← Общие книги

Общие книги · id 7834

الرد الجميل على المشككين في الإسلام من القرآن والتوراة والإنجيل والعلم

عبد المجيد حامد صبح

Полный текст (216 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[الرد الجميل على المشككين في الإسلام]ـ من القرآن والتوراة والإنجيل والعلم المؤلف: عبد المجيد حامد صبح الناشر: دار المنارة للنشر والتوزيع والترجمة، المنصورة - مصر الطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) من سورة سبأ ٤٦ - ٤٩) . (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) . قال الجاحظ: وأدنى منازل الإظهار إظهار الحجة على من ضارّه وخالف عليه (من رسائل الجاحظ) . قلت: وهذه دعوة قرآنية للتخلص من الهوى وسائر المؤثرات الصارفات عن الإخلاص في طلب الحق، ولتحرير العقل في طلبه، ولتحرير الإرادة؛ لتمضي في السبيل القويمة. وهذا وعد موعود بإظهار الإسلام، وهو الحق، وقد صدق الوعد، وسطر على صفحات التاريخ، وبرز في وقائع الدهر شاهد صدق، وآيةً ناطقة، لا تدع شبهة زيغ، لمن أخلص قلبَه لطلب الحق والحقيقة. * * * قصة هذا الكتاب ١ - لهذا الكتاب قصة، وللقصة جاذبيتها نحو موضوعها، وكلما كانت القصة من حقائق الواقع كانت أقوى جاذبية لشدة صلتها بواقع الإنسان. فإذا كان واقع القصة مما يتصل بإيمان الإنسان، وآحاد معتقده بلغت من الجاذبية مبلغها الذي لا مزيد عليه.

стр. 3

وكذلك كانت قصة هذا الكتاب في زيارتي لأمريكا منذ ٢١ ديسمبر سنة ١٩٩٧، بدعوة من مجلس إدارة مسجد أبي بكر الصديق، في بروكلين من مدينة نيويورك- قَدّم إليَّ الأخ الصديق القديم (حامد نبوي) صورة من أسئلة تحدى بها مرسلوها المسلمين. وكاتبو هذه الأسئلة، المتحدون بها، جماعة من البشرين في كندا، يرسلونها في تحدِّ سافر، ويطلبون الردّ عليها، طلب تحدّ وتعجيز، يظنون أنه لا جواب عنها، وأنه لا ردّ ييطل زيفها! وأنه لا معقب عليها. وما مثلهم - لو كانوا يعلمون - إلا كمثل من يضرب رأسه في فولاذ يحسب أنه قادر على أن يكسِّره. كناطح صخرة يوما، ليوهنها. . . فلم يَضرها وأوهى قرنه الوعِل!! ٢ - ويؤيد هذا التحدي قوة عاملان: أن مرسلي هذه الأسئلة قد بنوها على بعض العلم ببعض مسائل الإسلام، وبعض العلم مضلّة، والعلم إذا خالطه الهوى كان أضرّ من الجهل. وأن بعض من يقعدون بمرصد لهذه الأباطيل من مهاجري المسلمين، ليسوا من أهل العلم، وإنما هم ممن صنعت منه الغربة، والحاجة عالما من غير علم، وأبا حنيفة من غير فقه، والبلادُ إذا اكفهرت، وصوّح نبتها رُعِي الهشيم!! ومن وجوه عجز هؤلاء أنهم، وهم يعيشون وسْط هؤلاء المشبهين، يجهلون واقعهم، كما يجهلون عقائدهم! كما أن من وجوه عجزهم أنهم يحسبون، بزعمهم، أن كل مخالف في الدين عدوّ، يقاطع، بل ويجب حربه وقتاله، ويستحل ماله. . . ويقدمون - بهذا الفهم - صورة كريهة للإسلام، وعلاقته غير الإنسانية.

стр. 4

ومن هذه الوجوه تلك الحال لنساء هؤلاء، أدعياء العلم بالإسلام، والحال التي يطلبونها من المرأة الغربية التي تأتيهم لتعرف الإسلام حال متى علم بها الإسلام بكى مما أصابه من بعض أبنائه، عن حسن نيّة، ولكن بنقص علم، وتقصير في التحصيل، واتهام للعارفين عن يقين، الذين حصّلوا علوم الإسلام على يدي شيوخه، الذين كانوا أعلام دهرهم، وغرة زمانهم. وليست هذه الوجوه من النظر العقلي المجرد، وإنما هي من مفردات الواقع، الذي لمسه كل مخالط معايش. وبهذه الوجوه تأتي ردود هؤلاء ضعيفة، أو متهافتة، تغري أصحاب الهوى بمزيد من التهجم، بل تجعلهم يحسبون أنهم على شيء، وما هم على شيء، ولكن أغراهم ضعف المجيبين! وقد تقدم إليَّ الأخ الكريم (حامد نبوي) - لحسن ظنه لي - أن أكتب الردّ على تلك المفتريات، إظهارا للحق، ودَزءا عن الإسلام وحماية لحماه وحقيقته. وإني لأرجو أن أكون عند حسن الظن، فأكون أهلا لهذه المهمة الجليلة، فالإسلام وحقائقه أثقل من أن يستقل بها ضعيف مثلي، يدرك من قلة علمه ما لا يدرك الآخرون، ويعرف من اتساع الإسلام، وعمق مسائله ما يجعله يوقن أنه دون حسن الظن، وموضع الجواب، ومذراة هجوم وطعن. ولكن إذا وجب الجهاد بالقلم والكلمة، وأصبح القول فرض عين، وواجب عقيدة، ولازم إيمان، والله - تَعَالَى - هو ذو الجلال والإكرام، وهو مصدر الفضل، ومانح النصر لمن خلصت نيته، وحسن قصده، وبذل جهده، والحق أبلج، والباطل لجلج، فحسبي أن آخذ الطريق إلى الحق والصواب، ثم يتكفل اللَّه بالهداية وعلى اللَّه قصد السبيل وعليه الهدى. والإسلام - دي ذاته - نور لا يغشاه ظلام، وحق مبين، لا يأتيه باطل. ولكنّ البصائر قد يغشاها الرَّين، والأبصار قد يتغشاها غشاوات، فلا ترى النور وهو

стр. 5

ناصع، وتعمى عن الشمس، وهي رائعة في شباب النهار. ٥ - ومهما قال الأعشى عن الصبح إنه ليل، فلن يعمى العالمون عن ضيائه، ومهما تحوّل أهل الهوى إلى كنّاسين يثيرون الأرض رَغاما، فإنهم لن يعفّروا صفحة السماء، ولسوف يظل الإسلام، ونبي الإسلام أطهر من الربابة في سمائه، ومهما شبّه المشتبهون، وضلل المضللون، فلسوف يظل من ذوي النصفة، ومن أولي الألباب من يعرف الحق ويؤمن به، ومن يحترم نفسه، ويُجلّها عن بطر الحق، وغمط الفضل، وتقبيح الجميل، ولسوف يظل الماء العذب الفرات على صفته، وإن وصفه المريض مر الفم بأنه مُر غير سائغ. ولسوف يظل الحق حقا، وإن جحده المبطلون (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) . ٦ - تلك قصة هذا الكتاب، التي دعت إلى تسطيره، ونشره، وهي تنبيه إلى المسلمين عامة، والمقيمين منهم بين أمثال هؤلاء المبلسين، وليعرفوا كيف يفهمونهم، وكيف يتعاملون معهم. وهي تحذير لهؤلاء الذين يوقظون الفتن، وهم يدّعون السلام، ويدْعون إلى الإخاء العالمي بألسنتهم، وتأبى قلوبهم. وإعلان لأمثالهم بأن الإرادة الإسلامية ما زالت ناهضة ناشطة، تدفع عن نفسها جهل الجاهلين، وغرور الغافلين، والضالين عن سواء السبيل. وبعد، فإنها تبصرة لكل راغب بنفسه عن كل دنية، متأب بكرامته عن سهوات الانحطاط!! هذا، وسوف أجعل هذا البيان أقسامًا رئيسة: الأول: عرض أسئلة المبشرين في ترجمتها العربية، كما وصلتني، مع بعض تقويم للغة

стр. 6

الترجمة. وكنت أودّ أن أثبتها بلغتها الإنجليزية زيادة في التوثيق ووفاءً للمنهج العلمي. الثاني: بيان موقف القرآن من الجدال، وبيان منهجه، وثمرته، وآدابه، وبيان أن هؤلاء المبشرين لم يلتزموا المنهج الصحيح في الجدال وأنهم مقلدون في تهجمهم على الإسلام. الثالث: لبيان أنه كان عند هؤلاء المشبهين في دينهم، وكتابهم ما هو أولى بالبحث عن حقائقه وأباطيله، وأنهم لو فعلوا لاستحوا من قولهم عنه ما قالوا عن الإسلام. الرابع: الإجابات المفصلة عن هذه الأباطيل، وفيها يتجلى الحق، وبها ينتهي الكتاب إلى مراشد للهدى، ومعالم اليقين، لمن شاء أن يستقيم. عبد المجيد حامد صبح نيويورك - يناير ١٩٩٨ م

стр. 7

القسم الأول الأسئلة مجموعة

стр. 8

وإليكم الأسئلة مجموعة: ١ - لماذا يقتل المرتد عن الإسلام، مع أن القرآن يقول: (لَآ إِكرَاهَ فِى الدينِ) ويقول: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) . فلماذا هذا التناقض بين النص والتطبيق؟! وهل يعقل أن إنسانا يفرض عليه أن لا يغير رأيه؟ وعلماء المسلمين أنفسهم يغيّرون رأيهم في مسائل كثيرة، حتى رسولكم غير رأيه في مسائل عدة، مثل زيارة القبور للنساء، وزواج المتعة. حتى القرآن نفسه عندما نسأل بعض علماء المسلمين يقولون: هذه الآية نسخت، أي انتهى حكمها (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) فكيف يطلبون من إنسان عدم تغيير رأيه؟ أين حرية الرأي؟ أين حرية الأديان؟ * * * ٢ - لماذا حرم على غير المسلم دخول مكة والمدينة، وفي المقابل، المسلم حرّ الحركة سواء في أوربا أو أمريكا، أو أي مكان فيه كثرة مسيحية. فأين العدل والمساواة؟ أليس هذا ينم علي أنكم لستم متسامحين؟ أو أنه ليس عندكم ثقة في دينكم؟ ولماذا لم تسمحوا بالحركات التبشيرية في داخل مكة والمدينة هل تخافون أن يترك المسلمون دينهم، ويدخلوا المسيحية؟ أين الثقة في دينكم؟ * * *

стр. 9

٣ - لماذا العقاب في الإسلام غير منطقي؟ العقاب في القرآن لا يتناسب مع الجريمة؟ القرآن، وأقوال رسولكم يناقض بعضها بعضا: تقولون: إن إلهكم رحمن رحيم. ورسولكم يقول: إن الله أرحم من الأم على ولدها. فهل يعقل أن الأم تخلد ولدها في النار، مهما كان ذنبه؟ فكيف تريدون من إنسان أن يؤمن بإله يخلد عبيده في النار؟ وأي جريمة يستحق فاعلها الحلود في النار؟ أين الرحمة؟ وأين العدل؟ * * * ٤ - لو كان الإسلام دينا حقا - كما تزعمون لما تخلف أهله. فكيف يكون دينا صحيحًا وأتباعه: المسلمون، من أسوأ الناس، وأحطهم سلوكا وأخلاقا ومظهرا. وبلادهم في منتهى التأخر والفوضى والظلم والهمجية والقذارة! ا * * * ٥ - كيف حدث هذا في السعودية؟ عندما قتل مسلم غير مسلم، لم يقتل المسلم، وعندما سألنا: لماذا؟ كانت الإجابة: أن رسولكم أمر بهذا. فهل هذا عدل؟ كيف تلومون اليهود على قولهم: إنهم شعب اللَّه المختار، وفي نفس الوقت، نبيكم وأتباعه يدّعون الامتياز على غيرهم أليس هذا تناقضا ونفاقا؟ * * *

стр. 10

٦ - قرآنكم عندما قرأناه وجدنا فيه متناقضات كثيرة، ولم نجد فيه وحدة الموضوع، نجده يقفز من موضوع إلى آخر، ونجد فيه تكرارا كثيرا جدا. وتقولون إنه معجزة، فكيف هذا؟ * * * ٧ - القرآن غير مستقر في وصف أهل الكتاب: ففي آية (آل عمران: ١١٠) سماهم، أو بعضهم: مؤمنين. وفي آية (آل عمران: ٨٥) (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) وفي الوقت نفسه آية سورة البقرة ٦٢ لم يشترط الإسلام! وعلماؤكم متناقضون في الجواب: نسأل إماما: هل أهل الكتاب كفار؟ منهم من يقول: نعم، ومنهم من يقول: لا. وآخر يقول: الذين سيدخلون الجنة هم المسلمون فقط!! والقرآن نفسه فيه تناقض في وصف أهل الكتاب: كما في آيات: سورة البقرة: ٦٢، والمائدة: ١٧، ٧٢، ٧٣، والبقرة: ١٠٥ وكذلك الآيات: في المائدة: ٧٨، ٥٧، والبقرة: ٨٣، ١٠١ وكذلك آل عمران ٩٨، ١٠١، ١٠٦، وسورة البينة: ٦. * * * ٨ - الإسلام حط من شأن المرأة في قضايا كثيرة: فهي تعامل كشيء مملول منه، وأنها مواطن من الدرجة الثانية. والدلائل كثيرة، منها: * قول نبيكم: الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة. * يرث الرجل ضعف المرأة. * شهادة الرجل بشهادة امرأتين.

стр. 11

* الحجاب، وقيود كثيرة من زوجها، وليس على الرجل قيود، والرجل يذهب إلى الشاطئ، ويلبس المايوه، وامرأته عنده خادمة، تلبس الحجاب في الحر الشديد، وتنتظر (السيد) حتى يخرج من البحر. وقد شاهدنا ذلك على شواطئ كندا. أقوال كثيرة من نبيكم تهين المرأة. منها: لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. وقوله: من الفأل الحسن: المركب الحسن والمرأة الصالحة والدار الفسيحة! أين الأحاديث التي تدين، وتهين الرجل؟ فهل هذا دين عدل ومنطق؟ الرجل يتزوج من أربع، والمرأة غير مسموح لها! الرجل المسلم يتزوج غير المسلمة، ولا يسمح للمرأة المسلمة أن تتزوج بغير المسلم؟ إذا نشزت المرأة تضرب، وإذا نشز الرجل لا يضرب!! * * * ٩ - قرآنكم يحض على الزنا، حتى النبي لوط، في قول القرآن عن لوط: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) . * * * ١٠ - إلهكم - بحسب القرآن - هو الذي يهدي ويضل. فكيف يعاقب الإنسان بخلوده في النار؟ * * *

стр. 12

١١ - ما هو جواب الإسلام عن هذا السؤال: لماذا خلقنا؟ تقولون: لنعبد اللَّه! وهل يحتاج اللَّه لعبادتنا؟ لماذا نخلق، ونعاني، ثم نموت. ثم نخلد في النار؟ هل هذا عدل؟ فكرة تناسخ الأرواح تجيب عن هذه الأسئلة إجابات منطقية، وفيها رحمة، وتتلاءم ورحمة الرب، الذي لا يشتهي الانتقام!. * * * ١٢ - لو أن الإسلام الدين الحق لما رأينا علماءه ضعفاء عاجزين منافقين؟ * * * ١٣ - نحن في عصر التقدم والعلم، والحسابات الدقيقة، والصعود إلى القمر. وأنتم تدعون أن الإسلام دين حضارة وعلم وتقدم. والمسملون إلى اليوم لا يزالون محْتلفين في بداية الشهور العربية، وخاصة شهر رمضان! فكيف يكون الإسلام دين تقدم؟ * * *

стр. 13

القسم الثانى موقف القرآن من جدال المخالفين ١ - القرآن يقرر الجدال، كأحد سبل الوصول إلى الحق ويضع آدابه، ومنهجه ويبين ثمرته. ٢ - بيان أن أصحاب هذه الشبهات على غير منهج. ٣ - بيان كيف نتصرف مع الخارج عن أدب الجدال ومنهجه. ٤ - هؤلاء في طعنهم في الإسلام تابعون مقلدون. ٥ - ولكن هناك منصفون، احترموا أنفسهم، وآثروا الحق. ٦ - بيان أن مقصد هؤلاء ليس البحث عن الحق والحقيقة، بل مجرد الطعن. والتشكيك، والسير على طريق التبشير المسيحي، الذي غرق فيه مبشرو أوربا منذ نشطت الحركة الاستعمارية الغربية، وبثت سموم الاستعمار الفكري، لمساندة الاستعمار العسكري. ٧ - قبل أن تطعنوا فيما عندنا نبئونا بما عندكم.

стр. 14

الإسلام يقر الجدال ويضع له آدابا ومبادئ حسن أن يتلاقى ذوو الفكر والرأي، ومن مأثور أدب اللغة العربية قولهم: مذاكرة الرجال تلقيح للألباب، ولا شك أن احتكاك الفكر بالفكر يولد الحقيقة، كما يولد الشرر احتكاكُ الحجر بالحجر. وأحسن التقاء لذوي الفكر التقاء ذوي الفكر من ذوى الأديان، فعنده تجتمع الحسنيان، وتلتقي الفضيلتان، وتتقارب القوتان. قوة العقل، وقوة الدين، أو الفطرتان: فطرة التفكر، وفطرة التدين. وفي تعاونها سلامة الدنيا، وسعادة الإنسان. وتلك غاية، كثر ضلال (العقل) عن سبيلها، عندما نبذ - باسم التقدم - الدين والتدين!! حسن، إذاً أن نلتقي لنتعارف، وليعرف كل منا ما عند الآخر، ولنتعاون على البر والتقوى، كما أرشد إليه القرآن الكريم، وعلى الحق والخير، كما هو رسالة الإسلام، في زمن تعاون كثير من أهله على الإثم والعدوان وعلى ظلم الإنسان، وهضم حقوقه، وبَعُد فيه البشر، من أصحاب القوة، شوطا بعيدا عن هدى السماء، فضاعت في حُمَّى الأهواء فكرة الإنسانية الجامعة، التي هي أحد مقاصد الإسلام. حسن أن نلتقي في ساحة الفكر، وإن تناءت الأجسام، وحسن أن نلتقي على هذا السمو، وليس لقاء الطعن في دين، والإصغار لأهل هذا الدين!! نحن لا نعلم كتابا سماويا شرع جدال المخالف في الدين، ووضع الجدال منهجا يقوم على أرفع القيم، وأنبل المقاصد كما فعل القرآن الكريم، الذي رفع مجال الجدال إلى مستوى الملأ الأعلى إذ يختصمون! فالقرآن، في مواضع متعددة، يحكى سؤال الملائكة اللَّه - تَعَالَى - عن الحكمة من خلق هذا النوع: الإنسان، واختصاصه بالخلافة في الأرض، على ما في طبيعته من الإفساد في الأرض، وما فيها من سفك الدماء. وكانت الملائكة - فيما يرون

стр. 15

أنفسهم - أحق وأجدر بهذا الاختصاص. (الآيات ٣٠ - ٣٣) من سورة البقرة) . ٣ - والعجب من القرآن في تقرير مبدأ الجدال حين يقرر جدال الإنسان عن نفسه، مع اللَّه سبحانه، يوم القيامة!! يقول اللَّه (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) . ويقول: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا) . ٤ - ولا يمنع القرآن الحوار في موضوع (الإيمان والدين) بل يؤسس جواز هذا الحوار، على لسان أبي الأنبياء: إبراهيم ﵊. وإذا كنا جميعا - أصحاب الديانات السماوية - ننتمي إلى أبينا إبراهيم، ﵇، فإننا بالحوار البناء، والجدال بالحسنى، واحترام كل منا لأخيه - نجدد منهجه في الحوار الديني، حول أم حقائق الدين، والدعوة إلى الحق، وإرشاد الناس إلى اللَّه. فإبراهيم ﵇ كما أخبر القرآن الكريم هو مؤسس الحوار الفكري حول أسس الإيمان، ومرجع الاعتقاد، ذكر القرآن عنه ذلك في أربعة مواضع، وموضع خامس. في سورة الأنعام ٧٥/ - ٨٣. وهو حوار بلغ من حسنه أنه يبدو وكأنه حديث مع النفس، بعيدا عن طرف آخر. إنه لم يتوجه إلى مخالفيه مباشرة ليقول لهم حقيقة الإيمان وأساس الاعتقاد. وإنما سلك إلى ذلك سبيل المناجاة الذاتية، التي تتمثل في حديث الإنسان مع نفسه وهو يتلمس الطريق في حيرة البحث، وتردد الشك واليقين. فإذا كان من قومه من يعبد الكواكب، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد الشمس فقد أخذ إبراهيم يعرض هذه العقائد على نفسه واحدة واحدة. وعندما يتبين له أنها يعتريها التغيّر، والانتقال من حال إلى حال، وما كان كذلك بطل أن يكون إلها معبودا. يعرض كل ذلك وكأنه مجرد نظرات وتأملات تلوح له وهو في عالم تفكره الذاتي، ويمضي في مراحل هذا التأمل الشخصي، إلى أن يصل إلى الحقيقة الكلية، التي تظهر على أنها قضية من قضايا البداهة التي لا تحتاج إلى دليل، وإنما حسبها أن يشار إليها، ويستلفت النظر إليها! تأمل ذلك في قول القرآن

стр. 16

الكريم: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) . وفي سورة مريم ٤١ - ٤٨ تقرأ حوار إبراهيم مع أبيه. وفي سورة الأنبياء ٥١ - ٧٣ تقرأ حواره مع السلطة والقوة التنفيذية. وفي سورة الصافات ٨٣ - ٩٨، حواره الكاشف عن غفلتهم، إذ يعبدون ما ينحتون. وهناك حوار خامس له أهميته الخاصة؛ لأنه مع رأس السلطة وهو ملك البلاد، تقرأه في سورة البقرة: ٢٥٨. ومن هذا العرض الموجز يتبين أن ذكر القرآن حوار إبراهيم لم يكن تكرارا لموضوع واحد، في مواضع متعددة، كما ظن المعترضون، في شبهاتهم، فهو مرة مع نفسه، ومرة مع أبيه، وهو صانع أصنامهم، ورأس من رءوس قومه الكافرين، ومرة مع السلطة القضائية والتنفيذية، يقيم عليها الحجة العقلية الكاشفة، حتى إنهم ليعترفون ببطلان ما يعبدون، ثم نكسوا على رءوسهم خضوعا للتقليد الأعمى. ومرة يبين أن

стр. 17

إبراهيم على ملة الدين الحق الذي جاء به رسول اللَّه نوح، ويبين لقومه وأبيه بالدليل العملي الواقعي بطلان ما يعبدون، وكاشفا عن غفلتهم إذ يعبدون ما ينحتون، وليس هناك غفلة في الاعتقاد أشد من أن يصنع الإنسان شيئا بيديه، ثم يسميه إلها يعبده. نجد أن هذه الحوارات في مواضعها المتعددة تمثل - إذا جمعت - حوارا واحدًا متكامل الأجزاء، يذكر القرآن منها، في كل موضع، ما يناسب سياق الموضع، وليس ذاك تكرارًا للفكرة الواحدة؛ إذ ليس في القرآن تكرارٌ أصلا، كما أن ليس فيه ما يسمى في علم النحو العربي، بعطف التفسير، فمن ظن في القرآن تكرارًا يعيبه به فإنما أتى هو من قبل سوء فهمه للقرآن. ثم يأبى له سوء فهمه إلا أن يكشف عن عورته لمن يتهمهم. هذا وسوف يأتي لهذه المسألة مزيد بيان في الإجابة عن شبهتهم السادسة. ٥ - وإذا كان القرآن الكريم قد ذكر نماذج متعددات للحوار منسوبا إلى أطرافه، فإنه يذكر نموذجًا آخر غير منسوب إلى أطرافه بأعلامها المشخصة، إنما يذكر الحوار نفسه فقط، مما يوحى بأن المهم إنما هو: تقرير المبدأ، في ذاته، بصرف النظر عن أشخاصه، وذلك كما في سورة الكهف: ٣٢ - ٤٢: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) .

стр. 18

٦ - وعلى منهج شيخ الأنبياء. إبراهيم سار نبينا محمد ﷺ فحاجّ المشركين فيما يعبدون، كما جاء في سورة الأعراف ١٩١ - ١٩٥: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) . وحاجهم في القرآن، كما في سورة الطور: ٣٠ - ٣٦: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) . وحاجهم في النبوة، كما في سورة يونس: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)

стр. 19

وحاج المشركين في موضوع كوني، يتعلق بأسلافكم وتاريخكم، أيها المشبهون. وذلك في نصر اللَّه للروم أهل الكتاب على أعدائهم من الفرس، وذلك ما سجله القرآن في الآيات الأولى من سورة الروم: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) . وكذلك حاج النبي ﷺ ، أهل الكتاب من اليهود والنصارى: حاجّ اليهود في أسباب التحريم في شريعتهم لبيان أنه كان عقابا لهم، كما في سورة آل عمران: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) . وحاج النصارى في طبيعة المسيح وحقيقة قصته، كما في سورة آل عمران: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)

стр. 20

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)

стр. 21

وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) . ومن عجائب هذا الحوار، وأخلاقه الإسلامية: قصة نصارى نحران، من أهل اليمن، الذين قدموا على رسول اللَّه ﷺ ، فأنزلهم في مسجده، وسلموا عليه فردّ ﵈، ولما حانت صلاتهم قاموا ليصلّوا، في مسجده، فهمّ الناس بمنعهم، فقال الرسول ﷺ : دعوهم!! ثم إنهم ناظروه، وقالوا له: أتريد أن نعبدك، أوَ ذلك تريد يا محمد؟ قال لهم: معاذ اللَّه أن أعبد غير اللَّه، أوآمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ربي، ولا أمرني. وفي ذلك نزلت الآية ٧٩ من سورة آل عمران: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) . دعاهم إلى إلهية اللَّه وحده فما آمنوا. دعاهم إلى المباهلة فرفضوا. دعاهم إلى كلمة سواء: ألا يعبدون إلا اللَّه فأبوا. . وما أصابهم، لرفضهم. وإصرارهم على دينهم، أذى بالفعل أو بالقول، ولا أكرهوا على ما رفضوا، وترك ما هم عليه. بل عادوا إلى - بلادهم ومعهم (أمان) وعهد من الرسول ﷺ : ألا يؤذوا في دينهم، ولا في كنائسهم. .. وبهذا التوجيه القرآني، وتطيقاته تقرر في الإسلام مبدأ الحوار مع المخالف في الرأي والفكرة، والمخالف في الدين ودوّنت هذه المحاورات، وصارت جزءا من تاريخ المسلمين، يصورّ وجها من وجوه حضارة الإسلام، تجده في كتب الأدب العرب،

стр. 22

وفي كتب العقائد، وفي كتب الفلسفة الإسلامية. وعلى ضوئه ألف المسلمون كتبا صارت علما مستقلا، عُرف في تاريخ الفكر الإسلامي باسم: "أدب البحث والمناظرة" يدرسه طلاب العلم في الأزهر، فيما يدرسون من علوم الإسلام. لقد بلغ من استقرار منهج الحوار في نفوس المسلمين أن علماءهَم تناظروا في أحكام الفروع. ونقل عن الشيخ ابن قدامة، صاحب (المغني) أنه أقام مدة يقيم حلقة يوم الجمعة، بجامع دمشق يناظر فيها، وأنه كان لا يناظر خصمه إلا وهو يبتسم، حتى قال بعضهم عنه: هذا الشيخ يقتل بتبسّمه خصمه!! وقد دعا عبد اللَّه بن عباس، الصحابي الجليل، والملقبُ بحبر الأمة - إلى المباهلة، في مسألة فرعية من مسائل الفقه. ودعا الإمام الأوزاعي، فقيه الشام، الإمام سفيان الثوري في مسألة رفع اليدين عند الإحرام للصلاة، وعند الركوع، والاعتدال منه. . . وهي مسألة من (هيآت) الصلاة، التي لا تبطل بتركها الصلاة، ولا تبلغ مبلغ سننها. والمباهلة هي. أن يجتمع المتناظران، بعد ظهور الحجة، وعدم خضوع الطرف الآخر لها، ثم يجتهد الفريقان في دعاء الله، أن يهلك الكاذب منهما، والذي لا يخضع للحق بعد ما تبين. وأصل المباهلة في القرآن الكريم، عندما عرض حقيقة المسيح، ثم طلب من الرسول، ﵇ أن يباهل من حاجه في حقيقته بعدما بينها اللَّه في القرآن حق البيان. نبئونا بعلم، هل تجدون مثل هذا المنهج الحواري في غير القرآن؟ وهل تجدون تطيقه عند غير المسلمين؟ إنه معلم من معالم الحضارة الإسلامية، التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور، وأنقذتهم من التعصب البغيض إلى الانحياز للحق، الذي بلغ من سموه عند المسلمين الثقة بأن اللٌه يرعاه، وينصر أهله، ويهلك الراغب عنه، المكابر فيه!!

стр. 23

٧ - قواعد الحوار عندما ندرس المحاورات التي سجلها القرآن العظيم نجده قد أرسى جملة قواعد للحوار. وللقرآن عناية خاصة بإرساء قواعد السلوك الإنساني، في الفكر. والمعاملات، والأخلاق، لتعالج على هديها الجزئيات الحادثة، في بعدها المكاني والزماني. ومن القواعد التي أسسها في موضوع الحوار هذه المبادئ: ١ - رفض أن يكون التقليد أساس الحوار. والتقليد: اتباع على غير دليل. ومن الطرائف في هذه المسألة ما ذكره الإمام الماوردي، في كتابه: أدب الدنيا والدين: أنه كان يناظر آخر في مسألة علمية، وذكر لها أدلتها الكاشفة، فما كان من ذاك الآخر إلا أن أنكر هذه الحجج، وقال: إنها باطلة، فلما سأله عن سبب بطلانها، فما كان منه إلا أن قال: لأن شيخي لم يذكرها، وما لم يذكره شيخي فهو باطل!! فالتفت الإمام الماوردي إلى من على جواره وقال: أفحمنى بجهله!! هذا هو التقليد الذي حذر منه القرآن العظيم. أليس القرآن كتاب حضارة، كما هو كتاب دين؟!! لقد أكد القرآن على رفض التقليد، والتحذير منه، وبيان أنه مناقض للعقل وللعلم. اقرأ في بيان مناقضته للعقل الآيتين ١٧٠ - ١٧١ من سورة البقرة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) . وفي بيان مناقضة التقليد للعلم الآية ١٠٤ من سورة المائدة. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) . ٢ - ومن تلك القواعد رفض القرآن في أن يكون مقصد المحاور الغلبة ولو كانت

стр. 24

بالباطل، أو بقصد إبطال الحق، تقرأ ذلك في سورة الأنفال: ٨، وفي سورة الكهف ٥٦، وفي سورة غافر ٥. ٣ - ومنها: التجرد من كل اعتقاد سابق، وتخليص الفكر؛ لطلب الحقيقة. نقرأ ذلك في سورة سبأ ٤٣ - ٤٩. وهذه القواعد الثلاث أشبه بعملية تنظيف فكري ومنهجي من طريق الحوار؛ ليسلم الطريق من الشوائب المعوّقة، ثم تأتي القواعد الذاتية في الحوار. ٤ - اعتبار (الحق) أمرا (محتملا) وجوده لدى أحد الطرفين. بمعنى أن يدخل كل فريق حَلْبة الحوار ولديه (افتراض) أن ما عنده يحتمل الخطأ، وأن ما عند محاوره يحتمل الصواب. قرر ذلك القرآن في الآية ٢٤ من سورة سبأ. ٥ - ويترتب على هذه القاعدة قاعدة مهمة، هي عدم اعتبار (الشك) عيبا، بل اعتباره خطوة مهمة في طريق التمحيص العلمي، حتى يكون موضع اعتبار لدى القرآن العظيم، فيخاطب اللَّه نبيه ﷺ بقوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) . إن (الشك) نوع من التفكير، وهو لذلك مقبول، مقرر في القرآن الذي يحض على: التفكير والتعقل؛ لذلك لا عجب أن يعتبره بعض علماء أصول الدين، في الإسلام - أول الواجبات على المكلّف؛ ليخطو منه خطوات فكرية نحو (اليقين) الذي يُبنى عليه (الإيمان) في الإسلام. وليس هذا الشك شكا منهجيا، للبحث العلمي فقط، مع احتفاظ صاحبه بعقيدته السابقة، على نحو ما كان (ديكارت: ١٥٩٦ - ١٦٥٠) في بحوثه الفلسفية والعلمية، مع احتفاظه التام بعقيدته الكاثوليكية. إنما (الشك) في منهج البحث الإسلامي، والذي هو أول واجب على المكلف - هذا الشك شك حقيقي، يبتدئ منه الإنسان، لينطلق منه باحثا عن الحق المجرد، متجردا من كل اعتقاد سابق، وإيمان موروث!!

стр. 25

وقد حفظ تاريخ الفكر الإسلامي، قديما وحديثا وقائع عملية لهذا الشك الحقيقي، الذي يتوقف فيه الإنسان عن قبول الحكم أو رفضه، في قضية ما، حتى وإن كانت من قضايا الإيمان، أو هي قضية الإيمان نفسه حفظ ذاك التاريخ حالة الشك التي عاش فيها. . . الإمام الغزالي؛ بحثا عن طريق الحق بعد أن شك في جميع طرقه المعروفة والموروثة، فلسفية وعقلية ودينية، وبعد أن ألف في كل هذه الطرق تأليف العالم المتخصص، والإمام المحقق، ثم لن قصور كل هذه الطرق، وهو على بصيرة بها. ثم سجل حالة شكه، وطريق الخروج منها في كتابه اللطف: (المنقذ من الضلال) وهو أروع ما كتب الغزالي، على كثرة ما كتب؛ إذ بلغت كتبه المطبوعة، والمخطوطة أربعة وخمسين كتابا، منها موسوعته المشهورة: إحياء علوم الدين. والمفقود من كتبه مائة وأربعة وسبعون. وضع الإمام الغزالي كتابه: "المنقذ من الضلال " بعد عزلة دامت عشر سنوات، عانى فيها آلاما نفسيه، وقلقا نبيلاً، للبحث عن (الطريق) شاهد الغزالي اختلاف المذاهب، وتباين الملل، فولّد ذلك في نفسه ضرورة الفحص عن عقائد الفرق. وكان أول الشك عنده انحلال التقليد؛ لأنه لم يجد فيه علما يقينيا، ولا واسطة لتمييز الحق من الباطل. وحقيقة العلم عنده هي التي ينكشف فيها المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنها إمكان الغلط والوَهم. يقول الدكتوران جميل صليبا وكامل عياد، في تقديمهما لكتاب (المنقذ من الضلال) : وكل من قرأ تأملات (ديكارت) ورسالته في الأصول أدرك أهمية معيار الغزالي للعلم، واشتراطه في اليقين، ووضوح الأفكار، وانكشافها للعقل انكشافا بدهيا". هذا ما سجله التاريخ قديما، وأما في الحديث فقد عاش الفيلسوف والكاتب الجزائري (مالك بن نبي) في هذه المحنة النفسية، التي تريد ممن ابتلي بها أن يصل إلى اليقين بنفسه من غير تقليد، حتى وصل إليها. وعبر عن المحنة والخروج منها، بعيدا عن (الإيمان الموروث) المأخوذ بالتقليد، في كتابه: (الظاهرة القرآنية) . وهي المحنة التي عاش فيها جيل من المسلمين في القرن العشرين، وعاش فيها

стр. 26

الكاتب الكبير، والعالم القدير الشيخ محمود محمد شاكر وسجل ذلك في تقديمه لكتاب مالك بن نبي. هذا (الشك) واتخاذ خطوة إيجايية تفكيرية، والذي يقف بصاحبه موقف الحياد من قضايا البحث - هذا الشك سجله فيلسوف المسلمين الكبير ابن سينا في خاتمة كتابه: (الإشارات) إذ يقول: "نصيحة: إياك أن يكون تكيسك وتبرؤك عن العامة، هو أن تنبري منكرًا لكل شيء، فذلك طيش وعجز. وليس الخرق في تكذيبك ما لم تستبن لك بعدُ جليتُه، دون الخرق في تصديقك بما لم تقم بين يديك بينته. بل عليك الاعتصام بحبل التوقف، وإن أزعجك استنكار ما يوعاه سمعك، ما لم تبرهن استحالته لك. فالصواب لك أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يذدك عنها قائم البرهان. . . ". والإسلام - بمنهج البحث، البادئ من الشك الحقيقي يقرر: احترام الإنسان، ويقرر حرية إرادته، كما يقرر قدرة الإنسان على الوصول بنفسه، وجهده العلمي والفكري، على الوصول إلى الحقيقة، وذلك على عكس مذهب (الشكاك) الذين يرون عجز وسائل الإنسان. من الحس أو العقل، عن الوصول إلى حقيقة أي شيء. بناء على هذا المنهج الإسلامي، والملزم للإنسان أن يبحث بنفسه عن الحق وطريقه - لا يخشى المسلمون ما يذيعه المبشرون، لأنهم - على فرض نجاحهم - يضعون المسلم على درج الصعود من الشك إلى اليقين، الذي حضَّه الإسلام عليه. وفي ختام قواعد منهج الحوار الإسلامي أكتفي بقاعدتين: - أولاهما: تقرير أنه: لا دعوى بدون برهان، حتى ولو كانت في أصل الإيمان، وهو الإيمان بالله، وفيها يقول الله: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) وفي سورة النمل (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) . * * *

стр. 27

مع رجاء لفت النظر إلى أن معنى (البرهان) في منهج الاستدلال الإسلامي، معنى فوق معنى (الدليل) ، إذ البرهان هو الحجة القاطعة في موضوعها، والتي لا تقبل النقض، كما لا تقبل أدنى درجة من (الاحتمال) أو الشك. ٧ - ثانيهما: هي روح الحوار، في جميع مراحله هي: ضرورة العلم بموضوع الحوار، وأنه من المرفوض (عقلا) في منهج الإسلام - حوار من لا يعلم موضوع حواره. قرر الإسلام ذلك في آيات سورة آل عمران: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) . تلك سبع قواعد إسلامية في أدب البحث والمناظرة، هي من معالم الحضارة الفكرية الإسلامية. وهي تكشف عن سبق المسلمين إلى هذا المنهج، وأن غيرهم إنما كان تابعا لهم. لو وجد منصفين!! ٨ - من آداب الحوار: مع هذه القواعد التي أرساها الإسلام في الحوار - هناك آداب لا بد أن يتحلى بها المتناظرون، في قيامهم وممارستهم عملية الحوار، وهي آداب تضمن - إذا روعيت سير مراحل الحوار في طريق مستقيم، لا تدخل فيها عوامل خارجة عن موضوعه، آداب تخلصه من: التعصب للذات، أو للمذهب على حساب الحق، من هذه الآداب: ١ - أن يكون الحوار حول الفكرة لا المفكر، وفي موضوع الدعوى، وليس الداعي، وأن نتبرأ من الخطأ، ولا نتبرّأ من المخطئ. ورسول الإسلام ﷺ هو أول من أرسى هذا الأدب عندما أخطأ خالد بن الوليد في بعض تصرفاته الحربية، فرفع الرسول ﷺ يديه، وقال اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد". تبرأ مما فعل، ولم يتبرأ منه.

стр. 28

٢ - وأن يكون أسلوب الحوار ساميا إلى أعلى درجات الحسن والأدب. يقول اللَّه، في آية جامعة لمنهج الدعوة: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) . وهي آية فذة في موضوعها، تستطع أن تجد فيها الركائز الرئيسة لأدب الدعوة. والمراد بالحكمة - بصرف النظر عن مدلولاتها اللغوية، وما تصدق عليه - التعبير عن طبيعة أسلوب الدعوة، وضرورة اتصافه بالحكمة وسلوكه طريقها، فهي إرشاد إلى طريقة الدعوة العملية في هداية الناس وإرشادهم، وفي ذلك بيان أن إلقاء الحق المجرد، من غير مراعاة الحال والظروف والواقع غير كافٍ الهداية والإرشاد. وإني أذكر قوما مخلصين في دعوتهم، ولكنهم غلاظ، يلقون الحق مجردا من هذه المراعاة، يحسبون غلطهم قوة في الإيمان - لهؤلاء أذكر هذه القصة، وبطلها هو موقظ الشرق من غفونه وغفلته: جمال الدين الأفغاني، حين رحل إلى الهند داعيا إلى الإسلام، فنزل أرض بعض السلاطين، قد حماها للصيد، فما كان من السلطان إلا أن أمر باعتقاله ومن معه، ثم استحضرهم بعدُ، وأخذ يؤنبهم على جراءتهم على اقتحام أرضه. فاعتذر له الأفغاني بأنهم غرباء. ومن حواره عرف السلطان أنهم إيرانيون فما كان منه إلا أن قال: إيرانيون كلاب!! فكيف تصرف فيلسوف الشرق والإسلام؟ لعل هؤلاء المتحمسين الغلاظ يظون أنه أغلظ الردّ، ويحسب ذلك إيمانا واستشهادا، أما جمال الدين فقد قال: صدقت أيها الملك. لولا ما منَّ اللَّه به علينا من دين لكنا اليوم أحط من الكلاب!! وقضى الملك أياما يتفكر في تلك الكلمة: لولا ما منَّ اللَّه به علينا من دين لكنا اليوم أحط من الكلاب " أي دين هذا؟ فاستدعى جمال الدين، وسأله عن ذلك الدين. وانتهى التعريف، الذي قام على أسلوب الحكمة، التي راعت مقام الملك - انتهى بإسلام الملك وإسلام مملكته! أما الموعظة الحسنة، فإنها ذلك الكلام الرقيق المهذب، الذي يمس شغاف القلوب، ويؤلفها، ولا ينفرها، والذي يخاطب بحسنه فطرة الإيمان في كل إنسان، والذي يدخل القلوب برفق، ويمس المشاعر في محبة، وحرص على الخير للمدعوّ.

стр. 29

وأما الجدال بالتي هي أحسن: فإنه، وإن كان في هذه الآية عاما، فقد جعله اللَّه خاصة في جدال أهل الكتاب، فقال: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) . وذلك اعتداد، من القرآن، بما عندهم من كتاب منزّل، يعترف القرآن بصحة أصله ولا يبطل هذا الأصل ولا ينكره، مما قد يدفع أهله إلى الانفعال، الدافع إلى تجاوز آداب الحوار. وهنا يلزم القرآن المسلم بما هو (أحسن) ولا يكتفي (بالحسن) الذي اكتفى به في الموعظة. ٣ - وإذا كانت المعارك الفكرية، عادة، تنتهي يالمتحاورين، إلى عداء، أو قطيعة، فإن القرآن يقرر أنه يجب أن تنتهي إلى المسألة التي لا خصومة فيها، ولكلٍّ ما يعتقد. تقرر ذلك آية سورة الشورى: (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) . * * * ٩ - فلسفة الحوار الإسلامي: والفلسفة التي يقوم عليها إقرار الحوار في الإسلام، وتردّ إليها آدابه ومبادئه، وتشكل هذه الآداب والمبادئ، وتنطلق منها هذه المبادئ والآداب، في ضوء رؤية كلية، هي، بالنسبة للحوار ومبادئه وآدابه، بمثابة الجذع للفروع. وهذا هو معنى الفلسفة، في تصورها العام: البحث عن الكليات، والعلة الجامعة لشتات الجزئيات - هذه الفلسفة هي: وحدة الحق، وأنه لا يتعدد، وأن الحق الواحد لا يقابله إلا الباطل. كما يقابل الخطأ الصوابُ، والضلال الهدى. وذلك في أصول الديانة، وقواعد الإيمان. يقول اللَّه - تَعَالَى في سورة يونس: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) . وبناء على هذا الأساس الفلسفي تقرر في الإسلام، أنه يجب على الإنسان أن يبحث بنفسه عن (الحق) . يستعين على بحثه ذاك: بالعلم، وبالعقل، وبسؤال

стр. 30

المصادر، وحوار أهله. ولا يغني عنه، في بحثه: الجهل، أو التقليد، أو الغفلة، أو الظن، أوالشك، أو التخيّل، أو الأماني. فتلك كلها مناهج، في الاعتقاد، رفضها القرآن. فإن أدرك الباحثُ، في بحثه، اليقينَ، فهو المهتدي، وإلا فهو معذور. * * * انتبهوا من فضلكم إنني أقرر أمرا مهما، قرره بعض علماء الإسلام: ذاك أن الباحث عن الحق في الأديان، وعن الحقيقة، في الكون، إذا مات قبل أن يهتدي إلى ما يريد فإنه عند اللَّه معذور، بمعنى أنه لا يحاسبه على عدم إسلامه، وأنه، بذلك العذر، لا يعذبه عذاب الكافرين!!. نقل الإمام الغزالي في كتابه (المستصفى) عن الجاحظ: أن من نظر من اليهود والنصارى، والدهرية، فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر، من حيث لم يعرف وجوب النظر، فهو أيضا معذور، وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط. والإمام الغزالي نفسه يقول في رسالته (فيصل التفرقة) ما خلاصته: إن رحمة اللَّه تشمل كثيرا من الأم السالفة، وإن كثيرا من نصارى الروم والترك في هذا الزمان (زمان الإمام الغزالي) تشملهم الرحمة، وهم الذين لم تبلغهم الدعوة، أو بلغتهم على حال لا تشجع على النظر فيها والبحث عن حقيقتها! قلت: والذين يدرسون واقع كثير من أهل الغرب اليوم يجدون صدق ما قال الغزالي عن أهل زمانه، فمنهم من لا يعرف عن الإسلام شيئا، ومنهم من لا يعرفه إلا أنه دين سبب التأخر لأهله، وأنه مجرد تحريف للكِاثوليكية!! وفي شروح (العقيدة النسفية: قال العنبري والجاحظ: قالا: دوام العذاب إنما هو في حق الكافر المعاند والمقصِّر، وأما المبالغ في الاجتهاد إذا لم يهتد للإسلام، ولم تلح له دلائل الحق فمعذور. وفي كتاب الغزالي: (الإملاء على إشكالات - الإحياء) ما خلاصته: قوم لم يعرفوا

стр. 31

التوحيد، فلما أمروا به نطقوا الشهادتين ظاهرا، وهم على الجهل بما يعتقدون فيها، فمات أحدهم من حينه من قبل أن يأتي منه استفهام، أو تصوّر يمكن أن يكون له معه معتقد، هذا يرجى ألّا تضيق عنه سعة رحمة اللَّه. والحكم عليه بالنار، والخلود فيها مع الكفار تحكمٌ على غيب اللَّه سبحانه. وقد نقل أستاذنا المرحوم (حمودة غرابة) في رسالته: ابن سينا بين الدين والفلسفة عن فيصل التفرقة للإمام الغزالي قوله: من يطلب الحق، ويجتهد في سبيل الوصول إليه، ثم مات من غير أن يصل فهو أدنى إلى أن يكون معذورا" ص ٢١٤. وفي جـ ١/ ٦٠ من الإحكام لابن حزم يقول: إن اللَّه - تَعَالَى - لم يأمر قط بشيء من الدين إلا بعد بلوغ الأمر إلى المأمور، وكذلك النهي، فصح أنه لا نذارة إلا بعد بلوغ الشريعة، وأنه لا يكلف أحد ما ليس في وسعه، وليس في وسع أحد أن يعرف شريعة قبل أن تبلغ إليه". وفي (بدائع الفوائد) لابن القيم: ٤ / ١٦٨: والأحكام تثبت في حق العبد ببلوغه وبلوغها إليه ". * * * ١٠ - ثمرة هذا المنهج: لا شك أن منهجا يتعلق أحد طرفيه بمخالف في الرأي أو الاعتقاد، ولا شيء ألصق بالنص، وأمكن في القلب - من الاعتقاد الديني - يقوم على هذه المبادئ المكينة في العدل وقيم الأخلاق، إن منهجا كهذا لا بد أن تكون له ثمار طيبة على الحق، ثم على الفريقين المتناظرين ومن تلك الثمار. - السمو الأخلاقي، والارتفاع بمناهج البحث عن التهاتر. - والسمو العلمي، إذ يكون العلم منطلق المتحاورين، وليس الهوى، والنظر إلى الذات، والتعصب لها. - إقرار حرية الرأي، وحرية الاعتقاد، والاعتراف بالتفاوت العقلي، وإقرار مبدأ: أن الناس مختلفون، وأنهم سوف يظلون كذلك.

стр. 32

- ثم اعتبار هذا الاختلاف سنة دائمة من سنن اللَّه في الخلق والناس، وأن الراغب في محو الاختلاف إنما هو خارج عن سنة اللَّه الماضية. * * * ١١ - السؤال الآن: هل أنتم - الذين أرسلتم هذه الطعون والشبهات - هل التزمتم بهذا المنهج الإسلامي، وكنتم طالبي حق، باحثين عن حقيقة؟ هل عرضتم شبهاتكم عرض المحايد، الذي تجرد من هواه؟ هل افترضتم - مجرد فرض - أنكم قد تكونون على غير هدى وصواب؟ ثم - من قبل كل هذا - هل نظرتم إلى ما أنتم عليه من دين واعتقاد نظرة ناقد، كما نظرتم إلى الإسلام وكتابه ونبيه تلك النظرة الطاعنة الهادمة؟ أم أنتم ممن قال اللَّهُ فيهم: (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) وعلى هذا لا عائدة من جدالكم ومحاورتكم والردّ على ما أثرتم، لأنكم تضلون عن علم، وتشبّهون عن هوى. - لقد علمنا القرآن كيف نتصرف مع من يكون كذلك في قوله - تَعَالَى -: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) . وهي معلم آخر من معالم حضارة الإسلام الفكرية، والخلقية. ولو أخذنا بهذا المعلم الحضاري، لأعرضنا عنكم؛ لروح التحدّي، وقصد الطعن والإصغار، والسخرية في أسئلتكم، وروح الباحث عن المساوي. وتلك روح لا يهتدي صاحبها إلى حق أو صواب، ولا يأنس بحق، وإنما عقله وإدراكه على حسب هواه، وعلى مقدار هواه!! ولكننا نفترض غير ما توحيه أسئلتكم، نفترض غير الواقع، ونحمل أنفسنا على حسن الظن، عسى أن يكون منكم ذو بصر وبصيرة، تزول عنه الغشاوة، وعن قلبه الغمة. ثم إبراءً لذمتنا أمام اللَّه، ومعذرة إليه، ولعل منكم من يتقي اللَّه في الحق والإسلام، ثم لإبلاغ الحق والهدى (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) و (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) .

стр. 33

١٢ - عتاب موجِّه: الآن وصل بنا اللقاء إلى مسألة ذات بال: تلك أن بواعث أقوالكم ليست طلب الحق، والبحث عن سبيله، وإنما بواعثها - بحسب خبرتي - إلى ثلاث: أ - رواسب الاستشراق الاستعماري، الذي صدر عن تعصب. ب - المعلومات المزيفة عن الإسلام، التي تتضمنها المناهج الدراسية في بلاد الغرب. والتي من ثمار الكتابة التبشيرية. جـ - ثم يأتي العامل الثالث، الذي يحكم على الإسلام من (واقع) المسلمين، ويصدر فيه (الحكم الكلي) عن واقع (جزئي) ، والذي لا يفرق يين الدين والتدين، ولا بين وحي السماء، وسلوك أهل الأرض. ولا يخفى على كل ذي لب منصف الخطأ المنطقي في هذا الحكم، لما يدخل على المحكوم عليه، من عناصر، وحيثيات في الحكم، خارجة عن حقيقة المحكوم عليه، ليست من ماهيته وذاته! ولو اتخذنا ذلك منهاجا للحكم لظلمنا الأديان كلها. وتاريخ أوربا حافل بالحروب، والظلم، ورفض العلم. . . باسم المسيحية، بَلْه الحروب الصليبية، وما خطر ببالنا - نحن المسلمين، أن نصف المسيحية بالعنف أو الإرهاب!! * * *

стр. 34

لا جديد تحت الشمس ١ - هذه الروح العدوانية، التي تبدّت في أسألتكم ليست جديدة على الإسلام والمسلمين، وما أنتم إلا تبع لأسلاف لكم، من غير جنسكم، أو من بني جنسكم، من المستشرقين، والمبشرين، والمستعمرين، الذين مهد لهم الاستشراق، أو دعم استعمارهم وقد أدركوا، في المسلمين، ثلاثة أمور: - قوة العقيدة في قلوب المسلمين، واستمساكهم بها. - وضعفهم الاجتماعي والسياسي مع قوة وحدتهم الدينية. - وفرة ما يملكون في بلادهم من الموارد الاقتصادية. فخططوا، في القضاء على مقوماتهم هذه الثلاثة: - إضعاف الإسلام نفسه، فضلا عن صلته بالمسلمين. - التحكم في مقدرات المسلمين الاقتصادية. - تفتيت وحدة المسلمين، واصطناع حدود بين بلادهم، وغرس فكرة القومية، ثم الوطنية، لدعم هذا التفتيت، واتخاذ الكشوف الأثرية وسيلة علمية لدعم كل ذلك! ٢ - ومن المفارقات المزرية أن الغرب، مع هذا التخطط، قد تأثر حضاريا بالتقائه مع الشرق الإسلامي في الحروب الصليبية: تأثر بالإسلام، وما فيه من عقيدة التوحيد، وبشرية الرسول، تأثر (مارتن لوثر) ، وكذلك (كالفن) ، فيما قاما به من حركة الإصلاح الديني. ظهر ذلك في البروتستانتية عقيدة التثليث وعصمة البابا، واعتباره السلطة الوحيدة في تحديد رأي المسيحية، التي لا يجوز التعقيب عليها. وغير ذلك من العقائد والرسوم التي تعتبرها الكنيسة الرومانية: (الكاثوليكية) جزءا من الإيمان المسيحي.

стр. 35

ثم أثر هذه القضايا، ولا سيما إهدار عصمة البابا في توجيه الإنسان الغربي نحو الاستقلال الفكري، واسترداد قيمته في الوجود، ووضع معايير جديدة للعلم، وللحياة الإنسانية، ولقيم المجتمع. * * * ٣ - وكان حقا لحى الخق المنصف، والعقل الحر، أن يعرف الفضل لأهله، ولكن الذي كان غير ذلك من نكران الفضل، بل وبذل الجهد في إصغاره، وتشويه صورته عند الغربيين، وعند المسلمين. . ولم يتورع بعضكم، في سبيل هذا التنفير من الإسلام. عن الزعم بأن محمدا، نبي الإسلام، لما مات أكلت جثته الكلاب!!! ولما احتل الإنجليز مصر، رفعوا شعار: لو كنتم مثلنا لعملتم عملنا. وفي سبيل تنفيذ خطط الاستعمار، وإضعاف الإسلام في نفوس المسلمين، فتحوا بنوك الربا، وحانات الخمر، والجهر بالعهر، ومواخير الفسق، وانحلال الأخلاق، وسائر الأعمال والأفكار التي تضعف توجيه الإسلام في حياة المسلمين. * * * ٤ - ومن قبلهم قال لوثر: البابا والإسلام هما أعداء المسيح. ومن بعده قال (تيتمان) الفيلسوف الألماني المتوفى ١٨١٩ م، في كتابه (مختصر في تاريخ الفلسفة) : العرب شعب كان صابئا، ثم استمد دينه من محمد، المتوفى سنة ٦٣٢، وهو دين شهواني، وعقلّي معا، ومن آثارخلفائه وتفاسيرهم لما يزعمونه وحيا أوحاه اللَّه إلى هذا النبي. . . " ويقول: هناك عدة عقبات عاقت تقدم المسلمين في الفلسفة، منها: كتابهم المقدّس الذي يعوق النظر العقلي الحر "ودينهم الذى يتطلب إيمانا أعمى. . . " ويقول (فيكتور كوزان) الفيلسوف الفرنسي المتوعى سنة ١٨٤٧ م: المسيحية هي آخر ما ظهر على الأرض من الأديان، وهي أكملها. . . أخرجت المسيحية الحرية الحديثة، والحكومات النيابية. . . ماذا أنتج الدين البرهمي، والدين الإسلامي، وسائر

стр. 36

الأديان، التي لا تزال قائمة على ظهر الأرض؟ أما التعصب الجنسي للجنس الآري ضد الساميين عامة، فقد ألبسه لباسا علميا (إرنست رينان) الفيلسوف الفرنسي المتوفى سنة ١٨٩٢ وشاركه في هذا التعصب المستشرق الألماني (كرستيان لاسِّن) المتوفى ١٨٧٦ م. ٥ - ولم يكن هذا التهجم الظلوم مقصورا على رجال الفكر (الفلسفة) بل كان هناك فريق آخر، نسج على منوال أولئك المفكرين المعاندين للإسلام، وهم المستشرقون اللاهوتيون، الذين تمثل كتاباتهم صليبية فكرية من هؤلاء القس (لا ماس) . ولا ننسى في هذه المسألة كتابات (القديس توما الإنجويني ١٢٢٥م - ١٢٧م) الفيلسوف واللاهوتي الإيطالي، ومن أشهر وأهم ممثلي الفكر الكاثوليكي، ومن أهم مؤلفاته: (الخلاصة ضد الأم) وهو دفاع عن العقيدة المسيحية استنادا إلى العهد القديم، ضد اليهود، وإلى العقل السليم ضد المسلمين) (هكذا) . أما (دانتي) فإنه هو الآخر يمثل صورة الإسلام في - الوعي الأوربي، في القرون الوسطى، إذ جعل (في جحيمه) محمدا ﷺ وابن عمه الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، في موضع مثيري الشغب والصدامات والانشقاقات الدينية والسياسية. الذين يزرعون الفتن فيحصدون الأوزار. ولم يشفع (للحقيقة) عند (دانتي) أنه استفاد هذه الكوميديا التي خلدت ذكره من الإسلام وآدابه، والتصويرات الإسلامية للآخرة، كما اعترف بذلك (أسين بلاثيوس) دي يناير ١٩١٩ في بحثه الاستهلالي بمناسبة تعيينه عضوا في الأكاديمية الملكية الأسبانية. وكان على قاعدة سالفيه وخالفيه، في موقفهم من الإسلام، هذه القاعدة هي: الاستفادة من الإسلام، ومهاجمته في الوقت نفسه. * * *

стр. 37

وفي وصف المسلمين يقول هنري جيسب الأمريكي: المسلمون لا يفهمون الأديان، ولا يقدرونها قدرها. . . إنهم لصوص، وقتلة، ومتأخرون، وإن التبشير سيعمل على تمدينهم ". تأملوا: المسلمون لصوص وقتلة ومتأخرون. والقائمة تطول، ذكر كثيرا منها أستاذنا أ. د. محمد البهي في كتابه: (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) . كما ذكر منها الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق في محاضراته عن الفلسفة الإسلامية، التي ألقاها في جامعة القاهرة! * * * ٦ - وعلى بعد ما يين هؤلاء المستشرقين والمبشرين في الزمان والمكان، فهناك قاسم مشترك بينهم، وبواعث جامعة، ومقاصد يستهدفونها، وذلك منذ قرونهم الوسطى إلى ضحى القرن العشرين، منها: * التعلم من الإسلام، مع العمل على هدمه! * وفي سبيل هذا الهدف لا مانع من الكذب على الإسلام وكتابه، ونبيه. * فمحمد بدعة مسيحية، وهو وسيط للشيطان، ومن طبيعة الشيطان نفسه. * وكتاب الإسلام اخترعه الشيطان لهدم المسيحية. * وزعم أن الكلاب أكلت جثته بعد موته. * وأن محمدا كان (كاردينالا) للكنيسة الرومانية، فشل في الجلوس على كرسي البابوية، وفي سبيل الانتقام أسس ديانة جديدة. ومن تلك الخرافات خرافة الحمامة، وخلاصتها: أن محمدا درّب حمامة لتنقر حبوب القمح من أذنه؛ ليقنع العرب أن هذه الحمامة هي رسول الروح القدس.

стр. 38

وهيَ خرافة مشوبة بما يعتقدونه من أن روح القدس في إنجيل لوقا - الإصحاح الثالث: ٢٢، نزل على يسوع بهيئة جسمية مثل حمامة، وكان صوت من السماء قائلا: أنت ابني الحبيب ". - وإذا كان محمد بدعة مسيحية، ارتد عن المسيحية، فلا عجب أن يكون في خرافة (دانتي) في الدرك الأسفل من الجحيم، وأن يكون (ابن رشد) و (ابن سينا) في درجة أعلى من محمد!! - ومن هذه البواعث والمنطلقات: اعتبار تفوق الجنس الآري (الأوربي) بميزة الدم والجنس - على الجنس الشرقي. - واعتبار هذه الفوارق موانع مطلقة لإمكان التقاء الغرب والشرق، وإمكان الحوار بين المسيحية والإسلام. - ونشر ادعاء أن القرآن من صنع محمد، وأنه عقبة في سبيل تقدم المسلمين، لأنه يمنع التفكير، ويفرض عقيدة الجبر. - والتخويف من الإسلام باعتباره ديناً: يحرم العقل، ويدعو إلى العنف، وأن مقصده الأصلي هو. هدم المسيحية. - لذلك كان واجب الساسة والمفكرين الغربيين العمل على ردّ المسلمين (الكفار) إلى المسيحية. وتجلّى ذلك - على الأخص - في كتابات (بطرس المبجل) والتي قدّم لها (لوثر) . * * * ٧ - ماذا كان مصير هذه الفرى ؟ إن سُنة اللَّه ماضية على سننها لإبطال الباطل، وإن علا، وإظهار الحق وإن طال عليه ليل الباطل. لذلك نشأ من الأوربيين أنفسهم، من احترم نفسه، واستيقظ ضميره. وآثر الحق على الباطل، والإنصاف على الجور، والصدق على الكذب.

стр. 39

وتلاشى القول بأن الإسلام وكتابه كانا، بطيعتهما - سجنا لحرية العقل، وعقبة في سبيل نهوض الفلسفة. من هؤلاء المنصفين الأستاذ (بيكافيه) في كتابه: (تخطيط لتاريخ عام مقارن لفلسفة القرون الوسطى) المطوع ٩٥٥ ١م. ومن هؤلاء المنصفين: الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي (غوستاف لوبن) الذي أنصف تاريخ الإسلام والعرب، وله عبارة مشهورة يقول فيها: لم يعرف التاريخ فاتحا أعدل من العرب. أما (سارتون) حجة العلوم الطبيعية، ومؤرخها الفرنسي المعروف، والذي أنصف تاريخ العرب، واعترف بفضلهم على الغرب فكان، بذلك، أحد المنصفين في القرن العشرين، وهو - كما يقول د. توفيق الطويل: سيد مؤرخي العلم، وكان سنة ٩٥٦ ١ م يسفه الرأي الذي يجعل أي نوع من العلم من ابتكار الغربيين، أو أي جنس بعينه. وإذا كان مؤرخو العلم، من الغربيين، يجعلون العلوم الطبيعية والرياضية اختراعا يونانيا لم يسهم فيه أحد قبلهم، فإن (جورج سارتون) يقول في تفنيد هذا الرأي: إن من الضلال أن يقال: إن إقليدس هو أبو علم الهندسة، أو إن أبقراط هو أبو علم الطب. . . " ويقول سارتون: إن ما حققه العرب، في عصر الإسلام الذهبي. في المجال العلمي يكاد يتجاوز حد التصديق. وفي ظل هذا الإنصاف الذي وضحت معالمه في القرن العشرين، وأيدته هيئة اليونسكو بجهودها ومؤتمراتها، يقول أ. د. الطويل: اختتم البروفسور (كويلر يونج) رئيس قسم اللغات الشرقية وآدابها، بجامعة برنستون بالولايات المتحدة - اختتم بحثا له عن أثر الثقافة الإسلامية في الغرب المسيحي، بتذكير مسيحي أوربا المعاصرة بالدَّين الثقافي العظيم الذي يدينون به للإسلام، وبحثه بعنوان:. . .

стр. 40

وذلك في ندوة عالمية، عن الثقافة الإسلامية، عقدت في (برنستون) و (واشنطن) عام ١٩٥٣م. أيها المثيرون سموم الشبهات، أما جاءكم نبأ هذه البحوث المنصفة، والتي علت بأصحابها عن السير في ركاب التقليد المسفِّ، الذي درج عليه المبشرون والمستشرقون منذ القرون الوسطى. ثم نبئوني بعلم إن كنتم صادقين: أما جاءكم نبأ ما كتبه (ول ديورانت) المؤرخ الغربي الكبير، في موسوعته (قصة الحضارة) ، والذي اعترف له النقاد بأنه كتب موسوعته: بموضوعية، ومنهج علمي سليم، ومع الالتؤام الأخلاقي وكان من إنصافه اللافت للنظر: نقطة بدء التاريخ، إذ بدأ كتابته من آسيا، مخالفا عادة الغربيين الذين كانوا يظنون أن تاريخ الإنسان بدأ من اليونان والرومان. وعلى عكس ذلك، يقرر (ول) أن لحم الإنسان في (أيرلندا) كان يباع على أنه ألذ أنواع الطعام، وأن ذلك دام في (الدنمارك) على أنه من لوازم العيش دام ذلك إلى القرن الحادي عشر. وأما في الجزر البريطانية فقد كان اللحم البشري يباع في دكاكين القصابين، كما يباع لحم الحيوان اليوم. ويقول (ول) في موسوعته، دي المجلد الثالث عشر ما نصه: لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام ٧٠٠ إلى عام ١٢٠٠ يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميل الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب، والفلسفة، وكان الفن والثقافة في بلاد الإسلام أعم وأوسع انتشارا بين الناس مما كانا في البلاد المسيحية في العصور الوسطى، فقد كان الملوك أنفسهم خطاطين، وتجارًا، وكانوا كالأطباء، وكان في مقدورهم أن يكونوا فلاسفة. ثم يقول: كان المسلمون رجالا أكمل من المسيحيين، فقد كانوا أحفظ منهم للعهد، وأكثر منهم
следующие страницы →