Полный текст (216 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
السؤال الأول: لماذا يقتل المرتد عن الإسلام ؟
مع أن القرآن يقول: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)
ويقول: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) .
فلماذا هذا التناقض بين النص والتطبيق؟!
وهل يعقل أن إنسانا يفرض عليه أن لا يغير رأيه؟
وعلماء المسلمين أنفسهم يغيّرون رأيهم في مسائل كثيرة، حتى رسولكم
غير رأيه في مسائل عدة، مثل زيارة القبور للنساء، وزواج المتعة.
حتى القرآن نفسه عندما نسأل بعض علماء المسلمين يقولون: هذه الآية
نسخت، أي انتهى حكمها (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) فكيف يطلبون من إنسان عدم تغيير رأيه؟
أين حرية الرأي؟ أين حرية الأديان؟
* * *
الجواب
١ - نحن في موقفنا من تلبيسات هؤلاء الطاعنين في الإسلام، وكتابه، ونبيه، ننطلق من منطلق علمي متجرد؛ لأننا نعلم أن الإسلام، وكتابه، وما جاء به نبيه قد أسس كل ذلك على منهج علمي رصين، لا يخشى تلبيس المشبهين، ولا تزعزع أسسه رياح المضلين.
وعلى هذا المنطلق أريد - قبل الجواب عن حدّ الردة، أن أبين، ما تلزم مصاحبته، واستحضاره دائما، عندما تعرض شبهة على الشريعة الإسلامية. وذلك:
- طبيعة العقوبة في ذاتها.
- وأبين طبيعة العقوبة في الإسلام.
стр. 72
- ثم أبين الطبيعة القانونية لكل من اليهودية والمسيحية والإسلامية.
ثم علينا أن نصطحب هذا البيان في كثير من هذه الشبهات المشككة، كما وجب اصطحابها عند كل شبهة على أحكام الشريعة الإسلامية.
* * *
طبيعة العقوبة في ذاتها:
١ - من المتفق عليه، في عصرنا، بين علماء النفس، ورجال القانون أن الجريمة:
- فساد في نفس المجرم.
- وأن فساد الجريمة وفساد نفس المجرم لا يقفان عند حد الجارم، بل يتعدى الفساد إلى غيره من الأفراد، وإلى المجتمع، وأن أول من يؤثر فيه هذا الفساد أهله وأسرته، وأقرب المحيطين به، والمخالطين له.
- ومن المتفق عليه أن العقوبة إصلاح للجارم، ووقاية للمجتمع من فساده، وزجر لغيره، من ذوي النفوس الضعيفة، عن الاقتداء به.
- ومن المتفق عليه كذلك أن ترك المجرم يستمتع بجرمه، إنما هو إقرار له على جريمته، وإغراء لغيره بسلوك مسلكه!
- كما أن من المتفق عليه أن مصلحة الفرد، غير مقدمة على مصلحة المجتمع بل تقدم مصلحة المجتمع وإن تعارضت ومصلحته، وحريته، ذلك لأن مصلحة المجتمع مصلحة كلية عامة، تعود على مجموع الأفراد، بمن فيهم ذاك الفرد نفسه، بينما مصلحة الفرد نفسه جزئية تخصه، وضررها يعود على المجموع بمن فيهم ذاك الفرد.
هذا كله عندما تتعارض المصلحتان.
- بل إنه من المتفق عليه أنه إذا تعارضت حياة الفرد وحياة الجماعة أهدرت حياة الفرد، اعتباراً لحياة الجماعة.
وما إقرار الناس على مدى تاريخ البشر لمن يبذل روحه دفاعا عن جماعته، وأمته -
стр. 73
إلا اعتراف صريح صحيح بهذا المبدأ.
- وكذلك إقرار الفرد، والجماعة لبذل النفس والنفيس في سبيل (المبدأ) .
ولعل هذه التضحية في مقدمة الأسباب التي تحمي حياة الجماعة، وتحفظ عليها
بقاءها، وتأخذ بيدها إلى التقدم والترقي، وأنه بدون هذا البذل، تبيد الجماعة كأن لم تغن بالأمس.
٢ - فإن شككتم في ذلك، فاقرءوا ما في سفر التثنية ص: ١٧ من قوله. "إذا وُجد في وسطك رجل، أو امرأة، يفعل شرا، ويعبد آلهة أخرى..
قد عمل ذلك الرجس في إسرائيل، فأخرج ذلك الرجل، أو تلك المرأة وارجمه بالحجارة حتى يموت. . فتزج الشر من وسطك ".
وفي الإصحاح نفسه: "والرجل الذي يعمل بطغيان، فلا يسمع للكاهن، أو للقاضي يقتل ذلك الرجل، فتنزع الشر من إسرائيل".
هذا كتابكم ينطق عليكم بالحق: الرجل الذي يخرج عن دين إسرائيل، والرجل الذي يعمل بطغيان، فلا يسمع للكاهن، ولا للقاضي يقتل، فينزع الشر من جماعتكم.
فماذا تنقمون من الإسلام؟!!
لقد كان لهم - كما سبق مني القول - شغل بما في كتابهم، لو كانوا منصفين.
لِمَ لَمْ يسألوا أنفسهم - أمام كتابهم - أين حرية الرأي؟
إن من يوجد هذا التشريع في كتابه، ويؤمن به كنصٍّ مقدس، ينبغي له أن يكف عن البحث عن عيب لا وجود له في شرع الإسلام.
وفي سفر التثنية ص ٢٢/٢٢)
"وإذا وجد رجل مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان.
فتنزع الشر من إسرائيل".
وفي سفر اللاويين ص: ٢٠:
"كل إنسان أعطى من زرعه لِموُلَكَ فإنه يقتل، يرجمه
стр. 74
شعب الأرض بالحجارة. . كل إنسان سب أباه أو أمه فإنه يقتل. ..
وإذا اتخذ رجل امرأة وأمها بالنار يحرقونه وإياهما لكي لا يكون رذيلة بينكم.
وإذا جعل رجل مضجعه مع بهيمة فإنه يقتل والبهيمة تميتونها.
وإذا اقتربت امرأة إلى بهيمة لنزائها تُميتُ المرأة والبهيمة. ..
وإذا كان في رجل أو امرأة جانٌ أو تابعه فإنه يقتل بالحجارة يرجمونه "
وإن صح أن بالإنسان جنا فما ذنبه حتى يرجم إلى الموت؟
ألا إن في هذه الأمثلة ما يكفي لإسكات المغرضين، لو كانوا منصفين، لكنهم يتناسون ما عندهم، ويحسبون المسلمين يجهلون ما عندهم، فيتغاضون عن عيوبهم، ويعيبون ما لا عيب فيه!!
* * *
العقوبات في الإسلام:
١ - إذا تبين لنا - على ما سبق - طبيعة العقوبة في ذاتها، وتأكدت هذه الطبيعة بما عوضتُ من بعض نصوص شريعة التوراة التي بأيديهم، وما فيها من إصر - أقول: إذا تبين هذا وذاك فلم تكن هناك حاجة، ولا حجة لمن يختص الإسلام بالنقد في شريعة الحدود؛ لأنه لم يفرض على جريمة من الجرائم عقابا أقسى مما فرضته الأديان الكتابية قبله، بل ومما فرضته الشرائع الوضعية.
٢ - وههنا أمور يجب التنبيه عليها:
أولها: أن الحدود في الإسلام لم تشرع لإيجاد مجتمع صالح، إنما للحفاظ على
مجتمع بلغ صلاحه حدّ (المثالية) .
وإننا لنعلم - في عصرنا مجتمعات جعلت شريعة الجرائم، وعلى قائمته، عقوبة الإعدام، أكبر وسائلها لتحقيق الأمل في إيجاد مجتمع تخيله حلمهم، وصفحات التاريخ ملأى بما فعلت الثورة الفرنسية، وبما فعلت الثورة الشيوعية، وما فعل، في
стр. 75
مصر، محمد علي في مذبحة القلعة.
ثانيها: أن الروح العام في التشريع الإسلامي، في إثبات جرائم الحدود - هي روح التسامح، لا روح المتعطش إلى الدماء، على نحو ما علمنا من بعض التشريعات الكتابية السابقة، وما كان من الحركات الاجتماعية التاريخية.
ومن ثم كان من قواعد الإسلام: درء الحدود بالشبهات، وقبول التوبة عنها، وتفسير الشبهة لمصلحة المتهم، وأن إطلاق المذنب خير من إدانة البريء بينما كانت قاعدة الكنيسة في مواجهة حركات الإصلاح والبدأ الذي اعتنقته محاكم التفتيش كان يقول: لأن يدان مائة بري زورًا وبهتانا ويعانون العذاب ألوانًا خيرُ من أن يهرب من العقاب مذنب واحد.
ثالثها: من منافذ الخطأ فى فهم النظام الاجتماعي الإسلامي اتخاذ بعض المصطلحات الحديثة معيارًا لهذا النظام، مع تجاهل اضطراب هذه المصطلحات، وعدم الاتفاق على تحديد مدلول المصطلح، واختلاف هذا المدلول من زمان إلى زمان، ومن أمة إلى أمة.
وذلك كمصطلح: الحرية.
فلسنا نعلم أمة ولا جماعة أطلقت هذا المصطلح من كل قيد، فما من أمة أو جماعة إلا قيدته بقيد أو أكثر بحسب ما ترى فلسفة نظامها الاجتماعي.
فلا ضير على الإسلام - بمقياس العصر - إن هو قيد
مصطلح الحرية بما يتفق ونظمه الاجتماعية، وأنه لم يكن بدعا في ذلك، سواء قيس بما قبله، أم بما بعده، أم بها جميعا.
رابعها: أن أساس التحريم، في المعاملات في الإسلام، إنما هو حصول: الضرر، أو الغبن، أو حطة في العقل والأخلاق، فكل ما كان فيه: ظلم، أو إكراه، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو بغير حق فهو حرام.
وأن أساس التجريم في العقوبات، هو ما يعود بالإفساد على العقل، أو القلب، أو العِرض، أو المال، أو على النفس.
خامسًا: ولعل أهم منافذ الخطأ، هو الخطأ في مفهوم الإسلام نفسه.
стр. 76
٣ - فالذين فهموا (الدين) على أنه علاقة فردية خاصة بضمير المتدين نفسه، وأنه علاقة خاصة بين الفرد وإلهه - الذين يفهمون (الدين) على هذا النحو يتعجبون، بل ينكرون على الإسلام أن يكون - مع الاعتقاد والإيمان - شريعة تنظم الحياة، وعلى هؤلاء أن يفهموا الإسلام على جهته الخاصة.
وأنه:
دين ودولة.
وعقيدة وشريعة.
وسياسة ونظام.
وآداب ومعاملات.
وعلاقات بالضمير، والناس، والكون والحياة.
وأنه دنيا ودين.
ومادة وروح.
وحياة حاضرة وحياة مستقبلة آتية لا ريب فيها.
وإذا لم يفهم الإسلام على حقيقته وقع في الخطأ، وتكون الشبهة على الإسلام من قبل المخطئ في فهم الإسلام، لا من قبل الإسلام نفسه، فيعيب والعيب فيه، وينتقص والنقص منه.
ومن المهم مراعاة ما تقدم التنبيه عليه أولا من أن الحدود في الإسلام، على عمومها، إنما جاءت لحفظ مجتمع فاضل، لا لإيجاد مجتمع فاضل، فإذا أجرم مجرم في هذا المجتمع فإن جنايته قد اكتسبت وجوفا أخرى فوق طبيعة الجرم في نفسه.
فلا يحصر الفاضل إلى مجرد الجريمة بل ينظر إليها مضافا إليها آثارها في هذا المجتمع الفاضل الذي بلغ في فضيلته حد المثالية التي تمثلها الفلاسفة في سمو آمالهم المثالية النظرية، وعجزوا عن إيجاده في واقع الحياة، فجاء الإسلام فجعل الحلم حقيقة، وفلسفات النظر، حقائق الواقع.
стр. 77
٥ - أما غير المجتمع الفاضل الذي ينظر إلى رذائل الأفراد على أنها من الأمور العادية، ومن المسائل المألوفة، ومن الوقائع الشائعة - هذا المجتمع لا يحس بجريمة المجرم! فما هي إلا ذرّة من طين الرذائل في بحور من رجس ونجس
(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) .
٦ - وجرائم: القتل، والزنا، والسكر، والردة - ليست هذه الجرائم من الجرائم الفردية التي يترك أمرها لآحاد الناس، ولا هي من مسائل الحرية الشخصية التي تمنح صاحبها الحق في ارتكابها، كما أنها ليست مسألة (فرد) يفعل ما يحلو له، بينه وبين نفسه.
إنما هي مسألة (المجتمع) كله في كيانه، وفي أخلاقه، وفي أسباب الأمن والطمأنينة فيه.
وإن الذين يرونها من (مسائل حرية الفرد) إنما ينبعثون من طبيعة المجتمعات المنحلة التي ساد فيها الفساد، وصار الإثم الفردي فيها حقا، ولا ترى القيم الأخلاقية ذات شأن، ولا تقيم لها وزنا.
وننتهي من ذلك إلى نتيجتين يقل فيهما الخلاف:
أولاهما: أن قواعد العقوبات، في الإسلام، قامت على قوانين البشر منذ آلاف السنين، بمعنى أن البشرية أقرت أصولها ومبادئها، فنكرانها على الإسلام نكران لتاريخها كله، الذي اتفق عليه البشر.
فلينظر الناكر إلى منزلته من هذا التاريخ كله!
ثانيتهما: أن قواعد العقوبات الحديث! لا تصلح للمجتمعات منذ ألف سنة، بينما القواعد القرآنية قد صلحت للتطبيق قبل ألف سنة، وتزيد، وما زالت صالحة لزماننا، ولزمان الناس في كل حين!
* * *
الطبيعة القانونية لليهودية والمسيحية:
١ - الذين يخصون الشريعة الإسلامية، في مجملها أو في بعض تفاصيلها، بالنقد، إنما
стр. 78
يغالطون أنفسهم، ويغالطون المسلمين، كما يغالطون كل دارس مستقل، باحث عن حقائق الأشياء، طلعة إلى مواقع المعرفة حيثما كانت.
ذلك أن الشريعة المنسوبة إلى موسى، ﵇، والتي يقدس مصدرها كل من يؤمن (بالكتاب المقدس) - هذه الشريعة تتناول من أمور المعيشة ما هو اليوم، من شئون الأطباءه وتناولت من تشريع الثواب والعقاب أحكاما لا يقرها اليوم أحد من المؤمنين بها.
من ذلك أن الكاهن كان يتولى تمحيص أعراض العلل والأدواء، وعزل المصابين بها، وإعلان نجاستهم.
في سفر اللاويين ص الثاني عشر:
إذا حبلت امرأة وولدت ذكرا تكون نجسة سبعة أيام. . . ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوما في دم تطهيرهاه. . وإن ولدت أنثى تكون نجسة
أسبوعين، ثم تقيم ستة وستين يوما في دم تطهيرها.
وفي الإصحاح الثالث عشر: إذا كان إنسان في جلد جسده ناتئ أو قوباء، أو لمعة تصير في جلد جسده ضربة برص، يؤتى به إلى الكاهن. . فمتى رآه الكاهن يحكم بنجاسته.
وفي سفر الخروج ص الحادي والعشرون. إذ بغى إنسان على صاحبه ليقتله بغدر، فمن عند مذبحي تأخذه للموت.
ومن ضرب أباه أو أمه يقتل قتلا. ..
ومن شتم أباه أو أمه يقتل قتلا. ..
وإذا نطح ثور رجلا أو امرأة فمات يرجم الثور ولا يؤكل
لحمه.
وفي الإصحاح الثاني والعشرين إذا سرق إنسان تورا أو شاة فذبحه أوباعه يعوض عن الثور بخمسة ثيران، وعن الشاة بأربعة من الغنم.
وفيه: من ذبح لآلهة غير الرب وحده يُهلك.
والذي يرجع إلى أسفار التوراة يجد فيها من تفاصيل الأحكام ما يشمل الأمور
اليومية العادية، التي يقوم بها الإنسان على سنن العادة والعرف، مما لا يحتاج إلى
стр. 79
تشريع، كأن يتولى الكاهن تزكية الطعام المباح، ويستولي على نصيب المعبد منه.
كما يرجع إلى الكاهن في التمييز بين الأطعمة المطهرة والنجسة من لحوم الحيوان.
كما تبين شريعة التوراة ملابس الهيكل، وأنواع الأنسجة التي تخاط منها ثياب الكهان والخدم.
فأنى لمن يؤمن بهذا التشريع أن ينكر على الإسلام تشريعه في عظائم الجرائم، أو في صغائرها!!
٢ - الشريعة المنسوبة إلى موسى وحدها هي التي شرعت نظاما للحكم.
أما (المسيحية) فلم تعرض للحكم والتشريع، على جهة القصد والبناء، لأنها قامت في بلاد تدين (بالحكم السياسي) للرومان (والحكم الديني) لهيكل إسرائيل!
وموسى ﵇، تلقى الشريعة مكتوبة على لوحين من حجر، والعهد القديم الآن مكتوب في مئات الصفحات: فالأسفار الخمسة التي تسمى التوراة: التكوين، والخروج، واللاويين - الأخبار والعدد، والتثنية - هذه فقط صفحاتها (في نسختي) ست وعشرون وثلثمائة صفحة، ومجموعها مع سائر الأسفار الأخرى (في نسختي) ثمان وخمسون وثلثمائة وألف صفحة!!
فمن أين، يا ترى، جاءت هذه الزيادة؟
وكيف اعتبرت وحيا مقدسا؟
وكيف قيل عن خمستها الأوائل (على الأقل) إنها توراة موسى، الموحاة إليه، والتي تناولها مكتوبة؟!!
٣ - وماذا كان موقف عيسى المسيح من شريعة موسى؟
١ - أما أنا فلست أدري أقرَّها، أم نقضها؟
وأما أنتم، أيضا، فلا تدرون!!
بل إنجيلكم نفسه لا يدري!!!
стр. 80
ففي إنجيل متى: ٥ / ١٧: لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس، أو الأنبياء. وفي إنجيل يوحنا ص: ١ / ٣٥
قوله: لا يمكن أن ينقض المكتوب.
وتقدم نقلنا عن (اللاويين) ٢١ إذا تدنست ابنة كاهن بالزنى فقد دنست أباها، بالنار تحرق ".
وفي اللاويين ٢٠. أن الرجل إذا اتخذ امرأة وأمها يحرق معهما.
وفي سفر التثنية ٢٢/٢٢: إذا زنت امرأة ذات زوج، يقتلان.
٢ - فما موقف المسيح؟
كان يلزم - بحسب أنه لا ينقض حرفا من الناموس - أن يقيم حد الزنا على المرأة التي قدمت إليه، وشهد عليها الشهود لا أن يقول لها - كما في يوحنا ٨ / ٢ - ١١.
أن الكتبة والفريسيين قالوا له: يا معلم هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل، وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم.
فماذا تقول أنت؟ ..
قال لهم: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولا. ..
قال للمرأة: يا امرأة، ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطئ أيضا.
أوليس هذا نقضا للناموس؟
فهل عندكم من جواب؟
وفي (أعمال الرسل ١٥) : أن بطرس وبرنابا بحسب ما رأى الرسل والمشايخ، مع كل الكنيسة اكتفوا من (الناموس) بأحكام أربعة، هي بحسب تعبير أعمال الرسل:
- أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام.
- وعن الزنا.
- والمحنوق.
- والدم (الفقرة ٢٥) .
стр. 81
وفي الفقرة ٢٦: لأنه قد رأى الروج القدس، ونحن، ألا نضع عنكم ثقلا أكثر غير هذه الأشياء الواجبة: أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام، وعن الدم، والخنوق، والزنا، التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعمّا تفعلون، وكونوا معافين".
ثم نحن وأنتم - إن كنتم تقرءون - نجد في رسائل بولس (الأولى إلى أهل
كورنثوس) ص ٧/١٧: غير أنه كما قسم اللَّه لكل واحد، كما دعا الرب كل واحد ليسلك، وهكذا أنا آمر في جميع الكنائس.
دُعي أحد وهو مجنون فلا يصر أغلف.
دعي أحد في الغرلة فلا يُختن، ليس الختان شيئا، وليست الغرلة شيئا، بل حفظ وصايا اللَّه.
وفي رسالته لأهل رومية ص ٣: إذاً ما هو فضل اليهودي أو ما هو نفع الختان؟
ومعلوم ما في (يشوع) ص ٥، من أمر الرب يشوع أن يصنع سكاكين من صوّان ويختن بني إسرائيل، وأنه صنع ذلك وختنهم.
٣ - بل أكثر من ذلك، أننا وأنتم - إن كنتم تقرءون - نجد في رسائل بولس الوصية بإلغاء ناموس موسى، وأنه أوصى بأن الإيمان بدون عمل يؤدي إلى الجنة، كما في رسالته إلى أهل رومية ص ٣:
"وأما الآن فقد ظهر بر اللَّه بدون الناموس..
بر اللَّه بالإيمان بيسوع المسيح. . متبررين مجانا بنعمة الفداء، الذي يسوع المسيح، الذي قدّمه اللَّه كفارة بالإيمان بدمه، لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة. . . ".
وفي رسالة بولس إلى أهل كولوس، ص ٢: "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدا لنا، وقد رفعه من الوسط مسمّرا إياه بالصليب. . فلا يحكم عليكم أحد في أكل ولا شرب، أو من جهة عبد أو هلال أو سبت. . إذا كنتم قدمتم مع المسيح، فلماذا كأنكم عائشون في العالم تفرض عليكم فرائض: لا تمسّ - لا تذق - لا تجس.
стр. 82
هذه بعض تناقضات الأناجيل في مسألة: موقف المسيح من شريعة موسى، وهذه أمثلة، مجرد أمثلة، لنقضها، مع تأكيد الأناجيل على أنه لا ينقض حرفا منها!
ومن فوق المسيحية المحدثة فرقة (الأنتينومية) = نقض القانون.
مذهب فريق مسيحي، يؤمن أصحابه بأن تعاليم المسيح نسخت القانون التوراتي، وأن الإنسان أسمى من القوانين الأخلاقية
فلسنا ندري أجاء المسيح لتثبيت الناموس، أم جاء لنقضه؟
وهل جاء (الرسل) من بعد، على حد قول الأناجيل لتمحو ما لم يمح المسيح من الناموس، ولا ييقوا منه سوى تلك الأربعة:
الأصنام والدم والمخنوق والزنا.
إن الإبقاء على هذه الأربعة ليس بشيء إذا ما قيس بما اشتملت عليه شريعة موسى من تفصيلات سبقت الإشارة إليها.
وبهذا المحو يبقى الإنسان، ويبقى المجتمع بلا قانون.
وبهذا المحو ننتهي إلى (دين مثالي مجرد) ، مجرد عن مخالطة واقع الحياة.
ومثل هذا الدين لا يصلح قانونا، وهو في حالته تلك كالمثل العليا التي يحسن تسطيرها عقل الفلاسفة، وخيال الأدباء، مكانه الذهن، أو الوجدان، ولا صلة له بحياة الناس.
ومن البدهيات أن سلامة الدولة، واستقرارها، وأمن المجتمع، وكرامة الإنسان - كل ذلك لا يتحقق إلا بقانون يضبط حركة الناس، ويحقق: المصلحة والفضيلة، وهما القوتان المحركتان لنشاط الإنسان.
إن القانون، من حيث هو قانون، لا تتحقق ماهيته إلا إذا زاوج بين المصلحة
والفضيلة.
وبدون هذه الاثنينية لا تجد قانونا.
وإن النظر الدقيق لشريعة الإسلام، بل قل: النظرة العجلى، تبين حرصها على المصلحة والفضيلة معا.
إن (القانون) موضوعي. مغموس في السياسة والمجتمع، وهو - مع هذه الموضوعية
стр. 83
ينطوي على معايير أخلاقية ليست في أصولها من هذا العالم المادي المحسوس!!
يقول منتسكيو الأديب والقانوني الفرنسي في كتابه: (في السياسة) ناقدا الوسائل السياسية لبعض الحكام - يقول: إن الساسة يجنون ثمارا لا تقدر إذا قرنوا السياسة بالأخلاق، بدل أن يقرنوها بالغش والخداع والدسائس، كما يقرر منتسكيو أن معظم المصائب السياسية تأتي من عدم فهم طبائع الناس وعاداتهم ".
وقد اطلع (منتسكيو) على مؤلفات الفرنسي (جان بودان) السياسية والتي تحدث فيها عن التزاوج دين السياسة والأخلاق.
فماذا عن اليهودية والمسيحية؟
٦ - على ضوء ما عرفنا من (طبيعة القانون) هل يمكن للتوراة أن تكون قانونا؟
لننظر.
* * *
٧ - فكرة الخلود .
الخلود الأبدي، عند الله، فكرة غير مقبولة عند اليهود، وهي عندهم أيضا، غير مفهومة.
(الصدوقيون) منهم قديما، كانوا - يرفضون فكرة الخلود.
وفكرة العدالة تحقق عندهم في هذه الدنيا.
وهؤلاء كانوا يعتبرون قلب الاستقراطية الكهنوتية، قبل المسيح بقرنين، وكانوا متمسكين بحرفية التوراة.
وفي القرون الوسطى كان (موسى بن ميمون) ، وهو أكبر فلاسفة اليهود - كان يعتبر فكرة الخلود فكرة غير ذات موضوع، وبين ذلك فى كتابه: (مرشد الحيران) .
وفي العصر الحديث كان (سبينوزا) ، فيلسوف اليهود، يصرح بأن العهد القديم لا يذكر شيئا عن الخلود.
стр. 84
أما (رينان) الفرنسي فإنه يقول: إن اليهود لم يستطيعوا أن يتقبلوا فكرة الخلود؟
لأنها لا تنسجم وفكرتهم عن (العالم) الذي يرونه ماديا فقط.
- (والإله) عند اليهود: جسم. جسد ماديّ حسي ففي التوراة، المقروءة لنا: أنه نزل يتمشّى، فلقيه إسرائيل، فتصارعا، وقال له: دعنى وأنا أباركك وشعبك.
فعرف يعقوب (إسرائيل) أنه الإله!!
- (وفكرتهم عن المسيح) المخلص، والذي سيقيم مملكة الرب - فكرتهم عن ذلك أنها إنما تتحقق هنا، على الأرض، وليس في السماء كما يؤمن المسيحيون.
كان هذا الفكر الماديّ أساسا يفسر حركة النشاط اليهودي على مر تاريخهم. ولم تكن لهم ثقافات تتجه نحو الروح وفضائل الأخلاق.
وبهذا يتبين أن القانون اليهودي لا يصلح أن يكون قانونا بشريا عاما؛ لخلوه من الجانب الروحي والأخلاقي.
هذا فضلا عما تقدم من نقض الإنجيل، وبولس لشريعة
التوراة!!
هذا، مع حرص اليهودية على نقاء الدم، فحرمت على اليهودي أن يلتصق بأجنبي (رسل ١٠) .
فماذا عن المسيحية؟
* * *
١٠ - الإله
إذا كان (يهوا) هو الإله عند اليهود، وهو إله (العدالة) ، وهو منقذ العالم الماديّ المحسوس - فإن (الإله) في المسيحية هو إله (المحبة) ، وليس إله العدالة، وأن هذا العالم المادي المحسوس لا سبيل إلى إصلاحه وتحقيق العدالة فيه!
من هنا لاحظتْ السلطات الكنسية وجود اختلافات جوهرية يين روح العهد
القديم، وروح العهد الجديد، حيث يذهب إنجيل مرقص إلى أن المسيح ألغى قانون موسى.
стр. 85
إن المسيح الذي جاء للمحبة، إنما جاء لفضيلة سماوية، لا تنتمي إلى هذا العالم الماديّ، الذي حصر اليهود (الوجود) فيه.
أ - ما موقف المسيحية من العدالة القضائية؟
ما موقف المسيحية باعتبارها دينا مجردا، من العدالة القانونية؟
إنجيل متى: ٥ - ٦ / ٣١ يجيبنا:
"إذا زلت عينك اليمنى فاقتلعها"
"إذا زلت يدك اليمنى فاقطعها".
فهل يمكن لهذه المثالية أن تصير قانونا؟
أ - وماذا عن فكرة القضاء، والعدالة الاجتماعية؟
إنجيل لوقا يجيبنا في ١٢ - ١٣ - ١٥:
سأل رجل المسيح: يا معلم، قل لأخي يشركني في الميراث.
قال المسيح: أيها الرجل، من جعلني قاضيا؟! أو مقسما بينكم؟!
١ - ما موقف المسيحية من مسألة الصلة بين الرجل والمرأة في: (٥ / ٢٨) من إنجيل (متى) ؟
الجواب:
"من نظر إلى امرأة بشهوة فكأنه قد زنا بقلبه ".
وابتدعت المسيحية الرهبنة واعتبرتها حقيقة التدين المسيحي.
والكنيسة - في سبيل تحقيق الرهبنة - لم تحرم الإخصاء، إلا في أواخر القرن التاسع عشر.
والكنيسة اعتبرت عقد الزواج عقد مقدسا.
وهذا هو الزواج المقدس الكاثوليكي.
وهو، بهذا الاعتبار، لا يمكن نقضه وإنهاؤه بأي حال.
(والعزوبة) هي الطريق الأمثل والصحيح.
أما الزواج فمجرد تسوية للمشكل، وحل وسط.
(ر. ص ٧ من رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس) .
стр. 86
وبسبب موقف الكنيسة من (عقد الزواج) وقفت بعض البلاد الأوربية موقفا ناقضًا، حيث اعتبرت (عقد الزواج) (عقدا مدنيا) كسائر العقود التي يباشرها الناس في حياتهم اليومية، ليس له قداسة دينية تضفي عليه صفة التأبيد. وذلك كما هو في (السويد) .
وهذا اقتراب فطري من نظام الإسلام الاجتماعي.
والمرأة التي تطلق لا تتزوج.
يقول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس
ص ٧: وأما المتزوجون فأوصيهم، لا أنا، بل الرب، ألا تفارق المرأة ربها، وإن فارقته فلتلبث غير متزوجة، أو لتصالح رجلها.
ولا يترك الرجل امرأته " (ر. متى ص: ٥ / ٣١ (.
وفرضت الكنيسة على المطلقة أن تظل أيمّا خمس سنوات.
ثم لما كثرت الآثام، والضجر من ذلك، والشكوى منه، خفضت الكنيسة الكاثوليكية خمس السنوات إلى ثلاث!!
وقد شاهدتُ اللواتي طلقن، وتعذّبن بهذا الحرمان، يهرعون إلى الإسلام، راغبات في التمتع بسماحة شريعته، وجانبها (الواقعي) في رعاية الغريزة الفطرية في المرأة والرجل على السواء، ولم يقل: من يتزوج مطلقة فإنه يزني (متى ص: ٥ / ٣١) .
ليت الذين زعموا، في أسئلتهم هذه، أن القرآن يدعو إلى الفحشاء - ليت هؤلاء يعقلون ما يقولون، أو يتدبرون ماعندهم.
١٤ - المسيحية والدولة:
إذا كان الزواج، والورق، من المسائل والأحوال الشخصية، فهناك ما هو أعم وأهم، ذاك هو موقفها من الدولة والسلطة.
ومن نوافل القول أن الدولة وسلطها من ضرورات قيام المجتمع والأمة، وسلامتها، وأمنها، واستقرارها.
المسيحية - كدين مجرد - منطقية مع نفسها، حين لم يكن لها نظام للدولة، وبيان للصلة بينها وبين أمتها، وحين وقفت موقف الطاعة المطلقة، أو موقف (السلب) من الدولة!
стр. 87
عرض عليه اليهود، ليحرجوه، دينارا وقالوا: لمن نعطي الجزية؟
فنظر إلى الدينار وقال: لمن هذه الصورة؟
قالوا: لقيصر. قال: أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.
وفي ص ١٣ من رسالة بولس إلى أهل رومية: لتخضع كل نفس للسلاطين، لأنه ليس سلطان إلّا من اللَّه، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب اللَّه. ..
فإنكم لأجل هذا توفون الجزية أيضا؛ إذ هم خدام الله، فأعطوا الجميع حقوقهم الجزية لمن له الجزية، والجباية لمن له الجباية. . . ".
وباسم هذه النصوص، وتحت سلطانها ساندت الكنيسة كل حكم ظالم، وكل
طاغية، حتى عاشت أوربا قرونا طوالا في ظلام الظلم والقهر الديني والسياسي، تنفس شعوبها حرَّ الظلم مرطّبا بتخدير الدِّين!!
* * *
١٥ - ما موقف المسيحية من العقل والحكمة ؟
(العقل) خاصة الإنسان، ميزه به اللَّه خالقه. وبه دبّر الإنسان حياته، واستكشف آيات الكون، وساد به الكون، وما زال.
والحجر عليه حكم على الإنسان بالإعدام، وهبوطه به عن درجته إلى دركة
العجماوات، وحرمان له من الانتفاع مما هيأ الله له في الأرض والبحر والسماء.
والحجر عليه تمهيد - باسم الدين - لرفض الدين والتدين، ودفع للإنسان إلى رذيلة - الكفر والإلحاد، على نحو ما أصيبت به أوربا في عصورها المظلمة، بينما كان العالم الإسلامي - في ظل الإسلام، وتقديره للعقل والحكمة - يعيش في ظلال الحضارة سابغة، جنى الغرب من جناها، ساعده على الخروج من محنته التاريخية!
في رسالة بولس إلى أهل كولوسي ص ٢: انظروا ألا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس حعسب أركان العالم وليس حسب المسيح ".
وكان مثل هذا النص ضروريا لتقبل المسيحية في أصول عقائدها التي تناقض العقل،
стр. 88
على نحو ما بينا آنفا، وسنبينه لاحقا، حتى شاع فيها أن الدين، في حقيقته ما هو إلا مناقض للعقل، وأن محض الإيمان إنما هو التسليم للدين وإن ناقض العقل.
وعلى هذا الأساس (غير المعقول) كان موقف الكنيسة من العلم المادي، الكاشف عن قوانين الكون.
ذاك الموقف الرافض بل المكفر، مما أدى بكثير من علماء الكون
إلى الإعدام حرقا بالنار، على حين كان العلماء، في دولة الإسلام موضع التجلّة والإكرام، حتى وإن كانوا غير مسلمين، وكان العلماء من كل ملة في مجلس الخلفاء والسلاطين قعوذا تكريما وتجلّة، والوزراء والكبراء فى هذا المجلس من قيام!!
وبينما يقول بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس ص ١:
"لأنه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء، وأرفض فهم الفُهماء..
اليهود يسألون آية، واليونان يطلبون حكمة، ولكنا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا لليهود عثرة، ولليونان جهالة".
بينما هو سيبيد حكمة الحكماء، ويرفض فهم الفهماء، يمتدح القرآن (الحكمة) ويجعلها منَّةً من منن الله (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩) .
يقول (تشالز وطس) في كتابه: (أضرار تعليم التوراة والإنجيل)
جاء في التوراة:
الحكمة هي الأصل فخذوها".
ثم جاء فيها: "بالحكمة الكثيرة كرب عظيم، ومن يكثر الحكمة يكثر حزنه". ثم ورد فيها: "حكمة العالم جهل ".
وبعد، تسألوننا: وهل يُعقل، وهل يعقل؟
أما كان الأجدر بكم أن تعودوا إِلى ما قرره كتابكم من الوعد (الإلهي) بتدمير عقل العاقل وحكمة الحكيم، والاكتفاء (بالإيمان بالمسيح المصلوب) ؟!!
اذكروا مثلنا العرفي: رمتني بدائها وانسلّت!!
* * *
١٦ - موقف المسيحية من السعي للمعاش ؟
سعي الإنسان لكسب رزقه أمر غريزي، بل هو غريزة كل الكائنات الحية، دون
стр. 89
استثناء، حتى إن من النبات ما تتجه جذوره نحو المكان الذي به الماء، ولو تغير مكان الماء أخذت الجذور في تغيير اتجاهها نحو مكانه الجديد.
هذه حقيقة طبعية ثابتة في كل الكائنات الحية، لا تحتاج إلى بيان، ولا إلى تعليل، لأن ما جاء على أصله لا يسأل عن علته.
وكل تشريع، أو موعظة تناقض الفطرة والغريزة، إنما تكون إصرا، وتكليفا بغير المستطاع، على أنه يكون نقضا للحياة ذاتها.
وإذا كانت (القوانين) - كما يعرفها (مونتسكيو) : عبارة عن علاقات ضرورية مشتقة من طبائع الأشياء - إذا كانت كذلك فمن المستحيل أن يتخذ قانونا ما يخالف طبائع الأشياء.
فما موقف المسيحية من (طبيعة السعىِ للرزق) ؟
يجيبنا إنجيل متى: ٦ / ٢٨) يقول المسيح: لم أنت قلق على ثيابك؟
انظر إلى الزنبق في الحقل كيف ينمو، إنه لا يكدح، ولا يغزل، " لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وما تشربون ".
وفي لوقا ٣/ ١٠: وسأله الجموع: ماذا نفعل؟
فأجاب وقال لهم: من له ثوبان فليعط من ليس له، ومن له طعام فليفعل كذلك.
وفي متى: ٦ / ٢٤) : "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين. . لا تقدرون أن تخدموا اللَّه والمال.
وفي كتابه (النبي) الذي كتبه بالإنجليزية في نيويورك جبران خليل جبران يقول: قد طالما أخبرتم أن العمل لعنة، والشغل نكبة ومصيبة"
ثم يُقفّى عليه بما ينقضه.
فهل يمكن لهذه المثالية أن تكون قانونا؟
* * *
стр. 90
١٧- وماذا عن صلة الرحم ؟
وما أدراك ما صلة الرحم، إنها نداء الفطرة، وفريضة الخلق السوي، وصوت الوعظة الحسنة، وهمسة الضمير السليم، فما موقف المسيحية منها؟
يقول متى: ١٢ / ٤٢ - ٤٩)
"وفيما هو يكلم الجموع إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجا
طالبين أن يكلموه. فقال له واحد: هو ذا أمك وإخوتك واقفين خارجا طالبين أن يكلموك.
فأجاب. من هي أمي ومن هم إخوتي؟
ثم مد يده نحو تلاميذه وقال: ها أنتم أمي وإخوتي؛ لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماء هو أخي وأختي وأمي ".
ومن أجل هذا النص ينسب إلى المسيح رفضه صلة الرحم!!
فهل يمكن لهذا أن يُشرّع قانونا؟
* * *
١٨ - المسيحية والكنيسة:
كان من وصايا بعض الرهبان بناء الكنائس خارج المدن على قمم تلال الجبال.
ونحن إلى اليوم، نرى كثيرا من الكنائس على هذا الاعتزال، وقد رأيت بنفسي كثيرا منها على هذه العزلة، ولما سألت. كيف يعيش أهلوها؟
قالوا: يتكفل بهم أهل القرى القريبة.
وبناء الكنائس يطابق هذه الروح: روح الاعتزال، والصمت، والإشارة إلى السماء، حيث يشير تصميمها المعماري إلى الارتفاع، إشارة إلى عالم آخر، ليس هو هذا الذي نعيش فيه.
ولما خالطوا المسلمين، في الحروب الصليبية، ورأوا مآذن المساجد - وهي ليست إلا فنا معماريا - وافقت هواهم، فصنعوا أبراج الكنائس.
والمسيح لم يوص بهذه الكنائس، ولم يكن المسيح المحور الذي تدور عليه الكنائس؟
стр. 91
لأن بطرس القديس هو رأس الكنيسة في مهدها. له كنيسة باسمه بنيت سنة ٣٢٦ ارتفاع قبتها ١٣٨ م. وعرضها ٤٢ م.
ونظام الكنيسة، أيضا، كبنائها، شيء لا صلة له بالمسيح، من حيث هو: فكرة، وتنظيم، وكوادر إدارية، ولاهوتا.
وفي القرن الرابع اتخذت الطقوس الدينية أسلوب البهرجة، واستعيرت لها بعض الطقوس الوثنية الرومانية.
وفي هذا القرن الرابع ظهر تقديس مريم، حتى كان من طوائف المسيحية من اعتبرها إلها وهم فرقة (البربرانية) .
وفي القرن الخامس أنشئ نظام (الإكليروس) وظهر لقب مطران.
هذا التعقيد الإداري والوظيفي الذي عزفت عنه الكنائس التي عرفت بالكنائس المصلحة، وهو (مصطح) يشمل، إجمالا، جميع الكنائس البروتستانية، التي نشأت من حركة الإصلاح الديني، بيدَ أن استعماله، من الناحية التاريخية، يقتصر، عادة على الكنائس المصلحة، وهي الكنائس البروتستانية التي يرتكز أصلها الكنسي على عقائد كلفن، وذلك للتمييز بينها وبين الكنائس اللوثرية والإنجيلية.
وتتبع الكنائس المصلحة، عادة، النظام المشيخي، فهي تنزع إلى شكل بسيط من العبادة، وتعزف على الطقوس المنمقة.
وهؤلاء يطلق عليهم المشيخيون. (. . .) وهم شيعة بروتستانية قديمة.
يرى أصحابها أن تكون سلطة الكنيسة بيد الشيوخ من رعيتها دينيين أم علمانيين، وأنهم جميعا سواء لا يفضل أحدهم سواه.
ومن ثم يرفضون المراتب الهرمية للكنيسة الأسقفية، ويقولون: إن هذا هو المنقول عن الرسل.
وفي سنة ٣٢٥، في اجتماع نيقية، اتفق على اتخاذ الصليب رمزا للمسيحية، وأدخل نظام العماد، والقرابين المقدسة، وكان الأساقفة هم الذين يقررون العقائد والتعاليم، بهذا كله تم إنشاء الكنيسة.
стр. 92
إن الذي جاء به المسيح هو: الإيمان الشخصي من القلب.
أما علم اللاهوت، وكل هذه التعقيدات الإدارية والوظيفية، وكل هذه الظاهر في هيكل الكنائس، وزي القساوسة. . . كل ذلك من ابتداع الكنيسة.
لقد حُوِّلت تعاليم المسيح من الجوهر الأخلاقي إلى تعقيدات الإدارة والوظيفة، وإلى الجدل الفلسفي، الذي عرف عندهم، في القرون الوسطى: (بالجدل الأسكولائي) .
وهو اسم يطلق على الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى.
وعني أصحابه بالفكر اللاهوتي والفلسفي المعتمد على سلطة الآباء اللاتينيين
وأرسطو والشارحين لفلسفته.
وعكف هؤلاء (الاسكولائيون - المدرسيون) على
تقديم البراهين النظرية لإثبات العقيدة الدينية، ونظرة الدين إلى العالم.
إن أبا المسيحية هو المسيح.
أما أبو الكنيسة فهو (بولس) واسمه الأصلي: شاءول.
روماني الجنسية، نشأ نشأة يهودية، متحمسا لدينه ووطنه، وكان يضطهد
المسيحيين الأول، وكلف من قبل رئيس الكنيس اليهودي بالذهاب إلى دمشق لمقاومة المسيحية سنة ٣٥، ثم تحول فجأة إلى المسيحية، وصار من أنشط دعاتها، واعظا ومؤسسا للكنائس.
ثم آل أمره إلى القبض عليه في روما والحكم عليه
بالإعدام صلبا، وقطع رأسه بالسيف!!
إلي هذا يرجع إنشاء الكنائس، أو إلى (أوغسطين) (٣٥٤ - ٤٣٠) أسقف مدينة هيبون، في شمال أفريقيا، من أشهر آباء الكنيسة اللاتينية، فيلسوف آراؤه قريبة جدا من الأفلاطونية الجديدة، وهو يعتبر مؤسس حياة النسك والرهبنة في أوربا.
أقول: وكلاهما: بولس وأوغسطين لم يقف بالمسيحية عند الحد الذي جاء به
المسيح: جاء المسيح بالأخلاق المسيحية، أما هذان فقد أسسا اللاهوت، والطقوس.
المسيحية كدين أخلاقي جاء بها المسيح، أما المسيحية كأسرار، فقد جاءت بها (الرسائل) .
لقد انتهى تاريخ المسيح بظهور بولس الروماني اليهودي الأصل.
стр. 93
وعلى خلاف الإنجيل اعترف بولس بالملكية، والعمل، والاقتصاد، والألقاب، والرتب، والزواج، واللامساواة، بل اعترف بالرق والعبودية. وأصبح المسيح والإنجيل في ناحية والكنيسة واللاهوت في ناحية أخرى، وبذلك تم الانفصال بين الفكرة والواقع.
بعد هذا التطواف يأتي - باختصار - هذا السؤال: هل الفكرة المثالية المجردة تصلح قانونا؟
هل الواقع المعقد المركب، المجرد عن روح الأخلاق يصلح أن يكون قانونا؟
رجال القانون يعرفونه بأنه مجموعة القواعد التي تنظم الروابط الاجتماعية، والتي يجبر الأفراد على احترامها بواسطة السلطة العامة".
فإذا كنا، في المسيحية واليهودية بين نزعة روحية صرفة، ونزعة مادية صرفة، فمدلول: الروابط الاجتماعية ليس ذا موضوع ثم نخلص إلى حقيقة علمية
خلاصتها: أن الإسلام وحده هو الدين الصالح لأن يكون قانونا.
"**
١٩ - ومن هذا العرض، أيضا ندرك سر عداء الغرب المسيحي (للسامية) اليهودية؟ ذلك
لاختلاف النزعتين: المادية والروحية.
ومنه أيضا، ننتهي إلى حقيقة أخرى، خلاصتها: عدم قدرة المسيحي الخالص على فهم الإسلام، كدين ذي وحدة ثنائية، تجعل من متقابلات الحياة نظافا تتكامل فيه هذه المتقابلات، وتتحول إلى سلوك عملي، يحكمه قانون، هو شريعة الإسلام، ثم تتسمع قواعد تشْريعه، وعقوباته فيما يسمى (عقوبة التعزيع - تتسمع إلى النموّ التشريعي الذي يستوعب كل ما يستجد من قضايا ومن مخالفات.
وهذا ما لا نظير له في اليهودية أو النصرانية.
المسيحية لا تستطيع أن تتصور (بشرًا) كاملا، ويظل، في كماله، على بشريته.
والإسلام يقرر بشرية محمد، وأنه مع ذلك هو المثل الإنساني الكامل.
стр. 94
٢٠ - هذا تحليل علمي تاريخي يبين تميزّ الإسلام، وصلاحيته لأن يكون نظام حياة ، الذي يضبطه قانون، يصلح في: تجرده، وواقعيته، وأخلاقه، ورعايته للمصلحة الإنسانية في عمومها، وما عليه، بعدُ، أن يضع من القوانين ما يحفظ عليه هويته وخاصته ومجتمعه.
ويكون المعترض على قانونه - كالمعترض على حدّ الردة - إنما
يعترض من عدم الفهم لطبيعة الإسلام، ووحدته المزاوجة بين المتقابلات.
لقد اتفق المحدثون من علماء القانون الحديث على وجود مشروعية عليا مستمدة من قيم الأمة ومبادئها.
هذه المشروعية تعلو على نصوص الدساتير والقوانين، ولا تكون
بحاجة إلى النص عليها في دستور، ولا قانون.
هذه المشروعية سابقة على نشأة الدولة وقيامها.
وهي ثابتة والدولة تدول ومن ثم كان مقام هذه الشروعية فوق
مقام الدولة، ومن الفرض على الدولة احترام هذه المشروعية، وأن عليها، فيما تضع من دستور، وما تسنّ من قوانين أن تحمي هذه الشروعية، بل إن من غايات قيام الدولة حماية هذه المشروعية.
من هذه المشروعية العليا أن الأمة الإسلامية أمة ذات رسالة، وأن رسالتها هي إبلاغ الإسلام، وأنها مكلفة بحفظه، كما أنها - ممثلة في دولة - مكلفة بسلامة بناء أمته، في بنائها الاعتقادي، وكيانها التشريعي، والسياسي.
فإذا ما تعرّضت رسالتها، أو بناؤها أو كيانها الاجتماعي، لخطر يأتيها من داخلها أو خارجها - كان من حقها.
بل من واجبها أن تتخذ من الوسائل، ومنها العقوبات، ما يحفظ عليها هويتّها ومقوّماتها.
ولا يلومها على ذلك، إلا ظلوم أو جهول!!
* * *
٢١ - وحد الردة من هذه السياسة المشروعة لحفظ هذا الكيان .
والاعتراض عليه جهل بماهية الإسلام، من الذين لا يفهمون (الدين) إلا على أنه: مجرد مثالية أخلاقية، تعلو على الواقع، ولا ينبغي لها أن تنزل إلى طبائع الحياة، وأن تتدنس بطبائع الناس.
وقد تبين لنا أن هذا (الدين المثالي) لا يصلح قانونا للناس لافتقاره إلى ركن:
стр. 95
(المصلحة) ، ولاستغراقه في (ركن المثالية الأخلاقية) .
وقد تقدم لنا قول سفر التثنية: أن الرجل الذي يعمل بطغيان فلا يسمع للكاهن، أو القاضي يقتل!
فهذا كتابكم ينطق عليكم، ويشرع قتل من لم يسمع للكاهن أو للقاضي. فما بال من يفسد في الأرض، ومن يعمل على هدم كيان أمة ودولتها بأكملها؟!
٢ - الرجوع عن الإيمان إلى الكفر يشبه الآفة التي تصيب المخ والقلب فتودي بالحياة.
فكذلك الذي يقع في ظلمات الكفر بعد أن هدى إلى نور الإيمان، تفسد روحه، ويسقم قلبه، فيذهب من نفسه أثر الأعمال الصالحة.
فإذا كان مريض القلب والعقل يقضي عليه مرضه بالموت، فكذلك الارتداد عن الإسلام، فساد في العقل، وفساد فى الوجدان، وفساد في السلوك يستلزم بتر هذا العضو ليسلم سائر المجتمع.
إن حطة الأفكار أشد خطرا على الأمة من فاتك المرض.
إن سلامة الفكر، واستقامة القلب، هما الروح القوي الذي يحفظ على الأمة، أية أمة، كيانها وبقاءها.
* * *
٢٣ - عمّ يرتد من يرتد عن الإسلام ؟
الإسلام دين إنساني عام في عقيدته وشريعته.
الإسلام يتسع صدره لأهل الديانات الأخرى.
الإسلام - مع تقريره الإخاء الإيماني بين المؤمنين به يقرر الإخاء الإنساني العام.
الإسلام يقرر العدل، حتى مع الشنآن.
الإسلام برٌّ عام للمسلم ولغيره.
стр. 96
الإسلام يكرّم الإنسان من حيث هو إنسان.
الإسلام يحلّق بالإنسان إلى آفاق الكون دراسة واستكشافا.
الإسلام يقرر أن الأرض مائدة لبني البشر جميعا.
الإسلام يحلق بالإنسان إلى رحاب العالم الباقي، ويحضه على إعمار الأرض، والبر بالإنسان تمهيدًا لطريق ذاك العالم الآخر.
الإسلام يرفع الإنسان عن عبادة مثله من بني البشر، أو عبادة الأشياء. ..
الإسلام يطلب ممن يريد الدخول فيه أن يعقله.
وأن يدخل فيه على بصيرة. ..
فعمّ يرتد المرتد عنه؟
ما يرتد مرتد عن هذه الحقائق القيمة في نفسها، القائمة بذاتها إلا عن شبهة يزيلها طلب الحق، أو عن هوى لا ينفع معه حوار أو تعليم.
فإذا كان الأول علاجه التعليم، فما للآخر إلا الدواء المرّ.
* * *
٢٤ - لكن لا غرو، من ألف تغيير حقائق دينه على نحو ما شرح لنا العرض التاريخي السالف - لا عجب من هذا أن يتعجب من كُره الإسلام لحال المرتد، وإخباره بإحباط عمله، وأن يشبه بحد الردة (على ما في هذا الحد من تفصيل يأتي بعدُ) .
* * *
٢٥ - الإسلام دين وعلم:
أما الدين فهو - على صحة فهمه - ما أوحاه اللَّه، لا ما وسوس به الناس، من مخترعات عقولهم، ووساوس خواطرهم.
فما العلم؟
إن (الإدراك الذهني) على درجات ست:
стр. 97
(العلم) وهو إدراك الشيء إدراكا مطابقا للواقع، مع إقامة الدليل عليه.
فها هنا ثلاثة أمور: إدراك - مطابقة - دليل، فإن كان إدراك ومطابقة للواقع مع العجز عن الدليل فهذا هو التقليد.
فإن كان الإدراك الذهني غير مطابق للواقع فهو: الجهل.
ولا مجال هنا لذكر الدليل نفيا أو إثباتا، إذ الجهل لا دليل معه، ولا دليل له، وحسبك أنه: الجهل.
فإن كان الإدراك الذهني متساوي الطرفين، نفيا وإثباتا، بين المطابقة وعدمها فهذا هو الشك.
وإن كان إدراك أحد طرفي الإثبات أو النفي راجحا على الآخر فهذا هو: الظن.
وإن كان نفي المطابقة أرجح، والنفي لا يطابق الواقع فهذا هو الوَهْم.
والإسلام ينفي أن يكون الإيمان بعقائده: من قبيل: الجهل، أو التقليد أو الشك أو الوهم أو الظن.
هذه خمسة مناهج في (الإيمان) يرفض الإسلام بناء الاعتقاد عليها، ولا يرتضي
الإيمان به إلا على أساس: (العلم) والعلم وحده.
فماذا تنقمون منا؟
وأي عذر للمرتد عنه؟
أيرتد عن (العلم) إلى الظن؟ بَلْه الجهل!!
إذا كان (الإيمان بالإسلام) هذا أساسه، وبناؤه، فهل يتصور - عقلا - الرجوع عنه لأمر صحيح؟ وهل يصح أن يكون هذا الرجوع (رأيا) .
* * *
٢٦ - ما الرأي ؟
مأخذ الرأي من الرؤية والوؤية نسبية ليست مطلقة وكذلك (الرأي) فإنه نسبي لا مطلق، فما تراه ليس بالضرورة يكون حقا مطابقا للحقيقة.
стр. 98
والإسلام (علم) مطلق، ليس نسبيا.
فبأي مقياس يجعل النسبي كفوا للمطلق؟
إذا من المستحيل - علما وعقلا - أن تكون الردة عن الإسلام المؤسس على العلم، رأيا سليما، ولن تكون إلا هوى، أو عبثا.
٢٧ - لكن من الحق أن تكون الردة عن (شبهة) لم يستطع صاحبها جلاءها، وهنا يأتي واصا الدولة المسلمة، لا إقامة الحد، بل جلاء الشبهة.
وما دام المشتبه صادق النية، مخلصا للبحث، متطلعا لطلب الحق، فلا بد أن تزول الشبهة، فيرجع إلى الحق..
وقد سجل تاريخ المسلمين أمثلة لذلك، من ذلك:
حوار المأمون مع نصراني أسلم ثم ارتد، فدار بينهما هذا الحوار:
المأمون: لأن أستحييك (أبقى على حياتك) بحق أحب إليَّ من أن أقتلك بحق.
ولأن أقبلك بالبراءة أحب إليَّ من أن أدفعك بالتهمة، فخبرنا عن الشيء الذي أوحشك من الإسلام، فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به، وإن أخطأك الشفاء كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك بلائمة، وتعلم أنك لم تقصر في اجتهاد، ولم تفرط في الحزم.
الموتد: أوحشني كثرة ما رأيت من الاختلاف فيكم.
المأمون: لنا اختلافان: أحدهما: كالاختلاف في الأذان، وتكبير الجنائز، واختلاف وجوه الفتيا، وما أشبه ذلك من فرعيات وليس هذا باختلاف، إنما هو تخيير وتوسعة، وتخفيف.
فمن أخذ بهذا أو ذاك لم يأثم، لا يتعايررن ولا يتعاييون.
وأنت ترى ذلك عيانا، وتشهد عليه تبيانا.
والاختلاف الآخر: كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، مع إجماعنا على
أصل التنزيل.
فإن كان الذي أوحشك هذا، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع
التوراة والإنجيل متفقا على تأويله، كما يكون متفقا على تنزيله، ولا يكون بين
стр. 99
جميع النصارى واليهود اختلاف في شيء من التأويلات.
وينبغي عليك ألا ترجع إلا إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها.
ولو شاء الله أن ينزل كتبه، ويجعل كلام أنبيائه، وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل.
ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية.
ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت
المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل.
وليس على هذا بنى الله الدنيا.
قال المرتد: أشهد ألا إله إلا الله، وأنه واحد لا ند له ولا ولد، وأن المسيح عبده، وأن محمدا صادق، وأنك أمير المؤمنين حقا!!
فأقبل المأمون على جلسائه.
فقال: احفظوا عليه عرضه، ولا تبروه في يومه، كيلا
يقول عدوه: إنه أسلم رغبة وطمعا، ولا تنسوا بعدُ نصيبكم من بره، وتأنيسه، ونصرته، والعائدة عليه.
* * *
٢٨ - ولو ذهبنا نحلل هذا الحوار لطال بنا الاستنباط، فيما يتعلق بآداب الإسلام، وشريعته، وطبيعة مجتمعه..
ولكن حسبنا من ذلك القليل من الكثير:
تأمل قول الخليفة: أحب إليَّ أن أبقي حياتك. . لم يكن بالخلفاء رغبة في الدماء، بل كان حفظ الحياة بحق أحب إليهم من القتل بحق.
إنهما حقان لكنهم تركوا حقا إلى حق هو أحق منه وأحب.
وتأمل رغبة الخليفة في براءته عن الرغبة في اتهامه وتأمل سؤاله عن الشيء الذي أوحشه من الإسلام.
إنه بذلك يفتح بابا من العلاج النفساني، حيث يفضي مريضه
بما في خاصة نفسه، وهذا يضفي عليه نوعا من الأمان، يجعله صريحا في عرض شبهته، مما يأخذ بيده إلى الجواب الصحيح.
وعلى ذلك يفضي المرتد بشبهته، ويأخذ الخليفة في بيان الحق، فيطمئن النافر، ويعود الشارد.
ثم لا تغفل وصيته لخاصته برعايته، وبره بل ونصرته، مع التحذير من معايرته،
стр. 100
وتنفيره، بل العمل على تأنيسه، ودفع التهمة عنه!
وهذه - بلغة عصركم - غاية الحرية، والديمقراطية، وهي - في الوقت نفسه - إقرار لحرية البحث، وجواز الشبهة، والرفق في علاجها.
وذلك حسبكم، إن كنتم تريدون الحق مجردًا.
إنها (الدولة) ذاتها، تقوم بهذه الرعاية، ولو شاءت لقتلت، ولكنها سنة الإسلام، في طريق السلام!!
* * *
٢٩ - هل الارتداد حرية رأي حقا ؟
إذ تبين أن الإسلام علم، وأن العلم مطابقة للواقع، ومع هذه المطابقة لا بد من إقامة الدليل، التي بدونها لا يكون علما - إن كان ذلك فمن المحال أن يكون الخروج عن الإسلام (رأيا) ، وإنما يكون خروجا عن الدولة بكل نظامها الأساسي، من شخص لا يرى إلا أنه غير منسجم وهذا النظام، أو له عداء له، فهو يلتمس معابته، والطعن فيه.
ومن الناس من يعيب الحَسَن بحُسْنه، وينقص الكامل بكماله، ويأخذ الفاضل
بفضله.
فكيف يعتذر من حسناته سيآته، ومحامده معايبه؟!
وعندئذ لا يكون (خروجه) رأيا، بل يكون هدما للحق، ونقضا لدولته، وزعزعة لأمنها!
فمن الملوم؟
الهادم الذي استدعى العقوبة لنفسه.
أم (المحافظ) على كيان الأمة؟!
* * *
٣ - لو أن هذا (الخارجي) قصر خروجه على نيته، فلا حرج عليه، فالإسلام لا يحاسب الناس على نياتهم.
ولو أنه قصر ضرره على نفسه لجاز للحاكم ألا يقيم عليه الحد؛ إذ الحد يقام
لمصلحة الأمة، ومنع الضرر عنها، فما دام لا ضرر من المرتد على الأمة، جاز للحاكم إرجاؤه مع مداومة حواره واستتابته، لمصلحته هو.
стр. 101
وقال الإمام الشافعي، ﵁: لو أن قوما أظهروا برأي الخوارج، وتجنبوا الجماعات، وأكفروهم - لم يحل بذلك قتالهم.
بلغنا أن عليا كرم اللَّه وجهه سمع رجلا يقول: لا حكم إلا لله، في ناحية المسجد: فقال علي ﵁:
كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد اللَّه أن تذكروا فيها اسم اللَّه، ولا نمنعكم الفيء، ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال.
والإمام ابراهيم النخعي يرى عدم قتل المرتد، ويرى استتابته أبدا.
وفي رواية عن عمر بن الخطاب أن المرتد يستتاب أبدا، ويودع السجن.
قال أنس بن مالك: بعثني أبو موسى الأشعري بفتح تُسْتُر إلى عمر، فسألني عمر، وكان ستة نفر من بني بكر بن وائل قد ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بالمشركين.
فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟
قال: فأخذت في حديث آخر لأشغله عنهم.
فقال. ما فعل النفر من بكر بن وائل؟
قلت: يا أمير المؤمنين، قوم ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين، ما سبيلهم إلا القتل.
فقال عمر: لأن أكون أخذتهم سلما أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين، ما كنت صانعا بهم لو أخذتهم؟
قال: كنت عارضا عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه، فإن فعلوا ذلك قبلت منهم، وإلا استودعتهم السجن!!
ولعل هذا مستند إبراهيم النخعي، وكذلك روي عن سفيان التوري.
هذا عمر بن الخطاب، وأولئك نفر من أئمة التابعين يرون عدم قتل المرتد، وهو ما يسقط تلبيسكم، ويأتي على بنيانكم من قواعده.
ومن مجموع ما تقدم يظهر أن المسألة منوطة بمصلحة الجماعة، فما دام ارتداد فرد لا يضر بالأمة، فلا حرج من تركه، لذلك تقاتل الجماعة المرتدة، ذات الشوكة؛ لأن ضررها، لا محالة واقع بالدولة وبالأمة.
* * *
٣١ - إن الثورة الفرنسية، وقد قامت على ثلاثة مبادئ: الإخاء والحرية والمساواة - قد أعدمت الكثيرين أثناء قيامها، بل بعد استقرارها، ومن قبل قيامها واستقرارها!
стр. 102
وكانت هذه الكلمات الثلاث: الحرية والإخاء والمساواة - محور الخلاف القديم بين الأنصار والخصوم.
كانت (الحرية) غرضا مقصودًا، ومبدأ مختلفا عليه، إذ كان
الملكيون يزعمون أن الملك يحكم بالحق الإلهي، فليس للرعية حرية مع راعيها - بينما يرى الثائرون أن مشيئة الشعب هي قوام الحكم. "
هذا في عصر، زعمتم أنه عصر التنوير، فما بالكم نسيتم ذلك؟
أما مبدأ الإخاء فقد كان الاختلاف عليه مجزرة قضى فيها على أكثر من مائة ألف فرنسي قبل جيلين، وأوجبت هجرة الملايين إلى غير بلادهم قبل عصر الثورات بسنوات!
فما بالكم نسيتم هذا، وتشبهون بقتل واحد مرتد لا، بل كانت العقيدة الغالبة: أن الخلاف بين المذهب الكاثوليكي، والمذهب البروتستاني خلاف بين الأبرار والأشرار، وأنه لا هوادة بين الفريقين، إلا كما تكون الهوادة بين حزب اللَّه وحزب الشيطان، وفي سبيل ذلك سالت الدماء بين الفريقين. وصدرت الأوامر الصريحة بنفي كل فرنسي يدين بنحلة غير النحلة التي ارتضاها ولاة الأمور.
لماذا تناسيتم هذا؟
٣٢ - أم حسبتم أننا نجهل ما كان عندكم من مآسي تاريخكم.
وكل هذا فيما سميتموه عصور التنوير، فما بال عصور الظلام؟!
في عصور التنوير سجن (فليتر) ، زعيم الأدباء الفرنسيين في القرن الثامن عشر، وقضى أيام سجنه في سجن (الباستيل) الشهير وكان سجنه بأمر رجال الدين ورأي الكنيسة.
ولا خرج من السجن آلى على نفسه أن يجعل مواهبه وقفا على هدم تلك
الأسوار، أسوار (الباستيل) التي تحصّن من ورائها رجال الكنيسة والملك. وأصبح (فلتير) في عصره يدعى: رسول التسامح والإصلاح.
وكان هذا اللقب في نظر الكنيسة والملك يعني: الإلحاد والثورة.
٣ - والثورة التي قامت للإخاء والحرية والمساواة، هذه الثورة كان من أعمالها ما
стр. 103
يجعل الولدان شيبا:
تألفت محكمة ثورية لمحاكمة أعداء الثورة، وكانت أحكامها نهائية، وصدرت
الأوامر بالقبض على كل من حامت حوله الشكوك.
وفي سبتمبر ٧٩٢ ١م أرسل رجال الثورة عصابات مسلحة طافت بالسجون
وأعدمت من فيها من الأشراف ورجال الدين، يقول المؤرخ الإنجليزي:
(. . .) في كتابه: (تاريخ أوربا في العصر الحديث) : وبقي هؤلاء الجلادون يزاولون عملهم الفظيع، وكلما تعبوا قدمت إليهم المرطبات، حتى إذا استعادوا قوتهم عادوا إلى عملهم الذي كان يسميه الثوار: تحرر فرنسا. وكان نساء باريس الشريرات يشاهدن ذلك بالتهليل ويحملن الطعام إلى أولئك الجزارين.
واستمرت تلك المجزرة الشنيعة أربعة أيام سرى أثناءها في غوغاء باريس روح سفك وظلمإٍ للدماء تقشعر منه الأبدان ".
ولما أعدم الملك (لويس السادس عشر) كانت الملكة: (ماري انطونيت) ما تزال في السجن مع ولدها، فصدر قرار لجنة الأمن في يوليو سنة ١٧٩٣ بأن يفصل عنها ولدها، فانتزع منها ولدها غصبا، وعهد به إلى رجل يدعى (سيمون) وصناعته إسكاف!! وبقي الصبي المسكين وحيدا في حجرة ستة شهور لم يخلع فيها قميصه.
وكانت فاتحة أعمال لجنة الأمن العام هذه: وضع قانون المشبوهين الذي يقضي بسجن كل من يشتبه في أفكاره السياسية"
وكان من نتائج ذلك اكتظاظ السجون بالمعتقلين، وللتخلص من هذه المشكلة شكلت (محكمة الثورة) التي كانت تستدعي المقبوض عليهم جماعات، وتحكم عليهم بالإعدام، بدون محاكمة، ثم يرسلون للإعدام في ميدان الثورة.
* * *
٣٤ - وهل أتاكم نبأ ما فعلت فرنسا بشعوب أفريقيا لتخرجهم من الإسلام، ولا سيما ما كان منها في الجزائر؛ وهل أتاكم ما فعلت في لبنان من إشعال حرب أهلية،
стр. 104
دامت أكثر من خمسة عشر عاما، تأييدا (للمارونيين) ضد المسلمين؟!
أين كانت (الحرية) في هذا التاريخ المضرجة صفحاته بدم الأبرياء.
حقا إن الهوى يعمي ويصمّ.
ألا تسألون أنفسكم: أين كانت الحرية، التي تتباكون عليها يوم كان الغرب
الأوربي يسوق ملايين الأحرار من الأفارقة سوق البهائم، يبيعهم للسخرة
والمهانة؟!.
لقد كان الإحصاء الرسمي لهؤلاء المخطوفين غصبا أنه خمسة عشر مليونا، وما
كانت الإحصاءات الرسمية يوما بصادقة، تزور الواقع لمصلحة أهله.
٣٥ - في القرن الثامن عشر، وهو من عصور التنور، بذلت الحكومة الروسية جهودا جدية لتنصير التتار الذين ارتدوا عن المسيحية إلى الإسلام، وبذلت كثيرا من ضروب التحويل لتعميدهم من جديد.
ففي سنة ١٧٧٨ أمرت الإمبراطورية (كاترين) الثانية بأن يوقع كل من هؤلاء الحديثي العهد بالمسيحية على إقرار كتالي يتعهدون فيه بترك خطاياهم الوثنية، وتجنب كل اتصال بالكفار المسلمين، والتمسك بالدين المسيحي
وفي القرن التاسع عشر، وفي نصفه الأخير بذلت جهود
أخرى لتنصير هذه القبائل الإسلامية.
إن الاضطهاد الديني له صفحات سود في تاريخ الغرب، لا يصعب على طالبه
الوصول إليه، سواء في بلاد الغرب أم فيما حط فيه الغربيون من بلاد.
أين، ثم أين؟
ألستم أحق بقول القرآن الكريم: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) .
في بلدنا يقولون: مات الذين يستحون بل من قول رسولنا محمد ﷺ :
"إذا لم تستح فاصنع ما شئت ".
стр. 105
٣٦ - أما بعد:
فسوف أزيدكم عجبًا وإعجابا بفقه المسلمين:
في بحوثهم في مسألة الردة سؤال: هل الردة مقصورة على خروج المسلم عن
الإسلام؟ أم تتناول غير المسلم إذا ترك دينه إلى غيره من الأديان الأخرى؟
من وجوه ذلك الفقه: أنه إن انتقل إلى مثل دينه أو إلى أعلى منه أقر عليه، ولا يعد مرتدا.
وإن انتقل إلى أنقص منه لم يُقر، ويعد مرتدا، فإذا انتقل اليهودي إلى
النصرانية، فقد انتقل إلى مثل دينه الذي كان عليه، من حيث إنهما، في الأصل، دينان سماويان، وكذلك يقرّ المجوسي إذا انتقل إلى اليهودية أو النصرانية" لأنه انتقل إلى ما هو أعلى!
وإذا انتقل اليهودي أو النصراني إلى المجوسية لم يُقر، ويعد مرتدا؛ لأنه انتقل إلى ما هو أدنى!!
انظروا، إنه الفقه العادل القائم على الحق!
انظروا إلى تقديس فقهاء المسلمين لأديان السماء.
ثم انظروا إلى انسجام الأحكام والاجتهاد فيها عند فقهاء المسلمين!
فهل من مدّكر؟
* * *
٣٧ وأيم الحق ما كان بنا حاجة في الخوض في هذه الصحائف السود.
لولا أن دفعنا إلى ذكرها الافتراء الجهول على الحق البين لكل ذي قلب سليم.
إن حرّ هذا التاريخ ممتد إلى الحاضر، في أرجاء الأرض: ماذا كان موقف فرنسا من فوز الإسلاميين في انتخابات الجزائر؟
وماذا كان الموقف، وما زال، من مسلمي الفلبين؟
وماذا كان - وما زال موقف أمريكا من حقوق الفلسطنين؟
وماذا كان موقفها من الثورة الإيرانية؟
وماذا كان موقفها من الحكم الإسلامي في السودان؟
وهل نذكر دسائسها لإحداث فتنة طائفية في مصر؟
стр. 106
ماذا نذكر وماذا ندع؟
وهل (فكرة العولمة) إلا أسلوب جديد للهيمنة على العالم، ومحاولة إخضاعه للفكر الأمريكي وقيمه الاستهلاكية؟
رحم اللَّه امرأ شغله عيبه عن عيوب الناس "!!
وإلى توابع سؤالكم
٣٨ - في سبيل هدفهم في الطعن في الإسلام، والتشكيك في كتابه ونبيه، قالوا: إن القرآن يغيّر رأيه، فكلما سألنا عن آية قالوا: هذه منسوخة.
يقولون: ونبيكم غيرّ رأيه، حين أباح زيارة القبور، بعدما منع النساء منها، وكما حرّم زواج المتعة بعد ما أباحه.
يقولون: وعلماء المسلمين يغيّرون رأيهم.
قلت: وهذا الاعتراض جهل بأمرين مهمين: جهل بأسلوب التربية الصحيح، وجهل بحكمة الإسلام في التشريع، وموافقة حكمته لأحد مناهج التربية.
كان منهج القرآن في التشريع، على أساس المنهج التربوي، هو: التدرج في تغيير العادات، والتدرج في فرض العبادات، وهذه حقيقة يعلمها من علم مناهج التربية، ومن درس تاريخ التشريع.
٣٩ - وعلى أساس هذا المنهج ترك القرآن أشياء كان عليها الجاهليون، تركها مدة، حتى
تتمكن العقيدة في نفوسهم ثم أخذ يتدرج في التحريم، كما أخذ يتدرج في
الفرائض، وذلك حرصا على تأليفهم، والرفق بهم في اقتلاعهم من عاداتهم.
وتربيتهم على تحصيل الأفضل فالأفضل، وتقديم الفاضل على المفضول.
وذلك كما قدم الإيمان بالله ومعرفته على ما سواه، لأنه الأصل، ولذلك تأخرت الواجبات عند ابتداء الإسلام، ترغيبا فيه، فإنها لو وجبت في الابتداء لنفروا من الإيمان، لثقل التكاليف.
ولذلك أخر إيجاب الصلاة إلى ليلة الإسراء.
وكذلك أخر الصيام والزكاة إلى ما بعد الهجرة، لأنها لو وجبت في الابتداء لكان إيجابها أشد
стр. 107
تنفيرا؛ لغلبة الضِّنة بالأموال.
وكذلك لو وجب الجهاد في الابتداء لأباد الكفرة أهل الإسلام لقلة المؤمنين، وكثرة الكافرين؛ ولأنهم لو أذن لهم به لتصرفوا بحماس وشِرَّة، ولكل شِرَّة فترة، كما جاء في الحديث، وبذلك تفتر هممهم، وتضَعف عزائمهم.
وفي هذه التريية توجيه للمتحمسين من شباب اليوم، الذين يلوكون كلمة (الجهاد) وهم لا يفقهون فقهها، ولم يقرنوا هذا الفقه بالواقع، ومقايسة الواقع على قدراتهم وما يستطيعون!
ومن فوائد هذا التدرج المربي قوله ﷺ :
"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"
فقد ذكر الترمذي أن الإمام الزهري سئل عن هذا الحديث، فإن ظاهره كفاية هذه الشهادة في دخول الجنة دون عمل، فقال الزهري، إنما كان هذا في أول الإسلام، قبل نزول الفرائض والأمر والنهي.
ومن المعروف المشهور أن الإسلام سكت عن شربهم الخمر؛ لتمكنها من عاداتهم، ثم أخذ في تحريمها على التدرج.
ومن ذلك نهيه عن زيارة القبور، وكانوا يعظمونها، فلما تمكنت العقيدة من قلوبهم أباحها.
ومن ذلك نهيه عن قراءة كتب أهل الكتاب ثم إباحتها، بقوله ﷺ :
"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.
وقد نُقل إلى عبد اللَّه بن عمرو حمل بعير من كتب أهل الكتاب فقرأه، وطالع كثيرا من الكتب القديمة، وكان يكتب بالسريانية وبالعربية.
قلت: وفي هذا درس لمن يقولون: لا نقرأ غير الكتاب والسنة ولا نتعلم من اللغات غير العربية!!
وعلى هذه السنة التربوية والتشريعية جرى شأن زواج المتعة.
стр. 108
٤٠ - وهنا ملحظ مهم يتعلق بمسألة التدرج في الشريعة، ذلك أن (التدرج) صفة لازمة للشريعة لا تفارقها أبدا، وليس خاصا ولا مقصورا على عصر التنزيل وزمن الرسول ﷺ
ولكن هذا التدرج الدائم يتفاوت بحسب حال المكلفين وظروفهم الخاصة، وأحوال بيئتهم، فالداخل في الإسلام حديثا، والناشئ في بلاد غير المسلمين، كالأوربيين والأمريكانيين، وكثير من هؤلاء لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، ومنهم من لم يسمع حتى اسمه - هؤلاء يلقنون أصول الدين وأركان الإسلام، ثم يتدرج به إلى الشرائع، ولا يلقن منها إلا الأهم فالأهم، ولا سيما ما يتصل - بواقع بيئته، كحرمة الزنا والربا والخمر ولحم الخنزير.
وكذلك السلم الذي لم يكن له حظ من الالتزام بشريعة الإسلام وآدابه.
ولا يتوهمن أحد أن هذا المنهج التدرجي أنه إقرار لبعض المحرمات، وتفريط في بعض الواجبات، إنما هو التزام بصفة لازمة للشريعة.
يقول الإمام ابن تيمية، في فتاويه (٢٥ / ٥٩ - ٦٥) : "فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما.
كان بيانه لما جاء به الرسول شيئا فشيئا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئًا فشيئا.
ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ولم تأتِ الشريعة جملة، كما يقال. إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع.
فكذلك المجدد لدينه والمحصي لسنته، لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به. كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها.
وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم، والمسترشد لا يمكن، فى أول الأمر، أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن
الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط.
فتدبر هذا الأصل فإنه نافع".
стр. 109
٤١ - قلت: ونحن مع شيخ الإسلام ابن تيمية في لزوم تدبر هذا الأصل، ووجوب التزامه في الدعوة في أيامنا هذه، فإن قوما ممن يتصدون للدعوة في هذه الأيام يرفضون هذا الأصل الملازم للشريعة والدعوة إليها، بحجة أن الدين قد كمل، وأنه من الواجب العمل به كله، غافلين، بل يجهلون طبائع النفس البشرية في نفورها من أصل التكليف، بله ثقله، فإذا جاءهم من يريد أن يسلم، أو من يريد أن يتعرف على الإسلام أكثروا عليه القول، حتى ينفر.
ومنهم - بتجربتي - من يبدأ، مع الغربيين، بمسائل من الشكل والفرعيات. ومنهم من يبدأ في تعريفهم بالإسلام، من الحدود ومنهم من يبدأ بالتعريف بتحريم الخمر والخنزير.
وقد قصدت قصدا إلى نقل عبارة الإمام ابن تيمية، لعلمي أنهم يقدسون قوله
تقديسا، ولا يردون له قولا، فها أنا أذكر قوله الواعي الناضج في فهم الشريعة والدعوة إليها على مدى الدهر، وكرّ الغداة ومر العشي، وهأنا أحدد مكانه تحديدا من مجلدات فتاواه.
والله يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم.
قال الإمام: ولا يعترض على هذا أن الدين قد كمل، والنعمة به قد تمت، وبكماله وتمام نعمته قد انتهى التدرج، لأن هذا الاعتراض يسلب الشريعة خاصتها التي بيّنت، ويكلف بما لا يطاق من العلم والعمل، وقاعدة التكليف في شريعة الإسلام هي: التكليف بما في الوسع، لا بما هو فوق الطاقة
(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ. . . . . . .) .
٤٢ - هذا، وكاتبُ هذه السطور ينفي نفيا قاطعا أن يكون في القرآن الذي تركه لنا الرسول ﷺ وكتبه عنه كتاب الوحي، وعارضه معه جبريل ﵇، سنتين من
آخر عمره، حتى إذا كانت الأخيرة عارضه معه مرتين، والمدون في المصحف
بإجماع الصحابة، والذي حفظوه في الصدور قبل حفظه في السطور.
أقول هذا
стр. 110
القرآن، الذي بين أيدينا، والمنقول إلينا بالتواتر، هذا القرآن ليس فيه منسوخ لا آية، ولا أكثر، هذا مع علم صاحب هذه السطور بأن مسألة النسخ من مسائل علوم القرآن، وموضوعات الفقه وأصوله، حتى إن منكر النسخ يتهم بالعظائم، فإذا كان من العلماء من يحدث هؤلاء المشبهين بأن هذه الآية أو غيرها منسوخة، فإنما يجيبون على قدر علمهم.
ولا تثريب عليهم إلا تمحيص العلم، وعدم أخذه تقليدا.
إنهم يقلدون ولا يملكون الدليل.
فكل آية في المصحف محكمة.
وقد وصف اللَّه القرآن وآياته بأنها محكمة: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) .
كما أن اللَّه أمر بالرجوع إلى القرآن.
ولو كان فيه منسوخ لاستثناه (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) .
والرسول، في حجة الوداع (حجة الإسلام) في خطبته الجامعة، التي هي منهج الدستور العملي للأمة المسلمة، قال:
"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب اللَّه وسنتي"
"كتاب اللَّه وعترتي" ولم يستثن.
ولو كان فيما تركه من القرآن منسوخ لقال، مثلا: إلا ما كان منه منسوخا.
ولو كان فيه المنسوخ، مع هذا التوجيه العام المطلق، لكان ذلك موقعا في الحيرة والتخبط، ولتنافي ذلك مع قول الرسول: تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
وما من آية، في القرآن يقال عنها منسوخة إلا ولها وجه من العمل، وحال من الأحوال تطبق فيها.
أما الآية ١٠٦ من سورة البقرة، والتي يستشهد بها (المشككون) والقائلون بالنسخ عموما: (مَا نَنسَخ مِنءَايَةٍ. . .) فإن (الآية) فيها بمعنى آيات الأنبياء السابقين، وما نوّعها اللَّه، من نبي إلى نبي، حتى ختمها بآيته الفذة: القرآن الكريم.
وإذا أولت على نسخ بعض آيات الشريعة فإنما هي إشارة إلى ما كان في عهده ﷺ -
следующие страницы →