذي كان - وذكر الحديث - قال: فدعا الشهود، فشهد أبو بكرة، وشبل بن معبد، وأبو عبد الله نافع، فقال عمر ﵁ حين شهد هؤلاء الثلاثة: شق على عمر شأنه، فلما قدم زياد قال: إن تشهد إن شاء الله إلا بحق، قال زياد: أما الزنا فلا أشهد به، ولكن قد رأيت أمرًا قبيحًا، قال عمر: الله أكبر، حُدُّوهم، فجلدوهم، قال: فقال أبو بكرة بعدما ضربه: أشهد أنه زانٍ، فهمَّ عمر ﵁ أن يعيد عليه الجلد، فنهاه علي ﵁ وقال: إن جلدته فارجم صاحبك، فتركه ولم يجلده" (١). * * *

стр. 497

الباب الثاني حد السرقة ١ - شروط إقامة الحد على السارق: أ - أن يكون السارق مكلفًا مختارًا: • حد التكليف: الإسلام والبلوغ والعقل: ودل على شرط الإسلام: حديث ابن عباس ﵄ أن معاذًا قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأَعْلمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" (١). • ودل على اشتراط العقل والبلوغ: حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن الجنون حتى يعقل"، وهو حديث صحيح (٢). • ودل على شرط الاختيار: حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يتجاوزُ عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استُكْرِهُوا عليه"، وهو حديث صحيح (٣). ب - أن يكون المسروق من حرز: الحرز: هو المكان الذي يحفظ به المسروق ونحوه عادة، أو الحال الذي يمنع دخول يد غير مالكه عليه. ودل على اشتراط الحرز أحاديث: منها: عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، عن رسول الله

стр. 498

- ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: "ما أصاب من ذي حاجةٍ غير متخذ خُبْنَة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجنِّ فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامَة مثليه والعقوبة"، وهو حديث حسن (١). خُبنة: هي ما يحمله الرجل في ثوبه. الجرين: موضع التمر الذي يجفف فيه، مثل البيدَر للحنطة. المجن: كل ما يتوقى به ويستتر من ضربة السلاح؛ كالترس، وكانت قيمته تقدر بربع دينار. العقوبة: وهي التعزير هنا. ج - أن يبلغ المسروق ربع دينار: عن عائشة ﵂ قالت: قال: النبي ﷺ : "تُقطع اليدُ في ربع دينارٍ فصاعدًا" (٢). ربع دينار = ١.٠٦٢٥ غرامًا. ٢ - تثبت السرقة بأحد أمرين: أ - إقرار السارق مرة واحدة؛ للأحاديث الصحيحة المتقدمة في حد الزنا. ب - شهادة عدلين؛ لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (٢٨٢): ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. ٣ - تقطع الكف الأيمن للسارق: لقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٣٨): ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ٤ - يسقط الحد إذا عفا صاحب المال قبل رفعه إلى السلطان: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله

стр. 499

- ﷺ قال: "تَعَافُووا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجبَ"، وهو حديث صحيح (١). ٥ - لا قطع في أربعة: أ - الأكل من الثمر ولم يحمل إلى بيته: لحديث عبد الله بن عمرو، الحسن المتقدم في هذا الباب تحت الفقرة (ب): أن يكون المسروق من حرز. ب - الخائن. ج - المنتهب. د - المختلس. عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس على خائن ولا مختلسٍ قطعٌ"، وهو حديث صحيح (٢). ٦ - جاحد العارية سارق يقام عليه الحد: عن عائشة ﵂ قالت: كانت امرأة مخزوميةٌ تستعيرُ المتاعَ وتجحدُهُ، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدُهَا، فأتى أهلُها أسامة بن زيد، فكلموهُ، فكلّمَ رسول الله ﷺ فيها (٣). ٧ - فروع في المسألة: فرع ١: ضعف دليل تلقين السارق ما يسقط عنه الحد: حديث أبي أمية المخزومي: "أن النبي ﷺ أتي بلص قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : "ما إخَالُكَ سرقتَ؟ " قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع وجيء به، فقال: "استغفر الله وتبْ إليه"، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: "اللهم قد تُبتَ عليه"، ثلاثًا، حديث ضعيف (٤). فرع ٢: ضعف دليل حسم موضع القطع في زيت مغلي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بسارق سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله، إن هذا قد سرق، فقال رسول الله ﷺ : "اذهبوا به فاقطعوه، ثم

стр. 500

احسِمُوه، ثم ائْتُونِي به" فقطع فأتي به، فقال: "تُبْ إلى الله"، فقال: قد تُبتُ إلى الله، قال: "تاب الله عليك"، ضعيف (١). واعلم أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام. فرع ٣: ضعف دليل تعليق يد السارق في عنقه للعبرة: حديث عبد الرحمن بن محيرز، قال: سألنا فضالة بن عبيد عن تعليق اليد في العنق للسارق، أمن السنة هو؟ قال: "أُتِيَ رسول الله ﷺ بسارق قطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه"، وهو ضعيف (٢). * * *

стр. 501

الباب الثالث حد القذف ١ - حد القذف ثمانون جلدة: لقوله تعالى في سورة النور الآية (٤): ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. ٢ - يثبت الحد بالإقرار، أو بشهادة عدلين: - ليكون إقرار المرء لازمًا له. - وكذلك الشهادة كما أطلقه الكتاب العزيز كما تقدم. ٣ - القاذف ساقط العدالة حتى يتوب: لقوله تعالى في سورة النور الآية (٤): ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. ٤ - يسقط الحد عن القاذف بأمرين: أ - إذا جاء القاذف بأربعة شهود، لأن القاذف لم يكن حينئذٍ قاذفًا، بل قد تقرر صدور الزنا بشهادة الأربعة، فيقام الحد على الزاني. ب - إذا أقر المقذوف بالزنا: فلا حد على من رماه به؛ بل يحد المقر بالزنا. * * *

стр. 502

الباب الرابع حد الشُّرْب ١ - شرب الخمر كبيرة من الكبائر وعليه أهل العلم (١). ٢ - شروط وجوب الحد: أن يكون مكلفًا مختارًا وقد تقدم دليل ذلك. ٣ - حد شارب الخمر إما أربعين جلدة أو أقل أو أكثر ولو بالنعال: عن أنس بن مالك من: "أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلدَ أبو بكر أربعين" (٢). وعن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ أتي برجلٍ قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين، نحو أربعين". قال: "وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين فأمر به عُمَرُ" (٣). ٤ - يثبت الحد على شارب الخمر بالإقرار أو بشهادة عدلين: وقد تقدم الدليل على ذلك. ٥ - يثبت الحد على شارب الخمر بشهادة عدلين ولو على القيء: عن حضين بن المنذر أبو ساسان، قال: شهدتُ عثمان بن عفان وأتي بالوليد - ابن عقبة بن أبي معيط - قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أَزِيدُكُم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما: حمران، أنه شرب الخمر، وشهد آخر، أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان ﵁: إنَّهُ لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي قُمْ فاجلدهُ، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حَارَّهَا من تولَّى قَارَّها (فكأنه وجدَ عليه)، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلدَهُ وعليٌّ يَعُدُّ، حتى بلغ أربعينَ، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبيُّ ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين وكل سنةٌ وهذا أحبُّ إليَّ" (٤).

стр. 503

وَلِّ حارَّها من تولى قَارَّها: الحار الشديد المكروه، والقار البارد الهنئ الطيب، وهذا مثل من أمثال العرب، معناه: ولشدتها وأوساخها من تولى هنيئها ولذاتها، والضمير عائد إلى الخلافة والولاية، أي: ليتولَّ هذا الجلد عثمان بنفسه أو بعض خاصة أقاربه الأدنين. وجد عليه: أي غضب عليه. ٦ - قتل شارب الخمر في الرابعة منسوخ: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة، فاقتلوه"، قال: فأتي بالنُعيمان قد شرب الرابعة فجلده، ولم يقتله، وكان ذلك ناسخًا للقتل، وهو حديث حسن (١). ٧ - جواز التعزير في المعاصي التي لا توجب حدًّا ثابتًا: عن أبي بُرْدَةَ الأنصاري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يُجْلدُ أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلا في حد من حدود الله" (٢). وعن بهز بن حكيم، عن أبيه: "أن النبي ﷺ حَبَسَ رجلًا في تهمة"، وهو حديث حسن (٣). ٨ - لا يجوز الدعاء على شارب الخمر: عن عمر بن الخطاب: أن رجلًا كان على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشرب، فأتي به يومًا، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ : "لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ أنه يحبُّ اللهَ ورسولَه" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: أُتي النبي ﷺ بسكران، فأمر بضربه، فمنا من يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، ومنا من يضربه بثوبه، فلما انصرف قال رجل: ما له أخزاه الله! فقال رسول الله ﷺ : "لا تكونوا عونَ الشيطان على أَخِيكُم" (٥).

стр. 504

الباب الخامس حد المحارب ١ - تعريف الحرابة: الحرابة هي خروج طائفة مسلمة في دار الإسلام لإحداث الفوضى، وسفك الدماء وسلب الأموال، وهتك الأعراض، وإهلاك الحرث والنسل؛ متحدية بذلك الدين والأخلاق والنظام والقانون. ٢ - حكم الحرابة: هو أحد الأنواع المذكورة في القرآن: القتل أو الصلبُ أو قطعُ اليد والرِّجلِ من خلافٍ أو نفي من الأرض؛ لقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٣٣). ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. يحاربون الله ورسوله: يخالفون أمرهما بالاعتداء على خلق الله . يسعون في الأرض فسادًا: يعملون في الأرض بما يفسد الحياة من قتل للأنفس وسلب للأموال، وإثارة للذعر والقلق. ينفوا: يطردوا منها وينحوا عنها، بالتعذيب أو الحبس. خزى: ذل وفضيحة وتأديب. ٣ - يفعلُ الإمام في المحاربين ما رأى فيه صلاحًا لدين الله: لأن النبي ﷺ فعل بالعرنيين أحد الأنواع المذكورة في الآية، وهو القطع كما في حديث أنس بن مالك: أن ناسًا من عُرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فاجتووها، فقال لهم رسول الله ﷺ : "إن شِئتُمْ أن تَخْرجُوا إلى إبلِ الصدقةِ فتشرَبْوا من ألبانها وأبوالها"، ففعلوا فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عَن الإسلام، وساقوا

стр. 505

ذود رسول الله ﷺ فبلغ ذلك النبي ﷺ فبعث في إثرهم، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَلَ أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا" (١). عرينة: حي من قضاعة وحي من بجيلة من قحطان، والمراد هنا الثاني. فاجتووها: معناه: استوخموها. أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم. قالوا: وهو مشتق من الجوى، وهو داء في الجوف. وساقوا ذود رسول الله ﷺ : أي أخذوا إبله وقدموها أمامهم سائقين لها طاردين. سَمل أعينهم: ومعنى سمل: فقأها وأذهب ما فيها. وتركهم في الحرة: هي أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة، وإنما ألقوا فيها؛ لأنها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا. ٤ - يسقط الحد عن المحارب إن تاب قبل القدرة عليه: لقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٣٤): ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * * *

стр. 506

الباب السادس من يستحق القتل حدًّا ١ - الحربي: لا خلاف في ذلك لأوامر الله بقتل المشركين في مواضع من كتابه العزيز: منها: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ومنها: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]. ولما ثبت عنه ﷺ ثبوتًا متواترًا من قتالهم، وأنه كان يدعوهم إلى ثلاث، ويأمر بذلك من يبعثه للقتال. عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاهُ في خاصته بتقوى الله ومن معهُ من المسلمين خيرًا ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصالٍ (أو خلالٍ) فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم وكُف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حُكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإن هم أبَوْا فاستعن بالله وقاتِلهم … " (١). ولا تغلوا: من الغلول، ومعناه: الخيانة في الغنم، فلا تخونوا في الغنيمة. ولا تمثلوا: أي لا تشوهوا القتلى بقطع الأنوف والآذان. وليدًا: أي صبيًّا؛ لأنه لا يقاتل.

стр. 507

٢ - المرتد عن الإسلام: عن عكرمة أن عليًّا ﵁ حرَّقَ قومًا، فبلغ ابن عباس ﵄ فقال: لو كنتُ أنا لم أحرَّقْهم؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا تعذِّبُوا بعذابِ الله، ولقتلْتُهم كما قال النبي ﷺ : من بدَّل دينه فاقتلوه" (١). ٣ - الساحر: لكون عمل السحر نوعًا من الكفر، ففاعله مرتد يستحق ما يستحقه المرتد. قال تعالى عن هاروت وماروت: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. والسحر من الكبائر، انظر: كتاب الكبائر للذهبي (٢). ٤ - الكاهن: لكون الكهانة نوعًا من الكفر، فلا بد أن يعمل من كهانته ما يوجب الكفر، وقد ورد أن تصديق الكاهن كفر، فبالأوْلى الكاهن إذا كان معتقدًا بصحة الكهانة. فعن صفية ﵂ عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء، لم تُقْبلْ له صلاةُ أربعين ليلة" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أتى حائضًا أو امرأةً في دبرها أو كاهنًا، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ "، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 508

٥ - الساب لله أو لرسوله أو لكتابه أو لسنة نبيه أو للإسلام: وهذه الأفعال موجبة للكفر الصريح، ففاعلها مرتد. فعن علي ﵁: "أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله دمها" وهو حديث حسن (١). ٦ - الزنديق: وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ويعتقد بطلان الشرائع، فهذا كافر بالله وبدينه مرتد عن الإسلام، أقبح ردة إذا ظهر منه ذلك بقول أو فعل. ٧ - يقام حد القتل على المستحقين بعد استتابتهم: ففي تولية أبي موسى الأشعري ﵁ وفيه: "ثم اتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزِلْ، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًّا فأسلم ثم تهوَد، قال: اجلس، قال: لا أجلسُ حتى يقتلَ، قضاءُ الله ورسوله ثلاث مرات، فأمر به فقتل" (٢). ٨ - الزاني المحصن: تقدم الدليل عليه . ٩ - اللوطي مطلقًا: تقدم الدليل عليه . ١٠ - المحارب: تقدم الدليل عليه . * * *

стр. 509

الكتاب السادس عشر كتاب القصاص

стр. 510

١ - الدليل على وجوب القصاص: يجب القصاص؛ لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (١٧٨): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، ولقوله تعالى في سورة البقرة الآية (١٧٩): ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسول الله ﷺ ، مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " … ومن قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النظرين، إما أَنْ يُفْدَى وإما أن يُقْتل" (١). ٢ - تعظيم حرمات المسلمين: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبُوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"، وهو حديث صحيح (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أول ما يقضى بين الناس في الدماء"، وهو حديث صحيح (٣). ٣ - على مَنْ يجب القصاص ؟. يجب على المكلف المختار العامد، وقد تقدم الدليل على ذلك. ٤ - أنواع القتل: أ - عمد محض: وهو أن يقصد قتل إنسان بما يقصد به القتل غالبًا.

стр. 511

ب - شبه العمد: وهو أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالبًا. ج - الخطأ المحض: وهو ألَّا يقصد ضربه، وإنما قصد غيره فأصابه. ٥ - من حق الورثة التنازل عن القصاص وطلب الدية: لحديث أبي هريرة الصحيح المتقدم في هذا الكتاب رقم الفقرة [١]. ٦ - الآثار المترتبة على القتل: ففي القسمين الأخيرين: الكفارة على القاتل، والدية على عاقلته؛ لقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]. وأما القتل العمد: فولي المقتول فيه بالخيار بين القود والعفو على الدية؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قُتِلَ له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما أن يُودي وإما أن يقاد" (١). وليست هذه الدية هي الواجبة بالقتل، بل بدل عن القصاص، ولذا فإن لهم أن يصالحوا على غير الدية، ولو بالزيادة عليها، لقوله ﷺ : "من قَتَلَ متعمدًا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خلفَةً، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل" (٢). والعفو مجانًا أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ولقول النبي ﷺ : "وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا" (٣).

стр. 512

٧ - اتفاق العلماء في قتل المرأة بالرجل والعبد بالحر، والكافر بالمسلم: عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقُرِئَت على أهل اليمن، هذه نسختها: من محمد النبي ﷺ إلى شرحبيل بن عبد كُلال ونُعيم بن عبد كلال، والحارث بن عبد كُلال قيل ذي رُعين ومعافر وهمدان، أما بعد: وكان في كتابه: أنَّ من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينةٍ فإنهُ قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعُهُ الديةُ، وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرِّجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عَشْرٌ من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وأن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار"، وهو حديث صحيح (١). الجائفة: الطعنة التي تخالط الجوف وتنفذُ فيه، والمراد بالجوف: كل ماله قوة مخيلة كالبطن والدماغ. المنقلة: هي الشجةُ التي تخرج منها صغار العظام. الموضحة: هي الشجة التي تبدي وضح العظم، أي: بياضه. عن أنس ﵁: "أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح لها فقتلها بحجرٍ، فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق، فقال: "أقتلك فلان" فأشارت برأسها: أن لا، ثم قال الثانية، فأشارت برأسها: أن لا، ثم سألها الثالثةَ، فأشارت برأسها أن نعم، فقتله النبي ﷺ بحجرين" (٢). ٨ - لا يقتل الحر بالعبد، ولا المسلم بالكافر: لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (١٧٨): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. وكذلك لا يقتل المسلم بالكافر: عن أبي جحيفة قال: سألت عليًّا ﵁: هل عندكم

стр. 513

شيء ما، ليس في القرآن؟ وقال مرة: ما ليس عند الناس، فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن - إلا فهمًا يُعطى رجلٌ في كتابه - وما في الصحيفة، قلتُ: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، وألَّا يُقتلَ مسلمٌ بكافر" (١). • أما قتل الرجل بالمرأة ففيه خلاف، والراجح أنه يقتل الرجل بالمرأة: حكى ابن المنذر (٢): الإجماع على قتل الرجل بالمرأة، إلا رواية عن علي، عن الحسن، وعطاء. ٩ - لا يقتل الأصل بالفرع: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "كانت لرجل من بني مُدْلج جارية، فأصاب منها ابنًا فكان يستخدمها، فلما شبَّ الغلام دعي بها يومًا فقال: اصنعي كذا وكذا، فقال الغلام: لا تأتيك، حتى متى تستأمر أمي؟ قال: فغضب أبوه فحذفه بسيفه، فأصاب رجله أو غيرها فقطعها، فنزف الغلام فمات، فانطلق في رهطٍ من قومه إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا عدو نفسه، أنت الذي قتلت ابنك؟ لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقادُ الأب بابنه"، لقتلتك، هَلمَّ ديتَه، قال: فأتاه بعشرين أو ثلاثين ومائة بعيرٍ، قال: فتخير منها مائة، فدفعها إلى ورثته، وترك أباه"، وهو حديث صحيح (٣). ١٠ - يثبت القصاصُ في الأعضاء ونحوها والجروح مع الإمكان: لقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٤٥): ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. عن أنس، أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانًا، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "القصاص القصاص" فقالت أم الربيع: يا رسول الله، أيقتصُّ من فلانة؟ والله لا يقتص منها، فقال النبي ﷺ : "سبحان الله يا أم الربيع، القصاصُ كتابُ الله" قالت: لا والله لا يقتص منها أبدًا، قال: فما زالت حتى قبلُوا الدية، فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" (٤).

стр. 514

١١ - يسقط القصاص بإبراء أحد الورثة: لأن أمر القصاص والدية إلى الورثة وأنهم بخير النظرين، كما في حديث أبي هريرة ﵁، فإذا أبرؤوا من القصاص سقط، وإن أبرأ أحدهم سقط، لأنه لا تبعض، ويستوفي الورثة نصيبهم من الدية. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: "قضى رسول الله ﷺ أن يعقل المرأة عَصَبَتُها، من كانوا ولا يرثوا منها شيئًا، إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها، فهم يقتلون قاتلها"، وهو حديث حسن (١). ١٢ - إذا كان في الورثة صغير ينتظرُ في القصاص بلوغه: انظر: الفقرة رقم (١١) من هذا الكتاب. ١٣ - يُهدر القصاص إذا كان السبب من المجني عليه: عن عمران بن حصين: أن رجلًا عضَّ يد رجل فنزع يده من فمهِ فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: "يعضُّ أحدُكم أخاه كما يَعَضُّ الفحل، لا ديةَ له" (٢). ١٤ - ما حكم من أمسك رجلًا فقتله آخر: قلت: والحق أنه إذا اشترك جماعة من الرجال أو الرجال والنساء في قتل رجلٍ عمدًا بغير حق: قتلوا به كلهم. فعن ابن عمر ﵄، أن غلامًا قُتِلَ غِيلةً، فقال عمر: "لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم" (٣)، وهو أثر موصول إلى عمر بأصح إسناد. ١٥ - عقوبة قتل الخطأ الدية والكفارة: لقوله تعالى في سورة النساء الآية (٩٢): ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ

стр. 515

وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ١٦ - تجب دية قتل الخطأ على العاقلة وهم العصبة: عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرةٍ عبدٍ أو أمةٍ، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة، توفيت، فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها" (١). ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت: قال العلماء: هذا الكلام قد يوهم خلاف مراده، فالصواب: أن المرأة التي ماتت هي المجني عليها أم الجنين، لا الجانية. * * *

стр. 516

الكتاب السابع عشر كتاب الدِّيات

стр. 517

كتاب الديات ١ - تعريف الدية: الدية: هي المال الذي يجب بسبب الجناية، وتؤدى إلى المجني عليه أو وليه، وهي تنتظم ما فيه القصاص، وما لا قصاص فيه. وتسمى الدية بـ "العَقْل" وأصل ذلك: أن القاتل كان إذا قتل قتيلًا جمع الدية من الإبل، فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي شدها بعقالها؛ ليسلمها إليهم. يقال: عقلت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته. وأصل ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]. ٢ - مقدار دية الرجل المسلم: دية الرجل المسلم مائة من الإبل، أو مائتا بقرة أو ألفا شاةٍ، أو ألفُ دينار، أو اثنا عشر ألف درهم أو مائتا حُلّةٍ. عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "من قُتِلَ خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة وعشرة بني لبون ذكور"، قال: وكان رسول الله ﷺ يقومها على أهل القرى أربعمائة دينار أو عِدْلَهَا من الورق، ويُقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان، فبلغ قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ما بين الأربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار أو عدلها من الورق، قال: وقضى رسول الله ﷺ أن من كان عقلُهُ في البقر على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان عقله في الشاة ألفي شاة، وقضى رسول الله ﷺ أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم فما فضل فللعصبة، وقضى رسول

стр. 518

الله ﷺ أن يعقل على المرأة عصبتها من كانوا، ولا يرثون منه شيئًا إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قُتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلها"، وهو حديث حسن (١). الدينار = ٤.٢٥ غرامًا. ٣ - متى تغلظ الدية ؟. تغلظ دية العمد وشبهه، واتفق الفقهاء على أنَّ التغليظ في الدية لا يعتبر إلَّا في الإبل دون الذهب والورق. ٤ - كيف تغلظ الدية ؟. تغلظ الدية من الإبل بأن تكون المائةُ في بطون أربعين منها أولادها: عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ [قال: مسدد]: خطب يوم الفتح بمكة فكبر ثلاثًا، ثم قال: "لا إله إلا الله وحده، صدق وعْدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزابَ وحده". إلى ها هنا حفظته عن مسدد، ثم اتفقا: "ألا إن كل مَأثُرَةٍ كانت في الجاهلية تذكر وتدعى دم أو مال تحت قدمي، إلا ما كان من سقاية الحاج، وسِدَانةِ البيت"، ثم قال: "ألا إن دية الخطأ شبه العمد كان بالسوط والعصا، مائة من الإبل منها أربعون في بطون أولادها"، وهو حديث صحيح (٢). ٥ - مقدار دية الذمي نصف دية المسلم: عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "ديَةُ المعاهَد نصفُ ديةُ الحرِّ"، وهو حديث حسن (٣). ٦ - مقدار دية المرأة، ودية أطرافها: دية المرأة نصف دية الرجُلِ، والأطرافُ وغيرها كذلك في الزائد على الثلث.

стр. 519

عن شريح قال: أتاني عروة البارقي من عند عمر: "أن جراحات الرجال والنساء تستوي في السن والموضحة، وما فوق ذلك، فدية المرأة على النصف من دية الرجل"، وإسناده صحيح (١). قلت: ولا مخالف لهم من الصحابة، فصار إجماعًا، على أنَّ هذا مما لا يقال بالرأي؛ فيكون في حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ . ٧ - مقدار دية الأعضاء والشجاج: تجب الدية كاملةً في العينين والشفتين واليدين والرجلين والبيضتين وفي الواحدة منها نصفها، وكذلك تجب الدية كاملة في الأنف واللسان والذكر والصُّلب وأرش المأمومة والجائفة ثلثُ دية المجني عليه وفي المُنقلة عشر الدية، ونصف عُشرها، وفي الهاشمة عُشرها، وفي كل سن نصفُ عشرها، وكذلك في الموضحةِ. ٨ - دية الشجاج: الشجاج: هي الإصابات التي تقع بالرأس والوجه. وهي عشرة أنواع: ١ - الخارصة: وهي التي تقشر الجلد ولا تدميه. ٢ - الدامية وهي التي تدميه. ٣ - الباضعة: وهي التي تشق اللحم شقًّا كبيرًا. ٤ - المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم. ٥ - السّمحاق: وهي التي يبقى بينها وبين العظم جلدة رقيقة. فهذه خمس شجاج ليس فيها قصاص (٢)، ولا أرش مقدار، وتجب فيها حكومة (٣).

стр. 520

٦ - الموضحة: وهي التي تبلغ إلى العظم، وفيها خمس من الإبل. ٧ - الهاشمة: وهي التي تهشم العظم وتكسره، وفيها عشر من الإبل. ٨ - المنقلة: وهي التي ينقل منها العظم من موضع إلى موضع، وفيها خمس عشرة من الإبل. ٩ - الأمومة أو الآمة: وهي التي لا يبقى بينها وبين الدماغ إلا جلدة رقيقة وفيها ثلث الدية. ١٠ - الدامغة: وهي التي تبلغ الدماغ، وفيها أيضًا ثلث الدية. ٩ - دية الجنين: إذا مات الجنين بسبب الجناية على أمه عمدًا أو خطأ ولم تمت أمه، وجب فيه غرة، سواء انفصل عن أمه وخرج ميتًا، أم مات في بطنها، وسواء كان ذكرًا أم أنثى، فإذا ماتت المرأة أيضًا فلها ديتها. عن أبي هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معه" (١). فأما إذا خرج حيًّا ثم مات ففيه الدية كاملة، فإن كان ذكرًا وجبت مائة بعير، وإن كان أثنى فخمسون؛ لأنا تيقنا موته بالجناية، فأشبه غير الجنين. ١٠ - تعريف القسامة: القسامة: أن يوجد قتيل وادعى وليه على رجل أو على جماعة، وعليهم لوث ظاهر، واللوث ما يغلب على القلب صدق المدعي، بأن وجد القتيل بين قوم أعداء لا يخالطهم غيرهم، أو اجتمع جماعة في بيت أو صحراء وتفرقوا عن قتيل، أو وجد في ناحية قتيل وثَمَّ رجل مختضب بالدم، أو يشهد عدل واحد على أن فلانًا قتله، أو قاله جماعة من العبيد والنساء جاؤوا متفرقين بحيث يؤمن تواطؤهم ونحو ذلك، فيحلف المدعي خمسين يمينًا ويستحق دعواه.

стр. 521

١١ - يخير المدعى عليهم بين أن يحلفوا خمسين يمينًا أو يسلموا الدية، وإن التبس الأمر كانت من بيت المال: عن بشير بن يسار: "زعم أن رجلًا من الأنصار يُقال له: سهلُ بن أبي حَثمة أخبرةُ أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلًا، وقالوا للذي وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، فانطلقوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلًا، فقال: "الكُبْرَ الكُبْرَ". فقال لهم: "تأتون بالبينة على من قتله؟ " قالوا: ما لنا بينة، قال: "فيحلفون"، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يُطَلَّ دمه"، فوداه مائة من إبل الصدقة (١). ١٢ - القسامة في الجاهلية: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار، أن رسول الله ﷺ أقرَّ القَسَامَةَ على ما كانت عليه في الجاهلية (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: "إن أول قسامةٍ كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم: كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريشٍ من فخذ أخرى، فانطلق معه في إبله، فمر به رجلٌ من بني هاشم قد إنقطعت عُروةُ جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشدُّ به عُروةَ جُوالِقي لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالًا فشد به عروة جوالقه، فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيرًا واحدًا، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ قال: فخذفه بعصًا كان فيها أجله، فمرَّ به رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهدُ وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالةً مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال فكتب: إذا أنت شهدت الموسم فنادِ يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد يا أل بني هاشم، فإن أجابوك فاسأل عن أبي طالب فأخبره أن فلانًا قتلني في عقال، ومات المستأجر، فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض فأحسنت القيام عليه، فوليتُ دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينًا، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال: يا آل قريش

стр. 522

قالوا: هذه قريش، قال يا بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة أن فلانًا قتله في عقال، فأتاه أبو طالب فقال له: اخْتَر مِنَّا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل" فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، وإن أبيت قتلناك به، فأتى قومُه فقالوا: نحلِفُ، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب أحبُّ أن تُجيزَ ابني هذا برجلٍ من الخمسين ولا تُصَبرُ يمينه حيثُ تُصَبرُ الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب أردت خمسين رجلًا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل، يصيبُ كل - رجل بعيران، هذان بعيران فاقبلهما مني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا، قال ابن عباس ﵄: فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرِف" (١). * * *

стр. 523

الكتاب الثامن عشر كتاب القضاء ويتضمن بابين الباب الأول: القضاء. الباب الثاني: الخصومة.

стр. 524

الباب الأول القضاء ١ - مشروعيته: القضاء مشروع بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة: قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [سورة ص: ٢٦]. وعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر" (١). وأجمع المسلمون على مشروعية القضاء. ٢ - حكمه: وهو فرض كفاية، ويجب على الإمام أن يعين في البلاد - حسب حاجتها - من يحكم بينهم؛ لأن النبي ﷺ حكم بين الناس، وبعث عليًّا إلى اليمن للقضاء، وحكم الخلفاء الراشدون، وولوا القضاء في الأمصار. ٣ - ممن يصح القضاء ؟. يصحُّ قضاءُ من كان مجتهدًا، متورعًا عن أموال الناس عادلًا في القضية حاكمًا بالسوية. عن بريدة عن النبي ﷺ قال: القضاةُ ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجَار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار"، وهو حديث صحيح (٢). ووجه الدلالة منه أنه لا يعرف الحق إلا من كان مجتهدًا، وأما المقلد فهو يحكم بما

стр. 525

قال إمامه، ولا يدري أحق هو أم باطل، فهو القاضي للناس على جهل، وهو أحد قاضيي النار. وعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ، فله أجر" (١). اجتهد: بذل وسعه للتعرف على القضية ومعرفة الحق فيها. أصاب: الحق والواقع في حكمه. أخطأ: الحق وواقع الأمر في قضائه. ووجه الدلالة في هذا الحديث أن القاضي الذي يحكم بين الناس ويمضي حكمه هو الذي لديه أهلية الاجتهاد، والله تعالى يقول في سورة النساء الآية (٥٨): ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. ٤ - لا يحل الحرص على القضاء وطلبه: عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعْطيتَها عن مسألة وكلت إليها، وإن أُعْطيتَها عن غير مسألة أُعنْتَ عليها … " (٢). ٥ - لا يحل للإمام تولية من حرص على القضاء أو طلبه: عن أبي موسى ﵁ قال: دخلتُ على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: يا رسول الله، أمِّرْنا على بعض ما ولاك الله ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: "إنا، والله لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه" (٣). ٦ - القاضي المتأهل على خطر عظيم: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من وَلِيَ القضاء فقد ذُبِحَ بغير سكين"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 526

٧ - النساء لا تلي القضاء: لقوله تعالى في سورة النساء الآية (٣٤): ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. ولقول النبي ﷺ : "لن يُفلحَ قومٌ ولُّوا أمرهم امرأة"، وهو حديث صحيح (١). ولأن النبي ﷺ قد اختار قضاة كثيرين في حياته، ولم يعين من بينهم امرأة واحدة قط، وكذلك أفعال الخلفاء الراشدين. وما ذكره ابن حزم ﵀ من أن عمر ولى الشفاء، فلا يصلح حجة في هذا المقام، فالخبر لم يثبت، فقد ساقه غير مسند، وبصيغة التمريض، وهذه الصيغة لا تؤهل النص؛ ليحتج به. ثم إنه لو صح، وثبت، فلا يفهم منه أن عمر ولاها القضاء، بل يفهم منه أنه اختارها لتقاوم المنكرات بالنساء في السوق، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ - لأن الرواية تقول: "وربما ولإها شيئًا من أمر السوق"، ولو كانت المرأة تصح ولايتها للقضاء، ولم تخل جميع الأزمنة من ذلك. (٢) ٨ - لا يجوز للقاضي أن يحكم وهو غضبان: عن أبى بكرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ : "لا يحكمُ أحدٌ بين اثنينِ وهو غضبانٌ" (٣). ٩ - قضاء الحاكم لا يغير من الحق شيئًا: من قُضى له بحق أخيه فلا يأخذه؛ فإن قضاء الحاكم لا يُحل حرامًا، ولا يُحرم حلالًا: عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن النبي ﷺ سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: "إنما أنا بشرٌ، وإنه يأتيني الخَصْمُ، فلعل بعضَكُم أن يكون أبلغَ من بعضٍ؛ فأَحْسِبَ أنه

стр. 527

صادق؛ فأقضي له بذلك، فمن قضيتُ له بحقٍّ مسلمٍ، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذْها أو ليتركها"، وهو حديث صحيح (١). ١٠ - تحرم على القاضي الرشوة والهدية لكونه قاضيًا: لحديث عبد الله بن عمرو قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي، وهو حديث صحيح (٢). ١١ - على القاضي السماع من الخصمين: عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: "إن الله سيهدي قلبك، ويثبتُ لسانكَ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينَّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"، قال: فما زلت قاضيًا، أو ما شككت في قضاء بعد، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه (٣). ١٢ - على القاضي أن يسهل الدخول عليه: عن أبي مردم الأزدي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين، فاحتجَبَ دون حاجتهم وخَلَّتِهم وفقرهم، احتجبَ الله عنه دون حاجته وخَلَّتِه وفقره"، وهو حديث صحيح (٤). الخَلة: بفتح الخاء: الحاجة والفقر. ١٣ - يجوز للقاضي اتخاذ الأعوان: عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن قيس بن سعدٍ كان يكون بين يدي النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير (٥).

стр. 528

١٤ - يجوز للقاضي الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح: عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدردٍ دينًا، كان لَهُ عليه، في عهدِ رسولِ الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتُهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسولُ الله ﷺ حتى كشف سِجْفَ حُجْرَتِهِ، ونادى كعب بن مالكٍ، فقال: "يا كعبُ"، فقال: لبيك يا رسولَ اللهِ، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دَينكَ، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : "قم فاقضه" (١). سجف حجرته: أي سترها. * * *

стр. 529

الباب الثاني الخصومة ١ - البينة على المدعي: عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئٍ مسلم، هو فيها فاجر، لَقِيَ الله وهو عليه غضبان" (١) قال: فدخل الأشعثُ بن قيسٍ، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن، فيَّ نزلت، كان بيني وبين رجل بأرض اليمن، فخاصمته إلى النبي ﷺ فقال: "هل لك بينة؟ "، فقلت: لا، قال: "فيمينُه"، قلت: إذن يحلف، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "من حلف على يمين صبر يقتطِع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان"، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. من حلف على يمين صبر: هو بإضافة يمين إلى صبر، ويمين الصبر: هي التي يحبس الحالف نفسه عليها، وتسمى هذه اليمين الغموس. ٢ - اليمين على المنكر: عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو يُعْطى الناس بدعواهم، لادَّعَىَ ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم، ولكنَّ اليمينَ على المدَّعَى عليه" (٢). ٣ - يحكم الحاكم بالإقرار: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني وفيه: "واغد يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفَتْ فارجمْها" (٣). ٤ - أو يحكم الحاكم بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ؛ لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (٢٨٢): ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.

стр. 530

٥ - أو يحكم الحاكم بشهادة رجل ويمين المدعي: عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد" (١). ٦ - يجوز للحاكم أن يحكم بيمين المنكر: عن وائل بن حجر قال: جاء رجلٌ من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكنديُّ: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: "ألك بينة؟ " قال: لا، قال: "فلك يمينه" قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: "ليس لك منه إلا ذلك"، فانطلق ليحلف: فقال رسول الله ﷺ لما أدبر: "أما لَئِنْ حلف على ماله ليأكله ظلمًا، ليلقين الله وهو عنه معرض" (٢٩). ٧ - لا تقبل شهادة من ليس بعدل: لقوله تعالى في سورة الطلاق الآية (٢): ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وتثبت العدالة بمعرفة القاضي للشاهد، أو بتزكية عدلين له عنده. وحد العدالة أن يكون محترزًا عن الكبائر غير مصر على الصغائر ولا فاعلًا ما يخل بالمروءة، وهي: ما تتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء، وهي: حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة. ٨ - لا تقبل شهادة الخائن ولا ذي العداوة، والمتهم، والقانع لأهل البيت: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ رد شهادة الخائن والخائنة، وذي الغِمْرِ على أخيه، وَرَدَّ شهادة القانِع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم"، وهو حديث حسن (٣). الغمر: بكسر المعجمة، وسكون الميم بعدها راء مهملة: الحقد: أي لا تقبل شهادة العدو على العدو. القانع: الأجير الذي ينفق عليه أهل البيت.
следующие страницы →