← Общие книги

Общие книги · id 7834

الرد الجميل على المشككين في الإسلام من القرآن والتوراة والإنجيل والعلم

عبد المجيد حامد صبح

Полный текст (216 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تهربون من دينونة جهنم (متى ٢٣ / ٣٣) فها هو يحكم بهذا الحكم على (القادة الدينيين) الذين انحرفوا ورفضوا المسيح. وجاء في يهوذا (١/٦) الملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم.. كان جزاؤهم الهاوية. وكان الطوفان (ر. بطرس ٢/ ٤ وتكوين ٦ / ٤ - ٥) . وتحدث (صموئيل) عن نبوته وقضائه الصالح، فلما كبر، أقام ابنه مقامه. أفسد وظلم وأخذ الرشوة (صموئيل الأول (٢/ ١٨، ٢٥ / ١) فهل يستوي هذا اليهودي المفسد وأبوه الصالح؟ هذا ما سجله القرآن في سورة الأعراف (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) . * * * والخلاصة أن عقيدة المسلم أن السابقين على الإسلام من أهل الأديان جميعا لهم أجرهم عند ربهم، كمن آمن بالله ورسوله محمد ﷺ ، وهو ما سجله القرآن في آية سورة البقرة (٦٢) التي استشهدتم بها على غير بينة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) . وأن من آمن منهم بنبيه وبمحمد فله أجره مرتين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ. .) (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ. . .) يالعظمة العدالة في سمائها التي لم ينلها غير الإسلام. ماذا تبغون؟ هل فوق ذلك مرتقى؟ ألا إنه ليس أقدر من الإسلام على تقريب الشقة بين أهل الأديان!! * * *

стр. 177

السؤال الثامن: الإسلام حط من شأن المرأة في قضايا كثيرة: فهي تعامل كشيء مملول منه، وأنها مواطن من الدرجة الثانية . والدلائل كثيرة، منها: * قول نبيكم: الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة. * يرث الرجل ضعف المرأة. * شهادة الرجل بشهادة امرأتين.. * الحجاب، وقيود كثيرة من زوجها، وليس على الرجل قيود، والرجل يذهب إلى الشاطئ، ويلبس المايوه، وامرأته عنده خادمة، تلبس الحجاب في الحر الشديد، وتنتظر (السيد) حتى يخرج من البحر. وقد شاهدنا ذلك على شواطئ كندا. أقوال كثيرة من نبيكم تهين المرأة. منها: لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. وقوله: من الفأل الحسن: المركب الحسن والمرأة الصالحة والدار الفسيحة! أين الأحاديث التي تدين، وتهين الرجل؟ فهل هذا دين عدل ومنطق؟ الرجل يتزوج من أربع، والمرأة غير مسموح لها! الرجل المسلم يتزوج غير المسلمة، ولا يسمح للمرأة المسلمة أن تتزوج بغير المسلم؟ إذا نشزت المرأة تضرب، وإذا نشز الرجل لا يضرب إ! * * * جواب السؤال الثامن ١ - أقول: (مسألة المرأة في الإسلام) من المسائل التي لغط بها كثيرون ممن يهاجمون الإسلام. ولصاحب هذه السطور كتاب في بيان وجه الحق في هذه المسألة بعوان: (المرأة في الإسلام، مكانها ومكانتها) في حوال مائة وخمسين صفحة يجيب فيها

стр. 178

على أساس الحقائق النظرية، والأمور الواقعية عن كل ما يثيره اللاغطون في موضوع المرأة. وعند الأخ حامد نبوي - في بروكلن - نسخة منه، وهو منكم قريب، لمن شاء أن يستبين. وكان حريا لي أن أحيلكم إلى هذا الكتاب، ثم نكف عن سؤالكم. ولكن ليتمكن المريد من الاطلاع على الحق والحقائق أوجز الجواب. وفي حديث نبينا: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس. ٢ - في إنجيل متى ص: ١٥) : وإذا امرأة كنعانية، صرخت إليه، ارحمني يا سيد، يا بن داود، ابنتي مجنونة، فلم يجبها بكلمة، وطلب إليه تلاميذه أن يصرفها، فأجاب: أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة. فأتت وسجدت له قائلة أعني. فأجاب: ليس حسنا أن يؤخذ خبز النبيين ويطرح للكلاب. فقال: نعم يا سيد والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أربابها. . . ". ها هنا امرأة تستغيثه فيأبى لأنها من غير جنسه. فتسجد له، فيجيبها: إنها من الكلاب، وما الكلاب إلا كل الشعوب غير الإسرائيلية. وهذا معنى تؤكده الأناجيل كلها. فهل هناك، إهانة (للإنسان) كله رجالًا ونساء أشد من ذلك. ٣ - وفي سفر التكوين ص: ٣ ما خلاصته أن الحية أغوت حواء، وأن حواء (المرأة) أغوت آدم، والنتيجة: لعن اللَّه الحية، وحكم بالتعب على المرأة، وباشتياقها إلى الرجل، وسيادة الرجل عليها. وكذلك حكم على الأرض باللعنة" هذه مكانة المرأة في كتابكم المقدس. وهذه الكائنات غير المكلفة تلعن بسببها، الحية والأرض. قايسوا هذه القصة بما في القرآن الكريم وقد ذكرت في ثلاثة مواضع في سورة البقرة والأعراف وطه وليس فيها أن حواء هي التي أغوت آدم، وبذلك برأ المرأة. وهذا المعنى تشير إليه الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس ص ١١، وكذلك في تيموثاوس الأولى ص ٢. فأين هذه المنزلة من منزلة المرأة في الإسلام. وفي هذه النصوص المقدسة عندكم دلالة على انقسام هذا النوع الإنساني إلى ذكر وأنثى إلى رجل وامرأة. وهو اعتراف (ديني) تؤيده حقائق الواقع، وبدهيات العلم. فكل دعوى

стр. 179

تزعم المساواة المطلقة وعدم الفوارق بينهما تكون من لغو الكلام الذي لا ثقل له في ميزان دين أو علم أو واقع؟ لقد ترجمت قصة الشجرة سر الجنس الكامن في طبائع الأحياء جميعها، بين الإرادة والإغواء، والمطاردة والانقياد ويؤكد (العلم) ذلك بما في الخلايا الجسدية التي يتركب منها كيان الذكر والأنثى عامة، والرجل والمرأة خاصة، آفة عصرنا أنه مولع بمخالفة القديم، كل القديم، على هدى وعلى غير هدى. ٤ - يمتاز الرجل بالخصميتين، وتمتاز المرأة بالمبايض، ولكل من هذه الميزة وظيفة على جانب كبير من الأهمية. خصيتا الرجل تولد الخلايا الذكرية، ومبايض المرأة تولد الخلايا الأنثوية. وهذه وتلك تفرزان في دم الرجل والمرأة مواد معينة، تختلف في الرجل عنها في المرأة، مواد الرجل تطبع فيه خصائص ذكرية، مثل الجرأة والقوة.. بينما مبايض المرأة تفرز خصائص أنثوية. هذه المواد توجد الفوارق بين الرجل والمرأة، فوارق لا حيلة للرجل ولا للمرأة فيها، ولا للمجتمع، بل ولا للعلم فالعلم لا يوجد معدوما في الواقع أوفي العقل، وإنما يصف الواقع، أو يفسره. فكل دعوى تزعم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة إنها خيال يصوره الهوى، والبعد عن العلم. ٥ - ومفارقة أخرى في المقياس، تلك هي جعل حال المرأة الغريبة هي مقياس التقدم مع مخالفتها للعلم، وللدين، حتى دينهم، وهي حلقة من حلقات تشويه الإسلام، بقصد حماية الاستعمار في البلاد الإسلامية. تلك الحملة الفكرية التي عمدت إلى تشويه كل قيم الإسلام فالزكاة ما هي إلا تطهير للمال النجس. والجهاد ما هو إلا اسم للعدوان، وعدم ولاية المسلم للكافر ما هي إلا رفض للتعاون الإنساني. وفكرة العودة إلى القرآن عند الاختلاف ما هي إلا ردّة إلى الجهالة والبدائية. وفكرة قوامة الرجل في بيته ما هي إلا فكرة التفوق الجنسي، واستبقاء لرذيلة الرق. حتى فكرة التوحيد هي عند (رينان) الفرنسي مهانة للإنسان بالاستعلاء الإلهي، الذي لم يتواضع فيه الإله وينزل للبشر ويتشبه بهم!! وهكذا يستطع صاحب الهوى بأن

стр. 180

يعيب الشمس بضيائها والقمر بنوره والماء الفرات بعذوبته. . .!! ٦ - فالحقيقة أن كل خلية من خلايا جسم المرأة والرجل تحمل طابع كل منهما. إن الرغبة في المساواة المطلقة لا يمكن إحلالها محل الواقع. وواقع القانون الفسيولجي. وما يترتب عليه من الفوارق السيكولجية شواهد بالفوارق بين ذكورة الرجل وأنوثة المرأة. ومن اللجاجة الفارغة الزعم بأن الرجل والمرأة نوع واحد. كما آثرت (وثيقة المرأة) ، وطالبت بإلغاء كلمتي (. . .) التي تعنى الذكر والأنثى واستعمال كلمة (. . .) التي تعني النوعين معا. وزعمت تلك الوثيقة أن الفوارق وهمية! وهو زعم يكذبه العلم؛ لأن طبيعة الخلقة تأبى أن تنشئ جنسين مختلفين لتكون لها صفات الجنس الواحد، ولو كانت الصفات والخصائص واحدة لا نعدمت الاثنينية، ولكان الجنسان شيئا واحدا، ولما كان للفظ الرجل ولفظ المرأة معنى، وللزم أن نسميهما باسم واحد لا دلالة فيه على ذكورة ولا أنوثة، ولو استطعنا ذلك بالمكابرة في شأن الإنسان فما لنا من حيلة في شأن الكائنات الحية من النبات والحيوانات، وما شأن الإنسان في الذكورة والأنوثة إلَّا كشأن سائر الكائنات الحية! إن هذا الاختلاف الذي خلقه اللَّه لم يخلق ليلغيه الإنسان، أو ليكون في قدرته إلغاؤه. إنما خلق للاعتراف به، وتوجيه وجهته الملائمة. وفي ذلك صلاح الإنسان وصلاح الحياة. إن المرأة يزودها اللَّه بالعطف، والحنان، والرقة، والرفق بالطفولة، والصبر عليها، والقدرة على فهمها، والسهر على رعايتها في أطوارها الأولى، بل وباللذة في ألم الحمل والولادة، والرعاية. . إنها لم تزود بكل ذلك لتهجر البيت، وتزاحم الرجال في المصنع والسوق. .. إن الأمة لن تخسر شيئا إذا فقدت المرأة المهندسة أو المحامية ولكن الأمة سوف تخسر كل شيء إذا فقدت المرأة الأم،

стр. 181

٧ - المنطلق الفلسفي للرؤية الإسلامية: من عجائب التشريع الإسلامي، وعجائبه كثيرة، موافقته في مسألة المرأة لحقائق العلم، وفلسفته فيها، تلك الفلسفة التي يمكن التعبير عنها في كلمة واحدة هي: إنسان. تلك الكلمة التي رفعت هذا الخلوق عن كل ما سواه. هذه (الإنسانية) واحدة في الرجل والمرأة على سواء. ونتيجة هذه المساواة الطبيعية أن كل ما هو حق، أو واجب من جهة الإنسانية تستوي فيه المرأة والرجل، فتكاليف: العقيدة، والعمل والدعوة إليها، وفضائل الأخلاق، ونشرها في المجتمع ومطالب العقل والروح، في العبادة والعلم والفكر والذكر. ومطالب الجسد وحظوظه من المتعة والطعام والشراب والمأوى والكساء. والنظافة، والزينة. .. هذه كلها يتساوى فيها الجنسان. وعلى هذا جاءت آيات القرآن: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) . لكن المرأة، وإن كانت إنسانا فإنها (نوع) منه. إنها (نوع) من الإنسان منفرد بخصائصه، كان من الحق والعدل والمصلحة، ومطابقة العلم - ألا تحمل من خصائص (النوع) المقابل لها، ولا من وظائف خصائصه. وهذا ما فعله الإسلام، إذ ساوى بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات الإنسانية، ولم يسو بينهما في الاختلاف النوعي، إذ ليس من العدل التسوية بين المختلفين خلقة وخصائص. فهذه التسوية هي الظلم بعينه. لقد وزَّع الإسلام التكاليف، والحقوق والواجبات بينهما على أساس من الاستعداد الطبيعي، والتكاليف الاجتماعية. وقامت معاملة المرأة على: - الأصل الجامع: (الإنسانية) - والنوع الفارق (الذكووة والأنوثة)

стр. 182

فما هو من حق الأصل الجامع، كحق الحرية المؤمنة المهذبة، وحق الرأي، وحق الكرامة الإنسانية، وحق الحياة، وحق الملكية، والتصرف فيها، وحق التفكير، وحق التعلم والتعليم، وحق التسامي والشوق إلى الكمال، وحق الجهاد، والمجاهدة في سبيل قيم الدين والأخلاق، وحق الدفاع عن نوعها، والمطالبة بحقوقها المشروعة. .. كل هذا للمرأة من حيث الأصل الجامع. أما ما هو من خصائص النوع الفارق فقد حط عنها الإسلام تكاليف المشقة، كمشقة السعي على المعاش، ومشاق الحروب، ودهاليز السياسة ومكرها، وأعباء السلطة. في سيكولوجية (الجنس) من مباحث علم النفس، والدراسة المقارنة يين الرجل والمرأة، تبينت جملة حقائق، منها: - في الخصائص الجسمية: هناك اختلافات أدق، من حيث الوظائف الفسيولوجية والتركيب الكيماوي للسوائل العضوية. وترجع هذه الاختلافات، في أصلها إلى التركيب الدقيق للخلايا لكل من الذكر والأنثى فمن المعلوم أن نواة الخلية تحتوي على عدد من العوامل الوراثية المختلفة التي تعين الخصائص الجسمية، ومنها الخصائص التي تميز بين الجنسين: فمتوسط وزن الجسم، عند الولادة أكبر عند الذكر منه عند الإناث بمقدار ٥%، وتصل هذه الزيادة عند الشهر العشرين إلى ٢٠%. . وفيما يختص بطول القامة فالنمو يسير وفقا لسير النمو في وزن الجسم. كذلك نجد الصبي يفوق البنت من حيث القوة العضلية، ويفوقها في القوة العضلية لقبضة اليد اليمنى بمقدار ١٠ % في سن السابعة ثم تسير الزيادة حتى سن العشرين حتى تصل إلى ٥٥ - ٦٠% في حين أن نمو القوة العضلية في البنت يميل إلى التوقف عند سن السادسة عشرة، كما أن استجابة الصبي العضلية أشد منها في البنت، فهو أميل إِلى الحركة وإلى النشاط العضلي الخارجي. وهناك فرق بين الجنسين في مقدار سعة الصدر، ومقدار التنفس (القوة الحيوية) . ومما هو جدير بالملاحظة أن النسبة بين القدرة الحيوية ووزن الجسم تكون دائما أكبر في الذكور وفي جميع الأعمار وإلى هذه القوة الحيوية يرجع تفسير ما يلاحظ على الرجل من نزوعه إلى العدوان،

стр. 183

والسيطرة في العلاقات الاجتماعية. أما فيما يتعلق باكتمال النضج فالبنت تفوق الصبي ففي جميع الشعوب ودي جميع مناطق الأرض تصل البنت إلى البلوغ قبل الصبي. وكذلك تفوق البنت الصبي في سرعة نمو هيكلها العظمي وفي ظهور الأسنان وقدرتها على المشي وفي الخصائص الحسية والحركة. تبين أن المرأة تفوق الرجل في القدرة على تمييز طعم المالح والحلو والحامض. كما أن المرأة تفوق الرجل في القدرة على تمييز الألوان، وفي التمييز بين درجات الألوان. والرجل يفوق المرأة في القدرات الميكانيكية. ومن المسلم به تفوق المرأة على الرجل فى تصوراتها الذهنية البراقة ويتفوق البنون على البنات في القدرة الحسابية والرياضية. وفي الميول والاتجاهات: تبين أن البنات يملن إلى جمع الصور، وقطع الأقمشة، وإنما يميل البنون إلى جمع طوابع البريد وقطع الأحجار والصخور. وفي القراءة فالكتب التي تستهوي البنين هي كتب المغامرات العنيفة والرحلات والاستكشافات والأخبار العلمية، وتراجم الأبطال من الرجال. أما البنات فيملن إلى قراءة قصص الحب والمغامرات التي يكون أبطالها من الأطفال، وبصفة عامة: الكتب التي تصف ألوان النشاط النسائي.. (د. يوسف مراد: سيكولوجية الجنس) أرجو إعادة قراءة هذه الدراسة وتدبرها، ثم مراجعة النظرة الفلسفية لرؤية الإسلام إلى الأصل الجامع، والنوع الفارق لندرك المطابقة العجيبة، بين شريعة الإسلام وحقائق العلم والفلسفة. * * * ٩ - مسألة القوامة . لست أدري كيف ساغ لمن في كتابه المقدس، كما تقدم عن سفر التكوين، من

стр. 184

قول الرب: إلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك - كيف ساغ لمن يؤمن بكتابه، وهذا إخباره المطلق بسيادة الرجل على المرأة أن ينكر على الإسلام قوامة الرجل على بيته فقط. فإن تحلل من دينه وكتابه فهل يمكنه التحلل من العلم، وهذه بعض نتائج بحوثه. فإن لم تكفه شهادة دينه، ولا حقائق العلم التطيقي أفلا تكفيه شهادة علم الاجتماع الذي يحتم، لسلامة الجماعة وجود أمير مطاع؟ إن قوامة الرجل على بيته، في درجة القيادة التي لا بد منها لكل جماعة. وهي قوامة استحقها بتفضيل الفطرة، ثم بما فرض الإسلام على الرجال من واجب الإنفاق على المرأة. يقول الأستاذ العقاد: وهو واجب مرجعه إلى واجب الأفضل لمن هو دونه فضلا، وليس مرجعه إلى مجرد إنفاق المال. فإن لم يكف هذا المعترض دين ولا علم، أفلا يكفيه شهادة التاريخ، تاريخ بني آدم منذ كانوا قبل نشوء الحضارات والشرائع، وبعد نشوئها. والإسلام في مسألة القوامة هذه منطقي مع نفسه، فالرسول يقول: "إذا كنتم ثلاثة فأمروا" هذا في السفر وهو حال عارضة، فما بالكم بالحال الدائمة، في الأسرة وتبعاتها نحو نفسها، وذريتها، ونحو مجتمعها وأمتها؟ أتترك بدون قيِّم. هذا فكركم ونظامكم الذي ترتب عليه كما قال فيلسوف فرنسا وعالمها الاجتماعي "جوستاف لوبون " في كتابه (سر تطور الأمم بالمساواة بين الرجل والمرأة) صار الرجل الأوربي من الرحّل لا بيت يأويه ولا أسرة يسكن إليها. هذه دعوتكم في مؤتمرات المرأة، وهذه حال البيت عندكم. تقيسون عليها مع كثرة الشكوى حتى من أهلها. ذلك البيت الذي أبيح فيه للمرأة أن تخالط المرأة، وللرجل كذلك. يقول الأستاذ العقاد، ﵀: إنه لمما يؤسف له من آفات العصر الحديث زيغ الفكر الاجتماعي في المسائل الإنسانية الجلية، كمسألة التفريق بين الجنسين في الكفاية وفي الوظيفة. أما حديث الرسول عن سجود المرأة لزوجها

стр. 185

فأنتم لم تنكروا سجود المرأة الكنعانية ليسوع بن داود لمجرد طلبها منه ذاك الطلب الإنساني لشفاء ابنتها أما درجة هذا الحديث فإنه لم ييلغ درجة الأحاديث الصحاح؛ لذلك لم يروه الشيخان، البخاري ومسلم، وبعض طرقه ضعيف. أما من حيث تركيبه اللغوي فإنه يدل على امتناع معناه حيث يقول: "لو كنت آمرا. . . لأمرت. . .". ومعناه: امتناع الأمر بسجودها لامتناع أمره بسجود أحد لأحد. ويظل معناه: التعبير عن عظم حق الزوج على امرأته، وهو أمر لا ينكره الطبع السوي. وأما من حيث واقعه، فلم يحفظ تاريخ المسلمين سجود امرأة لزوجها بل حفظ عنهن تمام كرامتهن، كما حفظ احتفاظها برأيها، وما لها وشخصيتها. إن عمر بن الخطاب لم يستطع أن يمنع امرأته عن الذهاب إلى المسجد حتى في ظلام الليل في العشاء والفجر. إن طبيعة الحب والوفاء ترفع بين المتحابين فواصل المكانة، وقد كان الحجاج على جبروته يقبل رِجْل امرأته. وأصل السجود في اللغة: التطامن والتذلل. ولا شك عندما تحب المرأة زوجها فسوف تكون كذلك عن رضا واختيار. وهو ما يرضي عاطفتها الأنثوية، فتسعد بهذا الإرضاء. ومن معاني - السجود في اللغة القيام بالرعاية والمصلحة، ولا شك أن المرأة في ييتها هي قيمته، وراعية زوجها وأولادها، ومدبرة شئون منزلها. وكم من بيوت خربت لسوء المرأة في القيام على هذه المصالح وكم من بيوت سعدت، وغنيت بحسن قوامة المرأة. هذه هي معاني السجود في الحديث، وهي معان لا يدركها إلا من ذاقها من رجل وامرأة. وبذلك ندرك أن المرأة الصالحة هي خير متاع الدنيا، إذا صلحت صلحت حال الرجل والأمة، وإذا فسدت فسدت حال الرجل، وضاع الأولاد، وكان شقاء الحياة. إنها معان من حقائق النفس الإنسانية يشهد بها العلم، وتقيم لها التجربة ألف

стр. 186

شاهد وشاهد. * * * ١٠ - أما مسألة شهادة المرأة: الزعم بأن شهادة المرأة مطلقا على النصف من شهادة الرجل مطلقا إطلاق غير سديد، وغير مطابق للحق، وغير علمي. أما أنه غير سديد فإن من حالات القضاء ما تقدم فيه شهادة المرأة، وذلك في كل ما هو من شئون النساء. وأما أنه مطابق للحق فإن المرأة الواحدة إذا شهدت، وظهر الحق بشهادتها فلم يقل الإسلام بأن شهادتها تردّ، وقد فرَّق الرسول ﷺ بين زوجين لشهادة أمة سوداء أنها أرضعتهما. وقال أبو داود في سننه: باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به. وفي المقابل ترد شهادة الرجل إذا كان موضع ريبة، أو عدم ضبط، كما نهى الرسول عن قبول شهادة البدوي على أهل الأمصار. وأما أنه غير علمي فلأن جعل شهادة المرأة على النصف من الرجل فإنما هو في (التوثيق والتحمل) وليس في الأداء، التوثيق في مسائل المال والاقتصاد. وقد تقدم تحقيق علم النفس تفوق البنين على البنات في مسائل الحساب والرياضيات، وكذلك في القدرات الميكانيكية. ومع ذلك قال الإمام ابن تيمية: القرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتين في طرق حكم القاضي التي يحكم بها، وإنما ذكرها في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه وما تحفظ به الحقوق شيء، وما يحكم به الحاكم شيء، فإن طرق الحكم أوسع من الرجلين والمرأتين. فالمسائل المالية والاقتصادية ليست من طبيعة المرأة، فوعيها لها لا يكون كوعي الرجل. فالحكم منوط بطبيعة الشاهد؛ لذلك ردّ شهادة البدوي على الحضري. فلما كانت مسائل المال ليست من شأنها جعل توثيقها برجل وامرأتين. وهذا يتضمن نوعا من التكريم. لم يحظ به (الرجل البدوي) فإنه لم يرفض شهادة الواحدة، بل استوثق لها باستشهاد أخرى معها.. وذلك كما خفف عنها عبء القتال، ولكنه لم يمنعها من حضوره والمشاركة فيه، فإن حضرته كان جزاؤها كجزاء الرجل سواء بسواء.

стр. 187

١١ - أما مسألة الميراث: فمصيبة جهلكم فيها أشد، وأشد منه تعصبكم على الحق بنسيان ما عندكم. ويتضح هذا من المقابلة بين مركز المرأة في حقوقها الشرعية، كما نصت عليها كتب التوراة، ومركز المرأة في حقوقها الشرعية التي قررها الإسلام بأحكام القرآن. ففي (سفر العدد ص: ٢٧) ما خلاصته أن حق الميراث تحرم منه البنات إذا كان للميت المورث ابن، فإن لم يكن له ابن ورثت البنت بشرط ألا تزوج في غير سبطها؛ لئلا يخرج المال عن سبطها وهل تعلمون أن المسيحية لا قانون فيها للميراث. والأقباط في مصر يتوارثون بقانون الميراث الإسلامي. وفي اليهودية أن الزوجية سبب للميراث بالنسبة للزوج دون الزوجة. وفيها أن الابن الأكبر له مثل حظ اثنين من إخوته الأصغر سنًا منه. أما الأم فإنها لا ترث من ابنها ولا من بنتها. لقد كان هذا كافيا لذي حياء عن زعمه ما زعم عن الإسلام وهنا سؤال مهم: هل المرأة، في الإسلام، على النصف من الرجل في كل مسائل الميراث؟ القول بهذا الإطلاق جهل بعلم الميراث: هناك مسائل كميرة ترث فيها المرأة مثل الرجل، ومسائل ترث فيها أكثر من الرجل، ومسائل ترث فيها المرأة وتحجب الرجل. ولو كان لكم طاقة بهذا العلم لضربت لكم الأمثال ولكن حسبكم ثلاث: مسألة يتساوى فيها الرجال والنساء: إذا مات وترك: إخوة وأخوات لأم فلهم ثلث التركة، حظ المرأة كحظ الرجل. وكذلك إذا مات وترك: بنتين وأخا، فلكل ثلث التركة. * * * مسألة ترث فيها المرأة أكثر من الرجل إذا مات وترك بنتين وزوجة وعما: الزوجة: ٣ / ٢٤ البنت: ٨ / ٢٤ البنت الأخرى: ٨ / ٢٤ العم: الباقي: ٥ / ٢٤

стр. 188

مسألة تأخذ فيها المرأة وتحجب الرجل إذا مات وترك: بنتا وأختا وعمًا: البنت: ١ / ٢ الأخت: ١ / ٢ العم: لا شيء أما عندما تكون المرأة على النصف من الرجل، فانظروا هذه الحقائق: تكون المرأة مستقلة بحقها، ولها ذمتها المالية المستقلة، وغير ملزمة بالإنفاق على نفسها من مالها ولا على أولادها. والرجل (صاحب الضعف) يدفع لها من ماله مهرها. وهديتها، وينفق عليها وعلى أولادها منه. فأيها أوفر حظا؟ إن المرأة في بلاد الغرب، قد يتركها مورثها ويوصي بكل ماله لكلبه! وهي ليست لها استقلال بذمتها المالية عن زوجها، فأي المرأتين أوفر حظا، وأكرم على أهلها. إن الميراث، في الإسلام، يقوم على رعاية: الأعباء الملقاة على الوارث، وعلى درجة القربى. كما يقوم على الحق والعدل والمصلحة. وهو نظام لا ينفصل عن نظام الأسرة، والأسرة دعامة المجتمع، ولو عمل الناس، منذ القدم آحادا متفرقين، من غير أسرة. لما بلغت الإنسانية شأوها التي هىِ عليه اليوم، والأسرة هي منبت العواطف الإنسانية في المجتمع كله، ولولا تربية العواطف عند النشأة في الأسرة لما عرف المجتمع كله عواطف التراحم والتعاون والمودة، ولا معاني التكامل والرعاية. بذلك يكون انهيار الأسرة هو خطوة الهدم الأولى، والمعول الأول في نقض بنيان المجتمع كله. فرعاية الأسرة بما فيها مسألة الميراث، فريضة تشريعية، وهي كذلك فريضة طبيعية، تمليها الفطرة وتمليها الشريعة، وافقت فيها الشريعة الفطرة والطبيعة! * * * ١٢ - فما بال مسألة الحجاب: يا أهل الكتاب، الذين تعيبون المسلمين، باحتشام نسائهم ماذا يقول كتابكم عن نسائكم؟

стр. 189

- في سفر التكوين ص ٢٤: حديثه عن (رفقه) ولبسها البرقع استتارا من إسحق. والبرقع، الذي يستر كل الوجه لم يذكر في القرآن. ومثل هذا في التكوين ص: ٣٨) وفي أشعياء ص: ٣) . وحكم المتبرجات من بنات صهيون في قوله: (يصلح السيد هامة بنات صهيون) (أشعياء ص: ٣) . وفي رسالة (تيموشاوس) الأولى: ولكن لست آذن للمرأة أن تُعَلَّم ولا تسلط على الرجل، بل تكون في سكوت". ويقول: وكذك أن النساء يُزَيِّن ذاتهن بلباس الحشمة، مع ورع وتعقل. ". ويقول جبران خليل جبران في كتابه (النبي) : ولا يغرب عن أذهانكم أن الحشمة ترسٌ منيع متين للوقاية من عيون المدنسين " قال ذلك وهو يعيش في نيويورك حيث مدنيتكم التي بها تفاخرون!! ومن يقرأ تاريخ المرأة، في مثل موسوعة (قصة الحضارة) يعلم أنها كانت يين اثنتين كلتاهما النار: بين إمساكها ضَنًّا بها، أو تسريحها هوانا بها وكانت حال المدنية الغربية نكسة إلى الطرف المضاد. وما زالت الراهبات من الديانتين، إلى اليوم على هذا الأدب الذي أشار إليه الكتاب المقدس. هل رأيتم راهبة متبذلة؟ هل رأيتم راهبة خلعت عذارها ونزلت إلى شواطئ كندا أو غيرها؟ في زيارتي لثلاث مدارس في إيطاليا، في ضواحي ميلانو، تلبية لدعوة مدرستها، وجدتها محتشمة بالنسبة لما هم عليه، فسألتها: لماذا لا تتبرجين كبنات قومك؟ فكان جوابها عجبا، قالت: عندما تتبرج المرأة تكون خارجة عن طبيعتها. والغربية التي تسلم تتحجب باختيارها، وترى ذلك مغنما لكرامتها. واستنقاذها من حطة التقاليد الغربية. إن لم يكق الحجاب فريضة إسلامية يجب الاعتزاز بها، فلا أقل من أن يكون من التقاليد التي يلزم رعايتها. إن المرأة الهندية تطوف العالم بزيها القومي القريب من

стр. 190

الحجاب فما عابها أحد، فلماذا المسلمة وحدها؟ جاء الإسلام فأصلح من أمر الحجاب كما أصلح سائر التقاليد الباقية من غير معنى، وجعل الحجاب أدبا مرعيا من الرجال والنساء، فالمؤمنون والمؤمنات مكلفون بغض البصر وحفظ الفروج. والمؤمنون والمؤمنات مأمورون برعاية أدب الاستئذان عند دخول البيوت، الكل يرعى هذه الآداب كما يرعى غيرها من آداب الإسلام الاجتماعية. ومفهوم الحجاب، عند قدماء المفسرين، ومحدثيهم لا يشمل الوجه والكفين. وربما القدمين كذلك، وما قد يكون على الوجه والكفين من كحل وخاتم وخضاب. كما لا يعني الحجاب حبس المرأة في البيت، إذ لم يكن الحجاب، على عهد الرسول ﷺ مانعا من خروج المرأة، ومشاركتها في القتال ومزاولة التجارة، بل ولا من القيام بوظيفة الحسبة. فلا حجاب إذا بمعنى الحبس والمهانة، ولا حجاب يعوق الحرية المهذبة والمصلحة المطلوبة. إنما الحجاب في الإسلام هو الحجاب المانع للغواية والحافظ للحرمات ما أضل من يشرع الفساد ثم يجعله قاعدة يحتكم إليها. ١٣ - رصدت جائزة في بعض بلاد أوربا (أمسك عن ذكر اسمها) لكل فتاة بلغت الثانية والعشرين وما زالت عذراء. فلم تنجح واحدة، فنزلوا بالسن سنة إثر سنة حتى وصلوا إلى الثامنة عشرة فكفوا حياء واكتفاء من الفضيحة بهذا القدر. في بيان أسباب إسلامها تذكر (ما فيزب) الإنجليزية أنها درست الإسلام دراسة واعية بعيدة عن العواطف، وكان من موضوعات دراستها مسألة تعدد الزوجات، التي كانت تظن أنها وجدت طلبتها فيها؛ لإثبات نقص الإسلام، وإذا بها تخرج منها بكمال الإسلام وإكرامه للمرأة. يقول د. نظمي لوقا، في كتاب (محمد الرسالة والرسول) : ونظرة إلى واقع الحياة البشرية تطلعنا على تعدد النساء في حياة الرجل الواحد جهرا أو سرا وسواء برخصة من القانون أو الدين أو حث القانون والعقيدة. وما من عاقل يفضل التعدد بغير رخصة على التعدد برخصة. .. فضلا عما في العلاقات المختلسة من إضرار بالمرأة وإفساد لحياتها لا حيلة فيه ".

стр. 191

شريعة الإسلام مبنية على طرفي الحد والفضل، الحد هو الذي يأثم المسلم بالخروج عنه وتجاوزه. والفضل هو الذي يعلو بالمسلم في المكانة والخلق. مما يزيد ثوابه ولا يأثم بالنزول عنه ومسألة الزواج من المسائل الجامعة للحد والفضل، فالفضل فيها الوقوف عند واحدة. هذا فضل لا يفرض بقوة القانون؛ إذ لا فضل في قانون يفرض الاكتفاء بواحدة على شرع يبيح التعدد. أما الحد فهو إباحة التعدد، وهو لم يفرضه، وإنما أباحه باعتباره حالة لا بد من اعتبارها عند مراعاة الواقع الاجتماعي. إنه من المعلوم أن عدد النساء في العالم أكثر من الرجال بنسبة ٢% كما لوحظ أن نسبة الوفيات لدى الأطفال الذكور أكبر من نسبتها لدى الأطفال الإناث فإذا أضفت إلى هذه الحالة الثابتة حالا عارضة كالحروب وما تهلك من الشباب - رأيت أن فضل التعدد يرتفع إلى حد الواجب. فالإسلام لم يفرض، في الحال العادية، التعدد، ولم يمنع توحيد الزوجة. وكل الأديان الكتايية ذكرت التعدد، ولم تفرض الواحدة. والكنيسة والدولة معا كانتا تقران تعدد الزوجات إلى منتصف القرن ١٧. وكانت علة الاكتفاء بواحدة مهانة للمرأة، إذ علل: بالاكتفاء من الشر بأقل حد ممكن؛ لذلك كان الأفضل عندهم الترهب وعدم الزواج. فأين تكريم المرأة في هذا؟ ١ - أما عدم إباحة زواج المرأة أكثر من رجل، فإني أحسب هذه من مسائل الهزل والمزح التي لا تثار في مسائل النقد العلمي، فهل - عندكم في دينكم. أو حتى مدنيتكم زوجة لعدد من الرجال؟ إن المرأة وعاء، فهل يتسع إناء لضدين؟ لقد عرف زواج المرأة من عدة رجال في الشعوب البدائية وما زال يوجد هذا النوع في جنوب الهند، وعلى حدودها الشمالية والحكومات الهندية تحاول إخضاع هذه القبائل لقوانينها العامة التي لا تبيح مثل هذا الزواج. وهذا الزواج كذلك موجود في جنوب أمريكا، وأماكن أخرى تجمعها كلها البداوة وعدم التحضر. وقد كان هذا أحد أنواع الزواج التي أبطلها الإسلام في سبيل إصلاحاته وإخراجه البشر من

стр. 192

ظلمات الجهل والجاهلية. ١٥ - أما عدم زواج المسلمة من غير المسلم . فأمره أهون مما عندكم، ففي التكوين قول وصية إبراهيم لعبده الذي خلّفه على ماله وولده إسحاق: لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم. ومن قوانين الأحوال الشخصية المسيحية أن اختلاف الدين مانع من الزواج، فلا يجوز زواج يهودي بمسيحية، ولا زواج مع اختلاف المذهب في الدين الواحد، كزواج أرثوذكسي من كاثوليكية. فإذا منع الإسلام زواج المسلمة من غير المسلم فأي غرابة في تشريعه؟ إن المسلمة مؤمنة بكل الأنبياء، أما غير المسلم فهو جاحد لغير واحد منهم فهو أقل دينا وإيمانا فما تستحق أن تكون له القوامة عليها. قال عمر بن الخطاب: يتزوج المسلم النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة. ومما يبين وجه العدل والصواب في هذه المسألة: أن المسلم يحرم عليه زواج الوثنية؛ لأنها لا تعترف بأي دين سماوي. قال - تَعَالَى - (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) . فالمسألة ترجع إلى ما يعرف في فقه الزواج: بالكفاءة؛ لذلك اعتبر أن يكون الرجل مساويا للمرأة في العفة، والاستقامة، فإن كان فامنقا بالزنا فلا يعتبر كفئا للعفيفة، حتى وإن تاب وحسنت توبته. فإذا منع الإسلام زواج المسلمة من غير المسلم فإنه يسير على منطق سوي وعدل ومعقول. ثم إن الزوج غير المسلم، ولو كان كتابيا، لا يعترف بدين المسلمة، بل يكذب بكتابها، ويجحد رسالة نبيها، ولا يمكن لبيت أن يستقر وهذه حال (القيم) فيه. وعلى العكس من ذلك إذا تزوج المسلم بالكتابية، فإنه يعترف بدينها والإيمان بكتابها ونبيها جزء من إيمانه، وبذلك يتحقق السكن والرحمة، ولا يتأتى منه إجبارها على ترك دينها. . .

стр. 193

هذا، على أن للمسألة وجها آخر من الاجتهاد الفقهي، إذ من العلماء من منع زواج المسلم من الكتابية، كمنع زواج غير المسلم من المسلمة، وبذلك تتعادل المسألتان، ويسقط الاعتراض. وإن كنت لا أرى هذا الرأي؛ لأنه لا يتفق مع ما في الإسلام من حسن التعامل مع أهل الكتاب، وحل طعامهم ونسائهم على قمة حسن معاملتهم. * * *

стр. 194

السؤال التاسع ٩ - قرآنكم يحض على الزنا، حتى النبي لوط، في قول القرآن عن لوط: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) . * * * ١ - ما رأيت هزلا أشبه بجد، ولا باطلا أشبه بحق من هذا السؤال، فالقرآن الذي سما بالخلق، ودعا إلى المثل العليا، والذي خُلُق المسلم فيه قبس من صفات الفه وخلقه، وتربى عليها رجال برزت مواهبهم بفضل هذا الخلق وهذه التربية، فأمكنهم أن يخطوّا، بفضلها على صحائف الكون بمشيئة الله القدير الحكيم، وأن يَمْهَدوا لحضارة جديدة تعم العالمين، والتي أدت إلى أن ينتقل العالم كله إلى عهد جديد. ٢ - وإن رابكم هذا الحق فدونكم بعض ما قاله قائلون احترموا أنفسهم من بني دينكم: يقول (سير وليم ميود) : والأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب، غير القرآن ظل اثنى عشر قرنا كاملا بنص هذا مبلغ صفاته ودقته ". ويقول كاتب الإنجليز الكبير (برنارد شو) : لقد كَان دين محمد موضع تقديري السامي دائما؛ لما ينطوي عليه من حيوية مدهشة: لأنه، على ما يلوح لي، هو الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة، والذي يستطع لذلك أن يجذب إليه كل جيل من الناس. .. وقد تنبأتُ بأن دين محمد سيكون مقبولا لدى أوربا غدا، وهو قد بدأ يكون مقبولا لديها اليوم. لقد عمد رجال الأكليروس في العصور الوسطى إلى تصوير الإسلام في أحلك الألوان، وذلك بسبب الجهل، أو التعصب الذميم. .. أما أنا فأرى واجبا أن يدعي محمد منقذ الإنسانية. وأعتقد أن رجلا مثله إذا ولى زعامة العالم الحديث نجح في حل مشكلاته وأحل في العالم السلام والسعادة. ولقد أدرك مفكرون منصفون في القرن ١٩ ما لدين محمد من قيمة ذاتية. من هؤلاء كارليل وجوته وجيبون بذلك حدث تحول صالح في موقف

стр. 195

أوربا من الإسلام. وقد تقدمت أوروبا في هذا القرن، فبدأت تحب عقيدة محمد. .. وقد دان كئير من قومي ومن أهل أوربا بدين محمد وهذا يجعلنا قادرين على أن نقول: إن تحول أوربا إلى الإسلام قد بدأ" أ. هـ. هذه شهادة من كباركم، حدثونا من أنتم، لنزن قيمة شهادتكم!! ٣ - لكني ما رأيت مؤمنا بفحش أشد نكرا للفحش من حضراتكم، وما رأيت فاعلا للرذائل متباكيا عليها من سيادتكم!! أ - في ص ٩ من سفر التكوين: أن نوحا ﵇ شرب الخمر حتى سكر وتعرت عورته، وأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، فلما أفاق وعلم ما فعل أبو كنعان، فقال: ملعون كنعان (ص ٢٧ عن إسحاق) . ب - وفي ص ١٩ من التكوين: أن ابنتي لوط سقتاه خمرا حتى سكر واضطجعت معه الكبرى ليلة، والصغرى في الليلة الثانية، وأنهما حملتا من أبيهما!! جـ - وفي كتاب صمويل الثاني ص: ١١) . اغتصاب داود لزوجة أوريا ثم تم الأمر لإرساله إلى الجيش وتوصية القائد أن يضعه في مقدمته ليهلك. د - ومن أمثال هذه الروايات عن الأنبياء المذكورين في التوراة قصة (هوشع) الذي قيل في كتابه ص: ١) : أول ما كلم الرب هوشع قال الرب لهوشع: اذهب خذ لنفسك امرأة زنا وأولاد زنا. هـ - وفي ص: ٣) من هوشع قال الرب لي: اذهب أحببت امرأةً حبيبة صاحب وزانية كمحبة الرب لبني إسرائيل. و لكن تعالوا: تقولون إن القرآن يدعو إلى الزنا لأن لوطا قال: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) . يا عجبا لفحشكم في القول، وجهلكم بكتابكم. يقول ص: ١٩) من سفر التكوين

стр. 196

عن قصة ذهاب الملكين إليه، وطلب الناس لهما يقول: فخرج إليهم لوط. . وقال: لا تفعلوا شرًا يا إخوتي، هو ذا لي ابنتان لم تعرفا رجلًا أخرجهما إليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم ما تقولون الآن؟ ٤ - واتهامكم للقرآن ينطوي على جهل بلغته إنه يقول: (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) فكيف يجتمع الطهر والفاحشة في فهم عاقل؟ وثانية: أن معنى (بناتي) بنات شعبه بالتزوج، والنبي لقومه بمنزلة الأب لأولاده وفي كتابكم الكثير من نسبه الناس إلى اللَّه بالبنوة. ٥ - لعلكم استحييتم مما وضحت لكم من معاني القرآن، ولعلكم أسفتم لما ذكرت عن كتابكم المقدس، فإن لم يكن فإليكم هذه الخاتمة: في سفر القضاة الباب ١٦ قصة شمشون، وهو نبي بدليل الفقرة ٥، ٢٥ من الباب ١٣، والفقرة ١٩، ٦ من الباب ١٤. وهذا النبي كما تقولون، ويقول كتابكم، زنا بؤانية من أهل غزة، ثم عشق امرأة يقال لها (دليلة) وهي التي كذب عليها، ثم كشف لها سره في أن قوته في شعره فنمت عليه لرؤساء أهل فلسطين. . . وإليكم هذه. في سفر الملوك الأول الباب (١١) أن سليمان صار له (٧٠٠) امرأة حرة. و (٣٥٥) سرية، وأن نساءه أغوت قلبه إلى آلهة أخرى. .. صدقوني إذا قلت لكم: هل من علم وهل من حياء. ٦ - إن الذين يقبلون هذه النبوات، ثم يكذبون رسالة محمد ﷺ لا تقام عندهم حجة النبوة بقداسة السيرة ولا بعظمة الأثر، ولا بفضيلة الهداية. إن الذين يقبلون هذه الأقاصيص ثم يتهمون القرآن بما يتهمون قوم قد ألغوا عقولهم، واتبعوا أهواءهم، ومثل هؤلاء لا يرون للحق برهانا، ولا للشمس نورا وضياء ومثل هؤلاء لا حيلة لك في إقناعهم أو فتح عيونهم، وما لهم إلا أن تضرب عنهم الذكر صفحا.

стр. 197

السؤال العاشر: إلهكم - بحسب القرآن - هو الذي يهدي ويضل فكيف يعاقب الإنسان بخلوده في النار ؟ * * * الإجابة لو أخذنا هذا السؤال مأخذ الجد للزم أن ننكر الجنة، كما يستهدف السؤال، في باطنه، استنكار النار، فإذا كان الضلال قدرا، والهدي قدرا فلا معنى للعقاب والثواب، وكان العقاب ظلما وكان الثواب إعطاء لغير مستحق، فاستنكار دار العقاب فقط نقص في التفكير، وخلل في المنطق. والإسلام جعل العقل حكما في كل شيء وجعله حكما في الدين وفي الإيمان نفسه. يقول اللَّه: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) . فالآية تقرر أن عدم تعقل الإيمان شأن الكافرين، وأن المرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه فإيمان المسلم هو الإيمان المستنير وليس إيمان من يحكي كتابه خرافات، وسفاسف فيأخذها مأخذ الإيمان والتصديق: وكلما اتصل الإنسان بالكون، وفنى في لا نهاية المكان والزمان وامتثل الكائنات كلها في نفسه فرآها كلها تجري على سنن تمسكها ورآها كلها تسبح بحمد باريها - كلما كان ذلك أيقن بقدرة اللَّه، ونفاذ مشيئته في كل ذرات الوجود وهنا يدرك المستبصر عظمة الكون وعظمة المكوِّن، ويدرك قصور قدرته وعلمه، بجميع وسائله عن إدراك حقيقة هذا الوجود، فيحلق به إيمانه إلى ذلك الخالق المبدع يستعينه ويستهديه. ولست أدري أهذا السائل جاد أم هازل، وهل هو ينكر القدر، أم ينكر الإرادة، أم

стр. 198

ينكرهما معا؟ ثم هل هو ينكر الإرادة في المادة والكون، وها هو ذا العلم يقرها بعد عصر الجحود، أم هذا السائل ينكر الإرادة في الإنسان فقط؟ وهل هو ينكر على الإسلام فقط أم على كل الأديان؟ * * * ٥ - مسألة القدر والاختيار من أقدم مسائل الفكر، ومن أوغل مسائل الإيمان في كل الأديان . وكانت من مسائل (العلم) الطبيعي تحت عنوان: (الحتمية في المادة) بمعنى أن أجرام الكون تسير بقوانين معلومة، يمكن من دراستها معرفة النتائج، وهذه النتائج (حتمية) لا يمكن تخلفها. ثم جاءت علوم الذرة فنقضت فكرة الحتمية أو على الأقل جزمت بأن (الحتمية) ليست التفسير الوحيد للكون. وليس معنى نتائج بحوث الذرة أن الكون يسير على غير نظام وإنما معنى هذه النتائج أن النظام لا يمنع الاختيار، ولا يغلق الباب على الإيمان. بل إن العلماء الماديين أخذوا من وجود النظام دليلا على وجود المنظم المختار، ومن المحال - كما قالوا: أن يكون ذلك النظام بمحض المصادفة. وصار (العلم) يدعو إلى الإيمان بعدما قضى دهرا يدعو إلى الإلحاد، وكتب (ا. كريس موريسون) كتابه: (العلم يدعو إلى الإيمان) وكتبت نخبة من العلماء الأمريكين كتابهم (الله يتجلى في عصر العلم) . وأشرف على تحريره (جون كلوفر مونسما) . ٦ - وعلى هذه الحقائق العلمية ثبتت مسألة القدر والاختيار في ذاتها والقرآن جمع بين المعنيين الصحيحين في هذه المسألة فقال في سورة النحل (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) . أول الآية تلمح للقدر، وختامها يقرر مسئولية الإنسان، وأن مصيره مرتهن بعمله، فتطابق في القرآن القول بالقدر والمشيئة كما قررها العلم في الكون. ولهذا رفض القرآن احتجاج الإنسان المقصر في الإيمان والعمل بالقدر في أربعة مواضع منه: في سورة الأنعام / ٢٤٨ - ١٥٠ وفي سورة النحل /٣٥ وفي سورة يس /٤٧. وفي سورة الزخرف / ٢٠.

стр. 199

كتب (واشنجتون إيرفنح) أحد أعلام الكتاب الأمريكيين عن عقيدة الإسلام بأنها عقيدة جبرية. وهذا من التحامل الذي دفع إليه التعصب المسيحي، فما يقاس أي كتاب ديني بما في القرآن من حض على العمل والسعي في الأرض، وربط مصيره في الدنيا والآخرة بإيمانه وعمله. مع الإيمان في كل ذلك بمشيئة اللَّه. بالله عليكم أترون الإنسان عندما يطيع ويعصي قد أطاع أو عصى قهرًا عن اللَّه؟ الكون فيه النظام والإرادة. والإنسان الفرد جزء من الكون. وفيه شاهد على المسألة بجانبيها: جانب القدر وجانب الاختيار. فوجوده، والهيئة التي هو عليها، وأجهزة جسده، ثم الملابسات والأحوال التي تحيط به. . كل ذلك لا حيلة له فيه ولا اختيار. لكنه مع كل ذلك يدرك بالبداهة أن هناك دائرة هو مختار فيها. وفي حدودها يعمل ويخطط، ويمدح ويذم، ويعلم ويتعلم.. وكل ذلك إقرار منه بالمسئولية والاختيار. كما يشهد سليم العقل والحواس من نفسه أنه موجود، ولا يحتاج في ذلك إلى دليل يهديه، ولا معلم ورشده - كذلك يشهد أنه مدرك لأعماله الاختيارية، يزن نتائجها بعقله، ويقدرها بإرادته، ثم يصدرها بقدرته، ويعد إنكار شيء من ذلك مساويا لإنكار وجوده في مجافاته لبداهة العقل. وكما يشهد ذلك في نفسه يشهده أيضا في بني نوعه كافة، متى كانوا مثله في سلامة العقل والحواس. ومع ذلك فقد يريد كسب رزق فيفوته، وربما سعى إلى منجاة فسقط في مهلكة وربما هبت ريح فأغرقت بضاعته، أو نزلت صاعقة فأحرقت زرعه وماشيته. .. فيتجه من ذلك إلى أن في الكون قدرة أسمى من أن تحيط بها قدرته، وأن وراء تدبيره سلطانا لا تصل إليه سلطته.. على هذا قامت الشرائع، وبه استقامت التكاليف، ومن أنكر شيئا منه فقد أنكر مكان الإيمان من نفسه وهو عقله الذي شرفه اللَّه بالخطاب في أوامره ونواهيه " (الإمام محمد عبده في رسالة التوحيد) . هذا الإدراك الفطري في الإنسان مطابقة أخرى لما في القرآن الكريم: شواهد من

стр. 200

(العلم) ومن واقع الإنسان، ومن بداهة عقله تؤيد القرآن. * * * ٩ - شواهد من اليهودية قصة التوراة - عن غضب اللَّه على آدم؛ لأكله من شجرة المعرفة، وخوف اللَّه منه أن يأكل من شجرة الخلود، وما ترتب على ذلك - كما جاء في سفر التكوين - من حتمية) اللعنة لآدم وحواء والحية والأرض. كل ذلك تقرير للقضاء وتأكيد للقدر والجبر. وهي - بعد - تقرير أن خطئة آدم (الإنسان) إنما هي طموحه للعلم وللخلود. وهذا مع مخالفته للإسلام تقرير لإرادة الإنسان واختياره. وفي اشعياء أن اللَّه جبل الإنسان، ونهاه عن مراجعته، فهل يقول الطين لجابله: ماذا تصنع؟ وفي أشعياء ص: الأول: اسمعي أيتها السموات واسمعي أيتها الأرض لأن الرب يتكلم: ربيَّتُ بنين ونشَّأتهم. أما هم فعصوا عليَّ. الثور يعرف قانيه، والحمارُ مَعْلَفَ صاحبه. أما إسرائيل فلا يعرف. شعبي لا يفهم. ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الأثم، فشل فاعل الشر، أولاد مفسدين. . ". ففي هذه النصعوص تقرير للقدر، وتقرير - في الوقت نفسه - للعقاب على الذنب. * * * ١٠ - شواهد من المسيحية: في رسالة بولس إلى أهل رومية، يقرر أن أصل الشر في الإنسان هو عصيان آدم، وأن الإنسان يعمل الشر لوراثته خطيئة آدم، ولا كفارة له إلا موت الجسد ولكن الروح لا تموت فلا كفارة لها إلا الإيمان بالمسيح، وأن قضاء اللَّه وحده هو الذي يفصل بين الأخيار والأشرار. وفي ص: ١) من رسالته إلى رومية: إن غضب اللَّه معلن من السماء على جميع فجور

стр. 201

الناس. . وذكر من آثامهم. . أن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك الذكور تاركين استعمال الإناث اشتغلوا بشهواتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور. وفي كتاب القديس أوغسطين قوله:. . . حتى عرفت أنني أريد وأنني عندما أقبل شيئًا أو أرفض فإنما أنا نفسي الذي أقبل أو أرفض ولا أحد سواي ". * * * ١١ - والنتيجة: أن القرآن عندما يثبت مشيئة اللَّه، ويثبت معها اختيار الإنسان، فإنما طابق (العلم) وطابق حقيقة الإنسان، وليس في غيره من الأديان ما ينقض ذلك، بل في الأديان ما هو مثله. وأنه ليس في الإسلام ما في اليهودية من صورة الإله الذي ينافس البشر وينافسونه، ويقدر لهم حسابهم فيخطئ الحساب. وليس في الإسلام ما في المسيحية من وراثة البريء للخطيئة، ولا كفارة أحد عن أحد. * * * ١٢ - إن عقيدة المسلم في القدر، وإيمانه بالتكليف وأنه إنسان مسئول كانت من أسباب قيام المسلمين بواجبهم نحو الدعوة، ونحو الإنسانية فانساحوا في الأرض مجاهدين، يلاقون الموت غير هيابين، وأقبلوا على كل عمل صالح، ينشرون الخير والحق والعدل والفضيلة، إيمانا منهم بأنهم محاسبون على هذا الإيمان وهذا العمل. بهذا ساد المسلمون وأقاموا حضارة سجد الزمن على أعتابها أكثر من ألف عام!! * * *

стр. 202

السؤال الحادي عشر: ما هو جواب الإسلام عن هذا السؤال؟ لماذا خلقنا؟ تقولون: لنعبد الله. وهل يحتاج الله لعبادتنا ؟ لماذا نخلق ونعاني ثم نموت، ثم نخلد في النار؟ أهذا عدل؟ فكرة تناسخ الأرواح تجيب عن هذه الأسئلة إجابة منطقية، وفيها رحمة. وتتلاءم مع رحمة الله، الرب الذي لا يشتهي الانتقام!! * * * الجواب ١ - لقد حرت في عقيدة هؤلاء. هل هم من أهل الأديان السماوية؟ أم هم من أهل الأديان الأرضية التي وضعها بشر؟ فإن كانوا من أهل أديان السماء فما بال إيمانهم بفكرة التناسخ؟ وعقيدة الروح وعذابها أو نعيمها إحدى عقائد الأديان. عذابها في الجحيم، أو نعيمها في رضوان الله، وهي من العقائد الغيبية، والعقائد الغيبية أساس عميق من أسس الإيمان، غير أن فضيلة العقائد الإسلامية أنها عقائد لا تبطل عمل العقل، كما لا تبطل عمل التكليف. على أن العالم (بعقيدة التناسخ) حقًّا يعلم أنها لا تنفي عذاب الجحيم، وبهذه الحقيقة يسقط اعتراضهم من أساسه! ٢ - والروح في القرآن بينت على ثلاثة أوجه تقف بالإنسان على أقصى قدرته في معرفتها: أنها من أمر اللَّه - وأنها من روح اللَّه - وأنه ليس في وسع البشر إدراك حقيقتها. فالروح من أمر اللَّه، وتوفيها بأمر اللَّه، بارة كانت أم فاجرة (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ. . . تَوَفتهُ رُسُلُنُا. . . ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ. . .)

стр. 203

٣ - وفي العهد القديم يصف أشعياء ص: ٢٥ يوم الرضوان حيث يصف اتصال الأرواح بالله، وتجلى اللَّه لها. . . وفي هذا ردّ لفكرة التناسخ. ٤ - وفي العهد الجديد، وفي رؤيا يوحنا ص: ٤: يصف فيه - ما رأى في العالم العلوي لما صار (روحا) وصعدت إلى العرش. هذه هي حقائق الأديان الكتابية، فأين منها فكرة التناسخ؟ * * * ٥ - فكرة التناسخ معنى التناسخ عند القائلين به: انتقال الروح من جسد إلى جسد آخر، جسد إنسان أو جسد حيوان. وتعيين الجسد الذي تحل فيه ثانية رهن بسلوكها في حياتها الأولى. تاريخها: والتناسخ اعتقاد شاع في ثقافات كثيرة. وقد عرف قديما عند المصريين، ولكنه شاع، وترسخ، عند الطائفة (البراهمية) في الهند القديمة. دوافعها: تقوم فكرة التناسخ على اعتقاد فكرة شقاء الإنسان في حياته، أما في حياته الأولى فيكون فريسة لآلام متعددة، من المصائب والخاطر. .. فإذا ترك حياته الأولى، إلى حياته التالية كان أكثر تعاسة، إذ هو ينتقل في الأجسام المختلفة من وضع إلى وضع غير عارف بمصيره؛ لأن كل مرحلة من حياته المتعددة تقذف به إلى المرحلة التي تليها قذفا دون إرادته. وفوق هذا الشقاء، شقاء آخر هو أنه - برغم عدم إرادته هذه - مسئول عن عمله، في كل مرحلة ينتقل إليه "الجبر والجزاء"، وهي التي هرب منها السائلون إلى فكرة التناسخ. * * * فما المخلص من هذا الشقاء؟ يرى البراهمة أن المخلص من هذا الشقاء الأبدي هو: أن يعتزل الإنسان الحياة، ولا يقوم بأي عمل، وعليه أن يسلم نفسه إلى التأمل العميق الذي ينتهي به إلى الغيبوبة، ثم ينتهي به إلى الامتزاج في (براهمان) .

стр. 204

هل هذه العزلة والغيبوبة، وترك كل الأعمال هي ما تدعون إليه؟ قيمة عقيدة التناسخ عندهم: وتعتبر مسألة التناسخ هي المشكل الجوهري في بلاد الهند القديمة التي كانت عامة في تلك البلاد، وثابتة ثبوتا غير قابل للمناقشة وكانت الطابع الذي امتازت به الديانة البرهمية. قال البيروني في كتاب (ما للهند من مقولة. .) كما أن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار المسلمين، والتثليث علامة النصرانية والإسبات علامة اليهودية - كذلك التناسخ عَلَم النحلة الهندية وقد نشأ عن فكرة التناسخ مشكلة اجتماعية هي. أن جميع الحيوانات أهل لحلول للروح ديها، فكل حيوان يحتمل أنه ظرف لنفس بشرية، وقد تكون هذه الأرواح لآبائهم، فكيف يسوغ ذبح الحيوان، أو قتله؟ إن ذلك يساوي قتل الإنسان. ومنذ ذلك الوقت أصبح أكل اللحوم محظورا. ومشكل آخر. ذاك أن تنقل الروح قد يكون تنقلا إلى أدنى، ولا تزال الروح تنتقل إلى أدنى، حتى تكون نهايتها إلى الجحيم. وهنا نرى أن فكرة التناسخ لا تحمي من فكرة أن النار مصير العصاة. عقيدة التناسخ ليست فكرا فلسفيا، ولا دينًا يوحى: بالرغم من أن (فيثاغورس) الفيلسوف الإغريقي، من قبل سقراط، قد أخذ بفكرة التناسخ إلا أنها لم تستند عنده إلى فكر فلسفي، لذلك رفضها فريق من تلاميذه الذين كانوا يمثلون الجانب الرياضي وإنما كانت تستند، عند (الفيثاغورسيين) إلى خرافة، وأسطورة معروفة باسم (الأورفية) نسبة إلى الشاعر الموسيقى (أورفيه) الذي تزعم الأسطورة أنه نزل حيا إلى مملكة الموتى. .! وبهذا، أيضا لم تكن عقيدة التناسخ فكرة كتاب سماوي. ثم هي لم تحقق - عند الإلمام بها - مخرجا يعترض به على الإسلام، بل على الأديان كلها! ٦ - إن حقيقة الروح أعضل مسائل الفكر والعلم، وكان جواب القرآن عنها بأنها من

стр. 205

أمر اللَّه أصح جواب وأوفقه للإنسان. فإذا كانت الروح كذلك فهل من العقل أو العلم أن يحكم على (كيفية) مصيرها بغير بينة من السماء؟ وتؤخذ في مصيرها فكرة لا تستند إلى فكر ولا إلى دين وإنما تستند إلى خرافات وأساطير؟ أهذا منطقكم؟ ٧ - وإذا كانت الروح هي العنصر السماوي الإلهي في الإنسان فهل من التكريم لهذا العنصر - هربا من القول بمصير الجحيم - أن يقال إنها تناسخها في كلب أو حمار؟ وهل حلولها في هذا يساعدها على التطهير؛ إذا كانت لم تتطهر وهي في الإنسان، أكرم مخلوقات اللَّه أفيمكنها أن تتطهر وهي في حيوان غير مكلف وغير مسئول؟ أهذا تطهر أم مزيد من الإسفاف؟ إن القول بالتناسخ قول افتراضي هروبا من أمر قطعي. إن القول بالجحيم أهون من القول بالتناسخ، ولا سيما مع ما قدمت من القول بعدم خلود النار أبدا، وإنما يأتي زمان تفنى فيه!! * * * أما لماذا خلقنا اللَّه ؟ السؤال لماذا خُلقنا؟ سؤال فطري. والضلال عن جوابه شقاء للإنسان. وقد علمت - من حال كثير من أهل الغرب - شقاء حياتهم لغياب جواب هذا السؤال، ومنهم من دفعه هذا الجهل إلى الانتحار برغم ثراء حياته بالمادة، ومنهم من آمن بالإسلام لما عرف من هدايته في جواب هذا السؤال. والقرآن في مواضع متعددة - بين جوابه: ففي قصة خلق الإنسان بين للملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة. وبين صلاحه لهذه الخلافة معرفته بالأسماء كلها. ومعرفة الأسماء تقتضي معرفة المسميات. والتعميم، والكلية فيها تقتضي معرفة أسماء. كل شيء إلى يوم القيامة. فتلك عبادة. والله يقول: (. . . يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) . فعمارة الأرض من وظيفة الإنسان، وهي من عبادته لله.

стр. 206

وعمارتها لفظ جامع لكل ما يمكن أن يعمله الإنسان في الأرض. على ظهرها أو في بطها، في برها أو بحرها أو جوها. وهذه عبادة. فقوله - تَعَالَى -: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) . قول جامع مجمل فسره ما ذكرت. وهو مع ذلك يقرر حقيقة إيمانية اعتقادية هي ضرورة إيمان الإنسان أن كل ما في الوجود: عابد ومعبود وعلى هذه الحقيقة تستقيم حياة الإنسان ويصلح الكون، ويسعد الإنسان، وما شقيت الإنسانية إلا من نسيان هذه الحقيقة حتى عبد الإنسان نفسه أو عبد الطبيعة. وهذه العقيدة - بشقيها: عابد ومعبود هي مشكلة الإنسان الكبرى، ومشكلة حضاراته. فما نسى الإنسان اللَّه المجود الوحيد إلا شقي وأشقى. وما قامت حياته، وحركاته، ونهضاته على هذه الحقيقة إلا سعد وأسعد. ٢ - فمن أجابكم بأن غاية الخلق هي عبادة اللَّه كان صحيح الجواب، ولكن لا يتم جوابه حتى يشرح هذه العبادة بمثل ما تقدم. ويخطئ من يفسر العبادة بالشعائر الدينية كالصلاة ونحوها. لذلك جاء في تفسيرها عن الأئمة بأنها: معرفة اللَّه: وهذه المعرفة لا تتم على وجهها بمجرد أداء هذه الشعائر، لكن يتم بتحقيق مدلول الخلافة ومعرفة أن الملائكة، وهم مفطورون على شعائر العبادات لم يكونوا صالحين للخلافة في الأرض. إن أول ما نزل من القرآن (اقْرَأ) والأمر بالقراءة مطلق لكل ما يقرأ. وثاني ما نزل (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) أقسم بما يكتب كل كاتب. فالقيام بهذا وذلك عبادة. ٣ - إن آيات التشريع، بما فيها آيات الشعائر حوالي خمسمائة آية، بينما الآيات الكونية أكثر من خمسين وسبعمائة آية. فهل يترك هذا لذاك. وإن الوقت الذي تستغرقه الشعائر جزء يسير من يوم الإنسان فهل يكون فارغًا في أكثر وقته؟ فالله سبحانه فرض على الإنسان عبادتين: تلك الشعائر، وذاك التفكر

стр. 207

في الكون واستقراء آياته. وفرض عليه قراءتين: قراءة كتاب الوحي وقراءة كتاب الكون. وفرض عليه معرفتين: معرفة نفسه ومعرفة ربه. وأحياه حياتين: الحياة الدنيا وهذا منهجها، والحياة الأخرى؛ ليجازي على مدى صلته بهذا المنهج. ٤ - هذا جواب الإسلام، فحدثونا - بربكم عن جواب كتابكم المقدس. الجواب فيما تقدم من بيان طبيعة القانون في اليهودية والمسيحية، وفي غيره من مواضع هذا الكتاب. * * *

стр. 208

السؤال الثاني عشر: لو كان الإسلام دين حق لما رأينا في علمائه: الضعف، والعجز. والنفاق . * * * الجواب ١ - يكفينا ما سبق في جواب السؤال الرابع من بطلان الاستشهاد بتأخر المسلمين إن صح - بطلان دينهم. ولكن أنبه هنا عل خطأين منهجيين في سؤالكم: الأول خطأ التعميم، فما من شك في أن إطلاق حكم كلى بناء على واقع جزئي خطأ في العلم والفكر وبناء عليه يكون الاستنتاج المبني عليه خطأ لقيامه على مقدماته فاسدة، ويكون كلاما فارغا من المعنى. وما من شك في وجود علماء معاصرين وسابقين كان لهم فضل الشجاعة في إعلان كلمة الحق. وأما من تشيرون إليهم فلم يكن العلماء هم الصغار أو الضعفاء أو المنافقين ولكن كانت الأحداث والطغيان، والاستبداد أكبر منهم. ٢ - ولو أخذنا بمنطقكم لوجب أن تحكموا على المسيحيين بمثل ما حكمتم على الإسلام، بل أشد، لما كان من رجال دينها، وعلى كل مستوى، ولمئات السنين وكان من أقل فعلهم ممالأة الملوك واستنادهم بأنهم تولوا حكم الناس بأمر مباشر من اللَّه. وكان (فلمر) المنظر الإنجليزي يدعي هذا الأمر الإلهي، حتى ذهب إلى أن الخلق يخلقون عبيدا بالطبع لحكامهم!! يحدثنا (وليم جمس) الفيلسوف، وعالم النفس الأمريكي، في كتابه (إرادة الاعتقاد) فيقول: صدر أمر من البابا (إنوسنت) الثامن ١٤٨٥ بقتل جماعة دينية تسمى (. . .) نسبة إلى مؤسسها (. . .) خرجت على تقاليد الكنيسة، وغفر الخطايا الكنسية لكل من يحمل السلاح ضدهم، وبرأهم من كل الآثام والذنوب، وأعفاه من كل يمين

стр. 209

وعهد، وأباح له تملك كل ما يجمع من مال، ولو عن طريق غير مشروع فلم تكن هناك مدينة لم يقتل فيها من هذه الجماعة أحد. فمنهم من أحرق حيا وكان منهم من هو في سن الثمانين. ومنهم من شنق، ومنهم من قطعت أحشاؤه، ومنهم من أخرجت أمعاؤه ووضع فيها قط، ومنهم من دفن حيا، ومنهم من غلت يداه إلى عنقه، وترك على الثلوج ليموت جوعا وبردا، ومنهم من طعن بالسيف، وملئت جروحه بالزئبق، ثم ترك ليموت من الألم، ومنهم من قطع لسانه؛ لأنه وجد يسبح بحمد اللَّه، ومنهم من أدخل الكبريت بالقوة في لحمه، وفي أنفه، وتحت أظافره، وغطى به سائر جسده ثم أشعلت فيه النار. ومنهم من ملي فمه بالبارود ثم أشعل فيه النار، وشق جسد امرأة من الرجلين إلى الصدر، ثم تركت على قارعة الطريق. ووضعت حربة في أسفل أخرى ثم حملت عليها. وفي سنة ١٦٣٠ (عصر التنوير) نقص عدد هذه الجماعة مرارًا بسبب الاضطهاد المستمر ونزل من خمسة وعشرين ألفا إلى ما لا يزيد على أربعة آلاف وفي عام ١٦٨٦ (عصر التنوير) خير دوق (سافيو) ثلاثة آلاف الباقية منهم يين ترك دينهم وبين الهجرة من البلاد. ولما رفضوا هذا وذاك كان عليهم أن يستعدوا لمهاجمة الجيوش الفرنسية. . . ولم يبق منهم إلا ثمانون رجلا ولما استسلموا أرسلوا جميعا إلى (سويسرا) .. هذا وقد تجاوزت - أدبا - عن الفساد الأخلاقي لرجال دينهم حتى أعلى مستوى: مكتفيا بهذا المثل. في إحدى كنائس (جريلي) بولاية (كولورادوا) . بعد أن انتهت الخدمة الدينية انتقل الجميع إلى ساحة الرقص اللاصقة لمكان الصلاة، وأخذ كل فتى بيد فتاة، وبدأ الرقص على نغمات (الجراموفون) وقام (الأب) باختيار أغنية مشجعة أمريكية مشهورة هي (. . .) وهي حوار يكرر فيها هذا المقطع بين فتى وفتاة عائدين من سهرتهما، وقد احتجزها الفتى في داره، وكلما أرادت الخروج ذكر لها هذا المقطع!! الآن ما تقولون؟ أيجوز - في المنطق - أن نحكم على دين المسيح بالبطلان لفساد أهله؟

стр. 210

أما نحن فنقول: لا. لقد جاء المسيح بالدين الخالص والخلق الكامل المثالي. فحجتكم على الإسلام بأهله أو أحد منهم حجة داحضة. ٣ - وخطأ منهجي آخر، سبق أن ذكرته لكم في جواب سؤالكم الرابع ألا وهو: أنكم جعلتم ما هو موضوع للتفكير، جعلتموه مصدرا للتفكير، بمعنى أن ضعف المسلمين، أو ضعف علمائهم ليس مصدرا يستقي منه الأحكام، بل هو موضوع للتفكير، فيقال: لماذا ضعفوا؟ فإذا كان الإسلام يكره الضعف ويكره الرذائل فمن الحق أن نبحث عن العلة الصحيحة لوقوعهم فيما نهاهم عنه إسلامهم!!

стр. 211

السؤال الثالث عشر، والأخير: نحن في عصر التقدم والعلم والحسابات الدقيقة، والصعود إلى القمر، وتدّعون أن الإسلام دين حضارة وعلم وتقدم. والمسلمون - حتى اليوم - لا يزالون مختلفين في بداية الشهور العربية (القمرية) وخاصة شهر رمضان . فكيف يكون الإسلام دين تقدم؟ * * * الجواب أما أن الإسلام دين العلم والعقل، فقضية لا نزاع فيها، ولا ينازع فيها إلا مكابر يلج في العتو والنفور، وقد سبق ما ذكرت من الأدلة التاريخية على ذلك، وما أفادت أوربا من ذلك، مما كان سببا لإخراج أوربا من ظلمات الجهل والخرافات، كما سبق ما نقلت من بعض ما ذكره المؤرخون المنصفون من غير المسلمين. وإن إنكار ذلك لمحاولة نقص الإسلام محاولات ساذجة تنقص صاحبها ولا تضير الإسلام في شيء. والمنطق الذي تنطلق منه هذه المحاولة هو المنطلق الذي انطلقت منه كل محاولاتهم نقص الإسلام والمسلمين. ومصدر الخطأ هو المصدر نفسه وهو جعل موضوع التفكير مصدرًا للتفكير. لماذا لم تطبقوا منهجكم على الكنيسة الكاثوليكية، حين رفضت - باسم المسيحية - حقائق العلم وثوابته، وحرَّقت العلماء لقولهم بهذه الحقائق التي أصبحت اليوم من بدهيات العلم التي يتعلمها الصبيان في مراحل التعليم الأولى. لقد زرت ميدان الأزهار الذي أعدم فيه (برنو) لإعلانه أن الأرض ليست مركز الكون. في بحثه عن أسباب سقوط الحضارة الرومانية يذكر (ول وايريل ديورانت) في موسوعته التاريخية - عمن وصفه بأنه (عظيم المؤرخين) أن المسيحية كانت أهم

стр. 212

أسباب سقوط الدولة الرومانية لأن هذا الدين ناصب الثقافة القديمة العداء فحارب العلم، والفلسفة، والأدب، والفن. . .) (ج ١١ من قصة الحضارة) هذا نص صريح في أثر اعتناق الدولة الرومانية، المسيحية وأنه كان أهم أسباب سقوطها. هل علمتم واحدا فقط من المؤرخين قال إن الإسلام هو الذي أخر العرب وقضى على حضارتهم؟ * * * أما مسألة أوائل الشهور القمرية: فهي مسألة فلكية، من حوادث الكون، ولا مدخل للناس فيها، بل هي من تقدير العزيز العليم، وليست من مسائل التقدم والتأخر. فهل في استطاعة أحدكم أن يوحد طلوع القمر على أهل الأرض أجمعين، أو أن يوحد شروق الشمس وغروبها عليهم؟! تلك مسألة فلكية ليس في استطاعة أحد تغييرها. وقد ربط الشرع الصلوات بالشمس فبينما قوم يصلون الفجر إذا بآخرين يصلون الظهر، أو المغرب أو يغطون في النوم. أترون في هذا تقدما أو تأخرا؟ ومن مسائل الفقه هذه المسألة: هل إذا ظهر الهلال في بلد وجب على أهل البلاد الأخرى الأخذ برؤيتهم، فيكون عند الجميع أول رمضان، أو أول شوال؟. اجتهاد فقهي، قواه، قديما ترامي أطراف أرض المسلمين، وعدم إمكان إبلاغ البلاد جميعها برؤية بلد منها. ويبقى هذا الحلاف الآن عدم وجود حاكم عام للمسلمين يكون حكمه بالرؤية، أو عدمها ملزمًا للعامة. ويوم يكون ذاك الحاكم لا تجدون خلافا بين المسلمين في تحديد أوائل شهور العبادات: رمضان، وشوال، وذي الحجة. فالظاهرة التي تعيبونها وتأخذونها دليلا على الإسلام، وهي، في الحق، دليل له فتقصير المسلمين في وحدتهم من أسباب تخلفهم. إذا كان للمسلمين حاكم واحد أو هيئة أمم إسلامية، فلا ضير على أحدهما أن يأخذ بالحساب الفلكي، ومصر، مقر الأزهر، تأخذ بالحساب الفلكي، ويتصل مفتيها بهيئة الأرصاد الجوية، قبل أن يصدر فتواه ببدء الشهر (١) .

стр. 213

ومن علماء المسلمين، قديما، من أفتى بوجوب اتباع الحساب الفلكي، وترك الرؤية إن خالفته، وذلك - في قولهم - لاعتماد الحساب على مقدمات يقينية محسوسة. فالاعتماد عليه مسألة شرعية، فعلم الفلك كان من علوم الأنبياء، كما أن القرآن منّ به وجعله من آيات اللَّه في الآفاق. لقد كانت لكم حجة لو قيل إن الإسلام يرفض العلم، وأنى لكم ذلك؟! ٧ - ومنشأ الظاهرة التي ترونها، من اختلاف المسلمين في رؤية هلال رمضان وغيره، إنما يرجع إلى منهجين في فهم نصوص الشريعة، فقوم منهجهم الأخذ بظاهر النص، فهم يبحثون (عمّا قال) وآخرون منهجهم البحث (عما أراد) . فالأول يقفون عند حد الرؤية البصرية لقول الرسول: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا. يعني تسعا وعشرين، وثلاثين" وقوله ﷺ : ". . لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه. . ". أخبر عن العرب أنهم أمة أمية لأن غالبهم لم يكونوا يكتبون ولا يقرأون. وقيل لكل من لا يقرأ ولا يكتب أمي لأنه منسوب إلى أمة العرب وتلك كانت حالهم. وكذلك لم يكن للعرب مراصد، وكانت معرفتهم عن الفلك تعتمد كلها على الرؤية وملاحظة النجوم. والشرع لا يكلف بالمستحيل، ولا بما هو فوق الوسع. فلم يكن مناص من علامة يستطيعونها في حدود قدرتهم وتجاريبهم، للتعرف على وقت ما فرض عليه، فكان ربطه الصوم والفطر بالرؤية الحسية. وأصحاب منهج (ماذا قال) يرون أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه - في رأيهم - بالكلية بقوله: (نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب) وبعد أن حضرّ الإسلام العرب، وفتح آفاقهم العقلية على الكون، وتفتحوا على ما عند غيرهم من علوم، استوعبوا كل ذلك، ونبغوا فيه، وكانت لهم نهضتهم في العلوم الكونية. كنهضتهم في علومهم الإسلامية الصرف، وكان من علومهم التطيقية علم الفلك، فقد ازدهر عند علماء المسلمين علما تجريبيا حسيا رياضيا، يعتمد على الملاحظة الحسية،

стр. 214

وتصنطع له آلات رصد. وإذا كان علم الفلك قد اختلط بالتنجيم في أوربا إلى القرن التاسع عشر فإن الإسلام خلصه من هذه الشائبة. وقد كان (بطليموس) عالم الفلك القديم، غير منازع. وكانت له السيادة على التفكير الفلكي في أوربا حتى عصر (كوبرنيكوس) ، بطليموس رفض نظرية دوران الأرض، وكان ذلك من أسباب تأخر علم الفلك في أوربا لجمودهم عليه. ولكن هذه النهضة - عند المسلمين، والتي استمرت قرونا، وأسهمت في نهضة أوربا - أصابتها نكسة منذ منتصف القرن التاسع الهجري. وسبب هذا الهجر جهل بعض العلماء بعلم الفلك، ووسائله الحسية اليقينية، حتى اعتبره بعضهم بدعة مضادة للشرع، ومخالفة لنصه!! وهؤلاء (النصيون) لا يعيبون الإسلام ولا يعيبون المسلمين، ولا يعاب بهم علماء المسلمين فالميل إلى الاعتداد (بالنص) نزوع ديني عرف في كل أمة، وعلينا ألا نتوقع من البشر أن يكونوا جميعا على مذهب (ماذا أراد) ، فإن اعتبار الجانب (اللاعقلاني) أمر مشاهد عند بعض الناس، ولا سيما إذا مس ناحية من (الاعتقاد) ! وعندما تشتد هذه النزعة، نزعة اعتبار النص، تعتبر أن رفض منهج (ماذا أراد) هو من صحيح الإيمان. وقد ظهرت في الغرب جماعة الأصوليين، وكان من دعوتهم: الإيمان بالإنجيل جملة وتفصيلا، وقبول كل ما فيه، والإيمان به على ظاهره، حقيقة مؤكدة دون تأويل. هذه الجماعة من المسلمين لهم مبالغات في الاستمساك بالنصوص، تعطي، أحيانا، للإسلام صفات ليست منه، وتوقع في العنت أحيانا. هؤلاء اليوم هم العقبة في سبيل اعتبار الحساب الفلكي هو المعتبر. وحديثه ﷺ في اعتبار الرؤية البصرية معلل بأنهم أمون. فإذا عدمت الأمية، وأصبح في المسلمين علماء فلك، وللدول مراصد. فمن الجمود والجحود، اليوم، رفض علم الفلك والاستفادة منه في توحيد صيام

стр. 215

المسلمين وفطرهم، والقضاء على هذه الظاهرة، التي نشارك القوم في إنكارها، ومخالفتها لدعوة التوحيد في القرآن. وليس فيه نص برفض الحساب، بل فيه اعتداد به. وليس فيه، ولا في السنة قبول شهادة شاهد أو شاهدين بالضرورة. وإنني - في هذه المناسبة - لشديد الرجاء لعلمائنا، أصحاب منهج النص أن يتدبروا هذه الحال، ومالها من أثر غير حميد، وإظهار المسلمين على غير حقيقة الإسلام. ولو علموا ما شاهدته بنفسي في بعض بلاد الغرب من سوء مظهر هذه الحال، حتى إن المسلمين في ذاك البلد، ذات سنة، عيدوا عيد الفطر في ثلاثة أيام! وليس عندي شك في أن مسلم، بله العلماء يأبون ذلك. * * *
следующие страницы →