وروى إمام أهل السنة، الإمام أحمد، عن عبد اللَّه بن عمر: ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا"
لذا روى عن عمر بن الخطاب قوله: لو لبث أهل النار في النار قدر رَمْل عالج (اسم مكان كثير الرمال) لكان لهم يوم يخرجون فيه.
ونقل هذا عن ابن مسعود، وأبي هريرة.
قال ابن تيمية: وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة.
وذهب إليه الحسن البصري، وحماد بن سلمة، وبه قال علي بن طلحة الوالبي، وجماعة من المفسرين ".
وفي تفسير الرازي: قال قوم: إن عذاب الكفار منقطع وله نهاية.
واستدلوا بآية سورة هود المتقدمة، وبقوله - تَعَالَى -: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) .
قال الرازي:
واستدلوا بأن معصية الظلم متناهية فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم، وهو - تَعَالَى - مبرأ من الظلم (١) .
قلت: وأخذ بالقول بفناء النار الإمام ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح) قال: وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام (ابن تيمية) فيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين.
ثم أخذ في إقامة الأدلة على فناء النار من خمسة وعشرين وجها.
قلت: ونقلها عنه صاحب تفسير المنار
عند تفسير قوله - تَعَالَى -: (خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) .
قلت: من هذا يتبين أن القول بفناء النار قال به: طائفة من الصحابة، وطائفة من التابعين، وطائفة من علماء الحديث، وطائفة من المفسرين، وطائفة من المحققين، وكلهم له سنده من القرآن، والرواية.
ولم ينفرد به ابن القيم، كما يزعم الجاهلون.
أقول للسائلين:
هل كان عندكم هذا العلم حين سألتم عن خلود النار؟
وهل كان عندكم علم بما في كتابكم مما نقلتُ لكم بعضه عن الهاوية حتى جعلتم من الملائكة زناة!!
أما القرآن فيقول عنهم:
стр. 142
(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) .
١ - أما بعد:
فأقول للسائلين عن الرحمة، أين كانت الرحمة.
- عندما تستخدم الكنيسة (الحرمان) لكل من خالف رأيها؟ وما سببه من تأخير نهضة الغرب قرونا.
- وأين كانت الرحمة عندما حكم البابا على العالم الفلكي الإيطالي (برنو) بالقتل حرقا؛ لآرائه العلمية، وأحرق في ميدان الأزهار بروما.
- وأين كانت الرحمة عندما حكم البابا (جريحوري السابع) بالحرمان على
الإمبراطور هنري الرابع، فقام الإمبراطور برحلته المهينة، التي تركه فيها البابا ثلاث ليال فى قسوة البرد والمطر وهو يلبس ثيابا من الخيش، حتى عفا عنه!!
- بل أين الرحمة، وحرية الرأي، عندما أحرق رئيس الأساقفة (كرانمار) ومات شهيدا لقضية أقل وضوحا مما تقتضي الشهادة وكان (كرانمار) الساعد الأيمن للملك هنري الثامن الذي انشق عن الكاثوليكية.
ولما مات الملك أدوارد السادس، ابن هنري، وخلفته أخته الكبرى (ماري) التي شبت على المذهب الكاثوليكي.
عادت الأمة الإنجليزية مرة أخرى إلى الكاثوليكية، فى ظل (ماري الدموية) كما لقبوها بعد، وأحرق الأسقف كرانمار (تشكيل العقل ١٠٣ - ١٠٤) .
- وأين كان الحق والعدل والرحمة عندما كانت كنيسة روما تستولي على الأرض المحيطة بروما، والتي عرفت باسم ولايات الكنيسة.
وذلك استنادا إلى وثيقة مزورة منسوبة إلى الإمبراطور قسطنطين والذي كشف تزويرها أحد المدرسين هو (لورتزو فالا) الذي توفي ١٤٥٧
(تشكيل العقل الحديث ت كرين بريستون ص ٤٢) . . . وأين؟ وأين؟ . عندي كثير ما كان أغناني عن
стр. 143
ذكره، أو التلميح به لولا ادعاؤكم على الإسلام والمسلمين ما هم منه براء!!
هذه مثل، مجرد مثل لفقدان الرحمة والعدل والحق، سبقتها أمثلة عن قسوة إلهكم، وعدم تناسب العقوبة والذنب مع إحراق الأبرياء من الأطفال والنساء، ولعن الذرية قبل أن تولد، بل والثمار قبل أن تتفتح عنها أكمامها..
ثم تسألون: أين الرحمة عند إلهكم، فيالها من مفارقات عجيبة!!
* * *
стр. 144
السؤال الرابع
لو كان الإسلام دينًا حقا - كما تزعمون - لما كان أتباعه من المسلمين
أسوأ الناس، وأحطهم سلوكا وأخلاقا، ومظهرا، ولما كانت بلادهم
في منتهى التأخر والفوضى والظلم، والهمجية، والقذارة .
* * *
مأثورات
في إعلانه عن صدور كتابه: "الديوان الشرقي" قال أديب ألمانيا الأكبر جوته: إنه هو نفسه لا يكره أن يقال عنه إنه مسلم ".
وحينما بلغ جوته السبعين من عمره أعلن على الملأ أنه يعتزم أن يحتفل في خضوع بتلك الليلة المقدسة التي أنزل فيها القرآن على النبي محمد ﷺ .
"ما رأينا المستشرقين ولا أساتذتهم المبشرين وقفوا أمام نحلة من النحل، أو مذهب من المذاهب، أو دين من الأديان مثلما وقفوا أمام الإسلام..
لأن الإسلام لو كان ضعيفا لما حرّك لهذا الجيش العرمرم من المبشرين والمستشرقين والملحدين ساكنا، فالخصم الضعيف لا يسر صديقا، ولا يقلق عدوا".
أ. د. عبد العظيم المطعني.
في كتابه (افتراءات المستشرقين على الإسلام) .
* * *
"والأم الإسلامية أشد الأم تعرضا لعداوة الاستعمار الذى يعادي الإسلام بصفة خاصة؛ لأنه نظام اجتماعي، وآداب معيشة، وله مبادئ فكْرية تقوم عليها الآداب والعلاقات، كما تقوم عليها عقائد الدين ووجهات النظر إلى أصول الحياة".
(عباس العقاد في: الإسلام والحضارة الإنسانية)
* * *
الجواب
- إن الحكم على الإسلام من خلال سلوك بعض أبنائه تحيّز إلى غير الحق، وخضوع
стр. 145
للهوى الشخصي.
ووجه التحيز في هذا الحكم أنه بحث عن المعايب، ونظرة
جانبية في موضوع البحث، تركزّ على عنصر خارج عن حقيقة الإسلام المجردة.
والحق أن الدراسة العلمية لا بد أن تتجرد للبحث عن حقائق الموضوع الذاتية، في تعمق، وفي شمول، مع ضرورة التمييز يين ما هو ذاتي وما هو خارجي، وبين ما هو من إيحاء الإسلام وبين ما هو من سلوك الناس وانحرافهم عنه. وبهذه الدراسة المتكاملة، والذاتية يسلم (منهج البحث) ، ويبرأ من عيب النظرة الجزئية، ثم الحكم الكلي.
هل من الحق والمنهجية أن نحكم على مبادئ الثورة الفرنسية بما فعل
القائمون بها، وبما فعل نابليون، وبما فعلت فرنسا في الشعوب التي استعمرتها، ومنها ذاك المثل الذي ذكره (ول ديورانت) في موسوعته
(قصة الحضارة) عندما نزلت فرنسا في أمريكا، عقب اكتشافها، وأفلحت في استمالة بعض القبائل.
وتأكد لفرنسا رغبة قبائل (البوتيغوارا) في أكل لحوم البشر، فقامت فرنسا بترتيب خدمة منتظمة بنقل زنوج من (غينيا) يقدمونهم لهذه القبائل لأكلهم!!
وفي العصور التي سميت في تاريخ الغرب بالعصور التنويرية، وخطت بها خطوات فساحا نحو التقدم - كانت أوربا تقوم بعملين متزامنين:
أحدهما داخلي، وآخر خارجي.
أم الداخلي فكان استثمار جهود العاملين من النساء والأطفال والرجال
الفقراء استثمارًا ليس فيه من (الإنسانية) شيء مع قلة الأجر إلى حد لا يقيم الأود، وتكديس الجميع في أماكن ضيقة أشاعت الفواحش والأمراض.
أما الخارجي فكان الاندفاع إلى استعمار الشعوب، وابتزاز ثرواتها وفرض الفقر والجهل عليها، ومحاولات فتنتها عن دينها.
فهل تسوغ لنا تلك المآثم غمط الخلق، وبطر الحق؟
- لقد عرض (مونتسكيو) مشاهد مما رآه في بلاد الغرب تنطق بمدى التأخر
الحضاري، والانحطاط الأخلاقي، كان مما شاهد: في (فينا) - وكانت النمسا أول رحلاته: إن الغبار يسيطر على المدينة بسبب الطرق المتربة التي تحيط بها.
ووجد أن
стр. 146
النساء اللواتي في سن الستين يجدن عشاقا.
ويقول عن لندن: ليس ثمة شيء أقبح من شوارع لندن فهي جد قذرة. . . ولا بد للمرء أن يكتب وصيته قبل أن يركب عربات الانتقال في المدينة".
أقول: وإنك واجد ما يصدق ذلك ويزيد عليه إلى درجة أن قارئه لا يكاد يصدقه - في رواية (. . .) ولا شك عندي أن من يقرؤها يستحي أن - يرمي غيره بالتأخر أو التخلف.
يقول مونتسكيو: إن لندن مدينة قبيحة قد تجد فيها بعض الأشياء الجميلة.
ويتحدث عما فيها من انتشار السرقة والرشوة.
ثم يذكر عن إيطاليا أنها تتألف من مدن كل مدينة دولة، وكان بجمهورية البندقية (أي مدينة البندقية مما شاهده منتسكيو العاهرات الساقطات، وكان
عددهن يقرب من العشرة آلاف!!
وأن وجودهن كان السبب الرئيس في تنشيط
التجارة والسياحة.
وفي روسيا رأى أنه يحرم على الوالد أن يعلم ابنه.
أما في دولة روما، فقد كان الحاكم هو البابا بنوا الثالث عشر وكان حاكما
دكتاتوريا أصبح معه الدين في الدرجة الثانية.
أما في فرنسا، موطن مونتسكيو، فقد ذكر من مناقص القضاء الفرنسي أن مناصب القضاء كانت تباع وتشترى، مما كان يؤدي إلى تولي القضاء أشخاص سيئو السمعة، ليس لهم أية دراية قانونية.
وذكر مونتسكيو أنه هو نفسه اضطر إلى بيع منصبه القضائي!
أما عن القوانين التي كان يحكم بها القضاة، فكانت خليطا من عادات الأقاليم وتقاليدها، والتي كانت تختلف من إقليم إلى آخر.
وتعتمد على أصول متباينة منها قانون الكنيسة ومنها
القوانين التي كانت تسود المجتمعات البربرية، كالغالة، سكان فرنسا الأصليين!!
هل ينبغي أن نتخذ هذا الهبوط السياسي، والأخلاقي، والقانوني، والقضائي -
стр. 147
وسيلة للحكم على (مبادئ النور) ؟!
* * *
٣ - فإن كان ولابد من اتخاذ واقع المسلمين دليلا على دينهم فلماذا لا تتخذون واقعهم الحضاري الذي هرعت إلى بلاطه، وبلاده، وفود ملوك الغرب ووفود علمائه وطلابه؟
فقد كان عبد الرحمن الناصر تمد أمم النصرانية له يد الإذعان، وأوفدوا عليه
رسلهم، وهداياهم من رومة والقسططنية في سبيل المهادنة والسلم والعمل فيما يمكن لمرضاته، وجاءته وفود علية الملوك المتاخمين لبلاد المسلمين يقبلون يده ويلتمسون رضاه، حتى إن صاحب (نفح الطب) يقول: ولم تبق أمة سمعت به من ملوك الروم والفرنجة والمجوس وسائر الأمم إلا وفدت عليه خاضعة راغبة، وانصرفت عنه راضية.
كما يقرر (ول ديورانت) أن منافذ حضارة المسلمين إلى أوربا، والتي أخرجتها من ظلمات العصور الوسطى، كانت ستة منافذ: عن طريق التجارة، والحروب الصليبية، وعن آلاف الكتب التي ترجمت من اللغة العريية إلى اللاتينية، وعن الزيارات التي قام بها العلماء أمثال (جربرت)
وغيره إلى الأندلس الإسلامية، ومن الشباب المسيحيين الذين أرسلهم آباؤهم الأسبان إلى بلاط الأمراء المسلمين ليتربوا فيها، ومن الاتصال الدائم بين المسيحين والمسلمين في بلاد الشام ومصر وصقلية وأسبانيا
يقول (ول ديورانت) : لقد كان للعالم الإسلامي أثر بالغ
مختلف الأنواع، لقد تلقت أوربا من بلاد الإسلام الطعام والشراب، والعقاقير، والأسلحة، وشارات الدروع، والتحف والمصنوعات. . . والتشريعات. . . وأخذت عن المسلمين أسماء هذا كله، حتى الموسيقى والشعر والآداب. . ولا تزال المصطلحات العلمية العربية تملأ اللغات الأوربية. . وظل أطباء العرب يحملون لواء الطب في العالم خمسمائة عام كاملة.
(قصة الحضارة مجلد ١٣) .
* * *
стр. 148
وحسبك في بيان تقدم المسلمين، وتبعية الغرب لهم تلك الرسالة التي بعث بها
جورج الثاني ملك إنجلترا وفرنسا والنرويج إلى الخليفة هشام الثالث (٤١٨ - ٤٢٢)
والتي يقول فيها: من جورج الثاني ملك إنجلترا وفرنسا والنرويج إلى الخليفة هشام الثالث.
بعد التعظيم والتوقير سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي
معاهد العلم في بلادكم العامرة، فأردنا لبلادنا اقتباس هذه الفضائل لنشر العلم في بلادنا التي يحيطها الجهل من أركانها الأربعة، وقد وضعنا ابنة شقيقتنا الأميرة (دوبانت) على رأس بعثة من بنات الأشراف الإنجليز. . من خادمكم المطيع جورج.
إنها رسالة ناطقة بذاتها عن حال المسلمين، وحال أهل الغرب، وكافية بنفسها للرد على مزاعمكم.
* * *
لا بد من معيار:
٤ - لا يستقيم سؤالكم عن تأخر المسلمين، ولا جوابه حتى نعرف (مقياس) التقدم والتأخر والمعيار الذي نرجع إليه لنعرف هل هذه الحال، أو هذا الواقع من التقدم أو من التأخر.
وقد عرف الفكر البشري منذ القدم عدة مقاييس اختلفت باختلاف نزعات
المفكرين واختلاف ثقافاتهم واختلاف بيئاتهم، واختلاف أحوال تلك البيئات
والظروف السياسية والاجتماعية.
فقد كان أفلاطون مثالي النزعة يرى (التقدم) في محاكاة الواقع (للمثل العليا)
ورأى أن الواقع يجب أن يكون على مثالها! ، رأى لتحقيقها شيوع
الأموال والنساء والأولاد وأنكر أن يكون الرقيق إنسانا، ورأى الرق أمرا طبيعيا.
وكان تليمذه أرسطو يرى الفضيلة وسطا بين طرفين مذمومين.
مع أن قانونه هذا لا يطرد، فالصدق، مثلا ليس له طرفان مذمومان فالإنسان إما صادق وإما كاذب.
стр. 149
وكان أرسطو يرى أن الكون يسير في التقدم نحو الإله بقانون (العشق الإلهي)
فكان (الإله) عنده شيئا لا إرادة له ولا عمل.
كما أنه فسر الرق تفسيرا يكاد يكون تقريظا له، حتى إنه قرر أن بعض الناس خلق بالطبع ليكون رقيقا.
٦ - وكان (الأبيقوريون) يرون التقدم والسعادة في فعل الإنسان كل ما يشتهي ويحقق له اللذة الحسية، والمنفعة المادية.
٧ - وكان (الرواقيون) يرون المقياس هو: القيام بالواجب.
وأهملوا ما في الإنسان من قوى غير قوة الفكر.
٨ - ثم جاء (السوفسطائيون) فأنكروا وجود (حقائق للأشياء) وزعموا أنه لا حقيقة لشيء وأن ما يسمى حقائق إنما هي أمور نسبية، ما أراه حقا فهو حق، وإن رأيته أنت باطلا فهو باطل.
٩ - وجاء العصر الحديث.
جاء العصر الحديث فشهد طوائف من المفكرين اختلفت نزعاتهم، ولكنهم اتفقوا جميعا على إبعاد الدين، وردّ ما أبعد من سلطان العقل.
واختلف البناء الأخلاقي عند هؤلاء المفكرين على أربعة اتجاهات:
فمنهم من بنى منهجه الأخلاقي على دعائم مما بعد الطبيعة، ومنهم من أقامه على دعائم من علم النفس، ومنهم من حاول أن يجعل من علم الحياة أساسا له، ثم كان منهم من أقام منهجه على أساس من علم الاجتماع.
(فنيتشه) هاجم الأخلاق المسيحية، ودعا إلى أخلاق الإنسان الأعلى.
ورفض أخلاق السوقة، ودعا إلى أخلاق السادة، أخلاق القوة.
أما (ديكارت) المعروف بمذهب الشك فقد استبعد الشك عن الأخلاق والدين، ونزع في الأخلاق منزع المذهب الرواقي، إلّا أنه رأي استبدال مبدأ: ((اتبع العقل الحق بمبدأ الرواقيين: اتبع الطبيعة" ويتحقق مبدؤه باستقلال النفس واستعلائها على الشهوات.
стр. 150
أما سارتر فقد نزع إلى الأبيقورية.
أما (مالبرانش) وهو أحد تلاميذ ديكارت فقد بنى الأخلاق
على معرفة الخير الأعلى، الذي تتوقف معرفته على العقل والتفكير، والذي وضع الكائنات في نظام كامل، ورتبها ترتيبا تصاعديا.
فالفضيلة الوحيدة، هى حب الله مصدر هذا النظام، وهي مبدأ كل واجب.
أما (سبينوزا) الفليسوف اليهودي، الذي حكم عليه آباء الكنيسة
اليهودية بالكفر والحرمان - فإنه يرى توجيه العلوم كلها نحو غاية واحدة هي: الوصول للكمال الأقصى، فكل مالا يدنينا من العلوم من هذه الغاية يعتبره غير مفيد، ويجب إلقاؤه جانبا.
ويجدر بنا ألا ننسى من فلسفة هذا الفيلسوف أنه ينكر أمرين:
أحدهما: الحرية الأخلاقية.
والآخر إنكار أن هناك أعمالاً هي في نفسها خير أو شر، بل الخير والشر
- في رأيه - نسبيان، والفضيلة في رأيه: ملكة التصرف وفق هداية العقل، وكلما كان الشخص خاضعا للشهوات والآهواء لا يكون فاضلا.
ولعلنا لا نخطئ إذا رأينا في هذا نزعة رواقية واضحة.
أما (بنثام) فإنه فيلسوف المنفعة، إذ كان يرى أن حب المنفعة، الذي أساسه الأثرة، من الأمور الفطرية،، ومن الخير أن يكون دعامة الأخلاق، ولذا كانت اللذات كلها حسنة، وأن مهمة علم الأخلاق إنما هي.
الموازنة بين هذه اللذات.
هذا، وقد نقد (سبنسر) هذا المذهب نقدا شديدا وحقا، في محاورة
أجراها بين أخلاقي وبين بنتامي.
أما (منتسكيو) وهو أشهر كتاب الفكر السياسي في القرن الثامن
عشر، هذا العملاق يقرر: جواز استرقاق الشعوب، وأقر الاسترقاق السياسي للشعوب كما أقر الاسترقاق المدني في المنزل بين أفراد الأسرة الواحدة، كما رأى جواز الحرب والإغارة على الآخرين لمجرد أنهم آخرون.
стр. 151
١٠ - هذا عرض موجز للجهد الفكري الإنساني للتعرف على المقياس الذي نحتكم إليه في التقدم والتأخر، أو الخير والشر، ومنه نتبين ما يأتي:
أنه مع هذه الحيرة هناك قدر جامع وقاسم مشترك يكاد يشملها كلها ألا وهو: قصد الخير للإنسان من حيث هو إنسان.
- وأن القليل من هذه المذاهب ينزع إلى إطلاق شهوات الإنسان.
- وأن القليل منها من اعتبر (المنفعة) هي مقياس الخلق.
* * *
١١ - والعارف بتاريخ النهضة الأوربية يعلم أنها قامت على مفاهيم عصر التنوير، يعبر عنها خمس كلمات: الفرد - العقل - الطبيعة - التقدم - السعادة.
ومن ثم نرى أن القيم الأخلاقية التي هي فطرة في الإنسان، والتي تجعل الإنسان إنسانا - نراها قد استبعدت من برامج هذه النهضة.
وكان من نتائج ذلك تلك الآثام التي ارتكبها الغرب الناهض في حق الإنسانية، إذْ كانت هذه المآسي تحقق له: اللذة، والمنفعة.
وهما معيار التقدم والرقي، وليذهب الآخرون إلى الفناء، اللذة
والمنفعة من غير تقيد بقيم الأخلاق، فما الأخلاق، عندهم، إلا حيلة لتقييد حق الإنسان في اللذة والمنفعة، فكل ما يحقق هذين فهو أخلاقي وحسن.
* * *
١٢ - فماذا عن الإسلام ؟
جاء الإسلام ليصحح (الرؤية) رؤية الإنسان لنفسه ورؤيته للحياة، ورؤيته للكون كله؛ لينتهي الإنسان بكل رؤياته إلى الحقيقة الكبرى: إلى اللَّه فكل ما لا ينتهي بالإنسان إلى هذه الحقيقة، التي هي أحق الحق، فإنه بالإنسان خُسْر، وضياع.
بهذا المنهج الإسلامي يصير الإنسان إنسانا عالميا، وأمته كذلك، وأيضا أمة الخير والحق، والجمال، وقد وصفها القرآن بقوله:
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)
وبذلك كان مقياس التقدم: إنسانيا عاما، لا ذاتيا، ولا قوميا.
وبهذا المقياس نشرت أمة الإسلام في ربوع
стр. 152
الأرض، وفي ظلال الإسلام، الخير والعدل والإحسان، وتكونت
(أمة عالمية) كانت حلم المفكرين من عهد (سولون) ، وحاول صياغتها أفلاطون في جمهوريته فلم تتجاوز الفكر والخيال، حتى جاء الإسلام فجعل الخيال واقعا، والحلم الفلسفي حقيقة سياسية اجتماعية قائمة في حياة البشر، وتكونت أمة عالمية، وصار الناس جماعة إنسانية على تعدد عقائدهم وعاداتهم وأزيائهم. . . وتلك معجزة انفرد بها الإسلام.
فلم يكن تاريخ الإسلام تاريخ معجزات صنعها الإله بمعزل عن البشر، إنما كان معجزة تاريخ صنعها المسلمون بإيمانهم بالله.
* * *
خلاصة المقياس الإسلامي:
أن الإنسان (مسئول) عن صلاحه في نفسه، وإصلاحه لغيره حتى يشمل الإنسانية في جملتها في نشر الحق والعدل والخير والجمال.
* * *
أخلاق المسلمين
١٣- نبينا ﷺ قال:
"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "
فهذه غايتنا، والله - تَعَالَى - يقول، في أجمع آية لمقاصد القرآن (١٦/ ٩٠) : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) .
ثلاثة أوامر، وثلاثة نواهٍ، توازن فيها الأمر والنهي.
والله يقول الوصايا العشر في سورة الأنعام
(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)
стр. 153
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) .
(الأنعام: ١٥٣، ١٥١) .
عشر وصايا تتعادل فيها الأوامر والنواهي خمس وخمس:
النواهي
لا تشركوا
لا تقتلوا أولادكم
لا تقربوا الفواحش
لا تقتلوا النفس
لا تقربوا مال اليتيم
* * *
الأوامر
١ - بالوالدين إحسانا
٢ - أوفوا الكيل والميزان
٣ - إذا قلتم فاعدلوا
٤ - بعهد الله أوفوا
٥ - هذا صراطي مستقيما فاتبعوه
وتلاحظ أنها بأوامرها ونواهيها خاطبت قوى الإنسان: الفكرية والوجدانية
والفطرية؛ لذلك كانت فواصل آياتها:
تعقلون (للفكر) تذكرون (للفطرة) تتقون (للوجدان)
وتجدون تفصيل هذه الأخلاق في مواضع من القرآن الكريم منها: آيات الحكمة من سورة الإسراء ٢٣ - ٣٩ وآيات وصايا لقمان من سورة لقمان ١٢ - ١٩.
وسورة النور كلها، وسورة الحجرات كلها، وكلها تتوازن فيها الأوامر والنواهي، وترعى المصلحة والفضيلة، كما ترعى
الحق والعدل في علاقاتها مع الإنسانية جميعها.
هذا، بينما نجد الوصايا العشر في التوراة، وموعظة الجبل في الإنجيل كلها سلبية: لا تقتل، لا. . . لا. . ولم تشتمل إلا على أمرين:
امتثال أحدهما (بالنهي) لنقرأها في سفر الخروج ص ٢٠) .
стр. 154
النواهي:
١ - لا يكن لك آلهة أخرى
٢ - لا تصنع لك تمثالا
٣ - لا تنطق باسم الرب باطلا
٤ - لا تقتل
٥ - لا تزن
٦ - لا تسرق
٧ - لا تشهد على قريبك شهادة زور.
٨ - لا تشْتَه، بنت قريبك
لا تشْتَه امراة قريبك ولا عبده. . ولا شيئا مما لقريبك
* * *
الأوامره
١ - اذكر يوم السبت. . . لا تصنع عملا ما..
٢ - أكرم أباك وأمك.
لقد كان تحصيل السعادة في أديان ما قبل الإسلام عن طريق الترك مما يؤدي إلى تجاوز القوى الإيجابية في الإنسان، فجاء الإسلام وجعل تحصيلها عن طريق الترك والفعل معا وبذلك توازنت قوى الإنسان.
هذا، وإذا كانت أخلاق القرآن تربي الإنسان السلم، ليكون سلما مع كل البشر يعاملهم بأخلاق القرآن لا يفرق بينهم بالدين أو الجنس - إذا كان ذلك فإننا نلحظ (القومية والعصبية والخصوصية)
في أخلاق التوراة: (لا تشهد على قريبك)
(لا تشْتَه بنت قريبك. .)
وفي المعاملات المالية يقول سفر التثنية ص ٢٣: لا تقرض أخاك
بريا. . . للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بريا.
فأخلاق الإسلام أخلاق إنسانية عامة، وهذا ما تعامل به المسلمون يوم كان لهم السلطان على أهل الأرض أجمعين، وهذا فارق مهم في خصوصية الأديان، وعالمية الإسلام!
هذا، وقد سبق، في مبحث طبيعة القانون، أن أحكام التوراة ترعى المصلحة، وتغفل جانب الفضيلة.
من هذه الأخلاق الإسلامية في نهيها وأمرها، تكون المجتمع الإسلامي، فما مقاصد
стр. 155
هذه الأخلاق وما بواعثها؟
١٤ - أما المقاصد فإنها: تحقيق الجمال في النفس والفكر والجسم، وفي ماديات الوجود.
ولكل شواهده من القرآن والسنة، ففي النفس يقول اللَّه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) .
أما في الفكر فهو كثير في القرآن منه (٢ / ١٧٠) ومنه آيات التدبر والتفكر والتعقل.
وفي الجسم يقول اللَّه (٧، ٢٠ - ٢٦) .
يخاطب بني آدم، ليس المسلمين فقط: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) .
وفيها (٣١ - ٣٢) : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. . .)
وفي حديث الرسول ﷺ :
"إن اللَّه جميل يحب الجمال ".
وهذا حديث جامع رواه الترمذي:
"إن اللَّه طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود ".
وكما أن الجمال من مقاصدها كذلك كان الكمال، وإشباع شوق الإنسان إلى الكمال والسمو، وحب الاستطلاع، يقول اللَّه (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
وقال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ. . .)
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) .
ْهذه مقاصد الأخلاق الإسلامية: الجمال والكمال.
١٥ - فما بواعثها؟
أكبر الذنوب في الإسلام: الشرك بالله، والقول عليه بغير علم وكبائر الذنوب - بعد
стр. 156
الذنب الأكبر - ما كان أشد قربا منه، فالقتل، والزنا أكبر الذنوب بعد الشرك لاقترابهما منه: فقتل النفس هدم لبناء اللَّه.
والزنا بناء لما هدم اللَّه.
كذلك فضائل الأخلاق، تتفاضل بحسب قربها من اللَّه، فالمسلم قدوته الأخلاقية هي صفات اللَّه، ما عدا ما كان من خصائص الألوهية.
فالمثل الأعلى للمسلم في تخلقه إنما هو اللَّه.
وكان محمد ﷺ هو المثل الإنساني الذي تمثلت فيه الأخلاق الإلهية، فكان جامعة وأمة لكل حظوظ الإنسان من صفات اللَّه
وجاء في حديثه ﵇: "إن لله مائة وسبعة عشر خلقا، من جاءه بواحد منها دخل الجنة"
وجاء عنه ﵇:
"كل خلق اللَّه حسن ".
* * *
١٦ - ومواقع أخلاق المسلم: هو الإنسان من حشا هو إنسان، مسلما كان أم غير مسلم، لأنه يؤدي خلقه لله، فالله باعثه، والله مقصده.
تأملوا هذه الآية من سورة الإنسان، وانتبهوا - من فضلكم إلى اسم السورة: الإنسان: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) .
* * *
١٧ - ما مقياس الأخلاق ؟
قيل في مقياسها، كما تقدم: السعادة.
ولكن قد يسعد الحقير في جهالته، ويشقى العظيم في عقله وعلمه.
وقيل في مقياسها. الغني، ولكن قد يغنى الجاهل، ويفتقر العالم، وكم قد رأينا من ذوي الغنى من يضيقون بالحياة فينتحرون.
خلاصة هذه المقاييس وغيرها: اللذة والمنفعة.
أما خلاصة المقياس الإسلامي فهو:
تحقيق الجمال والكمال والسعي بها - في شوق - إلى اللَّه.
стр. 157
١٨ - فماذا عن مجتمعاتكم ومجتمع المسلمين؟
أما عندكم، فقد تحول الإنسان إلى بهيمة سبُعيَّة، فكلما اشتهى حقق منطلقا من غير ضابط. وضابط الأخلاق هو الذي يجعل الإنسان إنسانا.
وكل ضابط معناه:
القدرة على الامتناع ورد النفس عن بعض ما تريد، وعدم المضي معها في كل ما تشتهي.
فهل تجدون هذا الضابط في سلوكياتكم؟
عندكم ضابط واحد هو: المنع مما يعود على المجموع بالضرر.
وهو ضابط يطلق للنفس كل ما تشتهي في حدود هذا المنع.
وكذلك تحول الإنسان الغربي غير المسلم إلى سبع ضار، يستخدم كل
قوته لنفع نفسه وتحقيق ما يريد وكسب كل ما قدرت عليه قدرته ولو على حساب الحق والعدل، فالعدل عندكم هو ما تحققه القوة، والحق عندكم هو ما تستطعون أخذه، فقوتكم (المادية) جعلت كل باطل ينفعكم حقا، وكل حق لغيركم باطلا، فمقياس أخلاقكم: القوة التي تحقق المنفعة.
١٩ - وثمرة كل ذلك في مجتمعكم: تحلل المجتمع وفقدان التراحم وتحلل الأسرة، والأطفال غير الشرعيين، وشيوع الفواحش ما ظهر منها وما بطن في (البيت الأييض) والأسود.
ومعروفة هي قصص اغتصاب الآباء لبناتهم.
وأعرف سيدة أمريكية بيضاء، آذاها ما فعل زوج أمها بأخواتها وبناته. وعرفت أخلاق الإسلام فأسلمت، وأخذت تنشئ ولدها (عمر) تنشئة إسلامية وقصة الصغيرة (ناتالي) البلجيكية مع أبيها معروفة لأمتها.
وأما (الشذوذ) بين الكبراء والوزراء فأمر مشهور.
وكذلك بين الجنود.
ولا يعزب عن علمكم مسيرة الشواذ، التى رفعوا فيها شعار
(. . .) : وهي عبارة يقول فقهاء لغتها إنها تجمع كل الفحش والفجور.
أما الخمر والمخدرات والقتل للعدوان والسرقة فحدث ما شئت
وأما ديمقراطية الخداع، وتضليل الناخبين، واتخاذ وسائل الإعلام لهذا التضليل.
ثم يسمى ذلك: رأي الشعب. . .
стр. 158
وأما عن المرأة، وأنتم تزعمون أنها بلغت عندكم سقف التكريم، فكان من تكريمها عندكم امتهانها في الإعلانات، وعلى واجهات المحلات، والمرأة الغربية لا تعرف السعادة الأسرية، وتفقد السكن والمودة والرحمة التي تتمتع بها المسلمة في بيتها.
يرى (مونتسكيو) أن مركز المرأة في مجتمعها هو مقياس الحضارة.
وهو يقول في (الرسائل الفارسية) التي ألفها في نقد المجتمعات الغربية، تلك المجتمعات الماجنة، والانحلال الخلقي للنساء الأوربيات، وانتشار الفسق والفجور. ..
٢ - فماذا عن مجتمع المسلمين؟
لا أتحدث عنه أيام مجده، وظله الممدود على أهل الأرض، فذلك يوم مشهود.
لا أتحدث عن ذلك اليوم المشهود، الذي حقق فيه المسلمون، في واقع الحياة لكل الإنسانية مثل الحق، والخير والجمال، يوم كان واقعكم في ظلمات بعضها فوق بعض - إنما أتحدث عن واقع المسلمين اليوم، وهو ما أشرتم إليه، واتخذتموه سخريا.
فإذا حكّمنا مقياس الإنسانية، ومقياس التبعة والمسئولية، رجح مجتمع المسلمين الحالي - على كل ما فيه - على كل مجتمع سواه، فهو مجتمع: يؤمن بالله الواحد، ولا يعبد المادة ولا الشهوات، ولا الأرقام ولا سيما رقمك البنكي.
وهو مجتمع تقوم فيه الأسرة خلية متعاونة صالحة لحمتها السكن والمودة والرحمة، وترعى فيها الذرية، وتربى على قيم الفضائل. ..
مجتمع يترابط فيه الأقارب بالمحبة والتواد، والتكافل المالي والاجتماعي والأدبي.
مجتمع يفرض فيه على الغني أن يرعى الفقراء بنسبة (اثنين ونصف في المائة) من ماله، فريضة بلغ من منزلتها أن كانت أحد أركان الإسلام الخمسة. مجتمع يتآزر على نوازل الأحداث، فوق فريضة الزكاة.
مجتمع يتآزر على إشاعة المعروف، ومنع المنكر، مجتمع تكرم فيه المرأة، لاتباع فيه أنوثتها باسم الحرية.
مجتمع يفرض فيه على الأسرة والأقارب أن يقوموا على الشيوخ والمرضى.
ولا يقذف بهم في دار المسنين.
مجتمع يعيش في سكينة الإيمان، فلا يجزع لحادثة، ولا يذل لفقر.
مجتمع تربطه رابطة الإيمان فيتكافل به المسلمون على تنائي الديار.
فهذه أعطيات أثريائهم تجوب آفاق بلاد المسلمين، وهؤلاء طلاب العلم من كل
стр. 159
قطر يتلقون العلم في الأزهر، وقد أعدت لهم عمائر السكن بكل مرافقها. ..
مجتمع يحس فيه كل فرد أنه صاحب رسالة تجاه غيره من بني الإنسان، فينشر
الخير، ويقري الضيف ويكرم الغريب وينصر المظلوم ويعين الضعيف، ويكرم المرأة ويرحم الشيخ ويوقر الكبير، ويكفل اليتيم، ويفي بالوعد، ويبر الولدين، ألم يأتكم نبأ (موائد الرحمن) فيِ شهر رمضان، هل انتبهتم إلى التسمية إنها (موائد الرحمن) ينسبها باذلوها إلى اللَه.
إلى صفة الرحمة والرحمانية، كما هو الأصل في خلق
المسلم لقد طاف بهذه الموائد سائحون منكم، وطعموا منها، وهم غير مسلمين، وغير صائمين، إنه خلق المسلمين.
* * *
٢١ - ومجتمع المسلمين اليوم.
لا تنتشر فيه فواحش القتل، ولا السرقة، ولا الزنا، ولا الأولاد غير الشرعيين.
تستطع المرأة، في هذا المجتمع، أن تسير ليلًا، وهي، بصفة عامة، آمنة على نفسها، حيث لا يمكن ذلك في أية ولاية في أمريكا، بل الرجل نفسه لا يأمن على نفسه، كيف وهو في متجره، مثلا، في وضح النهار غير آمن من عصابات السرقة بالإكراه، في مجتمع المسلمين يستطيع أي إنسان أن يذهب بمفتاحه إلى صانع المفاتيح ليصنع له مثله، والكل آمن.
أما في أمريكا فلا يستطع من ضاع مفتاحه أن
يصنع غيره حتى يقدم مستندات تثبت حق السكنى، وتحديد المسكن، وضمانات أن المفتاح المطلوب صنعه هو المطابق لما تثبت المستندات - كل ذلك لأن الأصل أن الكل لص أو قاتل. ..
مجتمع المسلمين لا يعرف العنف الذي تعيشه مجتمعات أمريكاه وحوادث إطلاق النار، عشوائيا، على طالبات المدارس، وطلابها مشهورة.
مجتمع المسلمين لا يعرف فواحش الشذوذ بين الرجال والنساء ولا تضيع فيه الأطفال في دور الحضانة حيث هناك أولاد بلا آباء، وفي دور المسنين آباء بلا أولاد. مجتمع لا توجد فيه صبيات المدارس حوامل من غير نكير!!
مجتمع لا تبتذل فيه المرأة فيجعل جسدها سلعة معروضة لا ترد عين طامع ولا يد لامس بل تكون ديه المرأة جوهرة مصونة،
стр. 160
لا ينالها من يريدها إلا بحقها، تبني معه بيتا سعيدا تتمتع فيه بوحدة الحب، وسكينة الألفة، ولا تكلف فيه (العمل الخارجي) الذي يبتذلها ويضيع بيتها، مجتمع للعرض فيه صونه وحقه، ولا يناله أذى من قول أو فعل.
مجتمع يصان فيه الدين ويصان فيه العقل فلا يباح ما يفسد من مسكرٍ أو مفتر، أو مضلل.
مجتمع يصان فيه المال، فلا يؤخذ إلا بحقه، ومن حقه ألا يؤخذ بالباطل، ومن واجبه أن ينفق منه على المجتمع بفرض الشريعة.
مجتمع يوفي بالعقود والعهود، لا يطفف فيه الكيل والميزان، ولا يخدع صاحبه بالإعلانات والدعايات مجتمع نظيف الفناء، نظيف النفس نظيف البدن، نظيف الأخلاق وكل هذه المحاسن قائمة - على تفاوت - في
مجتمعات المسلمين اليوم.
بالله عليكم، أتجدونها في مجتمعاتكم؟
* * *
٢٢ - أمر واحد تخلف فيه المسلمون، وتقدمتم.
هو (العلم الطبيعي) وتطبيقه.
وتخلص المسلمين في هذا لم يكن بأمر دينهم، وإنما كان مخالفة لدينهم. وكتابهم مملوء بالحض على استكشاف آيات اللَّه في الأنفس والآفاق.
والمسلمون - معكم - في قيمة هذا العلم، وضرورته، ولكنهم يخالفونكم في الفلسفة التي يقوم عليها هذا العلم، كما يخالفونكم في الغاية من هذا العلم. ففلسفتكم في هذا العلم قامت على أنه بديل عن الإيمان بالله، واعتبار هذا العلم كافيا في تفسير الكون.
أما المسلمون فإنهم يتخذون من هذا العلم وسيلة إلى اللَّه، الذي هو التفسير
الوحيد للكون وغايتكم من هذا العلم: الاستمتاع وقهر الغير، بينما غايته عند المسلمين. نفع الإنسانية كلها، والاستدلال به على الصانع الخالق: (الله) .
فكان (التقدم) عندكم تقدما في المزيد من كشوف المادة للأثرة بالفوائد وقهر الآخرين، وإنما التقدم عند المسلمين هو تقدم الخُلق، وتوفيق العقل إلى حقيقة الكون، ونفع الإنسانية كلها، ونشر الخير، والإخاء الإنساني.
(أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا)
أترك الجواب لكل منصف.
٢٣ - وهذه خاتمة لكم
لقد عشتم قرونا في ظلال دينكم، منذ زوال تقدم الحضارة الرومانية إلى مطلع
стр. 161
العصر الحديث - فيما سميتموه أنتم بعصور الظلام فهل كانت المسيحية هي
السبب، عندما قال (برونو) بدوران الأرض أحرقتموه، وعندما قال (جاليليو) بأن الأرض ليست مركز الكون قتلتموه
وعندما قال (كوبر نيكوس) بأن الأرض متحركة رفض ذلك مارتن لوثر وكلفن بأدلة من الكتاب المقدس (يشوع ص: ١٠) (والمزمور ٩٣) .
فهل كان الفكر الديني المصادم للعلم والذي نقضه العلم يقينا؟
أكان هذا تقدمكم بدينكم؟
هذه حقائق دينكم ودنياكم نعيدها عليكم وهذه حقائق الإسلام، وواقع المسلمين (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) .
من أجل هذا كتب كتابكم أن حضارة الغرب في طريقها إلى الزوال، وأن المسلمين فى طريقهم إلى استرجاع مكانتهم.
ومن أجل هذا أنتم تجهدون أنفسكم بالطعن والتشكيك وتلمس العيب للبريء، وهذه علامة أخرى من (تقدمكم) .
* * *
٢٤ - وهذه خاتمة للمسلمين لكم فيها عبرة:
أيها المسلمون، لا تكونوا حجة على دينكم، لقد سدتم، وفقتم عندما تمسكتم بدينكم، وقد بِدْتُم وتأخرتم عندما تركتم هدي دينكم.
أيها المسلمون، ليس بقراءة ألفاظ القرآن والسنة يتقدم المسلمون (١) .
وليس برفض علوم العصر نعلو على أعداء الإسلام.
إن القرآن أول كتاب ديني يحض على اكتشاف آيات اللَّه في الكون.
وإن سلفنا وضعوا أسس هذا الكشف، وبادر إليها الغرب، وتركناها فتقدم وتأخرنا.
وهنا يستبين طريق النجاء.
ويأيها الشائنون ظلما، إن ما كان نافعا بالذات لا يترك لعلة بالعرض.
هل عقلتم ما أقول؛ إذا غص بالماء شاربه فهل يذم الماء ويترك كذلك الإسلام، إنه نور، وإنه روح لكل إنسان، أيترلة لتقصير أهله؟
* * *
٢٥ - سؤال خاتم: أيكون الإسلام حَكَما على المسلمين، أم يكون المسلمون حكما على الإسلام؟
الجواب عند العقلاء المنصفين.
стр. 162
وبعد، ما سر الغلط في سؤالكم؟
السر هو: أنكم جعلتم ما هو موضوع التفكير مصدرًا للتفكير.
أفهمتم؟ جعلتم حال المسلمين مصدرا للحكم على الإسلام.
والصواب أن يكون موضوع تفكير: لماذا تأخر المسلمون ودينهم سبب تقدمهم؟!!
* * *
стр. 163
السؤال الخامس:
كيف حدث هذا في السعودية ؟
عندما قتل مسلم غير مسلم، لم يقتل المسلم، وعندما سألنا: لماذا؟
كانت الإجابة أن رسولكم أمر بهذا! فهل هذا عدل؟
كيف تلومون اليهود على قولهم: إنهم شعب اللَّه المختار، وفي نفس الوقت نبيكم وأتباعه يدعون الامتياز على غيركم.
أليس هذا تناقضا ونفاقا؟!
* * *
الجواب
قياس مع الفارق: قياسكم مسألة فرعية هي مسألة القصاص على قاعدة كلية هي: زعم اليهود أنهم شعب اللَّه المختار، على سائر الشعوب، وأن غيرهم من الأمم إنما خلقهم اللَّه ليكونوا لهم عبيدا
فالمسألة الجزئية مسألة فقهية تحتمل وجوها من الاجتهاد، فهي من مسائل العلم الذي بذل فيه الفقيه جهده ليتعرف على حكم الشريعة.
وليست من (أصول الاعتقاد) التي تفرق بين المسلم وغيره.
أما مسألة (الشعب المختار) فإنها قضية (عرقية) تتصل بالدم والعرق، لا مجال فيها للعلم والاجتهاد، بل ولا لفضيلة مكتسبة وإنما هي تفضيل بالعرق والميلاد، فهي عندهم من مسائل الاعتقاد، والخبر المنصوص عليه بالنص القاطع الدلالة في رأيهم.
وما شأنكم باليهود وعصبيتهم، أما كان في شأنكم ما يصرفكم عنهم، وأنتم ما ابتعدتم، لا في ماضيكم، ولا حاضركم عن هذه (العرقية) .
إن علماءكم - منذ عصر النهضة - قد أعادوا النظر في تعريف الإنسان، فكان منهم، إذ لم يكن جيمعهم، من اعتبر الإنسان إنما هو ذلك الجنس الآرى، واقتنعوا باختلاف العناصر والسلاسل، فكان منهم من كاد يجعل السلالة الآوية نوعا
стр. 164
(سيكولوجيا) يضارع النوع (البيولوجي) في الاختلاف.
ولم يتراجعوا عن هذا الجهل إلا بعد محنة الحرب العالمية الثانية؛ إذ تراجعوا سريعا عن هذا التصنيف للإنسان.
هذا التصنيف الذي خيل لأصحابه قبل جيل واحد أنه حقيقة واقعة
تستغني بالنظر عن البرهان.
وما كانوا ليسرعوا في هذا التراجع لولا بلاء الإنسانية
بعواقب ذلك التصنيف الوبيل؛ لأنه التصنيف الذي سوغ لعنصر من العناصر أن يستبيح السيادة على الأم عنوة، وأن يستكثر حق الآدمية على تلك الأم التي لم يدخلها معه في قرابة الإنسان للإنسان!!
وهذا الإعلان العالمي الصادر سنة ١٩٤٩ م بعد تلك المآسي التي أهلكت الحرث والنسل، ظل (نظريا) إلى حد كبير، وما زالت وقائع
(التطهير العرقي) وصمة عار تشهد على فاعليها بالخزي والعار.
وما زالت شهاداتها ناطقة في البوسنة والهرسك وفي كوسوفا.
فهل نسيتم هذا وتذكرون حكما اجتهاديا يقبل النقض والاختلاف، ويتعلق، عندما يطبق، بفرد لا بأمم وشعوب، فأي الناس أولى بصفة (الشعوبية) ؟.
٣ - ما هي الرؤية العلمية، في فقه الإسلام، لهذه المسألة؟
منذ القرن الثاني الهجري، بل من قبله وإمام أئمة الفقه، أبو حنيفة يقول بقتل المسلم بالكافر الذمي أو المعاهد.
ومنذ عهد الرشيد، وقاضي بغداد أبو يوسف، حكم بقتل المسلم بالكافر. والقاضي حسين بن أحمد الزوزني، وقد سئل في المسجد الأقصى ٤٨٧ هـ، ١٠٩٣م، عن قتل المسلم بالكافر، فقال: يقتل به قصاصا، وأدلة هذا الفقه: عموم قوله - تَعالَى -: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)
وعموم قوله - تَعَالَى - (. . النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) .
ومن الحديث ما رواه البيهقي من قول الرسول وفعله.
من أنه قتل مسلما بمعاهد، وقال: أنا أكرم من وفى بذمته "
ومن الفقه: أن المسلم تقطع يده بسرقة مال الكافر غير المحارب، وحرمة الدم أولى بالرعاية.
стр. 165
ولهذا الفقه، يقتل الرجل بالمرأة، ويقتل الرجل بالطفل ويقتل الحر بالعبد.
والقول بعدم قتل المسلم بالكافر ليس كل فقه المسلمين.
وعند الموازنة، أو الاعتراض، لا يؤخذ علم دون علم، ولا فقه دون فقه. هذا هو المنهج العلمي السليم لمن يبتغي الحق ويتجرد لطلبه. ..
* * *
стр. 166
السؤال السادس:
قرآنكم عندما قرأناه وجدنا فيه متناقفات كثيرة، ولم نجد ديه وحدة
الموضوع، نجده يقفز من موضوع إلى آخر، وفيه تكرار كثير جدا.
وتقولون إنه معجزة. فكيف هذا ؟
* * *
جواب السؤال السادس
قلت قبل الإجابة المباشرة:
١ - لهذا السؤال (خلفية) هي ما زعمه المستشرقون، قبلكم من بشرية القرآن، والزعم بأنه من صنع محمد، ومن تعلمه من غيره.
وهي فرية قديمة، منذ نزول الوحي بالقرآن على محمد ﷺ وسجلها القرآن نفسه، في مواضع منها في سورة النحل في
الآيات (١٠١، ١٠٥) وفي سورة الفرقان في الآيات ٤ - ٦) .
فالذين يقولون ببشرية القرآن يتبعون سلفا لهم خاسرين.
وهؤلاء المحدثون يزعمون أن القرآن (انطباع) في نفس محمد نشأ عن تأثره ببيئته التي عاش فيها.
ومنهم من يقول: إن القرآن (تعبير) عن الحياة التي عاشها محمد.
والمستشرق الإنجليزي (جب) أستاذ الدراسات العربية بجامعة هارفارد بأمريكا ممن يقول بفكرة (الانطاع) في كتابه المذهب المحمدي.
فأنتم في هذه الشبهة أتباع مقلدون، وببغاوات حاكية.
وقد تحدى القرآن العالمين، وما زال تحديه قائما، وما زالت وجوه إعجازه تلفت نظر الدارسين، وما زالت الكشوف العلمية تزيد اليقين به، وأنه وحي يوحى.
وهذا هو الطبيب الفرنسي (موريس بوكاي) قد درس الكتب الثلاثة دراسة علمية، خرج منها بكتابه: (القرآن والتوراة والإنجيل والعلم - دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة)
وكان من ثمرات دراسته الحرة أن أسلم عن يقين بإلهية القرآن الكريم.
فهل تقرءون؟!!.
ولا أريد هنا أن أنقل لكم بعض ما انتهى إليه من تناقض كتابكم المقدس وحقائق العلم.
стр. 167
مع براءة القرآن من ذلك، فما بنا حاجة. نحن المسلمين، إلى تشويه عقائد غيرنا، ولولا تهجمكم على ما لا تعرفون لما ذكرنا مثل هذا ولا أشرنا إلى ما سلف من تناقضه!!
وما نذكر من ذلك إلّا على سبيل إقناعكم بأنه كان أولى بكم أن تستروا عوراتكم، قبل أن تتلمسوا العيب للبريء فنذكركم - فوق ما قدمنا - ببعض ما عندكم لعلكم تذكرون.
يذكر سفر الأيام الثاني ص: ٢١، ٢٢، أن (يهورام) نصبوه ملكا وكانت سنه اثنتين وثلاثين، وأنه ملك ثماني سنين، ثم مات. فتكون سنه عند موته أربعين. وأن ابنه (أخزيا) ملكوه بعد أبيه، وكانت سنه اثنين وأربعين سنة!! ومن مقابلة النصين يكون الابن أكبر من أبيه بسنتين، فيكون قد ولد قبل أبيه، وهذا عندكم كلام مقدس بري من التناقض..
لقد دام جدل بحثي عن حقيقة المسيح - دام في أوربا مائتي عام كاملة، حتى أنكره المنكرون على مدى مائتي عام، وفي سبيل عرض هذه الآراء يذكر
(ول ديورانت) في موسوعته (قصة الحضارة) في المجلد الحادي عشر أن نابليون عندما التقى ١٨٥٨ بالعالم الألماني (فيلاند)
سأله: هل يؤمن بتاريخية المسيح؟
يقول (ول ديورانت) : ترجع أقدم النسخ التي لدينا من الأناجيل الأربعة إلى القرن الثالث.
أما النسخ الأصلية فيبدو أنها كتبت بين عامي ٦٠، ١٢٠ م ثم تعرضت بعد كتابتها مدى قرنين من الزمان لأخطاء النقل، ولعلها تعرضت أيضا لتحريف مقصود. ..
يقول: وإنجيل مرقس يكرر المسألة الواحدة أحيانا في عدة صور..
وإنجيل متى يردد أقوال إنجيل مرقس ولوقا ينص في إنجيله أنه - رغب في تنسيق الروايات السابقة عن المسيح. . ويقتبس كثيرًا من كتابات مرقس، كما يقتبس منها متى. ..
يقول (ول) : وملاك القول أن ثمة تناقضا كثيرا بين بعض الأناجيل والبعض الأخر، وأن فيها نقاطا تاريخية مشكوكا في صحتها، وكثيرا من القصص الباعثة على الريبة.
стр. 168
والشبيهة بما يروى عن آلهة الوثنيين. . . ".
هذه شهادة مسيحي على أعلى مستوى من الثقافة، والحياد العلمي في موسوعته التاريخية، أما كان لكم شغل بما ذكر عن كتابكم من تناقض، وخيال، ووثنية!!
كنت أود لأصحابنا ألا يورطوا أنفسهم فيما لا يعلمون، من أسرار القرآن وأسرار بلاغة العربية وفقه لغتها، وذروتها هو القرآن.
وكل ذلك ميادين فسيحة، جال في رُحبها فطاحل من علماء العربية الأجلاء والذين أفنوا أعمارهم في التعرف على الأسرار الدقيقة لبلاغة القرآن، وقد قضوا وما أفرغوا الدلاء.
وما زال العلماء المعاصرون يغترفون، ويستكشفون، ومنهم من برز في بيان الوحدة الموضوعية في القرآن كله، وفي كل سورة من سوره، طالت أم قصرت.
والوحدة الموضوعية في كل سور القرآن من موضوعاته الدقيقة، وقد تكلم فيها الشيخ رشيد رضا في تفسيره، ثم بلغ الذروة فيها المرحوم الشهيد سيد قطب في (ظلال القرآن) .
لقده كان العرب المكذبون للرسول حراصا على اتهام القرآن بكل ما ينفي أنه وحي فهل سمعتم أنهم اتهموه بالتناقض، أو تفكك الموضوع، وهم أفصح فصحاء لغته؟
لقد كان العربي الأصيل يدرك بعض هذه الأسرار البلاغية في القرآن بفطرته، حتى الصبية منهم.
حدث الأصمعي قال: مررت بصبية وهي تغنى منشدة:
أستغفر اللَّه لذنبي كله. . . قبلت إنسانا بغير حِلِّه
مثل الغزال ناعما في دَلّه. . . فانتصف الليل ولم أصلّه
قال الأصمعي: فقلت لها. قاتلك اللَّه، ما أفصحك!!
قالت: أتعد هذا فصاحة مع قول اللَّه:
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) .
قال الأصمعي: قلت للصبية: وما فيها؟
قالت: آية واحدة جمع فيها بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين.
هذا شأن صبية لم تدخل معهدا، ولم تنتسب إلى جامعة لكنها عربية.
стр. 169
الطبع والسليقة. فما للأعاجم وبلاغةَ القرآن وما للحدادين وصوغَ اللآلئ؟ كان العربي غير المسلم يسمع القرآن فيخر ساجدا، ويقول:
إنما سجدت لبلاغته!!
حدثني نصراني قبطي فقال: عندما أسمع القرآن الكريم يأخذ بمجامع قلبي؟
والعجب مما حدثتني به سيدة إيطالية لا تعرف كلمة واحدة من اللغة العربية.
قالت: عندما أقرأ القرآن يأخذ بقلبي، عقب الحرب العالمية الثانية، وعودة الجنود البريطانيين سألت إحدى المجلات بعض الجنود عن أعجب ما شاهده في الشرق، وكان له أشد جاذبية؟
فجاء جوابه: صوت قارئ القرآن!!
إن الذين لا يتذوقون فقه اللغة وسر العربية يعيبون القرآن بما هو من سر العربية.
سأل سائل قليل الفقه في أسرار البلاغة، عالما بالعربية.
قال: هل يقال: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)
فأجابه: ويحك؟ هب أنك تتهم محمدًا في نبوته، فهل تتهمه بأنه لم يكن عربيا؟ !!
* * *
٦ - من خصائص أسلوب القرآن
أ - أنه إذا ذكر الشيء قرنه بمقابله، وإذا ذكر حال الكافرين ذكر حال المؤمنين، وإذا ذكر جزاء المؤمنين ذكر جزاء الكافرين، وهكذا.
وهي خاصة تتفق وحقيقة من حقائق علم النفس، إذ ينتقل الذهن من الشيء إلى ما يشبهه وإلى ما يقابله.
وبهذا يتمكن القول ومعناه من النفس فضل تمكن.
فإذا رأى هذه المقابلات من لا يفقه سر القرآن ولا سر النفس ظن هذا انتقالا إلى غير المناسب، وحَسِبه - مثلكم - قفزا من موضوع إلى موضوع، وأنه انتقال إلى غير معهود في كلام البشر.
هذا، وقد عد شارح لامية العجم والعرب من وجوه البلاغة، التي لا يقدر عليها إلا الأفذاذ من البلغاء والشعراء براعة الانتقال من فكرة إلى أخرى.
والذي ينتقد القرآن بعدم وحدة الموضوع نقده غريب، على مقياس أشد غرابة، كأنما القرآن الإلهي، ليكون مقبولا عند هؤلاء، لا بد أن يكون على نسق كلام البشر!!
فاعجب لمن يطلب من الإلهي أن يكون بشريا!!
стр. 170
إن تناسب آيات القرآن في السورة الواحدة، وتناسب سوره، ورفع ما قد يتوهم من تعارض، والترجيح بين نصوصه - هذا كله من علوم الإسلام الخاصة، ومن معالمه العقلية التي رسمت فلسفته الخاصة قبل أن يعرف المسلمون فلسفات الأم الأخرى.
ب - ومع عادة القرآن في ذكر المقابل يجد الفطن اللبيب، ومن رزق الذوق الفني في بلاغة لغته يجد لكل سورة من سوره.
روحا واحدا تتميز به عن كل ما سواها من السور، تتعدد بعدد سوره.
وهذه معجزة أخرى لا يوجد قريب منها في كلام البشر.
ومع هذا الروح يجد صاحب هذا الذوق سلكا دقيقا بديعا من معانيه، يربط
موضوعاته في السورة الواحدة.
خذ مثلا من سورة المجادلة:
١ - افتتحت بموضوع المرأة التي ظاهر منها زوجها، وشكت إلى الرسول، وكانت شكواها نجوى بينها وبين الرسول، لم تسمعها عائشة وهي في حجرتها قريب منها، وسمعها اللَّه، وأنزل حكم الظهار.
٢ - فناسب ذلك أن يذكر اللَّه المحادّين لله ورسوله، وما ينبئهم بما كانوا عليه في سرهم وعلانيتهم.
٣ - وناسب أن يذكر حال الذين يتناجون وعلمه بنجواهم.
٤ - وناسبه أن يذكر حال المنافقين الذين كانوا يتناجون بمعصية الرسول ويقولون في أنفسهم: (لولا يعذبنا اللَّه بما نقول)
يحسبون أنه لا يعلم سرهم ونجواهم.
٥ - وناسبه أن يذكر للمؤمنين أدب النجوى وأدب المجالس.
٦ - وأن يذكر لهم أدب نجواهم مع الرسول.
٧ - ثم ناسبه أن يذكر الذين يتولون الكافرين، خفية، من دون المؤمنين، وأنهم يحلفون لله، كذبا، يوم القيامة، كأنهم يحسبون أنه لا يعلم.
إنها موضوعات يحسب عديم الذوق أنها متناثرة، ولكن عند التذوق نجدها
مجموعة تحت فكرة النجوى، كما بحدها جميعها: تربية للنفوس ودخائلها، وبناء
стр. 171
لهذه النفوس التي ستنهض ببناء المجتمع الإنساني كله؛ ولذلك نشهد في هذه
السورة علاجا لبعض الأحداث والعادات، والنزوات، كما نشهد فيها تربية اللَّه لجماعة المسلمين، ويبنى في ضمائرها الشعور الحي بوجوده سبحانه معها في أخص حالاتها، وأخفى طواياها، كما يرلي أخلاقها على مما يليق بالجماعة الرائدة المعلمة، المخصوصة بعنوان (حزب اللَّه) .
* * *
أما ما زعمتم من وجود التكرار في القرآن
أقول لعلكم انشغلتم بما ذكره صاحب قصة الحضارة من أن مرقس يكرر المسألة الواحدة في عدة صور، وأن متى يكرر أقوال مرقس، وأن لوقا يقتبس كثيرا من كتابات مرقس.
لماذا لم تعيبوا هذا؟
وهذا - حقا - لا يعنينا، ولا يشغلنا، إن الذي يعنينا أن نوضح لكم سوء فهمكم للقرآن، وزعمكم التكرار فيه إنما منشؤه هو منشأ سابقه، من عدم فهم أسرار تراكيب القرآن.
إن القرآن عندما يذكر قصة، كقصة موسى، وهي أكثر قصص
القرآن ذكرا، لا يكررها، وإنما يذكر منها، في كل موطن جزءا منها يناسب سياق الموضوع الذي ذكر فيه، بحيث إنك لو جمعت هذه الأجزاء كوفت (وحدة موضوعية) متكاملة.
وأمر آخر: هو أن القرآن كتاب هداية، قبل أي غرض آخر، وهو خطاب للبشرية كلها، يضع لها نظمها في الاعتقاد، والعبادد، والعلاقات الاجتماعية والمالية، والآداب التي تعلي الإنسان.
وللوصول إلى هذه الأهداف لا بد أن يطرق الموضوع
الواحد عدة مرات، مع اختلاف الأساليب وتنويعها، مرة بالشدة، وأخرى باللين، وتارة بالتصريح، وأخرى بالتلميح، ومرة بالبسط وأخرى بالإيجاز، ومرة بضرب الأمثال، وأخرى بتأييد المقال، وكان لا بد في علاجه لأمراض النفوس، وعاداتها المتمكنة، من أن يسلك طرقا متعددة، وأساليب متباينة تبعا لتباين النفوس البشرية التي يخاطبها ويعالجها، واختلاف استعداداتها، حتى يصل بها إلى ما يريد من
стр. 172
سلامتها وفلاحها.
٩ - وهذه الميزة تسلمنا إلى خصيصة أخرى هي، أنه بهذا التنوع، في السورة الواحدة.
يجعل كل سورة وحدة كافية بذاتها للهداية، كأنها بذاتها قرآن كامل، يكفي
حافظها العمل بها، وهذا سر أنه تحداهم أن يأتوا بمثله، أو بسورة مثله ومن السور ما يكتب في سطر أو سطرين؛ لذلك قال الفاقهون للقرآن، كما قال الشافعي: لو لم ينزل على المسلمين إلا سورة العصر لكفتهم..
هل تكفيكم سورة العصر، أو سورة الزلزلة؟
* * *
стр. 173
السؤال السابع:
القرآن غير مستقر في وصف أهل الكتاب:
ففي آية (آل عمران: ١١٠) سماهم، أو بعضهم: مؤمنين.
وفي آية (آل عمران: ٨٥) (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)
وفي الوقت نفسه آية سورة البقرة ٦٢ لم يشترط الإسلام!
وعلماؤكم متناقضون في الجواب: نسأل إماما: هل أهل الكتاب كفار؟
منهم من يقول: نعم، ومنهم من يقول: لا.
وآخر يقول: الذين سيدخلون الجنة هم المسلمون فقط إ!
والقرآن نفسه فيه تناقض في وصف أهل الكتاب: كما في آيات: سورة
البقرة: ٦٢، والمائدة: ١٧، ٧٢، ٧٣، والبقرة: ١٠٥
وكذلك الآيات: في المائدة: ٧٨، ٥٧، والبقرة: ٨٣، ١٠١
وكذلك آل عمران ٩٨، ١٠١، ١٠٦، وسورة البينة: ٦) .
* * *
١ - مرجع الخطأ في هذا السؤال، وعدم فهم حكم القرآن على أهل الكتاب، هو أن السائل لم يفهم سر استعمال القرآن في حديثه عن أهل الكتاب، كما لم يفهم مدلول لفظ (إسلام) في الاستعمال القرآني.
وثانية أنهم يأخذون من القرآن ما يوافق هواهم، ويتركون ما عداه!
أما الثالثة فإنها آفة العلم، التي تفسد على صاحبها علمه وقصده.
ولا حيلة لي ولا لأحد في علاج هذا الداء وهي عدم التجرد لطلب الحق.
٢ - إن القرآن عندما يذكر عن بعض أهل الكتاب انحرافهم عما أنزل الله يذكرهم بعنوان (الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) ثم يذكر بعض مثالبهم، وخروجهم
стр. 174
عن بعض ما أوحى اللَّه إليهم.
وعندما يغريهم بالإيمان الكامل، ويدعوهم إلى الإيمان بما أنزل على محمد وهو مصدق لما أنزل عليهم - عند هذا يذكرهم بعنوان
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) وعلى جهتي الذم أو المدح كان خطاب القرآن
وحديثه عن أهل الكتاب على أربعة أقسام أن يقول: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) وهذا لا يكون إلا في معرض المدح، ووصفهم بالإيمان.
وإذا قال: (الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) كان في موضع ذمهم والإخبار عنهم بالعناد وإيثار الضلالة ولا يكون هذا التعبير أبدا إلا في معرض ذمهم لعنادهم الحق وإيثارهم الضلال.
وإذا قال (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) (بالبناء للمفعول) كان أعم من الوجهين قد يتناولهما، ولكن لا ينفرد به الممدوحون قط.
وإذا قال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) كان عاما للجنس كله يتناول الممدوح منه والمذموم.
٣ - من هذا يتبين أن القرآن مع دقته في التعبير عن أهل الكتاب هو كذلك عدل، لا يغمط الصالحين منهم، ولا يجامل المعاندين، لذلك قال عنهم: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) .
فأي اضطراب وتناقض في هذا؟
٤ - هؤلاء (الصالحون) الموصوفون بهذه الصفات هم (المسلمون) فإن (الإسلام) بحكم اشتقاقه اللغوي، واستعماله القرآني، هو الدين الحق
الذي بعث اللَّه به كل الأنبياء.
فالمسلم الحقيقي - في حكم القرآن - هو من كان خالصا من شوائب الشرك
بالله، مخلصا في أعماله مع الإيمان، من أي ملة كان.
وهذا هو المراد بقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) .
ذلك لأن اللَّه شرع الدين لأمرين أصليين:
تصفية الأرواح، وتخليص العقول.
وثانيهما: إصلاح القلوب بحسن القصد في جميل الأعمال وإخلاص النية لله.
стр. 175
فكل من هذين الأمرين هما روح المراد من كلمة الإسلام.
بهما جاء محمد ﵇، وبهما جاء كل النبيين.
فإذا آمن أحد من أهل الكتاب بمحمد فإنه حقيق بوصف الإيمان والإسلام وكذلك من آمن بنبيه، في زمانه، على الوجه الصحيح
فإنه حقيق بوصف الإيمان والإسلام، مستحق للجزاء الحسن، وهذا أمر بين غاية البيان في القرآن، وما يشبّه به إلا فاسد الذوق اللغوي، أو مكابر لا يؤمن بالحق وإن كان في وضوح النهاره لقد فهم صاحب قصة الحضارة هذا فقال: لقد عرّف محمد (الدين) تعريفًا لا يأبى اليهودي المخلص ولا المسيحي المخلص أن يقبله ويدخل فيه!!
انظروا إلى قول المنصفين منكم.
ما تقولون في اليهودي الذي آمن بموسى، وأدرك المسيح فكفر به، وكذبه وكاد له، وحاول تسليمه للسلطة السياسية لقتله، ورمى أمه العذراء بالعظائم والفواحش - ما تقولون في هذا؟
أيكون مؤمنًا مسلمًا لمجرد إيمانه بموسى؟
أيستوي هو ومن آمن بالمسيح كإيمانه بموسى؟
اللهم لا، فإذا حكم القرآن على أهل الكتاب بالإيمان فهو
حكم على من آمن بنبيه ولم يدرك غيره، أو من آمن بنبيه وأدرك غيره فآمن به. ألا يستحق هذا وصف الإيمان.
أما من آمن بنبيه وكفر بمن قبله أو بعده. أيكون مؤمنا؟
اللهم لا، فأي غرابة في هذا، أو أي تناقض؟
إن التناقض إنما هو في الفكر المعوج، والقلوب غير السليمة.
* * *
٦ - تعالوا إلى كتابكم:
في الإصحاح ١٨ من سفر حزقيال، قال الرب: ما لكم تضربون هذا المثل: الآباء أكلوا الحِصْرِم وأسنان الأبناء ضرست.
لا تضربوا هذا المثل. . النفس التي تخطئ هي تموت، والإنسان البار ولعل حقا وعدلا. . فهو بار، حياة يحيا. . فإن ولد ابنا سفاك دماء. . أفيحيا؟ لا يحيا".
قلت: وهذا تفريق حق وعدل، وهو ما قرره القرآن بالنسبة لأهل الكتاب، ولكل إنسان.
وقال يشوع للقادة الدينيين الأشرار: أيها الحيات أولاد الأفاعي، كيف
стр. 176
تهربون من دينونة جهنم (متى ٢٣ / ٣٣) فها هو يحكم بهذا الحكم على (القادة الدينيين) الذين انحرفوا ورفضوا المسيح.
وجاء في يهوذا (١/٦) الملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم..
كان جزاؤهم الهاوية. وكان الطوفان (ر. بطرس ٢/ ٤ وتكوين
٦ / ٤ - ٥) .
وتحدث (صموئيل) عن نبوته وقضائه الصالح، فلما كبر، أقام ابنه مقامه.
أفسد وظلم وأخذ الرشوة (صموئيل الأول (٢/ ١٨، ٢٥ / ١)
فهل يستوي هذا اليهودي المفسد وأبوه الصالح؟
هذا ما سجله القرآن في سورة الأعراف (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) .
* * *
والخلاصة
أن عقيدة المسلم أن السابقين على الإسلام من أهل الأديان جميعا لهم أجرهم عند ربهم، كمن آمن بالله ورسوله محمد ﷺ ، وهو ما سجله القرآن في آية سورة البقرة (٦٢) التي استشهدتم بها على غير بينة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) .
وأن من آمن منهم بنبيه وبمحمد فله أجره مرتين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ. .)
(يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ. . .) يالعظمة العدالة في سمائها التي لم ينلها غير الإسلام.
ماذا تبغون؟ هل فوق ذلك مرتقى؟
ألا إنه ليس أقدر من الإسلام على تقريب الشقة بين أهل الأديان!!
* * *
стр. 177
السؤال الثامن: الإسلام حط من شأن المرأة في قضايا كثيرة: فهي تعامل كشيء مملول منه، وأنها مواطن من الدرجة الثانية .
والدلائل كثيرة، منها:
* قول نبيكم: الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة.
* يرث الرجل ضعف المرأة.
* شهادة الرجل بشهادة امرأتين..
* الحجاب، وقيود كثيرة من زوجها، وليس على الرجل قيود، والرجل
يذهب إلى الشاطئ، ويلبس المايوه، وامرأته عنده خادمة، تلبس الحجاب
في الحر الشديد، وتنتظر (السيد) حتى يخرج من البحر.
وقد شاهدنا ذلك على شواطئ كندا.
أقوال كثيرة من نبيكم تهين المرأة.
منها: لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. وقوله: من الفأل الحسن: المركب الحسن والمرأة الصالحة والدار الفسيحة!
أين الأحاديث التي تدين، وتهين الرجل؟
فهل هذا دين عدل ومنطق؟
الرجل يتزوج من أربع، والمرأة غير مسموح لها!
الرجل المسلم يتزوج غير المسلمة، ولا يسمح للمرأة المسلمة أن تتزوج
بغير المسلم؟
إذا نشزت المرأة تضرب، وإذا نشز الرجل لا يضرب إ!
* * *
جواب السؤال الثامن
١ - أقول: (مسألة المرأة في الإسلام) من المسائل التي لغط بها كثيرون ممن يهاجمون الإسلام.
ولصاحب هذه السطور كتاب في بيان وجه الحق في هذه المسألة بعوان:
(المرأة في الإسلام، مكانها ومكانتها) في حوال مائة وخمسين صفحة يجيب فيها
стр. 178
على أساس الحقائق النظرية، والأمور الواقعية عن كل ما يثيره اللاغطون في موضوع المرأة.
وعند الأخ حامد نبوي - في بروكلن - نسخة منه، وهو منكم قريب، لمن شاء أن يستبين.
وكان حريا لي أن أحيلكم إلى هذا الكتاب، ثم نكف عن سؤالكم.
ولكن ليتمكن المريد من الاطلاع على الحق والحقائق أوجز الجواب.
وفي حديث نبينا: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.
٢ - في إنجيل متى ص: ١٥) : وإذا امرأة كنعانية، صرخت إليه، ارحمني يا سيد، يا بن داود، ابنتي مجنونة، فلم يجبها بكلمة، وطلب إليه تلاميذه أن يصرفها، فأجاب:
أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة.
فأتت وسجدت له قائلة أعني.
فأجاب: ليس حسنا أن يؤخذ خبز النبيين ويطرح للكلاب.
فقال: نعم يا سيد والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أربابها. . . ".
ها هنا امرأة تستغيثه فيأبى لأنها من غير جنسه.
فتسجد له، فيجيبها: إنها من الكلاب، وما الكلاب إلا كل الشعوب غير الإسرائيلية.
وهذا معنى تؤكده الأناجيل كلها.
فهل هناك، إهانة (للإنسان) كله رجالًا ونساء أشد من ذلك.
٣ - وفي سفر التكوين ص: ٣ ما خلاصته أن الحية أغوت حواء، وأن حواء (المرأة) أغوت آدم، والنتيجة: لعن اللَّه الحية، وحكم بالتعب على المرأة، وباشتياقها إلى الرجل، وسيادة الرجل عليها.
وكذلك حكم على الأرض باللعنة"
هذه مكانة المرأة في كتابكم المقدس.
وهذه الكائنات غير المكلفة تلعن بسببها، الحية والأرض.
قايسوا هذه القصة بما في القرآن الكريم وقد ذكرت في ثلاثة مواضع في سورة البقرة والأعراف وطه وليس فيها أن حواء هي التي أغوت آدم، وبذلك برأ المرأة.
وهذا المعنى تشير إليه الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس ص ١١، وكذلك في تيموثاوس الأولى ص ٢. فأين هذه المنزلة من منزلة المرأة في الإسلام.
وفي هذه النصوص المقدسة عندكم دلالة على انقسام هذا النوع الإنساني إلى ذكر وأنثى إلى رجل وامرأة.
وهو اعتراف (ديني) تؤيده حقائق الواقع، وبدهيات العلم.
فكل دعوى
стр. 179
تزعم المساواة المطلقة وعدم الفوارق بينهما تكون من لغو الكلام الذي لا ثقل له في ميزان دين أو علم أو واقع؟
لقد ترجمت قصة الشجرة سر الجنس الكامن في طبائع الأحياء جميعها، بين الإرادة والإغواء، والمطاردة والانقياد ويؤكد (العلم) ذلك بما
في الخلايا الجسدية التي يتركب منها كيان الذكر والأنثى عامة، والرجل والمرأة خاصة، آفة عصرنا أنه مولع بمخالفة القديم، كل القديم، على هدى وعلى غير هدى.
٤ - يمتاز الرجل بالخصميتين، وتمتاز المرأة بالمبايض، ولكل من هذه الميزة وظيفة على جانب كبير من الأهمية.
خصيتا الرجل تولد الخلايا الذكرية، ومبايض المرأة تولد الخلايا الأنثوية.
وهذه وتلك تفرزان في دم الرجل والمرأة مواد معينة، تختلف في
الرجل عنها في المرأة، مواد الرجل تطبع فيه خصائص ذكرية، مثل الجرأة والقوة..
بينما مبايض المرأة تفرز خصائص أنثوية.
هذه المواد توجد الفوارق بين الرجل والمرأة، فوارق لا حيلة للرجل ولا للمرأة فيها، ولا للمجتمع، بل ولا للعلم فالعلم لا
يوجد معدوما في الواقع أوفي العقل، وإنما يصف الواقع، أو يفسره.
فكل دعوى تزعم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة إنها خيال يصوره الهوى، والبعد عن العلم.
٥ - ومفارقة أخرى في المقياس، تلك هي جعل حال المرأة الغريبة هي مقياس التقدم مع مخالفتها للعلم، وللدين، حتى دينهم، وهي حلقة من حلقات تشويه الإسلام، بقصد حماية الاستعمار في البلاد الإسلامية.
تلك الحملة الفكرية التي عمدت إلى تشويه كل قيم الإسلام فالزكاة ما هي إلا تطهير للمال النجس.
والجهاد ما هو إلا اسم للعدوان، وعدم ولاية المسلم للكافر ما هي إلا رفض للتعاون الإنساني.
وفكرة العودة إلى القرآن عند الاختلاف ما هي إلا ردّة إلى الجهالة والبدائية. وفكرة قوامة الرجل في بيته ما هي إلا فكرة التفوق الجنسي، واستبقاء لرذيلة الرق.
حتى فكرة التوحيد هي عند (رينان) الفرنسي مهانة للإنسان بالاستعلاء الإلهي، الذي لم يتواضع فيه الإله وينزل للبشر ويتشبه بهم!!
وهكذا يستطع صاحب الهوى بأن
стр. 180
يعيب الشمس بضيائها والقمر بنوره والماء الفرات بعذوبته. . .!!
٦ - فالحقيقة أن كل خلية من خلايا جسم المرأة والرجل تحمل طابع كل منهما.
إن الرغبة في المساواة المطلقة لا يمكن إحلالها محل الواقع.
وواقع القانون الفسيولجي.
وما يترتب عليه من الفوارق السيكولجية شواهد بالفوارق بين ذكورة الرجل وأنوثة المرأة.
ومن اللجاجة الفارغة الزعم بأن الرجل والمرأة نوع واحد.
كما آثرت (وثيقة المرأة) ، وطالبت بإلغاء كلمتي (. . .) التي تعنى الذكر والأنثى واستعمال كلمة (. . .) التي تعني النوعين معا.
وزعمت تلك الوثيقة أن الفوارق وهمية!
وهو زعم يكذبه العلم؛ لأن طبيعة الخلقة تأبى أن تنشئ جنسين
مختلفين لتكون لها صفات الجنس الواحد، ولو كانت الصفات والخصائص واحدة لا نعدمت الاثنينية، ولكان الجنسان شيئا واحدا، ولما كان للفظ الرجل ولفظ المرأة معنى، وللزم أن نسميهما باسم واحد لا دلالة فيه على ذكورة ولا أنوثة، ولو استطعنا ذلك بالمكابرة في شأن الإنسان فما لنا من حيلة في شأن الكائنات الحية من النبات والحيوانات، وما شأن الإنسان في الذكورة والأنوثة إلَّا كشأن سائر الكائنات الحية!
إن هذا الاختلاف الذي خلقه اللَّه لم يخلق ليلغيه الإنسان، أو ليكون في قدرته إلغاؤه.
إنما خلق للاعتراف به، وتوجيه وجهته الملائمة.
وفي ذلك صلاح الإنسان وصلاح الحياة.
إن المرأة يزودها اللَّه بالعطف، والحنان، والرقة، والرفق بالطفولة، والصبر عليها، والقدرة على فهمها، والسهر على رعايتها في أطوارها الأولى، بل وباللذة في ألم الحمل والولادة، والرعاية. . إنها لم تزود بكل ذلك لتهجر البيت، وتزاحم الرجال في المصنع والسوق. ..
إن الأمة لن تخسر شيئا إذا فقدت المرأة المهندسة أو المحامية ولكن الأمة سوف
تخسر كل شيء إذا فقدت المرأة الأم،