الأديان، التي لا تزال قائمة على ظهر الأرض؟
أما التعصب الجنسي للجنس الآري ضد الساميين عامة، فقد ألبسه لباسا علميا (إرنست رينان) الفيلسوف الفرنسي المتوفى سنة ١٨٩٢ وشاركه في هذا التعصب المستشرق الألماني (كرستيان لاسِّن) المتوفى ١٨٧٦ م.
٥ - ولم يكن هذا التهجم الظلوم مقصورا على رجال الفكر (الفلسفة) بل كان هناك فريق آخر، نسج على منوال أولئك المفكرين المعاندين للإسلام، وهم المستشرقون اللاهوتيون، الذين تمثل كتاباتهم صليبية فكرية من هؤلاء القس (لا ماس) .
ولا ننسى في هذه المسألة كتابات (القديس توما الإنجويني ١٢٢٥م - ١٢٧م)
الفيلسوف واللاهوتي الإيطالي، ومن أشهر وأهم ممثلي الفكر الكاثوليكي، ومن أهم مؤلفاته: (الخلاصة ضد الأم) وهو دفاع عن العقيدة المسيحية استنادا إلى العهد القديم، ضد اليهود، وإلى العقل السليم ضد المسلمين) (هكذا) .
أما (دانتي) فإنه هو الآخر يمثل صورة الإسلام في - الوعي الأوربي، في القرون الوسطى، إذ جعل (في جحيمه) محمدا ﷺ وابن عمه الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، في موضع مثيري الشغب والصدامات والانشقاقات الدينية والسياسية.
الذين يزرعون الفتن فيحصدون الأوزار.
ولم يشفع (للحقيقة) عند (دانتي) أنه استفاد هذه الكوميديا التي خلدت ذكره من الإسلام وآدابه، والتصويرات الإسلامية للآخرة، كما اعترف بذلك (أسين بلاثيوس) دي يناير ١٩١٩ في بحثه الاستهلالي بمناسبة تعيينه عضوا في الأكاديمية الملكية الأسبانية.
وكان على قاعدة سالفيه وخالفيه، في موقفهم من الإسلام، هذه
القاعدة هي: الاستفادة من الإسلام، ومهاجمته في الوقت نفسه.
* * *
стр. 37
وفي وصف المسلمين يقول هنري جيسب الأمريكي: المسلمون لا يفهمون الأديان، ولا يقدرونها قدرها. . . إنهم لصوص، وقتلة، ومتأخرون، وإن التبشير سيعمل على تمدينهم ".
تأملوا: المسلمون لصوص وقتلة ومتأخرون.
والقائمة تطول، ذكر كثيرا منها أستاذنا أ. د. محمد البهي في كتابه: (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) .
كما ذكر منها الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق في محاضراته عن الفلسفة الإسلامية، التي ألقاها في جامعة القاهرة!
* * *
٦ - وعلى بعد ما يين هؤلاء المستشرقين والمبشرين في الزمان والمكان، فهناك قاسم مشترك بينهم، وبواعث جامعة، ومقاصد يستهدفونها، وذلك منذ قرونهم الوسطى إلى ضحى القرن العشرين، منها:
* التعلم من الإسلام، مع العمل على هدمه!
* وفي سبيل هذا الهدف لا مانع من الكذب على الإسلام وكتابه، ونبيه.
* فمحمد بدعة مسيحية، وهو وسيط للشيطان، ومن طبيعة الشيطان نفسه.
* وكتاب الإسلام اخترعه الشيطان لهدم المسيحية.
* وزعم أن الكلاب أكلت جثته بعد موته.
* وأن محمدا كان (كاردينالا) للكنيسة الرومانية، فشل في الجلوس على كرسي البابوية، وفي سبيل الانتقام أسس ديانة جديدة.
ومن تلك الخرافات خرافة الحمامة، وخلاصتها: أن محمدا درّب حمامة لتنقر
حبوب القمح من أذنه؛ ليقنع العرب أن هذه الحمامة هي رسول الروح القدس.
стр. 38
وهيَ خرافة مشوبة بما يعتقدونه من أن روح القدس في إنجيل لوقا - الإصحاح الثالث: ٢٢، نزل على يسوع بهيئة جسمية مثل حمامة، وكان صوت من السماء قائلا: أنت ابني الحبيب ".
- وإذا كان محمد بدعة مسيحية، ارتد عن المسيحية، فلا عجب أن يكون في خرافة (دانتي) في الدرك الأسفل من الجحيم، وأن يكون (ابن رشد) و (ابن سينا) في درجة أعلى من محمد!!
- ومن هذه البواعث والمنطلقات:
اعتبار تفوق الجنس الآري (الأوربي) بميزة الدم والجنس - على الجنس الشرقي.
- واعتبار هذه الفوارق موانع مطلقة لإمكان التقاء الغرب والشرق، وإمكان الحوار بين المسيحية والإسلام.
- ونشر ادعاء أن القرآن من صنع محمد، وأنه عقبة في سبيل تقدم المسلمين، لأنه يمنع التفكير، ويفرض عقيدة الجبر.
- والتخويف من الإسلام باعتباره ديناً: يحرم العقل، ويدعو إلى العنف، وأن مقصده الأصلي هو. هدم المسيحية.
- لذلك كان واجب الساسة والمفكرين الغربيين العمل على ردّ المسلمين (الكفار) إلى المسيحية.
وتجلّى ذلك - على الأخص - في كتابات (بطرس المبجل) والتي قدّم
لها (لوثر) .
* * *
٧ - ماذا كان مصير هذه الفرى ؟
إن سُنة اللَّه ماضية على سننها لإبطال الباطل، وإن علا، وإظهار الحق وإن طال عليه ليل الباطل.
لذلك نشأ من الأوربيين أنفسهم، من احترم نفسه، واستيقظ ضميره.
وآثر الحق على الباطل، والإنصاف على الجور، والصدق على الكذب.
стр. 39
وتلاشى القول بأن الإسلام وكتابه كانا، بطيعتهما - سجنا لحرية العقل، وعقبة في سبيل نهوض الفلسفة.
من هؤلاء المنصفين الأستاذ (بيكافيه) في كتابه: (تخطيط لتاريخ عام مقارن لفلسفة القرون الوسطى) المطوع ٩٥٥ ١م.
ومن هؤلاء المنصفين:
الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي (غوستاف لوبن) الذي أنصف تاريخ الإسلام والعرب، وله عبارة مشهورة يقول فيها: لم يعرف التاريخ فاتحا أعدل من العرب.
أما (سارتون) حجة العلوم الطبيعية، ومؤرخها الفرنسي المعروف، والذي أنصف تاريخ العرب، واعترف بفضلهم على الغرب فكان، بذلك، أحد المنصفين في القرن العشرين، وهو - كما يقول د. توفيق الطويل: سيد مؤرخي العلم، وكان سنة ٩٥٦ ١ م يسفه الرأي الذي يجعل أي نوع من العلم من ابتكار الغربيين، أو أي جنس بعينه.
وإذا كان مؤرخو العلم، من الغربيين، يجعلون العلوم الطبيعية والرياضية
اختراعا يونانيا لم يسهم فيه أحد قبلهم، فإن (جورج سارتون) يقول في تفنيد هذا الرأي: إن من الضلال أن يقال: إن إقليدس هو أبو علم الهندسة، أو إن أبقراط هو أبو علم الطب. . . "
ويقول سارتون: إن ما حققه العرب، في عصر الإسلام الذهبي.
في المجال العلمي يكاد يتجاوز حد التصديق.
وفي ظل هذا الإنصاف الذي وضحت معالمه في القرن العشرين، وأيدته هيئة
اليونسكو بجهودها ومؤتمراتها، يقول أ. د. الطويل: اختتم البروفسور (كويلر يونج) رئيس قسم اللغات الشرقية وآدابها، بجامعة برنستون بالولايات المتحدة - اختتم بحثا له عن أثر الثقافة الإسلامية في الغرب المسيحي، بتذكير مسيحي أوربا المعاصرة بالدَّين الثقافي العظيم الذي يدينون به للإسلام، وبحثه بعنوان:. . .
стр. 40
وذلك في ندوة عالمية، عن الثقافة الإسلامية، عقدت في (برنستون)
و (واشنطن) عام ١٩٥٣م.
أيها المثيرون سموم الشبهات، أما جاءكم نبأ هذه البحوث المنصفة، والتي علت بأصحابها عن السير في ركاب التقليد المسفِّ، الذي درج عليه المبشرون والمستشرقون منذ القرون الوسطى.
ثم نبئوني بعلم إن كنتم صادقين: أما جاءكم نبأ ما كتبه (ول ديورانت) المؤرخ الغربي الكبير، في موسوعته (قصة الحضارة) ، والذي اعترف له النقاد بأنه كتب موسوعته: بموضوعية، ومنهج علمي سليم، ومع الالتؤام الأخلاقي وكان من إنصافه اللافت للنظر: نقطة بدء التاريخ، إذ بدأ كتابته من آسيا، مخالفا عادة الغربيين الذين كانوا يظنون أن تاريخ الإنسان بدأ من اليونان والرومان.
وعلى عكس ذلك، يقرر (ول) أن لحم الإنسان في (أيرلندا) كان يباع على أنه ألذ أنواع الطعام، وأن ذلك دام في (الدنمارك) على أنه من لوازم العيش دام ذلك إلى القرن الحادي عشر.
وأما في الجزر البريطانية فقد كان اللحم البشري يباع في دكاكين القصابين، كما يباع لحم الحيوان اليوم.
ويقول (ول) في موسوعته، دي المجلد الثالث عشر ما نصه: لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام ٧٠٠ إلى عام ١٢٠٠ يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميل الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب، والفلسفة، وكان الفن والثقافة في بلاد الإسلام أعم وأوسع انتشارا بين الناس مما كانا في البلاد المسيحية في العصور الوسطى، فقد كان الملوك أنفسهم خطاطين، وتجارًا، وكانوا كالأطباء، وكان في مقدورهم أن يكونوا فلاسفة.
ثم يقول: كان المسلمون رجالا أكمل من المسيحيين، فقد كانوا أحفظ منهم للعهد، وأكثر منهم
стр. 41
رحمة بالمغلوبين، وقلما ارتكبو، في تاريخهم من الوحشية ما ارتكبه المسيحيون
عندما استولوا على بيت المقدس في عام ١٠٩٩)
قلت: دخل الصليبيون القدس في تمام الساعة الثالثة من بعد ظهر الجمعة الموافق ٥ اتموز ٠٩٩ ١م.
وما كادوا يدخلونها حتى حكموا على كل مسلم بقي فيها بالموت، وشرعوا من فورهم في تنفيذ الحكم، فقتلوا سبعين ألفا، بل يؤكد بعض الباحثين أن القتلى كانوا تسعين ألفا.
ولم يختلف اثنان من المؤرخين من الفرنجة أو غيرهم على الفظائع التي ارتكبها
الصليبيون، تلك الفظائع التي يندي لها جبين الدهر، والتي تناقض تعاليم السيد المسيح الذي زعموا أنهم إنما جاءوا من أجل نصرته!!.
يقول (ول) : لقد ظل القانون المسيحي يستخدم طريقة التحكيم الإلهي. . في
الوقت الذي كانت الشريعة الإسلامية تضع طائفة من المبادئ القانونية الراقية
ينفذها قضاة مستنيرون، واحتفظ الدين الإسلامي - وهو أقل غموضا في عقائده من الدين المسيحي - بشعائره، أبسط، وأنقى، وأقل اعتمادا على المظاهر المسرحية من الدين المسيحي. ..
لقد تلقت أوربا من بلاد الإسلام الطعام، والشراب، والعقاقير.
والأسلحة، وشارات الدروع ونقوشها، والدوافع الفنية، والتحف، والمصنوعات، والسلع التجارية، وكثيرا من الصناعات، والتشريعات، والأساليب البحرية، وكثيرا ما أخذت عن المسلمين أسماء هذه كلها.
وقد انتقل شعر شعراء الفروسية الغزليين وموسيقاهم، من بلاد الأندلس إلى (برو فانس في فرنسا) ومن صقلية المسلمة إلى إيطاليا.
ولعل الأوصاف العربية للرحلات إلى الجنة والجحيم كان لها نصيب في
المسلاة الإلهية: لدانتي. . . ولا تزال المصطلحات العلمية العريية
تملأ اللغات الأوربية، ونذكر منها على سبيل المثال:. . . للجبر، و. . .
للصفر. ..
قال (ول ديورانت) : وسنشرح فيما بعد بالتفصيل السبل التي جاء منها هذا التأثير الإسلامي إلى بلاد الغرب، غير أننا نقول هناك (المجلد ١٣ / ٣٨٥) بإيجاز إنه جاء
стр. 42
عن طريق: التجارة، والحروب الصليبية، وعن آلاف الكتب التي ترجمت من اللغة العربية إلى اللاتينية، وعن الزيارات التي قام بها العلماء أمثال جربرت وميخائيل اسكت وأدلارد من أهل (باث) إلى الأندلس الإسلامية، ومن الشباب المسيحيين الذين أرسلهم آباؤهم الأسبان إلى بلاط الأمراء المسلمين ليتربوا فيها. ..
ومن الاتصال الدائم بين المسيحيين والمسلمين في بلاد الشام ومصر وصقلية، وأسبانيا، وكان كل تقدم للمسيحيين في أسبانيا تتبعه موجة من آداب المسلمين، وعلومهم، وفلسفتهم، وفنونهم، تنقل إلى البلاد المسيحية، وحسبنا أن نذكر - على سبيل المثال
- أن استيلاء المسيحيين على طليطلة عام ١٠٨٥ قد زاد معلومات المسيحيين
الفلكية، وأبقى على الاعتقاد بكرية الأرض ثم قال (ول) : لكن نار الحقد لم تطفئ لظاها هذه الاستدانة العلمية. . . ".
٨ - وفي بحث علمي مقارن، يذكر (حسين رؤف) الإنجليزي أسباب
إسلامه، مبينا أن دوافع هذا التحول الخطر، عادة، ترجع إلى دوافع: عاطفية أو فلسفية، أو اجتماعية، وأن فطرته دفعته إلى البحث عن دين يروي غلته فلسفيا واجتماعيا، فلم يجد - بعد دراسة جادة لكل الأديان الظاهرة - سوى الإسلام، ولم يحجبه عن ذلك مولده من أبوين أحدهما يهودي، والآخر كاثوليكي.
وكان من دراسته "دراسة الحضارة الإسلامية في الجامعة، بانجلترا، وأدركتُ لأول مرة أنها - وبكل تأكيد - هي التي أخرجت أوربا من العصور المظلمة. واستقرأتُ التاريخ رأيت أن كثيرا من أعظم الإمبراطوريات كانت إسلامية، وأن كثيرا من العلوم الحديثة يعود الفضل فيها إلى الإسلام، فلما جاءني الناس ليقولوا لي: إني باعتناقي للإسلام سلكتُ طريق التخلف، تبسمتُ؛ لجهلهم، وخلطهم بين المقدمات والنتائج، فهل يجوز للعالم أن يحكم على الإسلام بمقتضى ما أصابه من انحلال لظروف خارجة عنه؟ ".
٩ - هذه شهادات مختصين غير مسلمين للإسلام، وحضارته، وآثاره، وآثارها في
стр. 43
الغرب، وكيف كانت السبب المباشر لإخراجه وأهله من ظلمات عصورهم
الوسطى.
وبقيت شهادة مهمة عن الآثار السلبية لعدم دخول المسلمين بأنفسهم
كقوة مسيطرة في أوربا الغربية، وذلك إثر هزيمتهم أمام (شارل مارتل) في وقعة: بلاط الشهداء، والتي يسميها مؤرخو الغرب: معركة بواتيه، وهي مدينة بفرنسا.
وكان ذلك في أواخر شعبان سنة ١١٤ هـ = ١٢ أو ١٣ من أكتوبر ٧٣٢ م.
وبهزيمة المسلمين في هذه المعركة تأخر نور حضارة الإسلام عن الانتشار في أوربا الغربية، واعتبر بعض المؤرخين الغربيين، حتى من فرنسا نفسها، هزيمة المسلمين هذه نكبة على الغرب، أصابت أوربا كلها، وحرمتها من الحضارة والمدنية. ومن هؤلاء (جوستاف لوبون) إذ يقول، في كتابه: (حضارة العرب) : لو أن العرب استولوا على فرنسا لصارت باريس مثل قرطبة في أسبانيا مركزا للحضارة، والعلم، حيث كان
رجل الشارع فيها يكتب ويقرأ، بل ويقرض الشعر أحيانا في الوقت الذي كان فيه ملوك أوربا لا يعرفون كتابة أسمائهم، وييصمون بأختامهم، ومثل ذلك قال الفيلسوف الإيطالي (يوحى) و (هونكا) الألمانية!
لم يكتف (غوستاف) بذلك، بل عاب على (رينان) تحامله الأثيم على الإسلام
والمسلمين.
ثم إنه غير خاف على دارس تاريخ رجالات التاريخ ما كتبه (كاربل) المؤرخ
الإنجليزي عن محمد ﷺ ، في كتابه (الأبطال) إذ جعل محمدا نموذج البطولة النبوية، وبذلك سجل (كاربل) في سجل المنصفين.
- وأخيرًا، وليس آخرًا، أو ما علمتم ما كتبه جاركم الأمريكي:
(مايكل هارت) العالم الفلكي، بهيئة الفضاء الأمريكي في كتابه:
(المائة: تقويم لأعظم الناس أثرا في التاريخ) وكان من أسس اختياره أن يكون الشخص ذا أثر عالمي، لا إقليمي، ذا أثر عميق، في أمته، وفي تاريخ الإنسانية، وأن يكون أثره في العالم، وحكمه للعقول
قائما على المنطق والصدق، لا على استعباد العقول بالقوة المادية والعنف.
стр. 44
يقول (مايكل هارت) : لقد اخترت محمدًا في أول هذه القائمة: ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار. . ولكن محمدا هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي..
هذا الامتزاج بين الدين والدنيا هو الذي جعلني أؤمن بأن محمدا ﷺ هو أعظم الشخصيات أثرًا في تاريخ الإنسانية
كلها.
وربما بدا غريبا حقًا أن يكون الرسول محمد ﷺ في رأس هذه القائمة، برغم أن عدد المسيحين ضعف عدد المسلمين، وربما بدا غريبا أن يكون الرسول محمد هو رقم واحد في هذه القائمة، بينما عيسى ﵇ هو رقم ثلاثة، وموسى ﵇ الرقم السادس عشر.
ولكن لذلك أسباب من بينها أن الرسول محمد ﷺ قد كان دوره أخطر وأعظم في نشر الإسلام، ودعمه، وإرساء قواعد شريعته أكثر مما كان لعيسى ﵇ في الديانة المسيحية وبرغم أن عيسى ﵇ هو المسئول عن مبادئ الأخلاق في المسيحية، غير أن القديس بولس هو الذي أرسى أصول الشريعة المسيحية، وهو أيضا المسئول عن كتابة الكثير مما جاء في كتب العهد الجديد.
أما الرسول محمد فهو المسئول الأول والأوحد عن إرساء قواعد الإسلام، وأصول الشريعة، والسلوك الاجتماعي والأخلاقي، وأصول المعاملات بين الناس في حياتهم الدينية والدنيوية، كما أن القرآن الكريم قد نزل عليه وحده.
وفي القرآن وجد المسلمون كل ما يحتاجون إليه في دنياهم وآخرتهم.
لقد استطاع محمد، لأول مرة في التاريخ أن يوحد بدو الجزيرة العربية، وأن يملأهم بالإيمان بالإله الواحد؛ لذلك استطاعت جيوشهم أن تقيم أعظم إمبراطورية أقيمت في التاريخ حتى اليوم، ومن المستحيل أن يقال ذلك عن هؤلاء البدو، وعن العرب عامة، وعن إمبراطوريتهم الواسعة دون أن يكون هناك محمد ﷺ ، ولم يعرف العالم كله رجلا بهذه العظمة قبله، وما كان من الممكن أن تتحقق كل هذه
الانتصارات الباهرة بغير زعامته، وهدايته، وإيمان الجميع به ".
стр. 45
١١ - وفي كل ما تقدم عبرة لأولي الألباب:
هذه نقول عن المنكرين، وكيف باء كيدهم، وافتراؤهم، وكِذَّابهم، بالفشل، وكلام المنصفين الذين احترموا أنفسهم باحترام الحق، فشهدوا للإسلام بفضله على العالمين.
ومن هذا وذاك يتضح جليا أن كل ما أثاره مبشرو كندا ليس بالجديد، وأن كل ما زعموا من شبهات قد ردّ عليه كتاب غير مسلمين، بل هم من دينكم، ومن جنسكم، ولو كنتم تطلبون الحق لكفاكم ما كتبوا، ولم ترتدوا، وتُنكسوا على رءوسكم، فتعيدوا شبهات من شبهوا بعدما ظهر زيفها، وخزى منها المنصفون منكم، ولكنّ الهوى غلاّب، ولكل داء دواء إلا الحقد، والجهل، وكراهة الحق. ..
فإنها أعيت من يداويها!!
لقد فاء الكثيرون إلى رشدهم، بعد طول عداء، وعناء. في عام ١٩٥٣ أعلن بابا الفاتيكان: أن الإسلام أكبر خطر على حركة التبشير المسيحية في أفريقيا وآسيا.
ثم اعترف (المجمع المسكوني) الثاني سنة ١٩٦٢ بالإسلام دينا عالميا، ومدّ للإسلام يد السلم، وطلب الصفح عن ماضي العداء والحروب.
١ - وفي مدينة (فلورنسا) الإيطالية، حضرت مؤتمر لقاء الأديان، في ٢٢ - ٢٥ من أكتوبر سنة ٩٩٥ ١م. وكان الهدف العام للمؤتمر هو: السلام العام، والسلام مع الإسلام على التخصيص.
وفي المؤتمر وزعت (رسالة السلام) ، وكان البند الأول منها اعتذارا عن أخطاء الماضي؛ إذ جاء نصه: نحن - المواطنين المعاصرين - لسنا مسئولين عن الأخطاء المرتكبة عبر التاريخ، وذلك، وبكل بساطة، لأننا لم نكن موجودين عندئذ.
وبندها الثاني هذا نصه: لماذا إذاً، علينا أن نضمر الاستياء، أحدنا للآخر، فنحن لسنا مسئولين عما جرى في الماضي.
стр. 46
وبندها الرابع جملته الأولى هكذا: لا نستطع إعادة التاريخ. . وآخرها: إن ذلك لا يعني على الإطلاق أن الأخطاء التي ارتكبها أسلافنا لم تكن أخطاء في حقيقة الأمر، فنحن ندينها، ونرفضها، وعلينا ألا نكررها.
وفي بندها الثامن تقول: إن الممثلين الحاليين عن المؤسسات التي عاشت على مرور الزمن ليسوا مسئولين عما حدث في الماضي. . . ولكن على الرغم من ذلك على هؤلاء المسئولين، كلما سنحت الفرصة، أن يتأسفوا بشكل علني على المظالم والأخطاء التي سببتها هذه المؤسسات في الماضي.
وكذلك، أيضا، يجب عليهم أن يعوضوا رسميا عن الأضرار المسببة في الماضي.
وهكذا تمضي الرسالة حتى بندها العاشر.
وقد قدِّمت إليَّ، في إحدى ليالي المؤتمر هذه الرسالة لأجيب عن بنودها.
وقد فعلت، معلقا، وكاشفا عما وراء سطورها، شارحا رسالة الإسلام العالمية، وكيف تتحقق، لافتا نظرهم إلى الفرق بين (الكلمة) و (الواقع) وبين الأماني والسلوك، موضحا أن أكثر المظالم الواقعة على المسلمين اليوم إنما هي من صنع دعاة السلام بالكلام، - فإن كانوا صادقين في دعوتهم فعليهم أن يبدأوا، أولا، برفع هذا الظلم، وأن تقوم بين هؤلاء الدعاة وبين المسلمين علاقات متكافئة.
فإذا فعلوا ذلك أمكن للمسلمين أن يأخذوا بمبدأ الإسلام:
(عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ)
هذا إلى آخر ما اقترحته مما يقيم البراهين على صدق دعوتهم إلى السلام، موضحا لهم المبادئ السامية التي أرساها الإسلام، وهي أقصى ما تصبو إليه الإنسانية؛ لتحقيق السلام العالمي.
* * *
١٣ - هذا هو اتجاه المؤسسات الرسمية، والاجتماعية، وهو يتفق، في ظاهره، مع موقف المنصفين من المستشرقين، فأين نضع شبهاتكم، وطعونكم من هذه الدعوة العالمية
للتقرب من الإسلام، وما سمي عالميا بحوار الحضارات؟
стр. 47
أليس ما أرسلتم به إلى مساجد أمريكا نكسة أخلاقية، وردة حضارية؟!!
أما نحن فإنا نربأ بأنفسنا عن وهدة هذه النكسة، وهذه الردّة، ونقصر قولنا معكم على كشف زيفكم وبهتانكم!!
* * *
مقاصد هذه الأسئلة
١ - في أثناء كلامي السابق وصفت مرسلي هذه الأسئلة بأنهم قوم خصمون، لا يسألون للعلم، وإنما للتشكيك، والطعن، وبأنهم يشككون، مبشرون مُلبِّسون. ..
فمقصدهم بعيد عن كل غرض معرفيّ أو علمي، وإنما هو زرع للشقاق، وقتل للوفاق، وتمزيق للوحدة الإنسانية، ونقض للمبدأ الإسلامي في معاملة المخالفين:
دعوهم وما يدينون به، ونقض لمظلة الإخاء الإنساني التي نشرها الإسلام على بني الإنسان.
فقصدهم العام الكلي إنما هو: تشكيك المسلم في دينه، بمنهج القارئ
للإسلام، الآخذ من بعض حقائقه، بالنظرة الجزئية، ماء يساعده - بزعمه - على زرع الشك، وبث الفتنة بالأسلوب الاستشراقي.
والفرق بين الاستشراق والتبشير هو أن الاستشراق يصوغ طعونه وافتراءاته في صورة (البحث) ، ثم ادعاؤه أن بحثه قائم على أساس (الطابع العلمي) ، بينما التبشير بقي، في دعوته، في حدود مظاهر (العقلية العامة) .
* * *
- فزعمكم أن القرآن متناقض.
- وأنه يدعو إلى الفسق.
- وأن تشريعه ظالم.
- وزعمكم أن محمدا يستحيل أن يكون نبيا.
стр. 48
إلى آخر ما قدتم، ول سأتناوله بالردّ والتفنيد، ما هو إلا بعض ما قاله أسلاف لكم ظالمون إبان حركة الاستشرق في منتصف القرن التاسع عشر، والتي كان هدفها الكلي - تمكينا للاستعمار - إنكار المقومات التاريخية، والثقافية، والروحية في ماضي أمة الإسلام، والاستخفاف بها. ..
كل ذلك في صورة البحث، على أساس أسلوب الجدل في الكتابة، أو الإلقاء عن طريق المحاضرة، أو الإذاعة.
لقد كان ذلك، من الاستشرق والتبشير، دعامة للاستعمار، فكلاهما دعوة إلى توهين القيم الإسلامية، والغض من اللغة العربية، وتقطع أواصر الصلاة بين الشعوب العربية، وكذا الشعوب الإسلامية، والتنديد والانتقاص من حال الشعوب الإسلامية الحاضرة، والازدراء بها.
فهناك دعوتهم إلى أن القرآن:
- كتاب مسيحي يهودي، أخذه محمد من الكتاب المقدس!
- وأن الإسلام دين مادي، لا روحية فيه.
- وأنه دين يدعو إلى العدوان، ويحرض أتباعه على العنف.
- وأنه يدعو إلى الحيوانية والملذات.
ومن دعوتهم:
أن الفلسفة العربية إنما هي فكر يوناني إغريقي كتب بحروف عربية.
وأن اللغة العربية الفصحى لم تعد صالحة اليوم، وعلى أهلها أن يستخدم كل إقليم لهجته المحلية، والعامية، وعلى الجميع استعمال الحروف اللاتينية، بدلا من العربية!!
وكان من دعوتهم، لتمزيق الوحدة:
- إحياء الفرعونية في مصر، والآشورية في العراق، والبربرية في شمال أفريقيا، والفينيقية في سواحل فلسطين ولبنان.
стр. 49
وكان من هذه الدعوة:
- ازدراء حال المسلمين الحاضرة.
وادعاء أن السبب في تأخرهم إنما هو الإسلام نفسه. ..
هل ترونكم أتيتم بجديد؟
إن ما أتيتم به إنما هو: ترديد مملول لحقد قرون الاستعمار!
وما هو إلا انتكاسة فكرية، وخلقية، ونسج على منوال الظلم، والأمل الذي أثبت الزمن خسرانه.
وانقضاء زمانه!!
* * *
стр. 50
القسم الثالث
بعض ما عندكم
بيان بعض ما في الأناجيل من تناقضات
стр. 51
بعض ما عندكم
تقولون:
الآب إله - الابن إله - الروح القدس إله - إله واحد (كما هو في عدة مواضع من الأناجيل) وكما جاء في رسالة (التعليم المسيحي - كتاب الفصل الثالث، ط الفرير بالإسكندرية سنة ١٩٣٥ م: تثليث أقانيمه يعني أنه يوجد في اللَّه ثلاثة أقانيم متساوية، ومتميزة، وكل أقنوم من الثالوث الأقدس هو إله، وهذه الثلاثة الأقانيم ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد فقط. ..
وابن اللَّه إذا صار إنسانا لم يعدل عن أن يكون إلهاً. . . فهو (يسوع المسيح) هو إله حق، وأيضا إنسان حق) .
قال دكتور (بويست) في تاريخ الكتاب المقدس ما نصه:
"طبيعة اللَّه عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر: اللَّه الآب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن، وإلى الابن المفدى، وإلى الروح القدس التطهير.
غير أن الثلاثة أقانيم تتقاسم جميع الأعمال على السواء. . . وتطلق نعوت: القدير على كل أقنوم من هذه الأقانيم الثلاثة على حدة" ا. هـ. بحروفه (نقلا عن تفسير المنار جـ ٦ / ٣٠٨. -
فيا عجبا!! كيف صارت الذوات الثلاث، والأشخاص المتميزة ذاتا واحدة؟!
وكيف يتفق هذا وما أجاب به المسيح الفريسيين، عن سؤال أحدهم عن الوصية الأولى والثانية - فأجابه بأن يحب الربّ إلهه، وأن يحب قريبه كنفسه (متى ٢٢ / ٣٤ - ٤٠) ، ومرقس ٢ / ٢٨ - ٣٤، ومثله في (يو ٣ / ١٦) : لأنه هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد؛ لكيلا يهلك كل من يؤمن به؛ لأنه لم يرسل اللَّه ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم ".
وقد حاول شراح الأناجيل أن يجيبوا عن هذا الإشكال، ويرفعوا هذا التناقض، بأن ضربوا لهذه (الثلاثية) مثلا بالماء والبخار والثلج - هذا الجهل حل ساذج، لا ينطلي إلا
стр. 52
على العوام، الذين يتقبلون (عقائدهم) بالتقليد، وإلغاء العقل والعلم، إذ الماء هو الماء، ذات واحدة، اعترتها (أحوال) : ماء سُخن فتبخر، وماء برد فتجمد، ولو زدنا الحال الأولى لاستحال كل ما معنا من ماء إلى بخار، فهل يستحيل (الآب) كله بحيث لا يكون له وجود أصلا، ويستحيل كله إلى (ابن) .
وقل مثل ذلك في حال الثلج، أين هذا من ذات+ ذات+ ذات= واحدا، وكان للذات الثانية خصائصها التي لا تناسب الألوهية من الطعام والشراب، وما يترتب عليهما من إخراج الفضلات، ومن قبول الأذى: كالضرب، والشتم. . ثم الموت.
وكل ذلك مما يستحيل على اللَّه!!.
كذلك حاول بعض شراحهم تمثيل ذلك بالشمس ونورها، وحرارتها؛ لأنه يلزم اعتبار جرمها، وسمكها، وقطرها، ودرجة حرارتها، وألوان الطيف من شعاعها..
وكل ذلك ليس تعدد ذوات.
والخطيئة في ذلك ضرب المثل للذات الإلهية ببعض خلقه، فهو تمثيل لما لا نعلم بما نعلم.
وذلك ما نهى القرآن عنه في مثل قوله: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) .
ثم في هذه الأمثال خلط بين الذوات والأحوال
يقول الأمريكي: (كران) عقيدة التثليث لا تجد نسقا رياضيا يقبل القول بأن
الثلاثة ثلاثة، وفي الوقت نفسه الثلاثة واحد. ص: ١٨٤ من الترجمة.
٢ - وهذه أخرى: كيف يكون (ابنه الوحيد) ، كما جاء في رسالة التعليم المسيحي: رب واحد، يسوع المسيح، ابن اللَّه الوحيد، المولود من الأب قبل كل الدهور، إله من إله. . مساو للآب في الجوهر"
وفي (يوحنا: ٣ / ١٦) : لأنه هكذا أحب اللَّه العالم حتى
بذل ابنه الوحيد) .
فكيف يكون ابنه الوحيد مع قول سفر التثنية ١/١٤: إن اللَّه خاطب اليهود بقوله: أنتم أولاد الرب إلهكم!!
стр. 53
وجاء في سفر التكوين: أن الملائكة أبناء الله، وأن أبناء اللَّه رأوا بنات الناس
حسنات فاتخذوا منهن زوجات " (٦ تكوين) .
٣ - يقول الكاثوليك: المسيح إله مع اللَّه.
وهذا يتفق والقول بذوات متعددة.
ويقول الأرثوذكس: المسيح هو اللَّه نفسه.
فكيف كان الله) صفات البشر ممن خلق؟!
* * *
٤ - في محاضرة مشتركة بيني وبين قس إيطالي: (لو تشوكونيو) ، في جامعة الطب في مدينة: برشا الإيطالية بتاريخ يوم الخميس ١٣ / ٣ / ١٩٩٧، اختار المسئولون
- موضوعها: (الإله في الإسلام والمسيحية) .
في هذه المحاضرة ذكرتُ ما قرره عالم النفس الأمريكي، الإنجليزي الأصل: (هنري لتك) بعد دراسات دينية، واسعة وعميقة - من أن: العرض التاريخي لتطور الكتاب المقدس، كشف له عن الطريقة التي اكتمل بها ذاك الكتاب، وكيف أن رجال الدين قد أخذوا يعبثون بالكتاب المقدس؛ لذلك كانت محتويات (العهد الجديد)
على ثلاثة أقسام: ما هو مقطوع بصدقه، وما هو مشكوك فيه، وما هو مزيف على مر الأيام ".
وفي هذه المحاضرة سألت القس أن يفهمني، لأنني لا أفهم، كيف يكون الإله يأكل ويشرب، ثم يكون - بعد عملية التمثيل الغذائي - مضطرا إلى قذف فضلاته!
فما كان من جُلّ الحاضرين وأكثرهم على دين القس إلا أن ضحكوا بصوت عالٍ.
وفي كتاب (المشكلة الأخلاقية والفلاسفة) ينقل مؤلفه: (أندريه كرْسون) عن
(سبينوزا) أن نصوص (العهد القديم) لم تصمد عند دراستها على النمط الذي
تدرس به النصوص التاريخية.
وأنه لا شيء أدخل في الباطل من اعتقاد أن كل ما يحويه الكتاب المقدس منزه عن الخطأ، فلا التوراة المعزوة إلى موسى، ولا السفر المعزو إلى يوشع، ولا سفر القضاة، ولا سفر - روت، ولا صمويل، ولا سفر الملوك -
كتب بأيدي المؤلفين الذين نسبت إليهم، ولا في التاريخ الذي تعينه النقول الدينية
стр. 54
لهذه الكتب. إن سفر التوراة) كان، حسبما ورد فيه هو نفسه، مسطراً بيد
موسى، ولكن بينما يتكلم عنه سفر التثنية بضمير المتكلم فإن سائر الأسفار تتكلم عنه بضمير الغائب، وفي هذا تباين ظاهر.
وأيضا، ترى سفر التثنية يحوي قصة موسى ورثائه، وهذا التأكيد الموحى لم يأت نبي بمثله من بعده، وفوق ذلك نرى التوراة قد عينت أماكن بأسماء لم توضع لها إلا بعد أزمان متطاولة.
وإن القصص لتمتد في هذا السفر، بدون انقطاع، حتى إلى
ما بعد وفاة من ادّعى أنه مخرجه. . . " انتهى كلام سبينوزا) .
- وقال الطبيب الفرنسي (موريس بوكاي) في كتابه
(القرآن والتوراة والإنجيل والعلم)
دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة) يقول:
"إن معالجة الكتب المقدسة من خلال علم الدراسات النقدية للنصوص شيء قريب العهد في بلادنا.
لقد ظل الناس يقبلون العهد القديم والجديد على ما هما عليه طيلة
قرون عديدة. ..
وكان مجرد التعبير عن أي روح نقدية إزاء الكتاب المقدس خطيئة
لا تغتفر. . . وبعد أن أصبح نقد النصو علما كان له الفضل في أن جعلنا
نكتشف مشكلات مطروحة وخطرة..
في ظل تلك الظروف فإن المتناقضات، والأمور البعيدة عن التصديق تظل باقية بلا حل في نظر كل من يريد أن يحتفظ بسلامة مقدرته على التفكير وحسه الموضوعي، وإننا لنأسف حقا لذلك الموقف
الذي يهدف إلى تبرير الاحتفاظ في نصوص التوراة والإنجيل ببعض المقاطع الباطلة، خلافا لكل منطق
يقول موريمس بوكاي: إن الكنيسة قد حسمت بين الأناجيل المتعددة، وأعلنت رسميَا أربعة منها فقط، برغم التناقضات العديدة فيما بين هذه الأناجيل في كثير من النقاط.
يقول: قد اكتشفت آثار لأعمال بشرية يمكن وضع تاريخها فيما قبل الألف
العاشرة من التاريخ المسيحي، دون أن يكون هناك أي مكان للشك.
وعليه فإننا
стр. 55
لا نستطيع - علميا - قبول صحة نص سفر التكوين الذي يعطي أنسابا، وتواريخ تحديد أصل الإنسان (خلق آدم) بحوالي ٣٧ قرنا قبل المسيح. يقول: وبفضل الدراسات الواعية للنص العربي استطعْتُ أن أحقق قائمة أدركتُ - بعد الانتهاء منها - أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث.
* * *
٧ - وخلاصة مما تقدم، أننا ندرك جملة حقائق بدهية، لا شك فيها، منها:
- توجد في كتابكم المقدس أشياء تناقض بدهيات العقول.
- وتوجد، في وصفه لله - صفات تناقض طبيعة الألوهية -.
- وتوجد فقرات ينقض بعضها بعضا.
- (الإله) كما يتحدث عنه، لا يمكن الإيمان به دينا ولا عقلا، إذ يجعل الإله إنسانا، والإنسان إلها.
- المحققون، من بني دينكم، جزموا - على الأقل - بعدم صحة مواضع من كتابكم المقدس.
- وأثبتوا عدم ثبوت بعض نصوصه على منهج الدراسات النقدية للنصوص
التاريخية.
- كما أثبتوا عدم صحة بعضها بناء على الحقائق العلمية المقطوع بثبوتها ونهائيتها.
هذا، مع سلامة القرآن من كل ذلك!!
* * *
٨ - ولعل خير ما نختم به هذه المسألة: صحة الكتاب المقدس، أن نقتطف من نصوصه ما يهدم مسألة (بنوة المسيح لله) من غير تزيدّ مني، فأقول:
ليس في أي أنجيل أن عيسى إله، أو أنه الإله، كما أنه ليس في أي إنجيل أن عيسى
стр. 56
ابن اللَّه بالطبيعة، بل الذي فيها هو أنه ابنه بمعنى أنه من المؤمنين به، كما تقدم من عبارة سفر التثنية ١٤/ ١، على لسان اللَّه - يخاطب اليهود: أنتم أولاد الرب إلهكم.
وقال يوحنا ١ / ١٢ - ١٣، في تفسير أولاد اللَّه: وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد اللَّه، أي المؤمنين باسمه الذين ولدوا ليس من دم، ولا من مشيمة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من اللَّه ".
* * *
مسألة صلب المسيح:
١ - من الثابت المؤكد من وقائع التاريخ أن اليهود رفضوا الاعتراف بالمسيح ﵇ وأنهم كادوا له، ورموه وأمه الطاهرة بالعظائم، وأن كيدهم له عند الملك الروماني قد انتهى إلى صلبه (هذه بزعمهم) .
ولولا أن النصارى جعلوا مسألة صلب المسيح أساس اعتقادهم، وأصل دينهم - ما كان يهتم كتاب اللَّه: القرآن، بإثباتها أو نفيها.
فسواء صح ثبوتها أو نفيها، فإنها لا تزيد التاريخ معرفة بأخلاق اليهود، فإنهم فعلوا أشد من ذلك: قتلوا زكريا ويحيى..
وهم كانوا - يريدون قتل المسيح؛ لما دعا إليه من الإصلاح الذي يزجرهم عن تقاليدهم المادية.
فلا صحة مسألة الصلب تفيدنا عبرة بحال اليهود لم تكن معروفة، ولا عدم
صحتها ينقص من معرفتنا بأخلاقهم.
٢ - ودعاة النصارى يجعلون قاعدة دعوتهم، وأساسها: عقيدة صلب المسيح، فداءً عن البشر.
فهذه العقيدة، عندهم، أصل الدين وأساسُه، وعقيدة التثليث تليها.
* * *
٣ - تقرير عقيدة الصلب:
في ندوة عن (الإله في المسيحية) مضت إشارة إليها - سمعت الراهب الكاثوليكي يقرر عقيدة الصلب بأن آدم ﵇ لما عصى اللَّه - تَعَالَى -، بالأكل من
стр. 57
الشجرة التي نهاه عن الأكل منها، صار هو وجميع أفراد ذريته خطاة مذنبين
مستحقين للعقاب في الآخرة!!
ثم إن جميع ذرية آدم ولدوا خطاة مذنبين، فكانوا مستحقين للعقاب بذنوبهم، كما أنهم مستحقون للعقاب بذنب أبيهم، الذي هو الأصل لذنوبهم، فتقرر عقابهم بأصلين - على قولهم: ذنب أبيهم الأول، الذي به ولدوا مذنبين، ثم ولادتهم مذنبين، قبل أن يقوموا بعمل شيء بحكم ذلك الأصل!!
٤ - وبعصيان آدم طرأ على اللَّه مشكل (تعالى اللَّه) ، من جهة اتصافه بصفتي الرحمة والعدل:
إن عاقب آدم، إعمالا لصفة العدل، ناقض صفة الرحمة!
وإن لم يعاقبه إعمالا لصفة الرحمة ناقض صفة العدل.
ثم بدا لله (تعالى الله) بعد آلاف السنين حل هذا المشكل، وهو: تناقض صفتي رحمته وعدله، في مسألة عصيان آدم فإن الحل - بعد تفكره آلاف السنين - أن يحلّ اللَّه في رحم امرأة، يكون ابنا لها من حيث هو إنسان ولد منها، ويكون هو ربها وإلهها من حيث هو الله!!
ثم هو يعيش بين الناس يأكل كما يأكلون، ويضرب مما يضربون ويتألم كما يتألمون، ثم يقتل أفظع قتلة: قتلة: الصلب، ويلعن، ويضرب على رأسه بالشوك. ..
كل ذلك فداء للبشر، وخلاصهم من خطاياهم (كما قال يوحنا في رسالته الأولى، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم) .
ويترتب على هذا الاعتقاد:
١ - الاعتقاد بأن اللَّه ناقص العلم، وأنه لم يكن يعلم ما يكون بعدُ!!
٢ - والقول بهذه العقيدة يستلزم بجواز البداء على اللَّه، والبداء: أن يبدو لله ما لم يكن يعلم، ثم يتخذ لهذا الذي بدا حكمًا لم يكن قدره من قبل.
стр. 58
٣ - ولا يمكن أن يؤمن بهذه العقيدة إلا من يأخذ (الدين على أنه مناقض للعقل) وأن الدين لا يكون دينا إلا بهذه المناقضة!
٤ - كما لا يؤمن بها إلا من يرى أن (الربّ) تجري عليه الأحوال البشرية، كأن ينام (متى ص ٨) أو يجربه الشيطان (متى ص ٤) أو أن يحزن على بعض ما فعل، ويندم عليه، ويأسف قلبه (كما في سفر التكوين) .
ومثل أن يقع في (تناقض) يفكر في حله آلاف السنين، ثم ينتهي إلى حل لا يقبله عقل، ويناقض ما لله من جلال وإجلال، حتى إنه يحل في رحم امرأة، ثم يجرى عليه أسوأ ما يجري على بشر!!
٥ - ثم إذا كان اللَّه فعل ذلك فداء للبشر، وخلاص العالم - فلا داعي للإيمان بهذه العقيدة؛ لأن الدعوى في هذا الاعتقاد أنه فعل ذلك تفدية وتخليصا للبشر أجمعين ولكل خطاياهم، فليكن عدم الإيمان بهذه العقيدة من خطاياهم التي تغفر، والتي هي مما ترتب على خلقهم.
٦ - وإذا قيل: إن غير المؤمن بها لا ينجو، اقتضى ذلك أن (الله) - بعد تفكير طويل، فعل شيئا، لغاية مقصودة، ثم لم تحقق غايته ومقصوده، وتلك منقصة أخرى في حق الألوهية!!
٧ - وعندما نحقق مدلول (الإيمان) بأنه التصديق العقلي الجازم بالشيء والعقل لا يقبل هذه العقيدة - بناء على هذا التحقيق أمكن أن يقال: إن أحدا من النصارى لم يؤمن بهذه العقيدة عن تصديق، وإنما أخذوا بها عن تقليد واتباع لا إيمان فيه!
فإذا ثبت أن هناك من لم يؤمن بها، فماذا سيفعل بهم اللَّه؛ إذ لم يعذبهم عملا
بصفة الرحمة، فقد ترك مقتضى صفة العدل، لان عذبهم عملا بصفة العدل، فقد ترك مقتضى صفة الرحمة وآل الأمر إلى (المشكل) الذي حاول التخلص منه، وفكر فيه آلاف السنين!!
٨ - والقول بقبوله الصلب واللعن والضرب، وهو لم يذنب قط - هذا القول مناف للعدل والرحمة معا.
стр. 59
٩ - ثم لماذا كل هذه المأساة؟
ألم يكن اللَّه قادرًا على العفو عن آدم بدونها؟.
قال الأستاذ (نظمي لوقا) المسيحي القبطي، في كتابه: (محمد: الرسالة والرسول) : إن القرآن الكريم حسم مسألة خطيئة آدم بقوله:
(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) .
* * *
١٠ - إن تداعي المعاني لا يترك صاحبه، في هذا المقام، دون أن يستدعى له طريق نجاة الإنسان في الإسلام وأنه: الإيمان والعمل الصالح، وأن نجاته مرهونة بهما مهما كان نسبه وحسبه، وأنه بدونهما - لا نجاة له، وإن بكى له أهل الأرض، واستشفع بلسان أهل السماء، وتوسل بجاه جميع الصالحين، وحسبكم في هذه قول نبي الإسلام: محمد ﷺ لأقرب الناس إليه: "يا فاطمةُ بنت محمد، اعملي، فإني لا أغني عنك من اللَّه شيئا، يا عباس، عم محمد ﷺ ، يا صفية عمة محمد ﷺ اعملوا فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتونني بأنسابكم، من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ".
ويخلص القرآن الكريم لهذه المسألة سورة من أجمع سوره لمعانيه ومقاصده، هي سورة العصر: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) .
فهل في أديان الناس، ونظمهم، وفلسفاتهم ما يرفع قدر الإنسان فوق ما رفع
الإسلام؟
* * *
١١ - تناقض في روايات الصلب:
١ - في تقرير عقيدة الصلب أن اللَّه بذل ابنه الذي هو نفسه، فداء للبشر وتوفيقا بين صفتي رحمته وعدله.
وهذا يستلزم رضاه عن تعذيبه، ولعنه، وصلبه، ولكنا نجد
إنجيل متى: ٢٦ / ٣٧ يذكر أخذه ومعه بطرس، وابنا زبدي، وأنه ابتدأ بحزن،
стр. 60
ويكتئب، ٣٨ - ٣٩ - ٤٢.
ومثله في لوقا ٢٢ - ٤٣ - ٤٥.
وأنه ما زال يستصرخ اللَّه أن يصرف عنه هذه الكأس.
فكيف ساغ له أن يطلب أن يصرف عنه ما دبره، وفكر فيه آلاف السنين، ورضيه لنفسه، ورآه جامعا بين الرحمة والعدل.
٢ - وإذا كانت الأقانيم (١) الثلاثة ذوات متساوية، كما تدعون، وقد صلب واحد منها، أفلا يجوز ذلك على الأقنوم الأول: (الله) عملا بالقاعدة العقلية: ما جاز على أحد المثلين جاز على المثل الآخر؟
فإن قلتم: يجوز على الأقنوم الثاني، ما لا يجوز على الأول - بطل قولكم إنه مساو للأول، كما بطل قولكم إن الابن هو الله!!
٣ - في إنجيل متى ص ٢٦ أنه قال مخاطبا الحواريين: إن واحدا منكم يسلمني، فحزنوا جدا، وابتدأ كل واحد منهم يقول: هل أنا هو يا رب؟
فأجاب وقال: الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني، فأجاب يهوذا مسلمه وقال: هل أنا هو يا سيد؟
قال له: أنت قلت لا.
ولكن في يوحنا: ص ١٣:
قال: إن واحدا منكم سيسلمني، فكان التلاميذ ينظر بعضهم إلى بعض متحيرين، فأشار بطرس إلى تلميذ كان يسوع يحبه، أن يسأله من عسى أن يكون الذي قال عنه، أجاب يسوع: هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأعطه، فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سِمعان الإسخريوطي.
فالذي في متى أن الذي يسلمه هو الذي يغمس يده معه في الصحفة.
والذي في يوحنا أن المسيح هو الذي يغمس اللقمة ويعطيه إياها!!
٤ - وفي متى ص: ٢٦ أن يهوذا جعل لليهود علامة هي: أن يقبّل يسوع، فيأخذوه.
стр. 61
ولكن في يوحنا ص: ١٨: أن يهوذا أخذ الجند، فجاء فخرج لهم يسوع، فأخذوه، لما سألهم: من تطلبون؟
فقالوا: يسوع الناصري.
فالذي في متى أن الجند عرفوه بتقبيل يهوذا، والذي في يوحنا أن يسوع هو الذي عرفهم بنفسه.
٥ - وفي لوقا ص: ٢٣ أن الذي حُمِّل الصليب فلاح قيرواني. بينما في يوحنا ص: ١٩
أن يسوع هو الذي خرج وحمل الصليب.
فأية الروايتين هي الصدق؟
٥ - ويفهم من حكاية الأناجيل الثلاثة الأول أن يسوع كان على الصليب حوالي الساعة السادسة، بينما يفهم من يوحنا أنه، في هذا الوقت كان من حضرة ييلاطس.
٦ - كتب متى ومرقس أن اللصين اللذين صلبا معه كانا يعيرانه (مرقس ص: ١٥)
بينما كتب لوقا أن أحدهما عيره، والآخر زجر ذلك الأول الذي عيّر المسيح، وقال له: أولا أنت تخاف اللَّه.
٧ - يُعلم من قراءة إنجيل متى: أن مريم المجدلية، ومريم الأخرى لما وصلتا إلى القبر نزل ملاك الرب، ودحرج الحجر عن القبر، وجلس عليه وقال:
لا تخافا واذهبا سريعا.
بينما يعلم من مرقس أنهما وسالومة لما وصلن إلى القبر رأين أن الحجر مدحرج، فدخلن فرأين شابا جالسا عن اليمين.
بينما نعلم من لوقا: أنهن لما وصلن وجدن الحجر مدحرجا فلما دخلن ولم يجدن جسد المسيح، فصرن محتارات، فإذا رجلان واقفان بثياب براقة".
فمرة ترى مريم ورفيقتها الملك يدحرج الحجر، ثم يأمرهما بالذهاب ومرة نقرأ أن النسوة ثلاثة، وأنهن رأين شابا جالسا فى القبر ثم أخرى أنهن لم يجدن في القبر شيئا!!
стр. 62
٨ - ومن متى نعلم أن الملك لا أخبر المرأتين أنه قد قام من الأموات، ورجعتا لقيهما المسيح في الطريق، وقال لهما: اذهبا وقولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل، وهناك يرونني.
بينما يُعلم من لوقا أن النسوة لما سمعن من الرجلين رجعن وأخبرن الأحد عشر فلم يصدقوهن.
بينما كتب يوحنا أن يسوع لقي مريم عند القبر!!
فانظروا، في هذه الجزئية فقط، على أهميتها، ومكانتها من مسألة الصلب والقيامة، كيف تناقضت فيها الأناجيل!!
٩ - في رواية متى: "ذهب واحد من الاثنى عشر، يدعى يهوذا، إلى رؤساء الكهنة، وقال: ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم؟
فجعلوا له ثلاثين من الفضة.
بينما مرقس لم يذكر الثلاثين من الفضة، ولم يقل: "ماذا تريدون أن تعطوني " ومتى زاد عليه: "فرح الرؤساء".
وذكر متى، وحده، أن يهوذا ردّ الثلاثين الفضة إلى الكهنة، وأنهم اشتروا بها مقبرة للغرباء.
بينما ذكر سفر أعمال الرسل أن يهوذا اشترى بها حقلا، وأنه سقط على الأرض وانسكبت أحشاؤه!!
١٠ - قال متى: إن ذلك المضل قال وهو حي: إني بعد ثلاثة أيام أقوم، فأمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث: لئلا يأتي تلاميذه ليلا ويسرقوه.
وهو يريد أن يقول: كما لبث يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال - سيلبث يسوع في القبر نفس المدة (متى ١٢ / ٤٠) .
وحسب رواية يوحنا ٢٠ / ١ - ٣) لم يلبث نفس المدة، فقد صلب - بزعمه - عصر
стр. 63
الجمعة، وقيل فجر الأحد، والظلام باق لم يجدوه في قبره، يقول يوحنا: وفي أول الأسبوع (يوم الأحد) جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باق، فنظرت إلى الحجر مرفوعا عن القبر، فركضت، وجاءت إلى سمعان بطرس. . . ".
فهل من عشية يوم الجمعة إلى قبل فجر الأحد ثلاثة أيام بثلاث ليال؟
مسألة حسابية يسيرة!
لكن لا عجب في قبولها ممن يقبل أن الثلاثة ثلاثة وهي في الوقت نفسه واحد، مما لا يقره نسق رياضي صحيح (كما قال: B. C)
ثم لا عجب في قبولها ممن يقول. أنا مؤمن؛ لأن ذلك لا يتفق مع العقل (على حد تعبير سان أوغسطين، أحد أئمة المسيحيين، وصاحب كتاب. (الاعترافات)
وصاحب كتاب. (مدينة اللَّه) وهو تحليل ديني للمجتمع، والتاريخ، والثالوث، والذي كان من بين نصوصه المحببة ذلك النص الذي يقول:
لا سبيل إلى الفهم بغير إيمان (أشعيا ص: ٧، ٩ رقم ٢٠) .
* * *
стр. 64
١١ - مسألة نسب المسيح:
عند مقابلة نسب المسيح في (متى) بما في (لوقا) نحد اختلافات منها:
١ - يعلم من (متى) أن يوسف خطيب مريم ابن يعقوب.
ويعلم من (لوقا) أنه ابن هالي.
٢ - يعلم من (متى) أن المسيح من أولاد سليمان بن داود ولكن من (لوقا) أنه من أولاد (ناثان) بن داود.
٣ - يعلم من (متى) أن جميع آباء المسيح من داود إلى جلاء (بابل) سلاطين
مشهورون، ولكن يعلم من (لوقا) أنهم ليسوا سلاطين، غير ذاود وناثان.
٤ - يعلم من (متى) أن من داود إلى المسيح ستة وعشرين جيلا، بينما يعلم من (لوقا) أنهم واحد وأربعون جيلا.
٥ - عند مقابلة الباب الثاني من إنجيل (متى) بالباب الثاني من إنجيل (لوقا) نجد
اختلافا كبيرًا، نكتفي منه بهذين.
الأول: يعلم من متى أن أبوي المسيح، بعد ولادته - كانا يقيمان في
(بيت لحم) ..
ثم ذهبا به إلى مصر، إلى أن مات (هيرودوت) فرجعا بعد موته، وأقاما في
(الناصرة) .
بينما يعلم من (لوقا) أن أبوي المسيح، بعد مدة النفاس، ذهبا به إلى (أورشليم) ، ثم بعد تقديم الذبيحة، ذهبا إلى (الناصرة) فلا سبيل - على كلام (لوقا) إلى ذهاب أبويه إلى مصر، لأنه صريح في أن يوسف لم يسافر قط من أرض اليهود، لا إلى مصر، ولا غيرها.
الثاني: يعلم من (متى) أن أهل (أورشليم) و (هيرودوت) ما كانوا عالمين بولادة المسيح قبل إخبار المجوس، وأنهم كانوا معاندين له.
بينما يعلم من (لوقا) أن أبوي المسيح لما ذهبا إلى (أورشليم) ، بعد مدة النفاس، لتقديم الذبيحة لقيهم (سمعان)
стр. 65
الرجل الصالح، وكان قد أوحي إليه أنه لن يموت حتى يرى المسيح، وأنه - لما لقيه -
أخذه (المسيح) على ذراعيه في الهيكل.، وكذلك (حنة) النبية.
فلو كان (هيرودوت) وأهل أورشليم معاندين للمسيح لما أخبرهم به سمعان في الهيكل، الذي كان مجمع الناس، ولما أخبرت (حنّة) النبية بهذا الخبر في أورشليم، التي كانت دار سلطنة هيرودوت.
* * *
١٢ - مشابه لافتة تدعو إلى العجب .
الذين درسوا الديانات الشرقية القديمة يجدون مشابه بين ديانتين مشهورتين هما:
البرهمية والبوذية وبين المسيحية (بعد المسيح) فإذا كان معلوما أن هاتين الديانتين أسبق من المسيحية، فلينظر امرؤ وما يتدين به وأكتفى، من هذه المشابه بالقليل، مقابلا عبارات كل دين منها بعبارات المسيحية، ومن أراد المزيد فليرجع - إن شاء - إلى كتاب (العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) .
أقوال الهنود في كرشنة:
١ - كرشنة ابن اللَّه.
٢ - كرشنة هو المخلص.
٣ - مجَّد الملائكة (ديفاكي) والدة كرشنة ابن الّله
٤ - عرف الناس ولادة كرشنة من نجمه
الذي ظهر في السماء عرفت البقرة
أن كرشنة إله وسجدت له
٥ - وسمع نبي الهنود (نارده) بمولد
الطفل الإلهي كرشنة فذهب وزاره.
* * *
أقوال النصارى في يسوع:
١ - المسيح ابن اللَّه.
٢ - يسوع المسيح هو المخلص.
٣ - دخل الملاك على مريم العذراء والدة يسوع وقال لها سلام لك أيها المنعم عليها.
٤ - لما ولد يسوع ظهر نجمه في المشرق وعرف الرعاة يسوع وسجدوا له
٥ - ولما ولد يسوع أتى المجوس من المشرق..
قائلين: أين هو المولود ملك اليهود
стр. 66
أقوال الهنود في كرشنة:
٦ - لما ولد كرشنة كان (ناندا) خطيب أمه (ديفاكي) - غائبا، كي يدفع ما
عليه من الخراج.
٧ - وسمع (ناندا) خطب أمه (ديفاكي) والدة كرشنه نداء
من السماء بقوله له: قم وخذ الصبي وأمه فاهرب بها إلى (كاكول)
٨ - وسمع حاكم البلاد بولادة كرشنة وطلب قتل الولد.
٩ - كانت ولادة القديس (راما) قبل ظهور كرشنة. ..
١٠ - في أحد الأيام لسعت حية بعض أصحاب كرشنة فماتوا فنظر إليه بعين
ألوهية فقاموا سريعا.
١١ - وأدل الآيات والعجائب التي عملها
كرشنة شفاء الأبرص.
١٢ - كرشنة صلب ومات على الصليب.
١٣ - لما مات كرشنة حدثت مصائب.
١٤ - وثقب جنب كرشنة بحربة.
١٥ - ومات كرشنة ثم قام من بين الأموات.
١٦ - وصعد كرشنة بجسده إلى السماء
وسوف يأتي وهو يدين الأموات في اليوم الآخرة
* * *
أقوال النصارى في يسوع:
٦ - لما ولد يسوع كان خطيب أمه غائبا عن البيت وأتى كي يدفع ما عليه من الخراج.
٧ - وأنذر يوسف النجار خطيب مريم والدة يسوع بحلم كي يأخذ الصبي
وأمه ويفر بهما إلى مصر.
٨ - وسمع حاكم البلاد بولادة يسوع وطلب قتله.
٩ - كانت ولادة يوحنا قبل ولادة يسوع.
١٠ - بينما كان يسوع يلعب لسعت الحية أحد الصبيان، فلمس يسوع ذاك الصبي فعاد إلى حال صحته.
١١ - وأدل الآيات والعجائب التى عملها يسوع شفاء الأبرص.
١٢ - يسوع صلب ومات على الصليب.
١٣ - لما مات يسوع حدثت مصائب.
١٤ - وثقب جنب يسوع بحربة.
ومات يسوع ثم قام من بين الأموات.
١٥ - وصعد يسوع إلى السماء، ولسوف يأتي وسوف يدين الأموات يوم القيامة.
стр. 67
وأكتفى بنموذج قليل من مشابهة البوذية.
أقوال الهنود في بوذا
١ - ابن الله
٢ - دل على ولادة بوذا نجم ظهر..
٣ - لما ولد بوذا فرحت جنود السماء، ورتلت الملائكة. . قائلة، ولد اليوم بوذا كي يعطي الناس المسرات، ويرسل النور..
٤ - ولم يمض يوم على ولادته حتى حيَّاه الناس، ودعوه إلها.
٥ - وأهدوا بوذا وهو طفل هدايا من مجوهرات وغيرها من الأشياء الثمينة.
٦ - لما كان بوذا طفلا قال لأمه: إنه أعظم الناس.
٧ - لما قصد بوذا إلى التعبد ظهر له الشيطان كي يجربه.
٨ - قال بوذا إنه لم يأت لينقض الناموس
* * *
أقوال النصارى في المسيح
١ - المسيح ابن اللَّه
٢ - دل على ولادة يسوع نجم ظهر في المشرق
٣ - لما ولد يسوع فرحت الملائكة ورتلوا الأناشيد، قائلين: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة.
٤ - ولم يمض يوم على ولادته حتى دعوه إله الآلهة.
٥ - وأهدوا يسوع وهو طفل هدايا من ذهب وطيب ومر
٦ - لما كان يسوع طفلا قال لأمه: أنا ابن الله
٧ - لما شرع يسوع في التبشير ظهر له الشيطان كي يجربه.
٨ - قال يسوع: لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس (١)
* * *
стр. 68
أما بعد:
فما كان أغنانا عن هذا كله، ومن قواعد فقهنا الإسلامي، وآداب ديننا الحنيف، ومن علاقاته الإنسانية، ما حكاه الإمام علي، ﵇: أمرنا أن نتركهم وما يدينون به.
أقول: ما كان أغنانا عن كل هذا، لو أنكم أخذتم بهذه القاعدة الإسلامية الجليلة، وكنا نحن وأنتم في الإنسانية سواء، وكففتم ألسنتكم عن غيركم، وشغلتم أنفسكم بما كشفنا لكم عما هو في دينكم، وعندنا غيره الكثير، وسوف يأتي بعضه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، ولكن من الناس من يرى القذاة في أعين الناس، ولا يرى الخشبة في عين نفسه
(على حد قول الإنجيل) .
أما وقد أبيتم فقد أتينا على بعض ما عندكم، فهيا إلى ما زعمتم مما شبّهتم به وزوَّرتم.
* * *
стр. 69
القسم الرابع
أسئلتهم وبيان الحق فيها
ويشمل الرد على هذه الأسئلة
(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) .
стр. 70
الإسلام حق بيِّنٌ بذاته
والبين بذاته لا يقام عليه دليل، وإنما يشار إليه، وبلفت النظر إليه.
إنك لا تقيم دليلا على ضوء الشمس في شباب النهار، والشمس ساطعة لها أنوار.
وما عليك إلا أن تقول للأعشي: انظر، هذه هي الشمس، فإن لم تستطع، فهذا ضياؤها، وهذا ضحاها، وهذا تجلّيها في سمائها.
فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فاضرب الذكر عنه صفحا، أن كان من المسرفين، فمثله لن يخضع للحق بعدما يتبين، ولو تنزلت عليه الملائكة، وكلمه الموتى، وحشر عليه كل شيء قبلا.
ومثله، ومثل حاله لن يضر الحقَّ!
أرأيت لو قذف غلام البحر بحجر، هل يعكره؟
(وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) .
(وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) .
* * *
стр. 71
السؤال الأول: لماذا يقتل المرتد عن الإسلام ؟
مع أن القرآن يقول: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)
ويقول: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) .
فلماذا هذا التناقض بين النص والتطبيق؟!
وهل يعقل أن إنسانا يفرض عليه أن لا يغير رأيه؟
وعلماء المسلمين أنفسهم يغيّرون رأيهم في مسائل كثيرة، حتى رسولكم
غير رأيه في مسائل عدة، مثل زيارة القبور للنساء، وزواج المتعة.
حتى القرآن نفسه عندما نسأل بعض علماء المسلمين يقولون: هذه الآية
نسخت، أي انتهى حكمها (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) فكيف يطلبون من إنسان عدم تغيير رأيه؟
أين حرية الرأي؟ أين حرية الأديان؟
* * *
الجواب
١ - نحن في موقفنا من تلبيسات هؤلاء الطاعنين في الإسلام، وكتابه، ونبيه، ننطلق من منطلق علمي متجرد؛ لأننا نعلم أن الإسلام، وكتابه، وما جاء به نبيه قد أسس كل ذلك على منهج علمي رصين، لا يخشى تلبيس المشبهين، ولا تزعزع أسسه رياح المضلين.
وعلى هذا المنطلق أريد - قبل الجواب عن حدّ الردة، أن أبين، ما تلزم مصاحبته، واستحضاره دائما، عندما تعرض شبهة على الشريعة الإسلامية. وذلك:
- طبيعة العقوبة في ذاتها.
- وأبين طبيعة العقوبة في الإسلام.
стр. 72
- ثم أبين الطبيعة القانونية لكل من اليهودية والمسيحية والإسلامية.
ثم علينا أن نصطحب هذا البيان في كثير من هذه الشبهات المشككة، كما وجب اصطحابها عند كل شبهة على أحكام الشريعة الإسلامية.
* * *
طبيعة العقوبة في ذاتها:
١ - من المتفق عليه، في عصرنا، بين علماء النفس، ورجال القانون أن الجريمة:
- فساد في نفس المجرم.
- وأن فساد الجريمة وفساد نفس المجرم لا يقفان عند حد الجارم، بل يتعدى الفساد إلى غيره من الأفراد، وإلى المجتمع، وأن أول من يؤثر فيه هذا الفساد أهله وأسرته، وأقرب المحيطين به، والمخالطين له.
- ومن المتفق عليه أن العقوبة إصلاح للجارم، ووقاية للمجتمع من فساده، وزجر لغيره، من ذوي النفوس الضعيفة، عن الاقتداء به.
- ومن المتفق عليه كذلك أن ترك المجرم يستمتع بجرمه، إنما هو إقرار له على جريمته، وإغراء لغيره بسلوك مسلكه!
- كما أن من المتفق عليه أن مصلحة الفرد، غير مقدمة على مصلحة المجتمع بل تقدم مصلحة المجتمع وإن تعارضت ومصلحته، وحريته، ذلك لأن مصلحة المجتمع مصلحة كلية عامة، تعود على مجموع الأفراد، بمن فيهم ذاك الفرد نفسه، بينما مصلحة الفرد نفسه جزئية تخصه، وضررها يعود على المجموع بمن فيهم ذاك الفرد.
هذا كله عندما تتعارض المصلحتان.
- بل إنه من المتفق عليه أنه إذا تعارضت حياة الفرد وحياة الجماعة أهدرت حياة الفرد، اعتباراً لحياة الجماعة.
وما إقرار الناس على مدى تاريخ البشر لمن يبذل روحه دفاعا عن جماعته، وأمته -
стр. 73
إلا اعتراف صريح صحيح بهذا المبدأ.
- وكذلك إقرار الفرد، والجماعة لبذل النفس والنفيس في سبيل (المبدأ) .
ولعل هذه التضحية في مقدمة الأسباب التي تحمي حياة الجماعة، وتحفظ عليها
بقاءها، وتأخذ بيدها إلى التقدم والترقي، وأنه بدون هذا البذل، تبيد الجماعة كأن لم تغن بالأمس.
٢ - فإن شككتم في ذلك، فاقرءوا ما في سفر التثنية ص: ١٧ من قوله. "إذا وُجد في وسطك رجل، أو امرأة، يفعل شرا، ويعبد آلهة أخرى..
قد عمل ذلك الرجس في إسرائيل، فأخرج ذلك الرجل، أو تلك المرأة وارجمه بالحجارة حتى يموت. . فتزج الشر من وسطك ".
وفي الإصحاح نفسه: "والرجل الذي يعمل بطغيان، فلا يسمع للكاهن، أو للقاضي يقتل ذلك الرجل، فتنزع الشر من إسرائيل".
هذا كتابكم ينطق عليكم بالحق: الرجل الذي يخرج عن دين إسرائيل، والرجل الذي يعمل بطغيان، فلا يسمع للكاهن، ولا للقاضي يقتل، فينزع الشر من جماعتكم.
فماذا تنقمون من الإسلام؟!!
لقد كان لهم - كما سبق مني القول - شغل بما في كتابهم، لو كانوا منصفين.
لِمَ لَمْ يسألوا أنفسهم - أمام كتابهم - أين حرية الرأي؟
إن من يوجد هذا التشريع في كتابه، ويؤمن به كنصٍّ مقدس، ينبغي له أن يكف عن البحث عن عيب لا وجود له في شرع الإسلام.
وفي سفر التثنية ص ٢٢/٢٢)
"وإذا وجد رجل مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان.
فتنزع الشر من إسرائيل".
وفي سفر اللاويين ص: ٢٠:
"كل إنسان أعطى من زرعه لِموُلَكَ فإنه يقتل، يرجمه
стр. 74
شعب الأرض بالحجارة. . كل إنسان سب أباه أو أمه فإنه يقتل. ..
وإذا اتخذ رجل امرأة وأمها بالنار يحرقونه وإياهما لكي لا يكون رذيلة بينكم.
وإذا جعل رجل مضجعه مع بهيمة فإنه يقتل والبهيمة تميتونها.
وإذا اقتربت امرأة إلى بهيمة لنزائها تُميتُ المرأة والبهيمة. ..
وإذا كان في رجل أو امرأة جانٌ أو تابعه فإنه يقتل بالحجارة يرجمونه "
وإن صح أن بالإنسان جنا فما ذنبه حتى يرجم إلى الموت؟
ألا إن في هذه الأمثلة ما يكفي لإسكات المغرضين، لو كانوا منصفين، لكنهم يتناسون ما عندهم، ويحسبون المسلمين يجهلون ما عندهم، فيتغاضون عن عيوبهم، ويعيبون ما لا عيب فيه!!
* * *
العقوبات في الإسلام:
١ - إذا تبين لنا - على ما سبق - طبيعة العقوبة في ذاتها، وتأكدت هذه الطبيعة بما عوضتُ من بعض نصوص شريعة التوراة التي بأيديهم، وما فيها من إصر - أقول: إذا تبين هذا وذاك فلم تكن هناك حاجة، ولا حجة لمن يختص الإسلام بالنقد في شريعة الحدود؛ لأنه لم يفرض على جريمة من الجرائم عقابا أقسى مما فرضته الأديان الكتابية قبله، بل ومما فرضته الشرائع الوضعية.
٢ - وههنا أمور يجب التنبيه عليها:
أولها: أن الحدود في الإسلام لم تشرع لإيجاد مجتمع صالح، إنما للحفاظ على
مجتمع بلغ صلاحه حدّ (المثالية) .
وإننا لنعلم - في عصرنا مجتمعات جعلت شريعة الجرائم، وعلى قائمته، عقوبة الإعدام، أكبر وسائلها لتحقيق الأمل في إيجاد مجتمع تخيله حلمهم، وصفحات التاريخ ملأى بما فعلت الثورة الفرنسية، وبما فعلت الثورة الشيوعية، وما فعل، في
стр. 75
مصر، محمد علي في مذبحة القلعة.
ثانيها: أن الروح العام في التشريع الإسلامي، في إثبات جرائم الحدود - هي روح التسامح، لا روح المتعطش إلى الدماء، على نحو ما علمنا من بعض التشريعات الكتابية السابقة، وما كان من الحركات الاجتماعية التاريخية.
ومن ثم كان من قواعد الإسلام: درء الحدود بالشبهات، وقبول التوبة عنها، وتفسير الشبهة لمصلحة المتهم، وأن إطلاق المذنب خير من إدانة البريء بينما كانت قاعدة الكنيسة في مواجهة حركات الإصلاح والبدأ الذي اعتنقته محاكم التفتيش كان يقول: لأن يدان مائة بري زورًا وبهتانا ويعانون العذاب ألوانًا خيرُ من أن يهرب من العقاب مذنب واحد.
ثالثها: من منافذ الخطأ فى فهم النظام الاجتماعي الإسلامي اتخاذ بعض المصطلحات الحديثة معيارًا لهذا النظام، مع تجاهل اضطراب هذه المصطلحات، وعدم الاتفاق على تحديد مدلول المصطلح، واختلاف هذا المدلول من زمان إلى زمان، ومن أمة إلى أمة.
وذلك كمصطلح: الحرية.
فلسنا نعلم أمة ولا جماعة أطلقت هذا المصطلح من كل قيد، فما من أمة أو جماعة إلا قيدته بقيد أو أكثر بحسب ما ترى فلسفة نظامها الاجتماعي.
فلا ضير على الإسلام - بمقياس العصر - إن هو قيد
مصطلح الحرية بما يتفق ونظمه الاجتماعية، وأنه لم يكن بدعا في ذلك، سواء قيس بما قبله، أم بما بعده، أم بها جميعا.
رابعها: أن أساس التحريم، في المعاملات في الإسلام، إنما هو حصول: الضرر، أو الغبن، أو حطة في العقل والأخلاق، فكل ما كان فيه: ظلم، أو إكراه، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو بغير حق فهو حرام.
وأن أساس التجريم في العقوبات، هو ما يعود بالإفساد على العقل، أو القلب، أو العِرض، أو المال، أو على النفس.
خامسًا: ولعل أهم منافذ الخطأ، هو الخطأ في مفهوم الإسلام نفسه.